الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

إنّما يُوفَّى الصابرونَ أجرهُم (2/3)

8 ـ الصدق:

{والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات}[الأحزاب 35].

يقول الأستاذ عبد الوهاب عزام رحمه الله(الرسالة العدد 386):

„وكثيرأ ما يقرن القرآن الكريم الصبر بالصدق،وهما من منبع واحد،هما من المروءة والكرامة والأنفة والشجاعة التي تقول الحق غير مبالية،وتصبر على الشدائد غير مستخذية الصدق في القول والفعل خلق يبين عن صفاء النفس وخلوصها وصراحتها وحبها الحق،وميلها عن الباطل،ونفورها من المداجاة والمراءاة والنفاق والخداع،خلق يأبى التكلف والتصنع ويربأ عن المذلة والخنوع،خلق ينطق بالإباء والشجاعة،وحب الخير للناس،وتحكيم قوانين الله فيما بينه وبينهم لا يبغي صاحبه عن هذه القوانين حولا،ولا يرضى لمنفعة نفسه الاحتيال لإخفاء الحقائق،والتماس غيرها من الوسائل المخترعة المزورة.وذلكم هدى القرآن وشرعة الإسلام،وسيرة المسلمين الأولين نطقت به مآثرهم في الحرب والسلم وفي معاملة العدو والصديق.كانوا في أقوالهم وأفعاله حرباً على الباطل والبغي والكذب،فكانت سيرهم مثلاً من الحق الصريح الذي لايشوبه رياء ولا مداراة ولا مداجاة،فجزاهم الله بصدقهم أن مكن لهم في الارض وملكهم أزمة الأمم يسوسونها بعدل الله ابتغاء مرضاة الله كما قال تعالى:{ليجزي الصادقين بصدقهم}[الأحزاب 24]

مواطن مأمور فيها بالصبر:

أمر سبحانه وتعالى بالتزام الصبر أمراً مطلقاً،وأمر بالصبر في مواضع معينة حيث يشتد الحاجة فيها للصبر:

1 ـ الصبر على أذى الفاجرين:

قال تعالى:{لَتُبلَوُنَّ في أموالِكُم وأنفُسِكُمْ ولَتَسمَعُنَّ من الذينَ أوتُوا الكتابَ مِنْ قَبلِكُمْ ومنَ الذينَ أشرَكُوا أذىً كثيراً وإن تَصبِروا وتتَّقُوا فإنَّ ذلكَ من عَزمِ الأمورِ}[آل عمران 186]

2 ـ في الدعوة إلى الله تعالى:

{يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور}[لقمان 17]

3 ـ الصبر على معاملة الناس:

4 ـ الصبر على الإتّهام:

{ادفعْ بالتي هي أحسنُ فإذا الذي بينَكَ وبينَهُ عداوةٌ كأنَّهُ وليٌّ حميمٌ}[فصلت 35]،{ولَمَن صبرَ وغفرَ إنَّ ذلكَ لَمِنْ عزمِ الأمور}[الشورى43].

يقول سيد قطب رحمه الله(سورة فصلت):

„وتصدق هذه القاعدة في الغالبية الغالبة من الحالات.وينقلب الهياج إلى وداعة.والغضب إلى سكينة،والتبجح إلى حياء،على كلمة طيبة،ونبرة هادئة،وبسمة حانية في وجه هائج غاضب متبجح مفلوت الزمام!ولو قوبل بمثل فعله ازداد هياجاً وغضباً وتبجحاً ومروداً.وخلع حياءه نهائياً،وأفلت زمامه،وأخذته العزة بالإثم.

غير أن تلك السماحة تحتاج إلى قلب كبير يعطف ويسمح وهو قادر على الإساءة والرد.وهذه القدرة ضرورية لتؤتي السماحة أثرها.حتى لا يصور الإحسان في نفس المسيء ضعفاً.ولئن أحس أنه ضعف لم يحترمه،ولم يكن للحسنة أثرها إطلاقاً.

وهذه السماحة كذلك قاصرة على حالات الإساءة الشخصية.لا العدوان على العقيدة وفتنة المؤمنين عنها.فأما في هذا فهو الدفع والمقاومة بكل صورة من صورها.أو الصبر حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا“.

5 ـ الصبر على العشرة الزوجية وتربية الأطفال

6 ـ الصبر على من لك حقوق عنده:

الصبر على الغريم والمدين{وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرةٌ إلى مَيسرةٍ وأنْ تَصدَّقُوا خيرٌ لكُمْ إن كُنتُم تعلمون} [البقرة 280]

الآفات المُعيقة عن الصبر:

1 ـ الاستعجال:

النفس موكولة بحبّ العاجل:{خُلِقَ الإنسانُ من عَجَلٍ}[الأنبياء 37]،فإذا أبطأ على الإنسان مايريد نفد صبره وضاق صدره واستعجل قطف الثمرة قبل أوانها فلا هو ظفر بثمرة طيبة ولا هو أتمّ المسير،ولهذا قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:{فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولاتستعجل لهم}[الأحقاف 35]،أي العذاب فإن له يوماً موعودا.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“والله ليتمنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون“[رواه البخاري عن خباب بن الأرت رضي الله عنه]

2 ـ الغضب:

لقد حذر الله رسوله من مغبة الغضب وعواقبه ونتائجه،وبين ذلك في حديثه عن النبي يونس وما وقع فيه بسبب الغضب فقال تعالى:{فاصبِرْ لِحُكمِ رَبِّكَ ولاتَكُنْ كصاحبِ الحُوتِ إذ نادى وهو مَكظُومٌ* لولا أن تَداركَهُ نِعمةٌ من رَبِّهِ لَنُبِذَ بالعراءِ وهو مَذمومٌ* فاجتباهُ رَبُّهُ فجَعلهُ من الصَّالحينَ}[القلم 48 ـ 50]الذي فرغ صبره وهجر قومه،وضاق صدره :{وذا النُّونِ إذ ذهبَ مُغاضباً فظنَّ أن لن نَّقدِرَ عليه فنادى في الظُّلماتِ أنْ لا إلهَ إلا أنتَ سُبحانكَ إنّي كنتُ من الظالمين}[الأنبياء 87]،فتاب الله عليه وأنقذه مما كان فيه:{فاستجبنا لهُ ونَجَّينَاهُ من الغَمِّ وكذلكَ  نُنجي المؤمنينَ}[الأنبياء 88].

3 ـ اليأس:

وهذا الذي حذر منه نبي الله يعقوب عليه السلام:{يابَنيَّ اذهَبُوا فَتَحسَّسُوا من يُوسُفَ وأخيهِ ولا تيأسُوا من رَّوحِ الله إنَّهُ لاييأسُ من رَّوحِ الله إلا القومُ الكافرون}[يوسف87].

4 ـ شدة الحزن والضيق:

{واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون}[النحل 127]

{فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون}[فاطر 8]

مراتب الصبر:

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله هي ثلاثة:

الأولى:الصبر بالله،ومعناها الاستعانة به،ورؤيته أنه هو المُصيّر،وأن صبر العبد بربه لا بنفسه،كما قال تعالى:{واصبر وما صبرك إلا بالله}[النحل127]،يعني:إن لم يُصبرك الله لم تصبر.

الثانية:الصبر لله، وهو أن يكون الباعث له على الصبر محبة الله تعالى،وإرادة وجهه والتقرب إليه،لا لإظهار قوة نفسه أو طلب الحمد من الخلق،أو غير ذلك من الأغراض.

الثالثة:الصبر مع الله،وهو دوران العبد مع مراد الله منه ومع أحكامه،صابراً نفسه معها،سائراً بسيرها،مقيماً بإقامتها،يتوجه معها أينما توجهت،وينزل معها أينما نزلت،جعل نفسه وقفاً على أوامر الله ومحابه،وهذا أشد أنواع الصبر وأصعبها،وهو صبر الصديقين.قال الجنيد:“المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل هين على المؤمن،وهجران الخلق في جنب الله شديد،والمسير من النفس إلى الله صعب شديد،والصبر مع الله أشد“.

أنواع الصبر:

النوع الأول:الصبر على السّراء:

هو ما يوافق هوى النفس من الصّحة والسلامة والمال والجاه وكثرة العشيرة والأتباع،وجميع ملاذ الدنيا،والعبد محتاج إلى الصبر في جميع هذه الأمور،فلا يركن إليها ولا ينهمك في التلذّذ بها،ومتى لم يضبط نفسه عن الانهماك في الملذّات والركون إليها،أخرجه ذلك إلى البطر والطغيان،حتى قال بعض العارفين:“المؤمن يصبر على البلاء،ولا يصبر على العافية إلا صِدِّيق“.

وقال عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشرين بالجنة:“ابتلينا بالضراء فصبرنا،وابتلينا بالسراء فلم نصبر“.

وذلك لأن الصبر على السراء شديد لأنه مقرون بالقدرة،فالجائع عند غيبة الطعام أقدر على الصبر منه عند حضور الطعام اللذيذ،وهو شديد أيضا لأنه يجب أن يكون صبراً متصلاً بالشكر،فلا يتم إلا بالقيام بحق الشكر.ولهذا عرف السلف الصالح والأولون ما يعنيه الله تعالى بقوله:{واعلمُوا أنَّما أموالُكُمْ وأولادُكُمْ فِتنةٌ وأنَّ الله عنده أجرٌ عظيم}[الأنفال 28]

وقوله تعالى:{إنَّ من أزواجِكُم وأولادِكُم عدُوّاً لكم فاحذروهُم}[التغابن 14]،وقوله تعالى:{لا تُلهِكُم أموالُكُم ولا أولادُكُم عن ذكر الله ومن يفعل ذلكَ فأولئكَ همُ الخاسرون}[المنافقون 9].

يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال(سورة الأنفال):

„إن هذا القرآن يخاطب الكينونة البشرية،بما يعلم خالقها من تركيبها الخفي،وبما يطلع منها على الظاهر والباطن،وعلى المنحنيات والدروب والمسالك.

وهو ـ سبحانه ـ يعلم مواطن الضعف في هذه الكينونة.ويعلم أن الحرص على الأموال وعلى الأولاد من أعمق مواطن الضعف فيها…ومن هنا ينبهها إلى حقيقة هبة الأموال والأولاد…لقد وهبها الله للناس ليبلوهم بها ويفتنهم فيها.فهي من زينة الحياة الدنيا التي تكون موضع امتحان وابتلاء،ليرى الله فيها صنيع العبد وتصرفه..أيشكر عليها ويؤدي حق النعمة فيها؟أم يشتغل بها حتى يغفل عن أداء حق الله فيها؟“ونبلوكم بالشر والخير فتنة“…فالفتنة لا تكون باشدة والحرمان وحدهما…إنها كذلك تكون بالرخاء وبالعطاء أيضاً!ومن الرخاء والعطاء هذه الأموال والأولاد…

ويتابع رحمه الله:“فإذا انتبه القلب إلى موضع الامتحان والاختبار،كان ذلك عوناً له على الحذر واليقظة والاحتياط،أن يستغرق وينسى ويخفق في الامتحان والفتنة.

ثم لا يدعه الله بلا عون منه ولا عوض…فقد يضعف عن الأداء ـ بعد الانتباه ـ لثقل التضحية وضخامة التكليف،وبخاصة في موطن الضعف في الأموال والأولاد!إنما يلوّح له بما هو خير وأبقى،ليستعين به على الفتنة ويتقوى“وأن الله عنده أجر عظيم“.

إنه ـ سبحانه ـ هو الذي وهب الأموال والأولاد..وعنده وراءهما أجر عظيم لمن يستعلي على فتنة الأموال وألاولاد،فلا يقعد إذن عن تكاليف الأمانة وتضحيات الجهاد..وهذا هو العون والمدد للإنسان الضعيف،الذي يعلم خالقه مواطن الضعف فيه:“وخلق الإنسان ضعيفاً“.

ويقول رحمه الله (سورة التغابن):

„والتنبيه إلى أن من الأزواج والاولاد من يكون عدواً…إن هذا يشير إلى حقيقة عميقة في الحياة البشرية.ويمس وشائج متشابكة دقيقة في التركيب العاطفي وفي ملابسات الحياة سواء.فالأزواج والأولاد قد يكونون مشغلة وملهاة عن ذكرالله.كما أنهم قد يكونون دافعاً للتقصير في تبعات الإيمان اتقاء للمتاعب التي تحيط بهم لو قام المؤمن بواجبه فلقي مايلقاه المجاهد في سبيل الله!والمجاهد في سبيل الله يتعرض لخسارة الكثير،وتضحية الكثير.كما يتعرض هو وأهله للعنت.وقد يحتمل العنت في نفسه ولايحتمله في زوجه وولده.فيبخل ويجبن ليوفر لهم الأمن والقرار أو المتاع والمال!فيكونون عدواً له،لأنهم صدوه عن الخير،وعوقوه عن تحقيق غاية وجوده الإنساني العليا.كما أنهم قد يقفون له في الطريق يمنعونه من النهوض بواجبه،اتقاء لما يصيبهم من جرائه،أو لأنهم قد يكونون في طريق غير طريقه،ويعجز هو عن المفاصلة بينه وبينهم والتجرد لله…وهي كذلك صور من العداوة متفاوتة الدرجات..وهذه وتلك مما يقع في حياة المؤمن في كل آن“.

عرف السلف الصالح هذا فكانوا يخافون في السراء أكثر من خوفهم في الضراء،فقال سيدنا سليمان عليه السلام بعد التمكين الهائل له :{هذا من فضلِ رَبِّي لِيبلُوَني أأشكُرُ أم أكفُرُ ومن شكرَ فإنَّما يشكرُ لنفسِهِ ومن كفَرَ فإنَّ ربيِّ غنيٌّ كريمٌ}[النمل 40].

يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:

„استشعر سليمان عليه السلام أن النعمة ـ على هذا النحو ـ ابتلاء ضخم مخيف،يحتاج إلى يقظة منه ليجتازه،ويحتاج إلى عون من الله ليتقوى عليه،ويحتاج إلى معرفة النعمة والشعور بفضل المنعم،ليعرف الله منه هذا الشعور فيتولاه.والله غني عن شكر الشاكرين،ومن شكر فإنما يشكر لنفسه،فينال من الله زيادة النعمة،وحسن المعونة على اجتياز الابتلاء.ومن كفر فإن الله „غني“ عن الشكر“كريم“يعطي عن كرم لا عن ارتقاب للشكر على العطاء“.

النوع الثاني:الصبر في الضراء:

هذه الحياة الدنيا ليست دار نعيم،ولا تخلو من المُنغصات من انحراف الصحة،أو ضياع المال،أو فقد الحبيب،أو غدر الصديق،أو ذهاب الأمن.هذه هي طبيعتها التي لا تتغير:

جُبِلت على كدرٍ وأنت تريدها              صفواً من الاقذار والأكدار

ومُكلفِ الأيام ضد طباعها                 متطلب في الماء جذوة نار

فإذا كانت هذه هي طبيعة الدنيا التي نعيش فيها،مصاعب ومصائب لابدّ منها،ومُنغصات ومُكدرات لابد من معايشتها،فإما أن تُداريها بالصبر فتنال الأجر،وإما أن تتبرم بها وتثور عليها،فتزيد ثورتك من عذابك،ويزيد غيظك من بلوائك،وأنت في الحالين من الأخسرين،وفي الدارين.

والصبر على البلاء والضراء أي الصبر الذي يخالف الهوى فهو ثلاثة أقسام:

الأول:الصبر على الطاعات:

إن الصبرعلى الطاعة أساس من أركان الإسلام اللازمة تحتاج في القيام بها والمداومة عليها إلى التحمل والمعاناة.فالصلاة فريضة متكررة ،وتحتاج إلى الصبر بالمواظبة عليها والقيام بها على أحسن وجه،وقد يقوم بها البعض وهم كسالى ولذا قال تعالى:{وأمُر أهلَكَ بالصَّلاةِ واصطَبِرْ عليها}[طه132].

يقول سيد قطب رحمه الله:

„فأول واجبات الرجل المسلم أن يحول بيته إلى بيت مسلم،وأن يوجه أهله إلى أداء الفريضة التي تصلهم معه بالله،فتوحد اتجاههم العلوي في الحياة.وما أروح الحياة في ظلال بيت أهله كلهم يتجهون إلى الله.

„واصطبر عليها“..عل إقامتها كاملة،وعلى تحقيق آثارها.إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر,وهذه هي آثارها الصحيحة.وهي في حاجة إلى اصطبار على البلوغ بالصلاة إلى الحد الذي تثمر فيه ثمارها هذه في المشاعر والسلوك.وإلا فما هي صلاة مقامة.إنما هي حركات وكلمات“.

وقال تعالى:{واستعينوا بالصّبر والصّلاة وإنَّها لكبيرةٌ إلا على الخاشعين}[البقرة 45].وقال تعالى:{رَبُّ السَّمواتِ والأرضِ وما بينَهُما فاعبُدهُ واصطبِرْ لعبادتِهِ هل تعلمُ لهُ سَميّاً}[مريم 65].

يقول سيد قطب رحمه الله:

„اعبده واصطبرعلى تكاليف العبادة.وهي تكاليف الارتقاء إلى أفق المثول بين يدي المعبود،والثبات في هذا المرتقى العالي.اعبده واحشد نفسك وعبىء طاقتك للقاء والتلقي في ذلك الأفق العلوي..إنها مشقة.مشقة التجمع والاحتشاد والتجرد من كل شاغل،ومن كل هاتف ومن كل التفات…وإنها مع المشقة للذة لايعرفها إلا من ذاق.ولكنها لا تنال إلا بتلك المشقة،وإلا بالتجرد لها،والاستغراق فيها،والتحفز لها بكل جارحة وخالجة.فهي لاتفشي سرها ولاتمنح عطرها إلا لمن يتجرد لها،ويفتح منافذ حسه وقلبه جميعاً.

„فاعبده واصطبر لعبادته“..والعبادة في الإسلام ليست مجرد الشعائر.إنما هي كل نشاط:كل حركة.كل خالجة.كل نية.كل اتجاه.وإنها لمشقة أن يتجه الإنسان في هذا كله إلى الله وحده دون سواه.مشقة تحتاج إلى الاصطبار.ليتوجه القلب في كا نشاط الأرض إلى السماء.خالصاً من أوشاب الأرض وأوهاق الضرورات،وشهوات النفس،ومواضعات الحياة“.

ومن العبادات ما يكره بسبب البخل كالزكاة،ومنها مايكره لعدّة أسباب مجتمعة كالحج والجهاد مثلاً،كما أن عشرة المؤمنين والإبقاء على الصلة بهم ومودتهم والإغضاء عن هفواتهم وأخطائهم يحتاج للصبر الجميل:{واصبِرْ نَفسكَ مع الذين يَدعُونَ رَبَّهُم بالغَداةِ والعَشِي يُريدونَ وَجهَهُ ولا تَعدُ عيناكَ عنهم}[الكهف28].

يقول سيد قطب رحمه الله:

„واصبر نفسك“ ..لا تمل ولا تستعجل „مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه“…فالله غايتهم،يتجهون إليه بالغداة والعشي،لا يتحولون عنه،ولا يبتغون إلا رضاه.وما يبتغونه أجل وأعلى من كل ما يبتغيه طلاب الحياة.

اصبر نفسك مع هؤلاء.صاحبهم وجالسهم وعلمهم.ففيهم الخير،وعلى مثلهم تقوم الدعوات.فالدعوات لا تقوم على من يعتنقونها لأنها غالبة،ومن يعتنقونها ليقودوا بها الأتباع،ومن يعتنقونها ليحققوا بها الأطماع،وليتجروا بها في سوق الدعوات تشترى منهم وتباع!إنما تقوم الدعوات بهذه القلوب التي تتجه إلى الله خالصة له،لا تبغي جاهاً ولا متاعاً ولا انتفاعاً،إنما تبتغي وجهه وترجو رضاه“.

وقال تعالى:{وجَعَلنا بَعضَكُم لبعضٍ فتنةً أتصبرُونَ وكانَ رَبُّكَ بصيراً}[الفرقان 20]،{فاصبِرْ كما صَبرَ أُولُوا العَزمِ من الرُّسُلِ ولا تَستعجل لهم}[الأحقاف 35].

يقول سيد قطب رحمه الله:

„وكل كلمة في الآية ذات رصيد ضخم،وكل عبارة وراءها عالم من الصور والظلال،والمعاني والإيحاءات،والقضايا والقيم.

„فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل“..توجيه يقال لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي احتمل ما احتمل،وعانى من قومه ما عانى.وهوالذي نشأ يتيماً،وجرد من الولي والحامي ومن كل أسباب الأرض واحداً بعد واحد.الأب.والأم.والجد.والعم.والزوج الوفية الحنون.وخلص لله ولدعوته مجرداً من كل شاغل.كما هو مجرد من كل سند أو ظهير.وهو الذي لقي من أقاربه من المشركين أشد مما لاقى من الأبعدين.وهو الذي خرج مرة ومرة ومرة يستنصر القبائل والأفراد فرد في كل مرة بلا نصرة.وفي بعض المرات باستهزاء السفهاء ورجمهم له بالحجارة حتى تدمى قدماه الطاهرتان،فما يزيد على أن يتوجه إلى ربه بذلك الإبتهال الخاشع النبيل.

وبعد ذلك كله يحتاج إلى توجيه ربه:“فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولاتستعجل لهم“…ألا إنه لطريق شاق،طريق هذه الدعوة.وطريق مرير.حتى لتحتاج نفس كنفس محمد صلى الله عليه وسلم في تجردها وانقطاعها للدعوة،وفي ثباتها وصلابتها،وفي صفائها وشفافيتها.تحتاج إلى التوجيه الرباني بالصبر وعدم الإستعجال على خصوم الدعوة المتعنتين.

نعم.وإن مشقة هذا الطريق لتحتاج إلى مواساة،وإن صعوبته لتحتاج إلى صبر.وإن مرارته لتحتاج إلى جرعة حلوة من رحيق العطف الإلهي المختوم“.

يقول الأستاذ الدكتور محمد لطفي الصباغ رحمه الله:

„إذا كان الصبر خلقاً ضرورياً وصفةً لازمة للداعية،فإنّ مما يزين للمرء التحلي بها والتعود عليها أن يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان القمة الشامخة في هذا الموضوع.

إنّ في سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مثالاً حياً ومثلاً أعلى للصبر البناء المُعَلّم…الصبر الذي لا يبالي بالعقبات ولا بالصعوبات…

لقد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين آمنوا معه التعذيب والتكذيب والأذى،وقاطعه قومهُ مقاطعةً اجتماعيةً واقتصادية،ومكروا في محاربته مكراً كُبّار،وخططوا لقتله والوقوف في وجه دعوته في الليل والنهار،ولاحقوا أتباعه المهاجرين حتى الحبشة…ومع ذلك فقد كان يقابل ذلك بصبر مقترن بالرجاء،صبرٍ على الإعراض وصبرٍ على الإيذاء.

عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم:“هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ من يوم أحد؟قال:“لقد لقيتُ من قومك،وكان أشدُّ مالقيته منهم يوم العقبة،إذ عرضتُ نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت،فانطلقت وأنا مهمومٌ على وجهي،فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب،فرفعت رأسي وإذا أنا بسحابةٍ قد أظلتني،فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام،فناداني فقال:إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك وما ردّوا عليك،وقد بعث إليك ملك الجبال،لتأمره بما شئت فيهم.فناداني ملك الجبال، فسلّم عليَّ ثم قال:يامحمد إن الله قد سمع قول قومك لك،وأنا ملك الجبال،وقد بعثني ربّي إليك لتأمرني بأمرك فما شئت،إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين؟فقال النبي صلى الله عليه وسلم:“بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لايشرك به شيئاً“[متفق عليه]والأخشبان الجبلان المحيطان بمكة.

ومن المعروف في السيرة أنه صلوات الله عليه لما جهر بالدعوة سخرت منه قريش واستهزؤوا به في مجالسهم،فكان إذا مرّ عليهم يقولون:هذا ابن أبي كبشة يُكلّم من السماء…هذا غلام عبد المطلب يكلّم من السماء…لايزيدون على ذلك.

وكان أبوجهل من أشدّ المشركين إيذاءً لرسول الله صلى الله عليه وسلم…قال عبد الله بن مسعود:كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وهو يصلي،فقال أبو جهل:ألا رجلٌ يقوم إلى فرث جذور بني فلان فيلقيه على محمد وهو ساجد؟فقام عقبة بن أبي معيط وجاء بذلك الفرث فألقاه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد،فلم يقدر أحدٌ من المسلمين الذين كانوا في المسجد على إلقائه عنه لضعفهم عن مقاومة عدوهم،ولم يزل عليه السلام جالساً حتى جاءت فاطمة بنته،فأخذت القذر ورمته،فلما قام دعا على من صنع هذا الصّنع القبيح وسمى أقواماً،قال ابن مسعود:فرأيتهم قُتلوا يوم بدر“[رواه البخاري].

واستمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق الدعوة يخطو والأمل يملأ جوانب نفسه الكبيرة…وقد حقق الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ما كان يرجو،فلم يمض وقتٌ طويلٌ حتى ولّى صناديد الشرك…وإذا أبناؤهم وأعقابهم يدخلون في دين الله أفواجاً،وإذا كلمة التوحيد تعمّ جزيرة العرب…ويصبح هذا الرسول الكريم الذي كان قبل حينٍ مُطارداً مهاجراً سيّد الزيرة،جزيرة العرب،ويصبح خلفاؤه بعد زمنٍ يسيرٍ سادة الكون كله“.

وهو أيضاً الصبر على التمسك بالدين في هذا الزمان الفاسد الذي عاد فيه الإسلام غريباً كما بدا غريباً وصار القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر،وأصبح المؤمن فيه عرضة للسخرية والأذى والتشهير والتعذيب والنفي والتشرد وربما القتل.فمن احتمل ذلك كله صبراً واحتساباً كان من الذين قال الله عنهم:{ أولئكَ يُؤتونَ أجرَهُم مَّرَّتينِ بما صَبروا ويدرؤنَ بالحسنةِ السَّيئة ومّما رزقناهم ينفقون}[القصص 54]

الثاني: الصبر عن المعاصي:

فالمعاصي كثيرة وهي مترافقة مع المتعة الرخيصة الموقوتة الآنية،وهي لذيذة على النفس الأمّارة بالسوء،فإن امتنع عنها مع تمكنه منها كان من الصابرين.كصبر الشاب الذي يرى العورات البادية والمتاحة في كل زاوية وفي كل مكان،ونفسه تميل إليها ولكنه يغضّ البصر خوفاً من الله،ويبتعد عنها وعن سبيل اللذّة المحرمة رهبة من الله،ورغبة في ثوابه ومرضاته،وما أحوج العبد في كل زمان ولكن بشكل خاص في هذا الزمان حيث حُفَّت النار بالشهوات وحُفَّت الجنّة بالمكاره إلى الصبر عن محارم الله وعن اللذّات المُحرّمة مع القدرة عليها ـ وما أسهل الحصول عليها في هذا الزمان  ـ وهذا يعتبر من أعظم أنواع الصبر،وله في سيدنا يوسف الكريم بن الكريم بن الكريم رضي الله عنهم أجمعين قدوة وأسوة حسنة.

يقول عمر الفاروق رضي الله عنه:“الصبر صبران:صبر عند المصيبة حسن،وأحسن منه الصبر عن محارم الله“.

ويقول سعيد بن جبير رضي الله عنه:“إن الصبر على الطاعات وعن المحرمات أفضل من الصبرعلى الأقدار المؤلمة،فطوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد غيب لم يره“.

الثالث: الصبر على أقدار الله:

والصبر على أقدار الله هو ما لايدخل تحت الاختيار،كالمصاب في موت الأحبة،أو هلاك الأموال،أو زوال الصحة،وسائر أنواع البلاء.

والصبر على أقدار الله المؤلمة وعدم الجزع واحتساب الثواب عند الله من أعلى المقامات لأن سنده اليقين،وقريب منه الصبر على أذى الناس بترك المكافأت.يقول تعالى:{وإن تصبروا وتتقوا  فإن ذلك من عزم الأمور}[آل عمران 186]،ويقول تعالى:{ولئن صبرتم لهو خير للصابرين}[النحل 126]،ويقول تعالى:{ولَمَنْ صَبرَ وغفَرَ إنَّ ذلكَ لَمِنْ عَزمِ الأمورِ}[الشورى 43].

يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله:يقول تعالى:{واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور}[لقمان17]،ويقول في موضع آخر:{ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور}[الشورى 43].

يقول الشيخ رحمه الله:زادت هنا اللام،والمسلم حين يدقق في معاني القرآن الكريم يجد أن كل حرف في القرآن قد تم وضعه بحكم بالغة.وأنه لاشيء اسمه مترادفات،وإنما لكل لفظ معنى يؤديه،ولا يؤديه اللفظ الآخر رغم التشابه.فإذا دققنا في المعنى نجد مايلي:في الآية الأولى يقول الله سبحانه وتعالى“واصبر على ما أصابك“والأمر الذي يصيب الانسان نوعان:نوع للإنسان فيه غريم،ونوع لا يوجد فيه غريم.عندما أمرض ليس لي غريم،وإذا أصابني مكروه بقضاء وقدر ليس هناك غريم.إنما عندما أسير في الشارع ويعتدي علي إنسان بالضرب،هناك لي غريم.

فهناك نوعان من الصبر:صبر النفس فيما ليس لي منه غريم ،وهذا هين لأنه ليس هناك إنسان أنفعل عليه،ولا أملك أن أردعه من شيء قد حدث لي،ماحدث هو قضاء الله وقدره وأنا ليس لي أمام هذا إلا الصبر،وهذا النوع من الصبر لا يحتاج إلى طاقة كبيرة ليمارسه الإنسان لأنه ليس هناك غريم .والنوع الثاني من الصبر يحتاج إلى جَلَد أكبر،ويحتاج إلى قوة الإرادة،وهذا النوع الذي يوجد فيه غريم أستطيع أن أنتقم منه وأستطيع أن أصفح وأغفر.إذن عندما يتحدث الله سبحانه وتعالى عن الصبر بنوعيه،ويعطي لكل نوع ما يستحقه من وصف للنفس البشرية،فهو عندما يتحدث عن الصبر عن شيء ليس لي فيه غريم يقول:{واصبِرْ على ما أصَابكَ إنَّ ذلكَ من عزمِ الأمور}[لقمان17]،وعندما يتحدث عن الصبر الذي لي فيه غريم يقول:{ولَمَن صبرَ وغَفرَ إنَّ ذلكَ لَمِنْ عزمِ الأمور}[الشورى43]وهنا تأتي اللام للتأكيد،حيث يحتاج الصبر إلى جلد وضبط للنفس“.

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله:“مشقة الصبر بحسب قوة الداعي إلى الفعل وسهولته على العبد،فإذا اجتمع في الفعل هذان الأمران،كان الصبر عنه أشقَّ شيء على الصابر،وإن فقدا معاً سهل الصبر عنه،وإن وجد أحدهما وفقد الآخر،سَهُل الصبر من وجه،وصعُب من وجه،فمن لاداعي له إلى القتل والسرقة وشرب المسكر وأنواع الفواحش،ولا هوسهلٌ عليه،فصبره عنه من أيسر شيء عليه وأسهله،ومن اشتدَّ داعيه إلى ذلك وسهل عليه فعله،فصبره عنه أشق شيء عليه،ولهذا كان صبر السلطان عن الظلم،وصبر الشباب عن الفاحشة،وصبر الغني عن تناول اللذات والشهوات عند الله بمكان.

ولذلك استحق السبعة المذكورون في الحديث أن يظلهم الله في ظل عرشه،لكمال صبرهم ومشقته“.[عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين}

ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله:“مراتب الناس في المقدور ثلاثة:الرضا وهو أعلاها،والسخط وهو أسفلها،والصبر عليه بدون الرضا وهو أوسطها،فالأول للمقربين السابقين،والثالثة للمقتصدين،والثانية للظالمين“.

آداب الصبر:

إن للصبر آداباً على الإنسان المؤمن الصابر أن يتحلّى بها ليكون صبره الصبر الجميل الحسن،وليحظى بثواب الله وفضله. فمن آداب الصبر:

1 ـ استعماله في أول الصدمة:

جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال: مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة تبكي عند قبر،فقال:اتقي الله واصبري.فقالت:إليك عني،فإنك لم تُصَب بمصيبتي ـ ولم تعرفه ـ فقيل لها:إنه النبي صلى الله عليه وسلم،فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين،فقالت:لم أعرفك.فقال:إنما الصبر عند الصدمة الأولى“.

فالصبر الذي يُحمد عليه صاحبه ما كان عند مفاجأة المصيبة،بخلاف ما بعد ذلك فإنه على الأيام يُنسى.

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله(عدة الصابرين):

„فإنّ مفاجئات المصيبة بغتة لها روعة تزلزل القلب،وتزعجه بصدمها،فإن صبر الصدمة الأولى انكسر حدها،وضعفت قوتها،فهان عليه استدامة الصبر،وأيضاً فإن المصيبة ترد على القلب وهو غير موطن لها فتزعجه،وهي الصدمة الأولى،وأما إذا وردت عليه بعد ذلك توطّن لها،وعلم أنه لابد منها فيصير صبره شبيه الاضطرار“.

وكذلك لا بد من الثبات على الصبر فهو أشدّ من الصبر نفسه،وإن الرضى بالحرمان أشدّ من الحرمان نفسه،وما كل صابر ثابت ،ولا كل محروم راض،ولا كل نائحة ثكلى،ولا كل عبوس حزين.

2 ـ الاسترجاع عند المصيبة:

وهو أن يقول“إنا لله وإنا إليه راجعون“ وذلك استناداً لقوله تعالى:{وبشر الصابرين* الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون}[البقرة 155 ـ 156]وما أروع هذا التسليم،لله تعالى وحده التسليم المطلق،تسليم الألتجاء الأخير المنبثق من الالتقاء وجهاً لوجه بالحقيقة وبالتصور الصحيح.

يقول سيد قطب رحمه الله:

„إنا لله..كلنا..كل ما فينا..كل كياننا وذاتينا…لله..وإليه المرجع والمآب في كل أمر وفي كل مصير…التسليم…التسليم المطلق…تسليم الالتجاء الأخير المنبثق من الالتقاء وجهاً لوجه بالحقيقة الوحيدة،وبالتصور الصحيح“.

روى الإمام أحمد رضي الله عنه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت أتاني أبو سلمة يوماً من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً سررت به“ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله:إنا لله وإنا إليه راجعون . اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها إلا أجره الله في مصيبته وأخلف الله له خيراً منها“[رواه مسلم]

وحين توفي خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وقفت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها على قبره فقالت:“نضَر الله وجهك يا أبت،وشكر الله صالح سعيك.فلقد كنت للدنيا مُذلاً بإدبارك عنها،وللآخرة مُعزاً بإقبالك عليها.ولئن كان أجَلّ الحوادث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم رزؤك،وأعظم المصائب بعده فقدك إن كتاب الله ليعد بحسن الصبرعنك حسن العوض منك.و أنا أستنجز موعود الله فيك بالصبر،واستقضيه بالاستغفار لك.أما لئن قاموا بأمر الدنيا لقد قمت بأمر الدين كما وهن شعبه(أي ضعف جمعه) وتفاقم صدعه،ورجفت جوانبه.فعليك سلام الله توديع غير قالية(كارهة) لحياتك،ولا زارية(لائمة) على القضاء فيك“.[العقد الفريد والبيان والتبيين للجاحظ]

3 ـ حمدُ الله والاستسلام لقضائه:

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه الترمذي“إذا مات ولد العبد قال الله  عزّ وجلّ لملائكته قبضتم ولدَ عبدي ؟فيقولون:نعم.فيقول:قبضتم ثمرة فؤاده؟فيقولون:نعم.فيقول:ماذا قال عبدي؟فيقولون:حمدك واسترجع.فيقول:ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد“.[رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه وأخرجه الترمذي وقال إسناده صحيح]

كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى أحد عماله بعد أن عزّاه في موت ابنه:

بسم الله الرحمن الرحيم.أما بعد.فإن هذا الأمر قد وطنّا أنفسنا عليه.فلما نزل لم نُنكره.والسلام.

يقول شريح القاضي:“إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها لأربعة وجوه:أحمده إذ لم تكن أعظم مما هي،وأحمده إذ رزقني الصبر عليها،وأحمده إذ وفقني للاسترجاع على ما أرجو فيه الثواب،وأحمده إذ لم يجعلها في ديني“.

4 ـ سكون الجوارح واللسان:

فلا يجوز شق الجيوب ولطم الخدود وتجاوز القول باللسان.

جاء في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:“ليس منّا من ضربَ الخدودَ،أو شقّ الجيوبَ،أو دعا بدعوى الجاهلية“.[رواه عبد الله بن مسعود وأخرجه مسلم]

وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“أنا بريء من الصالقة والحالقة والشاقة“.

(الصالقة:التي ترفع صوتها عند المصيبة،الحالقة:التي تحلق شعرها عند المصيبة،الشاقة:التي تشقّ ثوبها عند المصيبة).

ولقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دخل على امرأة مريضة فوجدها تلعن الداء وتسبُّ الحمى،فكره هذا المسلك وقال لها مواسياً:إنها ـ أي الحمى ـ تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد[رواه مسلم].

وعن أسامة بن زيد قال: أرسلت ابنة النبي صلى الله عليه وسلم أن ابناً لي قُبض فأتنا،فأرسل يقريء السلام ويقول:“ إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل عنده بأجل مسمى،فلتصبر ولتحتسب„،فأرسلت إليه تُقسم عليه أن ليأتينها،فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال،فرُفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونفسه تتقعقع ـ قال أي الراوي ـ حسبت أنه قال أي أسامة ـ كأنها شَن ففاضت عيناه،فقال سعد يا رسول الله ما هذا؟قال: „هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده،فإنما يرحم الله من عباده الرحماء„[أخرجه البخاري] وفي هذا ما يدل على جواز البكاء ولكن بدون أن تصدر عن المحزون أصوات وصراخ.

يقول الأستاذ العقاد (عبقرية محمد) معقباً على هذه الحادثة:“ماهذا يا رسول الله؟

هذا رسول الله في أصدق ماتكون عليه رسالة الرسل:في الرحمة،وفي الآصرة الإنسانية،وغير هذا لن يكون“.

وكذلك بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موت ولده إبراهيم(من ماريا القبطية)وقال:“إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا مايرضي ربنا وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون“.

يقول الأستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله(عبقرية محمد):

„مات الطفل ولما يدرك السنتين.مصاب صغير إن كانت المصائب تقاس بسنوات المفقودين.ولكن المصائب في الأعزاء إنما تقاس بمبلغ عطفنا عليهم،والصغير أحوج إلى العطف من الكبير المستقل بشأنه.إنما تقاس آلام المفقودين بأعمار الفاقدين،وأي مصاب أفدح من مصاب الستين وما بعدها في الأمل الوحيد الواصل بينها وبين الزمان ماضيه وآتيه؟

ما تخيلت محمداً(صلى الله عليه وسلم)في موقف أدنى إلى القلوب الإنسانية من موقفه على قبر الوليد الصغير ذارف العينين مكظوم الوجد،ضارعاً إلى الله…نفس قد نفثت الرجاء في نفوس الألوف بعد الألوف،وهي في ذلك الموقف قد انقطع لها رجاء عزيز:رجاء واسفاه لا يحييه كل ما ينفثه المصلح في الدنيا من رجاء.

ويتابع العقاد:“وفضل النبي في نبوته وفي أبوته أنه حزن وبكى،وتلك هي الصلة بينه وبين قلب الإنسان ،وبينه وبين الناس،وأي نبي تنقطع بينه وبين القلب الإنساني صلة كهذه الصلة التي تجمع أشتات القلوب؟“.

ويتابع العقاد:“وصرخ أسامة حين بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:“البكاء من الرحمة والصراخ من الشيطان“.حزن كما ينبغي له أن يحزن..أما الحزن الذي لا ينبغي له فهو الصراخ الذي نهى عنه“.

5 ـ عدم ظهور المَصاب على المُصاب:

قال ثابت البناني:مات عبدالله بن مطرف،فخرج مطرف على قومه في ثياب حسنة وقد ادّهن فغضبوا وقالوا يموت عبد الله ثم تخرج في ثياب من هذه مدهناً؟قال:افا أستكين لها وقد وعدني ربي تبارك وتعالى ثلاث خصال وكل خصلة منها أحبّ إليَّ من الدنيا وما فيها. قال تعالى:{وبشر الصابرين *الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون *أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون}.[البقرة 155 ـ 157]

وكان صلة بن أشيم في مغزىً له ومعه ابنه فقال أي بني تقدّم فقاتل حتى احتسبك،فحمل فقاتل حتى قَتل ثم تقدّم فَقُتل.فاجتمع النساء عند أمه معاذة العدوية فقالت:مرحباً إن كنتن جئتن تهنئنني،وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن“.

يقول سعيد بن جبير رحمه الله:الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب منه،واحتسابه عند الله رجاء ثوابه،وقد يجزع الرجل وهو متجلد لا يرى منه إلا الصبر“.

وقال ابن عطاء الله السكندري:الصبر الوقوف مع البلاء بحسن الأدب.

وقال ذو النون المصري:“الصبر التباعد عن المخالفات،والسكون عند تجرع غصص البلية“.

6 ـ كتمُ المَصاب:

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:“إذا مرض العبد بعث الله إليه ملكين فقال: انظروا ما يقوله لعوّاده؟فإن هو حمد الله تعالى إذا دخلوا عليه رفعوا ذلك إلى الله تعالى وهو أعلم ،فيقول لعبدي :إن أنا توفيته أن أدخله الجنة،وإن أنا شفيته أن أبدله لحماً خيراً من لحمه، ودماً خيراً من دمه،وأن أكفر عنه سيئاته„.[رواه مالك في الموطأ،والمنذري في الترغيب، حديث ضعيف]

والصبر هو حبس النفس عن المكروه،والصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه ولامعه،والشكوى لا تنافي الصبر كما قال يعقوب عليه السلام{قالَ إنّما أشكُو بَثِّي وحُزني إلى الله}[يوسف86]،وكذلك أيوب عليه السلام:{وأيُّوبَ إذ نادى رَبَّهُ أنّي مَسَّنيَ الضُّرَّ وأنتَ أرحمُ الرَّاحمينَ}[الأنبياء 83]وإنما يُنافي الصبر شكوى الله لا الشكوى إلى الله.

قال أبو العباس محمد بن أحمد بن الصلت سمعت عبد الرحمن المتطبب يقول دخلت على أحمد بن حنبل أعوده،فقلت كيف تجدك؟فقال:أحمد الله إليك.أنا بعين الله.ثم دخلت على بشر بن الحارث فقلت كيف تجدك؟ فقال أحمد الله إليك.أجد كذا ،أجد كذا.فقلت أما تخشى أن يكون هذا شكوى؟فقال:حدثنا المعافى ابن عمران عن شعبان عن سعد عن منصور عن ابراهيم عن علقمة الأسود قال سمعنا عبد الله بن مسعود يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“إذا كان الشكر قبل الشكوى فليس بشاك„.فدخلت على أحمد بن حنبل فحدثته فكان إذا سألته قال أحمد الله إليك.أجد كذا وكذا“.

7 ـ الاحتساب:

أي احتساب الثواب عند الله تعالى.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:“حسبنا الله ونعم الوكيل قالها ابراهيم عليه السلام حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا:{إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل“[رواه البخاري]

يروى أن عروة ابن الزبير بن العوام رضي الله عنهما وهو أحد فقهاء المدينة السبعة،شكا مرضاً في رجله فكان لابد من قطعها،وعرضوا عليه الخمر ليسكروه،فلا يحس بألم القطع،فقال لا أستعين على قدر الله بمعصية الله،فأرادوا أن يشربوه المرقد(البنج)فقال لا،فإني لا أحب أن أُسلب عضواً من أعضائي وأنا لا أجد ألم ذلك لاحتسبه عند الله.قالوا فكيف نفعل بك إذاً؟قال:دعوني أصلي.فإذا قمت للصلاة فشأنكم وما تريدون.(وقد كان رحمه الله إذا قام يصلي سهى عن كل ما حوله وتعلق قلبه بالله تعالى).وبالفعل قام يصلي وتركوه حتى سجد،فكشفوا عن ساقه وقطعوا اللحم حتى وصلوا للعظم،ثم أخذوا المنشار ونشروا العظم،حتى قطعوا الساق كاملة وهو ساكن مطمئن بصلاته لم يحرك ساكناً..وأرادوا إيقاف نزيف الدم فسكبوا على الجرح الزيت المغلي،وعنده فقط لم يحتمل حرارة الزيت فأغمي عليه.وفي هذه الأثناء أتى الخبر من خارج القصر أن ابن عروة بن الزبير كان يتفرج على خيول الخليفة في الاسطبل،وقد رفسه أحد الخيول فوقع ميتاً.فذهب الخليفة(الوليد بن عبد الملك) إلى عروة بن الزبير بعد أن أفاق،وقال:أحسن الله عزاءك في رجلك.فقال عروة:اللهم لك الحمد وإنا لله وإنا إليه راجعون.قال الخليفة:وأحسن الله عزاءك في ابنك.فقال عروة:اللهم لك الحمد وإنا إليه راجعون،أعطاني سبعة أبناء وأخذ واحداً،وأعطاني أربعة أطراف وأخذ واحداً،إن ابتلى فطالما عافى،وإن أخذ فطالما أعطى،وإني أسأل الله أن يجمعني بهما في الجنة.

وروي أن عبد الملك بن الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لما مات دفنه عمر ثم استوى قائماً فأحاط به الناس فقال: رحمك الله يا بني،قد كنت براً بأبيك،والله مازلت منذ وهبك الله لي مسروراً بك،ولا والله ما كنت قطّ أشدَ بك سروراً ولا أرجى بحظي من الله تعالى فيك منذ وضعتك في هذا المنزل الذي صيّرك الله إليه.فغفر الله ذنبك،وجزاك بأحسن عملك،وتجاوز عن سيئتك،ورحم الله كل شافع يشفع لك بخير من شاهد أو غائب.رضينا بقضاء الله وسلمنا لأمره،فالحمد لله رب العالمين ثم انصرف(البيان والتبيين للجاحظ).

ولما أقبلت صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لتنظر إلى شقيقها حمزة رضي الله عنه يوم استشهد في أحد أمر النبي صلى الله عليه وسلم ابنها الزبير بن العوام أن يلقاها فيرجعها حتى لا ترى ما بأخيها،فلقيها وقال لها يا أمة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعي.قالت ولم وقد بلغني أنه مُثّل بأخي وذلك من الله،فما أرضانا بما كان من ذلك لاحتسبن ولأصبرن إن شاء الله.فلما جاء الزبير إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأخبره بما قالت قال له خلِّ سبيلها.فأتته  ونظرت إليه ثم صلت عليه واسترجعت واستغفرت له.

وانظر معي إلى كاتب من أحسن كتاب القرن العشرين وصاحب مجلة الرسالة وكيف توجه إلى الله محتسباً مؤمناً صابراً بعد أن فقد ولده .يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله في مقال بعنوان“ولدي“نشر في السادس من نيسان عام 1936(وحي الرسالة ج1 ص310):

„يا قارئي أنت صديقي فدعني أرق على يديك هذه العبرات الباقية!هذا ولدي كما ترى،رزقته على حال عابسة كاليأس،وكهولة يائسة كالهرم،وحياة باردة كالموت،فأشرق في نفسي إشراق الأمل،وأورق في عودي إيراق الربيع،وولد في حياتي العقيمة معاني الجدة والاستمرار والخلود!

كنت في طريق الحياة كالشارد الهيمان،أنشد الراحة ولا أجد الظل،وأفيض المحبة ولا أجد الحبيب،وألبس الناس ولا أجد الأنس،وأكسب المال ولا أجد السعادة،وأعالج العيش ولا أدرك الغاية.كنت كالصوت الأصم لا يرجعه صدى،وكالروح الحائر لا يقرُّه هدى،وكالمعنى المبهم لايحدده خاطر.كنت كالآلة نتجتها آلة واستهلكها عمل،فهي تخدم غيرها بالتسخير،وتميت نفسها بالدءوب،ولا تحفظ نوعها بالولادة.فكان يصلني بالماضي أبي،ويمسكني بالحاضر أجلي،ثم لا يربطني بالمستقبل رابط من أمل أو ولد.فلما جاء(رجاء)وجدتني أولد فيه من جديد.فأنا أنظر إلى الدنيا بعين الخيال،وأبسم إلى الوجود بثغر الأطفال،وأضطرب في الحياة اضطراب الحي الكامل،يدفعه من ورائه طمع،ويجذبه من أمامه طموح!شعرت بالدم الحار يتدفق نشيطاً في جسمي،وبالأمل القوي ينبعث جديداً في نفسي،وبالمرح الفتي يضج لاهياً في حياتي،وبالعيش الكئيب تتراقص على حواشيه عرائس المنى!فأنا ألعب مع رجاء بلعبه،وأتحدث إلى رجاء بلغته،وأتبع عقلي هوى رجاء فأدخل معه في كل ملهى دخول البراءة،وأطير به في كل روض طيران الفراشة.ثم لم يعد العمل الذي أعمله جديراً بعزمي،ولا الجهد الذي أبذله كفاء لغايتي،فضاعفت السعي،وتجاهلت النَصَب،وتناسيت المرض،وطلبت النجاح في كل وجه!ذلك لأن الصبي الذكي الجميل أطال حياتي بحياته،ووسع وجودي بوجوده،فكان عمري يغوص في طوايا العدم قليلاً ليمد عمره بالبقاء،كما يغوص أصل الشجرة في الأرض ليمد فروعها بالغذاء.

شغل رجاء فراغي كله،وملأ وجودي كله.حتى أصبح هو شغلي ووجودي!فهو صغيراً أنانوأنا كبيراً هو.ياكل فأشبع،ويشرب فأرتوي،وينام فأستريح،ويحلم فتسبح روحي وروحه في إشراق سماوي من الغبطة لا يوصف ولايحد.

ماهذا الضياء الذي يشع في نظراتي؟ماهذا الرجاء الذي يشيع في بسماتي؟ما هذا الرضا الذي يغمر نفسي؟ماهذا النعيم الذي يملأ شعوري؟ذلك كله انعكاس حياة على حياة،وتدفق روح في روح،وتأثير ولد في والد؟

ثم انقضت تلك السنون الأربع،فصوَّحت الواحة وأوحش القفر،وانطفأت الومضة وأغطش الليل،وتبدّد الحلم وتجّهم الواقع،وأخفق الطب ومات رجاء!

يا جبار السموات والأرض رُحماك!أفي مثل خفقة الوسنان تُبدَّل الدنيا غير الدنيا،فيعود النعيم شقاء والملاء خلاء والأمل ذكرى؟أفي مثل تحية العجلان يصمت الروض الغرد،ويسكن البيت اللاعب،ويقبح الوجود المجيل؟

حنانيك يا لطيف!ماهذا اللهيب الغريب الذي يهب على غشاء الصدر ومزاق البطن فيرمض الحشا ويذيب لفائف القلب؟اللهم هذا القضاء فأين اللطف؟وهذا البلاء فأين الصبر؟وهذا العدل فأين الرحمة؟

إن قلبي ينزف من عيني عبرات بعضها صامت وبعضها معول!فهل لبيان الدمع ترجمان،ولعويل الثاكل ألحان؟إن اللغة كون محدود فهل تترجم اللانهاية!وإن الآلة عصب مكدود فهل تعزف الضرم الواري؟إن من يعرف حالي قبل رجاء وحالي معه يعرف حالي بعده!أشهد لقد جزعت عليه جزعاً لم يغن فيه عزاء ولا عظة!كنت أنفر ممن يعزيني عنه لأنه يهينه،وأسكن إلى من يباكيني عليه لأنه يُكبره،وأستريح إلى النادبات يندبن القلب الذي مات والأمل الذي فات والملك الذي رُفع؟

لم يكن رجاء طفلاً عادياً حتى أملك الصبر عنه وأطيع السلوان فيه.إنما كان صورة الخيال الشاعر ورغبة القلب المشوق!كان وهو في سنه التي تراها في صورته يعرف أوضاع الأدب،ويدرك أسرار الجمال،ويفهم شؤون الأسرة،ويؤلف لي(الحواديت)كلما ضمني وإياه مجلس السمر!كان يجعل نفسه دائماً بطل(الحدوتة)فهو يصرع الأسود التي هاجمت الناس من حديقة الحيوانات،ويدفع(العساكر)عن التلاميذ في أيام المظاهرات،ويجمع مساكين الحي في فناء الدار ليوزع عليهم ماصاده ببندقيته الصغيرة من مختلف الطير!

والهف نفسي عليه يوم تسلل إليه الحِمام الراصد في وعكة قال الطبيب الغفلان إنها(البرد)،وقال القدر اليقظان بعد ثلاثة أيام إنها(الدفتريا)!لقد عبث الداء الوبيل بجسمه النضر كما تعبث الريح السّموم بالزهرة الغضة!ولكن ذكاءه وجماله ولطفه لم تبرح قوية ناصعة،تصارع العدم بحيوية الطفولة،وتحاجُّ القدر في حكمة الحياة والموت!

والهف نفسي عليه ساعة أخذته غصّة الموت،وأدركته شهقة الروح،فصاح بملء فمه الجميل :(بابا!بابا!)كأنما ظن أباه يدفع عنه مالايدفع عن نفسه!

لنا الله من قبلك ومن بعدك يارجاء،وللذين تطولوا بالمواساة فيك السلامة والبقاء!“.

هذا عزاء وصبر من قُبض ابنه وقرّة عينه،وحبّة قلبه،جعل الله مثواهما جميعاً في الجنة.

يعزي الكاتب العظيم أحمد أمين الزيات في ابنه رجاء قائلاً له(الرسالة العدد142):

„سعيت أمس لعزائك،في (رجائي)و(رجائك)،فرأيتك واجماً ساهماً،مولهاً مدلهاً،فانعقد لساني،وتخلف ذهني،وفاض دمعي.

وكيف أستطيع عزاءك وما استطعت أن أعزي نفسي؟أو كيف أستطيع أن أخفف مابك وما استطعت أن أخفف حزني؟

رأيت بك كمداً باطناً،وحزناً مكتمناً،فعلمت أنك تتجرع غصص الهم،وتختزن برحاء الكرب،فتمنيت أن تخفف عنك بصرخة،وتنفس عن نفسك بدمعة،ولكن عزّ الصبر،وعزّ الدمع،فما هي إلا زفرات تذيب لفائف القلوب وتنفطر لها المرائر.

وارحمتاه لك! لقد كان (رجاء)قبلة رجائك،ومعقد آمالك،وحديث أحلامك،وملء سمعك وبصرك،تشوفته حياتك،وترقبته مطلع شابك،حتى جاد به الزمان البخيل،فربطت أسبابك باسبابه،وتعلقت بأهدابه ،فلما شمت مخايله،ورقبت منه النجح،عدا عليه الدهر الذي لا يرعى ميثاقاً،ولا يثبت على عهد،فأخلف ظنّك ،ونقض أملك،فإذا الدنيا أضغاث أحلام،ووساوس أطماع.

ولكن يا أخي ـ ما الجزع مما لابد منه،وما الهلع مما قُدر،ومثلك من يعرف مقدار الحياة وهوانها،أفليست إلا مرسحاً تمثل عليه أدوار مختلفة،مرة مهزلة،ومة مأساة،ونحن في حين ممثلون،وفي حين ناظرون.وليس لنا أن نبالغ في الالم،ونغلو في الجزع لانفقد كان يكون لذلك وجه من الحق لو ذهب من ذهب أبداً،وعشنا بعده أبداًن،نما الأمر دور يعقب دوراً، ولا حق منا إثر سابق،وإنا لله وإنا إليه راجعون.