الصحة الجنسية — التوجيه الديني
- ١ الصحة الجنسية — غريزة الجنس والموقف من الجنس
- ٢ الصحة الجنسية — النهي عن الرهبانية والقواعد الجنسية
- ٣ الصحة الجنسية — التوجيه الديني والزنا وعواقبه
- ٤ الصحة الجنسية — الأمراض الجنسية والمثلية الجنسية
- ٥ الصحة الجنسية — اعتداء على الأطفال والمرأة في الإسلام
1ـ التوجيه الديني القويم والاجتماعي السليم:
ويتم ذلك بغرس تقوى الله في نفوس الناشئة منذ الطفولة كتعويدهم على الأمانة والصدق وحب الخير للآخرين كما يحبونه لأنفسهم،وأمرهم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين والتفريق بين الأولاد في المضاجع وهم أبناء عشر سنين،فعلينا أن ندرس ميول أطفالنا وشبابنا وأن نحاول جادين تهذيب الشاذ منها وتوجيه المنحرف وتنمية المفيد الضعيف.
وإن تنمية الميول الاجتماعية والمثالية في الناشئة والمراهقين وكافة المسلمين،تلطف الميول الشخصية(أو الأنانية)وتحول دون تضخمها.ومثالها حب العمل في إسعاف البءساء والمنكوبين والتعاون في اي وجه من وجوه البر.
فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:“على كل مسلم صدقة؟،قيل أرأيت إن لم يجد؟قال:“يعين ذا الحاجة والملهوف“قال:قيل له:“أرأيت إن لم يستطع؟قال:“يأمر بالمعروف أو الخير“،قال: أرأيت إن لم يفعل. قال:“يمسك عن الشر فإنها صدقة“(رواه الشيخان).ومثالها أيضاً الانشغال في التفقه في الدين،والتقوَّى في علم من العلوم النافعة للمجتمع،وممارسة نوع من أنواع الرياضة التي تعود على الجسم بالقوة. وكل ذلك من الدين.
2 ـ ملء الفراغ بالهوايات المفيدة:
وهذا يعتمد على تنمية الميول الاجتماعية والمثالية وتطبيق ماذكر في البند السابق.ولذلك جعل الإسلام النوافل بعد الفرائض يؤديها المسلم رغبة فيما عند الله من ثواب،وفي أدائها ملء للفراغ وإشغال للنفس بذكر الله والتقرب إليه.فإن الفراغ وقوة الشباب والغنى توقظ الخواطر الردية وتفتح المجال أمام وساوس الشيطان وتوقع في المفاسد كما قال الشاعر:
إنّ الفراغ والشباب والجِدة مفسدةٌ للمرءِ أيّ مفسدة
ولقد أوصى الإسلام باغتنام وقت الفراغ وحذر من ضياعه سدى،فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:“اغتنم خمساً قبل خمس:شبابك قبل هرمك،وصحتك قبل سقمك،وغناك قبل فقرك،وفراغك قبل شغلك،وحياتك قبل موتك“(رواه الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما وقال صحيح على شرط الشيخين).
أما التسلي وملء الفراغ برؤية الافلام والصور الفاجرة،وقراءة المجلات الخليعة،وقراءة أو سماع القصص الجنسية الفاحشة،فذلك من مثيرات الغرائز الجنسية،وهذه المثيرات محرمة في الإسلام وخاصة إذا أدّت إلى عزم على ارتكاب الفاحشة.
3 ـ غض البصر:
يستلذ الناظر إلى الجنس الآخر من غير المحرمين عليه،وخاصة إذا هدأت نفسه لمنظره وسمته أو أعجبت بجماله،وقد يحرك هذا النظر خواطر الشهوة الجنسية وقد يثيرها إذا كانت متنبهة أو جائعة،فيستلذ بالنظر حينئذ أكثر مما لو كانت غير متنبهة أو غير جائعة.ونظره هذا يثير عنده الرغبة في الارتواء الجنسي.ولا يقتصر الجوع الجنسي على العازبين والعازبات لأن سرعة الجوع بعد الشبع تختلف من شخص إلى آخر،وفي ذات الشخص من حال إلى حال ومن فصل إلى فصل ومن سن إلى سن.فعلى المسلم والمسلمة أن يعتادا غضّ البصر عند رؤية الأجنبيات والأجانب ورؤية مايثير خواطر الاستمتاع الجنسي استجابة لامر الله تعالى“{قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون#وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يُبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بِخمرهنَّ على جيوبهنَّ ولا يُبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن….}(النور 30 ـ 31).
قال الرسول صلى الله عليه وسلم:“العينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع“(رواه الشيخان واللفظ لمسلم)،وقال عليه الصلاة والسلام :“إياكم والجلوس بالطرقات…فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه،قالوا:“ وما حقّ الطريق يارسول الله؟قال: غض البصر،وكفّ الأذى،وردّ السلام،والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر„(أخرجه الشيخان وأحمد وأبو داود من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه).
ماهي فلسفة سيغموند فرويد حول الجنس؟
جاء في مقال للسيد أبو النصر أحمد الحسني الهندي في مجلة الرسالة المصرية العدد 155:
„إن من نابذ الأديان العداء في العصر الحاضرهو الطبيب النمساوي الفيلسوف سيجموند فرويد صاحب المذهب الخاص في علم النفس التحليلي،فهو قد رأى في حقيقة أعمال الإنسان،بل في جميع حركاته وسكناته رأياً غريباً،وهو أن أساسها العاطفة الجنسية،وأن الولد يُولد وعنده تلك العاطفة،وأن جميع خواطر الإنسان وهواجسه من الطفولة إلى الشيخوهة ترجع إليها.وعلى هذا فالإنسان عند فرويد مجسم الشهوانية وكتلة العاطفة الجنسية،ولا حقيقة عنده للأمور المعنوية الأخلاقية البحتة التي كثيراً ما طمحت إليها نفس الإنسان لتتسم فيها ذروة الشرف،ولا لنظم الروحانية المجردة عن تلك العاطفة مثل الأديان ،ولا لأمثالها التي طالما تطلعت إليها روحه فلم يأل جهداً في حيازة كمالها.فهكذا جرد فرويد الإنسانية من أوصافا المميزة،وحطها من مراتبها الروحانية السَنية،والدرجات الأخلاقية والمعنوية الرفيعة،إلى حضيض الحيوانية والهمجية.
قرر فرويد أن الدين عبارة عن وهم محض خُلق من المُهيجات والدوافع المرفوضة في نفسية البشرن لتجد تلك المهيجات والدوافع في دائرة الدين حرية العمل غير المسدود،وأن العقائد والمذاهب الدينية ليست إلا نظريات الطبيعة الإبتدائية التي سعى بها الإنسان لإنقاذ الحقيقة من قبحها العنصري،ولجعلها شيئاً أقرب إلى رغبة القلب من غير أن تسمح بذلك حقائق الحياة.
ومبنى هذا القرار هو نظريته التي أتى لها في علم النفس التحليلي،وخلاصة تلك النظرية هي أننا حينما نقوّم بيئتنا ونرتب ما حولنا نتعرض للمهيجات والدوافع المختلفة الكثيرة فنرد عليها.وعملية هذا الرد إذا تكررت كثيراً تتحول إلى العادة فتصبح نظاماً للرد أكثر ثباتاً مما لم يتكرر،ثم هي تتقدم بالاستمرار في التعقيد،وذلك لأننا عند الرد نقبل بعض تلك المهيجات ونهصمها،ونرفض الأخرى التي لا توافق نظام ردنا الثابت،فتتراجع إلى منطقة من العقل مسماة“بالمنطقة اللاشعورية“ أو“منطقة ما تحت الشعور“،وتبقى فيها حتى تجد فرصة سانحة للإنتقام من الذات المركزية والهجوم عليها وحينئذ تقدر أن تغير خططنا للعمل،وتفسد أفكارنا،وتشيد أحلامنا وأوهامنا،أو تجرنا إلى تصورات سيرتنا الأولى التي كنا تركناها طوع سنة الارتقاء على مسافة شاسعة،فالدين عند فرويد مخلوق هذه المهيجات والدوافع المرفوضة،وثمرة اقتحامها الذات المركزية.
ويخالف الدكتور الفيلسوف محمد إقبال هذا الرأي السقيم أشد مخالفة،وقال من محاضرة له:“إن من تجرد الشيطانية عن سلطة الألوهية أن قام فرويد وأنصاره بخدمة للدين تفوق التقدير إنني لا أستطيع أن أمتنع عن القول بأن النظرية الأساسية في علم النفس الجديد هذا لا تظهر لي مؤيدة بدليل قطعي حاسم.فلو كانت مهيجاتنا ودوافعنا المتشردة تهاجمنا في الحلم أو في الأوقات الأخرى التي لسنا فيها في حالتنا الأصلية،فلا يتأتى من ذلك الهجوم أنها تبقى مسجونة في مكان يشبه مكان سقط المتاع وراء ذاتنا الطبيعية. إن هجوم هذه المهيجات والدوافع المكبوتة على منطقة ذاتنا الطبيعية يفضي أكثر إلى تبيين أن لنظام ردنا العادي تمزقاً وقيتاً من أن يثبت وجودها الدائمي في زاوية مظلمة من العقل…أما القول بأن العقائد والمذاهب الدينية ليست إلا نظريات الطبيعة الالبتدائية التي سعى بها الإنسان لإتقاذ الحقيقة من قبحها العنصري ولجعلها شيئاً أقرب إلى القلب من غير أن تسمح بذلك حقائق الحياة، فلا أنكر أن هناك أدياناً وأمثالاً من الفن تحث الإنسان على الهروب من حقائق الحياة وتساعده عليهنولكن الذي أريد أن أقول هو إنه لا يصدق على جميع الأديان.فلا نزاع في أن للمذاهب والعقائد مضامين تتعلق بما وراء الطبيعة،ولكنه أيضاً بين أنها ليست تفسير مدلولات الاختبار الذي هو موضوع بحث العلوم الطبيعية.
إن الدين غير علم الطبيعة،وعلم الكيمياء اللذين يشرحان الطبيعة بقانون السبب والمسبب،إنما الدين يقصد التعبير عن منطقة الاختبار الإنساني الذي يختلف عن غيره تمام الاختلاف ـ الاختبار الديني ـ الذي لا يمكن أن تحول مدلولاته إلى مدلولا علم آخر.وفي الحق إنه يجب علينا أن نقول في إنصاف الدين إنه أصر على ضرورة الاختبار المعين في الحياة الدينية قبل أن يعرف ذلك العلم بكثير.فالخصام بين الدين والعلم ليس بقائم على أن لأحدهما وجوداً والثاني لا وجود لهنبل على الاختبار المعينز فكلاهما يقصدان الاختبار المعين كنقطة الافتراق بينهما،وعلى هذا فالخصام المفروض بينهما ناشىء عن سوء الفهم وهو أن كلا منهما يعبر عن مدلولات الاختبار الواحد.إننا ننسى أن الدين يتوخى الوصول إلى المضمون الحقيقي لنوع خاص من الاختبار الإنساني.
ولا يمكن أن نفسر مضمون الشعور الديني بنسبته إلى عملية العاطفة الجنسية.فإن الشعورين ـ الجنسي والديني ـ في الغالب متخاصمان أو على الأقل في أوصافهما المميزة،وفي غرضيهما وفي نوع السيرة التي ينتجها كل منهما يختلفان كل الاختلاف.والحق أننا في حالة العاطفة الدينية نعلم الحقيقة الواقعية بمفهوم أنها خارجة عن دائرة شخصيتنا الضيقة،وللشدة التي تهز بها تلك العاطفة الدينية أعماق وجودنا تلوح للعالم بعلم النفس أنها ثمرة“منطقة ما تحت الشعور“. إن في كل علم يوجد عنصر العاطفة،ويزداد موضوع العلم وينقص في قيمة موضوعيته على حسب الزيادة والنقص في شدة تلك العاطفة.فإن الشىء الذي يقدر أن يهز جميع شخصيتنا هزاً شديداً أكثر حقيقة لنا“.
يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله ( منبر الإسلام السنة 16 ربيع الاخر 1378 العدد 4 ) :
„يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف „النظرة سهم مسموم من سهام إبليس _لعنه الله _ من تركها خوفاً من الله أتاه الله إيماناً يجد حلاوته في قلبه[أخرجه الطبراني والحاكم وضعفه الألباني والمنذري والهيثمي] “ .يقول الغزالي رحمه الله:“ فخطورة النظرة الخبيثة أنها محور لما يسميه علماء النفس بتداعي المعاني . إن الفيضان المدمر قد يبدأ ثقباً صغيراً في السدود الحاجزة ،والحريق المستعر قد تبدأ شرراً خفيفاً .كذلك تمرغ المرء في المعصية وتقلبه في حمأتها إنما ينشأ عن تهاون واستخفاف،النظرة العابرة تعقب قلقاً وخواطر مبلبلة، وتثير في نواحي النفس لغطاً وحيرة .. وأدنى مراتبها أنها لو لم تجلب شراً عاجلاً فهي عائق عن الفضيلة والتجرد لها، وكما قال الشاعر :
وكنت إذا أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر
أما حين يملك الرجل إرادته ويحكم نظره ويراقب ربه ويمشي في طريقه وهو موقن بأنه لن يغيب لحظة عن شهوده وهو القائل :{ يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور } [غافر 19] .
ويقول الدكتور محمد لطفي الصباغ حفظه الله (في كتاب قضايا في الدين والحياه والمجتمع ص103) :
„والنظرة سهم من سهام الشر، وقد تكون سلما إلى البلاء والشقاء وسبباً إلى مهاو من الإنحراف لا قرار لها، فكم من نظرة محرّمة آلمّت صاحبها وأفسدت عليه أمره ولم يستفد منها شيئاً محمودا ،لكنها نغصت عليه حياته التي كان قانعا بها راضيا عنها وكم من نظرة محرّمة هدمت حياة صاحبها وقوضّت دعائم سعادته وهنائه ،وقد تقوده الى الإثم الغليظ والجريمة المنكرة، وقد تقضي عليه بالمرض والعقد النفسية حتى تنتهي به إلى الموت وإن عمّ ذلك كانت الفوضى والإعتداء على الحرمات واختلاط الأنساب واختلال حبل الأمن، وتعكير صفو المجتمع، ويتابع رحمه الله :“إنّ غضّ البصر مطلوب، ولو كانت المرأة محجبة محتشمة،لأن المرأة تبقى فتنة، فقد روى مسلم والترمذي وأبو داود عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :“ إن المرأة تُقبِل في صورة شيطان (والحديث عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى امرأة ، فأتى امرأته زينب وهي تمعس(تدلك)منيئة(جلداً) لها فقضى حاجته ،ثم خرج إلى أصحابه فقال:“إنّ المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت اهله فإن ذلك يردُّ ما في نفسه “ .وفي رواية عن جابر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم“إذا أحدكم أعجبته المرأة فوقعت في قلبه فليعمد إلى امرأته فليواقعها فإن ذلك يردّ ما في نفسه„[ أخرجه مسلم ] . ولم يمنعها الشرع من المرور في الطريق إن كانت لها حاجة فوجب على المسلم أن يغضّ بصره، وغضّ البصر مطلوب في كل وقت وهو الآن مطلوب على وجه أكبر لما نرى في الشوارع من التبرُّج الساقط وعرض المحاسن وإغراء الشباب بالنظر والإثم ويتابع رحمه الله :“لقد وقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من البلاد فالنساء يخطرن كاسيات عاريات مائلات ممُيلات يتثنّين في مشيتهن ويتبخترن رؤوسهن كأسنمة البخت، وجاء في الحديث الشريف قال صلى الله عليه وسلم : “ صنفان من أهل النار لم أرهما ،قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس،ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا “ [أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه]، فقد تحققّت هذه النبؤة الصادقة فالمراة تسير في بعض البلاد وهي تلبس لباساً مزركشاً يُبرز المفاتن ولا يستر إلا القليل من جسمها بل لا تكاد تستر الواحدة منهن من جسمها إلا ماقبح مرآه والعياذ بالله تعالى، فلو قال قائل أنها كاسية كان صادقا ولو قال إنهاعارية كان صادقا، وتتزين أتمَ زينة وتتطيّب بأفخر أنواع العطر، وتنطلق الروائح الزكية قبل مرورها وبعده وهذا مُحّرم، وتختال تقطع الشوارع، إنها فتنة عظيمة فمن الجدير بالمسلم ألاّ يعرض نفسه إلى أماكن الفتنة، ويتابع رحمه الله:“إن الفتنة بالنساء أضرّ الفتن، قال صلى الله عليه وسلم :“ ماتركت بعدي فتنة اضرّ على الرجال من النساء „[ رواه الشيخان وأحمد والترمذي والنَسائي وابن ماجة]، ويتابع:“ إن الأمر بغضّ النظرهو من سد الذرائع لأن النظرة الآثمة طريق للوقوع في الحرام، والإسلام العظيم لا يمكن أن يبيح سببا مؤديا إلى منكرولا أن يُقرّ مقدمات الجريمة مع اعترافه بأنها تفضي إلى الجريمة الُمحّرمة قال شوقي:
وكن في الطريق عفيف الخُطا شريف السماع كريم النظر
وكن رجلا إن أتوا بعده يقولون مرّ وهذا الأثر
انتهى كلام الدكتور ابو لطفي الصباغ .
ويعلق الأستاذ د.محمد لطفي الصباغ على الحديث الشريف الذي رواه عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:“استحيوا من الله حق الحياء. قالوا :إنا نستحي يا نبي الله والحمد لله . قال:ليس كذلك . ولكن من استحي من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى ،وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الأخرة ترك زينة الدنيا، ومن فعل ذلك فقد استحي من الله حق الحياء “ [رواه الترمذي بإسناد حسن ]. يقول الأستاذ الصباغ:
„فالحياء من الله يقضي بأن يذكر الموت والبلى،وإنه لحديث ينطق بالحكمة، إن الحياء من الله أن يحفظ المسلم رأسه وما وعى من فكر وسمع وبصر وشم ونطق، فإذا حفظ ذلك من الإنحراف ومخالفة أمر الله أقام دليلاً على أنه يستحي من الله حق الحياء ولم يبق كلامه مجرداً عن البرهان .وأن الحياء من الله أن يحفظ المسلم بطنه وما حوى من قلب ومعدة وفرج، فإذا كان قلبه معلقاً بالله ، ولم يدخل بطنه لقمة حرام ،وحفظ فرجه عما يحرم عليه كان ممن يستحي من الله حق الحياء.انتهى كلام الدكتور الصباغ.
وهناك قصة معروفة عن فتنة النظر حدثت في خلافة عمر الفاروق رضي الله عنه ،حيث افتتنت إحدى النساء بجمال أحدهم وكان اسمه نصر بن حجاج حتى تمنّت أن تشرب الخمر وتلقاه فارسل إليه عمر الفاروق فإذا هو أحسن الناس شَعراً،وأصبحهم وجهاً، فأمره أن يحلق شعره، فظهر جبينه ووجنتاه، فازداد حُسناً، ثم أمره أن يَعتّم(أي يلبس العمامة)،فزادته العمامة زينة وغواية، فقال لايسكن معي رجل تهتف به العوائق، وزوّده بمال وأرسله إلى البصرة ليعمل في تجارة تشغله عن النساء.
وهناك واسطة أخرى للإغراء وهو الحديث والكلام الملئ بالإغراء والميوعة والإغواء ،وهذا قد يكون أشد من زنا النظر،وزنا اللسان النطق ،ويقول تعالى : {يانساءَ النَّبيّ لَستُنَّ كأحدٍ من النساء إن اتَّقيتُنَّ فلا تَخضعنَ بالقولِ فَيطمعَ الذي في قلبهِ مرضٌ }[الأحزاب 32].
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: „كُتب على ابن أدم نصيبه من الزنا ،مدرك ذلك لا محالة،
العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الإستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه “ [متفق عليه وهذا لفظ مسلم] .وفي رواية لمسلم“والفم يزني وزناه القبل“.
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الآية 32 من سورة الاحزاب:
„ينهاهن حين يخاطبن الأغراب من الرجال أن يكون في نبراتهن ذلك الخضوع اللين الذي يثير شهوات الرجال ويحرك غرائزهم،ويُطمع مرضى القلوب ويهيج رغائبهم.
ومن هنّ اللواتي يحذرهنّ الله هذا التحذير؟إنهنّ أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين،اللواتي لا يطمع فيهن طامع،ولا يرف عليهن خاطر مريض.
وفي أي عهد هذا التحذير؟في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الصفوة المختارة من البشرية في جميع الاعصار.
ولكن الله الذي خلق الرجال والنساء يعلم أن في صوت المرأة حين تخضع بالقول،وتترقق في اللفظ ما يثير الطمع في قلوب،ويهييج الفتنة في قلوب،وأن القلوب المريضة التي تُثار وتطمع موجودة في كل عهد،وفي كل بيئة،وتجاه كل امرأة،ولو كانت هي زوج النبي الكريم،وأم المؤمنين،وأنه لا طهارة من الدنس،ولا تخلص من الرجس،حتى تمتنع الأسسباب المثيرة من الأساس“.
ويقول الشيخ العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد199):
„وظاهر أن المراد بالنظرهو النظر إلى المرأة الأجنبية بشهوة والمراد بالبطش لمسها وفي معنى اليد غيرها فكل ملامسة محرمة.فاستمتاع الرجل بغير امرأته أو جاريته المملوكة له ملكاً صحيحاً شرعياً محرم كيفما كان سواء أنزل أم لم ينزل ومقتضى الحديث الصحيح الذي تقدم أن هذا الاستمتاع يسمى زنا وأن للزنا مراتب أدناها النظر بشهوة عمداً وأقصاها الفاحشة الكبرى المعروفة،وإنما وضع الحد على من انتهى إلى الدرجة القصوى لأن المضرات البدنية والأدبية التي يعاقب الحكام مرتكبيها لاتظهر إلا في هذه الدرجة فالنظر مما يكثر وقوعه ولايعرف كونه بشهوة إلا من الناظر فترتيب الحد عليه حرج عظيم لأنه من اللمم الذي ترجى مغفرته باجتناب ماوراءه{الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم}[النجم32] وأما اللمس والتقبيل فمضراته في الإصرار ومنها تجرئة مرتكبه على المحارم إذا لم يبادر إلى التوبة منه وهي مضرة روحية لا أثر لها في الأمة ـ أو الهيئة الاجتماعية كما يقولون ـ إلا إذا تعدى الرجل على المرأة أو فعل ذلك بحضور الناس ولذلك درجات تختلف باختلاف الأشخاص والمكان والزمان ليس من العدل أن توضع لها عقوبة معينة لاتختلف كما هو معنى الحد وإنما عقوبتها التعزير الذي يفوض إلى رأي الحاكم.فعلم من ذلك أن عدم وضع الحد على مثل هذه الأمور ليس دليلاً على إباحتها ولا على كونها هينة عند الله تعالى.
ويتوهم بعض الناس أن ما أشرنا إليه من أنواع الاستمتاع بالنساء دون الوقاع لم يحرم إلا لأنه مقدمة للوقاع الذي تترتب عليه المفاسد الكثيرة وإن من وثق بنفسه وقدر على منعها من الوقاع حل له أن يستمتع بالمرأة الأجنبية كما يشاء إذ لامفسدة في هذا(بزعمهم) ويقول بعض الفقهاء لاكبيرة بما دون الفتحشة الكبرى وهي الوقاع.وإنني أتعجب أشد التعجب من كون هذا مما يخفى تحريمه على مسلم ويرى إنه مما يستفتى فيه.
نعم إنه لم يحرم شيئ في الشريعة الإسلامية إلا لأنه ضار بفاعله أو بالناس مباشرة أو مفض إلى الضرر وإن استباحة استمتاع الرجال بالنساء فيما دون الوقاع ضار بالمستمتعين والمستمتعات وبغيرهم.وإن لذلك مضرات كثيرة نذكر منها على سبيل الإيجاز:
أحدها:إن هذا الاستمتاع يغري صاحبه بالشهوة، ويولعه باللذة،حتى لايكون له هم سواها،فإن من طبيعة نفس الإنسان أنها إذا أخذت بمبادئ الأمر المستلذ بالطبع تتدرج فيه حتى تصل إلى غايته،وتكون قبل الوصول إلى الغاية في بلبال وهم،وإشتغال فكر وقلب،وهذا ضرر في نفسه وهو أصل لمضرات أخرى تنشأ عنه كما يعلم مما يأتي.
ثانيها:إنه يورث النفس الصغار والضعة لأن الولوع بملاعبة النساء شر من الولوع بملاعبة الأطفال أو الحمام فإن هذه على كونها اشتغالاً بالمحقرات والسفاسف التي تنافي كبر العقل وعزة النفس ليس فيها من الخنوثة ومهانة النفس مافي الولوع بملاعبة النساء.
ثالثها:إنه يملك الهوى وحب اللذة زمام الإرادة وقلما تجد عند صاحبه عزيمة ثابتة إلا ماعساه يكون في طلب لذته،ومن يستحل الزنا فيرتكبه عند شدة الدعاية إليه في المواخير العامة لايكون عرضة لهذه الغائلة وماقبلها كالمسترسل في ملاعبة النساء والاستمتاع بهن في غير المسيس،وإن كان للزنا مضرات أخرى شر منهما.
رابعها:إنه لابد لأن ينتهي أمر هذا الاستمتاع بالفاحشة الكبرى لما فيه من الإلحاح بالإغراء،والتجرئة على العصيان،فإن كان الفاسق يستمتع بعذراء يحافظ على شرفها،ويخشى عاقبة فضيحتها،وقوي ذلك على ضبط نفسه معها،فإنه لابد أن يجمع به سلطان الهوى المطاع إلى غيرها.
خامسها:إن وازع الدين والحياء من الله تعالى يضعف ويضمحل في نفس هذا المستمتع في ذلك من الضرر الروحاني ما لامحل لشرحه هنا .
سادسها:إن هذا العاصي لسلطان الدين،الخاضع لسلطان الشهوة،لايكتفي غالباً بالاستمتاع بامرأة واحدة لاسيما إذا كانت الخلوة بها لاتيسر له دائماً فهو إذا جاء الوقت تهم به داعية الشهوة بدافع من التأثر والتأثير العصبي فيلتمس غير من عرفها أولا حتى لايضيع كثيراً من وقته ويحرم بذلك من إتقان عمله في معيشته.
سابعها:أن هذا العاصي يفسد بإسلاس قياده للذة كثيراً من النساء وهذا شر في نفسه وربما يتولد منه شرور أخرى كالتنازع بين الفاسقين أو بين الفاسق وأقارب المرأة.
ثامنها: أن في هذا التنقل في الفسق من إتلاف المال مايقل عنه كل إتلاف.
تاسعها:أن من اعتاد على التنقل في مراتع الفسق كثيراً مايرغب عن الزواج ويكتفي بالمسافحة أو اتخاذ الأخدان وفي ذلك من المفاسد مافيه.
عاشرها:أن من اعتاد ذلك يحرم في الغالب من السعادة البيتية التي ملاكها قناعة كل من الزوجين بالآخر،ومن تنقل في مراتع الفسق لايكاد يرضى بمن يتزوج بها لاسيما إذا اعتاد الاستمتاع بمن هي أجمل منها شكلاً، أو الطف في ذوقه دلا، وكذلك المرأة، وناهيك بما في فقد هذه القناعة من ضروب الشقاء،والجناية على النسل ،فإنه مخرب للبيوت التي تتألف منها الأمة.
وجملة القول أن الاستمتاع المسئول عنه ضار في ذاته ومؤد إلى الفاحشة حتماً ولكنه شر طريق إليها لأن من وقع في الفاحشة ابتداء يوشك أن يدرك قبحها ويتوب منها قبل الاسترسال فيها ولكن من يقدم لها تلك المقدمة المهيجة فإنه ينغمس فيها حتى يغرق ويكون من الهالكين“.انتهى كلام الشيخ رشيد رضا.
فإن زادت الشهوة وصعب على الشاب كبحها ولم يستطع الزواج فعليه بالصيام ،جاء في الحديث الشريف“ يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءه فليتزوج فإنه أغضّ للبصر وأحفظ للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء “ [رواه الجماعة]. (والوجاء : مايصرفه عن الشهوة)
وجاء في دائرة السفير للمعارف : الباءة في اللغة : اسم يطلق على الجماع والنكاح وأصلها من الفعل باء يبوء ويدور حول معنيين : الرجوع إلى الشئ واللزوم ،يقال باء إلى كذا : رجع اليه وباء الرجل المكان: أقام به ولزمه، ومن المعنى الثاني أطلقت الباءة على الجماع والنكاح لأن الرجل يتبوأ من أهله أي يستمكن كما يتبوأ من داره .
وجاء في لسان العرب لإبن منظور :الباءة والباء: أي النكاح ،وسمي باء من المباءه لأن الرجل يتبوأ من أهله أي يستمكن من أهله كما يتبوأ من داره .
وفي حديث أخر جاء شاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الخصاء فقال له: „صم واسأل الله من فضله „[ رواه أحمد ].
وكذلك فإن إقناع الشخص بعدم ممارسة الزنا وبيان عواقبه مما يسهل عليه الإبتعاد عنه وما أفضل عندما يجتمع الوازع الديني مع الوازع العقلي التربوي ،عن ابي أمامة قال: إن فتىً شاباً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله ائذن لي بالزنا ، فأقبل القوم عليه فزجروه فقالوا :مه مه فقال :ادنه فدنا منه قريباً قال فجلس قال :أتحبه لأمك؟ قال لا والله جعلني الله فداك ،قال ولا الناس يحبونه لأ مهاتهم، قال أفتحبه لأبنتك؟ قال لا والله يارسول الله جعلني الله فداك،قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال :أ تحبه لأختك ؟ قال لا والله جعلني الله فداك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم ،قال :أ تحبه لعمتك؟“ قال لا والله جعلني الله فداك ، قال :ولا الناس يحبونه لعماتهم،قال :أ تحبه لخالتك ؟ قال لا والله جعلني الله فداك ، قال ولا الناس يحبونه لخالاتهم،
قال فوضع يده عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه ،قال فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيئ“ [رواه أحمد في مسنده] .
يقول تعالى: {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله }[ النور 33].
وقد جاء التحذير من الزنا ومن كل مايُقرِّب منه على لسان عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم ،لأن الدين واحد والعقيدة واحدة أيضاً،كما جاء على لسان كل الأنبياء والرسل صلى الله عليهم وسلم،جاء في كتاب عباس محمود العقاد (المسيح ص129 ): “ وقيل للقدماء:لا تزن،أما انا فأقول لكم :إنّ من ينظر ألى امرأة فيشتهيها فقد زنى بها في قلبه، فإن كانت عينك اليمنى تلقي لك في العثرات فاقلعها وألقها عنك، فخير لك ان يهلك عضو لك من أن تهلك كلك „.
وقد جاء في سفر الخروج من العهد القديم: „لا تزن ولا تسرق ولا تشهد على قريبك شهادة زور ولا تشته امرأة قريبك ولا عبده ولا أمته…
وقد توعد الله عز وجل ورسوله الكريم الزاني والزانية بأقصى العقوبات في الدنيا والأخرة ،قال تعالى: {والذين لايَدعُونَ معَ اللهِ إلهاً أخرَ ولايقُتلُونَ النفسَ التي حَرّمَ الله إلّا بالحَقِّ ولا يَزنونَ ومن يَفعلْ ذلكَ يَلقَ أثاماً * يُضاعف له العذابُ يومَ القيامةِ ويَخلُد فيه مهانا} „[سورة الفرقان 68 ـ 69]،فقد قرن الله تعالى الزنا مع الشرك بالله تعالى ومع قتل النفس .وقال تعالى :{الزانيةُ والزاني فاجلدوا كُلَّ واحدٍ مِنهُما مائةَ جلدةٍ ولا تأخُذكُم بهما رَافةٌ في دين الله إن كُنتُم تُؤمِنُونَ باللهِ واليومِ الأخرِ وليَشهد عَذابَهُما طائفةٌ من المؤمنين} [النور 2]،هذا ينطبق على العزب، وأما المتزوجون والمتزوجات فالعقوبة الرجم حتى الموت.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله(الداء والدواء ص204):
„ولما كانت مفسدة الزنى من أعظم المفاسد،وهي منافية لمصلحة نظام العالم في حفظ الأنساب،وحماية الفروج وصيانة الحرمات،وتوقى مايوقع أعظم العداوة والبغضاء بين الناس،من إفساد كل منهم امرأة صاحبه وابنته وأخته وأمه،وفي ذلك خراب العالم،كانت تلى مفسدة القتل في الكبر،ولهذا قرنها الله سبحانه بها في كتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم في سننه.قال الإمام أحمد:“ ولا أعلم بعد قتل النفس شيئاً أعظم من الزنى“.
وقد أكد سبحانه حرمته، بقوله:{والذينَ لايدعونَ مع الله إلهاً آخر ولايقتلون النفسَ التي حرّمَ الله إلاّ بالحقِّ ولايزنون ومن يفعل ذلكَ يلقَ أثاماً *يُضاعف لهُ العذابُ يومَ القيامة ويخلد فيه مهاناً* إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً}[الفرقان68 ـ 70].
فقرن الزنى بالشرك وقتل النفس،وجعل جزاء ذلك الخلود في العذاب المضاعف،مالم يرفع العبد موجب ذلك بالتوبة والإيمان والعمل الصالح.
وقال تعالى:{ولاتقربوا الزنى إنّهُ كانَ فاحشةً وساءَ سبيلا}[الإسراء 32]،فأخبر عن فحشه في نفسه،وهو القبيح الذي قد تناهى قبحه حتى استقر فحشه في العقول عند كثيرمن الحيوان،كما ذكر البخاري في صحيحه عن عمرو بن ميمون الأودي قال:“رأيت في الجاهلية قرداً زنى بقردة، فاجتمع القرود عليهما فرجموهما حتى ماتا“، ثم أخبر عن غايته بأنه ساء سبيلا،فإنه سبيل هلكة وبوار وافتقار في الدنيا وعذاب وخزي ونكال في الآخرة.
ولما كان نكاح أزواج الآباء من أقبحه خصّه بمزيد ذم. فقال:{إنّهُ كانَ فاحشةً ومَقتاً وساءَ سبيلا}[النساء22].
وعلق سبحانه فلاح العبد على حفظ فرجه منه، فلاسبيل إلى الفلاح بدونه.فقال:{ قد أفلح المؤمنون* الذينَ هم في صلاتهم خاشعون* والذين هم عن اللّغوِ مُعرضون*والذين هم للزكاةِ فاعلون* والذين هم لفروجهم حافظون* إلا على أزواجهم أو ماملكت أيمانهم فإنهم غيرُ مَلومين} إلى قوله تعالى:{فمن ابتغى وراءَ ذلكَ فأولئكَ هُمُ العادون}[الفرقان 1 ـ 7].
وهذا يتضمن ثلاثة أمور:أن من لم يحفظ فرجه لم يكن من المفلحين وأنه من الملومين،ومن العادين،ففاته الفلاح، واستحق اسم العدوان،ووقع في اللوم،فمقاساة ألم الشهوة ومعاناتها ايسر من بعض ذلك.
فإمر الله تعالى نبيه أن يؤمر المؤمنين بغض أبصارهم وحفظ فروجهم وأن يعلمهم أنه مشاهد لأعمالهم، مطلع عليها{يعلمُ خائنةَ الأعينِ وماتُخفي الصدور}[غافر 19].
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في „الظلال“ :
„في الآية الثانية من سورة النور وحول موضوع جلد الزاني والزانية غير المتزوجين: „فهي الصرامة في إقامة الحد،وعدم الرأفة في أخذ الفاعلين بجرمهما،وعدم تعطيل الحد أو الترفق في إقامته،تراخياً في دين الله وحقه ،وإقامته فيمشهد عام تحضره طائفة من المؤمنين، فيكون أوجع وأوقع في نفوس الفاعلين ونفوس المشاهدين.ثم يزيد في تفظيع الفعلة وتبشيعها، فيقطع مابين فاعليها وبين الجماعة المسلمة من وشيجة:
{الزاني لا ينَكِحُ إلَّا زَانيةً أو مُشرِكةً والزانيةُ لا يَنكِحُها إلّا زَانٍ أو مُشركٌ وحُرِّمَ ذلكَ على المؤمنين}[النور 3]،وإذن فالذين يرتكبون هذه الفعلة لا يرتكبونها وهم مؤمنون. إنما يكونون في حالة نفسية بعيدة عن الإيمان وعن مشاعر الإيمان.ويتابع رحمه الله :“من هنا شدّد الإسلام في عقوبة الزنا بوصفه نكسة حيوانية، تذهب بكل هذه المعاني،وتطيح بكل هذه الأهداف،وترد الكائن الإنساني مسخاً حيوانياً،لا يفرق بين أنثى وأنثى،ولا بين ذكر وذكر. مسخاً كل همه إرواء جوعة اللحم والدم في لحظة عابرة. فإن فرق وميز فليس وراء اللذة بناء في الحياة، وليس وراءها عمارة في الأرض،وليس وراءها نتاج ولا إرادة نتاج! بل ليس وراءها عاطفة حقيقية راقية، لأن العاطفة تحمل طابع الإستمرار. وهذا ما يفرقها من الانفعال المنفرد المتقطع،الذي يحسبه الكثيرون عاطفة يتغنون بها،وإنما هي انفعال حيواني يتزيا بزي العاطفة الإنسانية في بعض الأحيان! “ .
ويقول أيضاً رحمه الله معقباً على العقوبة القاسية التي تلحق بالزاني والزانية من الجلد والرجم في سورة النور:
„والإسلام وهو يضع هذه العقوبات الصارمة الحاسمة لتلك الفعلة المستنكرة الشائنة لم يكن يغفل الدوافع الفطرية أو يحاربها.فالإسلام يقدر أنه لا حيلة للبشر في دفع هذه الميول ولا خير لهم في كبتها أو قتلها.إنما أراد الإسلام محاربة الحيوانية التي لا تفرق بين جسد وجسد،أو لا تهدف إلى إقامة بيت،وبناء عش،وإنشاء حياة مشتركة،لا تنتهي بانتهاء اللحظة الجسدية الغليظة.وأن يقيم العلاقات الجنسية على أساس من المشاعر الإنسانية الراقية،التي تجعل من التقاء جسدين نفسين وقلبين وروحين،وبتعبير شامل التقاء إنسانين،تربط بينهما حياة مشتركة،وآمال مشتركة،وآلام مشتركة،ومستقبل مشترك،يلتقي في الذرية المرتقبة،ويتفاعل في الجيل الجديد،الذي ينشأ في العش المشترك،الذي يقوم عليه الوالدان حارسين لا يفترقان.
من هنا شدّد الإسلام في عقوبة الزنا بوصفه نكسة حيوانية،تذهب بكل هذه المعاني،وتطيح بكل هذه الأهداف،وترد الكائن الإنساني مسخاً حيوانياً،لا يفرق بين أنثى وأنثى،ولا بين ذكر وذكر.مسخاً كلّ همّه إرواء جوعة اللحم والدم في لحظة عابرة.فأن فرّق وميّز فليس وراء اللذة بناء في الحياة.وليس وراءها عمارة في الأرض،وليس وراءها نتاج ولا إرادة نتاج.بل ليس وراءها عاطفة حقيقية راقية،لأن العاطفة تحمل طابع الاستمرار،وهذا ما يفرقها من الانفعال المنفرد المتقطع،الذي يحسبه الكثيرون عاطفة يتغنون بها،وإنما هي انفعال حيواني،يزيا بزي العاطفة الإنسانية في بعض الأحيان.
إن الإسلام لا يحارب الفطرة ولا يستقذرها،إنما ينظمها ويطهرها،ويرفعها عن المستوى الحيواني،ويرقيها حتى تصبح المحور الذي يدور عليه الكثير من الآداب النفسية والاجتماعية.
فأما الزنا ـ وبخاصة البغاء ـ فيجرد هذا الميل الفطري من كل الرفرفات الروحية،والأشواق العلوية،ومن كل الأداب التي تجمعت حول الجنس في تاريخ البشرية الطويل ،ويبديه عارياً غليظاً قذراً كما هو في الحيوان،بل أشد غلظاً من الحيوان.ذلك أن كثيراً من أزواج الحيوان والطير تعيش متلازمة،في حياة زوجية منظمة،بعيدة عن الفوضى الجنسية التي يشيعها الزنا ـ وبخاصة البغاء ـ في بعض بيئات الإنسان.
على أن الإسلام لا يشدد في العقوبات هذا التشديد إلا بعد تحقيق الضمانات الوقائية المانعة من وقوع الفعل،ومن توقيع العقوبة إلا في الحالات الثابتة التي لا شبهة فيها.فالإسلام منهج حياة متكامل،لا يقوم على العقوبة،إنما على توفير أسباب الحياة النظيفة.ثم يعاقب بعد ذلك من يدع الأخذ بهذه الأسباب الميسرة ويتمرغ في الوحل طائعاً غير مضطر.
فإذا وقعت الجريمة بعد هذا كله فهو يدرأ الحد ما كان هناك مخرج منه لقوله صلى الله عليه وسلم:“ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطىء في العفو خير من أن يخطىء في العقوبة„[أخرجه الترمذي من حديث عائشة رضي الله عنها].
لذلك يطلب شهادة أربعة عدول يقرون برؤية الفعل،أو اعترافاً لا شبهة في صحته.
وقد يظن أن العقوبة إذن وهمية لا تردع أحداً،لأنها غير قابلة للتطبيق.ولكن الإسلام لا يقيم بناءه على العقوبة،بل على الوقاية من الأسباب الدافعة إلى الجريمة،وعلى تهذيب النفوس،وتطهير الضمائر،وعلى الحساسية التي يثيرها في القلوب،فتتحرج من الإقدام على جريمة تقطع ما بين فاعلها وبين الجماعة المسلمة من وشيجة.ولا يعاقب إلا المتبجحين بالجريمة،الذين يرتكبونها بطريقة فاضحة مستهترة فيراها الشهود.أو الذين يرغبون في التطهير بإقامة الحد عليهم كما وقع لماعز ولصاحبته الغامدية“.
روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: „لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيّب الزاني،والنفس بالنفس،والتارك لدينه المفارق للجماعة“
يقول الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله :
„الثيب الزاني أي الزاني المُحصن المتزوّج،فمن زنى وهو متزوج بعد أن عرف الطريق إلى الحلال الطيب،وعرف نعمة الله عليه بالزوجية،ونعمة الله عليه بظلِّ الأسرة يظلّله، بعد أن عرف ذلك، ثم خان زوجته، أو عرفت المرأة ذلك ثم خانت زوجها من فعل ذلك فقد استحق الموت.استحقّ الموت رجماً..هكذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيمن زنى وهو محصن،أو زنت وهي محصنة..رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً اسمه ماعز،ورجم امرأة من غامد تعرف بالغامدية، ورجم يهوديين،وأمر أحد أصحابه واسمه أنيس أن يرجم امرأة زنت وهي متزوجة إذا اعترفت بذلك، فاعترفت فرجمها.ويتابع الشيخ حفظه الله :ولكن الإسلام لا يجعل هذه العقوبة إلا لمن يعلن بها، ويفجُر بها جهرة علانية أمام الناس، بحيث يراه أربعة من الشهود العدول المؤمنين المستقيمين، الذين لا جرح فيهم، ولا عيب في سلوكهم،وهو يرتكب الفاحشة رأي العين،علانية بلا استخفاء ولا استحياء… أو يقرّ هو على نفسه أربع مرات بأنه زنى، يقر بذلك في مجلس الحكم والقضاء“.انتهى كلام القرضاوي
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : „ثلاثةٌ لايُكلمهم الله يوم القيامه ولا يزُكيهم ولا ينظر اليهم ولهم عذاب أليم :شيخ زان،وملك كذاب، وعائل متكبر „[أخرجه مسلم] .
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قلت يارسول الله : أيّ الذنب أعظم عند الله تعالى ؟ قال: .أن تجعل لله ندا وهو خلقك، فقلت :إ ن ذلك لعظيم، ثُمّ أي ؟ قال :أ ن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت :ثُمَّ أي ؟قال : أن تزني بحليلة جارك “ [أخرجه الشيخان].
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيمن يريد ان يلم بأمرأة حامل من السبي:لقد هممت أن ألعنه لعناً يدخل معه قبره ،كيف يورثه وهو لا يحل له ؟ كيف يستخدمه وهو لا يحل له ؟ [رواه مسلم] ، ومعنى هذا أن المرأة السبية لا يحل جماعها حتى تضع وذلك من أجل حفظ المجتمع من أن تختلط فيه الأنساب.
وفي الحديث الشريف أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه قبل غزوة خيبر : „لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره_(يعني إتيان الحبالى من السبايا ) _ولا يحل لأمرئ يؤمن بالله واليوم آخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها“.[رواه أبو داود عن رويفع بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه وقال الألباني حديث حسن]
وفي صحيح البخاري في حديث منام النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه سمرة بن جندب وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه جبريل وميكائيل قال فانطلقنا فأتينا من مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع فيه لغط وأصوات،قال فاطلعنا عليه فإذا فيه رجال ونساء عراة فإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم فإذا اتاهم ذلك اللهب ضوضوا أي صاحوا من شدة حرّه فقلت من هؤلاء ياجبريل : قال :هؤلاء الزناة والزواني“ .
وفي حديث أخر : „ثلاثة لا يكلمهم الله عز وجل يوم القيامة ،ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم ،ولهم عذاب أليم :المنّان بما أعطى، والمُسبلُ إزارَه، والمُنفق سلعته بالحلف الكاذب „[أخرجه النسائي عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وقال الألباني حديث صحيح].
وجاء في الصحيحين في خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف „يا أمة محمد والله إنه لا أحد أغيّر من الله أن يزني عبده أوتزني أمته، يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ثم رفع يديه وقال اللهم هل بلغت“.
وقد رُفعت صفة المؤمن عمّن يرتكب كبيرة الزنا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : „لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن“ [رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه]، وزاد النَسائي“ فإن فعل ذلك فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه فإن تاب تاب الله عليه“.
ولكن الطامة الكبرى ان هناك من يجاهرون بالمعصية ولا يُخفونها ،قال تعالى : {إنَّ الذينَ يُحبُّونَ أن تَشيعَ الفاحشةُ في الذين آمنوا لهم عَذابٌ أليمٌ في الدُّنيا والأخرة والله يعلمُ وأنتم لا تعلمون} [النور 19]، على نفسه بالزنا]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: „كل أمتي مُعافى إلّا المجاهرين، وانّ من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله „[ متفق عليه] .والمعنى أن المجاهر: هو الذي يُظهر المعاصي ولايتحاشاها ،والجهر بالمعصية عناد واستخفاف بالله ورسوله وصالح المؤمنين .
وجاء في مجلة المنار العدد 12 للشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله:
„مراتب الرذائل والشرور خمس:
الأولى: أن يقترف الجاهل ماتدعوه إليه صفاته الرذيلة من الفواحش والمنكرات وراء الستر وحيث لاترمقه عيون الناس.
الثانية:أن يأتيها حيث تعنّ له سراً أو جهراً فلايبالي إطار اللوم أم وقع.
الثالثة:أن يدعو إليها ويرغّب فيها ،وأهل هذه المرتبة هم الذين أطلق عليهم القرآن العزيز لقب الشياطين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً.
الرابعة:أن يفتخر ويتبجح باجتراح السيئات وارتكاب المنكرات ويباهي بها الأقران، وأهل هذه المرتبة هم شرّالأشرارعلى الإطلاق كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء.
الخامسة:أن يعتقد أن ماهو فيه فضيلة وكمال بحيث يود البقاء وينتقص من يخالفه فيه.وأصحاب هذه المرتبة هم الأخسرون أعمالاً والأرذلون أخلاقاً، هم أصحاب الدرك الأسفل من الجهالة وسفاهة العقل وأفن الرأي.وليس كل مجاهر بالقبيح أو داع إليه يعتقد حسنه ونفعه ويحتقر المحسنين الأخيار بل لايصدرهذا إلا من المسخاء الذين انسلخوا من الإنسانية وهبطت بهم تربيتهم السوءى إلى مرتبة جمعوا فيها بين شهوة البهائم وخبث الشياطين،ولايمكن للقلم أن يصف شناعة هذه المرتبة ويحيط بنقائص ذويها وإنما يمكن أن يحكم حكماً جازماً بأن يشتق لهم صيغة(افعل من كل نقيصة ورزيلة )، ويعجبني في هذا الموضوع قول الفيلسوف أحمد بن مسكويه الرازي رحمه الله تعالى في كتابه تهذيب الأخلاق حيث قال:“ثم ارجع القهقرى إلى النظر في الرتبة الناقصة التي هي أدون مراتب الإنسان فإنك تجد القوم الذين تضعف فيهم القوة الناطقة وهم القوم الذين ذكرنا أنهم في أفق البهائم، تقوى فيهم النقائص البهيمية حتى يرتكبوها ولايرتدعوا عنها،وبقدر مايكون فيهم من القوة العاقلة يستحيون منها حتى يستترون منها بالبيوت ويتواروا بالظلمات إذا همّوا بلذة تخصهم، وهذا الحياء منهم هو الدليل على قبحها، فإن الجميل بالإطلاق هو الذي يتظاهر به، ويستحب إخراجه وإذاعته، وهذا القبح ليس بشئ اكثر من النقصانات اللازمة للبشروهي التي يشتاقون إلى إزالتها، وأفحشها هو أنقصها، وانقصها أحوجها إلى الستر والفن. ولو سألت القوم الذين يعظمون أمر اللذة ويجعلونها الخير المطلوب والغاية الإنسانية لم تكتمون الوصول إلى أعظم الخيرات عندكم؟وما بالكم تعدون موافقتها خيراً ثم تسترونها؟ أترون سترها وكتمانها فضيلة ومروءة وإنسانية، والمجاهرة بها وإظهارها بين أهل الفضل وفي مجامع الناس خساسة وقحة لظهر من انقطاعهم وتبلدهم في الجواب ماتعلم به سوء مذهبهم وخبث سيرتهم. وأقلهم حظاً من الإنسانية إذا رأى إنساناً فاضلاً احتشمه ووقره، إلا الشاذ منهم الذي يبلغ من خساسة الطبع ونزارة الإنسانية ووقاحة الوجه إلى أن يقيم على نصرة ماهو عليه من غير محبة لرتبة من هو أفضل منه“.
وليس فقط المجاهرة بالمعصية وإعلانها ما يستوجب العقاب الشديد من الله عز وجلّ بل أيضاً رمي النساء والفتيات المؤمنات بالزنا والمعصية يقول الله عز وجل: {والذينَ يرمونَ المُحصناتِ ثمَّ لم يأتُوا باربعَةِ شُهداءَ فاجلِدُوهم ثمانين جلدةً ولا تقبلوا لهم شهادةً أبداً وأُلئكَ همُ الفاسقون}[ النور 4]
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في “ الظلال“:
„إن ترك الألسنة تلقي التهم على المحصنات ـ وهن العفيفات الحرائر ثيبات أو أبكاراً ـ بدون دليل قاطع، يترك المجال فسيحاً لكل من شاء أن يقذف بريئة أو بريئاً بتلك التهمة النكراء، ثم يمضي آمناً! فتصبح الجماعة وتُمسي، وإذا أعراضها مجرحة، وسمعتها ملوثة، وإذا كل فرد فيها متهم أو مهدد بالإتهام،وإذا كل زوج فيها شاك في زوجه،وكل رجل فيها شاك في أصله، وكل بيت فيها مهددٍ بالإنهيار… وهي حالة من الشك والقلق والريبة لا تطاق.ويتابع رحمه الله :“لهذا، وصيانة للأعراض من التهجم، وحماية لأصحابها من الآلام الفظيعة التي تصب عليهم.. شدد القرآن الكريم في عقوبة القذف، فجعلها قريبة من عقوبة الزنا..ثمانين جلدة.. مع إسقاط الشهادة، والوصم بالفسق..والعقوبة الأولى جسدية. والثانية أدبية في وسط الجماعة، ويكفي أن يهدر قول القاذف فلا يؤخذ له بشهادة،وأن يسقط اعتباره بين الناس ويمشي بينهم متهماً لا يوثق له بكلام! والثالثة دينية فهو منحرف عن الإيمان خارج عن طريق المستقيم ..انتهى كلام سيد قطب رحمه الله.
وقد يظن البعض أن القذف والتشهير يقتصر فقط على النساء والفتيات المؤمنات، بل إنه قد يصل إلى اتهام بعض الشباب المؤمنين الصالحين وهذا الأمر حدث في القديم البعيد،وقد تجاوز المعقول والمنقول في العصر الحديث حيث أصبح التشهير بالدعاة الصالحين المؤمنين لم يعد يقتصر على الاتهامات المتعددة بالفساد والضلال والباطل والإنحراف..بل أيضاً إطلاق الإتهامات والتلفيقات في أعراضهم وعفتهم وعفّة زوجاتهن..
نعم، إنه أمر قديم حديث، وكان في الأمم السابقة أولياء صالحون، وعباد زاهدون تعرضوا لهذا النوع من الإفتراء والقذف، ومنهم جريج العابد والذي ذكرت قصته مفصّلة في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم والذي أخرجه الإمام البخاري ومسلم والذي يمكن الرجوع إليه في كتب الحديث، وقد كان عبداً صالحاً ، تربصّ به المفسدون، وحاولوا إيقاعه في الفاحشة، وتشويه وتلطيخ سمعته، فبرّأه الله،وأظهر على يديه الكرامات.وملخص القصة أن جريجاً كان في صومعته، فتعرضت له امرأة فكلمته فأبى، فأتت راعياً فأمكنته من نفسها، فولدت غلاماً، فقالت من جريج، فأتوا فكسروا صومعته، وأنزلوه وسبّوه، وتوضأ وصلى ثم أتى الغلام، فقال: من أبوك ياغلام، فقال: الراعي، فبرأه الله وأظهر على يديه الكرامات، فاعتذر منه قومه وأرادوا أن يعيدوا بناء صومعته التي هدموها من ذهب ولكنه رفض وقال إلا من طين.
نعم، هناك الكثيرين من أعداء الدين والأخلاق والأعراف من يحاول أن يشوّه سير أولياء الله وأحباؤه من الصالحين الذين لا يطيقون أن يروهم يعيشون حياة الطهر والفضيلة والعفاف والتقى وهم أي أعداء الحق والعدل والدين منغمسون في حمأة الطين، وأوحال الرذيلة ومستنقعات العفونة، فهم اشبه بالخنازير حياتهم في قذارتهم وتعاستهم في وجود النظافة والطهارة من حولهم،ولا يطيب لهم العيش إلا إذا شاركهم الأخرون انتكاسهم وارتكاسهم في حمأة الطين وأوحال الفساد والرذيلة، وكما قال عثمان بن عفان رضي الله عنه:“ ودت الزانية لو زنى النساء كلّهن“. ولابد من تنبيه الدعاة والمصلحين أيضاً إلى أن الباطل يستخدم معهم كل أنواع الأسلحة والفساد من أجل الإيقاع بهم ،ومنها سلاح تسليط النساء المفسدات الداعرات ـ كما في قصة جريج ـ فإن سلاح الشهوات والمغريات وخاصة سلاح المرأة هو من أهم الوسائل للإيقاع بالمصلحين،وهو مخطط قديم حديث ولكنه في العصر الحديث أخذ أبعاداً كبيرة، واشكالاً متعددة،وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : „فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء“ [رواه الإمام أحمد].
ولذلك فإن الزنا في الشرع له بابان :
الأول :وهو المسافحة والمسافحات المعلنات بالزنا
والثاني: المتخذات أخدان وهن ذات الخليل الواحد
قال تعالى : {وأتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بالمعروفِ مُحصناتٍ غيَر مُسَافحاتٍ ولا مُتَّخِذاتِ أخدان} [النساء 25.]
وكان أهل الجاهلية يُحرّمون ماظهر من الزنا ويَستحلّون ماخفي يقولون اما ماظهر منه فهو لؤم وأما ماخفي منه فلا بأس بذلك ، فانزل الله تعالى : {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن }[ الانعام 151.]
واخيراً وللتنويه فإن المصريين القدامى كانوا يعاقبون الرجل الزاني بسمل عينيه وكان الرومان يعاقبون الزانية بجدع أنفها ،ولذا قال الشاعر طانيوس عبده:
فلو وصلت شرائعكم إلينا على مانحن فيه من مجون
لأصبحت النساء بلا أنوف وأصبحت الرجال بلا عيون
وجاء في موسوعة العقاد (المجلد الخامس ص 451):
„وأفحش من هذا كله في باب الاجتراء على الظلم ما روى عن حكم عمليق ملك طسم وجديس،وأنه أمر ألا تُزف فتاة من جديس إلى أهلها قبل أن تُزف إليه،وأن فتاة تسمى „عفيرة“ مثل بها الملك فاستثارت قومها قائلة:
أيجمل مايؤتى إلى فتياتكم وأنت رجال فيكم عدد الرمل
إلى قولها في هذه الرواية:
وإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه فكونوا نساء لا تعاب من الكحل
ودونكم طيب العروس فإنما خلقتم لأثواب العروس وللنسل
فبعداً وسحقاً للذي ليس دافعاً ويختال يمشي بيننا مشية الفحل
هذا من جهه العقاب ولكن من جهة أخرى فان الإبتعاد عن المحرمات وخاصة الزنا ثوابه الجنة يقول تعالى في سوره المؤمنون: {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون} وتذكر الآيات أيضا :{والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ماملكت ايمانهم فإنهم غير ملومين }“ وفي نهاية الآية {أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون}.
وجاء في الحديث الشريف: “ من يضمن لي مابين لَحييه وما بين رِجليه، أضمن له الجنة“[أخرجه البخاري عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه]ومن السبعة الذين يُظلّهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله „ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين „.
هذا هو الثواب في الأخرة، ولكن هناك أيضاً ثواب الدنيا وهو حفظ الله لهذا الإنسان الذي يتجنّب الزنى،وعونه في الملّمات التي قد تقع له،ولعلّ الحديث الشريف الصحيح المتفق عليه في قصة ثلاثة نفر من الأمم السابقة الذين انطلقوا حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم مدخل الغار فدعوا الله بصالح أعمالهم فانفرجت الصخرة بسبب صالح أعمالهم ودعواتهم وخرجوا من الغار فائزين، ونورد جزءاً من هذا الحديث الشريف: „قال الآخر : „اللهم إنه كانت لي ابنة عم كانت أحبَّ الناس فأردتها على نفسها فامتنعت مني حتى ألمّت بها سنة من السنين،فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت، حتى إذا قدرت عليها، قالت: اتق الله ولا تفضَّ الخاتم إلا بحقه فانصرفت عنها وهي أحبُّ الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها،اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة…“،إن هذا الحديث النبوي الصحيح يبين كيف أنقذ الله عبده بعد أن ترك الزنا وهو قادرٌ عليه مخافة الله، فكان ثوابه أن عفا الله عنه وأنقذه من الموت،كما انقذ صاحباه الأخرين بارتكابهم أحسن الأعمال.
نعم، لقد انفرجت أساريره،بعد أن فرّجَ الله عنه،فانفرجت الصخرة،وخرج من الغار، مُكلّلاً بالغار، بعد أن صان ابنة عمه من العار، فكان له في الدنيا الفوز والانتصار،وفي الأخرة عظيم الثواب والفخار.
إنه كان فاحشة:
ذُكرت كلمة الفاحشة في القرآن الكريم ثلاثة عشرة مرة، وذُكرت الفحشاء سبع مرات،والفواحش أربع مرات ،يقول الإمام الطبري في تفسيره لقوله تعالى:{ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم}[آل عمران 135]،يقول رحمه الله: “ الفاحشة الفعلة القبيحة الخارجة عما أذن الله عز وجل، وأصل الفحش :القبح والخروج عن الحد والمقدار في كل شيئ، ومنه قيل للطويل المفرط الطول إنه لفاحش الطول،يراد به قبيح الطول خارج عن المقدار المستحسن، ومنه قيل للكلام القبيح غير القصد كلام فاحش، ويقول الطبري أما المقصود في هذه الآية فهو الزنا „.
ويقول الإمام القرطبي: “ الفاحشة تطلق على كل معصية،وقد كثر اختصاصها بالزنا ،ويقول الإمام الرازي : “ وإن لفظ الفاحشة إذا اُطلق لم يفهم منه إلاّ الزنا واذا قيل فلان فحّاش أي أنه يشتم الناس بألفاظ الوقاع ، فوجب حمل لفظ الفاحشة على الزنا فقط لا على مطلق الكبيرة،ويؤيدون ذلك عطف الفواحش على كبائر الإثم في قوله تعالى: {والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش} .
ويقول الشيخ محمد متولي شعراوي رحمه الله رحمة واسعة:
“ الفاحشة: مأخوذ من التفحّش أي التزّيد من القبح وصرفها بعض العلماء إلى الزنا لأنه يزيد في القبح لأن كل معصية تعمل وتنتهي أما الزنا فيخلف أثاراً كالإجهاض،أو أولاد الزنا،أو الفاحشة: هي الكبيرة اوما يطبق عليه الحد ويسمى الفاحش من القول بالسّباب ،والسبة هي حلقة الدبر، وسمي الفاحش بالسّباب لأنه يهدف من ذلك إبداء عورة المسبوب „.
وساء سبيلا :
إنَّ ارتكاب الزنا له تداعيات صحية ومرضية وإجتماعية ونفسية لايمكن حصرها أو التقليل من أهميتها، وقد جاءت الأحاديث النبوية الشريفة والتي تبّين بنوع من الإعجاز بعضاً منها،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا معشر المهاجرين!خصالٌ خمسٌ إذا ابتليتم بهنّ،وأعوذ بالله أن تدركوهنّ:لم تظهر الفاحشة في قوم قطّ،حتى يعلنوا بها،إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا،ولم يُنقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنينَ وشدّة المؤنة،وجور السلطان عليهم،ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء،ولولا البهائم لم يُمطروا،ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلّط الله عليهم عدوهم من غيرهم،فأخذوا بعض ما كان في أيديهم،وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله عز وجل ويتخيروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم“[أخرجه ابن ماجه والطبراني والحاكم وقال الألباني حديث صحيح].
وفي حديث آخر „ما نقض قوم العهد قطّ ،إلاّ كان القتل بينهم ،ولا ظهرت الفاحشة في قوم قط، إلّا سلطَ الله عليهم الموت، ولا منع قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر “ [رواه الحاكم والبيهقي وهو صحيح على شرط مسلم].
وحديث آخرعن ميمونة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ لا تزال أمتي بخير مالم يفش فيهم ولد الزنا فإذا فشا فيهم ولد الزنا فأوشك الله أن يعمّهم بعذاب“ [ رواه أحمد بسند صحيح ].
( وكلمه يَفشَ: أي يكثر)
وفي حديث أخر عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم „إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلّوا بأنفسهم عذاب الله „[ رواه الحاكم بسند حسن].
وفي حديث رواه أبو مالك الأشعري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : “ ليكونن من أُمتي أقوام يستحلُّون الحرّوالحرير والخمر والمعازف ،ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم أي الفقير لحاجة فيقولوا ارجع إلينا غدا فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ أخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة„[أخرجه البخاري].
( والحرّ بتشديد الراء هو الزنا، وعلم جبل ،والحديث يصف مجالس اللهو التي يعصى فيها الله تعالى ).
وجاء في جزء من حديث شريف „فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحاً طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم،ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحُمر فعليهم تقوم الساعة „[رواه مسلم ].
(والمعنى يبقى شرار الناس الذين بلغوا من الإنحطاط درجة تهون على مجتمعهم أن يجامع الرجال النساء بحضرة الناس دون مبالاة ولا اكتراث كما تفعل الحمير فعلى هؤلاء تقوم الساعه ).
جاء في الحديث الشريف :“ والذي نفسي بيده لا تفنى هذه الأمة حتى يقوم الرجل إلى المرأة فيفترشها في الطريق فيكون خيرهم يومئذ من يقول: لو واريتها وراء هذا الحائط “ [رواه أبو يعلى وقال الهيثمي ورجاله رجال الصحيح] .
وجاء أيضاً في الحديث الشريف :“إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويكثر الجهل ويكثر الزنا ويكثر شرب الخمر ويقل الرجال وتكثر النساء حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد„[متفق عليه] .
يقول الشيخ العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد305):
„للزنا مضار ومفاسد كثيرة في الصحة والأخلاق والروابط الزوجية والحياة الاجتماعية والإقتصدادية والإنتاج لأجلها كان محرماً في الأديان، فإن الله تعالى لم يحرم على الناس شيئاً إعناتاً للناس ولامنعاً لهم من التمتع باللذات التي لاضرر فيها وإنما حرّم عليهم كل ما هو ضار وأباح لهم كل ما هو نافع وما كان فيه نفع وضر فالترجيح في الشريعة لما فيه دفع المفسدة وحفظ المصلحة والمنفعة جار على الطرق الموافقة لنظام الفطرة وقوانين المنطق المعقولة،وأكثر مفاسد البغاء المستباح الذي يتخذه العواهر حرفة تكون معروفة في البلد فكل من شاء ذلك تيسر له متى شاء مادام يملك أجرة البغي.هذا الضرب من الفسق هو الذي يسرع إفساد الصحة والآداب وتقليل النسل وإيقاع الشقاق في البيوت حتى تصل إلى درجة يستباح فيها أكثر الأعراض وتفشو القيادة والدياثة حتى لايوثق بنسل أحد إلا النادر من الناس وأكثر الشبان الجاهلين لايعرفون من أمر هذه المفاسد شيئاً فيقضي الفسق على حياتهم الجسدية والأدبية والمنزلية من أول النشأة ولايعرفون من أين جاءهم البلاء بل لايدرون به إلا بعد وصوله إلى حد اليأس ولاسيما في البلاد الصغيرة التي ليس فيها مستشفيات تداوى فيها الأمراض والأدواء التي تتولد من الزنا كالزهري والسيلان، ويعتبر بما يرى فيها من العبر من كان لايعرف ذلك من الشبان.
أول رزايا البغاء وأسرعها حصولاً انتشار المرض الزهري القتال وياليت هؤلاء الشبان المساكين يعرفون شيئاً من عواقب الزهري وماينتهي إليه.
ياليت هذا الداء الخبيث لم يكن معدياً إذاً كان وباله على أولئك الفساق وحدهم وهم له مستحقون،ولكنه من الأدواء التي تسري بضروب من العدوى لايعرف طرق التوقي منها إلا من لهم إلمام بعلم الصحة ،فياحسرة على أهل بيت يغوي الشيطان أحدهم فيقوده إلى تلك المواخير النجسة فيعود حاملاً إلى أهله الأبرياء المساكين ذلك السم القتال فيلقح به امرأته وأولاده وأخوته وإخوانه وربما أصاب به والديه فإنه ينتقل بفضل الطعام وسؤر الشراب وبالتقبيل واللمس إذا كان هنالك جرح أصابه ذلك السم .
ومن رزايا هذه الفاحشة ومصائبها أن من افتتن بها يصير يؤثر الحرام على الحلال فإن كان أعزب تضعف داعية الزواج الشرعي في نفسه ولذلك يقل الزواج في جميع البلاد التي يفشو فيها الزنا ومضار ذلك كثيرة منها قلة النسل ومنها كثرة الأيامى من النساء وذلك مدعاة لخروجهن من حظيرة العفة والصيانة حتى أن العوانس من العذارى الأبكار يلجأن أحياناً يلتمسن الأخدان في البيوت السرية،فكيف يكون حال الأرامل؟وإن كان متزوجاً يهجر امرأته ولو جميلة ويأوي إلى بغي دونها جمالاً وفتاء وإن شاركه فيها من لايحصى من أسافل الناس وبذلك تضعف غيرته على العرض ويضيق ذرع امرأته ويخونها الاصطبار فتنتقم منه والجزاء من جنس العمل.
يتوهم بعض المغرورين بأنفسهم أنه يسهل عليهم الجمع بين التهتك في الفسق وبين صيانة نسائهم عنه وأن أقل نصيبهم منهم،وإنما ذلك هو الجهل والغباوة وعدم الخبرة والتجربة فما ذكرناه من إفضاء تهتك الرجال في الفسق إلى إفساد نسائهم هو من القضايا المعقولة الثابتة بالتجربة المؤيدة بحديث(عفوا تعف نساؤكم)[أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه وقال الذهبي والألباني حديث ضعيف] فإن استبعدته عقولهم الضعيفة فليعلموا أن المشاهدة والتجربة أقوى حجة من نظريات الفلاسفة الحكماء“.
ومن اقوال الصحابة رضوان الله عليهم والصالحين:
أبوبكر الصديق رضي الله عنه: “ لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا خذلهم الله بالذل ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهّم الله بالبلاء“.
عمر الفاروق رضي الله عنه :“ إنّ هذا الحق ثقيل مري،وإنّ الباطل خفيف وبي،ورُبَّ نظرة زرعت شهوة، وشهوة ساعة أورثت حزنا طويلا „( من كتاب أدب الدنيا والدين للماوردي ص54 ).
(والمريّ بالياء المشددة أي كالمري في إصلاح البدن اي إن منع النفس شهواتها وإن كان ثقيلا عليها فقد يحفظ صحة الروح كما يحفظ المري صحة البدن).
وقال أيضا رضي الله عنه: „إن الرجف من كثرة الزنى، وإن قحوط المطر من قضاة السوء وأئمة الجور“
وقال أيضا رضي الله عنه :“ مازنى قوم إلاّ تقاطعوا “
وقال علي بن ابي طالب رضي الله عنه : „إياكم وتحكيم الشهوات على أنفسكم فإنّ عاجلها ذميم وأخرها وخيم ، فإن لم ترها تنقاد بالتحذير والإرهاب فسوفها بالتأميل والإرغاب، فإن الرغبة والرهبة اذا اجتمعتا على النفس ذلت لها وانقادت „( من كتاب أدب الدنيا والدين للماوردي ).
وقال ابن عباس رضي الله عنهما “ إنّ للحسنة ضياء في الوجه ونورا في القلب وسعة في الرزق وقوة في البدن ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة اسودادا في الوجه وظلمة في القلب ووهنا في البدن ونقصا في الرزق وبغضة في قلوب الخلق „.
وقال عبد الله بن مسعود:“رُبَّ ؤشهوة تورث حزناً طويلاً“.
وقال الأحنف بن قيس :“ لا خير في لذة تُعقب ندماً“.
وقال ابن السماك وهو أحد الزهاد في زمن هارون الرشيد :“إن ترك النفس وما تهوى داؤها ،وترك ما تهوى دواؤها فاصبر على الدواء كما تخاف من الداء „.
ويقول ابن القيم رحمه الله :
“ إن من نتائج المعصية قلة التوفيق وفساد الراي وخفاء الحق وفساد القلب وخمول الذكر وإضاعة الوقت ونفرة الخلق والوحشة بين العبد وبين ربه ومنع إجابة الدعاء وقسوة القلب ومحق البركة في الرزق والعمروحرمان العلم ولباس الذل وإهانة العدو وضيق الصدر والإبتلاء بقرناء السوء الذين يفسدون القلب ويضيعون الوقت وطول الهم والغم وضنك المعيشه وكسف البال“.
ويقول ابن القيم أيضاً في إغاثة اللهفان :
„فياحسرة المحب الذي باع نفسه لغير الحبيب الأول بثمنٍ بخسٍ،شهوة عاجلة ذهبت لذتها وبقيت تبعتها وانقضت منفعتها وبقيت مضرتها فذهبت الشهوة وبقيت الشقوة وزالت النشوة وبقيت الحسرة“ .
ويقول أيضا رحمه الله :“ ومن استحى من الله عند معصيته استحى الله من عقوبته يوم يلقاه ،ومن لم يستح من معصيته لم يستح من عقوبته“.
ويقول ايضا : „إن مما ينبغي أن يعلم أن الذنوب والمعاصي تضر ولابد ان ضررها في القلب كضرر السموم في الأبدان على اختلاف درجاتها في الضرر وهل في الدنيا والاخرة شر وداء إلا بسبب الذنوب والمعاصي“.
ويقول ابن القيم أيضاً:
“ اللذة المحرّمة ممزوجة بالقبح حال تناولها مثمرة للألم بعد انقضائها، فإذا اشتدت الداعية منك إليك ففكر في انقطاعها وبقاء قبحها وألمها ثم وازن بين الأمرين وانظر مابينهما من التفاوت“.
ويقول ابن القيم في مساوىء الشهوات:
„الصبر عن الشهوة أسها من الصبر على ماتوجبه الشهوة،فإنها إما أن توجب ألماً وعقوبة،وإما أن تقطع لذة أكمل منها،وإما أن تضيع وقتاً إضاعته حسرة وندامة،وإما أن تثلم عرضاً توفيره أنفع للعبد من ثلمه،وإما أن تذهب مالاً بقاؤه خير له من ذهابه،وإما أن تضع قدراً وجاهاً قيامه خير من وضعه،وإما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذ وأطيب من قضاء الشهوة،وإما أن تطرق لوضيع إليك طريقاً لم يكن يجدها قبل ذلك،وإما أن تجلب همّاً وغمّاً وحزناً وخوفاً لا يقارب لذة الشهوة،وإما أن تُنسي علماً ذكره ألذ من نيل الشهوة،وإما أن تشمت عدواً وتحزن ولياً،وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة،وإما أن تحدث عيباً يبقى صفة لا تزول،فإن الأعمال تورث للصفات والأخلاق“.
ويقول ابن مسكوية: “ أسباب المضرات أربعة: الشهوة ويتبعها الرداءة، والشرارة أي أن يكون شريرا ويتبعها الجور، والخطأ ويتبعه الحزن، والشقاء ويتبعه الحيرة وفيها مذله وحزن“.
وقال ابن سيرين:“سمعت شريحاً يحلف بالله ماترك عبد لله شيئاً فوجد فقده“.
ويقول ابراهيم بن العباس الصولي(من كتبة الدولة العباسية) : „وقديماً غَذتِ المعصيةُ أبناءَها،فحلبتْ عليهم من دَرِّها مُرضعة،وبذلت لهم من أمانيّها مُطمعة،وركبت فيهم مخاطرَها موضعة،حتى إذا رَتعوا فأمنوا،وركبوا فاطمأنوا،وانقضى رضاع،وآن فطام، سقتهم سُمّاً، ففجرت مجاريَ ألبانها منها دماً،وأعقبتهم من غذائها مُرّا،وحطت بهم من مَعقل إلى عقال،ومن غرَّة إلى حسرة:قتلاً وأسراً، وإجاجة وقسرا“.
ويقول العلّامة الشيخ محمد أبو زهرة في قوله تعالى من سورة الفرقان :{ولا يقتلون النفس التي حرّم الله إلا بالحق ولايزنون} يقول رحمه الله :“والأمر الثالث الذي نفاه الله تعالى عن عباد الرحمن الإعتداء على النسل بالزنى،لأن إشاعة الزنى تضيع النسل ، ولا تجعل الناس في أمن ودعة ،وتضعف الوحدة الإنسانية، ويكون الناس في تناحر، وتنزل بالقيمة الإنسانية إلى دركة الحيوانية ، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :“ وما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة في رحم امرأة لا تحل له „[رواه ابن أبي الدنيا عن الهيثم بن مالك الطائي] ،وقال صلى الله عليه وسلم :“ قلت يا رسول الله :أي الذنب أعظم ؟ قال: أن تجعل لله ندّاَ وهو خلقك، قال : قلت : ثم ماذا؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قال : قلت : ثم ماذا ؟ قال : أن تزني بحليلة جارك „.( رواه الترمذي وابن حبان والبيهقي) .ويتابع رحمه الله :“ وقد ذكر سبحانه وتعالى عقاب هذه المآثم التي هي أمهات الرذائل {والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرّم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق آثاما} [الفرقان 68 ]، الأثام : جزاء الإثم وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، أي أنه جزاء من نوع ما ارتكب، ولكنه جزاء كبير،واطلاق الآثام بمعنى جزاء الإثم ،وارد في اللغة العربية فقد جاء في الكشاف هذا البيت من الشعر :
جزى الله ابن عروة حيث أمسى عقوقا والعقوق له آثام
وإن هذا الآثام شديد ،حتى أنه ليحسب أنه مضاعف الإثم ليس مثله، ولذا قال تعالى في بيان هذا الآثام وتوضيحه : {يضاعف له العذاب يوم القيامة} ، إن الله عدل، يجازي السيئة بمثلها ،ورحيم يجازي الحسنة بعشرة أمثالها ،فكيق يجعل العقاب ضعف الذنب ، أجاب عن ذلك صاحب الكشاف بأن المضاعفة لأنه عقاب الشرك،وعقاب الذنب الذي ارتكب من قتل نفس وزنى، ونقول حينئذ لا مضاعفة .
ويقول الشيخ أبو زهرة : والذي يبدو لي غير متطاول على مقام الزمخشري أن العذاب شديد عنيف حتى أنه ليبدو لدى المعاقب كأنه مضاعف للذنب،وأن المذنب دائما يحس بالجزاء كانه أكثر من الذنب، فالله تعالى يصور له العقاب كأنه مضاعف،ولأنه يتجدد آناً بعد آن ، كلما نضجت جلودهم بدلهم الله تعالى جلوداً غيرها، فهو عذاب بعد عذاب، وبهذا التكرار الدائم يكون كأنه مضاعف .وإنه عذاب دائم مستمر ،ولذا قال تعالى :“ {ويخلد فيه مهانا} „[الفرقان 69،] أي مستمر مع مهانته الشديدة الواضحة الدائمة المستمرة „.
ويقول الشيخ محمد الخضر حسين رحمه الله في رسائل الاصلاح :
„في البغاء فساد كبير وشر مستطير يفتك بالفضيلة ويدنس الأعراض، يفصم رابطة الوفاق ويبعث الأمراض القاتلة في الأجسام ،أما فتكه بالفضيلة فإنه يقتلع الحياء من منابته فلا يُبقي في نفس صاحبه ذره من الحياء ويلبس وجهه رقعة من الصفاقة، ومن لم يستح هان عليه ارتكاب ما لايليق بالإنسانية أن يرتكبه ومما يغلب على الزاني أن تكون غيرته على محارمه ضعيفة جدا أو مفقودة وشعور محارمه بتعاطيه هذه الفاحشة يسقط جانبا من مهابتهن له ويسهل عليهن بذل أعراضهن إن لم يكن ثوب العفاف منسوجا من تربية دينية صادقة، وهذا بخلاف حال من ينكر موبقة الزنا في ذاتها ويستهجنها إلى حد أن يتجنبها بنفسه ثم لا يرضاها لغيره ولا سيما ممن ينتمون إليه بنسب او صهر ومصداق ذلك القول الماثور “ عفوا تَعفُّ نساؤكم „،وأما تدنيسه للأعراض فإنه يذهب بكرامة الفتاة ويكسوها عارا لا يقف عندها بل يتعداها إلى أسرتها ويجلب لهم الخزي والمهانة وهذا يجر أن تثور بينهم وبين الزاني وأسرته العداوة والإنتقام وقد تبلغ الفتنة والقتل فتنفصم رابطة الوفاق، ومن مفاسد البغاء أن أصحابه يلقون نطفهم في حرام فيتولّد منها مخلوقات ربما اعتدي عليها بالقتل وهي أجنة أو قريبة عهد بالوضع خشية الفضيحة فتستتبع فاحشة الزنا جناية قتل النفس،وإن سلم ولد الزنا من القتل عاش محتقر الجانب مقطوع النسب ولا يجد عطف أولي القربى والسلامة من القذف باقبح الالقاب“.
ويقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله :
“ الشهوةالآثمه حلاوة ساعة ثم مرارة العمر،والشهوة المباحة حلاوة ساعة ثم فناء العمر،والصبر المشروع مرارة ساعة ثم حلاوة الأبد“.
ويقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(جدد حياتك ص92):
„والإنسان الذي يؤثر الزنا على الإحصان يدركه من الشقاء مايدرك الكلب الضال حين يتسكع لاختطاف طعامه، فيقع على جسمه من الضربات أكثر مما يدخل فمه من المضغ المنهوبة“.
وأما من الناحية الصحية: فإن للزنا عواقب شديدة يمكن ان نلخصها فيما يلي :
1ـ الأمراض المنقولة بالجنس:وسنتكلم عنها لاحقاً بشئ من التفصيل
2 ـ الإجهاض:قدرت منظمة الصحة العالمية عدد حالات الإجهاض الجنائي في العالم بخمسة وعشرين مليون حالة عام 1976م، وقد ارتفع الرقم إلى خمسين مليون حالة إجهاض سنوياً في عام 1984م حسب مانشرته مجلة التايم الأمريكية.
3 ـ العقم
الأمراض المنقولة بالجنس