إنّما يُوفَّى الصابرونَ أجرهُم (3/3)
- ١ إنّما يُوفَّى الصابرونَ أجرهُم
- ٢ إنّما يُوفَّى الصابرونَ أجرهُم
- ٣ إنّما يُوفَّى الصابرونَ أجرهُم
وأية سعادة نجدها في هذه الحياة حتى نحزن على الراحل،ونبكي على الميت،ونود أن لو بقى ليستمتع بها،ويتذوق طيباتها،إنما هي سلسلة عناء،وضروب شقاء،تنوّعت ألوانها،واتحدت حقيقتها،ولو أنصفنا لغبطنا من مات،وأشفقنا على من بقى،ومن مات في صباه فقد اختصر الحياة واختصر همومها وأحزانها،ووفر على نفسه عبئاً ثقيلاً ينتهي مختصره بما ينتهي مطوله،وخير للزهرة أن تذهب وهي ناضرة تعجب الناس،من أن تذهب وهي ذابلة يعافها الناس.
فخذ الحياة كما هي،ليل ينقضي في إثر ليل،وقوم في إثر قوم،وحادث يستذرف الدمع يعقبه حادث يخفف الهم،وكما قالت الخنساء:
فلولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن أعزي النفس عنه بالتأسي
وليس الوفاء للميت بالإفراط في الحزن،والإمعان في البكاء،إنما الوفاء بمقابلة دواعي الحزن بدواعي الصبر،وليست الحكمة في إضعاف الحي من أجل الميت ،إنما هي في إحياء الحي من أجل الحي والميت.
وقد أخطأ الناس فغلوا في استفظاع الموت والاحتفاء به،وهولوا في الاستكثار من مظاهره،ولو عقلوا لقابلوه كما يقابل كل قانون طبعي في هذا العالم،زهرة تنضر وتذبل ،وشمس تطلع وتغرب،ونجم يتألق ويأفل،وسماء تصحو وتغيم،ولو عقلوا أيضاً لرددوا هذا المعنى في نفوسهم،واطمأنت له عقولهم،فإذا كان فهو ما تخيلوه،وإذا حدث فهو ما توقعوه ،وإذن لخفَّ الألم وانقطع الجزع.
أي أخي ـ ليكن ما أراده الله،ولنلوّن حياتنا بلون من ألوان التصوف،رضاء بالقد،واستخفاف بالعالم وما فيه،وطمأنينة إلى قوانينه وإيمان بعظمة الله وسلطانه،والتجاء إليه أن يتولاك برحمته ويظلك بإحسانه.
أي أخي ـ لقد أصبحت منسرق القوة،ضعيف البنية،مرهف الحس،رقيق الصحة،ولئن كان الانتحار جريمة لا تغتفر،ويأساً لا يرضاه الله ،فليس هو ـ فحسب ـ في إطلاق عيار ناري،أو إلقاء النفس في اليم،أو ما عهدت من ضروب إزهاق الروح،ولكن من ضروبه أيضاً الاستسلام للحزن والتسمم بالغم،والاسترسال في أسباب الكرب ،فهو انتحار بطيء ولكنه شر من الانتحار العاجل أعيذك بالله منه ،وأربأ بنفسك عنه.
فهوِّن على نفسك،وإن خاب رجاؤك في (رجاء)فحقق الله أملك في(علاء)وعش له ولنفسك وللناس.
أحسن الله عزاءك،وأجمل صبرك،وأجزل أجرك“.
وانظر معي إلى هذا الرثاء النبيل الجميل الذي يبعث الطمأنينة في القلب ويستجيب بإيمان لحكمة الرب كما جاء في مقال للأديب العظيم مصطفى لطفي المنفلوطي(الأعمال الكاملة ج1 ص33 بعنوان „الدفين الصغير“:
„الآن نفضت يدي من تراب قبرك يابني،وعدت إلى منزلي كما يعود القائد المنكسر من ساحة الحرب،لا أملك إلا دمعة لا أستطيع إرسالها،وزفرة لا أستطيع تصعيدها.
ذلك لأن الله الذي كتب لي في لوح مقاديره هذا الشقاء في أمرك فرزقني بك قبل أن اسأله إياك،ثم استلبنيك قبل أن أستعفيه منك،قد أراد أن يتمم قضاءه في،وأن يجرعني الكأس حتى ثمالتها،فحرمني حتى دمعة أرسلها أو زفرة أصعدها،حتى لا أجد في هذه ولا تلك ما أتفرج به مما أنا فيه فله الحمد راضياً وغاضباً،وله الثناء منعاً وسالباً،وله مني مايشاء من الرضا بقضائه والصبر على بلائه.
رأيتك يابني في فراشك عليلاً فجزعت.ثم خفت عليك الموت ففزعت،وكأنما كان يخيل إليَّ أن الموت والحياة شأن من شؤون الناس وعمل من الأعمال التي تملكها أيديهم،فاستشرت الطبيب في أمرك فكتب لي الدواء،ووعدني بالشفاء،فجلست بجانبك أصب في فمك ذلك السائل الأصفر قطرة قطرة،والقدر ينتزع من جنبيك الحياة قطعة قطعة،حتى نظرت فإذا أنت بين يدي جثة باردة لا حراك بها وإذا قارورة الدواء لا تزال في يدي.فعلمت أني قد ثكلتك!وأن الأمر أمر القضاء،لا أمر الدواء.
سأنام يابني بعد قليل على فراش مثل فراشك،وسيعالج مني المقدار ما عالج منك،وأحسب أن آخر ما سيبقى في ذاكرتي في تلك الساعة من شؤون الحياة وأطوارها،وخطوبها وأحداثها:هو الندم العظيم الذي لا أزال أكابد ألمه على تلك الجرع المريرة التي كنت أجرعك إياها بيدي وأنت تجود بنفسك،فيربد وجهك،وتختلج أعضاؤك،وتدمع عيناك،ومالك يد فتستطيع أن تمدها لتدفعني عنك ،ولا لسان فتستطيع أن تشكو إليَّ مرارة ما تذوق.
ما أسمج وجه الحياة من بعدك يابني!وما أقبح صورة هذه الكائنات في نظري!وما أشد ظلمة البيت الذي أسكنه بعد فراقك إياه!فلقد كنت تطلع في أرجائه شمساً مشرقة تضيء لي كل شيء فيه،أما اليوم فلا ترى عيني مما حولي أكثر مما ترى عينك الآن في ظلمات قبرك.
بكى الباكون والباكيات عليك ما شاؤوا،وتفجعوا ما تفجعوا،حتى إذا استنفدوا ماء شؤونهم،وضعفت قواهم عن احتمال أكثر مما احتملوا،لجأوا إلى مضاجعهم فسكنوا إليها،ولم يبقفي ظلمة هذا اليل وسكونه غير عينين قريحتين:عين أبيك الثاكل المسكين،وعين أخرى أنت تعلمها.
لقد طال علي الليل حتى مللته،ولكنني لا أسأل الله أن ينفرج لي سواده عن بياض النهار،لأن الفجيعة التي فجعتها بفقدك لم تبق بين جنبي بقية أقوى بها على رؤية أثر من آثار حياتك،فليت الليل باق حتى لا أرى وجه النهار،بل ليت النهار يأتي،فقد مللت هذا الظلام.
دفنتك اليوم يا بني ودفنت أخيك من قبل،ودفنت من قبلكما أخويكما فأنا في كل يوم أستقبل زائراً جديداً،وأودع ضيفاً راحلاً…فيا لله لقلب قد لاقى فوق ما تلاقي القلوب،وأحتمل فوق ما تحتمل من فوادح الخطوب.
لقد افتلذ كل منكم يابني من كبدي فلذة فأصبحت هذه الكبد الخرفاء مزقاً مبعثرة في زوايا القبور،ولم يبق لي منها إلا دماء قليل لا أحسبه باقياً على الدهر،ولا أحسب الدهر تاركه دون أن يذهب به كما ذهب بأخواته من قبل.
يابني،إن قدر الله لكم أن تتلاقوا في رضوة من رياض الجنة،أو على شاطىء غدير من غدرانها،أو تحت ظلال قصر من قصورها فاذكروني مثل ما أذكركم،وقفوا بين يدي ربكم صفاً واحداً كما يقف بين يديه المصلون ومدوا إليه أكفكم الصغيرة كما يمدها السائلون،وقولوا له:اللهم إنك تعلم أن هذا الرجل المسكين كان يحبنا وكنا نحبه،وقد فرقت الأيام بيننا وبينه،فهو لا يزال يلاقي من بعدنا شقاء الحياة وبأسائها ما لاطاقة له باحتماله،ولانزال نجد بين جوانحنا من الوجد به،والحنين إليه،ماينغص علينا هناء هذه النعمة التي ننعم بها في جوارك بين سمعك وبصرك،وأنت أرحم بنا وبه من أن تعذبنا عذاباً كثيراً فإما أن تأخذنا إليه أو تأتي به إلينا..لا،بل لا تطلبوا منه إلا أن يأتي بي إليكم.فإن الحياة التي كرهتها لنفسي لا أرضاها لكم،فعسى أن يستجيب الله من دعائكم مالم يستجب من دعائي فيرفع هذا الستار بيني وبينكم فنلتقي كما كنا“.
وانظر معي إلى أحدهم يعزي أحد أصحابه في فقد عزيز عليه(الأمالي للقالي ج2 ص98):
„إن الخلق للخالق،والشكر للمنعم،والتسليم للقادر،ولابدَّ مما هو كائن،وقد حلَّ ما يُدفع،ولاسبيل إلى رجوع ماقد فات،وقد أقام معك ما سيذهب عنك وستتركه،فما الجزعُ مما لابدَّ منه،وما الطمع فيما لا يُرجى،وما الحيلة فيما سيُنقل عنك أو تُنقل عنه،وقد مضت لنا أصول نحن فروعها،فما بقاء الفرع بعد الاصل!فأفضل الأشياء عند المصائب الصبر،وإنما أهل الدنيا سَفرٌ لا يحلُّون عن الرِّكاب إلا في غيرها،فما أحسن الشكرَ عند النِعم والتسليمَ عند الغِيَر!فاعتبر بمن قد رأيت من أهل الجزع،هل ردَّ أحدا منهم إلى ثقةٍ من دَرك؟واعلم أن أعظم من المصيبة سوءُ الخَلَف ،فأفِق والمرجعُ قريب، واعلم أنّما ابتلاك المُنعم وأخذ منك المُعطي،وما ترك أكثرنفإن نسيت الصبر فلا تغفل عن الشكر“.
وقد تصبر النفوس على ما يصيبها مكرهة لأنه لا حيلة لها في دفع المصيبة وفي هذا يستوي المسلم وغير المسلم ولكن الرضى والتسليم الكامل والإيمان بأن ما عند الله خير وأبقى وأن الباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً،هذا التسليم وهذا الرضى لا يكون إلا عند المسلم المؤمن،فالمؤمن هو الذي يسارع إلى احتساب النازلة أو المصيبة عند الله وهو مطمئن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه،وهو أمر صعب المنال إلا لمن أعانه الله على مجاهدة نفسه بأن لا تكون الدنيا أكبر همه ولامبلغ علمه.
يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله(من مقال تعزية إلى أم):
„إن فقدتِ بنتك فهل فقدتِ(والعياذ بالله) إيمانكِ؟
في مثل هذه المواقف:مواقف الحزن واللوعة،يعرف المؤمن قيمة هذه النعمة التي هي الإيمان.
الملحد الذي لا يرى إلا هذه الحياة الدنيا يجنّ إن مات له عزيز،أو ينتحر…إنّه يتصوّر أنّه كان له ففقده،وكان معه ففارقه إلى الأبد.
أما المؤمن فيعلم أن الله هو الذي أعطى،وهو الذي أخذ،وأنّ بعد هذا الفراق لقاء،حيث يلتقي الصالحون في الجنّة،فهو يجتهد ليكون من أهل الصلاح ،ويسأل الله أن يرحم ميته ويجعله مع أهل الصلاح،ليكون هذا اللقاء لقاءً دائماً سعيداً لا فراق بعده.
هذا هو الفرق بين المؤمن والكافر..فأين إيمانك؟“.
الصبر الجميل:
أمر الله عبده ونبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بالصبر الجميل:{فاصبِرْ صبراً جميلاً}[المعارج5].
يقول سيد قطب رحمه الله:
„والصبر الجميل هو الصبر المطمئن،الذي لا يصاحبه السخط ولا القلق ولا الشك في صدق الوعد.صبر الواثق من العاقبة،الراضي بقدر الله،الشاعر بحكمته من وراء الابتلاء،الموصول بالله المحتسب كل شيء عنده مما يقع به.وهذا اللون من الصبر هو الجدير بصاحب الدعوة.فهي دعوة الله،وهي دعوة إلى الله.ليس له هو منها شيء.وليس له وراءها من غاية.فكل ما يلقاه فيها فهو في سبيل الله،وكل مايقع في شأنها هو من أمر الله.فالصبر الجميل إذن ينبعث متناسقاً مع هذه الحقيقة’ومع الشعور بها في أعماق الضمير.
ويتابع رحمه الله:“فاصبر صبراً جميلاً“ والخطاب هنا للرسول صلى الله عليه وسلم تثبيتاً لقلبه على ما يلقى من عنت المناوأة والتكذيب.وتقريراً للحقيقة الأخرى:وهي أن تقدير الله للأمور غير تقدير البشر،ومقاييسه المطلقة غير مقاييسهم الصغيرة“إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً“.
وذكرت كلمة الصبر الجميل على لسان يعقوب عليه السلام في القرآن:{وجاؤوا على قميصه بدمٍ كذبٍ قالَ بلْ سَوَّلت لكم أنفسكم أمراً فَصبرٌ جميلٌ واللهُ المُستَعانُ على ما تَصِفونَ}[يوسف 18]وفي قوله تعالى على لسان يعقوب عليه السلام:{قالَ بَلْ سَوَّلَت لَكُم أنفُسُكُم أمراً فصبرٌ جميلٌ عَسى اللهُ أن يأتِيني بهم جميعاً إنَّهُ هو العليمُ الحكيم}[يوسف 83].
يقول سيد قطب رحمه الله:“بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل“،كلمته ذاتها يوم فقد يوسف.ولكنه في هذه المرة يضيف إليها هذا الأمل أن يرد الله عليه يوسف وأخاه فيرد ابنه الآخر المتخلف هناك.
„إنه هو العليم الحكيم“:الذي يعلم حاله،ويعلم ما وراء هذه الأحداث والامتحانات،ويأتي بكل أمر في وقته المناسب،عندما تتحقق حكمته في ترتيب الأسباب والنتائج.
هذا الشعاع من أين جاء إلى قلب هذا الرجل الشيخ؟إنه الرجاء في الله،والاتصال الوثيق بهنوالشعور بوجوده ورحمته.ذلك الشعور الذي يتجلى في قلوب الصفوة المختارة فيصبح عندها أصدق واعمق من الواقع المحسوس الذي تلمسه الأيدي وتراه الأبصار“.
فما هو الصبر الجميل؟
يقول الإمام وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله(مجلة المنار العدد 413):
إن الله أمر نبيه بالهجر الجميل،والصفح الجميل،والصبر الجميل،فالهجر الجميل هجر بلا أذى،والصفح الجميل صفح بلا عتاب،والصبر الجميل،صبر بلا شكوى،قال يعقوب عليه الصلاة والسلام{إنّما أشكو بَثِّي وحُزني إلى الله} [يوسف 86]مع قوله{فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} [يوسف 18]،فالشكوى إلى الله لا تنافي الصبر الجميل،ويروى عن موسى عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول:اللهم لك الحمد،وإليك المشتكى،وأنت المستعان،وبك المستغاث،وعليك التكلان“.ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم(اللهم إليك أشكو ضعف قوتي،وقلة حيلتي وهواني على الناس،أنت ربّ المستضعفين وأنت ربي،اللهم إلى من تكلني؟إلى بعيد يتجهمني،أم إلى عدو ملكّته أمري؟إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي،غير أن عافيتك هي أوسع لي.أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت الظلمات له،وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة،أن ينزل بي سخطك،أو يحل علي غضبك،لك العتبى حتى ترضى).
بخلاف الشكوى إلى المخلوق.يقول الإمام الجرجاني:“الصبر هو ترك الشكوى من ألم البلوى لغير الله لا إلى الله“.
قرىء على الإمام أحمد في مرض موته أن طاووساً كره أنين المريض وقال:إنه شكوى.فما أنّ حتى مات.وذلك أن المشتكي طالب بلسان الحال،إما إزالة مايضره أو حصول ما ينفعه،والعبد مأمور أن يسأل ربه دون خلقه،كما قال تعالى{فإذا فَرغتَ فانصَب* وإلى رَبِّكَ فارغب}[الانشراح7 ـ 8]وقال صلى الله عليه وسلم لإبن عباس:“إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله“.[أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح]
ولابد للإنسان من شيئين طاعته بفعل المأمور،وترك المحظور،وصبره على ما يصيبه من القضاء المقدور،فالأول هو التقوى والثاني هو الصبر،قال تعالى{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا}إلى قوله{وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً }[آل عمران 120]وقال تعالى{بَلى إن تَصبرُوا وتتَّقوا ويأتُوكُم من فَورِهمْ هذا يُمدِدْكُمْ رَبُّكُم بخمسةِ آلافٍ من الملائكةِ مُسَوِّمينَ}[آل عمران125]وقال تعالى:{لَتُبلَوُنَّ في أموالكُم وأنفُسِكُم ولَتَسمَعُنَّ من الذين أوتوا الكتابَ من قَبلكُم ومن الذين أشركُوا أذىً كثيراً وإن تَصبرُوا وتتَّقوا فإنَّ ذلكَ من عزمِ الأمورِ}[آل عمران186]وقال يوسف عليه السلام:{أنّا يُوسُفُ وهذا أخي قد منَّ اللهُ عَلينا إنَّهُ من يَتَّقِ ويَصبِرْ فإنَّ اللهَ لا يُضيعُ أجرَ المُحسنين}.[يوسف90]
فضل الصبر وأجره:
إن فضل الله وكرمه وهو أكرم الأكرمين تجاوز في عطائه وفضله عبده المؤمن المبتلى الصابر في دار البلاء والفناء إلى دار الجزاء والبقاء،فأعد له في الدنيا مقاماً كريماً،وإيماناً راسخاً،ويقيناً صادقاً،وكان البلاء في الدنيا تطهيراً للنفوس وتزكية للقلوب،وثواباً ما بعده ثواب،وعطاءً ليس بعده عطاء.
وللصبر ثمار عظيمة ومنافع في الدارين ومنها:
1 ـ الثناء من الله على أهله:
{الصَّابرين والصَّادقين والقانتينَ والمُنفقينَ والمستغفرين بالأسحار}[آل عمران 17].
يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:
„وفي كل صفة من صفاتهم تتحقق سمة ذات قيمة في حياة الإنسانية وفي حياة الجماعة المسلمة:
في الصبر ترفع على الألم واستعلاء على الشكوى،وثبات على تكاليف الدعوة،وأداء لتكاليف الحق،وتسليم لله واستسلام لما يريد بهم من الأمر،وقبول لحكمه ورضاه…
وفي الصدق اعتزاز بالحق الذي هو قوام الوجود،وترفع عن الضعف،فما الكذب إلا ضعف عن كلمة الحق،اتقاء لضرر أو اجتلاباً لمنفعة.
وفي القنوت لله أداء لحق الألوهية وواجب العبودية،وتحقيق لكرامة النفس بالقنوت لله الواحد الذي لا قنوت لسواه.
وفي الإنفاق تحرر من استذلال المال،وانفلات من ربقة الشح،وإعلاء لحقيقة الأخوة الإنسانية على شهوة اللذة الشخصية،وتكافل بين الناس يليق بعالم يسكنه الناس!
والاستغفار بالأسحار بعد هذا كله يلقي ظلالاً رفافة ندية عميقة…ولفظة „الأسحار“بذاتها ترسم ظلال هذه الفترة من الليل قبيل الفجر.الفترة التي يصفو فيها الجو ويرق ويسكن،وتترقرق فيها خواطر النفس وخوالجها الحبيسة!فإذا انضمت إليها صورة الاستغفار ألقت تلك الظلال المنسابة في عالم النفس،وفي ضمير الوجود سواء.وتلاقت روح الإنسان وروح الكون في الاتجاه لبارىء الكون وبارىء الإنسان“.
{والصّابرينَ في البأساءِ والضَّرّاَءِ وحينَ البأس}[البقرة 177].
يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:
„إنها تربية للنفوس وإعداد،كي لا تطير شعاعاً مع كل نازلة،ولاتذهب حسرة مع كل فاجعة،ولا تنهار جزعاً أمام الشدة.إنه التجمل والتماسك والثبات حتى تنقشع الغاشية وترحل النازلة ويجعل الله بعد عسر يسراً.إنه الرجاء في الله والثقة بالله والاعتماد على الله.ولابد لأمة تناط بها القوامة على البشرية،والعدل في الأرض والصلاح،أن تهيأ لمشاق الطريق ووعثائه بالصبر في البأساء والضراء وحين الشدة.الصبر في البؤس والفقر.الصبر في المرض والضعف.والصبر في القلة والنقص.والصبر في الجهاد والحصار،والصبر على كل حال.كي تنهض بواجبها الضخم،وتؤدي دورها المرسوم،في ثبات وفي ثقة وفي طمأنينة وفي اعتدال“.
ومدح الله تعالى نبيه أيوب لإتصافه بالصبر فقال:{إنّا وجدناهُ صابراً نِعمَ العبد إنّهُ أوّاب}[ص44].فأطلق عليه نعم العبد بكونه وجده صابراً وهذا يدل على أن من لم يصبر إذا ابتلي فإنه بئس العبد.
2 ـ محبة الله لهم:
{واللهُ يُحبُّ الصَّابرينَ}]آل عمران 146].
يقول سيد قطب رحمه الله:
„الذين لا تضعف نفوسهم،ولا تتضعضع قواهم،ولا تلين عزائمهم،ولا يستكينون أو يستسلمون…والتعبير بالحب من الله للصابرين..له وقعه.وله إيحاؤه.فهو الحب الذي يأسو الجراح،ويمسح على القرح،ويعوض ويربو عن الضر والقرح والكفاح المرير“.
3 ـ معية الله لهم:
{ إنَّ الله مع الصابرين}[البقرة 153].
يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:
„معهم،يؤيدهم،ويثبتهم،ويقويهم،ويؤنسهم،ولا يدعهم يقطعون الطريق وحدهم،ولا يتركهم لطاقتهم المحدودة،وقوتهم الضعيفة،إنما يمدهم حين ينفد زادهم،ويجدد عزيمتهم حين تطول بهم الطريق..“؟
{واللهُ معَ الصابرين}[البقرة 249].{واصبروا إنَّ اللهَ مع الصابرين}[الأنفال46]
4 ـ عظيم الجزاء والثواب:
{وبَشِّر الصَّابرينَ* الذين إذا أصابتهم مُصيبةٌ قالوا إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون*أولئك عليهم صلواتٌ من ربهم ورحمةٌ وأولئك هم المهتدون}[البقرة 155ـ 157].
يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:
„إنا لله..كلنا…كل مافينا..كل كياننا وذاتينا…لله…وإليه المرجع والمآب في كل أمر وفي كل مصير…التسليم…التسليم المطلق…تسليم الالتجاء الأخير المنبثق من الالتقاء وجهاً لوجه بالحقيقة الوحيدة،وبالتصور الصحيح.
هؤلاء هم الصابرون..الذين يبلغهم الرسول الكريم بالبشرى من المنعم الجليل..وهؤلاء هم الذين يعلن المنعم الجليل مكانهم عنده جزاء الصبر الجميل:{أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون}صلوات من ربهم..يرفعهم بها إلى المشاركة في نصيب نبيه الذي يصلي عليه هو وملائكته سبحانه…وهو مقام كريم…ورحمة…وشهادة من الله بأنهم هم المهتدون…وكل أمر من هذه هائل عظيم.“.
قال عتبة بن غزوان في جملة خطبة له:“…ولقد رأيتني سابع سبعةٍ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مالنا طعامٌ إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا.فالتقطتُ بُردةً فشققتها بيني وبين سعد بن مالك(سعد بن أبي وقاص) فاتّزرتُ بنصفها واتّزر سعدٌ بنصفها.فما أصبح اليوم منا أحدٌ إلا أصبح أميراً على مصرٍ من الأمصار.وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيماً وعند الله صغيراً.وإنها لم تكن نُبوّةٌ قطُّ إلا تناسخت حتى يكون آخر عاقبتها مُلكاً.فَستخبُرُنَ وتُجرّبون الأمراء بعدنا[صحيح مسلم]
{ وما يُلَقَّاها إلّا الذينَ صَبروا وما يُلقَّاها إلا ذُو حَظٍّ عظيمٍ}[فصلت 35]
ويقول تعالى:{إنَّما يُوفَّى الصَّابرونَ أجرَهُمْ بغيرِ حِسابٍ}[الزمر10].
{ولئن صبرتم لهوَ خيرٌ للصابرينَ}[النحل126]
{وإن تصبروا وتتقوا فإنَّ ذلكَ من عزمِ الأمورِ}[آل عمران 186]
{ولَمَن صَبرَ وغَفرَ إنَّ ذلكَ لَمِن عَزمِ الأمورِ}[الشورى 43]
{أولئكَ يُؤتَونَ أجرَهُم مَّرَّتينِ بما صبروا}[القصص54].
{واصبِرْ على ما أصابكَ إنَّ ذلكَ من عزمِ الأمورِ}[لقمان 17]،أي من الأمور التي يعزم عليها ويهتم بها ولا يوفق لها إلا أهل العزائم.
وأعظم الثمرات في الآخرة: الفوز بالجنة والنجاة من النار:{ والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلامٌ عليكم بما صبرتم فَنعمَ عُقبى الدَّار}[الرعد22 ـ24]،وقال تعالى:{وجَزاهُم بما صبروا جنَّةً وحريرا}[الإنسان 12]
ومن أعظم الثمرات في الدنيا أن يكونوا أئمة ومنارات{وجَعلنا مِنهُم أئمةً يَهدُونَ بأمرنا لمَّا صَبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}[السجدة 24].وقال تعالى:{وتَمَّت كلماتُ رَبِّك الحُسنى على بني إسرائيلَ بما صَبروا}[الأعراف137]
سأل رجل الشافعي رحمه الله فقال: يا أبا عبد الله،أيما أفضل للرجل،أن يُمكَّن أو يُبتلى؟فقال الشافعي: لا يمكّن حتى يبتلى،فإن الله ابتلى نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمداً صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين،فلما صبروا مكّنهم“[الفوائد لابن القيم]
جاء في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[من يَتصبَّر يُصبِّره الله، وما أعطي أحدٌ عطاءً خيراً وأوسع له من الصبر].
5 ـ فالبلاء للمؤمن في الدنيا كفارة عن ذنوبه وخطاياه،يمحو الله بها الخطايا،ويضاعف الحسنات.
والصبر يُحوِّل المصيبة إلى نعمة وخير،يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:[عَجباً لأمر المؤمن ،إنَّ أمره كلَّه خير،وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن،إن أصابتهُ سرَّاء شكر فكانَ خيراً له،وإن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيراً له][رواه مسلم عن صهيب الرومي رضي الله عنه]
جاء في الصحيحين عن أم عبد الله أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسل الله صلى الله عليه وسلم:“[ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله عز وجل بها عنه حتى الشوكة يشاكها].
وفي الصحيحين أيضاً عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:[ما يصيب المسلمَ من َنصَب ولا وصب ،ولاهمّ ولاحزنٍ، ولا أذىً ولاغمّ،حتى الشوكة يشاكها، إلا كفّر الله بها من خطاياه].[النصب:التعب،الوصب:المرض].
وروى البخاري ومسلم،عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك فقلت:يا رسول الله،إنّك توعك وعكاً شديداً،قال:“أجل،إني أوعك كما يوعك رجلان منكم“ قلت:ذلك أنَّ لك أجرين؟قال:“أجل،ذلك كذلك،ما من مسلم يصيبه أذى،شوكة فما فوقها إلا كفّر الله بها سيئاته،وحُطّت عنه ذنوبه كما تحطّ الشجرة ورقها“.[الوعك:مغث الحمى،وقيل الحمى].
وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه،قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“من يرد الله به خيراً يُصِبْ منه“.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“مايزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة„[رواه الترمذي وقال:حديث حسن صحيح]
وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون؟فأخبرها أنه“كان عذاباً يبعثه الله تعالى على من يشاء،فجعله الله تعالى رحمة للمؤمنين،فليس من عبد يقع في الطاعون فيمكث في بلده صابراً محتسباً،يعلم أنه لايصيبه إلا ما كتب الله له،إلا كان له مثل أجر الشهيد“.[حديث صحيح]
وروى البخاري عن أنس رضي الله عنه قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:“إن الله عز وجل قال:إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة„[يقصد عينيه].
قال ابن بطال(شرح صحيح البخاري):“في هذا الحديث حجة في أن الصبر على البلاء ثوابه الجنة،ونعمة الصبر على العبد،وإن كانت من أجلِّ نعم الله تعالى فعوض الله عليها الجنة أفضل من نعمتها في الدنيا،لنفاد مدة الالتذاذ بالبصر في الدنيا،وبقاء مدة الالتذاذ به في الجنة“.
وروى الشيخان عن عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه،قال:قال لي ابن عباس رضي الله عنهما:ألاأريك امرأة من أهل الجنة؟فقلت بلى. قال:هذه المرأة السوداء،أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت:إني أصرع،وإني أتكشف،فادع الله تعالى لي.قال:“إن شئت صبرت ولك الجنة،وإن شئت دعوت الله تعالى أن يعافيك“فقالت:أصبر.وقالت:إني أتكشف،فادع الله أن لا أتكشف،فدعا لها“.
وهذا قليل قليل أمام ما أعده الله للصابرين من جزيل الثواب وحسن المآب.ويكفي الصابرين أن الله بشرهم وفي آية واحدة بكل جوامع الخير في الدنيا والآخرة:{وبَشِّرِ الصَّابرينَ* الذينَ إذا أصَابَتهُمْ مُصيبَةٌ قالوا إنَّا لله وإنَّا إليهِ راجِعُونَ* أولئِكَ عَليهمْ صَلواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ورَحمَةٌ وأولئكَ هُمُ المُهتدُونَ}[البقرة 155 ـ 157].
يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:
„أولئك ـ أي الصابرون ـ عليهم صلوات من ربهم يرفقهم بها إلى المشاركة في نصيب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم الذي يصلي الله سبحانه وملائكته عليه،وهو مقام كريم ورحمة وشهادة من الله بأنهم هم المهتدون،وكل أمر من هذا هائل عظيم.
إن الله يضع هذا كله في كفة،ويضع في الكفة الأخرى أمراً واحداً صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ،إنه لا يعدهم نصراً،ولا يعدهم تمكيناً ولايعدهم هنا مغانم ولايعدهم هنا شيئاً إلا صلوات الله ورحمته وشهادته جزاءً على التضحية بالأموال والأنفس والثمرات وجزاءً على الخوف والجوع والشدة،وجزاءً على القتل والشهاة،إن الكفة ترجح بهذا العطاء فهو أثقل في الميزان من كل عطاء،أرجح من النصر وأرجح من التمكين ،أرجح من شفاء غيظ الصدور،هذا هو الهدف،وهذه هي الغاية،وهذه هي الثمرة الحلوة التي تهفو إليها قلوبهم وحدها فأما ما يكتبه الله لهم بعد ذلك من النصر والتمكين فليس لهم وإنما هو لدعوة الله التي يحملونها“.
أمام هذا العطاء الواسع قال أمير المؤمنين عمر الفاروق رضي الله عنه:“مانزلت بي مصيبة إلا واكتسبت من ورائها ثلاث نعم:النعمة الأولى أن ما ينزل لم ينل من عقيدتي ولم يمس ديني،والثانية:أن ماينزل لم يكن أعظم الأمور ضرراً أو أكثر خطراً،والثالثة:ما أعد الله للصابرين من الأجر والثواب“.
ويقول الإمام علي رضي الله عنه:“أوصيكم بخمسة لو ضربتم إليها آباط الإبل لكنَّ لها أهلاً:لا يرجون أحدكم إلا ربه،ولا يخافنَّ إلا ذنبه،ولا يستحي أحدكم إذا سئل عما لايعلم أن يقول لا أعلم،وإذا لم يعلم الشيء أن يتعلمه،واعلموا أنَّ الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فإذا قطع الرأس ذهب الجسد،وكذلك إذا ذهب الصبر ذهب الإيمان“.
ويقول الإمام علي أيضاً:“للصبر أربع شعب:الشوق،والشفقة،والزهادة،والترقب.فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات،ومن شفق من النار رجع عن الحرمات،ومن زهد في الدنيا تهاون بالمصيبات،ومن ارتقب الموت سارع في الخيرات“.
وقال سيد التابعين الحسن البصري رضي الله عنه:“الصبر كنز من كنوز الجنة لا يعطيه الله عز وجل إلا لعبد كريم عنده“.
وفي الحديث الشريف الذي رواه الترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه وحسنه الألباني:[يود أهل العافية يوم القيامة،حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قُرضت في الدنيا بالمقاريض].
وماذا قال الله تعالى لعبده وحبيبه وسيد الخلق والمرسلين وماذا وعده إن صبر:{واصبرْ لِحُكمِ رَبِّكَ فإنَّكَ بأعيُنِنَا}[الطور49]،ياله من تعبير،وياله من تصوير،وياله من تقدير،إنها مرتبة لم يبلغها قط إنسان،هذه المرتبة التي يصورها هذا التعبير الفريد في القرآن كله حتى بين التعبيرات المشابهة.
لقد قال الله تعالى لموسى عليه السلام:{وأنا اخترتُكَ فاستمِعْ لِما يُوحى}[طه13]،وقال له :{وألقيتُ عليكَ مَحبَّةً مِنّي ولِتُصنعَ على عيني}[طه39]وقال:{واصطنعتُكَ لنفسي}[طه 41]وقال لمحمد عليه السلام:{واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا}[الطور 49]وهو تعبير فيه اعزاز خاص وأنس خاص يلقي ظلاً فريداً أرقُّ وأشفُّ من كل ظل،ولا يملك التعبير البشري أن يترجم هذا التعبير الخاص فحسبنا أن نشير إلى ظلاله وأن نعيش هذه الظلال.
قال زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين:“إذا جمع الله الأولين والآخرين ينادي منادٍ أين الصابرون ليدخلوا الجنة قبل الحساب.قال: فيقوم عُنُق(جماعة)من الناس فتتلقاهم الملائكة فيقولون:إلى أين يا بني آدم؟فيقولون:إلى الجنة.فيقولون: قبل الحساب؟قالوا: نعم . قالوا:من أنتم ؟قالوا: نحن الصابرون. قالوا: وما كان صبركم؟قالوا: صبرنا على طاعة الله وصبرنا عن معصية الله حتى توفانا الله.قالوا:أنتم كما قلتم،ادخلوا الجنة فنعم أجر العالمين.
من هم المبتلون الصابرون؟:
ولعلّ ما يكفي الصبر تشريفاً وتكريماً والمبتلون شرفاً وتكريماً أن المبتلين الصابرين هم من أنبياء الله وعباده الصالحين المقربين.
يقول تعالى:{ولقد كُذِّبتْ رسلٌ من قبلِك فصبروا على ما كُذِّبوا وأُوذوا حتى أتاهم نصرُنا ولا مُبَدِّلَ لكلماتِ الله ولقد جاءكَ من نبأ المرسلين}[الأنعام34]
نعم لقد صبر الأنبياء جميعاً،وتعرضوا للابتلاء والامتحان تلو الامتحان،فسيدنا إبراهيم عليه السلام أُبتلي بالنار،ووضع في النار ليحرق،وأُبتلي بذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام،وأُبتلي بالهجرة من وطنه،وأُبتلي بتعرض زوجته للأذى من نمرود مصر ولكن الله أنقذه من جميع الفتن والمحن .والأنبياء جميعهم وبدون استثناء ابتلوا وأوذوا ونالهم الأذى الكبير والشيء الكثير وكان سلاحهم الصبر،وكان لهم مع الصبر النصر وتأييد الله{ولَنصبِرَنَّ على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكَّلِ المُتوكِّلونَ}[ابراهيم 12]
جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[من يُرد الله به خيراً يُصب منه]،وفي الحديث الذي رواه الترمذي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال:قلت: يا رسول الله ،أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟قال صلى الله عليه وسلم: „الأنبياءُ ثم الصالحون، فالأمثل من الناس،يُبتلى الرجل على حَسب دينه،فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه،وإن كان في دينه رقة خُفف عنه،وما يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الارض وليس عليه خطيئة][قال الترمذي حديث حسن صحيح].
أمثلة حيّة:
فإذا كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو سيد الخلق والمرسلين وأحبّ خلق الله إلى الله قد تعرض من البلاء مالم يتعرض له إلا أهل العزم من الرسل،ومع ذلك كان عبداً صابراً شكوراً،يواجه المصاعب والعقبات بإيمان عظيم وصدق يقين،ولقد ابتلي في مراحل عمره وفي مراحل دعوته،واستمرت رحلة الابتلاء حتى في اللحظات الأخيرة وهو يواجه سكرات الموت،لقد نشأ يتيماً،حيث مات أبوه وهو مازال في رحم أمه،وماتت أمه وهو طفل صغير،فكتب عليه اليتم:{ألم يجدك يتيماً فآوى}[الضحى6]،وعند نزول الوحي عليه في غار حراء،ومن ثم في كل مراحل الدعوة النبوية حيث لاقى من الأذى والتشهير والسخرية،وكل صنوف الأذى والابتلاء،من الأهل والأقارب ومن القريب والبعيد،وقاطعه قومه مقاطعةً اجتماعية واقتصادية،ومكروا له أشد المكر،وخططوا لقتله،ولاحقوا أتباعه وعرضوهم للأذى والتعذيب والقتل،ومن ذلك أيضاً أن ماتت عنه زوجته وحضنه الوفي الأمين السيدة خديجة رضي الله عنه في السنة العاشرة للبعثة،ومن ثم عمه أبو طالب ،وتعرض للأذى من سفهاء الطائف،ولم يثنه هذا عن الدعوة بل توجه إلى الله بقلب مؤمن صابر محتسب،ومقرون بالرجاء،صبر على الإعراض،وصبرٌ على الإيذاء، يناجيه يطلب عونه،ويخشى أن يكون قد قصّر في دعوته ويناجيه بدعاء من أجمل الأدعية:“اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس،يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي،إلى من تكلني؟إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري،إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولكن عافيتك أوسع لي،أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات،وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن تنزل بي غضبك أو يحلَّ عليّ سخطك،لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك“.
وفي غزوة أحد وبسبب عدم التزام الرماة بتعاليم رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الألم والقرح وفقدان العديد من الأحبة وخاصة عم الرسول صلى الله عليه وسلم سيد الشهداء حمزة رضي اله عنه،وقد شُجَّ وجهه الكريم صلى الله عليه وسلم وسال الدم منه،ومع ذلك تلقى القرح والأم والحزن بقلب صبور ونفس راضية محتسبة،ولم يزد على أن قال :اللهم اغفر لقومي فإنهم لايعلمون“.
وفي سياق الدعوة النبوية يتهم حبيب الله في عرضه وفي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في ما يسمى حادثة الإفك حتى برأها الله من فوق سبع سموات،وكل ذلك لم يثنه عن دعوته ولم يبعده عن رسالته،وتستمر الأحداث والابتلاءات والمحن وحتى وهو على فراش الموت حيث أرسل الله إليه الملائكة الكرام الموكلين بقبض الأرواح وأخذوا روحه الزكية الطاهرة المباركة ولينقلوها من دنيا الفناء إلى دنيا البقاء،فاشتد مع ذلك في النزع كربه وظهر أنينه،وتغيّر لونه ،وعرق جبينه،واضطربت في الانقباض والانبساط شماله ويمينه،حتى بكى له من حضره وانتحب لشدة حاله من شهد منظره،وتقول له السيدة فاطمة أم الحسنين وسيدة نساء العالمين:“واكَرب أبتاه“ فيقول لها بنفس صابرة مؤمنة:“ليس على أبيك كرب بعد اليوم“.ولم يكن ليزيد عند اشتداد الكرب عليه وازدياد الألم عن أن يقول:“اللهم هوِّن عليَّ سكرات الموت„.فلما توفاه الله وصعدت روحه الطاهرة إلى بارئها قالت السيدة فاطمة:“يا أبتاه،أجاب رباً دعاه،يا أبتاه جنة الفردوس مأواه،يا أبتاه إلى جبريل ننعاه.
ومن أجمل الأمثلة على الصبر الجميل موقف أبي الأنبياء ابراهيم عليه السلام عندما أمر بذبح ابنه وكيف استجاب لأمر ربه محتسباً صابراً مؤمناً.ولنتابع قصته كما ذكرها الشهيد سيد قطب في الظلال من خلال الآيات القرآنية.
يقول تعالى:{فَلَمّا بلغَ معهُ السَّعيَ قالَ يا بُنيَّ إنّي أرى في المنامِ أنّي أذبحُكَ فانظر ماذا ترى قال يا أبتِ افعلْ ماتؤمرْ ستجدني إن شاءَ الله من الصّابرينَ}[الصافات 102].
يقول سيد قطب:“يالله! ويالروعة الإيمان والطاعة والتسليم…هذا إبراهيم الشيخ المقطوع من الأهل والقرابة.المهاجر من الأرض والوطن.هاهوذا يرزق في كبرته وهرمه بغلام طالما تطلع إليه.فلما جاء غلاماً ممتازاً يشهد له ربه بأنّه حليم{فبشرناهُ بغلام حليم}[الصافات 101]“..وهاهو ذا مايكاد يأنس به،وصباه يتفتح،ويبلغ معه السعي،ويرافقه في الحياة….هاهوذا ما يكاد يأنس ويستروح بهذا الغلام الوحيد،حتى يرى في منامه أنه يذبحه،ويدرك أنها إشارة من ربه بالتضحية فماذا؟إنه لايتردد،ولا يخالجه إلا شعور الطاعة،ولا يخطر له إلا خاطر التسليم….نعم إنها إشارة.مجرد إشارة.وليست وحياً صريحاً،ولا أمراً مباشراً.ولكنها إشارة من ربه…وهذا يكفي..هذا يكفي ليلبي ويستجيب.دون أن يعترض.ودون أن يسأل ربه.لماذا ياربي أذبح ابني الوحيد؟!
ولكنه لا يلبي في انزعاج،ولا يستسلم في جزع،ولا يطيع في اضطراب…كلا إنما هو القبول والرضى والطمأنينة والهدوء.يبدو ذلك في كلماته لإبنه وهو يعرض عليه الأمر الهائل في هدوء وفي اطمئنان عجيب:{قال يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى}[الصافات 102].
فهي كلمات المالك لأعصابه،المطمئن للأمر الذي يواجهه،الواثق بأنه يؤدي واجبه.وهي في الوقت ذاته كلمات المؤمن،الذي لا يهوله الأمر فيؤديه،في اندفاع وعجلة ليخلص منه وينتهي،ويستريح من ثقله على أعصابه.
والأمر شاق ـ مافي ذلك شك ـ فهو لا يطلب إليه أن يرسل بإبنه الوحيد إلى معركة.ولا يطلب إليه أن يكلفه أمراً تنتهي به حياته.إنما يطلب إليه أن يتولى هو بيده.يتولى ماذا؟يتولى ذبحه…وهو مع هذا يتلقى الأمر هذا التلقي،ويعرض على ابنه هذا العرض،ويطلب إليه أن يتروى في أمره ،وأن يرى فيه رأيه!إنه لا يأخذ ابنه على غرّة لينفذ إشارة ربه.وينتهي.إنما يعرض الأمر عليه كالذي يعرض المألوف من الأمر.فالأمر في حسه هكذا.ربه يريد.فليكن ما يريد.على العين والرأس.وابنه ينبغي أن يعرف.وأن يأخذ الأمر طاعة وإسلاما،لا قهراً واضطراراً.لينال هو الآخر أجر الطاعة،وليسلم هو الآخر ويتذوق حلاوة التسليم.
إنه يحب لإبنه أن يتذوق لذة التطوع التي ذاقها،وأن ينال الخير الذي يراه هو أبقى من الحياة وأقنى.
فماذا يكون أمر الغلام،الذي يعرض عليه الذبح،تصديقاً لرؤيا رأها أبوه؟
إنه يرتقي إلى الأفق الذي ارتقى إليه من قبل أبوه:“{قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين}[الصافات 102]“.
إنه يتلقى الأمر لا في طاعة واستسلام فحسب.ولكن في رضى كذلك وفي يقين.
„يا أبت“…في مودة وقربى.فشبح الذبح لا يزعجه ولا يفزعه ولا يفقده رشده.بل لا يفقده أدبه ومودته.
„افعل ما تؤمر„..فهو يحس ما أحسه من قبل قلب أبيه.يحس أن الرؤيا إشارة.وأن الإشارة أمر.وأنها تكفي لكي يلبي وينفذ بغير لجلجلة ولا تمحل ولا ارتياب.
ثم هو الأدب مع الله،ومعرفة حدود قدرته،وطاقته في الاحتمال،والإستعانة بربه على ضعفه ونسبة الفضل إليه في إعانته على التضحية ومساعدته على الطاعة.
„ستجدني إن شاء الله من الصابرين“
ولم يأخذها بطولة…ولم يأخذها شجاعة…ولم يأخذها إندفاعاً إلى الخطر دون مبالاة…ولم يظهر لشخصه ظلاً ولا حجماً ولا وزناً.إنما أرجع الفضل كله لله إن هو أعانه على ما يطلب إليه،وأصبره على ما يُراد به“ستجدني إن شاء الله من الصابرين“
ويخطوالمشهد خطوة أخرى وراء الحوار والكلام…يخطو إلى التنفيذ :{فلما أسلما وتلَّهُ للجبين}[الصافات 103]
ومرة أخرى يرتفع نبل الطاعة،وعظمة الإيمان.وطمأنينة الرضى وراء كل ما تعارق عليه بنو الإنسان.إن الرجل يمضي فيكب ابنه على جبينه استعداداً.وإن الغلام يستسلم فلا يتحرك امتناعاً.وقد وصل الأمر أن يكون عياناً.لقد أسلما.فهذا هو الإسلام.هذا هو الإسلام في حقيقته.ثقة وطاعة وطمأنينة ورضى وتسليم وتنفيذ…وكلاهما لا يجد إلا هذه المشاعر التي لا يصنعها غير الإيمان العظيم.
إنها ليست الشجاعة والجرأة.وليس الاندفاع والحماسة.لقد يندفع المجاهد في الميدان،يَقتل ويُقتل..ولقد يندفع الفدائي وهو يعلم أنه قد لا يعود.ولكن هذا كله شىء والذي يصنعه إبراهيم وإسماعيل هنا شىء آخر.ليس هنا دم فائر،ولا حماسة دافقة ولا اندفاع في عجلة تخفي وراءها الخوف من الضعف والنكوص!إنما هو الاستسلام الواعي المتعقل القاصد المريد،العارف بما يفعل،المطمئن لما يكون.لا بل هنا الرضى الهادىء المستبشر المتذوق للطاعة وطعمها الجميل.
وهنا كان الابتلاء قد تمّ.والامتحان قد وقع.ونتائجه قد ظهرت.وغاياته قد تحققت.ولم يعد إلا الألم البدني.وإلا الدم المسفوح.والجسد الذبيح.والله لايريد أن يعذب عباده بالابتلاء.ولا يريد دماءهم وأجسادهم في شىء.ومتى خلصوا له واستعدوا للأداء يكافئهم على ما ادوا،وقد حققوا التكليف،وقد جاوزوا الامتحان بنجاح“.
والكريم ابن الكريم ابن الكريم سيدنا يوسف بن يعقوب بن اسحق ابن إبراهيم عليهم صلوات الله ورضوانه،قضى مراحل حياته وهو يخرج من ضائقة إلى أخرى ومن امتحان وابتلاء إلى آخر.فقد أمه وهو طفل،وتآمر عليه أخوته فاختطفوه من حضن أبيه وألقوا به في البئر ليلقى في غيابتها مصيره المجهول،واستنقذته السيارة ليتملكّوه عبداً ثم يبيعوه في سوق الرقيق بثمن بخس دراهم معدودة،وفي قصر العزيز تعرض للدسائس الماكرة فاتهم وهو العفيف بأنه يبغي السوء والفحشاء،ورغم ظهور براءته ألقي في السجن مع الأشقياء،لا أياماً أو شهوراً بل بضع سنين،ولو أن شخصاً آخر نظر في كل هذا الذي تعرض له وما في ذلك من أحزان وآلام لضاق بالأرض وتنكّر للسماء،ولكن يوسف الصديق بقي متألق اليقين،عالي الجبين،وبقي من وراء جدران السجن يُذِّكر بالله ويدعو إليه:{يا صاحبي السجن اأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ماتعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وأباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون}[يوسف 39 ـ 40].
ونبي الله أيوب عليه الصلاة والسلام،كان له المال الكثير،وكان له الأولاد والأهل،فسلب من ذلك جميعه،وابتلي في جسده بأنواع البلاء،وبقي صابراً محتسباً ذاكراً،وطال مرضه حتى عافه الجليس وأوحش منه الأنيس،وانقطع عنه الناس،ولم يبق له إلا زوجة صالحة(يقال أنها من أحفاد يوسف عليه السلام) تحنو عليه،وترعى حقه،وتعرف قديم إحسانه،وهو صابر محتسب ذاكر حامد،إلى أن فرّج الله عنه بعد دعائه وتضرعه ما به من ضر،وآتاه الصحة،ورد له ماكان قد أخذ منه،وآتاه أهله ومثلهم معهم.
يذكر القرآن الكريم قصته في الآيات التالية:{وأيُّوبَ إذ نادى رَبَّهُ أنّي مَسَّنيَ الضُّرُّ وأنتَ أرحمُ الرَّاحمينَ*فاستجبنا لهُ فكشفنا ما بهِ من ضُرٍّ وآتيناهُ أهلهُ ومثلَهُم معهم رحمةً من عندنا وذكرى للعابدينَ}[الأنبياء83 ـ 84].وقد أثنى الله عليه بسبب صبره فقال تعالى:{إنَّا وجدناهُ صابراً نِعْمَ العبدُ إنّهُ أوّاب}[ص44].
يقول سيد قطب في الظلال في الآية 84 من سورة الأنبياء:
„وقصة ابتلاء أيوب من أروع قصص الابتلاء.وأيوب هنا في دعائه لا يزيد على وصف حاله“أني مسني الضر“ ووصف ربه بصفته“وأنت أرحم الراحمين“ ثم لا يدعو بتغيير حاله،صبراً على بلائه ولا يقترح شيئاً على ربه ،تأدباً معه وتوقيراً.
فهو نموذج للعبد الصابر لا يضيق صدره بالبلاء،ولا يتململ من الضر،الذي تضرب به الأمثال في جميع الأعصار.بل إنه ليتحرج أن يطلب إلى ربه رفع البلاء عنه،فيدع الأمر كله إليه،اطمئناناً إلى علمه بالحال وغناه عن السؤال.
وفي اللحظة التي توجه فيها أيوب إلى ربه بهذه الثقة وبذلك الأدب كانت الاستجابة،وكانت الرحمة،وكانت نهاية الابتلاء“فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر„رفع عنه الضر في بدنه فإذا هو معافى صحيح،ورفع عنه الضر في أهله فعوضه عمن فقد منهم ورزقه مثلهم وقيل هم أبناؤه فوهب الله له مثلهم أو أنه وهب له أبناءً وأحفادا.
„رحمة من عندنا„فكل نعمة فهي رحمة من عند الله ومنّة.
„وذكرى للعابدين“ تذكرهم بالله وبلائه،ورحمته في البلاء وبعد البلاء .والإشارة“للعابدين“ بمناسبة البلاء إشارة لها مغزاها.فالعابدون معرضون للابتلاء والبلاء،وتلك تكاليف العبادة وتكاليف العقيدة وتكاليف الإيمان.والأمر جد لا لعب،والعقيدة أمانة لا تسلم إلا للأمناء القادرين عليها،المستعدين لتكاليفها وليست كلمة تقولها الشفاه،ولادعوى يدعيها من يشاء، ولا بد من الصبر ليجتاز العابدون البلاء“.انتهى كلام سيد رحمه الله.
إن الناس بالنسبة للنعم وللنقم أصناف ثلاثة:
الأول: صنف كفر بالنعمة عند حلولها ولم يرها فضلاً من المنعم عليه،أو سخط عند حلول النقمة،لعدم إيمانه بمن قدّرها عليه،فلم ينفعه الرخاء في شكر الله،ولم تدفعه الشدة في الرجوع إلى الله:{وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون}[الأعراف 168]،{ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون}[الأنبياء 25].
وقد وصف الله تعالى خلق هذا الإنسان المنحرف حيال النعمة والنقمة إذا سيقت إليه فقال تعالى:{ولئن أذقنا ه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة}[فصلت50].
والثاني:صنف يؤمن حال النعمة،ويكفر حال النقمة،يقول تعالى في هؤلاء:{ومنهم من يعبد الله على حرف}[الحج22]،وقال فيه أيضاً:{فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن}[الفجر 15 ـ 16].
والثالث:صنف يشكر في النعماء ويصبر في الضراء.
وبعد،فهذا بعض مما يقال عن الصبر حكمة وآداباً وفضلاً وأجراً،وهو وإن كان شاقاً فتحصيله ممكن بمعجون العلم والعمل فمنهما تركب الأدوية لأمراض القلوب كلها،فيحتاج كل مرض إلى علم وعمل يليق به.
روي أن الفضيل بن عياض رحمه الله أنه كان إذا قرأ الآية الكريمة{ولَنَبلُونَّكُم حتَّى نعلمَ المُجاهدينَ منكُم والصَّابرينَ ونَبلُوَ أخباركُم} [محمد31]بكى،وقال اللهم لا تبلنا،فإنك إن بلوتنا فضحتنا،وهتكت أستارنا“.
فنحن لا نطلب من الله البلاء،ونسأله العفو والعافية،ونتطلع إلى رحمته وفضله،ولكن إذا قُدِّر علينا البلاء فنسأل الله عز وجل الصبر عليه بقلب لم تعلق به ريبة،وعقل لا تطيش به كربة،بموفور الثقة وبقوة الإيمان،لا نرتاع لغيمة تظهر في الأفق ولو تبعتها أخرىوأخرى،بل نبقى موقنين بأن بوادر الصفو لابد آتيةنوأن الحكمة ارتقابها في سكون يقين،وإيمان سليم.
إنَّ الأمورَ إذا انسدَّتْ مَسَالِكها فالصَّبرُ يَفْتُقُ منها كُلَّ ما ارتَتجا
لا تيئسنَّ وإن طالتْ مُطالبةٌ إذا استعنتَ بصبرٍ أن ترى فَرَجا
أَخلِقْ بذي الصَّبرِ أن يحظى بحاجتهِ ومُدمنِ القرعِ للأبوابِ أن يَلِجا
(محمد بن بشير)
ادفع بصبركَ حادثَ الأيام وترجَّ لُطفَ الواحدِ العلّامِ
لا تيأسنَّ وإن تضايقَ كربُها ورماكَ رَيبُ صروفها بسهامِ
فله تعالى بين ذلك فُرجةٌ تخفى على الأبصار والأوهامِ
كم من نجيٍّ بين أطرافِ القنا وفريسةٍ سلمت من الضِّرغامِ
وقال آخر:
ولكلِّ حالٍ مُعقب ولربما أجلى لك المكروه عما يُحمدُ
لا يؤيسينك من تفرج كربة خطب رماك به الزمان الأنكدُ
واصبر فإن الصبر يُعقِبُ راحةً في اليوم تأتي أو يجيء بها الغدُ
كم من عليلٍ قد تخطاه الردى فنجا ومات طبيبه والعوّدُ
والله بالغ أمره في خلقه وإليه مصدرنا غداً والموردُ
{والعصر* إنَّ الإنسانَ لفي خُسرٍ* إلا الذينَ آمنوا وعملوا الصَّالحاتِ وتَواصوا بالحقِّ وتَواصوا بالصَّبر}[العصر 1 ـ 3].