الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

داء العشق — 1

بسم الله الرحمن الرحيم

داء العشقّ والهوى

داء الهوى والعشق:

ابن القيم رحمه الله وداء العشق:

„وهذا داء أعيا الأطباء دواؤه،وعزّ عليهم شفاؤه،وهو والله الداء العضال والسم القتال الذي ما علق بقلب إلا وعزّ على الورى استنقاذه من أساره،ولا اشتعلت ناره في مهجة إلا وصعب على الخلق تخليصها من ناره . وهو أقسام:

تارة يكون كفرا،كمن اتخذ معشوقه ندا،يحبه كما يحب الله ،فكيف إذا كانت محبته أعظم من محبة الله في قلبه ؟ فهذا عشق لا يغفره الله لصاحبه ،فإنه من أعظم الشرك والله لا يغفر أن يشرك به وانما يغفر بالتوبة الماحية ما دون ذلك،وعلامة هذا العشق الشركي الكفري أن يقدم العاشق رضاء معشوقة على رضاء ربه،وإذا تعارض عنده حق معشوقه وحق ربه وطاعة ربه،قدم حق معشوقه على حق ربه وآثر رضاه على رضاه،وبذل لمعشوقه أنفس ما يقدر عليه،وبذل لربه –ان بذل- أردأ  ما عنده ،واستفرغ وسعه في مرضاة معشوقه وطاعته  والتقرب إليه،وجعل  لربه -ان أطاعه – الفضلة التي تفضل عن معشوقه من ساعاته .

فتأمل حال أكثر عشاق الصور ،هل تجدها إلا مطابقة لذلك ؟ ثم ضع حالهم في كفة وتوحيدهم وإيمانهم في كفة،ثم زِنْ وزنا يرضى الله ورسوله ويطابق العدل،وربما صرح العاشق منهم بأن وصل معشوقه أحبّ إليه من توحيد ربه .

ولا ريب أن هذا العشق من أعظم الشرك ،وكثير من العشاق يصرح بأنه لم يبق في قلبه موضع لغير معشوقه،بل قد ملك معشوقه عليه قلبه كله،فصار عبدا مخلصا من كل وجه لمعشوقه،فقد رضي هذا من عبودية الخالق جل جلاله بعبوديته لمخلوق مثله،فإن العبودية هي كمال الحب والخضوع ،وهذا قد استغرق قوة حبه وخضوعه وذله لمعشوقه،فقد أعطاه حقيقة العبودية .

ولا نسبة بين مفسدة هذا الأمر العظيم ومفسدة الفاحشة،فان تلك ذنب كبير لفاعله حكم أمثاله،مفسدة هذا العشق مفسدة الشرك،وكان بعض الشيوخ من العارفين يقول: لأن أبتلى بالفاحشة مع تلك الصورة أحب إلي من أن ابتلى فيها بعشق يتعبد لها قلبي ويشغله عن الله .

ويتابع ابن القيم رحمه الله فيقول من آفات العشق:

الأولى : الإشتغال بذكر المخلوق وحبّه عن حبّ الربّ تعالى وذكره،فلا يجتمع في القلب هذا وهذا إلا ويقهر أحدهما صاحبه،ويكون السلطان والغلبة له .

الثانية:عذاب قلبه بمعشوقه،فإن من أحبّ شيئاً غير الله عذبّ به ولابد كما قيل:

فما في الأرض أشقى من محبٍّ                    وإن وجد الهوى حلو المذاقِ

تراه باكياً في كل حين                                    مخافة فرقة أو لإشتياق

فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم                            ويبكي إن دنوا خوف الفراق

فتسخن عينه عند الفراق                             وتسخن عينه عند التلاق

والعشق وإن استلذَّ به صاحبه،فهو من أعظم عذاب القلب .

الثالثة: أن العاشق قلبه أسير في قبضة معشوقه يسومه الهوان،ولكنه  لسكرة العشق لا يشعر بمصابه،فقلبه كالعصفور  في كفّ الطفل يورده حياض الردى،والطفل يلهو ويلعب، فيعيش العاشق عيش الأسير الموثوق ويعيش الخلي عيش المسيب المطلب،والعاشق كما قيل:

طليق برأي العين وهو أسير                         عليل على قطب الهلاك يدور

وميت يرى في صورة الحيِّ غاديا                 وليس له حتى النشور نشور

أخو غمرات ضاع فيهن قلبه                          فليس له حتى الممات حضور

الرابعة: أنه يشتغل عن مصالح دينه ودنياه،فليس شئ أضيع لمصالح الدين والدنيا من عشق الصور،أما مصالح الدين فانها منوطة بلمّ شعث القلب واقباله على الله،وعشق الصور أعظم شئ تشعيبا وتشتيتا له،وأما مصالح الدنيا فهي تابعة في الحقيقة لمصالح الدين فمن انفرطت عليه مصالح دينه وضاعت عليه،فمصالح دنياه أضيع وأضيع .

الخامسة : ان آفات الدنيا والآخرة أسرع إلى عشاق الصور من النار في يابس الحطب ، وسبب ذلك،أن القلب كلما قرب من العشق وقوي اتصاله به بعد من الله،فأبعد القلوب من الله عشاق الصور،وإذا بعد القلب من الله طرقته الآفات من كل ناحية،فإن الشيطان يتولاه ، ومن تولاه عدوه واستولى عليه لم يأبه وبالا،ولم يدع أذى يمكنه إيصاله إليه إلا أوصله،فما الظنّ بقلب تمكّن منه عدوه  وأحرص الخلق على عيبه وفساده وبعده من وليه : ومن وليه، ومن لا سعادة له ولا فلاح ولا سرور إلا بولايته؟

السادسة :أنه إذا تمكن من القلب واستحكم وقوي سلطانه أفسد الذهن وحدث الوساوس،وربما التحق صاحبه بالمجانين الذين فسدت عقولهم فلا ينتفعون بها،وأخبار العشاق في ذلك موجودة في مواضعها،بل بعضها يشاهد بالعيان،وأشرف ما في الإنسان عقله،وبه يتميّز عن سائر الحيوانات،فإذا عدم عقله التحق بالبهائم،بل ربما كان حال الحيوان أصلح من حاله،وهل أذهب عقل مجنون ليلى وأضرّ به إلا العشق ؟ وربما زاد جنونه على جنون غيره ،كما قيل:

قالوا: جُننت بمن تهوى ،فقلت لهم :                      العشقُّ أعظم مما بالمجانين

العشق لا يستفيق الدهر صاحبه                          وإنما يصرع المجنون بالحين

السابعة:أنه ربما أفسد الحواس أو أنقصها،إما افسادا معنويا أو صوريا،أما الفساد المعنوي فهو تابع لفساد القلب،فإن القلب اذا فسد فسدت العين والأذن واللسان،فيرى القبيح حسناً منه،ومن معشوقه ،فهو يعمي عين القلب عن رؤية مساوئ المحبوب وعيوبه فلا ترى العين ذلك،ويصمّ أذنه عن الإصغاء إلى العدل فيه،فلا تسمع الأذن ذلك ،والرغبات تستر العيوب،فإن الراغب في شئ لا يرى عيوبه حتى إذا زالت رغبته فيه أبصر عيوبه،فشدة الرغبة غشاوة على العين تمنع من رؤية الشئ على ما هو عليه .

والداخل في الشئ لا يرى عيوبه،والخارج منه الذي لم يدخل فيه لا يرى عيوبه،ولا يرى عيوبه إلا من دخل فيه ثم خرج منه،ولهذا كان الصحابة الذين دخلوا في الإسلام بعد الكفر خيراً من الذين ولدوا في الاسلام،قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه „إنما تنقض عرا الإسلام عروة عروة إذا ولد في الإسلام من لا يعرف الجاهلية“ .

وأما إفساده للحواس ظاهراً فانه يمرض البدن وينهكه،وربما أدى إلى تلفه،كما هو معروف في أخبار من قتله العشق .وقد رفع الى ابن عباس وهو بعرفة شاب قد نحل حتى عاد جلدا على عظم ،فقال : ما شأن هذا؟ قالوا : به العشق، فجعل ابن عباس يتعوّذ بالله من العشق عامة يومه .

الثامنة :أن العشق كما تقدم هو الإفراط في المحبة بحيث يستولي المعشوق على القلب من العاشق،حتى لا يخلو من تخيله وذكره والتفكر فيه ،بحيث لا يغيب عن خاطره وذهنه ، فعند ذلك تشتغل النفس بالخواطر  النفسانية فتتعطل تلك القوى،فيحدث بنعطيلها من الآفات على البدن والروح ما يعسر دواؤه ويتعذر،فتتغير أفعاله وصفاته ومقاصده،ويختل جميع ذلك فيعجز البشر عن صلاحه ،كما قيل:

الحبُّ أول ما يكون لجاجة                              يأتي بها وتسوقه الأقدار

حتى إذا خاض الفتى لجج الهوى                 جاءت أمور لاتُطاق كبار

والعشق مبادئه سهلة حلوة،وأوسطه همّ وشغل قلب وسقم،وآخره عطب وقتل،إن لم تتداركه عناية من الله .

والعاشق له ثلاث مقامات :مقام ابتداء ،ومقام توسط ،ومقام انتهاء.

فأما مقام ابتدائه: فالواجب عليه مدافعته بكل ما يقدر عليه إذا كان الوصول إلى معشوقه متعذرا قدراً وشرعاً،فإن عجز من ذلك وأبى قلبه إلا السفر إلى محبوبه ،وهذا مقام التوسط والإنتهاء – فعليه كتمان ذلك وأن لا يفشيه الى الخلق،ولا يشمت بمحبوبه ولا يهتكه بين الناس ،فيجمع بين الظلم والشرك . فإن الظلم في هذا الباب من أعظم أنواع الظلم . وربما كان أعظم ضرراً على المعشوق وأهله من ظلمه في ماله،فإنه يعرض المعشوق بهتكه في عشقه إلى وقوع الناس فيه وانقسامه الى مصدق ومكذب،وأكثر الناس يصدق في هذا الباب بأدنى شبهة،واذا قيل : فلان فعل بفلان أو بفلانة ،كذبه  واحدة ،وصدقه تسعمائة وتسعة وتسعون ،وخبر العاشق المتهتك عن غير المتهتك عند الناس في هذا الباب يفيد القطع واليقين،بل اذا أخبرهم المفعول به عن نفسه كذبا وافتراء على غيره جزموا بصدقه جزما لا يحتمل النقيض . بل له جمعهما مكان واحد اتفاقا،جزموا أن ذلك عن وعد واتفاق بينهما ،وجزمهم في هذا الباب على الظنون والتييل والشبهة والأوهام والأخبار الكاذبة  كجزمهم  بالحسيات المشاهدة ،وبذلك  وقع أهل الإفك في الطيبّة المُطيّبة،حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم،المُبرأة من فوق سبع سموات ،بشبهة مجئ صفوان بن المعطل بها وحده خلف العسكر ،حتى هلك من هلك ،ولولا أن تولى الله سبحانه براءتها والذبّ عنها وتكذيب قاذفها لكان أمراً آخر .

والمقصود :أن في اظهار المبتلى عشق من لا يحل له الإتصال به من ظلمه وأذاه ما هو عدوان عليه وعلى أهله،وتعريض لتصديق كثير من الناس ظنونهم فيه ،فإن استعان عليه بمن يستميله إليه ،أما برغبة أو رهبة تعدى الظلم وانتشر،وصار ذلك الواسطة ديوثا ظالما  واذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد لعن الرائش – وهو الواسطة بين الراشي والمرتشي لإيصال الرشوة – فما الظن بالديوث الواسطة بين العاشق والمعشوق في الوصلة المحرمة ؟فيساعد العاشق على ظلم  المعشوق مع غيره ممن يتوقف حصول غرضهما على ظلمة في نفس أو مال أو عرض،فإن كثيرا ما يتوقف حصول غرضه المطلوب على قتل نفس يكون حياتها  مانعة من غرضه ،وكم قتيل طل – أهدر – دمه بهذا السبب من زوج وسيد وقريب ، وكم خببت امرأة على بعلها وجارية على سيدها ،وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك وتبرأ منه ،وهو من أكبر الكبائر ،واذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى أن يخطب  الرجل على خطبة أخيه،وأن يسوم على سومه،فكيف بمن يسعى بالتفريق بينه وبين امرأته وأمته حتى يتصل بهما ؟ وعشاق الصور ومساعدوهم من الديثة لايرون ذلك ذنبا،فإن في طلب العاشق وصل معشوقه مشاركة الزوج والسيد،ففي ذلك من اثم ظلم الغير ما لعله لا يقصر عن إثم  الفاحشة، إن لم يرب عليها ،ولا يسقط حق الغير بالتوبة من الفاحشة،فإن التوبة وان اسقطت حق الله فحق العبد باق له المطالبة به يوم القيامة،فان من ظلم الوالد بإفساد ولده  وفلذة كبده ومن هو أعز عليه من نفسه وظلم الزوج بإفساد حبيبته والجناية على فراشه – أعظم ممن ظلمه بأخذ ماله كله – ولهذا يؤذيه ذلك أعظم مما يؤذيه أخذ ماله ولا يعدل ذلك  عنده إلا سفك دمه ،فياله من ظلم أعظم اثماً من فعل الفاحشة،فإن كان ذلك حقاً لغاز في سبيل الله أوقف له الجاني يوم القيامة ،وقيل له „خذ من حسناته ما شئت“ كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال صلى الله عليه وسلم „فما ظنكم „أي فما تظنون يبقى له من حسناته؟ فإن انضاف الى ذلك أن يكون المظلوم جاراً ،أو ذا رحم محرم ،تعدد الظلم وصار ظلماً مؤكداً لقطيعة الرحم وأذى الجار،ولا يدخل الجنة قاطع رحم ولا يأمن جاره بوائقه“.

وجاء في زاد المعاد لإبن القيم أيضاً رحمه الله ما مختصره :

والمقصود: أن العاشق لما كان مرضاً من الأمراض،كان قابلاً للعلاج ،وله أنواع من العلاج، فان كان مما للعاشق سبيل الى وصل محبوبه شرعاً وقدراً ،فهو علاجه ،كما ثبت في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم،فانه له وجاء„، فدل المحب على علاجين : أصلي ،وبدلي . وأمره بالأصلي ،وهو العلاج الذي وضع لهذا الداء ،فلا ينبغي العدول عنه الى غيره ما وجد اليه سبيلا“.

ويقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله(صور وخواطر ـ مقال بعنوان:القبر التائه ـ ):

„كم ذا يقاسي العاشقون ويتألمون،ولا يدري بهم أحد،ولا يبلغ وهم إنسان تصوّر ما يعانون.

كم للحب من شهداء عاشوا يائسين،وقضوا صامتين،فما حازوا مجداً ولا فخاراً،ولا اشتروا جنة ولا أمنوا ناراً.

مساكين…يعيشون في دنيا الناس وليسوا فيها،يرون بغير العيون،فلا يرى الناس مايرون،ولايبصرون مايرى الناس،يموت عندهم كل حي مالم يتصل بالحبيب،ويحيا كل ذي صلة به حتى الجماد.إن فكروا ففي المحبوب،أو تكلموا فَعنه،أو اشتاقوا فإليه،أو تألموا فعليه…

فإن تكلمت لم أنطق بغيركم                  وإن سكتُّ فشغلي عنكم بكمُ

وإن منحوا الدنيا باعوها كلها بقبلة منه أو شمّة أو ضمّة،ثم لم يأملوا إلا دوامها،أو الموت بعدها لئلا يجدوا فقدها،لا يألمون إن قال الناس مجانين،ولايحزنون إن نالهم الاذى،بل ربما سرهم مايسوء،إن كان فيه رضا المحبوب.

ويا ويلهم من العذال. ويا ويل الشجي من الخلي!

يلومون قيساً،لأنهم لايرون ليلاه إلا كسائر النساء،ففي كل امرأة عوض عنها وبديل منها،ولو استعاروا عيني قيس فنظروا بهما لرأوا ليلى هي الدنيا،وهي الأخرى.وهي الروح،لولاها ماكانت الحياة،ولا أضاءت الشمس،ولا أنار القمر،ولابسم الروض،ولا ضحك الينبوع،ولا همس النسيم،ولا غنى الطائر،ولا كان في الدنيا جميل.

قصة الحب هي القصة الأزلية التي تكرر دائماً،وتعاد أبداً،لا تمل ولا تسأم.وهل يمل حديث الحب ويحكم؟نقرؤها كل يوم فلانراها تبدل فيها إلا الاسم،فهي آناً قصة ليلى أو لبنى أو عفراء أو سلمى كرامة،وهي آناً قصة هلويز أو ماجدولين أو فرجيني أو شارلوت،ولا تغيّر إلا المنازل،فمن بطاح نجد إلى ضفة البحيرة،إلى ساحل الدنيا الجديدة،إلى ظلال الزيزفون..أما القصة فهي هي ما تبدلت ولا تغيرت،ولا يمكن أن تتبدل حتى تبدل الأرض غير الأرض“

ويقول الشيخ علي الطنطاوي أيضاً(صور وخواطر مقال بعنوان:في الحب):

„ومن حرّم الكلام في الحب؟والله الذي أمال على الزهرة حتى تكون الثمرة،وعطف الحمامة على الحمامة حتى تنشأ البيضة،وأدنى الجبل من الجبل حتى يولد الوادي،ولوى الارض في مسراها حتى يتعاقب الليل والنهار،هو الذي ربط بالب القلب بالقلب حتى يأتي الولد.

مافي الحب شىء،ولا على المحبين سبيل،إنما السبيل على من ينسى في الحب دينه،أو يضيع خلقه،أو يهدم رجولته أو يشتري بلذة لحظة في الدنيا عذاب ألف سنة في جهنم.

ويتابع رحمه الله:“ومتى كان المحبون يحفلون في الدنيا،بغير المحبوب؟لا يعرف المحب إلا ليلاه،يحيا لها،ويموت فيها،أكبر همّه من العيش أن تعطف عليه بنظرة،أو تجود له ببسمة،أو أن تمس بيدها يده فتمشي في أعصابه مثل هزّة الكهرباء،ويسكر منها بلا دنّ ولاقدح،ويطرب بلا حَنجرة ولاوتر،وغاية أمانيه من الدنيا أن يلقي برأسه على صدرها،أو يجمع فاه إلى فيها،في ذهلة لذة عميقة،تحمله إلى عالم مسحور،يجتمع فيه الزمان كله،وتختصر فيه الأمكنة جميعاً،فتكون هذه اللحظة هي الأزل وهي الابد،وهي الماضي وهي المستقبل،ويكون المحبّان هما وحدهما الناس…

وهذا أبداً دأب العاشقين،إنهم يئسوا من أن يساعدهم الناس على بلواهم،فتركوا دنيا الناس وعاشوا وحدهم في دنياهم،هاموا على وجوههم يبحثون عن قطع قلوبهم التي خلفوها في مدارج الهوى،وملاعب الصبا،وتحت الاطلال،يسائلون الحفر والحجارة،ويناجون الأحلام والأوهام“.

ويصف الشيخ علي الطنطاوي إنساناً مصاباً بداء العشق فيقول(من حديث النفس ـ  مقال بعنوان الشفاء ـ ):

„كان مصاباً بالسل،ولكنه سل غريب قاتل،لم يكن في الرئة ولا في الأمعاء،بل كان في النفس،في الفكر،فكان يعطل شعوره وتفكيره،ويخنق حياته،ويهدّ كيانه…كان مصاباً „بداء الحب“.

خمدت جذوة قريحته،وتعطلت ملكاته كلها،وضاع ذكاؤه وبادت فطنته،وضاق كل شىء في نظره،فأصبح يراه مقتضباً مختصراً:المسرات كلها اختصرت في لقاء من يحب،والآلام في فراقه،والواجبات كلها في إرضائه،والمحرمات كلها في إغضابه،واختصر كتاب حياته،وطمس اسمه وعنوانه،فكانت حاشية صغيرة على هامش حياة التي يحبها،واختصرت الدنيا الطويلة العريضة المليئة بالفضائل والأمجاد،الفياضة بالجمال،والحقيقة والخير،فكانت كلها هذه المرأة…

وأقهمَ عن الطعام واجتواه،وأصبح خالفاً لا يشتهيه ولا يميل إليه،وإذا اضطر أكلَ أكلَ من قزّت نفسه واكتفى بلقيمات مايقمن صلبه،كأنّ هذا المرض لايرضيه ما يفسد من النفس،حتى يحطم الجسم،وأصابه الأرق،فأمسى يبيت ليله سهران مسهداً،وإذا رنق النوم في عينيه،وغلبته حاجة جسمه خفق خفقة،ثم أفاق فزعاً،يفكر في هذا الإنسان،يخاف أن يطير مع الانفاس،أو يسيل مع الدمع،أو يغرق في بحر عينيه!

فهزل جسمه وخارت قواه،وتراخت مفاصله،وشحب وجهه،وآض ساهماً رازماً،ضعيفاً مُخَبخَباً،ولم يعد يعيش إلا على المجاز،يعيش بذكرى أيامه الماضية قبل أن يصيبه هذا السل،أيام كان ذا جسم قوي،وفكر ثاقب،وقلب شاعر…ولم يعد ينتفع بنفسه،أو ينتفع بها الناس بشىء،لأنه أصبح لا لنفسه ولا للناس ولا للحياة،ولكن لإنسان واحد يحبه…“.

وجاء في كتاب الأمالي للقالي(ص205):

„الشّغف:حُرقة يجدها الرجل مع لذّة في قلبه.قال امرؤ القيس:

أيقتلني وقد شَغفتُ فؤادها               كما شغفَ المهنوءة الرجلُ الطالي

لأن المهنوءة تجد للِهناء لذةً مع حرقة.

والشّغف أن يبلغ الحبُّ شَغاف القلب،والشّغاف أيضاً داء يكون في أحد شقيِّ البطن.قال النابغة:

وقد حالَ همٌّ دون ذلكَ والجٌ              ولوجُ الشّغافِ تبتغيه الأصابع

يعني أصابع الأطباء يلمسنه،هل وصل إلى القلب أم لا،لأنه إذا اتصل بالقلب تلف صاحبه.

طرفة بن العبد:

أصحوتَ اليومَ أم شاقتكَ هِرّ          ومن الحُبِّ جنونٌ مُستعر

المتنبي:

كُفِّى،أراني،ويكِ،لومَكِ ألوما            همٌّ أقامَ على فؤادٍ أنْجَما

وخيالُ جسمٍ لم يُخَلِّ له الهوى          لحماً فيُنحلهُ السّقامُ ولا دما

وخفوقُ قلبٍ لو رأيتِ لهيبَهُ               يا جنّتي،لظننتِ فيه جهنّما

وإذا سحابةُ صدِّ حُبٍّ أبرقت               تركت حلاوة كلُّ حبٍّ علقما

أبو تمام:

سقيمٌ لا يموتُ ولا يُفيقُ                              قد أقرح جفنه الدمعُ الطليقُ

شديد الحزن يحزن من يراهُ                        أسيرُ الصبر ناظرهُ أريقُ

ضجيع صبابةٍ وحليفُ شوقٍ                      تَحّمل قلبهُ مالا يطيقُ

يظلُّ كأنه مما اجتواهُ                               يُسَعّرُ في جوانبه الحريقُ

أبو تمام:

أما وأبيها لو رأتني لأيقنت                          بطولِ جوى ينفضُ منه الحيازمُ

رأت قسماتٍ قد تَقَسّمَ نَضرها                    سُرى الليل والإسادُ فهي سَواهِمُ

وتلويحَ أجسامٍ تَصَّدعُ تحتها                        قلوبٌ رياحُ الشوقِ فيها سمائمُ

البحتري:

كم ليلةٍ فيكِ بتُّ أسهرها                         ولوعة في هواكِ أضمرها

وحُرقةٍ والدموعُ تُطفئها                            ثم يعود الجوى فيُسعرها

يا عَلوُ علَّ الزمانَ يُعقبنا                          أيامَ وصلٍ نظلُّ نشكرها

البحتري:

وخِلافُ الجميلِ قولُكَ للذّا                        كر عهدَ الأحبابِ صبراً جميلا

لا تلمهُ على مواصلة الدّمعِ                    فلؤمٌ لومَ الخليلِ الخليلا

علَّ ماء الدموع يُخمدُ ناراً                        من جوى الحبِّ أو يبلُّ غليلا

بشار بن برد:

وإنّي لصّرافٌ لقلبي عن الهوى                       وإن حنَّ تحنانَ المخاضِ الضواربِ

تكلفّني من حبِ“عبدة“ زفرةٌ                          وفي زفراتِ الحبِّ كربٌ لكاربِ

وللحبُّ حُمّى تعتريني بزفرةٍ                          لها في عظامي نافِضٌ بعد صالبِ

فويلي من الحُمّى وويلي من الهوى             لأيهما أبغي دواء الطبائبِ

بشار بن برد:

قد ذُقتُ أُلفتهُ،وذقتُ فراقهُ                            فوجدتُ ذا عسلاً،وذا جمرَ الغضا

يا ليتَ شعري!فيمَ كانَ صدودهُ                      أأسأتُ أم رعدَ السّحابُ وأومضا

ويلي عليه،وويلتي من بَينهِ                            كان الذي قد كان حُلماً فانقضى

سبحانَ من كتبَ الشّقاءَ لذي الهوى                    ما كانَ إلا كالخضابِ فقد نضا

بشار :

وأعينا امرأً جفا ودُّهُ الحيُّ                           وأمسى من الهوى في عناء

اعرضا حاجتي عليها وقولا:                         أنسيت السَّرار تحت الرداء

ومقامي بين المصلّى إلى المنبرِ                أبكي عليك جهد البكاء

ومقال الفتاةِ: عودي بحلمٍ                          ما التجني من شيمة الحلماء

فاتقي الله في فتىً شَفَّهُ الحب                وقولُ العدى وطولُ الجفاء

أنت باعدته فأمسى من الشو                  قِ صريعاً كأنَّهُ في الفضاء

فاذكري وأيهُ عليك وجودي                     حسبُكِ الوأيُ قادحاً في السَّخاءِ

قد يسئُ الفتى ولا يُخلفُ الو                  عد فأوفي ما قلت بالرَّوحاء

إنَّ وعد الكريم دَينٌ عليه                        فاقضِ واظفرْ به على الغرماء

فاستهلَّتْ بعبرةٍ ثم قالت                        كان ما بيننا كظلِّ السَّراء

يا سليمى قومي فروحي إليه                  أنتِ سُر سُورتي من الخلطاء

بلغيه السلام مني وقولي:                       كلُّ شئٍ مصيرهُ لفناء

فتسلَّيتُ بالمعازفِ عنها                          وتعزَّى قلبي وما من عزاء

بشار :

إذا ما ذكرتكَ العي                                نُ لم تملِك لها غَربا

كأنّي بك مطبوبٌ                                  وما أحدثتَ لي طِبّا

ولكن حُبُّكَ الداخ                                    لُ في الأحشاء قد دَبّا

أفي شوق ترى جسمي                      صببتَ الهَمَّ لي صَبَّا

وهبني كنتُ أذنبتُ                               أما تغفرُ لي ذنبا

تركتَ القلبَ قد ماتَ                             وما أبقيتَ لي لُبَّا

أبيتُ الليلَ محزوناً                                 وأغدو هائماً صَبَّا

كذي الوسواس لا يُعتِ                         بُ من عاتبَ أو سبَّا

وطِفلُ الحُبِّ أضناني                            فويلٌ لي إذا شَبَّا

فإنّي ليسَ لي قلبٌ                              وإن كنت ترى قلبا

كذا نُمسي وما يُمسي                         لنا سِلماً ولا حربا

فحدّثني  بما أدعو                                كَ طولَ الليلِ مُنكَبَّا

أتشفيني من الأسقا                            مِ أم توردُني نحبا

فإنَّ الموتَ قد طابَ                             لمن أوردتهُ جَدبا

يُلبي قِبلة  الأزدِ                                 ولولا أنت ما لبّى

بشار بن برد:

يا عبدَ حُبُّكِ شَفنَّي شفَّاً                      والحُبُّ داء يورثُ الحتفا

ابن الرومي:

حليفُ سُهادٍ ليلهُ كنهارهِ                       يبيتُ شِعارُ الهَمِّ دُونَ شعاره

ألا مات من ماتَ السماح بموتهِ            فأعوزَ من يوفي بذمةِ جارهِ

بنفسي من لم يؤذِنا بأنينهِ                  ولم يؤذ جاري بيتهِ بجوارهِ

حبيبٌ دعاه مُستزيراً حبيبُهُ                 فخَفَّ لهُ مستبشراً بمزارهِ

وقصَّرَ شكواه فكانت كأنها                  طريقٌ أراهُ كيف وجهُ احتضارهِ

ولم تَطُلِ البلوى عليهِ لعلمهِ                بتسليمهِ فيما مضى واصطبارهِ

تبلج عند الموت وابيضَّ وجههُ             تبلُّجَ ضوء الفجر عند انفجارهِ

فشككَّنا في موتهِ غير أنّهُ                    أبانَ لنا في طرفهِ وانكسارهِ

فلو كان يدري قَبرُهُ من يحلُّهُ               تفرَّجَ بالترحيبِ قبلَ احتفارهِ

ابن الرومي:

شكا قلبي جناية طرفِ عيني                  وقال: رأى فأغرى بي غراما

فقلتُ وقد جنى شراً عليه:                     ألست تراه قد هجر المناما؟

فقال الجسم: اشكو ذا وهذا                فإنهما اعاراني سقاما

(يشكو قلبه ونظره)

فقلت : ثلاثةٌ كلٌّ جناه                           أقام بكم بلاؤكم وداما

فطرفي ساهرٌ والجسمُ مُضنىً            وقلبي ليس يبرحُ مُستهاما

البحتري:

لولا الرجاءُ لمتُّ من ألمِ الهوى           لكنَّ قلبي بالرجاءِ موكل

ولقد قال طبيبي                               وطبيبي ذو احتيال

اشكُ ما شئتَ سوى ال                    حبِّ ، فإنّي لا أبالي

سقمُ الحبِّ رخيصٌ                          ودواءُ الحبِ غالي

الفرزدق:

ولقد ضَنيتُ من النساءِ ولا أرى              كضنىً بنفسي منكِ أُمَّ الهيثمِ

كيفَ السلامةُ بعدما تَيمتنّي                 وتركتِ قلبي مثلَ قلبِ الأيهمِ

(المصاب بمس في عقله)

قطعّتِ نفسي ماتجئُ سريحةً               وتركتني دَنفاً ، عُراقَ الأعظُمِ

الفرزدق :

فقل لطبيبِ الحُبِّ إن كان صادقاً            بأيِّ الرُّقى تشفي الفؤادَ المتيَّما

فقال الطبيبُ: الهجرُ يشفي من الهوى    ولن يجتمع الهجرانُ قلباً مقسماً

أبو نواس:

أظُنني ذائِقاً حِمامي                             وأنَّ  إلمامَهُ قريبُ

إذا فؤادٌ شجاهُ حُبٌّ                            فقلّما ينفعُ الطبيبُ    

الشريف الرضي:

داءُ غَرامٍ مالَهُ من إفراقْ                     قد كَلَّ ىسيهِ، وقد ملَّ الراقْ

مهيار الدّيلمي:

لكنَّ شوقاً حَرَّهُ في أضلعي                       جنايةٌ لا يُملَكُ اغتفارُها

ولوعةٌ إذا تنفسَّتُ لها                                 عن كبدي حَرَّقني أوارُها

فهل لهذا الداء من راقيةٍ                             ينفِثُ في عُقدتِهِ  سَحَّارُها

أم هل يكونُ من لطيف برِّكم                      زيارةٌ تقضى بكم أوطارُها

أبو العتاهية:

قالَ لي أحمدٌ،ولم يدرِ ما بي                     أتُحبُّ الغداةَ(عُتبةَ) حقاً؟

فتنفّستُ،ثم قلت:نعم،حبّاً                       جرى في العروق، عرقاً فعرقا

لو تَجسِّينَ يا(عُتيبةُ) قلبي                      لوجدتِ الفؤاد قرحاً..تفقّا

قد لعمري ملَّ الطبيبُ وملّ ال                 أهلُ منّي،ممّا أقاسي وألقى

ليتني متّ فاسترحتُ،فإني                     أبداً ـ ما حييتُ ـ منهُ ملقّى

عمر بن أبي ربيعة:

قد كنتُ أحسَبُني جليداً عنكُمُ                  فإذا فؤادي غيرُ ذي عَزمِ

ما كنتُ أحَسبُ أنَّ حُبَّاً قاتلي                 حتى بُليتُ مما برى جسمي(بما)

أورثتني داءً أخامِرُهُ                                 أسماءُ بَزَّ اللحمَ عن عظمي

لو كُنتِ أنتِ قسمتِ ذاكَ لهُ                     مِني عليه لجُرتِ في القسمِ