الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

إنّما يُوفَّى الصابرونَ أجرهُم (1/3)

بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّما يُوَفَّى الصَّابرونَ أجرَهُم بغيرِ حساب

الحمد لله الذي عَنت لسلطانهِ الوجوه،وسجد له مافي السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال،ونشكره على ما أولانا من فضل هو محضّ العطاء والنعماء،ونعوذ به من شرِّ كلِّ ذي شر،ونسألهُ إخلاصاً في الدين الذي ارتضاه لنا،وثباتاً على الحقِّ الذي أوصانا به،واستقامة على الطريق في الدنيا الذي هو مقدمة الثبات على الصراط المستقيم في الآخرة.

اللهم صلِّ وسلم ما اختلف الليل والنهارعلى عبدك وحبيبك ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم،سيّد البشر،ومُعلّم الناس الخير،الذي اصطفيته من خلقك واجتبيته من رسلك،وابتعثته في هذه الأمة خاتماً للنبين،ورحمة للعالمين،فأنقذتنا به من الهلكة،ودللتنا ببيانه على مواطن الهدى،وجنبتنا مزالق الردى،حتى تكّشفت المعالم،ووضح الصبح لكلِّ ذي عينين،وأخرجتنا بهديه من الظلمات إلى النور.

وبعد،فلقد ذكر الله عز وجلّ الصبر في كتابه العزيز في نحو بضع وتسعين موضعاً كما يقول الإمام أحمد رضي الله عنه(عدة الصابرين لإبن القيم رحمه الله)،وأضاف إليه أكثر الخيرات وأعظم الدرجات،وجعلها ثمرة له ولمن اتصف به.

فما هو الصبر؟وما هي حكمته؟وفضله؟ولماذا حضّ الله ورسوله في أكثر من آية وحديث على التحلي به والاستعانة عليه ؟

تعريف الصبر:

الصبر لغةً:

هو الحَبس والمنع،يقال:قتل الصبر:وهو أن يُحبس الرجل حتى يُقتل،وهو الإمساك في ضيق.يُقال:صَبَرتُ الدابة:أي حبستها بلا علف،وصَبَرت فلانا:أي خلفته خِلفةً لا خروج له منها.وسمي الصوم صبرا،لما فيه من حبس النفس عن الطعام والشراب والنكاح.

ويقول الزبيدي صاحب كتاب تاج العروس عن الصبر: هو حبس النفس عن الجزع وحبس اللسان عن الشكوى وحبس الجوارح عن التشويش،فلا تجزع عندما تصيبك مصيبة،والجزع هو شدة الإنهيار الذي يؤدي بصاحبه إلى تصرفات غير محمودة كالصراخ واللطم والعويل،وشقّ الثياب والتلفظ بالكلمات النابية.

وجاء في معجم الصحاح للجوهري ولسان العرب لإبن منظور:الصبر نقيض الجزع،صبر يصبر صبراً فهو صابر وصبّار وصَبير وصبور والأنثى صبور أيضاً بغير هاء وجمعه صُبُر.وأصل الصبر الحبس وكل من حبس شيئاً فقد صَبَره،والصبر حبس النفس عن الجزع.

والصبر شرعاً:

هو حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع،أو عما يقتضيان حبسهما عنه(الراغب الأصفهاني في المفردات).

وفي تعريف آخر:هو حبس النفس عن محارم الله،وحبسها على فرائضه،وحبسها عن التسخط والشكاية لأقداره(رسالة لابن القيم رحمه الله).

والصبر لفظ عام،وربما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه،فإن كان حبس النفس لمصيبة سُمي صبراً ويُضاده الجزع،وإن كان في قتال سُمي شجاعة ويضاده الجبن،وإن كان في نائبة مضجرة سُمي رحابة الصدر ويضاده الضجر،وإن كان في إمساك الكلام أو اخفاء سر سُمي الكتمان ويضاده الافشاء،وإن كان في كظم الغيظ سمي حلماُ ويضاده التذمر،وإن كان في فضول العيش سمي زهداً ويضاده الحرص،وإن كان صبراً على قدرٍ يسير من الحظوظ سُمي قناعة ويضاده الشره،وإن كان صبراً على شهوتي البطن والفرج سمي عفة.

فمما ذكرنا يتبين لنا أن أكثر أخلاق الإيمان داخلة في الصبر،وإن اختلفت الأسماء باختلاف المتعلقات.

والمصابرة:

على وزن مفاعلة هي مقاومة ومغالبة الخصم في ميدان الصبر،والتفوق عليه بأن تكون أطول صبراً منه، يقول تعالى:{يا أيُّها الذينَ آمنُوا اصبِروا وصَابروا ورابِطوا واتَّقوا اللهَ لعلَّكُم تفلحون}[آل عمران200].

يقول سيد قطب رحمه الله:

والصبر هو زاد الطريق في هذه الدعوة.إنه طريق طويل شاق،حافل بالعقبات والأشواك،مفروش بالدماء والأشلاء،وبالإيذاء والابتلاء….

والمصابرة..وهي مفاعلة من الصبر..مصابرة هذه المشاعر كلها،ومصابرة الأعداء الذين يحاولون جاهدين أن يفلوا من صبر المؤمنين..مصابرتها ومصابرتهم،فلا ينفد صبر المؤمنين على طول المجاهدة.بل يظلون أصبر من أعدائهم وأقوى:أعدائهم من كوامن الصدور،وأعدائهم من شرار الناس سواء“.

والصبور: القادر على الصبر.

والصّبار: يقال لمن كان فيه ضرب من التكلف والمجاهدة{إنّ في ذلك لآيات لكلِّ صبارٍ شكور}[لقمان 31]

والتَصبر: تكلف الصبر.أي حبس النفس بتكلف وتمرين وتجرع للمرارة.وفي الحديث الشريف„ومن يتصبّر يصبّره الله“[رواه البخاري]،أي يطلب توفيق الصبر من الله تعالى،أي يأمر نفسه بالصبر ويتكلف في التحمل عن مشاقه.

والاصطبار:هو أبلغ من التصبر،فهو افتعال للصبر بمنزلة الاكتساب،فالتصبر مبدأ الاصطبار فلا يزال الصبر يتكرر حتى يصير اصطباراً.قال تعالى:{فاعبده واصطبر لعبادته}[مريم 65]وقال تعالى:{وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها}[طه 132]

ماهو الصبر؟:

يقول الدكتور عبد الوهاب عزام رحمه الله(مجلة الرسالة العدد387):

„الصبرخلق يعصم النفس من اليأس إذا طال بها الطريق إلى غاياتها،ويمنعها من الارتداد إذا سدّت العقبات سبيلها،ويكبر بها عن الجزع إذا نزلت بها من أحداث الزمان نازلة.

في الحياة أعمال شاقة لا يستطيع الاضطلاع بها إلا الصابرون،وفيها غايات بعيدة لا يبلغها إلا من صبر على مشقة الطريق وبعد المدى.

والأخلاق الفاضلة تنأى بصاحبها عن شهواته،وتعلو به عن سفاسفه،وتكبر به على الهوان،وتسوم النفس ضروباً من الصدود عن الهوى،والعفاف عن الشهوة،ولا يتخلق بهذه الأخلاق إلا أهل الصبر.وفي الحياة عقائد حق ومذاهب خيّرة ينفر منها الناس أول عهدهم بها،وينال الدعاة إليها السخرية والأذى وآلام في النفس والنقص في المال.فلولا الصابرون مادعا إلى هذه العقائد داع،ولاذهب هذه المذاهب أحد.

الصبر توطين النفس على المشاق والمكاره،والإباء على الخطوب،والإستكبار عن الخنوع للمصائب،والثبات في الموقف الضنك،والمقام الهائل،أو المسير إلى الغاية المخوفة حتى يستوفي العمل أطواره،ويبلغ نهايته،ويُنجح الطلب،ويحمد الدأب.

والصابرون رواسي الامم كلما زلزلتها الخطوب،وسكينتها إذا طارت من الذعر القلوب.إذا طاشت الأحلام في مآزق الحرب صبروا حتى يتبلج النصر،وإذا خارت العزائم في معارك الحياة دأبوا حتى يشرق الحق.والصابرون قادة الأمم إلى الحق والخير والظفر يسلكون إليها الأهوال حين ينكص غيرهم فزعاً،ويستقيمون على الطريق حين يحيد غيرهم بأساً،ويواصلون المسير حين يقف مَن سواهم عجزاً،ويحتملون المكاره حين تنوء بكل عاجز،ويبسمون للمصائب حين تزلزل كل رعديد.

هم الذين يصلون مبادىء الأعمال بغاياتها،ومقدماتها بنتائجها،وإن شق العمل وطال الطريق.

هم الذين ينصرون كل دعوة إلى الحق،وكل مذهب في الخير وإن عظم ما يلقاهم من المحن،وما يعترضهم من المكاره.

والصبر هو تجلي النفس الإنسانية في أكمل صفاتها وأشرف درجاتها،تجلي النفس الإنسانية في عظمتها تعتز بقواها،وتستكبر على الأحداث،ولا تبالي الغضب والعنت،ولاتخشى الهلاك حتى تبلغ دعوتها واضحة وتؤدي واجبها كاملاً.

ولست أعرف فضيلة أكدّ القرآن الدعوة إليها توكيده الدعوة إلى الصبر،إذ كان عماد كل نجاح،وقوام كل جهاد،ونظام كل عمل صالح،وقرين كل خلق فاضل.

الصبر في القرآن قرين الحقّ لأن الحق لا ينصر إلا بالصبر. قال تعالى:{والعَصرِ* إنَّ الإنسانَ في خُسرٍ* إلا الذينَ آمنُوا وعَملوا الصَّالحاتِ وتواصَوا بالحَقِّ وتَواصَوا بالصَّبرِ}[العصر 1 ـ 3].

والصبر قرين العمل الصالح إلا صبر النفس عما يزيّن لها من الشهوات،وإقامتها على منهاج الفضيلة الذي يحرمها كثيراً مما تودّ.يقول تعالى:{إلّا الذينَ صَبروا وعَملوا الصَّالحاتِ أولئكَ لهم مَغفرةٌ وأجرٌ كبيرٌ}.[هود11]

وقد جعل القرآن الكريم الصبر وسيلة إلى الإمامة والهداية فمن لم يصبر لم يقوم نفسه،ولم يستطع الدعوة إلى الحق والمسير إليه والجهاد في سبيله,قال تعالى:{وجَعلناهُمْ أئِمَّةً يَهدُونَ بأمرنَا لما صَبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}.[السجدة 24].

وقد أعلى درجة الصابرين وأبان فضل الصبر أعظم إبانة إذ قال:{واصبرُوا إنَّ اللهَ معَ الصَّابرين}[الأنفال 46]وحسبك بمن كان الله تعالى معه يسدد قوله وعمله وينصره،قد ذللت له كل الصعاب وضمن له كل ظفر.إن الله مع الصابرين لأنهم بصبرهم يستجيبون لدعوة الله ويسيرون في سبيله على قوانينه حتى يبلغوا ماوعدهم به،ومن سار في سبيل الله إلى دعوة الله فأحرِ به أن يوقن بالنجاح وأحرِ به أن ينال النجاح غير منقوص.

وجعل القرآن الصبر وسيلة إلى إدراك آيات الله في خلقه.وهل كشف الباحثون عن الحقائق إلا بالصبر على الطلب والدأب في البحث؟قال القرآن في أكثر من آية:{إنَّ في ذلكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكورٍ}.[لقمان 31]

وبين القرآن أن الصبر عُدّة المؤمنين في جهادهم في هذه الحياة إذ يقول:{يا أيُّها الذينَ آمنوا استعينُوا بالصَّبرِ والصَّلاةِ إنَّ اللهَ مع الصَّابرين}[البقرة 153]أمرهم أن يفزعوا إلى الله فيما ينوبهم من النوائب،فيتوجهوا إليه بالصلاة ويصبروا به على المكروه.ونِعمَ هذان عوناً على كل خير.

كما جعل الصبر في آخر درجات الفضائل حين عددها في آية البر فقال:{ليسَ البِرَّ أن تُوَلُّوا وجُوهَكُم قِبَلَ المَشرقِ والمَغرِبِ ولكِنَّ البِرَّ من آمنَ بالله واليومِ الآخِرِ والملائكةِ والكتابِ والنَّبيّينَ وآتى المالَ على حُبِّهِ ذوي القُربى واليتامى والمساكينَ وابنَ السَّبيلِ والسَّائلينَ وفي الرِّقابِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ والمُوفونَ بِعهدهم إذا عاهدوا والصَّابرينَ في البأساءِ والضَّرَّاءِ وحينَ البأسِ أولئكَ الذينَ صَدقوا وأولئكَ هُمُ المُتَّقونَ}[البقرة 177].

وبين القرآن أن الله سبحانه يحب الصابرين الذين يثبتون على الشدائد،ولا يهنون لما يحزُبهم من النوائب:{وكَأيّن من نَّبيٍّ قاتلَ معهُ رِبيُّونَ كثيرٌ فما وهَنُوا لمَّا أصابَهُمْ في سبيلِ الله وما ضَعُفُوا وما استكانُوا واللهُ يُحبُّ الصَّابرين}[آل عمران146].وحسبك بمحبة الله نجحاً وفلاحاً وسعادة.

والصبر قوة أعظم من قوة العدد،تغلب به الفئة القليلة الفئة الكثيرة.قال في قصة طالوت وجالوت:{فلمَّا جاوزهُ هُوَ والذين آمنوا معهُ قالوا لا طاقةَ لنا اليومَ بجالوتَ وجنودهِ قال الذينَ يظنُّونَ أنَّهم مُلاقوا الله كم من فِئةٍ قليلةٍ غَلبت فئةً كثيرة بإذنِ الله والله معَ الصَّابرينَ*ولمّا برزوا لجالوتَ وجنودهِ قالوا رَبَّنا أفرِغْ علينا صبراً وثبِّتْ أقدامنا وانصرنا على القومِ الكافرينَ*فهزموهم بإذنِ الله }البقرة 249 ـ 251}وكذلك أمر القرآن المسلمين أن يلقوا عدوهم الأكثر عدداً وهم صابرون،وبشرهم بأن الجماعة منهم تغلب عشر أمثالها بالصبر،وجعل الصبر أكثر من تسعة أمثال العدو غَناء في الحرب.قال تعالى في سورة الأنفال:{يا أيُّها النبيُّ حَرِضِ المؤمنينَ على القتالِ إن يكن منكم عشرونَ صابرونَ يغلبوا مائتينِ وإن يكن منكم مائةٌ يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنَّهم قومٌ لا يفقهونَ}[الأنفال 65].

ولما أراد أن يخفف عن المسلمين هذا التكليف أمرهم بأن تلقى الجماعة منهم مثليها فقال:{الآنَ خَفَّفَ الله عنكم وعلِمَ أنَّ فيكم ضَعفاً فإن يكن منكم مائةٌ صابرةٌ يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألفٌ يغلبوا ألفينِ بإذنِ الله والله مع الصَّابرينَ}[الأنفال66].فأقل مراتب الصابرين أن يغلبوا ضعفهم.والحق أن العدد لا يثبت للصبر،وأن كثرة العدد فاشلة إذا خذلها الصبر،وأن قلته ظافرة إذا أيدها الصبر“.

ويقول الاستاذ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني(الأخلاق الإسلامية ج2 ص 305):

„الصبر قوة خلقية من قوى الإرادة،تُمكّن الإنسان من ضبط نفسه لتحمّل المتاعب والمشقات والآلام،وضبطها من الاندفاع بعوامل الضجر والجزع،والسأم والملل،والعجلة والرعونة،والغضب والطيش،والخوف والطمع،والأهواء والشهوات والغرائز.

وبالصبر يتمكن الإنسان بطمأنينة وثبات أن يضع الأشياء في مواضعها،ويتصرّف في الأمور بعقل واتزان،وينفذ مايريد من تصرّف في الزمن المناسب،وبالطريقة المناسبة الحكيمة،وعلى الوجه المناسب الحكيم،بخلاف عدم الصبر الذي يدفع إلى التسرّع والعجلة،فيضع الإنسان الأشياء في غير مواضعها،ويتصرف برعونة،فيخطىء في تحديد الزمان،ويسىء في طريقة التنفيذ وفي وجهه،وربما يكون صاحب حقٍّ أو يريد الخير،فيغدو جانياً أو مفسداً،ولو أنه اعتصم بالصبر لَسلِم من كل ذلك“.

حكمة الصبر:

يقول الحقّ تبارك وتعالى:{آلم*أحَسِبَ النَّاسُ أن يُترَكوا أن يَقولوا آمنّا وهم لا يُفتَنون*ولقد فَتنّا الذين من قَبلهم فَليعَلمَنَّ اللهُ الذين صَدقوا ولَيعلَمنَّ الكاذبين}[العنكبوت 1 ـ 3].

ويقول الله عز وجل:{ولَنَبلُونَّكُم حتَّى نعلمَ المُجاهدينَ مِنكُم والصَّابرينَ ونَبلُو أخبارَكُم}[محمد 31].

{لَتُبْلَوُنَّ في أموالكِمْ وأنفُسِكُمْ ولَتسمعُنَّ من الذينَ أوتوا الكتابَ من قبلِكم ومنَ الذينَ أشركوا أذىً كثيراً وإن تصبروا وتتَّقوا فإنَّ ذلكَ من عزمِ الأمورِ}[آل عمران 186]

فالحقّ جل وعلا قد قرر في محكم كتابه أن الإنسان في هذه الحياة الدنيا قد كُتب عليه البلاء،والإمتحان،والفتنة،قد أبتلي من قبله،وسوف يُبتلى من بعده إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

والحكمة من البلاء والاختبار كما يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(خلق المسلم):

„أن الله عز وجل لم يجعل الحياة الدنيا دارجزاء وقرار،بل جعلها دار تمحيص وامتحان،،والفترة التي يقضيها المرء بها فترة  تجارب متصلة الحلقات، يخرج من امتحان ليدخل امتحاناً آخر،قد يغاير الأول مغايرة تامة،والإنسان قد يُمتحن بالشيء وضده،مثلما يصهر الحديد في النار ثم يلقى به في الماء“..

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:“

„الفتنة هي الإمتحان والإختبار،كما قال كليم الله موسى عليه السلام{إن هيَ إلَّا فِتنَتُكَ تُضِلُّ بها من تشاءُ وتهدي من تشاء}[الأعراف155]أي امتحانك واختبارك تضل بها من خالف الرسل،وتهدي من اتبعهم،والفتنة للإنسان كفتنة الذهب إذا أدخل كير الامتحان فإنها تميّز جيده من رديئه،فالحقّ كالذهب الخالص كلما امتحن زاد جودة،والباطل كالمغشوش المفشي إذا امتحن ظهر فساده،فالدين الحق كلما نظر فيه الناظر وناظر عنه المناظر ظهرت له البراهين،وقوي به اليقين وازداد به إيماناً وأشرق نوره في صدور العالمين“.

ويقول سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى{إن يَمسَسكُم قَرْحُ فقد مَسَّ القومَ قَرحٌ مِثلُهُ وتِلكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُها بينَ النَّاسِ ولِيعلَمَ اللهُ الذينَ آمنُوا ويَتَّخِذَ مِنكُم شُهداءَ واللهُ لايُحِبُّ الظالمينَ}[آل عمران 140].

يقول رحمه الله:

„إنّ الشدّة بعد الرخاء،والرخاء بعد الشدّة،هما اللذان يكشفا عن معادن النفوس وطبائع القلوب،ودرجة الغبش فيها والصفاء ودرجة الهلع  فيها والصبر،ودرجة الثقة فيها بالله أو القنوط ودرجة الاستسلام فيها لقدر الله أو البرم به والجموح.عندئذ يتميز الصف وتنكشف في دنيا الناس دخائل النفوس…ومداولة الأيام،وتعاقب الشدة والرخاء،محك لا يخطيء،وميزان لايظلم،والرخاء في هذا كالشدّة.وكم من نفوس تصبر للشدّة وتتماسك،ولكنها تتراخى بالرخاء وتنحل،والنفوس المؤمنة هي التي تصبر للضراء ولا تستخفها السراء،وتتجه إلى الله في الحالين،وتوقن أن ما أصابها من الخير والشر فبإذن الله“.

ولما كان الإيمان صلة بين الإنسان العبد وبين الله عز وجل،ولما كانت صلة الإنسان بالإنسان لا يعتد بها ولا ينوه بشأنها إلا إذا أكدها مُرُّ الأيام،وتقلّبُ الليالي،واختلاف الحوادث،فكان لابد لإيمان العبد أن يخضع للبلاء الذي يمحصه،فإما يكشف عن صيبه أو يكشف عن زيغه.

يقول الشهيد سيد قطب في الظلال:

إن تكاليف هذه العقيدة لا تتحقق إلا بتربية النفوس بالمخاوف والشدائد ونقص الأموال والأنفس والثمرات{ولَنبلُونَّكُم بشيءٍ من الخَوفِ والجُوعِ ونقصٍ منَ الأموالِ والأنفُسِ والثَّمرات وبَشِّرِ الصَّابرينَ}[البقرة 155]وبهذا وحده يؤدي المؤمنون تكاليف العقيدة وتعزّ على نفوسهم بمقدار ما أدّوا في سبيلها من تكاليف،والعقائد الرخيصة التي لا يؤدي أصحابها تكاليقها لا يعزّ عليهم التخلي عنها عند الصدمة الأولى،فالتكاليف هنا هي الثمن الذي تعزّ به العقيدة في نفوس أهلها قبل أن تعزّ في نفوس الآخرين،وكلما تألموا في سبيلها وكلما بذلوا من أجلها،كانت أعزّ عليهم،وكانوا أضنَ ّبها،وكذلك لن يدرك الآخرون قيمتها إلا حين يرون ابتلاء أهلها بها وصبرهم على بلائها،إنهم عندئذ سيقولون في أنفسهم لو لم يكن ما عند هؤلاء من العقيدة خيراً مما يبتلون به وأكبر ما قبلوا هذا البلاء ولا صبروا عليه،وعندئذ ينقلب المعارضون للعقيدة باحثين عنها،مقدرين لها،مندفعين إليها،وعندئذ يأتي نصر الله والفتح ويدخل الناس في دين الله أفواجاً{أمْ حَسِبتُم أن تَدخلوا الجنَّة ولمَّا يأتِكُم مَثَلُ الذين خَلَوا من قَبلِكُم مَسَّتهُمُ البأساءُ والضَّرَّاءُ وزُلزلوا حتى يقولَ الرّسولُ والذينَ آمنوا معهُ متى نصرُ الله ألّا إنَّ نَصرَ الله قريب}[البقرة 214].

عن الصحابي الجليل أبي عبد الله خبّاب بن الأرَتِّ رضي الله عنه قال:شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مُتوسِّدٌ بُردةً في ظل الكعبة فقلنا:ألا تستنصرُ لنا،ألا تدعو لنا؟فقال:“قد كان مَن قبلَكم،يؤخذُ الرجلُ منهم، فيُحفرُ له في الأرض فيُجعلُ فيها،ثم يؤتى بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيُجعل نصفين،ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه،ما يصده ذلك عن دينه،والله ليُتِمَّنَّ الله تعالى هذا الأمرَ،حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إلى حضرموتَ،لا يخافُ إلا الله والذئبَ على غنمه،ولكنكم تستعجلون[رواه البخاري وأبو داود والنسائي].

ويتابع سيد قطب رحمه الله:“ولابد من البلاء كذلك ليصلب عود أصحاب العقيدة ويقوى،فالشدائد تستجيش مكنون القوى،ومذخور الطاقة،وتفتح في القلب منافذ ومسارب ما كان ليعلمها المؤمن في نفسه إلا تحت مطارق الشدائد والنوائب،والقيم والموازين والتصورات ما كانت لتصح وتدق وتستقيم إلا في جو المحنة التي تزيل الغبش عن العيون والران عن القلوب{ولَنبلُونَّكُمْ حتَّى نعلمَ المُجاهدينَ مِنكُمْ والصَّابرينَ ونبلوَ أخبارَكُم}[محمد31]،{أم حَسِبتُمْ أن تُترَكُوا ولمَّا يَعلَمِ اللهُ الذينَ جَاهدوا مِنكُمْ }]التوبة 16].{أم حَسِبتُم أن تدخلوا الجنّةَ ولمّا يعلمِ اللهُ الذينَ جاهدوا منكم ويعلمَ الصّابرين}[آل عمران 142]

وبالبلاء ينكشف عما هو مخبوء من معادن النفوس،وما هو مجهول من أمرها حتى لأصحابها،فيراها الناس على صورتها وحقيقتها وتدركها مداركهم،وهذا ينعكس عليهم ويؤثر فيهم ويكيف مشاعرهم،ويوجه حياتهم بوسائلهم الداخلة في طوقهم،وبهذا تتم حكمة الله في الابتلاء والله أعلم“.

وإذا علمنا أن الذي أنزل الداء أنزل الدواء ووعد بالشفاء،ولما كان البلاء هو الداء،فإن الله خلق الصبر دواءً وشفاءً{ولئن صبرتم لهو خير للصابرين}[النحل 126].

وجاء في الحديث الشريف الذي رواه الترمذي:“إن عظمَ الجزاءِ مع عِظمِ البلاء وإن الله عزّ وجل إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضيَ فله الرضا ،ومن سخط فله السخط“[رواه أنس بن مالك رضي الله عنه وقال الألباني حديث حسن]

إن الصبر من خاصيات الإنسان وحده،ولا يتصور في البهائم لنقصانها،وغلبة الشهوات عليها من غير شيء يقابلها،ولا يتصور أيضاً في الملائكة لكمالها،فإن الملائكة جُردّوا للشوق إلى حضرة الربوبية ولم تسلط عليهم شهوة صارفة عنها حتى يحتاج إلى مصادمة ما يصدها عن حضرة الجلال.وأما الإنسان فإنه يخلق في ابتداء الصبا ناقصاً مثل البهيمة ولم يخلق فيه إلا شهوة الغذاء الذي هو محتاج إليه،ثم تظهر فيه شهوة اللعب والزينة وليس له قوة الصبر،فإذا تحرك العقل وقوي،ظهرت مبادىء إشراق نور الهداية عند سن التمييز،وينمو على التدرج إلى سن البلوغ،كما يبدو نور الصبح إلى أن يطلع قرص الشمس،ولكنها هداية قاصرة لا مرشد لها إلى مصالح الآخرة،فإذا عقد بمعرفة الشرع تلمح ما يتعلق بالآخرة وكثر سلاحه،إلا أن الطبع يقتضي ما يحب وباعث الشرع والعقل يمنع،والحرب بينهما قائمة،ومعركة هذا القتال في قلب العبد،فالصبر عبارة عن ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الشهوات،فإن ثبت حتى قهر الشهوة التحق بالصابرين،وإن ضعف حتى غلبت الشهوة ولم يصبر على دفعها التحق بأتباع الشياطين.وإذا ثبت أن الصبر عبارة عن ثبات باعث الدين في مقاومة الهوى فهذه المقاومة خاصة بالآدميين“.

يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(خلق المسلم):

إذا استحكمت الأزمات وتعقدّت حبالها،وترادفت الضوائق وطال ليلها،فالصبر وحدهُ هو الذي يُشع للمسلم النورالعاصم من التخبط ،والهداية الواقية من القنوط“.

وهو الزاد في رحلة الحياة لمواجهة كل مشقة،ولتجاوز كل الصعاب والعقبات،ولذلك كرر تعالى عز وجل الصبر في آيات عديدة من الذكر الحكيم،لأنه سبحانه وتعالى وهو أعلم العالمين يعلم ضخامة الجهد الذي تقتضيه الإستقامة على الطريق بين شتى النوازع والدوافع،ويعلم ما يقتضيه القيام بدعوة الله في الأرض وما يتطلبه من نفوس مشدودة الأعصاب،مجندة القوى،يقظة للمداخل والمخارج ،ولابد في كل هذا من الصبر.

الحضّ على الصبر:

جاءت الآيات والأحاديث النبوية الشريفة والمأثورات من أقوال الرسل والصحابة والصالحين تدعو إلى الصبر والالتزام به.والصبر واجب بإجماع العلماء:{واصبِرْ فإنَّ اللهَ لا يُضيعُ أجرَ المحسنين}[هود 115]،فجاء بصيغة الأمر،والأمر للوجوب.

لقد أمر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بالصبر في آياتٍ كثيرةٍ:

{فاصبرْ إنَّ العاقبةَ للمتقين}[هود49].

{ولئن صبرتُمْ لهوَ خيرٌ للصابرينَ* واصبرْ وما صبرُكَ إلا بالله ولا تحزنْ عليهم ولاتكُ في ضيقٍ مما يمكرون}[النحل 126 ـ 127]

{فاصبرْ إنَّ وعدَ الله حق ولا يَستَخِفَّنَّكَ الذين لا يوقنون}[الروم60].

{واتَّبِعْ ما يُوحى إليكَ واصبرْ حتى يَحكُمَ اللهُ وهوَ خيرُ الحاكمينَ}[يونس 109].

{فاصبِرْ كما صَبَرَ أولوا العزمِ من الرُّسُلِ}[الأحقاف 35].

{تِلكَ من أنباءِ الغَيبِ نُوحيها إليكَ ماكُنتَ تَعلَمُها أنتَ ولا قومُكَ من قبلِ هذا فاصبِر إنَّ العاقبةَ للِمتقينَ}[هود 49].

{فاصبِرْ على ما يقولونَ وسَبِّحْ بِحمدِ رَبِّكَ قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ وقبلَ غُروبها}[طه 130].

{فاصبرْ على ما يقولونَ وسَبِّحْ بحمدِ رَبِّكَ قبلَ طلوعِ الشَّمس وقبلَ الغروبِ*ومن الليلِ فَسَبِّحهُ وأدبارَ السجودِ}[ق39 ـ 40]

{واصبرْ وما صَبرُكَ إلا بالله}[النحل 127]

{ولِربِّكَ فاصبر}[المدثر7]

{واصبرْ على ما يقولونَ واهجرهم هجراً جميلاً}[المزمل10]

{اصبرْ على مايقولونَ واذكرْ عبدَنا داودَ ذا الأيدِ إنَّهُ أوَّاب}[ص17]

{واصبرْ لِحُكمِ رَبِّكَ فإنَّكَ بأعيُننا وسَبِّحْ بحمدِ رَبِّكَ حينَ تقوم}[الطور 48]

{فاصبرْ إنَّ وعدَ الله حقٌّ واستغفر لذنبكَ وسَبِّح بحمدِ رَبِّكَ بالعَشيِّ والإبكارِ}[غافر 55]

{فاصبرْ إنَّ وعدَ الله حقّق فإمّا نُرِيَنَّكَ بعضَ الذي نَعِدُهم أو نتوَفَّيَنَّكَ فإلينا يُرجعونَ}[غافر 77]

{واصبرْ فإنَّ الله لا يُضيعُ أجرَ المُحسنين}[هود115]

{فاصبرْ صبراً جميلاً*إنَّهم يرونهُ بعيداً*ونراهُ قريباً}[المعارج 5 ـ 7]

{فاصبرْ لِحُكمِ رَبِّكَ ولا تَكن كصاحبِ الحوت}[القلم 48]

{واصبرْ وما صَبرُكَ إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تَكُ في ضَيقٍ ممّا يمكرون}[النحل 127]

{فاصبرْ لِحُكمِ رَبِّكَ ولا تُطِعْ منهم آثماً أو كفوراً}[الإنسان24]

كما أن الحض على الصبر جاء على لسان الأنبياء والصالحين في القرآن الكريم:

{قالَ مُوسى لقومِهِ استعينُوا بالله واصبِروا إنَّ الأرضَ لله يُورِثُها من يشاءُ من عبادهِ والعاقبةُ للمُتقين}[الأعراف 128].

قال تعالى ـ على لسان لقمان ـ:{يا بُنيَّ أقِمِ الصَّلاةَ وأُمرْ بالمعروفِ وانهَ عن المُنكرِ واصبرْ على ما أصابكَ إنَّ ذلكَ من عَزمِ الأمورِ}[لقمان 17].

{واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين}[البقرة 45]

قال تعالى:{يا أيُّها الذينَ آمنُوا استعينوا بالصَّبرِ والصَّلاةِ إنَّ اللهَ معَ الصَّابرينَ}[البقرة 153].

والصبر من ألزم الأمور في طريق محبة الله وأعظم الناس محبة لله هم أشدهم صبراً،ولهذا وصف الله تعالى بالصبر خاصة أولياءه وأحبابه:{إنا وجدناهُ صابراً}.وقرن الصبر مع عزم الأمور: {لَتُبلَوُنَّ في أموالِكُمْ وأنْفُسِكُمْ ولَتَسْمَعُنَّ من الذينَ أُوتوا الكتابَ من قَبلِكُمْ ومن الذينَ أشركوا أذىً كثيراً وإن تصبروا وتتَّقوا فإنَّ ذلكَ من عزمِ الأمورِ}[آل عمران 186].

وكذلك جاءت الأحاديث النبوية وسنة الرسول قولاً وعملاً في الأمر بالصبر والحض عليه.

عن أبي سعيد  الخدري رضي الله عنه“ أن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم،ثم سألوا فأعطاهم،ثم سألوه فأعطاهم حتى نفد ماعنده فقال: ما يكون عندي من خيرٍ فلن أدَّخره عنكم،ومن يَستعفف يُعفَّهُ الله،ومن يستغنِ يُغنه الله،ومن يَتصبَّر يُصبِّره الله،وما أُعطي أحدٌ عطاءً خيراً وأوسع من الصبر„.[رواه الشيخان]

و عن ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“أربع من أعطيهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة: قلب شاكر،ولسان ذاكر،وبدن على البلاء صابر،وزوجة لا تبغيه خوناً في نفسها وماله[رواه الطبراني بسند حسن والبيهقي في شعب الإيمان وضعفه الألباني]

و عن أبي مالك الأشعري قال:قال صلى الله عليه وسلم:“الصبر ضياء„[رواه مسلم وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة]،فهو ينير للإنسان الطريق ويكشف عنه الظلمات.

وقال المسيح عيسى بن مريم عليه السلام:

„[يا ابن آدم الضعيف! اتق الله حيث ما كنت،وكن في الدنيا ضعيفاً واتخذ المساجد بيوتاً،وعلّم عينيك البكاء،وجسدك الصبر،وقلبك الفكر،ولا تهتم برزق غد]“.

وقال المسيح عليه السلام:

„إنكم لا تدركون ما تحبون إلا بصبركم على ما تكرهون“.

يقول عمر الفاروق رضي الله عنه:

„رأيت جميع الأخلاء فلم أر خليلاً أفضل من حفظ اللسان،ورأيت جميع اللباس فلم أر لباساً أفضل من الورع،ورأيت جميع المال فلم أر مالاً أفضل من القناعة،ورأيت جميع البر فلم أر أفضل من النصيحة،ورأيت جميع الأطعمة فلم أر طعاماً ألذّ من الصبر“.

ويقول عمر الفاروق أيضاً رضي الله عنه:

„وجدنا خير عيشنا بالصبر“وقال أيضاً:“أفضل عيش أدركناه بالصبر،ولو أن الصبر كان من الرجال كان كريما“.

ويقول سيدنا علي رضي الله عنه:

„الصبر سيف لا ينبو،ومطية لا تكبو“.

يقول الإمام علي رضي الله عنه:

„من استرشد غيرَ العقل أخطأ منهاج الرأي،ومن أخطأته وجوه المطالب خذلته الحيل،ومن أخلَّ بالصبر حُرم حسن العاقبة.فإن الصبر قوة من قوى العقل،وبقدر موادِ العقل وقوتها يقوى الصبر“.وقال أيضاً رضي الله عنه:“ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد،فإذا قطع الرأس بار الجسد.ثم رفع صوته فقال:“ألا إنه لا إيمان لمن لا صبر له“.

وقال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:

“ ومعول المؤمن الصبر وما أنعم الله على عبده نعمة ثم انتزعها منه فأعاضه  ـ مما انتزع منه ـ الصبر،إلا كان ما أعاضه خيراً مما انتزع منه،وإنما يؤتى الصابرون أجرهم بغير حساب“.

ويقول سيد التابعين الحسن البصري رحمه الله:

„رحم الله امرءاً نظر فتفكَّر،وتفكّر فاعتبر،واعتبرَ فأبصر،وأبصر فصبر:فقد أبصرَ قومٌ ثمَّ لم يصبروا فتمكَّن الجزعُ من قلوبهم،فلم يدركوا ما طلبوا،ولم يرجعوا إلى ما فارقوا“.وقال أيضاً:“الصبر كنز من كنوز الخير،لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده“.

وقال سليمان بن القاسم رحمه الله:

„كل عمل يعرف ثوابه إلا الصبر“.

وجاء في الأدب الكبير لعبد الله بن المقفع:“

„ذلل نفسك بالصبر على جار السوء،وعشيرِ السوء،وجليسِ السوء.فإنَّ ذلك مما لا يكادُ يخطئك“.واعلم أن الصبر صبرانِ:صبرُ المرءِ على ما يكره،وصبره عما يحب.والصبرُ على المكروه أكبرهما وأشبههما أن يكون صاحبه مضطراً.واعلم أن اللئام أصبر أجساداً،وأنّ الكرام هم أصبر نفوساً.وليس الصبرُ الممدوح بأن يكون جلد الرجلُ وقاحاً على الضرب،أو رجله قويةً على المشي،أو يده قويةً على العمل.فإنما هذا من صفات الحمير.ولكن الصبر الممدوح أن يكون للنفسِ غلوباً،وللأمور محتملاً،وفي الضراء متجملاً،ولنفسهِ عند الرأي والحفاظ مرتبطاً وللحزم مؤثراً،وللهوى تاركاً،وللمشقة التي يرجو حسن عاقبتها مستخفاً،وعلى مجاهدة الأهواء والشهوات مواظباً،ولبصيرته بعزمهِ منفذاً“.

ويقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله:

„الشهوة الآثمة حلاوة ساعة ثم مرارة العمر،والشهوة المباحة حلاوة ساعة ثم فناء العمر،والصبر المشروع مرارة ساعة ثم حلاوة الأمد“.

وكانت الدعوة إلى الصبر والحض عليه وكذلك الدعوة إلى التواصي بالصبر والحض على ذلك دعوة صريحة واضحة جعلها الله قرينة التواصي بالحق وأقسم الله عز وجل أن فلاح البشر منوط بهما معاً{والعَصرِ*إنَّ الإنسانَ لفي خُسرٍ*إلّا الذينَ آمنوا وعملوا الصَّلحاتِ وتَواصَوا بالحَقِّ وتواصَوا بالصَّبرِ}.

لقد حضّ الله وهو الحكيم الخبير على الصبر والتواصي به لأنه وهو علّام الغيوب يعلم أن العبد لا يستغني عن الصبر في كل حال من الأحوال .

الصبر والصوم:

ومما يساعد على الصبر الصوم،فالصوم في حقيقته تدريب للنفس على السيادة والقيادة حيث يتحكم الصائم بشهواته طائعاً مختاراً في وقت لا رقيب عليه ولا حسيب إلا الله.والصوم أفضل أنواع الصبر لأنه يجمع الصبر على طاعة الله والصبر عن معاصيه وذلك بترك العبد لشهوات نفسه،وصبر على الأقدار المؤلمة مما يحصل للصائم من الجوع والعطش ولذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمي شهر الصيام شهر الصبر.

الصبر والصلاة:

{والذينَ صبروا ابتغاءَ وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانيةً ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار}[الرعد22]

قال تعالى:{يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين}[البقرة 153].

يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(المنار العدد206 بتاريخ الأول من حزيران عام 1904):

„أما الصبر فقد ذكر في القرآن سبعين مرة ولم تذكر فضيلة أخرى فيه بهذا المقدار وهذا يدل على عظم أمره،وقد جعل التواصي به في سورة العصر مقروناً بالتواصي بالحق إذ لابد للداعي إلى الحق منه.وقد قرن الله تعالى في الآية المذكورة الصلاة بالصبر وجعل الأمرين معاً ذريعة الإستعانة على ما يلاقي المؤمنون في طريق الحق من الشدائد ولو كان هؤلاء الادعياء مصلين لكانوا من الصابرين.

ويتابع رحمه الله:“وجه الحاجة إلى الاستعانة بالصبرعلى تأييد الحق والقيام بأعبائه ظاهر جلي.وأما الحاجة إلى الإستعانة بالصلاة فوجهها محجوب لا يكاد ينكشف إلا للمصلين الذين هم في صلاتهم خاشعون.تلك الصلاة التي أكثر من ذكرها الكتاب العزيز ووصف ذويها بفضلى الصفات وهي التوجه إلى الله تعالى وحضور القلب معه سبحانه واستغراقه في الشعور بهيبته وجلاله وكمال سلطانه.تلك الصلاة التي قال فيها جلّ ذكره:{وإنَّها لكبيرةٌ إلا على الخاشعين!}[البقرة 45]وقال:{إنَّ الصَّلاةَ تنهى عن الفحشاءِ والمُنكرِ}[العنكبوت 45]وليست إلى الصورة المعهودة من القيام والركوع والسجود والتلاوة باللسان خاصة التي يسهل على كل صبي مميز أن يتعود عليها والتي نشاهد من المعتادين عليها الإصرار على الفواحش والمنكرات،واجتراح الآثام والسيئات,وأي قيمة لتلك الحركات الخفيفة في نفسها حتى يصفها رب العزة والجلال بالكبر إلا على الخاشعين.إنما جعلت تلك الحركات والأقوال صورة للصلاة لتكون وسيلة لتذكير الغافل،وتنبيه الذاهل،ودافعاً يدفعه إلى ذلك التوجه المقصود الذي يملأ القلب بعظمة الله وسلطانه حتى يستسهل في سبيله كل صعب،ويستخف بكل كرب،ويسهل عليه عند ذلك احتمال كل بلاء،ومقاومة كل عناء،فإنه لا يتصور شيئاً يعترض في سبيله إلا ويرى سيده ومولاه أكبر منه.فهو لا يزال يقول:الله أكبر:حتى لا يبقى في نفسه شىء كبير،إلا ماكان مرضياً لله العلي الكبير،الذي يلجأ إليه في الحوادث ويفزع إليه عند الكوارث“.

ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الظلال:

„يتكرر ذكر الصبر في القرآن كثيراً،ذلك أن الله سبحانه يعلم ضخامة الجهد الذي تقتضيه الإستقامة على الطريق بين شتى النوازع والدوافع،والذي يقتضيه القيام على دعوة الله في الأرض بين شتى الصراعات والعقبات،والذي يتطلب أن تبقى النفس مشدودة الأعصاب،مجندة القوى،يقظة للمداخل والمخارج،ولابد من الصبر في هذا كله،لابد من الصبر على الطاعات،والصبر عن المعاصي،والصبر على جهاد المشاقين لله،والصبر على الكيد بشتى صنوفه،والصبر على بطء النصر،والصبر على بعد الشقة،والصبر على انتفاش الباطل،والصبر على قلة الناصر،والصبر على طول الطريق الشائك،والصبر على التواء النفوس،وضلالة القلوب،وثقلة العناد،ومضاضة الإعراض…وحين يطول الأمد،ويشق الجهد،قد يضعف الصبر أو ينفد،إذا لم يكن هناك زاد ومدد،ومن ثم يقرن الصلاة إلى الصبر،فهي المعين الذي لا ينضب،والزاد الذي لا ينفد،المعين الذي يجدد الطاقة والزاد الذي يزود القلب،فيمتد حبل الصبرولا ينقطع،ثم يضيف إلى الصبر الرضى والبشاشة والطمأنينة والثقة واليقين…“.

الصبر ومقامات الإيمان الأخرى:

قُرِن الصبر مع فضائل أخرى نذكر منها:

1 ـ التقوى:

يقول تعالى:{يا أيُّها الذينَ آمنوا اصبروا وصابروا واتقوا الله لعلَّكم تُفلحونَ}[آل عمران 200].[المصابرة:مغالبة الخصوم بالصبر،فإذا صبر العدو في القتال،فعلى المؤمنين أن يغالبوه بالصبر،فيصبروا أكثر منه]،{إنّهُ من يَتَّقِ ويصبر فإنَّ الله لا يُضيعُ أجرَ المحسنين}[يوسف90]،{فاصبر إنَّ العاقبة للمتقين}[هود49]

2 ـ الرحمة:

قال تعالى:{ثمَّ كانَ من الذين آمنوا وتواصوا بالصَّبرِ وتواصوا بالمرحمة}[البلد17].

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الظلال:

„والصبر هو العنصر الضروري للإيمان بصفة عامة،ولاقتحام العقبة بصفة  خاصة.والتواصي به يقرر درجة وراء درجة الصبر ذاته.درجة تماسك الجماعة المؤمنة،وتواصيها على معنى الصب،وتعاونها على تكاليف الإيمان.فهي أعضاء متجاوبة الحس.تشعر جميعاً شعوراً واحداً بمشقة الجهاد لتحقيق الإيمان في الأرض وحمل تكاليفه،فيوصي بعضهم بعضاً بالصبر على العبء المشترك،ويثبت بعضها بعضاً فلا تتخاذل،ويقوي بعضها بعضاً فلا تنهزم.وهذا أمر غير الصبر الفردي.وإن يكن قائماً على الصبر الفردي.وهو إيحاء بواجب المؤمن في الجماعة المؤمنة.وهو ألا يكون عنصر تخذيل بل عنصر تثبيت،ولايكون داعية هزيمة بل داعية اقتحام،ولا يكون مثار جزع بل مهبط طمأنينة.

وكذلك التواصي بالمرحمة.فهو أمر زائد على المرحمة.إنه إشاعة الشعور بواجب التراحم في صفوف الجماعة عن طريق التواصي به،والتحاض عليه،واتخاذه واجباً جماعياً  فردياً في الوقت ذاته،يتعارف عليه الجميع،ويتعاون عليه الجميع“.

3 ـ التوكل:

قال تعالى:{الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون}[العنكبوت 59]

4 ـ الخَبت:

يقول تعالى:{وبَشِّر المُخبتينَ*الذينَ إذا ذُكِرَ الله وجِلت قلوبُهُم والصابرينَ على ما أصابهم والمقيمي الصَّلاةِ ومما رزقناهم ينفقون}[الحج34 ـ 35]

يقول الأستاذ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني(الأخلاق الإسلامية ج2 ص310):

„المخبتون في الاصطلاح الشرعي هم الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم،والصابرون على ما أصابهم،والمقيموا الصلاة،والمنفقون مما رزقهم الله ابتغاء مرضاته.

وأصل الخَبتِ في اللغة:الأرض المنخفضة المطمئنة،والمُخبتُ لربّه هو المتواضع الخاشع المطمئن“.

5 ـ الشكر:

يقول تعالى:{إنَّ في ذلكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شكورٍ}[لقمان 31].

 6 ـ قرين الحق :

الصبر في القرآن قرين الحق لأن الحق لا ينصر إلا بالصبر. قال تعالى:{والعَصرِ* إنَّ الإنسانَ في خُسرٍ* إلا الذينَ آمنُوا وعَملوا الصَّالحاتِ وتواصَوا بالحَقِّ وتَواصَوا بالصَّبرِ}[العصر 1 ـ 3].

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الظلال:

„والتواصي بالحق ضرورة.فالنهوض بالحق عسير.والمعوقات عن الحق كثيرة:هوى النفس،ومنطق المصلحة،وتصورات البيئة،وطغيان الطغاة،وظلم الظلمة،وجور الجائرين…والتواصي تذكير وتشجيع وإشعار بالقربى في الهدف والغاية،والأخوة في العبء والأمانة.فهو مضاعفة لمجموع الاتجاهات الفردية،إذ تتفاعل معاً فتتضاعف.تتضاعف بإحساس كل حارس للحق أن معه غيره يوصيه ويشجعه ويقف معه ويحبه ولايخذله…وهذا الدين ـ وهو الحق ـ لا يقوم إلأ في حراسة جماعة متعاونة متواصية متكافلى متضامنة على هذا المثال.

والتواصي بالصبر كذلك ضرورة.فالقيام على الإيمان والعمل الصالح،وحراسة الحق والعدل،من أعسر ما يواجه الفرد والجماعة.ولابد من الصبر.لابد من الصبر على جهاد النفس،وجهاد الغير.والصبر على الاذى والمشقة.والصبر على تبجح الباطل وتنفج الشر.والصبر على طول الطريق وبطء المراحل،وانطماس المعالم،وبعد النهاية!

والتواصي بالصبر يضاعف المقدرة،بما يبعثه من إحساس بوحدة الهدف،ووحدة المتجه،وتساند الجميع،وتزودهم بالحب والعزم والإصرار…إلى آخر مايثيره من معاني الجماعة التي لا تعيش حقيقة الإسلام إلأا في جوها،ولاتبرز إلا من خلالها…وإلا فهو الخسران والضياع“.

والحقُّ مرٌّ،والصبرُ مرٌّ،ولكن إن تعجب فلتعجب يا صاحبي أنه من التقاء وامتزاج هذين المُرّين،تتولد حلاوة الإيمان،وما أجملها وما أحلاها من حلاوة.

7 ـ قرين الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة:

يقول تعالى:{إلا الذين صبروا وعملوا الصالحاتِ أولئك لهم مغفرةٌ وأجرٌ كبير}[هود11].ويقول تعالى:{والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً}[الأحزاب 35].

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله(الفوائد ص270):

„الصبر لقاح الإيمان،فإذا اجتمع الإيمان والصبر أثمرا العمل الصالح.وحسن الظن بالله لقاح الافتقاروالاضطرار إليه،فإذا اجتمعا أثمرا إجابة الدعاء.والخشية لقاح المحبة،فإذا اجتمعا أثمرا امتثال الأوامر واجتناب المناهي.والصبر لقاح اليقين،فإذا اجتمعا أورثا الإمامة في الدين،قال تعالى:{وجَعلنا منهُم أئمةً يهدونَ بأمرنا لمّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنونَ}[السجدة 24].

ويتابع رحمه الله:“والصبر لقاح البصيرة،فإذا اجتمعا فالخير في اجتماعهما.قال الحسن:“إذا شئت أن ترى بصيراً لا صبر له رأيته،وإذا شئت أن ترى صابراً لا بصيرة له رأيته،فإذا رأيت صابراً بصيراً فذاك“.