الصحة الجنسية — غريزة الجنس
بسم الله الرحمن الرحيم
نظرات في الصحة الجنسية بين الطبِّ والإسلام
غريزة الجنس :
خلق الله الإنسان في أحسن تقويم ،وأكرمه سُبحانه تعالى وسَوَّاهُ فعدله،وأودع فيه من الغرائز والنوازع والعقل والروح ،وفضلّه على كثيرٍ من خلقه فكان وسَطاً بين الملائكية والبهيمية،بين العقل التام والسُّمو الروحي وبين الشهوانية الحيوانية.
إنَّ وجود الغرائز والشهوات لدى الإنسان ليس عيباً أو انتقاصاً له ،وقد كرّمه الله تعالى خالقه،وهو أدرى به وبغرائزه،يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله (في كتابه مع الناس ص52):
„إن الله خلق في الإنسان غريزتين: غريزة لبقاء ذاته،وغريزة لبقاء نوعه، فبالأولى يسوقه لذع الجوع إلى ابتغاء الطعام ليدفع بالشبع الموت عن نفسه، وبالثانية يسوقه وقد الشهوة إلى الإقتراب من الأنثى ليمنع بالنسل الإنقراض عن جنسه „.
ويقول الشيخ علي الطنطاوي أيضاً(الرسالة العدد283):
„على أن الحب في الأصل جميل مقدس،وعلى الحب قام الوجود كله وائلف وسار إلى غايته،والشهوة نافعة لازمة لم تخلق عبثاً،ولا أداة للشر،بل خلقت حياة للجنس وعصمة من أن يمحى أو ينقرض،ولسنا نحقر الحب ولا نذم الشهوة،وإنما نذم الغلو فيهما،وولوجهما من غير بابهما،وأخذهما على غير الوجه الذي خلق الله لهما..نذم منطق الشهوة،وللشهوة منطقها الذي يسلب الدين دينه والحكيم لبّه،ويريه أن له الحق في كل النساء،وأنه لم تخلق امرأة إلا للذته(هو)ومتعته،ويصنع له إبليس أدلة هذه الدعوى فيقبلها بعقله الذي انحدر من رأسه،ويتلقاها باعصابه الهائجة المجنونة،ثم يدله إبليس على سبل تحقيقها،فيسلكها لا يبالي الدين ولا العرف ولا المروءة ولا شيئاً مما تواضع على إجلاله الناس“.
ويقول الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله( في كتابه فتاوى معاصرة ص485):
„إن الإسلام اعترف بفطرية الدافع الجنسي وأصالته،وإدانة الإتجاهات المتطرفة التي تميل إلى مصادرته أو اعتباره قذراً وتلوثاً، ولهذا منع الدين الذين أرادوا قطع الشهوة الجنسية نهائيا بالخصاء من أصحابه،وقال لأخرين أرادوا اعتزال النساء وترك الزواج كما جاء في الحديث النبوي الشريف:“أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له ولكني أقوم وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني „.
ويقول الكاتب الكبير عباس محمود العقاد رحمه الله(المجموعة الكاملة المجلد25 ص483):
„إن الغريزة الجنسية لا ريب من أقوى غرائز النفس وأعمقها وأكثرها تفرعاً وتوزعاً في جوانب الإحساس ودخائل التفكير،وإنها ولا جدال على اتصال وثيق بشعور الجمال ومطالب الفنون لاتراها منعزلة عنها فيما ينظمه الشعراء ويمثله المصورون ويغنيه المنشدون،ولكن ليس معنى ذلك أنها هي أصل كل شعور بالجمال وأن الحياة نفسها لا جمال لها إلا من حيث إنها علاقة بين ذكر وأنثى ووسيلة لإعطاء الحياة لمخلوق جديد،فإن الحياة غاية الغريزة الجنسية وليست هي الجسر الذي نعبره إلى الحب والجمال“.
ويقول العلامة الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله ( لواء الإسلام العدد 11 سنة 8 رجب 1374 هجري) :
“ والإسام هو دين الفطرة يقوم في دعائمه وأحكامه على الفطرة الإسلامية السليمة ،كما قال سبحانه في دينه :{ فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون }[ الروم 30 ]. ولأن الإسلام دين الفطرة لم يدع إلى ترك الدنيا ،وإهمال متاعها الحلال ،فلم يدع إلى تعذيب الجسم لأجل الروح ،ولم يدع إلى المادية كما ترى في بعض الديانات بل دعا الى الأخرة على ألا ينسى الدنيا فقال سبحانه : {وابتغِ فيما أتاك الله الدار الأخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك} [القصص 77 ]. وهكذا قام الإسلام على الجمع بين المعاني الروحية ،وإباحة المتع الجسدية،من غير إسراف، فقال سبحانه :{قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده} [ الأعراف 32] . وقال تعالى : {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لايحب المسرفين } [الأعراف 31] . فهو دين الإعتدال،وفي الإعتدال قوة،وفي الإعتدال سلامة المنطق،وعدم انحراف النفس والفكر „.
ويقول الدكتور القرضاوي حفظه الله في كتابه الحلال والحرام في الاسلام:
„خلق الله الإنسان ليستخلفه في الأرض ويستعمره فيها ،ولن يتم هذا إلا إذا بقي هذا النوع واستمرت حياته على الأرض يزرع ويصنع ويبني ويعمرويؤدي حق الله عليه ولكي يتم ذلك ركب الله في الإنسان مجموعة من الغرائز والدوافع النفسية تسوقه بسلطانها إلى مايضمن بقاءه فردا وبقاءه نوعا ،وكان من هذا غريزة البحث عن الطعام التي بإشباعها يبقى شخصه،والغريزة الجنسية التي بالإستجابة لها يبقى نوعه،وهي غريزة قوية عاتية في الإنسان ومن شأنها أن تطلب متنفساً تؤدي فيه دورها وتشبع نهمها، وكان لابد للإنسان أن يقف أمامها أحد مواقف ثلاثه:فأما أن يطلق لها العنان تسبح أين شاءت وكيف شاءت بلا حدود توقفها ولا روادع تردعها من دين أوخلق أوعرف كما هو الشأن في المذاهب الإباحية التي لا تؤمن بالدين ولا بالفضيلة وفي هذا الموقف انحطاط بالإنسان إلى مرتبة الحيوان وإفساد للفرد والأسرة وللجماعة كلها،وإما أن يصادمها ويكبتها كما هو الشأن في مذاهب التقشف والحرمان والتشاؤم كالمانوية والرهبانية ونحوهما ،وفي هذا الموقف وأد للغريزة وتعطيل لعملها ومنافاة لحكمة من ركبّها في الإنسان وفطره عليها ،ومصادمة لسنّة الحياة التي تستخدم هذه الغرائز لتستمرفي سيرها،وإماأن يضع لها حدودا تنطلق في داخلها ،وضمن إطارها دون كبت مرذول ولا انطلاق مجنون ،كما هو الشان في الأديان السماوية التي حرّمت السفاح وشرعت النكاح ،وخصوصاً الإسلام الذي اعترف بالغريزة فيسّر سبيلها من الحلال،ونهى عن التبتل واعتزال النساء،كما حرّم الزنى وملحقاته ومقدماته أشدَّ تحريم „.
ويقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله :
“ مامعنى إقرار الشهوات،وتركها تنساب ؟والجواب إن الحياة على ظهر الأرض لا تتصل مواكبها ولا يطّرد نشاطها ولا يرتفع مستواها وتزدهر حضارتها إلا بوقود من هذه الشهوات المتقدّة التي ترى بقاء الجنس الإنساني مكفولاً بشئ أخر وراء هذه الغريزة الكامنة في الذكر والأنثى ،غاية ما هنالك أن الدين ينظّم عمل هذه الطباع القوية ويحسّن توجيهها إلى أهدافها فبدلًا من أن تتحول مياه النهر إلى فيضان مدمر يهلك الحرث والنسل تخرج منه في قنوات محكمة،وترع منظمة،ومواعيد معلومة،وتتحكّم في ضبطها وتوزيعها سدود وخزانات، وبهذه الوسيلة تتحول الصحارى إلى حقول زاهرة،وترتقب منها الجني الحلو من الحبوب والفواكه ،كذلك يصنع الإسلام بالغرائز الإنسانيه،إنه لا يقتلها لأنه إن قتلها حكم على الحياة الدنيا بالفناء السريع ولكنه يحول انطلاقها الفوضوي إلى انسياب دقيق رقيق، والقيود التي يضعها عليها ليست لتعوق وظيفتها ،وإنما لضمان هذه الوظيفة بإبعاد الشطط والغلط عنها „.ويتابع رحمه الله:“ وكل محاوله لسحق الشهوات وتشتيت شملها فهي عطل في جوهر الانسان وعجزٌ عن أداء رسالته „.
ويقول الدكتور فائز محمد علي الحاج في كتابه „الانحرافات الجنسية وأمراضها“:
فإن الإسلام يعترف بالميول والغرائز والدوافه الإنسانية على أنها قوى وطاقات واستعدادات فطرية وضرورية لدوام الحياة واستمرار النوع،ومن ثم فهو لايحاربها ولايريد انتزاعها أو خلعها من جذورها،بل يعمل على تنظيمها وتوجيهها إلى غايتها وإرضائها بطرق لايتجاوز فيها أي فرد حدود فطرته،ولا يعمل ماليس بإمكانه واسنطاعته بل يسير في الطريق السوى سيرأص طبيعياً متلائماً ومعتدلاً،{فطرةَ الله التي فطرَ الناسَ عليها لاتبديلَ لخلقِ الله ذلك الدينُ القيَّم ولكنَّ أكثرَ الناسِ لايعلمونَ}[الروم 30]
إن الإسلام يعتبر الغريزة الجنسيه إحدى الطاقات الفطرية التي يجب أن يتم تصريفها في الحدود التي شرعها الله ،والتي من أجلها أودع الله هذه الغريزة في الإنسان ،فالإسلام يعتبر الغريزة الجنسية العامل الرئيسي للتناسل البشري ولتحقيق التكاثر واستمرار الوجود الإنساني، ولذلك فإن الإسلام تعهّدها بالشرح والتفصيل ،وأولاها عناية خاصة.
إن الإسلام يُقرّ بوجود الشهوات لدى الإنسان وفي مقدمتها الشهوة تجاه النساء يقول تعالى:
{زُيِّنَ للناسِ حُبُّ الشَّهواتِ من النساءِ والبنينَ والقناطيرِ المُقَنطرةِ من الذَّهبِ والفِضَّةِ والخَيلِ المُسوَّمةِ والأنعامِ والحرثِ ذلك متاعُ الحياةِ الدُّنيا واللهُ عِندَهُ حُسنُ المآب} [آل عمران14].
وفي الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : „إنَّ الدنيا حلوةٌ خضرةٌ،وإن الله مُستخلفُكُم فيها،فينظر كيف تعملون،فاتقوا الدنيا واتقوا النساء،فإنَّ أول فتنةِ بني اسرائيل كانت في النساء “ [رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه] .
فغريزة الجنس هي إحدى الغرائز البشرية الطبيعية عند الإنسان لايجب قتلها أو كبتها أو منعها من أداء ماخلقت له ،ولكن يجب توجيهها بالطريقة التي حدّدها لها خالقها لا بالطرق التي قد تُمليها أو تُزيّنها القوى الطارئة المؤثرة الأخرى، يقول تعالى:
{يا أيُّها الذين أمنوا لاتُحرِّموا طَيباتِ ما أحلَّ اللهُ لكم ولا تعتدوا انَّ الله لا يُحِبُّ المُعتدين} [المائده 87]،وقال تعالى :{قُلْ مَن حَرَّمَ زِينةَ الله التي أخرجَ لعبادهِ والطَّيباتِ من الرِّزق} [الأعراف32].
والإسلام يقر أيضاً أن الدنيا قد مُلئت وحُفّت بالشهوات ،عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :“ لما خلق الله الجنة قال لجبريل : اذهب فانظر اليها ، فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال:أي ربِّ وعزّتك لا يسمعُ بها أحدٌ إلا دخلها، ثم حفّها بالمكاره ، ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها،فذهب فنظر إليها،ثم جاء فقال:أي ربِّ وعزّتك لقد خشيتُ أن لا يدخلها أحد ،قال :فلما خلق الله النار قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها،فذهب فنظر إليها،ثم جاء فقال: أي ربِّ وعزّتك لا يسمع بها أحد فيدخلها،فحُفّها بالشهوات ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها ،فذهب فنظر إليها،ثم جاء فقال: أي ربِّ وعزّتك لقد خشيت أن لا يبقى أحدٌ إلا دخلها““ [رواه أبو داود واللفظ له والترمذي والنسائي وأحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه وهو حديث حسن صحيح) .
ومن جهة أخرى فإن الإسلام لم يترك الإنسان وحده أمام هذه الشهوات ،وتحت رحمة الغرائز وإنما أعطاه العقل والتكليف، وأرشده لما ينفعه ويضره وهداه السبيلين ،وبيَّن له أن هذه الشهوات يستطيع أن يسيطر عليها ،وأن يوجّهها كيف شاء في الحلال والحرام، وهو بعد ذلك مسؤول عما توجه اليه، {فمن يعملْ مثقالَ ذرّةٍ خيراً يره* ومن يعمل مثقال ذرَّةٍ شراً يره} [الزلزلة 7 ـ 8]
{كل نفس بما كسبت رهينة} [المدثر 38 ]،{ونفسٍ وما سَوَّاها *فألهمَها فُجُورَها وتَقواها} [الشمس7 ـ 8 ].
يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله :
“ والإسلام في علاجه للنفس ابتغاء إصلاحها ينظر إليها من ناحيتين ،إن فيها فطرة طيبة تهفو إلى الخير وتسر بإدراكه وتأسى للشر وتحزن من ارتكابه،وترى في الحق امتداد وجودها ،وصحة حياتها، وأن فيها إلى جوار ذلك نزعات طائشة تشرد بها عن سواء السبيل ،وتزّين لها فعل مايعود عليها بالضرر ويسف بها إلى منحدر سحيق،يقول تعالى :{ونفسٍ وما سوَّاها* فألهمَهَا فُجُورَها وتقواها* قد أفلحَ من زكاها* وقد خاب من دسَّاها}[الشمس 7 ـ 10]ويوم القيامه تشهد عليه أعضاء جسده التي سخّرها لأوامره وكيف أشبع غرائزه ،يقول تعالى:{حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عليهم سَمعُهُم وأبصارُهُم وجُلُودُهُم بما كانوا يعملون } [فصلت 20].
فغريزة الجنس موجودة ولكنّها خاضعة لإراده الإنسان فهو من يسيطر عليّها، وهو من يختار إشباعها حلالاً أوحراماً،وهو من يستطيع كبتها أو إطلاقها ،أوتأجيل إشباعها فإذا ماانحرف وغلب الهوى على العقل،والغواية على الرشاد،والنفس الأمّارة بالسوء على النفس اللّوامة،عندها ينحطّ إلى مرتبة الحيوان بل ربما دون ذلك حينما تتحكّم به نزواته ورغباته وشهواته،وعندما تتعطّل فيه نوازع الخير،وتسيطر عليه نوازع الشر،عندها ينطبق عليه قوله تعالى:{إن هم إلّا كالأنعام بل هم أضلُّ سبيلاً }[الفرقان 44]،وإن مما يقوّي الإنحراف هذاوسيطرة نوازع الشر النفس الأمّارة يقول تعالى: {إنَّ النَّفسَ لأَمَّارة بالسُّوءِ إلاَّ مارَحِمَ ربي} [ يوسف 53]، وكذلك خضوع الإنسان إلى وساوس الشيطان ونفثاته ،فإن الشيطان يجري في الانسان مجرى الدم في العروق وإن كان لا سبيل له على عباد الله الصالحين يقول تعالى:{إنَّ عبادي ليسَ لكَ عليهم سُلطانٌ وكفى بِربِّكَ وكيلا} [الاسراء 65] .
كما أن الأسرة والمجتمع يلعبان دوراً سلبياً أو إيجابياً في هذا الأمر،وكذلك صحبة الأخيار أو الأشرار .
إن الإسلام يعتبر الغريزة الجنسية إحدى الطاقات الفطرية { فطرتَ الله التي فطر الناسَ عليها لا تبديل لخلق الله}[الروم 30].
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله(التبيان في أقسام القرآن):
„ثم لما أراد الله سبحانه أن يذر نسلهما(أي آدم وحواء)في الأرض ويكثره وضع فيهما حرارة الشهوة ونار الشوق والطلب.وألهم كُلاً منهما اجتماعه بصاحبه فاجتمعا على أمر قد قدر.ويتابع:“ثم اقتضت حكمته سبحانه أن قدر لخروجهما(أي الشهوة) أقوى الأسباب المستفرغة لها من خارج وداخل.فقيّض لها صورة حسنّها في عين الناظر وشوّقه إليها.وساق أحدهما إلى الآخر بسلسلة الشهوة والمحبة فحنّ كل منهما إلى امتزاجه بصاحبه واختلاطه به ليقضي الله أمراً كان مفعولا…وجعل هذا محل الحرث وهذا محل البذر ليلتقي الماءان على أمر قد قدر“.
يقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله :
“ إن الإسلام يعطي الغريزة الجنسية حقها ومداها المشروع ولكنه لا يرضى للمسلم أن يكون عبد الغريزة، وأن تكون هي وحدها التي توجه خطاه فتتجاوز به الحلال إلى الحرام ،والخير الى الشر „.
وهذه الطاقة يحدّد الإسلام الأهداف التي يجب أن يتم تصريفها وتحقيقها ،يقول الأستاذ فتحي يكن رحمه الله( في كتيب الإسلام والجنس): „إن أهم الأهداف المتوخاة هي:
أولاً: عقد أواصر المودة والرحمة بين الرجل والمرأة،يقول تعالى :{ومن آياتهِ أن خَلقَ لَكُم من أنفُسِكُم أزواجاً لِتَسكنُوا إليها وجعلَ بينكُم مودَّةً ورحمة} [الروم 21].
ثانيًا: أن تكون الأسرة موطن الراحة والإستقرار ومصنع الأجيال ومبعث المسؤولية يقول تعالى:{ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما} ا[لفرقان 74]
ثالثاً : استمرار النوع وتكاثر النسل وعمارة الحياة.
رابعاً: تحقيق النفعين الحسي والنفسي للإنسان من افراغ الشحنة الجنسية. انتهى كلام فتحي يكن رحمه الله .
نعم إن غريزة الجنس كما يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله :
“ هي غريزة أي أنها مغروزة، في نفوس الجميع فمن الناس من ظن أنه يستطيع قلعها،ومنهم من تركها تكبر كشجرة شائكة وكلما امتدت فروعها زادت أشواكها وسدّت على الناس الطريق ،أو مزّقت منهم الجلود والثياب والإسلام لم يقل لنا اقلعوا هذه الغريزة، ولم يقل لنا اعملوها رهبانية لأن ذلك مخالف للطبيعة التي طبع الله الناس عليها، ولا قال لنا اتركوها تكبر وتشتد وتؤذي الناس،بل علمنا كيف نشذبها ونهذبها فنُبقي على الغصن النافع، ونقطع الشوك المؤذي فينالنا خيرها وينأى عنا ضرّها، إنها كالسيل ينحط من شعاف الجبل من وقف في وجهه جرفه ومن تركه فإنه يدمر البلاد ويهلك العباد ،والعاقل من يتخذ له طريقا ويحفر له مجرى إذا جاء جرى فيه،وهذا هو موقف الإسلام من هذه الغريزة لارهبانية ولا إباحية ولكنها صلة كاملة مثمرة، طبق طعام ولكن لك وحدك لا تتعاوره الأيدي ولا تلغ فيه الكلاب“.
ويقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله(مجلة الثقافة العدد 264 بتاريخ 18 كانون الثاني عام 1944):
„يا قوم إن الله خلق الشهوة وأمر بكفِّ شِرّتها وكسر حدّتها.وشرع لها طريقاً مرسوماً كيلا تطغى كما يطغى النهر إذا خرج عن سبيله،وجاوز مجراه،وهذا الطريق هو الزواج.وأقام لها الحواجز والسدود،فخوف المرض سدّ،وخشية الله سدّ،وتجنب الفضيحة سدّ،والهرب من الحدّ سدّ.فعطلتم حدود الله فلا تُقام على زانٍ،ووضعتم قوانين تكاد تبيح ثلاثة أرباع الزنا،ولا تعاقب إلا على الربع الباقي،ومنعتم الفضيحة حين جعلتم هذا المنكر معروفاً،وأعلنتموه وقد كان شراً مستتراً،وجعلتموه تمدناً وقد كان وحشية وخزياً وعاراً،وأنسيتم أولادكم خوف الله حين أقللتم من دروس الدين في المدارس،ولم تدخلوها في الامتحانات العامة،واستعملتم الطب على تجنب المرض،فأدخلتم الذئب على غنمكم…
إن الشهوة ذئب كاسر فلا تطلقوه عليكم،فلا تدرون ماذا يفعل ببناتكم وأولادكم،إنه يفسدهم ويفسدهن.إن الشهوة إن أطيعت في الحرام بطل الزواج،وهذا ما حلّ بنا أو كاد،وإن بطل النكاح ظهر السفاح،وإن ظهر السفاح صار البشر كالخنازير والعياذ بالله“.
ويقول سيد قطب رحمه الله في الظلال(ج6 ص 3596)في تفسير سورة الطلاق:
„إن الإسلام لا يحارب دوافع الفطرة ولا يستقذرها،إنما ينظمها ويطهرها،ويرفعها عن المستوى الحيواني،ويرقيها حتى تصبح هي المحور الذي يدور عليه الكثير من الآداب النفسية والاجتماعية.ويقيم العلاقات الجنسية على أساس من المشاعر الإنسانية الراقية،التي تجعل من التقاء جسدين،التقاء نفسين وقلبين وروحين.وبتعبير شامل التقاء إنسانين،تربط بينهما حياة مشتركة،وآمال مشتركة،وآلام مشتركة،ومستقبل مشترك،يلتقي في الذرية المرتقبة،ويتقابل في الجيل الجديد،الذي ينشأ في العش المشترك،الذي يقوم عليه الوالدان حارسين لا يفترقان“.
ويقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله(هذا الدين ص30):
„نأخذ مثلاً صورة ضبط النفس عن الاندفاع مع الشهوات الجنسية المحرمة..إنها في ظاهرها تبدو كبتاً وكبحاً…ولكنها في حقيقتها تمثل التحرر من العبودية لهذه الشهوات،والإنطلاق من عقالها،واستعلاء الإرادة الإنسانية، بحيث تختار مواضع هذه الشهوات، في حدود النظافة التي يوفرها الإسلام، وفي دائرة الطيبات التي أحلها الله.
إن الإسلام يعتبر الآثام والرذائل قيوداً وأغلالاً، تشد النفس الإنسانية وتثقلها وتهبط بها إلى الوحل. ويعد الانطلاق من أوهام الميول الهابطة تحرراً وانطلاقاً، وكل „أخلاقيته“ تقوم على هذا الأساس“.
ويقول الكاتب الكبير عباس محمود العقاد رحمه الله(المجموعة الكاملة المجلد 24 ص375):
„ولكني أعتقد أن الفرق بين الناس في الأهواء الجنسية لم ينجم عن فرق في الإنخداع للوهم أو التمرد على القيود ولكنه نجم عن فرق في مناعة النفس ووثاقة الخلق وفي الصلاحية للأبوة وبقاء الذرية،وبحيث يمكن أن يقال على التحقيق أن الفضائل الجنسية الصحيحة كانت في أول نشأتها مزايا جسدية فزلوجية قبل أن تكون مزايا أدبية أو دينية.
فالذي نراه أن لكل الجنسين شروطاً معلومة،أو مجهولة، يشترطها في الجنس الآخر حتى يتم بينهما الحب والتآلف، وأن هذه الشروط هي بمثابة التعاقد الفطري على المزايا الضرورية للغاية التي تعنيهما معا،وهي انجاب أوفق النسل وأمثله.
على هذا ليس الاستعصام كما يزعم بعض المتفلسفة من الإباحيين تحكماً فضولياً من وضاع العرف والشريعة. ولكن أصل في خلقة الجسم يعاب فقدانه وينطوي على مغازي كثيرة: أقربها في الفرد أن له خلقاً مكيناً قادراً على صدّ ميوله والقبض على عنان أهوائه وأقربها في الأمة أن لها مستقبلاً نامياً وخصائص لا تبذل جزافا.والذين يقولون أنهم حكموا العقل فحكم لهم بنبذ الفضائل الجنسية يظلمون العقل ويتقولون عليه مالم يقله ولن يقوله“.
هذا من وجهة نظر الإسلام للغريزة الجنسية،أما علماء النفس الأوربيين وواضعي القوانين الوضعية في ديار الغرب فإن لهم نظرة أخرى حول موضوع الجنس والغريزة الجنسية.
يقول الأستاذ صديق شيبوب(الرسالة العدد382):
„تعتبر الغريزة الجنسية أساسأً لنظريات(فرويد) في علم النفس وقد كان أول من تجرأ على القول بأنها أهم القوى الفعالة في النفس.
كانت الأجيال السابقة تعرف مدى انفعالات النفس بتأثيرالغريزة،ولكنها كانت تضرب صفحاً عن ذكرها أو الإشارة إليها مراعاة للقوانين والأخلاق.وقد ساعدت الديانات والحكومات،على اختلاف أنواعها وأشكالها،على ضبط جماح الغرائز الألولية فلم يشذ عن هذا الإجماع إلا القليل.
حاربت النصرانية شهوات الجسم بشهوات العقل والروح،وجعلت من تحقيق رغبات هذه الشهوات الأخيرة مثلاً أعلى في الحياة،وأوجدت وسائل تختلف قسوة وليناً للتغلب على الغريزة الجنسية،وكان بعض هذه الوسائل جسمياً وبعضها الآخر عقلياً،وهو حل قائم على العقل والمنطق،لأن الأخلاق برزت في شكل مادي قائم على فكرة تتصل بما وراء المادة.على أن هذا الحل ظهر غير فعال تماماً لأنه لم يشف الإنسانية من الغريزة الجنسية ولم يحل دون بروزها مسيطرة على الجسم والنفس معاً.
أما القرن التاسع عشر،وهو عصر الاكتشافات الخطيرة والاختراعات الهامة والمذاهب المستحدثة التي غيرت مجرى العقل والذوق في شتى أنواع الفنون ومختلف أساليب الفلسفة والعلم،فقد حارب الغريزة الجنسية بطريقة سلبية لأن كبار مفكريه تواطئوا على إهمال وإغفال ذكرها أو الإشارة إليها،فلم يؤيدوا وجودها ولم ينفوه ولم يبحثوا في أثرها.
على أنه عندما أشرف القرن التاسع عشر على الزوال قام الطبيب الشاب(فرويد) يتحدث عن كبت الغريزة الجنسية وإمكان شفاء الأمراض العصبية،معتمداً في ذلك على الأبحاث التي أجراها في داء الهستريا،وأخذ يقرر أن أكثر الأمراض العصبية ـ إن لم يكن كلها ـ ناتج عن ذلك الكبت.
ويتابع الكاتب:“وجملة القول أنه يتضح من مذهب(فرويد) أن كل شهوات النفس الأمارة بالسوء،ونوازعها التي حاربتها الإنسانية بشتى الأسلحة الأخلاقية والثقافية لا تزال أصيلة في النفس،وأننا نحمل في دمنا غرائز عصور الهمجية الأولى حين لم يكن للقوانين والأخلاق وجود،وأننا مهما بذلنا من جهد في سبيل إبعاد الغرائز عن ميدان عمل العقل الواعي،فإن هذا العقل لا يستطيع أن يتخلص منها تماماً „.
ويقول الأستاذ بشر فارس(الرسالة العدد326):
„وخلاصة مذهب فرويد في علم النفس أن الغريزة الجنسية هي علة الإضطرابات العصبية،وأن ما يختزنه العقل الباطن في جميع مراحل العمر هو الذي يؤثر فينا ويهيمن علينا،والعقل الباطن إنما يمثل رغبات النفس الحقيقية،أما العقل الواعي فيمثل رغباتها العرفية التي أقرتها البيئة وارتضتها التقاليد،وذلك الصراع الذي ينشأ بين رغبات العقل الباطن ورغبات العقل الظاهر هو الذي ينتهي أحياناً إلى الاضطرابات العصبية“.
الكلام عن الجنس:
ليس الكلام عن الجنس حراما ًكما يدّعي البعض ولو كان كذلك لما ذكرت الكتب السماوية قصة سيدنا يوسف عليه السلام، وبتفاصيل كاملة مع امرأة العزيز، وليس الكلام في أمور الجنس عيباً كما يدّعي البعض،ولو كان كذلك ما كانت السيدةعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها تُسأل عن دقائق الأمور في هذا الموضوع ويجُيبها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكل صراحة، وكانت هي تنقل إجاباته إلى الناس وبكل أمانة،وبدون حرج، يقول الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله( في كتابه فتاوى معاصرة ص483):
“ أما إنه لا حياء في الدين،وقد أثنت أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها على نساء الأنصار فقالت:“لم يمنعهنّ الحياء من أن يتفقهنَّ في الدين وقد كانت إحداهنَّ تسأل عن أمور الحيض والنفاس وما شابهها كما تسأل عن أشياء تتعلق بالجنابة والإنزال والغسل ونحوها „.وكانت هذه الأسئلة مشافهة وهذه أصعب بلا شك من السؤال عن طريق رسالة مكتوبة أو عن طريق الهاتف ونحو ذلك ،وفي المسجد دروس يحضرها الكبار والصغار والأيامى والمتزوجون وقد يحضرها النساء،عجائز وشواب، وفي هذه الدروس تعلم أحكام الطهارة والوضوء والغسل والحيض والنفاس وماشابهها وفيها نواقض الوضوء مثلا ماخرج من السبيلين أي القبل والدبر ومس الذكر ولمس النساء بشهوة أوبغير شهوة، وفي موجبات الغسل يذكر الجماع والاحتلام مع الإنزال والإستمناء وغير ذلك من الأحكام التي تتصل بالنواحي الجنسية“.
يقول الدكتور عبده زايد نقلاً عن مجلة الدعوة العدد 1149:
„إ ن للقران الكريم المثل الأعلى في هذا المقام ،ومنه نستمد المسالك في التعبير الرفيع والبيان العفيف والكلام النظيف، ولقد عّبر القرآن الكريم عن مختلف المعاني بعبارة سامية،وبيان رفيع وكلام نظيف،يقرؤه الرجل بلا حرج وتسمعه المرأة من الرجل أو تقرؤه عليه فلا تجد في ذلك حرجا ،انظر إلى بعض الأمثلة القرآنية:{أُحِلَّ لكُم ليلةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نسائِكُم هُنَّ لِباسٌ لكُم وأنتُم لِباسٌ لهُنَّ عَلِمَ اللهُ أنَّكُم كُنتُم تَختانونَ أنفُسكُم فتابَ عَليكُم فالآنَ باشروهُنَّ وابتغُوا ماكَتبَ الله لكم }[البقرة 187].
وانظر إلى الأدب الرفيع الذي يعبر عنه القران الكريم عن المباشرة الجنسية، يقول تعالى:{أو لامَستُم النساء} [النساء 43]،{وقد أفضى بعضكم إلى بعض} [النساء 21]،{فلما تغشّاها حملت} [الأعراف ]،{نِساؤُكُم حَرثٌ لكُم فأتُوا حَرثَكُم أنَّى شِئتُم وقَدِّمُوا لأنفُسِكُم} [البقرة223].
وكلها تعابير توُحي بمعنى الإتصال الجنسي،ولكن بلغةٍ رفيعةٍ،وأدبٍ سام ،وأنظر إليه يصوّر إنحراف الفطرة،وارتكاس الغريزة في قصة قوم لوط :{ولَمّا جاءت رُسُلُنَا لُوطاً سِيئَ بهم وضاقَ بهم ذَرعاً وقال هذا يومٌ عصيب * وجاءَهُ قومُهُ يُهرعُونَ إليه ومن قبلُ كانوا يَعملُونَ السيئاتِ قال ياقومِ هؤلاءِ بناتي هُنَّ أطهرُ لكُم فاتَّقوا الله ولا تُخزُونِ في ضيفي أليسَ مِنكُم رجُلٌ رشيد }[هود 77 و78] وأنظر إليه يحدثّنا قصة سيدنا يوسف عليه السلام :“{وراودتهُ التي هُوَ في بيتِها عن نفسِهِ وغَلقَّتِ الأبوابَ وقالت هَيْتَ لك قال معاذَ الله }[يوسف 23].
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله(الداء والدواء ص280):
„أخبر الله سبحانه وتعالى عن عشق امرأة العزيز ليوسف وماراودته وكادته به،وأخبر عن الحال التي صار إليها يوسف بصبره وعفته وتقواه،مع أن الذي ابتلى به أمرلايصبر عليه إلا من صبرّه الله،فإن مواقعة الفعل بحسب قوة الداعي وزوال المانع،وكان الداعي هاهنا في غاية القوة،وذلك من وجوه:
أحدها:ماركّبه الله سبحانه في طبع الرجل من ميله إلى المرأة، كما يميل العطشان إلى الماء والجائع إلى الطعام،حتى إن كثيراً من الناس يصبر عن الطعام والشراب ولايصبر عن النساء،وهذا لايذم إذا صادف حلالا،بل يحمد كما في كتاب الزهد للإمام أحمد من حديث يوسف بن عطية الصفار عن ثابت البناني عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم:“حُببّ إليّ من دنياكم النساءُ والطيب، وجعلت قرّةُ عيني في الصلاة“[رواه أنس بن مالك رضي الله عنه وأخرجه النسائي وأحمد والبيهقي واللفظ له وإسناده صحيح]
الثاني: أن يوسف عليه السلام كان شاباً،وشهوة الشاب وحدته أقوى.
الثالث: أنه كان عزباً ليس له زوجة ولاسرية تكسر قوة الشهوة.
الرابع:أنه كان في بلاد غربة يتأتى للغريب فيها قضاء الوطر ما لا يتأتى له في وطنه،وبين أهله ومعارفه.
الخامس: أن المرأة كانت ذات منصب وجمال، بحيث إن كل واحد من هذين الأمرين يدعو إلى مواقعتها.
السادس: أنها غير ممتنعة ولاآبية،فإن كثيراً من الناس يزيل رغبته في المرأة إباؤها وامتناعها،لما يجد في نفسه من ذل الخضوع والسؤال لها،وكثير من الناس يزيده الإباء والامتناع إرادة وحباً، كما قال الشاعر:
وزادني كلفاً في الحب أن منعت أحب شئ إلى الإنسان مامنعا
فطباع النفس مختلفة،فمنهم من يتضاعف حبه عند بذل المرأة ورغبتها ويضمحل عند إبائها وامتناعها،ومنهم من يتضاعف حبه وإرادته بالمنع فيشتد شوقه كلما منع،ويحصل له من اللذة بالظفر بالضد بعد امتناعه ونفاره،واللذة بإدراك المسألة بعد استصعابها وشدة الحرص على إدراكها.
السابع:أنها طلبت وأرادت وراودت وبذلت الجهد،فكفته مؤنة الطلب وذل الرغبة إليها،بل كانت هي الراغبة الذليلة،وهو العزيز المرغوب إليه.
الثامن:أنه في دارها وتحت سلطانها وقهرها،بحيث يخشى إن لم يطاوعها من أذاها له،فاجتمع داعي الرغبة والرهبة.
التاسع:أنه لايخشى أن تنم عليه هي ولا أحد من جهتها، فإنها هي الطالبة الراغبة،وقد غلقت الأبواب وغيبيت الرقباء.
العاشر:أنه كان في الظاهر مملوكاً لها في الدار،بحيث يدخل ويخرج ويحضر معها ولاينكر عليه،وكان الأنس سابقاً على الطلب،وهو من أقوى الدواعى، كما قيل لامرأة شريفة من أشراف العرب: ماحملك على الزنى؟ قالت: قرب الوساد وطول السواد، تعني قرب وساد الرجل من وسادتي، وطول السواد بيننا.
الحادي عشر:أنها استعانت عليه بأثمة المكر والاحتيال، فأرته إياهن وشكت حالها ‘ليهن لتستعين بهن عليه،واستعان هو بالله عليهن، فقال:{وإلا تصرف عنّي كَيدَهُنّ أصبُ إليهنّ وأَكُن من الجاهلين}[يوسف33].
الثاني عشر:أنها توعدته بالسجن والصغار،وهذا نوع إكراه،إذ هو تهديد من يغلب على الظن وقوع ماهدد به، فيجتمع داعي الشهوة، وداعي السلامة من ضيق السجن والصغار.
الثالث عشر:أن الزوج لم يظهر من الغيرة والنخوة مايفرق بينهما ويبعد كلا منهما عن صاحبه، بل كان غاية ماقابلها به أن قال ليوسف{ أعرض عن هذا} وللمرأة{استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين} وشدة الغيرة للرجل من أقوى الموانع،وهذا لم يظهر منه غيرة.
ومع هذه الدواعى كلها فآثر مرضاة الله وخوفه وحمله حبه لله على أن اختار السجن على الزنى{قال رَبِّ السجنُ احبُّ إليّ مما يدعونني إليه}[يوسف33]. وعلم أنه لايطيق صرف ذلك عن نفسه،وأن ربه تعالى إن لم يعصمه ويصرف عنه كيدهن صبا إليهن بطبعه. وكان من الجاهلين، وهذا من كمال معرفته بربه وبنفسه“.
يقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله (من كتاب من وحي القلم ج1 ص104)مُعلقاً على هذه الآيات:
„وأعجب من هذا كلمة راودته وهي بصيغتها المفردة حكاية طويلة تشير إلى أن هذه المرأة جعلت تعترض يوسف بألوان من أنوثتها ،لون بعد لون، ذاهبة إلى فن راجعة من فن لأن الكلمة مأخوذة من „رودان“ الإبل في مشيتها ،تذهب وتجئ في رفق، وهذا يصوّر حيرة المرأة العاشقة واضطرابها في حبها ومحاولتها أن تنفذ إلى غايتها، كما يصوّر كبرياء الأتثى إذ تحتال وتترفّق في عرض ضعفها الطبيعي كأنما الكبرياء شيئ أخر غير طبيعتها، فمهما تتهالك على من تحب وجب ان يكون لهذا الشئ الآخر مظهر امتناع ،أو مظهر تحّير،أو مظهر اضطراب، وإن كانت الطبيعة من وراء ذلك مندفعة ماضية مصّممة،ويتابع رحمه الله: „وكأنّ الآية مصّرحة في أدب سام كل السُّمو،مُنزّه غاية التنزيه بما معناه أن المرأة بذلت كل ماتستطيع في إغرائه مُقبلة عليه ،ومتدلّلة ومبتذلة ومنصبة من كل جهة بما في جسمها وجمالها على طبيعتها البشرية،وعارضة كل ذلك عرض امرأة خلعت أول ماخلعت أمام عينيه ثوب الملك،ثم قال : وغلقّت الأبواب، ولم يقل أغلقت،وهذا يُشعر أنها لما يئست ورأت منه محاولة الأنصراف أسرعت في ثورة نفسها مهتاجة تتخيّل القفل الواحد أقفالا عدّة،وتجري من باب إلى باب، وتضطرب يدها في الإغلاق كأنما تحاول سدّ الأبواب لا إغلاقها فقط،وقالت هيت لك ،ومعناها في هذا الموقف أن اليأس قد دفع بهذه المرأة إلى آخر حدوده ، فانتهت إلى حالة من الجنون بفكرتها الشهوانية، ولم تعد لا ملكة ولا امرأة بل أنوثة حيوانية صرفة متكشّفة مصرحة،كما تكون أنثى الحيوان في اشدّ اهتياجها وغليانها،ويتابع رحمه الله :“ هذه ثلاثه أطوار يترّقى بعضها من بعض وفيها طبيعه الأنوثة نازلة من أعلاها إلى أسفلها ،فإذا انتهت المرأة إلى نهايتها،ولم يبق وراء ذلك شيئا تستطيعه أو تعرضه،بدأت من ثم عظمة الرجولة السامية المتمكّنة في معانيها، فقال يوسف معاذ الله ،ثم قال إنه ربي أحسن مثواي، ثم قال إنه لا يفلح الظالمون، وهذه أسمى طريقه الى تنبيه ضمير المرأة في المرأة، إذ كان أساس ضميرها في كل عصرهو اليقين بالله وكراهه الظلم.
ولكن هذا التنبيه المترادف ثلاث مرات لم يكسر من نزوتها ،ولم يفثا تلك الحدّة، فإنّ حسّها كان قد انحصر في فكرة واحدة اجتمعت بكل أسبابها،في زمن،في مكان،في رجل، فهي فكرة محتبسة،كأنّ الأبواب مغلقة عليها أيضاً، ولذا بقيت المرأة ثائرة ثورة نفسها،وهنا يعود الأدب الإلهي السامي إلى تعبيره المعجز،فيقول: ولقد همّتْ به،كأنّما يومئ بهذه العبارة إلى أنها ترامت عليه وتعلقّت به،والتجأت إلى وسيلتها الأخيرة وهي لمس الطبيعة بالطبيعة لإلقاء الجمرة في الهشيم،وهنا يقع ليوسف عليه السلام برهان ربه، كما وقع لها برهان شيطانها، فلولا برهان ربه لكان رجلاً من البشر في ضعفه الطبيعي،ويتابع رحمه الله :“وههنا ههنا المعجزة الكبرى لأن الآية الكريمة تريد ألا تنفي عن يوسف عليه السلام فحولة الرجولة، حتى لا يظن به،ثم هي تريد من ذلك أن يتعلم الرجال وخاصة الشبان منهم كيف يتسامون بهذه الرجولة فوق الشهوات حتى في الحالة التي هي نهاية قدرة الطبيعة،وحالة ملكة مُطاعة فاتنة عاشقة مختلية متعرضّة مُتكشّفة متهالّكة،هنا لا ينبغي أن ييأس الرجل، فإنّ الوسيلة التي تجعله لا يرى شيئاً من هذا هي أن يرى برهان ربه „.انتهي الكلام من وحي القلم.
إذاً القضية ليست في المعاني العارية والأغراض المكشوفة، ولكن في التعبير عنها وطريقة التفاعل مع هذه المعاني يقول الإمام ابن القيّم رحمه الله (في كتاب الجواب الكافي):
„أخبر الله عن عشق امراة العزيز ليوسف،وما راودته وكادته به،وأخبر عن الحال التي صار إليها يوسف بصبره،وعفته،وتقواه ، مع أن الذي ابتُلي به أمر لا يصبر عليه إلا من صبّره الله عليه فإن موافقة الفعل بحسب قوة الداعي وزوال المانع ،وكان الداعي هاهنا في غاية القوة،ومع هذه الدواعي كلها فقد آثر مرضاة الله وخوفه، وحمله حبه لله على أن يختار السجن على الزنى،فقال :{رب السجن أحبّ إليّ مما يدعونني اليه }،وعلم أنه لا يطيق صرف ذلك عن نفسه وأن ربه تعالى إن لم يعصمه ويصرف عنه كيدهن صبا إليهن بطبعه وكان من الجاهلين ،وهذا من كمال معرفته بربه وبنفسه „.
ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد517):
„وأما سورة يوسف عليه السلام،فهي منقبة عظيمة له،وآيات بينة في إثبات عصمته وأفضل مثل عملي يقتدى به في العفة والصيانة يجب أن يهذب به النساء والرجال،فكل منهما يعلم بشعوره الطبيعي قوة سلطان الشهوة الجنسية على نفسه،ويسمع ويقرأ من أخبار الناس، من أخبار الفضائح والخيانات والجنايات وتخريب للبيوت وإضاعة للمال والعيال والدماء والشرف،أفلا يكون أفضل مثل للعفة والصيانة،وأحسن أسوة في الإيمان والأمانة،أن يتلى على النساء المؤمنات والرجال المؤمنين وعلى غيرهم من الملحدين،قصة شاب كان أجمل الرجال صورة وأكمل بنية،يخلو بإمرأة ذات منصب وسلطان،هي سيدة له وهو عبد لها،فيحملها الإفتتان بجماله وكماله على أن تذل له نفسها،وتخون بعلها،وتدوس شرفها،وتراوده عن نفسها،والمعهود في أدنى النساء وأسفلهن تربية ومنزلة أن يكن مطلوبات لا طالبات،فيسمعها من حكمته،ويريها من كماله وعصمته،ما هو أفضل قدوة في الإيمان بالله والاعتصام به،وفي حفظ أمانة السيد الذي أحسن مثواه وائتمنه على عرضه وشرفه،فيقول لها{معاذَ الله إنّهُ ربّي أحسنَ مثوايَ إنّه لايُفلحُ الظالمون}[يوسف 23]فتشعر بالذل والمهانة،والتفريط بالشرف والصيانة،وتحقير مقام السيادة والكرامة،فتهم بضربه أو قتله،ويهم هو بالدفاع عن نفسه،ويكاد يبطش بها لولا أن رأى برهان ربه،وعصمه من فحشاء الشهوة الطبيعية المضعفة للإرادة،ومن سوء ثورة القوة الغضبية التي تذهل صاحبها من عاقبة الجناية،ففرمنها وهو الشجاع فرار الجبان،فكان كما قال تعالى{ولقد هَمّت به وهمّ بها لولا أن رأى برهانَ ربه}[يوسف 24].
ويتابع الشيخ:“ولما انهتك ـ والعياذ بالله ـ الستر،وعرف ذلك الأصر،خاض نساء المدينة في أمرها،ولجوا في عذلها،لعلها تفضي إليهن بعذرها،فتريهن طلعة هذا المملوك الذي استعبد مالكه،وسلب منه عقله وكرامته وشرفه،ولم يجزه على هذا كله بنظرة عطف،ولابلمسة كف{فلما سَمعت بِمكرهنَّ أرسلت إليهنَّ وأعتَدت لهنَّ مُتكئاً وآتت كُلّ واحدةٍ منهنَّ سِكيناً وقالت اخرج عليهن فلمّا رأينه أكبرنَهُ وقطّعنَ أيديهنَّ وقُلنَ حاشَ لله ماهذا بشراً إن هذا إلا مَلَكٌ كريم* قالت فَذَلِكُنَّ الذي لُمتُنّني فيه ولقد راودتهُ عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمرهُ لَيُسجننَّ وليكونا من الصاغرين}[يوسف 31 ـ 32]فلما هددته بالسجن،وهو يعلم أن بيدها الأمر والنهي{قال ربِّ السجنُ أحَبُّ إليَّ ممّا يدعونني إليه وإلا تصرف عنّي كيدهنَّ أصبُ إليهنّ وأكُن من الجاهلين}[يوسف 33]أي أكن من سفهاء الأحلام ،الذين يتبعون شهواتهم الحيوانية كالأنعام ولايستطاع الهرب من كيد النساءوهو عظيم،ولا مايغري به ـ وهو دونه ـ من كيد الشيطان الرجيم،إلا بالإستعاذة بالله السميع العليم{وإما ينزغنكَ من الشيطان نزْغٌ فاستعذ بالله إنه هو السميع عليم}[فصلت 36]وكل من استعاذ به تعالى مؤمناً مخلصاً أعاذه، فكيف إذا كان من رسله لهداية عباده،{فاستجابَ لهُ ربُّهُ فصرفَ عنهُ كيدهنّ إنّهُ هو السميعُ العليم}[يوسف 34].
وهكذا امتحن الله يوسف وفتنه بجماله فتونا،فلبث في السجن سبع سنين وخرج منها كما يخرج الذهب من بوتقة الصائغ إبريزاً خالصاً،وجزاه الله في الدنيا قبل الآخرة على صبره{وقال الملك ائتوني به فلمّا جاءَهُ الرسولُ قال ارجع إلى ربّكَ فاسأله ما بالُ النِّسوةِ اللاتي قطّعنَ أيديهنّ إنّ ربي بكيدهنّ عليم* قال ماخَطبُكُنَّ إذ راودتُّنَّ يوسفَ عن نفسهِ قُلنَّ حاشَ لله ماعلمنا عليه من سوء}[يوسف 50 ـ51]طلبه ملك مصر ليستعين بعلمه ورأيه على الخروج من المخمصة التي أنذرته إياها رؤياه،وكان يظن أنه مسجون بجريمة ولكنه احتاج إليه،فاشترط لإجابته أن يسأل النسوة اللاتي توطأن مع مولاته على الكيد له ليعيش في وسطهن عيشة اللهو والخلاعة،هل آنسن منه صبوة إليهن فجرأتهن على ماكان من مروادتهن؟فاستعذن بالله أن يلمزنه أو يغمزنه دفاعاً عن أنفسهن،وشهدن بأنهن ماعلمن عليه من سوء،أي أدنى شئ وأقل نقص يسوءه، ولم يبق إلا شهادة مولاته امرأة العزيز،فبم شهدت؟{قالت امرأة العزيز الآن حصحصَ الحقُّ أنا راودته عن نفسه وإنّهُ لمن الصادقين}[يوسف 51]أي ظهر الحق أجرد أمرد لاتستره شبهة ولاتهمة كما يحص ويسقط الشعر أو ريش الطائر،وإنما كانت هذه الحصحصة بما ظهر من وقائع القصة الثانية، وهي فراريوسف منها أولا،ومن كيد جماعة النسوة ثانيا،ومن إيثاره عيشة السجن البائسة في خشونتها ومهانتها على عيشة القصور العالية في نعمتها وزينتها ثالثا،ومن شهادة النسوة اللاتي تصبينه رابعا“.
ويقول العلّامة الدكتور يوسف القرضاوي (موقع القرضاوي ،مقالة بعنوان الحلال والحرام ):
„على المؤمن أن يرفض الحرام رفضاً،كما فعل سيدنا يوسف عليه السلام ،حيث عرضت عليه امرأة ذات منصب وجمال،راودته عن نفسه وهو في بيتها ،وهو خادمها وهي سيدته،وهي امرأة العزيز {وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغَّلقت الأبواب وقالت هَيت لك} ، فماذا فعل هذا الشاب ؟ وهو في ريعان شبابه ؟ وفي نضرة فتوته ؟ ماذا فعل ؟ قال:“قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون [يوسف 23 ]، „إنه ربي“ .. أي هذا الرجل الذي أكرمني وآواني، سيد{أحسن مثواي إنه لايفلح الظالمون} من ارتكب الحرام، وهتك العرض، وخان الأمانة ،فلن يفلح أبداً، لا في أخراه، ولا في دنياه .وعاودت المرأة الكرَّة ،أمام نسوة من المدينة، وهددته قائلة : {ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنَّن وليكونا من الصاغرين}[يوسف 32] ،وكان يوسف بين محنتين : إما أن يمتحن في دينه، فيرتكب الفاحشة، ويكون من الفاسقين . وإما أن يمتحن في دنياه، فيدخل السجن، ويكون من الصاغرين .فآثر المحنة في الدنيا على محنة الدين وقال:{ربِّ السجنُ أحبَّ إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهنّ أصبُ إليهنّ وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربهُ فصرف عنه كيدهنّ إنه هو السميع العليم * ثمَّ بدا لهم من بعدِ مارأوا الآياتِ ليسجننه حتى حين} يوسف 33-35] . ورفض يوسف الحرام .
ويقول الشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني رحمه الله(كتاب الأخلاق الإسلامية الجزء الثاني ص582):
„والعفة لا تكون إلا إذا وجد الدافع النفسي إلى ما ينافيها،فإذا لم يكن في النفس دافع إلى ماينافي العفة،أو لم يوجد ما يثير الدافع لم يكن للعفة وجودٌ أصلاً.
فأي معنى لعفة من لا إرب لهن أو لعفة معتزل في صومعة لا يتعرّض غلى أي مثير؟! إنها عفة المحروم،أو عفة عاجزٍ لم يتعرض لامتحان.
ولمّا كانت عفة يوسف عليه السلام عفّة مستوفية كلّ شروطها وأركانها كانت من أعظم أمثلة العفّة في تاريخ الإنسان.ففي يوسف الرجولة والشباب والدافع القوي ،وفي امرأة العزيز الإثارة بكل قواها،جمال ومنصب،وإغراء كامل،ودعوة ملتهبة،وخلوة تامة،وتهديد إن لم يستجب.ومع استيفاء كل هذه العوامل القوية تبرز فضيلة العفّة في يوسف عليه السلام، فيضبط نفسه بصبر منقطع النظير،ويقاوم الواقع والمغريات بإصرار وعزيمة قوية،ترّفعاً عن الخيانة،وطلباً لمرضاة الله، وينتصر خلقه العظيم في معركة الدوافع والمغريات والتهديدات“.