الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

الصحة الجنسية — النهي عن الرهبانية

النهي عن الرهبانيه والتبتل :

إنَّ الاسلام حرّم الرهبانية „وهي العزوف عن الزواج والزهد فيه واستقذار الدافع الجنسي بنيةِ التفرغ للعبادة والتقرب الى الله  ولا سيما إذا كان الإنسان قادراً على الزواج“.

والإسلام لا يقبل قتل الشهوة بأيّ طريقة كانت، بل إنه يحضُّ على الزواج وإشباع هذه الرغبة بالحلال ،وينهى عن التبّتل والعزوف عن النساء لمن في استطاعته الزواج .عن عائشة  بنت قدامة بن مظعون عن أبيها عن أخيه عثمان بن مظعون أنه قال :يارسول الله  إني رجل تشقّ علي هذه الغربة في المغازي  فتأذن لي يارسول الله في الخصاء فأختصي ؟ قال :لا ولكن عليك يابن مظعون بالصّيام فإنه مجفر „[رواه مسلم)( نقلا عن كتاب رجال  أنزل الله بهم قرآناً للدكتور عبد الرحمن عميرة المجلد الثاني ص26).

وقال المفسرون جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فذكر الناس ووصف القيامة ولم يزدهم على التخويف فرق الناس وبكوا فاجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون وهم أبو بكر الصديق وعلي بن ابي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمروبن العاص وأبو ذر الغفاري  وسالم مولى أبي حذيفة  والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن مقرن، واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفراش ولا يأكلوا اللحم ولاالودك ولا يقربوا النساء والطيب  ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا  ويسيحوا في الارض ويترهبوا ويجبوا المذاكير، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فجمعهم  فقال : “ ألم أُنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا ،فقالوا :بلى يارسول الله وما أردنا الا الخير، فقال لهم: إني لم اؤمر بذلك ، إن لأنفسكم عليكم حقا فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وأكل اللحم والدسم ومن رغب عن سنتي فليس مني ،ثم خرج إلى الناس وخطبهم فقال : مابال أقوام حرّموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا، أما إني لست آثركم  أن تكونوا قسسيسين ولا رهبانا  فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع وإن سياحة أمتي الصيام ورهبانيتها الجهاد واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا  وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان ، فانما أهلك من كان قبلكم بالتشديد شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم فأولئك بقاياهم  في الديارات  والصوامع ، فأنزل الله تعالى :{ياأيها الذين أمنوا لا تُحرّموا طيبات ما أحلَّ الله لكم}  [المائده 87] (نقلا عن المرجع السابق المجلد الثاني ص26 و27).

جاء عن ابراهيم بن ميسرة  أن التابعي الجليل طاووس بن كيسان قال له : „لتنكحن أو لأقولن ما قاله عمر بن الخطاب لأبي الزوائد ما يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور „.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله ( من كتابه فتاوى معاصره ص485):

„لقد قرر الإسلام بعد الزواج حقّ كل من الزوجين في الإستجابة للدافع الجنسي ورغب في العمل الجنسي إلى حد اعتباره عبادة وقربة إلى الله تعالى، حيث جاء في الحديث الصحيح : “ وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا يارسول الله : أياتي أحدنا شهوته ويكون له فيها اجر ؟ قال :نعم  أليس إذا وضعها في حرام كان عليه وزر كذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر،أتحتسبون الشر ولا تحتسبون الخير “ [رواه مسلم عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه].ويتابع  حفظه الله “ ولكن الاسلام راعى أن الزوج بمقتضى الفطرة والعادة هو الطالب لهذه الناحية والمرأة هي المطلوبة وأنه أشد شوقا إليها وأقل صبراً عنها على خلاف مايشيع بعض الناس أن شهوة المرأة أقوى من الرجل  فقد اثبت الواقع خلاف ذلك وهو عين ما اثبته الشرع „.

يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله :

“ والذين جرّبوا الرهبانية ما قدروا عليها، ومازلنا نسمع العجب من فسوق الرهبان والراهبات، أومن فسوق بعض الرهبان والراهبات من يوم دير العذارى الذي روى خبره أبو الفرج الأصفهاني  في“ الأغاني “ وفي كتب الأدب عندنا أ خبار عن الأديرة  ولماذا كان يقصدها الأدباء والفسّاق من أمثال مطيع بن إياس وأبي نواس وباقي القطيع (وأما دير العذارى فهو كما يذكر ابن قتيبه( في عيون الأخبار فصل النساء  باب الزنا ص112 )“هو بين أرض الموصل  وبين بلجرما من أعمال الرقة  وهو دير قديم كان يقيم فيه نساء عذارى مترهبات وبذلك سمي دير العذارى ، ويقال أن لصوصاً نزلوا في دير العذارى ليلاً فأخذوا القس فشدوا وثاقه ثم أخذ كل منهم جارية فوجدوهن مفتضات  قد افتضهنّ القس كلهن) ،وفي هذا يقول الشاعر أبو المهند نقلاً عن عيون الأخبار:

وأفجر من راهب يدعّي                 بأن النساء عليه حرام

يحرم بيضاء ممكوره                      ويغنيه في البضع عنها الغلام

إذا مامشى غضّ من طرفه             وفي الليل  بالدير منه عرام

ودير العذارى فضوح له                وعند اللصوص حديث الأنام

(ممكورة: أي مستديرة الساقين ، وعرام أي شراسة)

يقول الداعية أبو الحسن الندوي في مقالته طبيعة الحضارة الغربية وتاريخها :

„وكانوا يفرون من ظل النساء،ويتأثمون من قربهن والإجتماع بهن،وكانوا يعتقدون أن مصادفتهم في الطريق والتحدث إليهن  ـ  ولو كن أمهات وأزواجاً أو شقيقات  ـ  تحبط أعمالهم وجهودهم الروحية، ويتابع : „إن النصرانية الرومية قد حاولت عبثاً تغيير الفطرة وإزالتها،وجاءت بنظام لا تطيقه الفطرة الإنسانية ولا تسيغه،وحَّملت النفوس ما لا طاقة لهابه،فرغبت فيه كرد فعل ضد المادية الطاغية واحتملته كارهة ،ثم تخلصت منه وثارت عليه ،ولم تقدر النصرانية  ـ بإسرافها في الرهبانية والزهد ومكابرتها للفطرة والواقع  ـ  أن تصلح ما فسد من أخلاق الناس وعوائدهم، وتمسك بضبع المدنية الساقطة إلى الهاوية وتمنعها من التردي، فكانت حركة الفجور والإباحة وحركة الغلو في الزهد والرهبانية تسيران في البلاد النصرانية جنباً إلى جنب ،بل الأصح أن الرهبانية كانت معتزلة في الصحارى والفلوات،لا سلطان لها على الحياة، وحركة الخلاعة والإباحة كانت زاخرة طامة في المدن والحواضر“ .

ولننظر إلى مايقولونه هم عن أنفسهم ،ذكرت مجلة“ ميديكال تريبون“( عام 1987في الثامن من ايلول ): „حوالي خمسين بالمائة من القساوسة الذين تركوا مهنتهم  كانوا يشكون من صعوبات جنسية هذا ماصرح به د .ثوماس كلاوس من معهد شولتز في برلين وأدلى به في مؤتمر علم الجنس الثامن من خلال خبراته مع 1500 راهب وقس،وذكر أن المشكلة الكبيرة التي كانوا يواجهونها هي زعم الكنيسة أن إرادة الإنسان هي أقوى دوماً من الغريزة الجنسية ولكن تبّين أن الإيمان بهذا الإدعاء أدى إلى إصابة الكثيرين منهم بالعُصاب والاكتئاب والبعض منهم كان يحدث نفسه بالإنتحار، وإن الكثير منهم انعكس ذلك على نفسه وعائلته وعمله في الكنيسة كما أنه لم يعد خافياً مانسمعه اليوم عن الفضائح الجنسية المتكررة وعن لجوء بعض القساوسة إلى الشذوذ الجنسي وممارسة فعل قوم لوط ،كما أنه لم يعد نادراً  لجوئهم إلى ارتكاب الشذوذ الجنسي مع القاصرين من الصبية والفتيات “ .

حكم وقواعد في الصحة الجنسية:

1ـ الإغتسال:

لقد جعل الإسلام الغسل فريضة في حالات أربع:

أولاً: الغسل من الجنابة

ثانياً: الغسل من الحيض عند انقطاعه

ثالثاً: الغسل في النفاس

رابعاً: غسل المسلم الميت إلا إذا كان شهيدا

وما عدا هذا فإن هناك أنواعاً من الغسل المسنون والمندوب ،كغسل يوم الجمعة وغيرها يمكن الرجوع اليها في كتب الفقه.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله (في كتاب فتاوى معاصرة):

“ الغسل بعد الجنابة فريضة إسلامية ثبتت بالكتاب والسنة والإجماع ،فمن الكتاب قوله تعالى:{ وإن كنتم جُنباً فاطهروا}  [المائده 6] ،وقوله تعالى {يا أيها الذين أمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ماتقولون ولا جُنبًا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا } [النساء 25].

ومن السنة أحاديث كثيرة غزيرة متفق عليها،وقد أجمع المسلمون من كل المذاهب،وفي كل القرون على أن الغسل فرض بعد الجماع والإنزال وأصبح هذا الحكم من المعلوم من دين  الإسلام بالضروره بحيث يخرج من أنكره عن زمره المسلمين ولا يستحق اسم الإسلام إلا أن يكون حديث عهد بدخول الاسلام،ويتابع  حفظه الله: “ وإن الإغتسال بعد الجماع لا يخلو من حكمة لمن أنصف وتأمل ونظر نظرة أعمق ويقول:“ ويعجبني هنا ما قاله  الإمام ابن القيّم رداً على من عجب من تفرقة الشارع بين المني والبول،فأوجب الغسل من المني  دون البول، قال :

„هذا من أعظم محاسن الشريعة  وما اشتملت عليه من الرحمة والحكمة  والمصلحة فإن المني يخرج من جميع البدن، ولهذا أسماه الله سلالة لأنه يسل من جميع البدن فتأثر البدن بخروجه أعظم من تأثره بخروج البول، وأيضا فان الإغتسال من خروج المني من أنفع شيئ للبدن والقلب والروح  فإنها تَقوى بالإغتسال، والغسل يخلف على البدن ماتحلل منه بخروج المني وهذا أمر يعُرف بالحس ،وأيضا فإن الجنابة توُجب ثقلاً وكسلاً،والغسل يحدث له نشاطاً وخفة، ولهذا قال أبو ذر لما اغتسل من الجنابة:“كأنما  القيت عني حملا „،ويتابع الدكتور القرضاوي فيقول:

“  ويلوح لي سر أخر: أن المؤمن لا يعيش لغريزته وشهواته فحسب ولكنه يعيش لرسالة الله قبل أي شيئ آخر ولله تعالى عليه حق في كل عمل، وفي الجماع قد أدى حق نفسه وحق زوجته بقضاء الشهوة، بقي حق الله تعالى وهو مايؤديه بالإغتسال على أن من حكمة الله تعالى أنه ربط نظافة الإنسان بأسباب طبيعية لا يمكنه الفرار منها كخروج شيئ من السبيلين في الوضوء، وكالجماع في الغسل لتكون هذه الأسباب المتكررة سياطا تسوق الانسان وإن تراخى وتكاسل إلى نظافة أطرافه أو نظافة جسده كله „.

يقول الدكتور حسن هويدي رحمه الله  نقلا عن أحد أعداد مجلة حضارة الإسلام : „شرّع الإسلام الغسل من الحدث   الأكبر للأغراض التالية:

أولاً:   أول مايجب ان يعلمه المسلم أن الغسل طاعة وعبادة تَعود على صاحبها بالثواب إذا ابتغى بذلك وجه الله تعالى، وهذا شأن الإسلام حين يشرع أمر فإنه يراعي فيه مصلحة المرء في الدنيا والآخرة.

ثانيا ً: الغسل وسيلة من وسائل النظافة التي شرعها الإسلام كالوضوء والإستياك وقص الأظافر وحلق العانة، وقد جاءت التشريعات الصحية والعلمية تؤيد هذا الأمر وتحث عليه.

ثالثاً:  يؤدي الجماع ونهاية الإتصال الجنسي إلى فتور واسترخاء ،ويُعلّل ذلك من الناحية الغريزية بوهن في الجملة العصبية وتوسع دوراني في الأوعيه المحيطية،فالغسل يعيد إلى الجملة العصبية نشاطها  وللدورة الدموية توازنها واعتدالها ،وبالتالي فإن الغسل يقضي على الوهن  الناجم عن الوقاع ويعيد الحيوية إلى الأبدان .

ويقول الدكتور ابراهيم الراوي نقلاً عن مجلة حضارة الإسلام عدد شباط عام 1966:

„لقد استطاع الطب الحديث أن يثبت أن الجهاز العصبي بقسميه الحسي والحركي يصاب بالخمول الوظيفي الشديد في جسمي الرجل والمراة بعد انتهاء اللقاء الجنسي أو الإحتلام ،ويستمر هذا الفتور الوظيفي في الجهاز العصبي مدة من الزمن مما يؤدي إلى فقدان الجسم قسطاً كبيراً من نشاطه العضلي والفكري، وقد أثبت العلم الحديث أن الجهاز العصبي يسترجع كامل نشاطه وحيويته عندما يغتسل الإنسان  حيث تتّنبه  الشبكة العصبية الحسية لتوقظ الجهاز العصبي من سباته وخموله فتعود له الحيويه  ويسترجع فعاليته من جديد“ .

وأما مايشاهده الإنسان من المذي بعد التبول فلا يستوجب الغسل،عن سهل بن حنيف قال: كنت ألقى من المذي شدّة وعناء ، وكنت أكثر منه الإغتسال، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: „إنما يجزيك من ذلك الوضوء “ فقلت يا رسول الله : كيف بما يصيب ثوبي من،قال: يكفيك أن تأخذ كفاً من ماء فتنضح به ثوبك حيث ترى أنه قد أصاب منه “ [رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن صحيح ].

(ونضح الثوب بالماء:أي رشه).

2ـ اعتزال النساء في المحيض والنفاس :

الحيض لغة:هو سيلان الشئ وجريانه،وللحيض عدة أسماء : أشهرها الحيض والمحيض والطمث،والمرأة طامث، قال الفراء : الطمث : الدم ولذلك قيل إذا افتض البكر طمثها أي أدماها .. وقال تعالى في وصف الحور العين {لم يطمثهنَّ إنسٌ قبلهمْ ولا جانٌ }[ الرحمن 56]ومن الأسماء الأخرى أيضاً:العراك ،والنساء عوارك ..والقروء :وهذا يطلق على الحيض وعلى الطهر على خلاف بين أهل اللغة والفقهاء قال تعالى :{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء}[البقرة 228].

وشرعا : دم يحدث للأنثى بمقتضى الطبيعة بدون سبب في أوقات معلومة، أي هو دم طبيعي ليس له سبب من مرض أو جرح أوسقوط أو ولادة  . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها  عندما حاضت وهي مقبلة على الحج :“هذا شئ كتبه الله على بنات آدم “ [أخرجه البخاري] .

وأما الاستحاضة:  فهي من الناحية  الفقهية نزول الدم من المرأة في غير أوقات الحيض،ويختلف دم الإستحاضة عن دم الحيض والنفاس لإختلاف مصدر كل منهما مع اتحاد المخرج،فدم الحيض فاسد متغير اللون له رائحة نفاذّه غالبا يعتري المرأة بعد البلوغ في أوقات معلومة من كل شهر دون سبب مرضي ،وكذلك دم النفاس غير أنه لا يكون إلا مع ولادة،في حين أن دم الإستحاضة يكون أحمر رقيقا لا رائحة له وليست له أوقات معينة بل قد يستمر نزوله زمناً طويلاً  لمرض ينتاب المرأة(  كما جاء في دائرة المعارف السفير).

ولا مانع شرعا من أن يطأ الرجل زوجته المستحاضة، ولكنه يحرم عليه ان يطأها في المحيض،روي أن اليهود والمجوس كانوا يبالغون في التباعد عن المرأة حال حيضها ،والنصارى كانوا يجامعونهن ولا يبالون بالحيض،وإن أهل الجاهلية كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجالسوها  على فراش ولم يساكنوها في بيت كفعل اليهود والمجوس، لهذا توجه بعض المسلمين بالسؤال إلى النبي صلى الله عليه وسلم  فانزل الله عز وجل :

{ويسألونكَ عن المحيض قُل هو أذىً فاعتزلُوا النساءَ في المحيضِ ولا تقربُوهُنَّ حتى يَطهُرنَ فإذا تَطهَّرنَ فأتُوهُنَّ من حيثُ أمَركُم اللهُ إنَّ الله يُحبُّ التوابينَ ويُحبُّ المُتطهرين}[البقرة222]

فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم : “ اصنعوا كل شيئ إلا النكاح وفي لفظ إلا الجماع “ [رواه الجماعه إلا البخاري كما في نيل الأوطار للشوكاني ].

وقد فهم ناس من الأعراب أن معنى اعتزالهن في المحيض ألا يساكنوهن فبّين النبي صلى الله عليه وسلم المراد من الآية  وقال:

„إنما أمرتكم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن ولم أمركم باخراجهن من البيوت كفعل الأعاجم “

وجاء في حديث عائشة رضي الله عنها  قالت : „كان النبي يأمرني فأتزرفيباشرني وأنا حائض “ [وهو حديث صحيح  رواه البخاري].وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: „كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضطجع معي وأنا حائض، وبيني وبينه ثوب“ ومثله عن ميمونة رضي الله عنها“كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يباشر نساءه فوق الإزار وهن حيض“

يقول الإمام ابن حجر العسقلاني:  إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان أملك الناس لأمره فلا يخشى عليه مايخشى على غيره من أن يحوم حول الحمى ،ومع ذلك فكان يباشر فوق الإزارتشريعاً لغيره ممن ليس بمعصوم „، وفي كتاب سبل السلام  وعن عائشة رضي الله عنها قالت :كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض „[متفق عليه] .

(  أي يلصق بشرته ببشرتي والاستمتاع فيما بين الركبة والسرة وغير الفرج ،وجاء في القاموس باشر المرأة: جامعها أو صارا في ثوب واحد،والإتزار:شد الإزار على الوسط، ومعنى  فاعتزلوا النساء في المحيض المراد من هذا الإعتزال ترك المجامعة لا ترك المجالسة والملامسة فإن ذلك جائز) .

يقول الشيخ العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله في الآية222 من سورة البقرة{يسألونك عن المحيض…}(المنار العدد 232 بتاريخ 19 حزيران عام 1905):

„لقد كان هذا السؤال في المدينة حيث الاختلاط بين العرب واليهود وهؤلاء يشددون في مسائل الحيض والدم كما هو مذكور في الإصحاح الخامس عشر من سفر اللاوبين ومنها أن كل من مس الحائض في أيام طمثها يكون نجساً إلى المساء وكل ما تجلس عليه أو تضطجع عليه يكون نجساً وكل من مس فراشها يغسل ثيابه ويستحم بماء يكون نجساً إلى المساء وإن اضطجع معها رجل فكان طمثها عليه يكون نجساً سبعة أيام وكل فراش يضطجع عليه يكون نجساً الخ…وأما النصارى فقد نقل عنهم أنهم كانوا يتساهلون في أمر المحيض وكانوا مخالطين للعرب في مواضع كثيرة ومن شأن الناس التساهل في أمور الدين التي تتعلق بالحظوظ والشهوات فلا يقفون عند الحدود المشروعة فيها لمنفعتهم ومصلحتهم فكان اختلاف ما عرف المسلمون عن أهل الكتاب مما يحرك النفس للسؤال عن حكم المحيض في هذه الشريعة المصلحة فسألوا كما في حديث أنس عند مسلم والترمذي فأنزل الله تعالى على نبيه(ويسألونك عن المحيض) أي عن حكمة المحيض هو الحيض المعروف ولا حاجة إلى تقدير محل المحيض فإنما يسأل الشارع عن الاحكام(قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولاتقربوهن حتى يطهرن) قدم العلة على الحكم ورتبة عليها ليؤخذ بالقبول من المتساهلين الذين يرون الحجر عليهم تحكما ويعلم إنه حكم للمصلحة لا للتعبد كما عليه اليهود.والمعنى إنه يجب على الرجال ترك غشيان نسائهم زمن المحيض لأن غشيانهم سبب للأذى والضرر وإذا سلم الرجل من هذا الأذى فلا تكاد تسلم منه المرأة لأن الغشيان يزعج اعضاء النسل فيها إلى ماليست مستعدة له ولاقادرة عليه لاشتغالها بوظيفة طبيعية أخرى وهي إفراز الدم المعروف.

وقد جاء هذا الحكم وسطاً بين إفراط الغلاة الذين يعدون المرأة الحائض وكل من يمسها أو يمس ثيابها أو فراشها من النجاسات وتفريط المتساهلين الذين يستحلون ملابستها في الحيض على مافيه من الأذى والدنس.وقد أفادت عبارة الآية الكريمة تأكيد الحكم إذ أمرت باعتزال النساء في زمن المحيض وهو كناية عن ترك غشيانهن فيه ثم بينت مدة هذا الاعتزال بصيغة النهي والحكمة في التأكيد هي مقاومة الرغبة الطبيعية في ملابسة النساء وإيقافها دون حد الإيذاء وقد كان يظن بعض الناس أن الإعتزال وترك القرب حقيقة لا كناية وأنه يجب الابتعاد عن النساء في المحيض وعدم القرب منهن بالمرة ولكن النبي صلى الله عليه وسلم بين لهم أن المحرم إنما هو الوقاع.عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله عز وجل(ويسألونك عن المحيض قل هو أذى) إلى أخر الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“اصنعوا كل شيئ إلا الجماع“[رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن].وفي حديث حزام بن حكيم عن عمه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: مايحل لي من امرأتي وهي حائض؟قال:“لك مافوق الإزار“ أي مافوق السرة[رواه أبو داود] وقد حمله بعضهم على من يخاف على نفسه الوقاع وكأن السائل كان كذلك وقال بعضهم أن هذا الحديث مخصص للحديث الأول ولما في معناه فلايجوز الاستمتاع إلا بما بين السرة والركبة،وهو تخصيص بالمفهوم والخلاف فيه عند الأصوليين معلوم“.

ويقول الدكتور يوسف القرضاوي – موقع القرضاوي – موقف الإسلام من تجنب الحائض والنفساء :

„الحائض ومثلها النفساء لم يصبهما ما ينقلهما عن بشريتهما،أو يجعلهما مثل الحشرة أو الجرثومة التي يخشى منها، والتي إذا لمست شيئاً أفسدته، فهذا من الخرافات والحماقات، كل ما تمنع منه الحائض ومثلها النفساء – في جانب المعاشرة- هو الجماع في الفرج ولا يمنع منها سوى ذلك .وفي مسها المصحف وقراءتها القران ودخولها المسجد خلاف بين العلماء .ويتابع الكتور القرضاوي „روي أن اليهود والمجوس كانوا يبالغون في التباعد عن المرأة حال حيضها ،والنصارى كانوا يجامعونهن،ولا يبالون بالحيض،وإن أهل الجاهلية كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجالسوها على الفراش ولم يساكنوها في بيت كفعل اليهود والمجوس.لهذا توجه بعض المسلمين بالسؤال إلى النبي صلى الله عليه وسلم عما يحل لهم وما يحرم عليهم في مخالطة الحائض فنزلت الآية الكريمة {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين] [البقرة 222] .

وقد فهم أناس من الأعراب أن معنى اعتزالهن في المحيض ألا يساكنوهن فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم لهم المراد من الآية وقال:“إنما أمرتكم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن ولم أمركم بإخراجهن من البيوت كفعل الأعاجم „، فلما سمع اليهود ذلك قالوا: هذا الرجل يريد ألا يدع شيئاً من أمرنا إلا خالفنا فيه .انتهى كلام د. قرضاوي .

ومن الناحيه الطبية:  فإنه من المعلوم أن المهبل يحتوي على جراثيم تسمى العصيات اللبنية،وهي تُخّمر الغليكوجين إلى حمض اللبن، فتجعل المهبل ذو بيئة حمضية  تقاوم الإصابات بالجراثيم الأخرى ،وفي أثناء المحيض وبسبب النزف وتجمع الدم يكون وسط المهبل معتدلاً أو أقرب إلى القلوي وهو لا يقاوم نمو الجراثيم الضارة، فالإتصالات الجنسية في هذه الفترة تكون وسيله لنقل الجراثيم وحدوث الإلتهابات عند الأنثى وخاصة أن الغشاء المبطن للرحم وبسبب النزيف يكون اكثر عرضة للأذية والالتهابات فهو أشبه بالجلد وقد أصابه الكدمات والسحجات وانفصلت الطبقة السطحية عنه فهو عرضة شديدة للالتهابات الجرثومية والفطرية،وخاصة أن القضيب يحتوي على عدد هائل من الجراثيم والعوامل الممرضة ،وهذه الالتهابات تصيب المرأة وتسبب التهاب بطانة الرحم والمهبل،ولكن يمكن أن تنتقل إلى قناتي عنق الرحم (قناة فاللوب) وتسبب التهاب النفير والرحم وهذا يترافق مع ترفع حروري  شديد وآلام بطنية وحوضية شديدة ومن ثم قد يصبح التهابا مزمناً وقد يسبب العقم عند المرأة وقد يسبب أيضاً الحمل خارج الرحم أو مايسمى الحمل النفيري وهو حالة خطيرة قد تسبب الوفاة ،كما أن الالتهابات النسائية يمكن بعد ذلك  أن تنتقل إلى الرجل أيضاً،وبالتالي تحدث دورة معيبة بحيث أن كل من الرجل والمرأة يقوم بعدوى الأخر، ولذا عند معالجة الالتهابات النسائية لابد من منع الجماع لفترة زمنية معينة ولابد من معالجة الزوجين معا. كما أنه يحدث أثناء المحيض احتقان دموي في المهبل والأعضاء التناسلية، وهذا قد يسبب نزفًا طمثيًا شديدًا مع حصول الجماع، كما أن المرأة أثناء الطمث تكون في حالة توتر عصبي ،وتُقاسي آلاماً شديدة من جراء النزف والتقلصات الرحمية، وبالتالي فإن ممارسة الجنس يكون متعباً لها جسدياً ونفسياً.

3ـ الختان :

الختان نوعان : ختان الذكور وختان الإناث

ختان الذكور:

الختان من الفطرة وهو سنة نبوية مؤكدة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “ خمس من الفطرة  الإستحداد والختان وقص الشارب ونتف الإبط وتقليم الاظافر „[ أخرجه الشيخان وأحمد والترمذي] .

وجاء في الصحيحين أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “  اختتن ابراهيم وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم  “

وعن يحيى ابن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: “ ابراهيم عليه السلام أول من اختتن  وأول من أضاف الضيف  وأول من قلّم أظافره  وأول من قص الشارب  وأول من شاب فلما رأى المشيب قال: ماهذا ؟قال :وقار قال: ربي زدني وقارا ، وروي بزيادة أيضا  وأنه أول من استحد“

يقول الدكتور محمد لطفي الصباغ في كتيب الحكم الشرعي في ختان الذكور والإناث:

„إن الختان من خصال الفطرة السوية … هذه الفطرة التي تقود صاحبها إلى التوحيد والإنقياد لشرع الله سبحانه .

ويتابع : الختان لغة: مصدر ختن . أي قطع  وهو اسم لفعل الخاتن ولموضع الختان .

والختان شرعاً:هو إزالة قطعة من الجلد تغطي الحشفة.وأما حكم الختان :بالنسبة للذكور فهو مختلف فيه فمنهم من قال إنه واجب،ومنهم من قال إنه مستحب . وقد لخص ابن حجر آراء العلماء في حكم الختان كما يأتي  قال:ذهب إلى وجوب الختان الشافعي وجمهور  أصحابه وقال به من القدماء عطاء، حتى قال :لو أسلم الكبير لم يتم إسلامه حتى يختتن ،وعن أحمد وبعض المالكية:واجب ،وعن أبي حنيفة:واجب وليس فرض، وذكر النووي أنه سنة عند مالك وكثير من العلماء ،وقال ابن القيم:اختلف الفقهاء في ذلك، فقال الشعبي وربيعة والأوزاعي ويحيى ابن سعيد الأنصاري ومالك والشافعي وأحمد:هو واجب وشدد مالك حتى قال :من لم يختتن لم تجز إمامته ولم تقبل شهادته ،ويقول الدكتور الصباغ:والرأي الذي نرجحه أنه واجب على الذكور ولكن يسقط هذا الواجب على من أسلم وخاف على نفسه من فعله وهو على أي حال ليس شرطاً في صحة إسلام المرء ولا في صحة عباداته .

ويتابع: وأما وقته،بقول الماوردي: له وقتان: وقت وجوب،ووقت استحباب،فوقت الوجوب :البلوغ،ووقت الاستحباب :قبله،والاختيار في اليوم السابع من الولادة وقد ختن النبي صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين في اليوم السابع من ولادتهما  أخرجه الحاكم والبيهقي .

والختان عند الذكر يسمى اعذارا كما يقول الإمام النووي ،وعند الأنثى يسمى خفضا .

أما من الناحية الصحية: فإن الختان عند الذكور يتم بقطع القلفة قطعا دائريا بصورة تؤدي الى كشف جميع الحشفة.

وقد تبين طبياً أن الختان له عدة فوائد صحية نذكر منها :

أولاً:  الوقاية من سرطان القضيب ،وقد تبين أن هذا السرطان يكاد يكون معدوما عند المسلمين واليهود بسبب الختان ،ويشكل نسبه 1في المائه من السرطان عند الذكور في اوروبا.

ثانيًا : تبين هبوط نسبة إصابة الأنثى بسرطان عنق الرحم عند الإناث لأزواج مختونين ولعل ذلك يفسر بقلة التراكمات والرواسب تحت القلفة،وبالتالي انخفاض نسبه الالتهابات المزمنة عند الاناث .

ثالثًا : انخفاض نسبة التهابات القضيب المتكررة عند المختونين، ويعلل كما ذكرنا سابقا بنقص تراكم المفرزات والترسبات في القلفة وما تسببه من انتفاخ وتورم وحدوث تقرحات في الحشفة مع صعوبة التبول وألمه.

رابعاً : تبين أنه في بعض الحالات عندما يقوم غير المختون بسحب القلفة إلى الخلف لكشف الحشفة فإن هذا قد يؤدي إلى انقباض حلقة القلفة عند قاعدة الحشفة واستحالة عودتها إلى الأمام مما يمهد إلى حدوث انسداد شرياني وهذه حالة اسعافية خطيرة.

خامساً: تبين أيضا أن غير المختونين هم عرضة أثناء الجماع لسرعة الإنزال وهذا ينعكس سلباً على الزوجين أثناء الجماع ،كما أن الختان يزيد من لذة الجماع بالمقارنة مع غير المختونين .

وقد تبين أنه تجُرى في أمريكا الختان لدى الكثير من أطفال النصارى لديهم بعد أن علموا الفوائد الصحية للختان، وغالبا مايجرى الختان في سن الرضاعة.

ختان الأنثى :

ختان الأنثى عادة كانت موجودة قبل الإسلام ،وكانت تقوم بها في الجاهلية أم أنمار الخزاعية  ويقول كُتّاب السيرة أن هذه المرأة هي من قصدها سيدنا حمزة يوم أحد حين قال لسباع بن عبد العزى “ هلم إليَّ يابن مُقطّعة البظور “ .

ويتم الختان ويُسمى كما ذكرنا باسم الخفض بقطع قسم من البظر وأحياناً مع شيئ من الشفرين الصغيرين ،عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم عطية وكانت ختانة في المدينه “ إذا خفضت فأشمي ولا تنهكي  فإنه أسرى للوجه وأحظى عند الزوج „[أورده الهيثمي في مجمع الزوائد وإسناده حسن] .

وقد ذهب أكثر العلماء وبعض الشافعية إلى أن خِتان الأنثى ليس بواجب،يقول الدكتور يوسف القرضاوي في كتاب فتاوى معاصرة:

„هذا الموضوع اختلف فيه العلماء والأطباء أنفسهم وقامت معركة جدلية حوله في مصر منذ سنوات،من الأطباء من يؤيد ومنهم من يعارض ومن العلماء من يؤيد ومنهم من يعارض،ولعل أوسط الأقوال وأعدلها وأرجحها وأقربها إلى الواقع وإلى العدل في هذه الناحية هو الختان الخفيف كما جاء في بعض الأحاديث وإن لم تبلغ درجة الصحة،إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لأمراة كانت تقوم بهذه المهمة أشمي…    الحديث المذكور سلفا

والإشمام هو التقليل ،ولا تنُهكي أي لا تستأصلي ،ويتابع الشيخ القرضاوي حفظه الله “ والبلاد الإسلاميه تختلف بعضها عن بعض في هذا الأمر فمنها من يختن ومنها لا يختن وعلى كل حال من رأى أن ذلك أحفظ لبناته فليفعل، وأنا اؤيد هذا وخاصة في عصرنا الحاضر،ومن تركه لا جناح عليه لأنه ليس أكثر من مكرمة للنساء كما قال بعض العلماء،وكما جاء في بعض الآثار..  أما الختان للذكور فهو من شعائر الإسلام حتى قرر العلماء أن الإمام لو رأى أهل بلد تركوه لوجب عليه أن يقاتلهم حتى يعودوا إلى هذه السنةا لمميّزة لأمةالإسلام „. انتهى  الكلام

ومن الناحية الطبية: فإنه في بعض البلاد الحارّة كما في السودان وبعض دول أفريقيا فإنه يغلب أن يكون للنساء بظر تام مما يزيد في الشهوة الجنسية لدى احتكاكه بما يجاوره من البدن والثياب أثناء المشي وقد يكون شديد النمو إلى درجه يستحيل معها الجماع ومن هنا لجأ البعض إلى استئصال مقدم البظر في مثل هذه الظروف لتعديل الشهوه ولجعل الجماع ممكنا .

وكانت العرب عندما تشتم شخصاً تقول له يابن القلفاء ،أي التي لم تختتن، فتزيد غلّتها وشبقها مما يؤدي إلى ارتكابها الزنى.

العادة السرية أو الإستمناء:

جاء في دائره المعارف( السفير ):“الإستمناء في اللغة : استدعاء خروج  المني وهو ماء الشهوة الذي يكون منه الولد ،يُقال استمنى :إذا تعّمد إخراج منيه „.

وفي الإصطلاح الشرعي : „استخراج المني بغير طريق الوطء فيكون ذلك باليد أو المباشرة بغير جماع  أو النظر والتفكير „.

يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله:

„إن الله وضع فينا غريزة حفظ الذات لئلا نموت وجعل الجوع دليلا عليها، ووضع فينا غريزة حفظ النوع وجعل الشهوة إمارة جوعنا إليها، وهذه المادة التي تفرز في هذه الحالة طاقة منتجة وإذا كانت طاقة الغاز أو الكهرباء تدير المعمل فتنتج أشياء  فهذه الطاقه تنتج بشرا فلا يجوز إهدارها على الأرض وتعطيلها كما يكون في العادة السرية، ويتابع رحمه الله: “ وإذا أردت أن تعرف أمرًا من الأمور هل هو خير أم شر فعمّمه كما يقول كانت الفيلسوف الالماني، فلو عمّمنا هذه العادة بحيث يفعلها الشباب  والشابات جميعا لتعطّل الزواج وانقطع النسل وانقرضت الأمة  فهي إذن سيئة لا حسنة وممنوعة لا مشروعة ولكن هل هي حرام مثل الزنا وما حكمها ؟ إنها ممنوعة ولكنها ليست من الذنوب الكبائر، وفيها أضرار للجسم، فمن كان هادئاً فأثار شهوته بإرادته ليستمتع بها كان آثماً ولكن دون إثم مرتكب الكبائر،ومن ثارت شهوته فلم يستطع تهدئتها إلا بها جازت لنوع من الضرورة وإن لم تكن من الضرورات التي تبيح المحظورات، ومن وقف موقفاً ليس أمامه إلا الوقوع في الزنا أوعملها كان عليه أن يعملها من باب ارتكاب أخفّ الشّرين،ويتابع الشيخ الطنطاوي رحمه الله:

“ والنصيحة للشباب أن يتزوجوا فإن لم يقدروا صاموا لأن الصيام علاج مؤقت يهدئ من ثورات الشهوات وعليهم الإبتعاد عن كل مايثيرها من الأفلام  والمسلسلات والصور والأغاني وأحاديث الرفاق  التي تدور وتدور ثم تقف عليها ومن اتقى الله كفاه ونفسّ عنه بالأحلام فيجد اللذة ويجتنّب المضّرة ويبتعد عن الاثم “ .

ويقول الدكتور القرضاوي  حفظه الله (في كتاب الحلال والحرام في الإسلام ):

“ ويمكن أن نأخذ برأي الإمام أحمد في حالات ثوران الغريزة وخشية الوقوع في الحرام ،كشاب يتعلم او يعمل غريباً عن وطنه  وأسباب الإغراء أمامه كثيرة ويخشى على نفسه العنت،فلا حرج عليه أن يلجأ إلى هذه الوسيلة يُطفئ بها ثوران الغريزة على أن لايسرف فيها ويتخذها ديدنا،وأما الإستمناء من أجل اجراء بعض الفحوصات الطبية لمعرفة العقم والخصوبة فلا بأس بذلك ما دام أنه محتاج إليه، فقد قال العلماء : ومن استمنى بيده من غير حاجة عزر، وأما هذا فلحاجة وهي اخراج المني لتحليله ومعرفة المرض الذي من أجله لم ينجب هذا الشخص ولعل العلة منه أو من زوجته .

قواعد الجماع

إن لإجتماع الزوجين كما يقول الأستاذ محمد صلاح الدين المستاوي نقلاً عن مجلة الأمة( عدد محرم عام 1405هجري)“إ ن الغاية من اجتماع الذكر والأنثى تتعدى تلبية الحاجات الغريزية الشهوانيه إلى الإنجاب الذي به يتواصل عمران هذا الكون وهؤلاء البنون والحفدة هم ثمرة ودّ ومحبة وصفاء ووئام جعله الله بين قلبي الزوجين حتى أصبح كل منهما سكناً للأخر ،{هُنَّ لبِاسٌ لكم  وأنتم لبِاسٌ لهنّ}  [البقرة 187].

ويقول الأستاذ محمد قطب رحمه الله(قبسات من الرسول ص100):

„ليس في الأرض شريعة ولا نظام يعترف بالجنس نظيفاً كريماً كالإسلام.

يكفي أن نذكر فقط أن المسلم وهو يأتي زوجه يذكر اسم الله الكريم.وليس في الإسلام أقدس من ذكر الله،ولا أنظف مما يقرأ اسم الله عليه.والإباحة فيه ـ في حدوده الشرعية،أي الزواج ـ أوضح من أن تحتاج إلى دليل.

والرسول صلى الله عليه وسلم قد أخذ من هذا المباح بقسط كامل لاشبهة فيه،واستمتع منه بكل ما يحل لمسلم أن يستمتع به في هذه الحياة.ومع ذلك فلننظر كيف كان الأمر…تروي السيرة أنه صلى الله عليه وسلم كان يغطي وجه زوجته حين يضاجعها في الفراش…وروى الخطيب من حديث أم سلمة أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يغطي رأسه ويغض صوته ويقول لأمرأته:عليك بالسكينة.

الحياء والترفع إلى هذا الحد!

ليس الجنس شهوة الحيوان الجائع الذي لايملك نفسه من أن يندفع هائجاً إلى التنفيذ.وليس غلظة الشبق التي تتلمظ على متاع لذيذ.وليس نزوة الجسد الفائر التي تختنق في بخارها الوخم عاطفة القلب وإشراقة الروح.

ومع ذلك فإن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم للناس أن يهذبوا العمل الجنسي لم تكن دعوة إلى الزهادة أو إطفاء المتعة أو تبريد حرارتها.

كلا! على العكس من ذلك.لقد كان يدعوهم إلى المتاع ويحببهم فيه.بل كان في الواقع يوسع مساحته في النفس،ويزيد من متعته،حين يرفعه من لهفة الجسد الخالصة إلى „عواطف“و“مشاعر“و“مودة“.

فقد كان ينهى عن المواقعة دون رسول يسبقها ويمهد لها من مداعبة وعواطف جياشة.

وليست هذه دعوة الذي يريد أن يحرم الناس من المتاع أو يفسده عليهم.بل دعوة من يريد تهذيبهم ورفعهم من مستوى الحيوان إلى مستوى الإنسان،مع“إحسان“ تلذذهم بهذا المتاع،حتى يصبح متاعاً“جميلاً“تدخل فيه كل عناصر النفس،ويدخل فيه“الفن“بتعبيره الجميل.

والقرآن يصف الصلة بين الرجل والمرأة على أنها“سكن“و“مودة“:{ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة}[الروم21].وهو تعبير جميل آخاذ يشمل كل صلات الجنس،ولكنه يشملها في مستواها الأرفع.في مستوى“الإنسان“.

ذلك هو الإحسان في شئون الجنس.وهو أمرواضح الدلالة على نظرة الإسلام لهذه ىالأمور.

الضرورة تُقضى .نعم.لا كبت ولاحجران.ولا استقذار للدوافع الفطرية في ذاتها.ولا الإحساس بالذنب عند الإتيان.ولكنه التنظيف رغم ذلك وتهذيب الوجدان.

والجنس ـ من كثرة ما أبدا في شأنه فرويد وأعاد ـ مظنة أن تكون الأديان تستقذره وتنفّر منه.والإسلام بخاصة لايجنح لحظة واحدة لهذا الاستقذار.ولكنه ـ وهو يحض على الإحسان في كل شيء ـ يحض كذلك عليه في شئون الجنس،فيقضي الإنسان ضرورته فيه على طريقة الإنسان لا على طريقة الحيوان،حتى وإن كان يشترك في الضرورة مع الحيوان“.

ويقول الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه( فتاوى معاصرة ص484):

„إن العلاقة الجنسية بين الزوجين أمر له خطره وأثره في الحياة الزوجية وقد يؤدي عدم الإهتمام بها أو وضعها في غير موضعها إلى تكدير هذه الحياة  وإصابتها بالأضطراب والتعاسة،وقد يفضي تراكم الأخطاء فيها إلى تدمير الحياة الزوجية والإتيان عليها من القواعد،ويتابع حفظه الله: “ وربما ظنَّ بعض الناس أن الدين أهمل هذه الناحية برغم أهميتها وربما توهمّ أخرون أن الدين أسمى وأطهر من أن يتدخّل في هذه الناحية بالتربية والتوجيه، أو بالتشريع والتنظيم بناء على نظرة بعض الأديان إلى الجنس على أنه قذارة وهبوط حيواني، والواقع أن الإسلام لم يغفل هذا الجانب الحسّاس من حياة الإنسان وحياة الأسره،وكان له في ذلك اوامره ونواهيه، سواء منها ماكان له طبيعة الوصايا الأخلاقية أم كانت له طبيعة القوانين الإلزامية،وقد أباح الله للزوجين هذه الغريزة ولم يمنعهما عنها وحتى ليلةالصيام{أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هُنَّ لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهنّ }.[البقرة 187]

يقول الشهيد سيد قطب في الظلال :

„الرفث مقدمات المباشرة ذاتها وكلاهما مقصود هنا ومباح ،ولكنّ القرآن لا يَمرُّ على هذا المعنى دون لمسةٍ حانية رفّافة تمنح العلاقة الزوجية شفافية ورفقاً ونداوة،وتنأى بها عن غلظ المعنى الحيواني وعرامته وتُوقظ معنى الستر في تيسير هذه العلاقة ،هُنَّ لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهن ،واللباس ساتر وواق،وكذلك هذه الصلة بين الزوجين تستر كلا منهما وتقيه والإسلام الذي يأخذ هذا الكائن الإنساني بواقعه كله ويرتضي تكوينه وفطرته كما هي ويأخذ بيده للمعارج الإرتفاع بكليته،الإسلام وهذه نظرته يلبي دفقة اللحم والدم ،وينسم عليهاهذه النسمة اللطيفة ويدثرها بهذا الدثار اللطيف، فالآن باشروهن  ولكن هذه الإباحة لا تمضي دون أن تربط بالله، ودون توجيه النفوس في هذا النشاط لله ايضا وابتغوا ما كتب الله لكم،ابتغوا هذا الذي كتبه الله لكم من المتعة بالنساء ومن المتعة بالذرية، ثمرة المباشرة  فكلتاهما من امر الله ومن المتاع الذي أعطاكم إياه ومن إباحتها وإتاحتها يباح لكم طلبها وابتغاؤها، وهي موصولة بالله فهي من عطاياه ومن ورائها حكمة ولها في حسابه غاية فليست إذن مجرد اندفاع حيواني موصول بالجسد ومنفصل عن ذلك الإفق الأعلى الذي يتجه إليه كل نشاط ،بهذا ترتبط المباشرة بين الزوجين بغاية أكبر منهما وأُفق أرفع من الأرض ومن لحظة اللذة بينهما، وبهذا تُنظف هذه العلاقة وترقى“.

والزوج ليس عليه حرج في أن يأتي زوجته في أي وقت من ليل أو نهار،كما جاء في الحديث الشريف :“المرأة لا تؤدي حقَّ الله حتى تؤدي حقّ زوجها،حتى لو سألها وهي على ظهر قَتَبٍ لم تمنعه نفسها“.[رواه زيد بن أرقم رضي الله عنه وقال الألباني حديث صحيح]

يقول الدكتور يوسف القرضاوي( من كتابه فتاوى معاصره ص485):

„أوجب الشرع على الزوجة أن تستجيب للزوج إذا دعاها إلى فراشه ولا تتخّلف عنه كما في الحديث“ إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته وإن كانت على التنور „[ رواه الترمذي وحسنه]،  وحذّرها أن ترفض طلبه بغير عذر فيبيت وهو ساخط عليها،  وقد يكون مفرطاً في شهوته وشبقه فتدفعه دفعاً إلى سلوك منحرف أو التفكير فيه أوالقلق والتوترعلى الاقل ،جاء في الحديث الشريف: „إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت  فباتَ غضبانَ عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح “ [متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه] .

ولكن هناك شروط يجب على الزوج مراعاتها أيضاً:

أولًا: أن لايكون وقت صيام فرض،ولكنّ الشارع الحكيم نهاها عن صيام النافلة وهو حاضر إلا بإذنه ،لأن حقه أولّى بالرعاية من ثواب صيام النافلة،وفي الحديث المتفق عليه  عن أبي هريرة رضي الله عنه„لايحل  للمرأة أن تصوم وزوجها شاهدٌ إلا باذنه “  وكما ذكرنا فهذا يقُصد به صوم التطوع بالإتفاق بين العلماء .

ثانيًا:  أن تكون طاهرة، يقول تعالى: :{ فإذا تَطهرنَّ فأتوهُنَّ من حيث أمركم الله}  [البقره 222]

ثالثًا :عدم إتيان المرأة من الدبر { فأتُوهُنَّ من حيث أمركم الله} ا[لبقره 222]،والتفسير القرآني والأحاديث النبوية الشريفة تبين حرمة إتيان النساء من الدبر،فقد أجمع المفسرون على أن المعنى في قوله تعالى { نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم}[البقره 223]،أن موضع الحرث هو الفرج وليس الدبر، روى مسلم وأبو داوود عن جابر رضي الله عنه أن اليهود قالوا للمسلمين من أتى امرأته وهي مدبرة جاء الولد أحول فنزل قوله تعالى „نساؤكم حرث “ الآية، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة“[رواه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وأخرجه الترمذي وأحمد والنسائي وقال الألباني حديث صحيح]  وجاء في الحديث“ ملعون من أتى  امرأته في دبرها“[رواه أبو هريرة رضي الله عنه وأخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي والديلمي وقال االألباني حديث حسن ] والحديث “ لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً، أو امرأةً في الدُّبر“[رواه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وهو صحيح الإسناد]  .وقال صلى الله عليه وسلم :“ أقبل وأدبر واتق الدُّبر والحيضة„، أي ائت امرأتك من قدام أو من وراء وابتعد عن الدبر، وابتعد أثناء الحيض عن الفرج أيضاً.وقال صلى الله عليه وسلم“ إن الله تعالى:لا يستحي من الحقّ،لاتأتوا النساء من أدبارهنّ“ [رواه الشافعي عن خزيمة بن ثابت وصححه ابن حبان والألباني]

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :“ملعون من أتى امرأة في دبرها“ وقال أيضاً: „من أتى كاهناً فصدّقه بما يقول أو أتى امرأة حائضاً أو أتى  امرأة في دبرها فقد برىء مما أنزل الله على محمد“[رواه أبو هريرة رضي الله عنه وأخرجه أبو داود واللفظ له والترمذي والنسائي وصححه الألباني] .وعن عمرو بن شعيب عن  أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:“ الذي يأتي امرأته في دبرها هي اللوطية الصغرى“ [رواه أحمد].

والجماع ليس حق الرجل فقط بل هو أيضاً حق للمرأة، يقول الدكتور  القرضاوي :(في فتاوى معاصرة ص 486):

“  والإسلام حين راعى قوة الشهوة عند الرجل لم ينس جانب المرأة وحقها الفطري في الإشباع بوصفها أنثى ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص  „يا عبد الله  ألم اُخبر  أنك تصوم النهار وتقوم الليل ؟ قلت: بلى يا رسول الله ،قال: فلا تفعل  صُم وأفطر وقُم ونَم  فإنّ لجسدك عليك حقا ،وإن لعينك عليك حقا  وإن لزوجك عليك حقا “ [رواه البخاري].  ويقول الإمام الغزالي صاحب الإحياء رحمه الله:

“ ينبغي أن يأتيها في كل أربع ليال مرة فهو أعدل ،نعم ينبغي أن يزيد أو ينقص بحسب حاجتها في التحصين فإن تحصينها واجب عليه „.وأوجب الحنفية والمالكية على الرجل الإسمتاع بزوجته عن طريق الوطء المعروف لإعفافها وحدّد الحنابلة ذلك بمرة كل أربعة أشهر كحد أقصى  فاذا امتنع  وتضّررت الزوجة كان لها حق طلب الفسخ.

ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد233 بتاريخ الثالث من تموز عام 1905):

„الإيلاء من المرأة كما جاء في الآية الكريمة من سورة البقرة{للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر}[البقرة 226] هو أن يحلف الرجل أنه لايقربها وهو مما يكون من الرجال عند المغاضبة والغيظ وفيه امتهان للمرأة وهضم لحقها وإظهار لعدم المبالاة بها فترك المقاربة الخاصة المعلومة ضراراً معصية والحلف عليه حلف على ما لايرضي الله تعالى به لما فيه من ترك التواد والتراحم بين الزوجين وما يترتب على ذلك من المفاسد في أنفسهما وفي عيالهما وأقاربهما،وأنه يجب على المؤلي أن يحنث ويكفّر عن يمينه وإن لم يفعل هذا فإنه لن يكن آثماً في نفسه فقط فيقال حسبه ما يلقى من جزاء إثمه بل يكون بإثمه هاضماً لحق امرأته ولايبيح له العدل هذا الهضم والظلم ولذلك أنزل الله فيه هذا الحكم وهو التربص مدة أربعة أشهر،وقد قيل أن هذه هي المدة التي لا يشق على المرأة البعد فيها عن الرجل وهي كافية لتروّي الرجل في أموره ورجوعه إلى رشده“.

وقد استجاب الله لدعاء ومجادلة خولة بنت ثعلبة التي اشتكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة المجادلة:{قد سمعَ اللهُ قولَ التي تُجادلكَ في زوجها وتشتكي إلى الله واللهُ يسمعُ تَحاوُرَكما إنَّ الله سميعٌ بصيرٌ}[المجادلة 1].

جاء في التفسير:عن خولة بنت ثعلبة قالت:فيّ والله وفي أوس بن الصامت(زوجها)أنزل الله صدر سورة المجادلة.قالت:كنت عنده،وكان شيخاً كبيراً قد ساء خلقه،قالت:فدخل علي يوماً فراجعته بشىء فغضب.فقال:أنت علي كظهر أمي.قالت:ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة،ثم دخل علي،فإذا هو يريدني عن نفسي،قالت:قلت:كلا والذي نفس خويلة بيده،لا تخلص إلي وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه.قالت:فواثبني،فامتنعت منه فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف،فألقيته عني.قالت:ثم خرجت إلى بعض جاراتي فاستعرت منها ثياباً،ثم خرجت حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست بين يديه،فذكرت له ما لقيت منه،وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه.قالت:فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:“يا خويلة ابن عمك شيخ كبير فاتقي الله فيه“قالت:فوالله مابرحت حتى نزل فيّ قرآن ،فتغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يتغشاه،ثم سري عنه،فقال لي:“يا خويلة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك قرآنا“.

يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:“إن هذا الظهار قائم على غير أصل.فالزوجة ليست أماً حتى تكون محرمة كالأم.فالأم هي التي ولدت.ولا يمكن أن تستحيل الزوجة أماً بكلمة تقال.إنها كلمة منكرة ينكرها الواقع.وكلمة مزورة ينكرها الحق“.

يقول العلاّمة الدكتور القرضاوي (موقع القرضاوي فتاوى وأحكام المرأة ):

„فإذا كان في الرجل عيب يُعجزه عن الإتصال الجنسي، فللمرأة أن ترفع أمرها الى القضاء فيحكم بالتفريق بينهما ،دفعاً للضرر عنها ،إذ لا ضرر ولا ضرار في الاسلام . روى الامام مالك رحمه الله في الموطأ عن عبد الله بن دينار  قال خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه من الليل فسمع امراة تقول:

تطاول هذا الليل واسَودَّ جانبه            وأرّقني أن لا خليل أُلاعبه

فوالله لولا الله أني أُراقبه                   لحرّكّ من هذا السرير جوانبه

فسأل عمر ابنته حفصة رضي الله عنها كم أكثر ما تصبر المراة عن زوجها فقالت ستة أشهر فقال عمرلا أحبس أحدا من الجيوش أكثر من ذلك.

جاء في كتاب الأوائل للعسكري ص359:“كان كعب بن سور جالساً عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فجاءت امرأة فقالت : ياأمير المؤمنين ! ما رأيت رجلاً قط أفضل من زوجي ،إنه يبيت ليله قائماً،ويظل نهاره صائماً في اليوم الحار وما يفطر، فاستغفر الله لها ،وأثنى عليها ،وقال : مثلك أنثى الخير ،فاستحيت المرأة وقامت راجعة .فقال كعب : يا امير المؤمنين !هلا أعديت المرأة على زوجها  ـ  أي نصرتها عليه ـ إذ جاءتك تستعديك ؟قال : أو ذاك أرادت ؟ قال : نعم .قال ردّوا علي المرأة ، فردت ، فقال : لابأس بالحق أن تقولين ،هذا زعم أنما جئت تشكين زوجك أنه تجنب فراشك ،قالت : أجل،أي امرأة شابة لا تبتغي ما يبتغي النساء ؟فأرسل إلى زوجها فجاء فقال لكعب :اقض بينهما ،قال أمير المؤمنين أحق بالقضاء بينهما ،قال : إنك فهمت من أمرهما مالم أفهم .قال :فإني أرى كأنها امرأة عليها ثلاث نسوة هذه رابعتهن ،فأقضي له ثلاثة أيام ولياليهن يتعبد فيهن ولها يوم وليلة . فقال عمر :والله ما رأيك الأول أعجب إلي من الأخر   ـ أحب إلي  ـ .

ويقول الإمام ابن القيّم في الطب النبوي  „وأما الجماع والباه فكان هديه صلى الله عليه وسلم أكمل هدي تحفظ به الصحة، وتتم به اللذة وسرور النفس، ويحصل به مقاصده التي وضع لأجلها  فإن الجماع وضع في الأصل لثلاثة أمور هي مقاصده الأصلية:

أولاً: حفظ النسل ودوام النوع الإنساني

ثانياً: إخراج الماء الذي يضر احتباسه واحتقانه بجميع البدن

ثالثاً : قضاء الوطر ونيل اللذة والتمتع بالنعمة،وهذه وحدها هي الفائدة من الجماع التي في الجنة إذ لاتناسل هناك ولا احتقان يستفرغه الإنزال „.

وقد جاء في الحديث الشريف الذي أخرجه النسائي وأحمد والحاكم في المستدرك وقال الحافظ العراقي إسناده جيد „حُبِبَّ إليَّ من دنياكم النساء والطيب  وجُعلت قرة عيني في الصلاة“.

ومن القواعد النبوية والصحية أثناء ممارسة الجماع :

أولاً: جاء في الحديث الشريف الذي أخرجه البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم„لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال بسم الله  الَّلهُمَّ جَنبّنا الشيطان، وجَنِّب الشيطان مارزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك،لم يضره الشيطان أبدا“[رواه ابن عباس رضي الله عنهما]

ثانيَا: „لا ترتموا على نسائكم  كالبهائم “ وفي رواية أخرى „لا يقعنَّ أحدكُم على امرأته كما تقع  البهيمة، وليكن بينهما رسولٌ، قيل: يارسول الله وما الرسول ؟قال القُبلة والكلام „[رواه الديلمي في مسند الفردوس وقال الحافظ العراقي هو حديث منكر]

والقرآن الكريم يشير إلى هذا المعنى بقوله تعالى  :{ وقدموا لأنفسكم}[البقرة 223] يقول الإمام الغزالي (في الإحياء باب أداب المعاشرة)“  ثم إذا قضى الزوج وطره فليتمهّل على أهله حتى تقضي هي أيضاً نهمتها  فإن إنزالها ربما يتأخر فيهيج شهوتها  ثم القعود عنها إيذاءً لها „، وجاء في الحديث الشريف“إذا جامعَ أحدكم أهله فليصدُقها ثم إذا قضى حاجته قبل ان تُقضي حاجتها فلا يُعجلها حتى تقضي حاجتها„[أخرجه أبو يعلى ورواه الصنعاني في المصنف عن أنس بن مالك  رضي الله عنه،وقال الألباني حديث ضعيف].وقال تعالى{ ولهُنَّ مثلُ الذي عليهنّ بالمعروف}[البقرة 228].

ويقول الإمام ابن القيم في الطب النبوي : „ومما ينبغي تقديمه من الجماع ملاعبة المراة وتقبيلها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يلاعب أهله ويقبلها، ،يقول الامام ابن القيم  „ومما ينبغي تقديمه على الجماع ملاعبة المراة وتقبيلها ومص لسانها ،وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلاعب أهله ويقبلها.

ثالثًا : روى ابو سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :“لو أن أحدكم أتى أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ“  [أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه والامام احمد  في المسند] .

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله :“ كان صلى الله عليه وسلم  ربما جامع نساؤه كلهن بغسل واحد وربما  اغتسل عند كل واحدة منهن “ وروى مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه“ أن النبي صلى الله عليه وسلم  كان يطوف على نسائه بغسل واحد“ ، وروى أبو داوود في سننه عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم “ طاف على نسائه في ليلة فاغتسل عند كل امرأة منهن غسلا ، فقلت :يارسول الله لو اغتسلت غسلا واحداً فقال :هذا أزكى واطهر  وأطيب [أبوداوود وابن ماجة].

رابعاً:  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : „إنَّ من شرُّ الناس عند الله منزلة  يوم القيامة الرجل يُفضي إلى امرأته، وتفُضي إليه ثم ينشر سرها „[رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه وأخرجه مسلم]،فلا يجوز أبداً التحدث إلى الناس بما مارسه الزوجان من عمليات جنسية لفظاً أو إشارة.

خامسًا : أن يتحّين الزوج الوقت المناسب للوقاع ،وخاصة أن يلاحظ احساس زوجته وحالتها الجسديه والنفسيه وإذا كانت متعبة أومريضة.

سادسًا :الإعتدال في ممارسة الجنس وعدم الإسراف ،جاء في كتاب الكامل للمبرد ج2ص533  قال بعض الحكماء“ لاينبغي للعاقل أن يخلي نفسه من ثلاث في غير إفراط :الأكل والمشي والجماع ،فأما الأكل فإن الأمعاء تضيق لتركه،والمشي إن لم تتعهده أوشكت ان تطلبه فلا تجده ،والجماع كالبئر إن نزحت جَمت وإن تركت  يخثر  ماؤها، وحق هذا كله القصد „،ويقال في المثل كما جاءفي أدب الكاتب لإبن قتيبة “ ذهب منه الأطيبان: أي الأكل والنكاح ،وأهلك الرجل الاحمران:أ ي الخمر واللحم „.

سابعاً:ومما ينصح به عند ممارسةالجماع أن يكون الزوجان بحالة نفسية جيدة بدون هموم ولا إنشغال نفسي،وأن لايكون أحدهما في مرض منهك أوفي حالة ألم ،وكذلك عدم امتلاء البطن والتخمة وقد قالت العرب قديما : “ أربع يهدمن البدن : دخول الحمام على البطنة،والجماع على الشبع ،وأكل القديد الجاف،وشرب الماء البارد على الريق“(  كما جاء في البصائر والذخائر لأبي حيان التوحيدي ).

ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا

يقول تعالى في محكم كتابه العزيز:{ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشةً وساءَ سبيلاً}[الإسراء 32].

يقول الشيخ أبو الأعلى المودودي رحمه الله(تفسير سورة النور):

„إن مفهوم“الزنا“ العام الذي يعرفه عامة الناس،هو“أن يأتي رجل وامرأة بفعل الجماع بغير أن تكون بينهما علاقة الزوجية المشروعة“. وكون هذا الفعل رذيلة من ناحية الأخلاق وإثماً من ناحية الدين وعيباً وعاراً من ناحية الاجتماع،أمر مازالت المجتمعات البشرية مجمعة عليه منذ أقدم عصور التاريخ إلى يومنا الحاضر،ولم يخالفها فيه حتى اليوم إلا شرذمة قليلة من الذين جعلوا عقولهم تابعة لأهوائهم وشهواتهم البهيمية أو أتوا من قبل عقولهم،ويظنون كل مخالفة للنظام والعرف الجاري اختراعاً لفلسفة جديدة.والعلة في هذا الإجماع العالمي أن الفطرة الإنسانية بنفسها تقتضي حرمة الزنا،ومما يتوقف عليه بقاء النوع الإنساني وقيام التمدن الإنساني أن لاتكون الحرية للرجل والمرأة في أن يجتمعا ابتغاء للذة وقضاء لشهوتهما النفسية متى شاءا ثم يتفرقا متى أرادا،بل يجب أن تكون العلاقة بين كل رجل وامرأة قائمة على عهد للوفاء دائم معروف في المجتمع وتكون مستندة ـ مع ذلك ـ إلى ضمان المجتمع كله.وبدون هذا لايمكن أن يكتب النمو والبقاء للنسل الإنساني ولا ليوم واحد،لأن طفل الإنسان محتاج لحياته ونموه إلى من يقوم بتعهد شأنه وتربيته إلى غير واحدة من السنين.ومن الظاهر أن لا قبل بذلك للمرأة وحدها ما دام لايشاركها فيه الرجل،الذي يكون السبب في إخراج هذا الطفل إلى حيز الوجود.ثم إن هذه المعاهدة بين الرجل والمرأة،هي التي بدونها لايمكن أن يكتب البقاء والنمو للتمدن الإنساني،لأن التمدن الإنساني لم يتكون إلا بمعاشرة الرجل والمرأة معاً وإنشائهما أسرة ثم امتداد وشائج النسب والصهر بين تلك الأسرة.فإن أخذ الرجل والمرأة يجتمعان بكل حرية لا لشئ إلا ابتغاء اللذة ونيل المتعة النفسية بقطع نظرهما عن التفكير في إنشاء الأسرة،انتثر عقد التمدن الإنساني واستؤصلت حياة الإنسان الاجتماعية وعاد الأساس الذي يقوم عليه اليوم بناء التمدن والاجتماع أثراً بعد عين.ولأجل هذه الأسباب فإن كل علاقة حرة بين الرجل والمرأة لاتقوم على عهد للوفاء معروف مسلم به في المجتمع، تضاد الفطرة الإنسانية ولأجل هذه الأسباب مازال الإنسان يعد الزنا في كل زمان رذيلة قبيحة وتحللاً سافراً من قيود الأخلاق و“إثماً كبيراً“ حسب المصطلح الديني.ولأجل هذه الأسباب فقد بذلت المجتمعات الإنسانية سعيها لسد باب الزنا جنباً بجنب لسعيها في ترويج النكاح في كل عصر وزمان،ومهما كانت صور هذا السعي وطرقه ومقاديره مختلفة بين مختلف القوانين والشرائع والنظم الخلقية والمدنية والدينية،وأساس هذا الاختلاف هو الفرق في شعور مختلف المجتمعات بمضار الزنا لنوع الإنسان وتمدنه، فهو قليل في بعضها وكثير في بعضها وواضح في بعضها وملتبس بالمسائل الأخرى في بعضها“.

ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله :

„ومن النهي عن قتل الأولاد“ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق“ [الإسراء 31]والزنا صلة ومناسبة .وقد توسط النهي عن الزنا بين النهي عن قتل الأولاد والنهي عن قتل النفس“ولا تقتلوا النفس التي حرم الله ىإلا بالحق„[الإسراء 33] لذات الصلة وذات المناسبة.

إن في الزنا قتلاً من نواحي شتى .إنه قتل ابتداء لأنه إراقة لمادة الحياة في غير موضعها،يتبعه غالباً الرغبة في التخلص من آثاره بقتل الجنين قبل أن يتخلق أو بعد أن يتخلق،قبل مولده أو بعد مولده.فإذا ترك الجنين للحياة ترك في الغالب لحياة شريرة،أو حياة مهينة،فهي حياة مضيعة في المجتمع على نحو من الأنحاء…وهو قتل في صورة أخرى قتل للجماعة التي يفشو فيها،فتضيع الأنساب وتختلط الدماء،وتذهب الثقة في العرض والولد،وتتحلل الجماعة وتتفكك روابطها،فتنتهي إلى ما يشبه الموت بين الجماعات.

وهو قتل للجماعة من جانب آخر،إذ أن سهولة قضاء الشهوة من طريقه يجعل الحياة الزوجية نافلة لا ضرورة لها،ويجعل الأسرة تبعة لا داعي إليها،والأسرة هي المحضن الصالح للفراخ الناشئة لا تصح فطرتها ولا تسلم تربيتها إلا فيه.

وما من أمة فشت فيها الفاحشة إلا صارت إلى انحلال،منذ التاريخ القديم إلى العصر الحديث.

والقرآن يحذر من مجرد مقاربة الزنا.وهي مبالغة في التحرز.لأن الزنا تدفع إليه شهوة عنيفة،فالتحرز من المقاربة أضمن.فعند المقاربة من أسبابه لا يكون هناك ضمان.

ومن ثم يأخذ الإسلام الطريق على أسبابه الدافعة،توقياً للوقوع فيه..يكره الاختلاط في غير ضرورة،ويُحرم الخلوة،وينهى عن التبرج بالزينة،ويحض على الزواج لمن استطاع،ويوصي بالصوم لمن لا يستطيع،ويكره الحواجز التي تمنع من الزواج كالمغالاة في المهور…وينفي الخوف من العيلة والإملاق بسبب الأولاد.ويحض على مساعدة من يبتغون الزواج ليحصنوا أنفسهم، ويوقع أشد العقوبة على الجريمة حين تقع،وعلى رمي المحصنات الغافلات دون برهان….إلى آخر وسائل الوقاية والعلاج،ليحفظ الجماعة الإسلامية من التدردي والانحلال“.

ويقول سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى:{والذين هم لفروجهم حافظون}[المؤمنون5]:

„وهذه طهارة الروح والبيت والجماعة.ووقاية النفس والأسرة والمجتمع.بحفظ الفروج من دنس المباشرة في غير حلال.وحفظ القلوب من التطلع إلى غير حلال،وحفظ الجماعة من انطلاق الشهوات فيها بغير حساب،ومن فساد البيوت فيها والأنساب.

والجماعة التي تنطلق فيها الشهوات بغي حساب جماعة قذرة هابطة في سلم البشرية،فالمقياس الذي لايخطىء للارتقاء البشري هو تحكيم الإرادة الإنسانية وغلبتها.وتنظيم الدوافع الفطرية في صورة مثمرة نظيفة،لا يخجل الأطفال معها من الطريقة التي جاءوا بها إلى هذا العالم،لأنها طريقة نظيفة معروفة،يعرف فيها كل طفل أباه.لا كالحيوان الهابط الذي تلقى الأنثى فيه الذكر للقاح،وبدافع اللقاح،ثم لا يعرف الفصيل كيف جاء ولا من أين جاء“.

ويقول الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله من مقال نشر له في حضاره الاسلام :

„إن الإسلام حرّم الزنا وبيّن أنه فاحشةً ومقتاً وساء سبيلاً،وحينما حرّم الزنا حرّم معه كل مايُؤدي إليه من قريب أو بعيد ففرض على المرأة الحجاب مع غير محارمها ،وحرّم عليها إبداء زينتها للأجانب كما حرّم اختلاط الرجال بالنساء،والخلوة بالمراة الأجنبية،وأمر الرجل بغضّ النظر،وكذلك النساء، وفرض الأستئذان في الدخول إلى بيوت الأصدقاء والأقارب،وكل ذلك للحفاظ على نقاء الأخلاق وسلامة العرض والشرف، واستقرار الخواطر والنفوس من أن يتلاعب بها الشيطان فيجّرها إلى الهاوية والتّردي في الفاحشة، والدلائل على ذلك : قال تعالى:{ياأيُّها الذين أمنوا لا تدخُلُوا بيوتاً غيرَ بيُوتِكُم حتى تَستأنسُوا وتُسَلِّمُوا على أهلِها ذلكُم خيرٌ لكم لعلَّكُم تَذَكّرون *فإن لم تجدُوا فيها أحداً فلا تَدخلُوها حتى يُؤذنَ لكُم وإن قِيلَ لَكُمُ ارجعُوا فارجعُواهو أزكى لكُم والله بما تَعملونَ عليم} [ النور 27_28]

عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: „إنماجُعلَ الإستئذان من أجل البصر“  [متفق عليه] . ويكون الإستئذان ثلاثاً فإن أُذن له،وإلا فليرجع ،فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “ الإستئذان ثلاث فإن أُذن لك وإلا فارجع „[متفق عليه].

وقال تعالى : {قُلْ للمُؤمنين يَغُضُّوا من أبصارِهم  ويحفظُوا فُرُوجَهُم  ذلك أزكى لهم إنَّ الله خبيرٌ بما يصنعون* وقُلْ للمُؤمناتِ يَغضُضنَ من أبصارِهنَّ ويَحفظنَ فُرُوجَهُنَّ ولا يُبدينَ زِيَنتَهُنَّ إلَّا ماظَهرَ منها وليَضرِبنَ بخُمُرهنَّ على جُيوبهنّ } [ النور30و31].وقدّم الأمر بغض البصرعلى حفظ الفرج لأن البصرهو بداية طريق خطيئة الفرج وهو الممهد لها  كُلُّ الحوادثِ مَبدؤُها من النظر ،ومُعظمُ النار من مُستصغرِ  الشّرر

كم نظرةٍ بلغتْ من قلبِ صاحبها      كمبلغ السهم بين القوس والوتر

وروى ابو داود والنَسائي والترمذي في سننهم عن أبي موسى الأشعري قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “ إذا استعطرت المرأة فمرت على القوم ليجدوا ريحها فهي زانية“

إنّ التبرج في اللغة وكما جاء في دائرة المعارف الاسلامية السفير من فعل تبرّج ،ويعني التكُّلف في إظهارمايخفى، ثم خصَّ بتكّشف المرأة فيقُال تبرّجت المرأة تبرُّجاً: أي أظهرت محاسنها وزينتها للرجال ،وقد وردت في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع:

{وقَرنَ في بُيُوتِكُنَّ ولا تَبَرَّجنَ تَبَرُّجَ الجاهليةِ الاُولى }[الاحزاب 33]{والقَواعِدُ من النساءِ اللاتي لايَرجُونَ نِكاحاً فليسَ عَليهِنَّ جُناحٌ أن يَضَعنَ ثِيابَهُنَّ غيَر مُتَبرِجات بزينة} [النور 60]

وفي السنة النبوية عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما  قال :جاءت اميمة بنت رقيقة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تبايعه على الإسلام  فقال : “ اُبايعك على أن لا تشركي بالله شيئاً ولا تسرقي ولا تزني ولا تقتلي ولدك ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك ولا تنوحي ولا تبرّجي تبرُّج الجاهلية الأولى “ [رواه أحمد في مسنده]

فالتبرُّج المُحّرم في الإسلام له الصور التالية:“إظهار المرأة شيئاً من عورتها التي أُمرت بسترها عن غير محارمها وهي عند الجمهور جميع بدنها عدا الوجه والكفين،وارتداء المراة ملابس تشفُّ عن شئٍ من بدنها أو تحدده لغير محارمها،وتعطرُها بما يفوح رائحته مما يلفت الانتباه إليها وتفتن الرجال الأجانب ،أما الطيب الذي لا تظهر رائحته فلا شئ فيه ،والتبختر والتثّني  في المشية فتنة للرجال،وتعمد الإتيان بحركات تلفت النظر إلى زينة باطنة، قال تعالى : {ولا يَضرِبنَ بأرجُلِهنَّ لِيُعلَمَ ما يُخفِينَ من زِينَتِهنّ}  [النور 31] ،وتليين الكلام  بما يخرج عن حد الوقار .

وإنّ  فرض الحجاب على المرأة هو حماية لها من أن تمَتدّ إليها اليد العابثة  فتفسدها، فشرع الحجاب للصون والحفاظ على العفة  كالدُرِّ المصون في أصدافه يبقى بعيدا عن العبث،وقد جاء في الحديث الشريف: “  ثلاثة لا ينظر الله عز وجل إليهم يوم القيامة:العاقُّ لوالديه،والمرأة المترجلة،والدَّيوث،وثلاثة لا يدخلون الجنة:العاق لوالديه،والمدمن على الخمر،والمنّان بما أعطى„[رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنه وأخرجه النسائي واللفظ له وأحمد وصححه الألباني وقال حديث حسن صحيح]وعدَّ منهم الديوث وهو الذي لا يبالي بمن دخل على أهله من غير المحارم وهذا خطاب لكل من فقد الغيرة وتلبدّ فيه الإحساس  واتبّع مايسمى المدنية الحديثة  حيث تبلدّت الإحاسيس ،وماتت الغيرة  والنخوات.

ومن جهة أخرى فمنعاً للزنا حثَّ الإسلام على الزواج وتسهيل ذلك للراغبين فنهى عن المُغالاة في المهور، وحارب الإسراف فيما يتعلق بتجهيز التحضير للأعراس والإسراف في الولائم ،وبيّن الإسلام أن خير متاع الدنيا المراة الصالحة وأن الزواج استقرار وسكينة قال تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودةً ورحمة}[الروم 21].

ونهى عن الإمتناع عن تزويج الفتاة إن وجد الرجل الصالح المناسب جاء في الحديث الشريف  „إذا خطب إليكم  من ترضون دينه وخلقه، فزوجوه،إن إلاّ تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض“[رواه أبو هريرة رضي الله عنه وأخرجه الترمذي واللفظ له وابن ماجه وقال الألباني حسن لغيره]

وقال صلى الله عليه وسلم :“ يامعشر الشباب من استطاع منكم  الباءة فليتزوج ،فإنّه أغض للبصر،وأحصن للفرج ،ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء „[رواه البخاري والجماعة من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه]

والزواج من سنن المرسلين فعن أبي أيوب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : „أربع من سنن المرسلين : الحياء، والتعطر ،والسواك ،والنكاح “ [رواه الترمذي وقال حسن غريب] .

وفي حديث آخر رواه الترمذي قال صلى الله  عليه وسلم :“ثلاثة حق على الله عونُهم : المجاهد في سبيل الله ،والمُكاتب الذي يريد الآداء،والناكح الذي يريد العفاف „[رواه أبو هريرة رضي الله عنه وقال الألباني حديث حسن].

يقول الأستاذ محمد لطفي الصباغ  حفظه الله معقبا على هذا الحديث  (موقع الدكتور مقالة بعنوان الاسلام والزواج) :

„فكيف يتردد مؤمن يسمع هذا الكلام في الإقدام على الزواج مهما كانت أوضاعه المادية ،ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :“ حقٌّ على الله عونهم „ومن تعهّد الله له بالعون ،فليطمئن بهذا الوعد . ويتابع “ ويحسن ان نورد ماذكره ابن كثير في تفسيره حول الاية الكريمة {إن يكونوا فقراء يُغنهم الله من فضله}  ا[لنور 32] قال رحمه الله : عن ابن عباس قال : رغَّبهم الله في التزويج ،وأمر به الأحرار والعبيد ،ووعدهم عليه الغنى ، فقال : „إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله “ وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ،يُنجز لكم ما وعدكم من الغنى فقال تعالى {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله }.

ويقول الدكتور  القرضاوي حفظه الله في موضوع الزنا ( في كتابه الحلال والحرام في الاسلام):

„إن الاسلام شدّد في  النهي عنه والتحذير منه لما يؤدي إلى اختلاط الأنساب والجناية على النسل وانحلال الأسر وتفكك الروابط  وانتشار الأمراض السارية وطغيان الشهوات وإنهيار الأخلاق  ويتابع: “ والإسلام إذا حرّم شيئاً سدَّ الطرق المُوصلة إليه،وحرّم كل ما يُفضي إليه من وسائل ومقدمات ،ويتابع حفظه الله :“ فما كان من شأنه أن يستثير الغرائز الهاجعة، ويفتح منافذ الفتنة على الرجل أو المرأة ويغري بالفاحشة أويُقربَّ منها أو ييُسّر سبيلها فإن الإسلام ينهى عنه ويحرمه سداً للذريعة ودرءاً للمفسدة،ومن هذه الوسائل التي حرمها الإسلام خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية عنه وهي التي لاتكون زوجة له ولا إحدى قريباته التي يحرم عليه زواجها حرمة مؤبدة، وليس هذا فقدانا للثقة بهما أ بأحدهما ،ولكنه تحصين لهما من وساوس السوء وهواجس الشر التي من شأنها أن تتحرك في صدريهما عند التقاء فحولة الرجل بأنوثة المرأة ولا ثالث بينهما،وفي هذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: „ألا لا يخلون رجلٌ بامرأة لا تحِلُّ له، فان ثالثهما الشيطان،إلا مَحرم،فإن الشيطان مع الواحد،وهو من الإثنين أبعد„[ رواه احمد واللفظ له،وقال شعيب الأرناؤوط صحيح لغيره] ،وفي الصحيحين عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : „لا يخلون أحدكم بإمرأة إلا مع ذي محرم „،وفي تفسير قوله تعالى في شأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم: {وإذا سألتُمُوهُنَّ مَتاعاً فاسألوهُنَّ من وراءِ حِجاب ذلكم أطهَرُ لِقُلوبِكُم  وقُلُوبِهنّ} [ الاحزاب 53]،يقول الإمام القرطبي رحمه الله“ يريد من الخواطر التي تعرض للرجال في أمر النساء وللنساء في أمر الرجال،أي إن ذلك أنفى للريبة وأبعد للتهمة  وأقوى في الحماية، وهذا يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يثق بنفسه في الخلوة مع من تحل له فإن مجانبة ذلك احسن لحاله وأحصن لنفسه وأتمّ لعصمته “ انتهى قول القرطبي .

ويقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله (مقالة هكذا بدأ الاختلاط] :

„أما الشهوات فهي داء يمرض وقد لا يقتل،ولكن أسرع سرياناً وأقوى عدوى،إذ يصادف من نفس الشاب والشابة غريزة غرزها الله ،وغرسها لتنتج طاقة تستعمل في الخير، فتنشئ أسرة وتنتج نسلاً، وتقوي الأمة، وتزيد عدد أبنائها ،فيأتي هؤلاء فيوجهونها في الشر، للذة العاجلة التي لا تثمر، طاقة نعطلها ونهملها ودافع أوجد ليوجه إلى عدونا، لندافع بها عن بلدنا ،فنحن نطلقها في الهواء، فنضيعها هباء ،أو يوجهها بعضنا إلى بعض، ويتابع  رحمه الله: “ هذا هو باب الشهوات وهو أخطر الأبواب ،عرف ذلك خصوم الإسلام  فاستغلوه ،وأول هذا الطريق هو الاختلاط . كان أعداء الحجاب يقولون أن اللواط والسحاق،وتلك الإنحرافات الجنسية سببها حجب النساء ،ولو مزقتم هذا الحجاب وألقيتموه لخلصتم منها،ورجعتم إلى الطريق القويم،وكنا من غفلتنا ومن صفاء نفوسنا نصدقهم ،ثم لما عرفناهم وخبرنا خبرهم، ظهر لنا أن القائلين بهذا أكذب من مسيلمة . ويتابع :“ إن كان الحجاب مصدر هذا الشذوذ ،فخبروني هل نساء ألمانيا وبريطانيا محجبات الحجاب الشرعي ؟ فكيف إذن نرى هذا الشذوذ منتشراً فيهم حتى سَنّوا قانوناً يجعله من المباحات؟ ويتابع : „خلق الله الرجال والنساء بعضهم من بعض، ولكن ضرب بينهم بسور ٍ له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قِبِلهِ العذاب، فمن طلب الرحمة والمودة واللذة والسكون والاطمئنان دخل من الباب، والباب هو الزواج ،ومن تسّور الجدار أو نقب السقف،أو أراد سرقة متعة ليست له بحق، ركبه في الدنيا القلق والمرض وازدراء الناس وتأديب الضمير وكان له في الآخرة عذاب السعير „.

ويقول الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله في مقال بعنوان „المرأة المسلمة“ نشر عام 1359 هجري:

„يرى الإسلام في الاختلاط بين المرأة والرجل خطراً محققاً،فهو يباعد بينهما إلا بالزواج . سيقول دعاة الاختلاط :“ إن في ذلك حرماناً للجنسين من لذة الاجتماع ،وحلاوة الاُنس التي يجدها كل منهما في سكونه للأخر،والتي توجد شعوراً يستتبع كثيراً من الأداب الإجتماعية، من الرقة وحسن المعاشرة ولطف الحديث ودماثة الطباع … الخ  .وسيقولون : „إن هذه المباعدة بين الجنسين ستجعل كلاً منهما مشوقاً أبداً الى الآخر، ولكن الاتصال بينهما يُقّلل من التفكير في هذا الشأن،ويجعله أمراً عادياً في النفوس „وأحب شئ الى الإنسان  ما مًنع “ وما ملكته اليد زهدته النفس . كذا يقولون ويُفتن بقولهم كثير من الشبان،ولا سيما وهي فكرة توافق أهواء النفوس وتساير شهواتها ونحن نقول لهؤلاء : „مع أننا نسلم  بما ذكرتم في الأمر الأول نقول لكم : إن ما يعقب لذة الإجتماع  بحلاوة الأنس من ضياع الأعراض ،وخبث الطوايا ،وفساد النفوس، وتهدم البيوت،وشقاء الأمر،وبلاء الجريمة، وما يستلزمه هذا الإختلاط من طراوة في الأخلاق ،ولين في الرجولة ،ولا يقف عند حدِ الرقة، بل هو يتجاوز ذلك إلى حدِّ الخنوثة والرخاوة ،وكل ذلك ملموس لا يماري فيه إلا مكابر . كل هذه الآثار السيئة التي تترتب على الإختلاط تربو ألف مرة على ما ينتظر من فوائد،وإذا تعارضت المصلحة والمفسدة فدرء المفسدة أولى، ولا سيما إذا كانت المصلحة لا تعدُّ شيئاً بجانب هذا الفساد  وأما الأمر الثاني فغير صحيح ،وإنما يزيد الاختلاط قوة الميل ،وقديماً قيل : إن الطعام يقوي شهوة النهم . والرجل يعيش مع امرأته دهراً ،ويجد الميل إليها يتجدد في نفسه ،فما باله  لا تكون صلته بها مُذهبة لميله إليها ،والمرأة التي تخالط الرجال  تفتن ّ في ابداء ضروب زينتها ولا يرضيها إلا أن تثير في نفوسهم الإعجاب بها وهذا أيضاً أثر اقتصادي من أسوأ الآثار التي يعقبها الاختلاط ،وهو الإسراف في الزينة والتبرج المؤدي الى الإفلاس والخراب والفقر . ولقد أباح الإسلام للمرأة شهود العيد ، وحضور الجماعة ،والخروج في القتال عند الضرورة الماسة، ولكنه وقف عند هذا الحدّ،واشترط له شروطاً شديدة من البعد عن كل مظاهر الزينة، ومن ستر الجسم ، ومن إحاطة الثياب به فلا تصف ولا تشف ومن عدم الخلوة بأجنبي مهما كانت الظروف،وهكذا . ويتابع رحمه الله :“ ولقد أخذ الإسلام السبيل على الجنسين في هذا الإختلاط أخذاً قوياً محكماً، فالستر في الملابس أدب من أدابه ،وتحريم الخلوة بالأجنبي حكم من أحكامه، وغضّ الطرف واجب من واجباته، والعكوف في المنازل للمرأة حتى في الصلاة شعيرة من شعائره، والبعد عن الإغراء بالقول والإشارة  وكل مظاهر الزينة ،وبخاصة عند الخروج حد من حدوده ،كل ذلك إنما يراد به أن يسلم الرجل من فتنة المرأة وهي أحب الفتن إلى نفسه، وأن تسلم المرأة من فتنة الرجل وهي أقرب الفتن الى قلبها، والآيات الكريمة والأحاديث المطهرة تنطق بذلك . انتهى كلام الشهيد البنا .

ويقول الأستاذ الدكتور محمد لطفي الصباغ رحمه الله (مقال: ماذا قدَّم المجتمع لفتاة اليوم):

„إن المجتمع فتح أمام الفتاة كل أبواب الفساد والفسق والتحلل والفجور،وأغلق في وجهها كل أبواب الخير والإستقامة والسداد.

وقد أغلقت في بعض البلاد معظم المدارس الدينية للفتيان والفتيات،وما بقي من تلك المدارس تعرّضت مناهجها إلى المسخِ والإفسادِ وتشويه أحكام الدين،ثم أدخلوا الضيم على شهادة المدارس فلم تعد مقبولة في كثير من الجهات.

إن هذا لمكر عظيم ،وعدوان أثيم،ولكنّ الأمر لم يقف عند هذا الحدّ بل إن المجتمع هذا ألزم الفتاة بالإختلاط في المدارس وهم في سن المراهقة…كان ذلك في معظم العالم الإسلامي.

كان هذا الاختلاط الإلزامي في الجامعات،وفي المدارس المتوسطة والثانوية،ومعلوم أن الفتى والفتاة في هذه السنّ يعانون من هجمة الجنس الشديدة،ويكون كل طرف في حالة تشوق إلى لقاء الطرف الآخر،فإذا كان التوجيه الإسلامي ضعيفاً أو معدوماً،ولم تكن مخافة الله مستقرة في أعماق القلوب،وإذا زالت الكلفة بين الفتى والفتاة،يتضاحكون ويمزح بعضهم مع بعض…كان الجو مهيأً للجريمة والعياذ بالله…وفي ذلك الفساد الكبير.

ثم أقدم هذا المجتمع على إلزام الفتاة بخلع حجابها في المدرسة والجامعة والطريق،وقدّم هذا المجتمع للفتاة وسائل الإعلام الممتعة الجذابة من إذاعة وتلفاز،وفي هذه الوسائل السم الزعاف والكيد للعقيدة والخلق الكريم.وبذلك أضحت هذه الأدوات في أكثر البلاد من أكبر أدوات الهدم…ولا سيما التلفاز حيث كانت التمثيليات والمسلسلات تزيّن للفتاة الخروج عن طاعة الوالدين،وتشجعها على ممارسة حرّيتها الطليقة كما تهوى،وعلى الجرأة على التقاليد المتصلة بالدين.

ثم أدخل هذا المجتمع عدداً من الفتيات الوساط القذرة العفنة المنتنة التي يسمونها الأوساط الفنية،وجعل منهنّ بطلات في تمثيليات هدّامة وأقام البلاجات على الشواطىء للفتيات مع الرجال وعدَّ ذلك مظهراً من مظاهر التقدم،وفتح هذا المجتمع للفتاة أبواب دور السينما،ثم دخلت السينما بيوت المسلمين بل وخيامهم عن طريق التلفاز والمحطات الفضائية،وما أدراك ما المحطات الفضائية!!!

وقامت صحافة خسيسة تنصر الباطل وتهاجم الحق بطرق خفيّة وظاهرة تشكّك بحقائق الدين،وتغرس الإعجاب بالكفّار ومدنيتهم القائمة على استعباد الدين الباطل الذي يدينون به،وتشيع هذه الصحف الفاحشة عن طريق القصص الماجن الهابط وعن طريق نشر الأخبار الشنيعة“.

ويقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله(مجلة الرسالة العدد194):

„يريد الشباب مع حقيقة العلم حقيقة الدين،فإن العلم لايعلم الصبر ولا الصدق ولا الذمة.يريدون قوة النفس مع قوة العقل،فإن القانون الأدبي في الشعب لا يضعه العقل وحده ولا بنفذه وحده.

يريدون قوة العقيدة حتى إذا لم ينفعهم في بعض شدائد الحياة ماتعلموه،نفعهم ما اعتقدوه.

يريدون السمو الديني،لأن فكرة إدراك الشهوات بمعناها هي فكرة إدراك الواجبات بغير معناها.

يريدون الشباب السامي الطاهر من الجنسين،كي تولد الأمة الجديدة سامية طاهرة.

أحس الشباب أنهم يفقدون من قوة المناعة الروحية بقدر ما أهملوا من الدين.

وما هي الفضائل إلا قوة المناعة من أضدادها؟فالصدق مناعة من الكذب والشرف مناعة من الخسة.والشباب المثقل بفروض القوة هو القوة نفسها.وهل الدين إلا فروض القوة على النفس؟

وشباب الشهوات شباب مفلس من رأس ماله الاجتماعي ينفق دائماً ولا يكسب أبداً.

وأحسَّ الشبابُ معنى كثرة الفتيات في الجامعة،وأدركوا معنى هذه الرقة التي خلقتها الحكمة خالقة.والمرأة أداة استمالة بالطبيعة،تعمل بغير إرادة ماتعمله بالإرادة لأن رؤيتها أول عملها.

نعم إن المغناطيس لايتحرك حين يجذب،ولكن الحديد يتحرك له حين ينجذب.ومتى فهم أحد الجنسين الجنسَ الآخر،فهمه بإدراكين لا بإدراك واحد.وجمال المرأة إذا انتهى إلى قلب الرجل،وجمال الرجل إذا استقر في قلب المرأة.

هما حينئذ معنيان،ولكنهما على رغم أنف العلم معنيان متزوجان..“..

ويقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله في مقال آخر(الرسالة العدد72):

„احذري أيتها الشرقية وبالغي في الحذر،واجعلي أخص طباعك الحذر وحده.احذري تمدن أوروبا أن يجعل فضيلتك ثوباً يوسع ويضيق،فلبس الفضيلة على ذلك هو لبسها وخلعها..احذري فنهم الإجتماعي الخبيث الذي يفرض على النساء في مجالس الرجال أن تؤدي أجسامهن ضريبة الفن..احذري تلك الأنوثة الاجتماعية الظريفة.إنها انتهاء المرأة بغاية الظرف والرقة إلى….إلى الفضيحة.

احذري تلك النسائية الغزلية.إنها في جملتها ترخيص اجتمتعي للحرة أن…أن تشارك البغي في نصف عملها.

أيتها الشرقية احذري احذري!احذري التمدن الذي اخترع لقتل لقب الزوجة المقدس،لقب(المرأة الثانية)…واخترع لقتل لقب العذراء المقدس،لقب(نصف عذراء)..واخترع لقتل دينية المرأة،كلمة(الأدب المكشوف)…وانتهى إلى اختراع السرعة في الحب…فاكتفى الرجل بزوجة ساعة…وإلى اختراع استقلال المرأة،فجاء بالذي اسمه(الاب) من الشارع،لتلقي بالذي اسمه (الإبن) إلى الشارع…

أيتها الشرقية! احذري احذري!

احذري وأنت النجم الذي أضاء منذ النبوة،أن تقلدي الشمعة التي أضاءت منذ قليل.

إن المرأة الشرقية هي استمرار متصل لآداب دينها الإنساني العظيم.هي دائماً شديدة الحفاظ حارسة لحوزتها،فإن قانون حياتها هو قانون الأمومة المقدس.هي الطهر والعفة،هي الوفاء والأنفة،هي الصبر والعزيمة،هي كل فضائل الأم.

أيتها الشرقية!احذري احذري!

احذري ويحك تقليد الأوروبية التي تعيش في دنيا أعصابها محكومة بقانون أحلامها…لم تعد أنوثتها حالة طبيعية نفسية فقط بل حالة عقلية أيضاً تشك وتجادل…أنوثة تفلسفت فرأت الزواج نصف الكلمة فقط…والأم نصف المرأة فقط…ويا ويل المرأة حين تنفجر أنوثتها بالمبالغة العقلية فتنفجر بالدواهي على الفضيلة…إنها بذلك حرة مساوية للرجل،ولكنها بذلك ليست الأنثى المحدودة بفضيلتها…

أيتها الشرقية! احذري احذري!

احذري خجل الأوربية المترجلة من الإقرار بأنوثتها.إن خجل الأنثى من أنها أنثى يجعل فضيلتها تخجل منها…إنه يسقط حياءها ويكسو معانيها رجولة غير طبيعية.إن هذه الأنثى المترجلة تنظر إلى الرجل نظرة رجل إلى أنثى…والمرأة تعلو بالزواج درجة إنسانية،ولكن هذه المكذوبة تنحط درجة إنسانية بالزواج.

أيتها الشرقية! احذري احذري!

احذري تهوس الأوربية في طلب المساواة بالرجل.لقد ساوته بالذهاب إلى الحلاق،ولكن الحلاق لم يجد في وجهها اللحية…إنها خلقت لتحبيب الدنيا إلى الرجل، فكانت بمساواتها مادة تبغيض.العجيب أن سر الحياة يأبى أبداً أن تتساوى المرأة بالرجل إلا إذا خسرته.والأعجب أنها حين تخضع،يرفعها هذا السر عن المساواة بالرجل إلى السيادة عليه.

أيتها الشرقية! احذري احذري!

احذري أن تخسري الطباع التي هي الأليق بأم أنجبت الأنبياء في الشرق.أم عليها طابع النفس الجميلة،تنشر في كل موضع جو نفسها العالية.فلو صارت الحياة غيماً ورعداً وبرقاً،لكانت هي فيها الشمس الطالعة.ولو صارت الحياة قيظاً وحروراً واختناقاً،لكانت هي فيها النسيم يتخطر.

أيتها الشرقية! احذري احذري!

احذري هؤلاء الشبان المتمدنين بأكثر من التمدن…يبالغ الخبيث في زينته،وما يدري أن زينته معلنة أنه إنسان من الظاهر…ويبالغ في عرض رجولته على الفتيات،يحاول إيقاظ المرأة الراقدة في العذراء المسكينة.

ليس لإمرأة فاضلة إلا رجلها الواحد،فالرجال جميعاً هم مصائبها إلا واحداً.وإذا هي خالطت الرجال، فالطبيعي أنها تخالط شهوات ويجب أن تحذر وتبالغ.

أيتها الشرقية! احذري احذري!

احذري فإن في كل امرأة طبائع شريفة متهورة،وفي الرجال طبائع خسيسة متهورة.وحقيقة الحجاب أنه الفصل بين الشرف فيه الميل إلى النزول وبين الخسة فيها الميل إلى الصعود.فيك طبائع الحب والحنان،والإيثار،والإخلاص كلما كبرت.طبائع خطرة،إن عملت في غير موضعها…جاءت بعكس ماتعمله في موضعها.فيها كل الشرف مالم تنخدع ،فإذا انخدعت فليس فيها إلا كل العار.

أيتها الشرقية! احذري احذري!

احذري السقوط ،إن سقوط المرأة لهوله وشدته ثلاث مصائب في مصيبة:

سقوطها هي،وسقوط من أوجدوها،وسقوط من توجدهم.

نوائب الأسرة كلها قد يسترها البيت إلا عار المرأة.فيدُ العار تقلب الحيطان كما تقلب اليد الثوب فتجعل مالايرى هو مايرى.والعار حكم ينفذه المجتمع كله،فهو نفي من الاحترام الإنساني.

أيتها الشرقية! احذري احذري!

لو كان العار في بئر عميقة لقلبها الشيطان مئذنة ووقف يؤذن عليها.يفرح اللعين بفضيحة المرأة خاصة كما يفرح أب غني بمولود جديد في بيته..واللص، والقاتل،والسكير،والفاسق،كل هؤلاء علة ظاهر الإنسانية كالحر والبرد.أما المرأة حين تسقط،فهذه من تحت الإنسانية هي الزلزلة.ليس أفظع من الزلزلة المرتجة تشق الأرض إلا عار المرأة حين يشق الأسر’“. ا

ويقول رحمه الله في مقال آخر(الرسالة العدد61):

„وما هو الحجاب إلا حفظ روحانية المرأة للمرأة،وإغلاء سعرها في الاجتماع،وصونها من التبذل الممقوت لضبطها في حدود كحدود الربح من هذا القانون الصارم،قانون العَرض والطلب والإرتفاع بها أن تكون سلعة بائرة ينادَى عليها في مدارج الطرق والأسواق:العيون الكحيلة،الخدودالوردية،الشفاه الياقوتية،الثغور الؤلؤية،الأعطاف المرتجّة،…أو ليس فتياتنا قد انتهين من الكساد بعد نبذ الحجاب إلى هذه الغاية،وأصبحن إن لم ينادين على أنفسهن بمثل هذا فإنهن لا يظهرن في الطرق إلا لتنادي أجسامهن بمثل هذا؟

ماهو الحجاب الشرعي إلا أن يكون تربية عملية على طريقة استحكام العادة لأسمى طباع المرأة واختصها الرحمة،هذه الصفة النادرة التي يقوم الاجتماع الإنساني على نزعها والمنازعة فيها مادامت سنة الحياة نزاع البقاء،فيكون البيت اجتماعاً خاصاً مسالماً للفرد تحفظ المرأة به منزلتها،وتؤدي فيه عملها،وتكون مغرساً للإنسانية وغارسة لصفاتها معاً.

ويتابع رحمه الله:“فليس الحجاب إلا كالرمز لما وراءه من أخلاقه ومعانيه وروحه الدينية وهو كالصدفة لاتحجب اللؤلؤة ولكن تربيتها في الحجاي تربية لؤلؤية،فوراء الحجاب الشرعي الصحيح معاني التوازن والاستقرار والهدوء وأخلاق هذه المعاني وروحها الديني القوي الذي ينشىء عجينة الأخلاق الإنسانية كلها،أي صبر المرأة وإيثارها.وعلى هذين تقوم قوة الدافعة،وهذه القوة هي تمام الأخلاق الأدبية كلها،وهي سر المرأة الكاملة،فلن تجد الأخلاق على أتمها وأحسنها وأقواها إلا في المرأة ذات الدين والصبر والمدافعة.إنها فيها تشبه أخلاق نبي من الأنبياء.

ويتابع رحمه الله:“فخروج المرأة من حجابها خروج من صفاتها،فهو إضعاف لها،وتضرية للرجال بها،وماذا تجدي عادة الحذر إذا أفسدتها عادة الاسترسال والاندفاع،فيكون حذراً ليكون إغفالاً،ثم يكون إغفالاً ليعهد الزلة والغلطة،ومتى رجع غلطة فهذا أول السقوط ومبدأ الانقلاب والتحوّل.

وإذا قرتْ المرأة في فضائلها فإنما هي في حجابها ودينها،وإنما ذلك الحجاب ضابط حريتها الصحيحة،باعتبارها امرأة غير الرجل،فهو مسمى بالحجاب لاتصاله بالحرية وضبه لها،ولكن الضعفاء الذين يعرفون ظاهراً من الرأي لا يدركون مذهبه،ولا يحققون ماينتهي إليه،وينفذون في حكمهم على الظاهر لا على البصيرةـ هؤلاء لايعرفون معنى الحجاب إلا في القماش والكساء والأبنية،كأن حجاب الأخلاق النسوية يصنعه الحائك والباني والمستعبد،ولا تصنعه الشريعة والأدب والحياة الاجتماعية،فهم كما ترى حين يأتون بنصف العلم يأتون بنصف الجهل.

لم يخلق الله المرأة قوة عقل فتكون قوة إنجاب،ولكنه أبدعها قوة عاطفة لتكون قوة سلب،فهي بخصائصها والرجل بخصائصه،والسلب بطبيعته متحجب صابر هادىء منتظر،ولكنه بذلك قانون طبيعي تتم به الطبيعة.

أيتها الفتاة،إن صدق الحياة تحت مظاهرها لا في مظاهرها التي تكذب أكثر مما تصدق،فساعدي الطبيعة واحجبي أخلاقك عن الرجل،لتعمل هذه الطبيعة فيه بقوتين دافعتين منها ومنك،فيسرع انقلابه إليك وبحثه عنك،وقد يجد الفاسق فاسقات وبغايا،ولكن الرجل الصحيح الرجولة لن يجد غيرك.وإنما سفورك وسفور أخلاقك إفساد لتدبير الطبيعة،وتمكين للرجل نفسه أن يُرجف بك الظن ويسيْ فيك الرأي،وعقابك على ذلك ما أنت فيه من الكساد والبوار،عقاب الطبيعة لمستقبلك بالحرمان،وعقاب أفكارك لنفسك بالألم“.

بيدِ العفافِ أصونُ عزَّ حجابي                    وبعصمتي أسمو على أترابي

وبفكرةٍ وقّادةٍ وقريحةٍ                               نفّاذةٍ قد كُمِلتْ آدابي

فجعلتُ مِرآتي جبينَ دفاترٍ                         وجعلتُ من نقشِ المدادِ خطابي

ما عاقني خجلي عن العليا ولا                     سَدلُ الخِمارِ بلمّتي ونقابي

بل صولتي في راحتي وتفرُّسي                   في حُسنِ ما أسعى لخيرِ مآبِ

(عائشة التيمورية)

إنَّ الفتاة حديقة وحياؤها                            كالماءِ موقوفاً عليه بقاؤها

بفروعها تجري الحياة فتكتسي                     حُللاً يروقُ الناظرات رواؤها

إيمانها بالله أحسن حلية                              فيها فإما ضاعَ ضاعَ بهاؤها

لا خيرِ في حسنِ الفتاة وعلمها                     إن كان في غير الصلاح رضاؤها

فجمالها وقف عليها إنّما                             للناسِ منها دينها ووفاؤها

(باحثة البادية)

هل تطلبون من الفتاة سفورها؟                       حسن،ولكن أين بينكم التقي؟

لا تتقي الفتيات كشف وجوهها                          لكن فساد الطبع منكم تتقي

(باحثة الباديةـ ملك حفني ناصف)

أغرَّكِ يا أسماء ما قال „قاسمٌ“؟                       أقيمي وراء الخدر فالمرء واهم

تضيقين ذرعاً بالحجاب وما بهِ                         سوى ما جنت تلك الرؤى والمزاعمُ

سلامٌ على الأخلاقِ في الشرقِ كلّه                      إذا ما استبيحت في الخدور الكرائمُ

أقاسم لا تقذف بجيشك تبتغي                             بقومك والإسلام،ما الله عالم

اسائلُ نفسي إذ دلفت تريدها                              أأنتَ من البانين أم أنت هادمُ؟

ولولا اللواتي أنت تبكي مصابها                          لما قام للأخلاق في مصر قائم

(أحمد محرم مهاجماً قاسم أمين الذي كان يدعو للسفور)

يقول الكاتب العظيم مصطفى صادق الرافعي رحمه الله(الرسالة العدد63):

„كان الحلم الجميل في الحجاب وحده،يرغمني على الاعتقاد أن ههنا علامة التكرم ورمز الأدب وشارة العفة،وأن هذه المحصنة المخدرة عذراء أو امرأة لم تلق الحجاب عليها إلا إيذاناً بأنها في قانون عاطفة الأمومة لاغيرها،فهي تحت الحجاب لأنه رمز الأمانة لمستقبلها،ورمز الفصل بين ما يحسن وما لا يحسن،ولأن وراءه صفاء روحها الذي تخشى أن يكدر،وثبات كيانها الذي تخشى أن يزعزع“.

ويقول أيضاً رحمه الله(الرسالة العدد 73):

„واعلموا أن المرأة في أنوثتها وفنونها النسائية الفردية،كهذا السحاب الملون في الشفق حين يبدو،له وقت محدود ثم يمسخ مسخاً،ولكن الزوجة في نسائيتها الاجتماعية كالشمس،قد يحجبها ذلك السحاب ،بيد أن البقاء لها وحدها،والاعتبار لها وحدها،ولها وحدها الوقت كله“.

ويحذر الرسول هنا تحذيراً خاصاً من خلوة المرأة بأحمائها أي أقارب زوجها كأخيه وابن عمه ،لما يحدث عادة من تساهل في ذلك بين الأقارب قد يجر أحيانا إلى عواقب وخيمة ،لأن الخلوة بالقريب أشدّ خطراً من غيره، والفتنة به أمتن لتمكنه من الدخول إلى المرأة من غير نكير عليه بخلاف الأجنبي ومثل ذلك أقارب الزوجه من غير محارمها كابن عمها وابن خالها وابن خالتها  فلا يجوز لأحد منهم الخلوة بها ،قال رسول الله صلى الله عليه السلام: “ إياكم والدخول على النساء  فقال رجل من الأنصار يارسول الله أفرأيت الحمو،قال الحمو الموت „[متفق عليه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه]. يعني أن في الخلوة لأخطر والهلاك هلاك الدين إذاوقعت المعصيه ،وهلاك المرأة بفراق زوجها  إذا حملته الغيرة على تطليقها ،وهلاك الروابط الإجتماعية إذا ساء ظن الأقارب بعضهم ببعض ،ويتابع الدكتور القرضاوي : “ ومما حرمه الإسلام إطالة النظر من الرجل إلى المرأة،  ومن المرأة إلى الرجل ،فإن العين مفتاح القلب والنظررسول الفتنة، وبريد الزنى، ولهذا وجّه الله تعالى أمره إلى المؤمنين والمؤمنات جميعا بالغضّ من الأبصار مقترناً بأمره بحفظ الفروج، قال تعالى:{قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون* وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهنّ ويحفظن فروجهنَّ ولا يُبدين زينتهنَّ إلا ماظهر منها }[النور 30 ـ 31] ويتابع حفظه الله :“ ويلاحظ ان الآيه أمرت بالغضّ من البصرلا بغضّ البصر وذلك لأن الله سمح للناس بشئ من البصر رفعا للحرج ورعاية للمصلحة، فالغض من البصر ليس معناه إقفال العين عن النظر ولا إطراق الرأس إلى الأرض فليس هذا بمراد ولا مستطاع ،كما أن الغضّ من الصوت في قوله تعالى  {واغضض من صوتك }[لقمان 19] ، ليس معناه  إغلاق الشفتين عن الكلام ،وإنما معنى الغضّ من البصر خفضه وعدم إرساله طليق العنان يلتهم الغاديات والرائحات، أو الغادين والرائحين، فاذا نظر إلى الجنس الأخر لم يغلغل النظر إلى محاسنه، ولم يطل الإلتفات إليه والتحديق به ، ولهذا قال الرسول عليه الصلاه والسلام لعلي بن أبي طالب : “ يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الأخرة“  [رواه احمد وأبو داود والترمذي] ، وقد جعل النبي عليه الصلاه والسلام النظرات الجائعة الشرهة من أحد الجنسين إلى الآخر زنى العين فقال  : „العينان تزنيان وزناهما النظر“  [رواه البخاري] ، وإنما سماه زنى لأنه ضرب من التلذذ والإشباع للغريزة الجنسية  بغير الطريق المشروع .

وجاء في الحديث الشريف عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “ إياكم والجلوس في الطرقات  فقالوا يارسول الله مالنا من مجالسنا بد نتحدث فيها  فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإذا أبيتم إلا المجلس  فأعطوا الطريق حقه  قالوا وما حق الطريق  يا رسول الله ؟ قال :غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف  والنهي عن المنكر“  [رواه الشيخان].

وعن جرير قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأه قال: اصرف بصرك “ [رواه مسلم وابو داوود والترمذي  واحمد].

وقد وجد النبي صلى الله عليه وسلم الفضل بن العباس رضي الله عنهما ينظر إلى امرأة جاءت تستفتيه فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها . وقد علّق الإمام ابن  القيم رحمه الله على ذلك فقال :“وهذا منع وإنكار بالفعل، فلو كان النظر جائزاً لأقرّه عليه“ .

ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله(الداء والدواء ص206):

„وأكثر ماتدخل المعاصي على العبد من أبواب أربع:اللحظات والخطرات واللفظات والخطوات“.

فأما اللحظات: فهي رائد الشهوة ورسولها،وحفظها أصل حفظ الفرج، فمن أطلق بصره أورد نفسه موارد المهلكات.وقال النبي صلى الله عليه وسلم:“لاتتبع النظرة النظرة،فإنَّ لك الأولى وليست لك الآخرة„[أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد عن بريدة بن الحصيب الأسلمي وقال الألباني حديث حسن].

ويتابع ابن القيم:“والنظرة أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان،فالنظرة تولد خطرة ثم تولد الخطرة فكرة،ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصيرعزيمة جازمة، فيقع الفعل ولابد،مالم يمنع منه مانع،وفي هذا قيل:“الصبر على غض البصرأيسرمن الصبرعلى ألم مابعده“.

ومن آفات النظر : أنه يورث الحسرات والزفرات والحرقات، فيرى العبد ماليس قادراً عليه ولاصابراً عنه،وهذا من أعظم العذاب،أن ترى مالاصبر لك عن بعضه،ولاقدرة على بعضه“.

ويقول سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى:{قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم}[النور 30]:

„إن الإسلام يهدف إلى إقامة مجتمع نظيف،لا تهاج فيه الشهوات في كل لحظة،ولا تُسثار فيه دفعات اللحم والدم في كل حين،فعمليات الإستثارة المستمرة تنتهي إلى سعار شهواني لا ينطفىء ولا يرتوي.والنظرة الخائنة،والحركة المثيرة،والزينة المتبرجة،والجسم العاري…كلها لا تصنع شيئاً إلا أن تهيج ذلك السعار الحيواني المجنون…وإلا أن يفلت زمام الأعصاب والإرادة.فإما الإفضاء الفوضوي الذي لا يتقيد بقيد وإما الأمراض العصبية والعقد النفسية الناشئة من الكبح بعد الإثارة،وهي تكاد أن تكون عملية تعذيب…

وإحدى وسائل الإسلام في إنشاء مجتمع نظيف هو الحيلولة دون هذه الاستثارة،وإبقاء الدافع الفطري العميق بين الجنسين سليماً،وبقوته الطبيعية،دون استثارة مصطنعة،وتصريفه في موضعه المأمون النظيف.

ولقد شاع في وقت من الأوقات أن النظرة المباحة،والحديث الطليق والإختلاط الميسور،والدعابة المرحة بين الجنسين،والإطلاع على مواضع الفتنة المخبوءة…شاع أن كل هذا تنفيس وترويح،وإطلاق للرغبات الحبيسة،ووقاية من الكبت،ومن العقد النفسية،وتخفيف من حدة الضغط الجنسي،وما وراءه من اندفاع غير مأمون…الخ…

شاع هذا على إثر انتشار بعض النظريات المادية القائمة على تجريد الإنسان من خصائصه التي تفرقه من الحيوان،والرجوع به إلى القاعدة الحيوانية الغارقة في الطين وبخاصة نظرية فرويد،ولكن هذا لم يكن سوى فروض نظرية،رأيت بعيني في أشد البلاد إباحية وتفلتاً من جميع القيود الاجتماعية والأخلاقية والدينية والإنسانية ما يكذبها وينقضها من الأساس.

إن الميل الفطري بين الرجل والمرأة ميل عميق في التكوين الحيوي،لأن الله قد ناط به امتداد الحياة على هذه الأرض،وتحقيق الخلافة لهذا اللإنسان فيها.فهو ميل دائم يسكن فترة ثم يعود،وإثارته في كل حين تزيد من عرامته،وتدفع به إلى الإفضاء المادي للحصول على الراحة,فإذا لم يتم هذا تعبت الأعصاب المستثارة وكان هذا بمثابة عملية تعذيب مستمر.

والنظرة تثير،والحركة تثير،والضحكة تثير،والدعابة تثير،والنبرة المعبرة عن هذا الميل تثير.والطريق المأمون هو تقليل هذه المثيرات بحيث يبقى هذا الميل في حدوده الطبيعية،ثم يلبى تلبية طبيعية.وهذا هو المنهج الذي يختارهالإسلام مع تهذيب الطبع وشغل الطاقة البشرية بهموم أخرى في الحياة،غير تلبية دافع اللحم والدم،فلا تكون هذه التلبية هي المنفذ الوحيد“.

ويقول الدكتور محمود ناظم النسيمي رحمه الله(الطب النبوي والعلم الحديث ج2 ص 127):

„بما أن الميل الجنسي له علاقة بإفراز الغدد الجنسية والغدة النخامية،وهذه الغدد تزداد إفرازاتها بالمثيرات التي تحرض الرغبات المنبعثة عن ذلك الميل أيضاً،كما تزداد بالغذاء الوافر،فلذا حرص الإسلام على إبعاد أتباعه عن مثرات الغريزة الجنسية ليسهل عليهم الالتزام بالعفة،وله في ذلك تخطيط وتعاليم أذكر منها مايلي: