الإعجاز الطبي — النوم على اليمين والقلب
- ١ الإعجاز الطبي — المقدمة والصوت
- ٢ الإعجاز الطبي — السمع والبصر
- ٣ الإعجاز الطبي — العين والشم
- ٤ الإعجاز الطبي — الذوق والنوم
- ٥ الإعجاز الطبي — النوم على اليمين والقلب
- ٦ الإعجاز الطبي — الطب النبوي والختام
“في اضطجاعه على شقه الأيمن سر،وهو أن القلب معلق في الجانب الأيسر،فإذا نام الرجل على الجنب الأيسر،استثقل نوماً،لأنه يكون في دعة واستراحة،فيثقل نومه،فإذا نام على شقه الأيمن فإنه يقلق ولايستغرق في النوم،لقلق القلب،وطلبه مستقره وميله إليه،واستحب النوم على الجنب الأيمن،لئلا يثقل نومهفينام عن قيام الليل،فالنوم على الجانب الأيمن أنفع للقلب،وعلى الجانب الأيسر أنفع للبدن”.
وأما النوم على الجانب الأيسر فقد تبين طبياً أنه يسبب تأخر أفراغ المعدة من الطعام،كما أن الاضطجاع على الشق الأيسر يجعل الرئة اليمنى الكبيرة تضغط على القلب وتقلل من نشاطه.
وجاء النهي عن النوم على البطن،فيما رواه ابن ماجه وصححه الألباني عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: أصابني رسول الله صلى الله عليه وسلم نائماً في المسجد على بطني،فركضني برجله وقال:”يا جُنيدب،إنما هذه ضِجعة أهل النار”،وفي رواية :”مالك ولهذا النوم،نومة يكرهها الله أو يبغضها الله”.
في منتصف السبعينات من القرن الماضي كان يستحسن عند الأوربيين النوم على البطن عند الرضع،ولكن وجد في نفس الوقت ازدياد حالات الموت المفاجىء عند الرضع بسبب هذه الوضعية،ولذا توجهت الدراسات فيما بعد إلى التحذير من نوم الرضع على البطن،وينصح اليوم بالنوم على أحد جانبي الجسم عند الرضيع مع رفع رأس الطفل قليلاً وهذا يقي أيضاً من محذور القلس المعدي ـ المريئي واستنشاق المفرزات.
كما أن النوم على البطن يؤدي لعدم استطاعة الصدر التمدد والتقلص الكافيين عند الشهيق والزفير،وكذلك إلى جانب الضغط على الأحشاء مباشرة،ومايسببه من عسر الهضم.كما أن تقل كتلة الظهر والهيكل العظمي تقع على الرئتين.
والنوم على الظهر هو أيضاً غير صحي،لأن ذلك يترافق مع التنفس عن طريف الفم وليس الأنف،وذلك بسبب استرخاء الفك السفلي،كما أن النوم على الظهر يزيد من أعراض انقطاع التنفس أثناء النوم حيث يشاهد زيادة حالات انقطاع النفس بالاضطجاع على الظهر،والذي يعالج عند كثير من المرضى بوسائل تساعد على النوم على أحد الجانبين.كما أن النوم على الظهر يزيد من حدوث الشخير وذلك لأ ن شراع الحنك واللهاة يعيقان مجرى التنفس.
نوم القيلولة:
يقول تعالى في كتابه العزيز:{ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآياتٍ لقوم يسمعون}[الروم 23].
ويقول تعالى:{وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة}[النور 58].
كان من عادة العرب في الجاهلية النوم والاسترخاء وقت تعامد الشمس،وربما كان ذلك لشدة الحرارة في ذلك الوقت،وأقرها الإسلام وحث عليها،فقد جعلها ضمن أوقات الاستئذان الثلاثة،بقوله تعالى”وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة”،وهو يضعون ثابهم استعداداً وتأهباً للنوم.
وقال تعالى:{وكم من قريةٍ أهلكناها فجاءها بأسنا بياتاً أو هم قائلون}[الأعراف 4].
وقال تعالى:{أصحاب الجنة يومئذٍ خيرٌ مستقراً وأحسنُ مقيلا}[الفرقان 24]،فمن النعيم الذي يكون فيه أهل الجنة أنهم يقيلون كما كانوا يقيلون في الدنيا وأحسن.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام يحافظون عليها ،فكانوا لايخرجون من بيوتهم في هذا الوقت إلا لحاجة.
وقال حجة الإسلام أبي حامد الغزالي رحمه الله:”القيلولة سنة يستعان بها على قيام الليل كما أن التسحر سنة يستعان به على صيام النهار”.
إن التعب الذي يشاهد في أوائل مابعد الظهيرة عبارة عن ظاهرة طبيعية لها علاقة مع النظم الدوري للجسم وليس كما يظن البعض بسبب وجبة الغذاء الثقيل،وينصح هنا إذا أمكن بالنوم لمدة 30 ـ 90 دقيقة مابعيد الظهر،وهذا ما أظهره مقال نشر في جريدة النيويورك تايمز والذي أكدته دراسات علمية وافية ومؤكدة عن فوائد النوم بعد الظهر،ومنها دراسات مشفى اضطرابات النوم التابعة لمعهد الأبحاث لجامعة ستانفورد في كاليفورنيا.
وقد أظهرت الدراسات أنه يحدث الميل للنوم بعد الظهر حتى ولو كان الشخص قد نام ساعات كافية أثناء الليل،وأظهرت الدراسات أيضاً أن النوم بعد الظهر يؤدي إلى نشاط الجسم واليقظة،وزيادة الفعالية.ووجد أن الوم بعد الظهر تنقص فيه فترة الأحلام،ويكون معظم حدوثه في طور النوم العميق.ولقد وجد أنه إذا أوقظ النائم بعد الظهر بشكل مفاجىء فإنه يصاب بحالة من الارتباك والذهول والشعور السىء وسوء الاهتداء،ولذا لاينصح بالإيقاظ السريع أو المفاجىء أو المزعج لهؤلاء النائمين.
وجعلنا نومكم سباتاً:
يقول تعالى:{وهو الذي جعل لكم الليل لباساً والنوم سباتاً وجعل النهار نشورا}[الفرقان 47].وقال تعالى:{وجعلنا نوكم سباتا}[النبأ 9].
والسبات هو الراحة وانقطاع الإنسان عن العمل الجسمي والذهني.
والسبات في اللغة:الانقطاع عن العمل،وهو أيضاً النوم الذي لايخالطه إزعاج،ولذلك سميت الراحة والانقطاع عن العمل سباتاً.
والسبات هو أن ينقطع عن الحركة والروح في بدنه،أي:جعلنا نومكم راحة لكم،وجعلنا نومكم قطعاً لأعمالكم لأن أصل السبت القطع.
يقول الشهيد سيد قطب في الظلال في تفسير الآية الكريمة من سورة النبأ:
“وكان من تدبير الله للبشر أن جعل النوم سباتاً يدركهم فيقطعهم عن الإدراك والنشاط،ويجعلهم في حالة لا هي موت ولاهي حياة،تتكفل بإراحة أجسادهم وأعصابهم،وتعويضها عن الجهد الذي بذلته في حالة الصحو والإجهاد والإنشغال بأمور الحياة..وكل هذا يتم بطريقة عجيبة لايدرك الإنسان كنهها ولا نصيب لإرادته فيها،ولا يمكن لأن يعرف كيف تتم في كيانه.
فهو في حالة الصحو لايعرف كيف يكون وهو في حالة النوم.وهو في حالة النوم لايدرك هذه الحالة ولايقدر على ملاحظتها.وهي سر من أسرار تكوين الحي لايعلمه إلا من خلق هذا الحي وأودعه ذلك السر،وجعل حياته متوقفة عليه.فما من حي يطيق أن يظل من غير نوم إلا فترة محدودة.فإذا أجبر إجباراً بوسائل خارجة عن ذاته كي يظل مستيقظاً فإنه يهلك قطعاً.
وفي النوم أسرار غير تلبية حاجة الجسد والأعصاب…إنه هدنة الروح من صراع الحياة العنيف،هدنة تلم بالفرد فيلقي سلاحه ـ طائعاً أو غير طائع ـ ويستسلم لفترة من السلام الآمن،السلام الذي يحتاجه الفرد حاجته إلى الطعام والشراب.ويقع مايشبه المعجزات في بعض الحالات حين يلم النعاس بالأجفان،والروح مثقل، والأعصاب مكدودة،والنفس منزعجة،والقلب مروع.وكأنما هذا النعاس ـ وأحياناً لايزيد على لحظات ـ انقلاب تام في كيان هذا الفرد،وتجديد كامل لا لقواه،بل له هو ذاته،وكأنما هو كائن حين يصحو جديد.
ولقد وقعت هذه المعجزة بشكل واضح للمسلمين المجهودين في غزوة بدر وفي غزوة أحد،وامتنّ الله عليهم بها وهو يقول:{إذ يُغَشيِّكمُ النعاسَ أمنةً منهُ}[الانفال11]{ثمَّ أنزلَ عليكُم من بعدِ الغمِّ أمنةً نعاساً يغشى طائفةً منكم}[آل عمران 154]كما وقعت للكثيرين في حالات مشابهة.
فهذا السبات،أي الانقطاع عن الإدراك والنشاط بالنوم ضرورة من ضرورات تكوين الحي،وسر من أسرار القدرة الخالقة،ونعمة من نعم الله لايملك إعطاءها إلا إياه”.
ويقول ابن عاشور في التحرير والتنوير:”وفي هذا امتنان على الناس بخلق نظام النوم فيهم،لتحصل لهم راحة من أتعاب العمل الذي يكدحون له في نهارهم،فالله تعالى جعل النوم حاصلاً للإنسان بدون اختياره. فالنوم يلجىء الإنسان إلى قطع العمل لتحصل راحة لمجموعه العصبي الذي ركنه في الدماغ.فبتلك الراحة يستجد العصب قواه التي أوهنها عمل الحواس وحركات الأعضاء وأعمالها.بحيث لو تعلقت رغبة أحد بالسهر لابد له من أن يغلبه النوم وذلك لطف بالإنسان بحيث يحصل له مابه من منفعة مدركه قسراً عليه لئلا يتهاون به.ولذلك قيل: إن أقل الناس نوماً أقصرهم عمراً”.
ويقول الشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني:”النوم حاجة متكررة معروفة من حاجات الأحياء وهو في حقيقته وفاة صغرى للنفوس،ففيه يتوقف الحس الظاهر عن العمل فيكون النائم كالميت الذي لا يستجيب لشىء مما حوله”.
“وجعلنا الليل والنهار آيتين::
يقول الله تعالى في كتابه العزيز:{وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شىءٍ فصلناه تفصيلا}[الإسراء 12].
وفي هذه الأية الكريمة يبين الله تعالى أنه خلق الليل والنهار أيتين،من آياته الكونية،التي تدل على حكمته وقدرته وبديع صنعه،فالإنسان يحتاج إلى سكون الليل ليلجأ إليه في راحة وسكون من جراء التعب والجهد الذي لاقاه في تحصيل معيشته والبحث عن قوت يومه أثناء النهار،فلكل شأن ولكل دور.فالليل ومايحيط به من نجوم وظلام ،ومايمتاز به من سكينة وهدوء،هو السكن والملاذ للإنسان،يتمتع فيه بالراحة وينال قسطاً وافياً من النوم لكي يعينه على قضاء حوائجه في النهار المقبل ومايصاحبه من ضجيج وحركة ودوران دولاب الحياة.
العمل بالليل والنوم أثناء النهار:
نبين الدراسات أن العمل أثناء الليل لايسبب فقط انزعاجاً على مستوى اضطرابات النوم واضطرابات الحياة الاجتماعية،بل إنه قد يسبب بعض الحالات المرضية ومنها القمه(قلة الشهية) والاضطرابات المعدية ـ المعوية ومنها حس الحرقة خلف القص والإقياء والإسهال أو الإمساك، كما أنه قد يستدعي حدوث قرحات هضمية،واضطرابات نفسية ـ حركية المنشأ ومنها سرعة التعب وسرعة الاستثارة.
إن قابلية الجهد عند الإنسان تصل حدها الاٌصى قبيل الظهيرة،ثم تتراجع مابين الساعة 12 ـ 16 مابعد الظهيرة،ثم تزداد قليلاً وتصل إلى الذروة الثانية ـ ولكن أقل من الذروة الأولى ـ ومن ثم تتراجع عند الساعة الثامنة مساء.وأسوأ ساعات العمل وقابلية الجهد تكون مابين الساعة 2 ـ 4 صباحاً،ومن ثم تزداد قليلاً وبالتدريج حتى تصل القمة حوالي الساعة التاسعة صباحاً.
كما يوجد نظم دوري معين لوظائف الجسم،حيث أن إفراز العصارة الصفراوية يكون أقصاه نهاراً ويتراجع ليلاً،والكبد تقوم باختزان الغليكوجين أفضل مايمكن الساعة الثانية صباحاً،والإفرازات المعدية الحامضية تكون قليلة في الليل وتصل الذروة مابعد الظهيرة،أو أوائل المساء.
كما أن الإفرازات الهرمونية تختلف حيث لوحظ أن هرمون النمو يزداد إفرازه قرب منتصف الليل وينخفض ؤعند الصباح.وإن الكورتيزون والكاتيكولا أمينات مثل الأدرنالين يرتف تركيزها في الصباح الباكر وينخفض تدريجياً حتى منتصف الليل.
وتجمع الدراسات على أن العمل مابين الساعة 1 ـ 4 صباحاً يترافق مع مشاكل صحية ـ اجتماعية وهذا ينطبق على الجنسين.
قيام الليل والتهجد:
يقول تعالى:{إن ناشئة الليل هي أشدّ وطأً وأقوم قيلا}[المزمل6]
وجاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”أحبّ الصيام إلى الله صيام داود،كان يصوم يوماً ويفطر يوماً،وأحبّ الصلاة إلى الله صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه”.
وفي الحديث الذي أخرجه البخاري يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:”يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا نام ثلاث عقد،يضرب كل عقدة:عليك ليل طويل فارقد،فإذا استيقظ وذكر الله انحلت عقدة،فإن توضأ انحلت عقدة،فإن صلى انحلت عقدة،فأصبح نشيطاً طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان”.
وكان نوم النبي صلى الله عليه وسلم أفضل نوم وأنفعه لأعضاء جسمه،فهو كان ينام أول الليل ويستيقظ أول النصف الثاني فيقوم ويستاك ويصلي ما يشاء الله له من الصلاة .
ويرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا كان يصلي في جوف الليل وغلبه النعاس حتى صار لايدري مايقول فالواجب عليه أن ينام عملاً بالسنة النبوية المطهرة،حيث جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها انرسول الله صلى الله عليه وسلم قال:“إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم،فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعسٌ لا يدري لعله يذهب يستغفر فيسبّ نفسه“(صحيح البخاري).
وعندما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فاستغرب من وجود حبل ممدود بين الساريتين،فقال:“ماهذا الحبل؟قالوا هذا حبل لزينب(بنت جحش)فإذا فترت تعلقت به،فقال النبي صلى الله عليه وسلم:“حلوه،ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليرقد“(صحيح مسلم ).
ومن الناحية الطبية:
إن الإنسان يحصل على حاجته من النوم في الثلث ألاول من الليل،وتعتبر هذه الساعات الأولى من الثلث ألول من الليل مشبعةً للجهاز العصبي والأعضاء الاخرى،حيث أن الساعات الأولى من النوم لها القدرة على إعادة الحيوية والفعالية الضرورية لأجهزة الجسم والدماغ.
وتبين الدراسات أن أعلى نسبة لغاز الأوزون تكون عند الفجر،وهذه النسبة تقل تدريجياً حتى تضمحل عند طلوع الشمس،وأما تأثير هذا الغاز فهو تأثير مفيد جداً للجهاز العصبي،ومنشطٌ جداً للعمل الفكري والعضلي،فمن بقي في فراشه واستيقظ بعد طلوع الشمس شعر طوال اليوم بالتعب وانهيار القوى.
كما أن تركيز هرمون الكورتيزول يكون أعلى مايمكن عند الفجر،وتبلغ نسبتها اثنتين وعشرين درجة عند الفجر،وتقل إلى سبع درجات وهذا الهرمون هام جداً وخاصة بالنسبة للنشاط الجسمي والاستقلاب.
ولقد حضّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على النوم المبكر بعد العشاء،وتخصيص الثلث الأخير من الليل للقيام والتهجد،وانتظار صلاة الفجر{وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا}[الإسراء 78].وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة لأصحابه وللمؤمنين في هذا يقول تعالى:{إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك}[المزمل 20].
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد القيام والتهجد ينام قليلاً قبيل صلاة الفجر،وأن ينام وقت السحر وهو السدس الأخير من الليل،فعن عائشة رضي الله عنها قالت:ما ألفاه السحر عندي إلا نائماً”.وحتى قال بعض السلف:”هذه الضجعة قبل الصبح سنة”.
وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السهر بعد العشاء،فعن أبي برزة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم”كان يكره النوم قبلها والحديث بعدها”،وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال:جدب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم السمر بعد صلاة العشاء”ـ يعني زجرنا.
ومدح الله تعالى عباده المؤمنين فقال:{كانوا قليلاً من الليل مايهجعون*وبالأسحار هم يستغفرون}[الذاريات17 ـ 18].وقال تعالى:{تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون}[السجدة 16]
وتبين الدراسات أن الإنسان الذي ينهض مبكراً يكون أكثر حيوية ونشاطاً وخفة،,اكثر إنتجاً وعملاً من الذي يطيل النوم حتى بزوغ الشمس.وتقول بعض الأبحاث أن ساعة النوم قبل منتصف الليل تساوي ثلاثة ساعات بعده. وتبين الأبحاث أن 70% من نومنا العميق غير الحالم يحدث خلال الثلث الأول من الليل.
يقول ابن القيم رحمه الله عن فضل وقت السحر:
“وأصدق الرؤيا،رؤيا الاسحار،فإنه وقت النزول الإلهي،واقتران الرحمة بالمغفرة،وسكون الشياطين،وعكسه رؤيا العتمة عند انتشار الشياطين والأرواح الشيطانية”.
وتدل الدراسات أيضاً أنه تهبّ في ساعات الفجر ريح خاصة تلطف الجو وقت الفجر وتسمى ريح الصبا،ويحسّ الإنسان بهذه الريح إحساساً كاملاً ويستذوق حلاوتها ويتمتع بلذتها،التي لاشبيه لها في أية ساعة من الليل أو النهار.يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:” اللهم بارك لأمتي في بكورها”.
النوم :الموت الأصغر:
يقول تعالى:{الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيُمسك التي قضى عليها الموت ويُرسل الأخرى إلى أجلٍ مسمى إنَّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكرون}[الزمر 42].
وسمي النوم بالموت الأصغر،لأن النائم لايعيش عالم الزمن والوعي والإدراك،ولكنه يعيش بعقله ونفسه وروحه في عالم آخر،لا يعيى فيه أمراً ولايدرك فيه شيئاً،ولا يحس بمرور الزمن،وإذا لم يستيقظ الإنسان من نومه،يكون قد دخل في حالة الموت الأكبر.
ويمكن أن نقول أن النوم هو فترة طبيعية تحدث للإنسان بدون اختيار منه تمنع الحواس عن العملمع سلامتها،وتمنه استعمال العقل مع قدرته فيعجز المكلف عن القيام بالواجب وأداء الحقوق.
إن الله عز وجل يقبض الأنفس أو الأرواح حين انقضاء آجالها بالموت،وهذا يسمى الوفاة الكبرى لأن الملائكة تقبض الأرواح من الأجساد ولاتعيده إليها.وكذلك فإن الله تعالى يتوفى الأنفس التي لم يأت أجلها عند النوم ويعيده إليها عند اليقظة ولذا يسمى النوم الوفاة الصغرى.ولذا جاء في الحديث الشريف:”إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزاره،فإنه لايدري ما خلفه عليه،ثم ليقل باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه،إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين”.[صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه].
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند الاستيقاظ من النوم:”الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور“[صحيح مسلم]
الرؤى والأحلام:
الأحلام:
جاء في موسوعة سفير(دائرة المعارف الإسلامية):
“الأحلام:جمع حِلم،أو حلُم.ومادة حلم في اللغة العربية تستعمل بمعنيين:
الأول:هو الحِلم،أي: الأناة والعقل وضبط النفس عند هيجان الغضب.وقد ورد|الحلم” بهذا المعنى في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للأشج(أشج عبد القيس):”إن فيك خصلتين يحبهما الله:الحلم،والأناة”.[صحيح مسلم]
كما ورد بمعنى العقل في قوله تعالى:{أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قومٌ طاغون}[الطور 32].
وفي قوله صلى الله عليه وسلم:”ليليني منكم أولو الأحلام والنهى،ثم الذين يلونهم،ثم الذين يلونهم”[صحيح مسلم].
أما الثاني:فهو الحلُم،أو الحُلْم،وهو مايراه النائم في المنام من أشياء،والأحلام قد تكون أثناء النوم وتسمى”أحلام النوم”،أو أثناء اليقظة وتسمى”أحلام اليقظة”.
1 ـ أحلام النوم:
وهي في حقيقتها نشاط ذهني للنائم،حيث ينهفض أثناء النوم كل من النشاط الذهني،والجسمي،والحركي للنائم،ومع هذا فإن ذهن النائم لايكون في حالة سكون تام،وعلى الرغم من أن بعض المراكز العصبية في الدماغ تكون أثناء النوم في حالة تشبه التخدير العميق،فإن بعضها الآخر يواصل نشاطه،ولكن على نحو ضئيل متقطع،لذلك فقد تثير المنبهات الخارجية،والمنبهات العضوية،أو الذهنية أنواعاً من الصور العقلية يراها النائم،وهي التي تعرف بأحلام النوم.
وقد أمكن حديثاً في معامل علم النفس التجريبي تسجيل الذبذبات الكهربائية لنشاط المخ أثناء النوم،لرصد درجة النشاط الذهني خلال أحلام النوم،وتسجيل وقت حدوثها.
وتنطوي هذه الأحلام ـ غالباً ـ على معانٍ تفوق في دلالتها المعاني التي تكشف عنها طبيعة المنبهات التي أثارتها،لأن النشاط الذهني يظل يعمل على الرغم من انخفاض مستواه أثناء النوم،ولايبدو هذا النشاط الذهني فيما تتخذه الصور التي تثيرها المنبهات الحسية من أشكال مركبة فحسب،وإنما يبدو أساساً في بعث صور جديدة،تنتظم وفقاً لمنطق الأحلام الذي يختلف تماماً عن منطق التفكير أثناء اليقظة.
وقد تبدو الأحلام مفككة متناقضة مشوّهة غريبة،كما قد تكون مترابطة وذات معنى.وقد توصل بعض العلماء،والأدباء،والشعراء أثناء نومهم إلى حلول مبتكرة لمشكلات لم يستطيعوا حلها أثناء يقظتهم.
ولا يرى الحالم عادة أثناء نومه حلماً واحداً،وإنما يرى عدة أحلام،وبخاصة في الفترة الأولى من النوم،وقبيل اليقظة،ولكنه ينسى معظم هذه الاحلام،وخصوصاً عند الانشغال بأمور خارجية بعد اليقظة مباشرة.
ومن أهم خصائص الأحلام:تنصالها بالمشكلات المهمة،أو التافهة ـ أحياناً ـ التي تواجه الشخص أثناء اليقظة،وما يرد على ذهنه من خواطر،وأفكار،وأمنيات،ومخاوف ربما لايبوح بها للآخرين أثناء اليقظة،وقد يكون للحلم صلة بحوادث الحياة الماضية القريبة أو البعيدة،وبخاصة الإحباطات والصدمات الانفعالية التي لم تنته إلى نتائج تتفق مع رغبة الشخص.
وهناك وظيفة خرى للحلم تتمثل في الدفاع عن النوم،وحمايته مما يقلقه من منبهات خارجية،كأن يسمع النائم جرس الباب فيحلم أنه قام وفتح الباب ثم عاد إلى نومه.لكنه لايلبث مع إلحاح المنبه الخارجي أن يضطر إلى الاستيقاظ،والاستجابة لهذا المنبه،أي: مواجهة الواقع مواجهة حقيقية.
وفي الفكر الإسلامي عناية خاصة بالأحلام،وتميز بين الرؤيا الصادقة والحلم.
وفي القرآن الكريم ما يدل على أن تأويل الأحلام والرؤى من أهم ما أنعم الله به على سيدنا يوسف الصديق عليه السلام،وذلك في قوله تعالى:{وكذلك يجتبيكَ ربُّكّ ويُعلمك من تأويل الاحاديث}[يوسف 6].
وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم أن الرؤيا الصادقة التي تجىء بالبشرى،أو الإنذار،هي من الله،وأن “الحلم”هو من حديث النفس،أو من الشيطان كما قدّر النبي صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصادقة جزءاً من 46 جزءاً من النبوة.
وقد قرر العلماء أن رؤى الأنبياء وحي،وعلى هذا يُفهم أقدام إبراهيم عليه السلام على ذبح ولده،قال تعالى على لسانه:{يابنيَّ إني أرى في المنام أني أذبحك}[الصافات 102].وكذا الرؤى التي رآها يوسف عليه السلام.
والمكروه من الأحلام هو الذي ينسب إلى الشيطان،وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الحالم في هذه الحالة بكتمانه،والتفل عن يساره،وطمأن فاعل ذلك بأنها لن تضره،وهذا المكروه هو ما كان تخويفاً أو مثيراً للفتنة أو الضيق.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:”الرؤيا الصالحة من الله،والحلُمُ من الشيطان،فإذا حلم أحدكم حلماً يخافه فليبصق عن يساره وليتعوذ بالله من شرها فإنها لاتضره”[صحيح البخاري].
أما السارُّ من الأحلام فهو الذي ينسب إلى الله،وله أن يحدث به،ولكن لمن يحب،فعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:”الرؤيا الصالحة من الله،فإذا رأى أحدكم مايحب فلا يحدث بها إلامن يحب”[صحيح مسلم].
وقد اهتم عدد من علماء المسلمين بتفسير الأحلام،وألف بعضهم كتباً في تفسير الأحلام أو تعبير المنام مثلمحمد ابن سيرين وعبد الغني النابلسي وغيرهما.
يقول الدكتور عبد الفتاح سلامة(مجلة الرسالة العدد 38):
“تفسير الأحلام والتحليل النفسي هو في رأيى من عمل الأقدمين،وإذا قلت الأقدمين فإني أقصد بذلك الشرق،وهو لايمت إلى الغرب بصلة،اللهم إلا صلة النقل ومحاولة فهمه والاستفادة منه.
ولابد لي قبل الموازنة بين ابن سيرين وفرويد من أن أشرح نظرية فرويد في تكوين الرؤيا وكيف يتصدى هو إلى تفسيرها.
تتلخص نظرية فرويد في أن الرغبة أو الأمل الذي لم يتحقق هو الذي ينبه العقل إلى العمل والتخيل أثناء النوم،وتكون النتيجة أن العقل يتخيل أن رغبته قد تحققت،أو بمعنى آخر فإن الرؤيا قد تعتب حارساً للنوم،وظيفته أن يجعل النوم هادئاً مطمئناً،لأنها تخيل إلى الإنسان أن رغبته قد تحققت فلا داعي إذاً إلى التفكير.ويقول فرويد أيضاً:إن بين رغبات الإنسان ما لا يتفق ونظام المجتمع فقد تتمنى نفسه شيئاً محرماً يقف ضميره دون تحقيقه،فتتحين النفس فرصة يضعف فيها الضمير فتحقق رغبتها،ومن الناس من يضعف ضميره في اليقظة فيحقق رغبته المحرمة بالفعل ومنهم من لا يضعف ضميره إلا إذا نام إذ يتخيل تحقيق رغبته الملحة،وذلك في الرؤيا أي في وقت يكون الضمير فيه نائماً أو ضعيفاً فلا منع إذن ولا تأديب.
وأما ابن سيرين العالم المسلم فكانت له طريقة في تحليل المنامات وكان يسأل صاحب الرؤيا ملياً ،وهو يقول في كتابه إن الرؤيا تأتي عن رغبة في النفس كأن يرى الإنسان نفسه مع من يحب أو قد يرى الأكل أمامه إذا كان جائعاً،وأما الرموز عند ابن سيرين فهي كثيرة ليس لها حصر،وليس له مثيل في هذا الباب .
2 ـ أحلام اليقظة:
وهي عبارة عن تخيل يتم أثناء اليقظة،يسبح فيه الشخص في عالم داخلي من الخواطر والصور،تتحقق فيه الأماني والرغبات،وتشبع فيه الدوافع التي لم يتم إشباعها في عالم الواقع.
وفي أحلام اليقظة يتم الهروب من قسوة الحياة وتزول العقبات وتشبع الرغبات.
وأحلام اليقظة ظاهرة طبيعية تحدث لمعظم الأشخاص،من جميع الأعمار،وهي تتخذ لدى الأطفال الصغارـ من عمر عامين وحتى ستة أعوام تقريباً ـ طابع اللهب التوهمي أو الخيالي.
ولأحلام اليقظة منافع وأضرار.
أما المنافع:فتتمثل في أنها وسيلة للتنفيس عن الرغبات المكبوتة،أو المحبطة،أو التعويض عن الآلام،كما أنها وسيلة لإثارة الهمة،لتحقيق الآمال،وتوسيع الآفاق،فهي تحفز الشخص على تحقيق تلك الصورة القوية الإيجابية التي كونها عن نفسه في خياله،والتي أسقطها على مستقبله،كما أنها تمهد لأنواع من الإبداعات الفنية،والمخترعات العلمية.
أما مضارها:فتتمثل في أن الاستغراق الشديد فيها،قد يؤدي إلى الاكتفاء بها في ذاتها،دون محاولة جادة للتعامل مع الواقع،بوضع هذه الرغبات والأماي موضع التنفيذ،مما يُحولها إلى نوع من الانسحاب السلبي مع الواقع،والانطواء الشديد على النفس وقطع الصلة بين الذات والعالم الخارجي،اكتفاءً بالخواطر والهواجس والأخيلة”[انتهى كلام السفير).
تحدث القرآن الكريم عن الرؤيا فحصرها في ثلاثة أنواع:
1 ـ رؤيا من الله تعالى:قال تعالى:{لقد صدقَ اللهُ رسولَُه الرؤيا بالحقِّ لتدخُلُنَّ المسجدَ الحرامَ إن شاء اللهُ آمنينَ مُحلِّقين رؤوسَكُم ومُقصِّرينَ لا تخافونَ}[الفتح 27].
والرؤيا الصادقة هنا أكثر ماتقع لأرباب النفوس الصافية كالأنبياء والصالحين،
2 ـ رؤيا الانبياء:قال تعالى عن سيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام:{قال يابني إني أرى في المنام أني أذبحك}[الصافات 102]،وقال تعالى عن سيدنا يوسف وأبيه يعقوب عليهما السلام:{إذ قال يوسف لأبيه يا أبتِ إنَِّي رأيتُ أحدَ عشرَ كوكباً والشمسَ والقمرَ رأيتهُم لي ساجدين}[يوسف 4].وجاء في آخر القصة حينما دخلوا عليه:{يا أبتِ هذا تأويلُ رؤيايَ من قبلُ قد جعلها ربِّي حقاً}[يوسف 100]
وكان النبي صلى الله عليه وسلم لايرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح”.
عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها :”أول مابدىء به رسول الله من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم،فكان لايرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح”
3 ـ أضغاث الأحلام:قال تعالى:{قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين}[يوسف 44].
وجاء في الحديث الشريف:“إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً،ورؤيا المسلم من خمسة وأربعين جزءاً من النبوة،والرؤيا ثلاثة فرؤيا الصالحة بشرى من الله،ورؤيا تحزين منى الشيطان،ورؤيا مما يحدث المرء نفسه فإن رأى أحدكم مايكره فليقم فليصل ولايحدث بها الناس”[صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه].
التثاؤب:
التثاؤب:عمل لا إرادي الهدف منه ملء الرئتين بالهواء إلى أقصى حد .للقيام به يفتح الشخص فمه بشدة لدرجة يكون فيها حجم فتحة البلعوم أكبر بأربع مرات من حجمها في الأوقات العادية.ويستمر التثاؤب لحوالي 6 ثوان تتقلص فيها عضلات الوجه والرقبة،ويصاحبهما إغلاق للعينين، .خلال ذلك تتوقف جميع المعلومات الحسية لفترة من الوقت تكفي لعزل الشخص عن هالمه تبعاً لمدة التثاؤب.
والتفسير الأكثر شيوعاً لظاهرة التثاؤب أنه يحدث عندما يكون تركيز الأوكسجين منخفضاً في الدم .
“التثاؤب والتثاوب لغتان،وأشهرهما الأولى،وهي فترة تعتري الشخص فيفتح عندها فمه.وهو فعل طبيعي من أفعال التنفس يشترك فيه الإنسان مع غيره من الكائنات،فالسمك والطيور والزواحف بل معظم الثدييات ومنها القطط تتثاءب،وفي الإنسان يبدأ الثثاؤب في رحم الأم ولا يتوقف إلا مع انتهاء العمر.
ولقد لوحظ أن القرود الكبيرة تتثاءب كالإنسان،ولكن صغار القردة لاتتثاءب أمام كبار القرود،وكذلك فإن أنثى القرد لاتتثاءب أمام زوجها.
والتثاؤب قد يكون تمهيداً للنوم،وآية على الرغبة الدالة عليه،ولكنها ليست رغبة فيه.وهو عند الأطباء فعل من أفعال التنفس يتم بطريقة رد الفعل كغمض العين مثلاص،إذا رأت شيئاً سيصيبها،كما قد يكون مفيداً للصحة أو علامة اعتلال.
ومن غرائبه تلك العدوى النفسية الموجودة فيه،فما أن يتثاءب شخص ما في مجلس،حتى تسري العدوى التثاؤبية إلى معظم الحاضرين.
ويقال أن التثاؤب هو أكثر الحالات انتقالاً بالعدوى على الإطلاق،حيث يكفي أن يتثاءب شخص واحد في مكان به جمع غفير من الناس ليتثاءبوا جميعاً خلال لحظات.وهذا الأمر أي أمر العدوى بالتثاؤب لازال لغزاً حير العلماء والأطباء.
ومن الناحية الدينية:
جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إن الله يحب العطاس،ويكره التثاؤب،فإذا عطس أحدكم وحمد الله تعالى كان حقاً على كل مسلم سمعه أن يقول له:يرحمك الله،وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع،فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان”.
ومن آداب التثاؤب مايلي:
1 ـ محاولة كظم التثاؤب ورده قدر الإمكان.وخاصة إذا كنا أمام الآخرين،جاء في الحديث النبوي الشريف:”التثاؤب من الشيطان،فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع”[رواه مسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه]
وفي رد التثاؤب فائدتان:
ـ فائدة جمالية
ـ فائدة وقائية:حيث أن هذا يقي من حدوث خلع في المفصل الفكي الصدغي،وهو المفصل الذي يتحرك به الفك السفلي،ورغم أن هذا الخلع نادر الحدوث ولكنه ممكن.
2 ـ وضع اليد على الفم:جاء في الحديث الشريف:”إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فيه،فإن الشيطان يدخل(صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه].
3 ـ عدم قول:آه،آه:جاء في الحديث الشريف:”إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع ولايقل هاه هاه فإنما ذلكم من الشيطان يضحك منه”.[رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه]
4 ـ عدم رفع الصوت بالتثاؤب.
وأضيف التثاؤب إلى الشيطان لأنه يدعو إلى الشهوات،إذ يكون مع ثقل البدن واسترخائه وامتلائه،والمراد التحذير من السبب الذي يتولد عنه ذلك وهو التوسع في الأكل،وما يكون معه من ميل إلى الكسل والنوم.
“ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال”:
يقول تعالى في كتابه العزيز:{ونقلبهم ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشمال}[الكهف 18].
لماذا ذكر الله تعالى في قصة أصحاب الكهف هذه الآية،وما هو الداعي لأن توضع هذه الألفاظ في الآية الكريمة،مع أنها لو حذفت فإنها لاتغير من السياق كثيراَ.
إن هؤلاء الفتية سوف يبعثهم الله من جديد،ويكونون أية من آيات الله،وسيعودون من جديد لحياة البشر والتعامل مع البشر.ومن هنا يضع ربّ العالمين قواعد هامة في الصحة فيما يتعلق بالرقاد الطويل.
إنه من المعروف طبياُ وصحياً،أن المريض الذي يلازم الفراش لفترة طويلة بسبب مرض من الأمراض أو لغرض معالجة من المعالجات،فإنه يحذر وينبه من قبل الأطباء وجهاز التمريض والعناية أن عليه أن لايبقى في الفراش في وضعية واحدة،بل عليه أن يتقلب يميناً ويساراً،وذلك حتى لايصاب جسمه بما يسمى قرحات الفراش والناجمة عن الضغط على الجلد والأوعية الدموية والعضلات وخاصة في أماكن النتوءات العظمية البارزة مثل ناحية العجز والعصعص وناحية العقبين…
إن قرحات الفراش والتي تنجم عن الرقاد الطويل وبسبب عدم التقلب في الفراش شائعة في علم الطب،ويكون لها عقابيل ومشاكل من الناحية الطبية والاجتماعية والمادية تفوق غالباً المرض الأصلي الذي استدعى بقاء المريض في الفراش لمدة طويلة.
إن رعاية المرضى المصابين بقرحات الفراش تستدعي تكاليف علاجية باهظة من جهة،وتستدعي حدوث آلاماً للمريض قد لاتوصف أحياناً وخاصة إذا وصلت القرحات إلى السمحاق العظمي وما فيه من مستقبلا آلام شديدة الحساسية والتأثر،وتترافق غالباً مع ائتكالات جلدية وعضلية وعظمية وتقيحات ونخرات،وما يصدر عنها من رائحة كريهة منفرة وخاصة بسبب بعض الجراثيم مثل الزوائفPseudomonas، والمكورات العنقودية،وليس من المستبعد أن يتحول المريض بعد ذلك إلى انسان مقعد يحتاج للرعاية الدائمة،ويرتبط ارتباطاً دائماً بالطبيب وجهاز التمريض والآلات.
إن الألية التي تحدث بها قرحات الفراش تنجم عن نقص التروية الدموية في مناطق الإصابة والناجم عن الضغط المستمر وخاصة في نواحي النتوءات العظمية،ومايسببه نقص الأوكسجين من تموت نسيجي وحصول نخرات وتقيحات.وبالتالي فإنه لابد من فكّ الضغط عن الأمان المؤهبة والمهيئة لهذا من خلال تبديل وضعية المريض وأن يكون ذلك بشكل مبكر،ومناسب،ومستمر.
ومن الوسائل المتبعة بالإضافة إلى تقليب المريض استعمال بعض الوسائد واللحف الطرية في الأماكن البارزة وخاصة في ناحية العصعص والعقبين،وكذلك تبين أن جلوس المريض الجانبي بزاوية 90 يساهم في تخرات رأس عظم الفخذ والمسمى المدور Trochanter،ولذا ينصح أن يكون وضجعية الاضطجاع بزاوية 30،ودعم هذه الوضعية بالوسائد الطرية.
وكذلك تجنب إصابة المريض بالحرارة ومعالجتها عند اللزوم حيث أن الضياع الحروري يستدعي زيادة التروية الدموية وهذا يزيد من خطر الاسكيميا.
ومن عوامل الخطورة أيضاً الدنف والمسكنات،والسبات والشلول والتجفاف وفقر الدم والهمود.
ومن الوسائل العلاجية أيضاً ازالة النخرات النسيجية جراحياً أو دوائياً،ومعالجة الانتانات الموضعية وتغطية الأماكن المصابة بالضمادات وتحسين الحالة العامة للمريض.
ومن مشاكل الرقاد الطويل وخاصة إذا لم يترافق مع التقليب المستمر في الفراش حدوث خثرات الطرفين السفليين،والصمامة الرئوية،وذان الرئة الركودية،ونقص تكلس العظام.
ويقول تعالى:{وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود}،أي أنهم نيام وأعينهم متفتحة،وتبين علمياً أن العين إذا بقيت مفتوحة وتعرضت للهواء فإن هذا أدعى للمحافظى عليها،وفي حالة الإغلاق الطويل فإن هذا يؤدي إلى إضعافها ومرضها.
شذوذات النوم:
تشاهد بعض أشكال شذوذات النوم وهي غالباً نفسية المنشأ ونادراً ما تكون عضوية.وأهمها:
1 ـ النوم القهري أو التغفيق:Narcolepsy:
اضطراب غير معروف السبب يتميز بنعاس شديد ،ويتضمن هجمات مفاجئة نسبياً من نوم مسيطر وشديد تستمر لعدة دقائق وقد تكون الهجمات معزولة أو مرافقة لأعراض أخرى تشمل الرباعية التالية:
ـ التغفيق(الناركوليبسي):أي شكوى من نعاس شديد أو ضعف مفاجىء في العضلات.وهذا النعاس الشديد يشبه النعاس الذي يحدث بعد الحرمان من النوملمدة 24 ـ 48 ساعة،عند الأشخاص الطبيعيين.وهذا النعاس الشديد في النهار يحدث حتى إذا كانت ساعات النوم كافية أثناء الليل.
ـ الجمدة:Cataplexy:وهو من أبرز الأعراض المشاركة ويعرف بأنه:فقدان مفاجىء ومؤقت في مقوية العضلات تشمل كل البدن وتؤدي إلى سقوط الشخص مصحوباً بالوعي الكامل،وأحياناً تصيب زمر عضلية معينة،وقد يسبق هذه الهجمات انفعالات شديدة كالضحك الشديد أو الخوف أو البكاء.ويشاهد هذا العرض في 70% من الحالات
ـ شلل النوم:Sleep Paralysis:مع نوم متقطع،هلوسات مقتبل النوم وتصرفات تلقائية متكررة.
ـ ظهور واحدة أو أكثر من النتائج التالية عند إجراء تخطيط النوم:طور النوم الكموني أقل من 10 دقائق،طور حركة العين السريعة الكموني أقل من 20 دقيقة،طور النوم الكموني المتعدد بفترة كمون أقل من 5 دقائق،حدوث مرحلة حركة العين السريعة مرتين أو أكثر أثناء النوم.
أي أن المرض يتميز بصفتين رئيستين:النعاس الشديد أثناء النهار،ومرحلة العين السريعة غير الطبيعية أثناء النوم.وبالتالي لايدخل الأشخاص المصابون بالتغفيق في مرحلة النوم العميق كالأشخاص الأصحاء ولا يشعرون بالاكتفاء من النوم.
2 ـ فرط النوم:Hypersomnia
يتمثل في زيادة النوم والذي قد يمتد على طول النهار،وربما استغرق أكثر،وعدم الشعور بالنشاط الذي يحدث عادة بعد النوم.ولعل تشارلز ديكنز قد سبق الطب في وصف المرض حين وصف ذلك الطفل البدين بيك ويك الذي يستغرق نهاره دوماً مع التنفس الدوري.وهذا الاضطراب لا يقتصر على أهل البدانة وحدهم وإنما يصيبهم كما يصيب غيرهم.وله علاقة مع انقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم.
3 ـ المشي أثناء النوم:Sleepwalking:
وهو ليس نادر عند الصغار وقد يشاهد عند الكبار وهو يحدث أثناء المرحلة الرابعة من النوم أي مرحلة النوم العميق،ويشاهد غالباً في الثلث الأول من الليل عندما يكون النومالبطىء هو السائد،والسير أثناء النوم لايتكرر أكثر من مرة في الليلة الواحدة.وبالرغم من أن عيون المريض تكون مفتوحة إلا أن تعبيرات وجهه تكون غير واضحة،وتستمر الحالة من ثوان إلى دقائق،ونادراً مايتذكر المصاب الأحداث التي جرت أثناء المشي أثناء النوم.وقد يتكلم المصاب بصوت مسموع ولكن الكلام لايكون له معنى بالنسبة لمن يراقب الحالة.
4 ـ الكابوس:Nightmares:
وهي الأحلام المفزعة والمخيفة التي يراها النائم في منامه.وفي كثير من الأحيان تجعل الشخص يستيقظ من نومه بشكل مزعج مع سرعة نبضات القلب.
وهي قد تشاهد مرافقة لأسباب فسيولوجية مثل الحمى الشديدة أو بسبب إجهادات نفسية،أو بسبب حدوث الصدمات النفسية.وقد تشاهد عند الإفراط في الطعام قبل النوم،وهناك بعض الأدوية قد تحدث هذه التأثيرات الجانبية من الكوابيس مثل مضادات الاكتئاب ومضادات ارتفاع ضغط الدم.كما أن تعاطي المخدرات والغول يمكن أن يكون السبب.
نصائح للنوم السليم الصحي:
1 ـ درجة حرارة غرفة النوم:إن درجة حرارة الغرفة المرتفعة أو المنخفضة جداً تؤثر سلبياً على نوعية النوم،لذلك يجب تعديل درجة الحرارة في الغرفة لتكون مناسبة.
2 ـ الابتعاد عن الضوضاء:تسبب الضوضاء العالية المتقطعة نوماً خفيفاً متقطعاً لايساعد الجسم على النوم المريح ولا يويصله إلى النوم العميق،ولذا لابد من النوم بعيداً عن الضوضاء بجميع أشكالها.
3 ـ النور القوي:في غرفة النوم يمنع من النوم المريح ولذا لابد أن يكون ضوء غرفة النوم خافتاً،ولابد من تجنب النظر المتكرر في ساعة المنبه لأن هذا يزيد التوتر والأرق.ومن المعروف أن هرمون الميلاتونين وهو يساعد على النوم المريح يتم إفرازه بشكل أكبر إذا كان جو الغرفة معتماً أو خافتاً.
4 ـ تجنب تناول الوجبات الثقيلة قبل النوم بحوالي 3 ـ 4 ساعات،والوجبة الخفيفة قبل موعد النوم قد تساعد على النوم.وخاصة إذا كانت غنية بالمغنزيوم ومنها المكسرات أو القليل من الشوكولا الداكنة.
5 ـ عدم تناول المشروبات الغولية،لأنها بعد أن تؤدي في البداية للنوم إلا أنها تسبب بعد ذلك أرقاً وتقطعاً في النوم،كما أنها في حالات انقطاع التنفس أثناء النوم تزيد من وخامة الداء.
6 ـ تجنب تناول المشروبات الغنية بالكافئين وخاصة قبل النوم ومنها الشاي أو القهوة أو المركبات الأخرى المنبهة الحاوية على الكافئين.
7 ـ تجنب التدخين قبل النوم لأن النيكوتين يسبب اضطراب وتقطع النوم.
8 ـ تجنب الغفوات الطويلة أثناء النهار،وإذا كان لابد منها فحاول أن لاتتجاوز الغفوة ثلاثين دقيقة أثناء النهار،وتجنب القيام بها في وقت متأخر من اليوم.أي بعد الساعة الثالثة بعد الظهر.
9 ـ الالتزام بوقت محدد وثابت للنوم والاستيقاظ
10 ـ اللجوء إلى الحمامات الدافئة الفاترة قبل النوم.
11 ـ تجنب الذهاب إلى السرير عند عدم الشعور بالنعاس.
12 ـ تجنب المحفزات قبل النوم ومنها استخدام الحاسوب والهاتف المحمول والألعاب الالكترونية..
13 ـ النوم على فراش مريح.
14 ـ الاقلال من تناول السوائل وخاصة المشروبات الغازية قبل النوم.لأنها تسبب الاستيقاظ وكثرة التبول أثناء النوم.
3 ـ أيات الصدر والقلب والدوران:
آيات الصدر:
1 ـ “يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء”
يقول الأستاذ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني في كتابه الأخلاق الإسلامية:
“أطلق الصدر في القرآن وأسندت إليه جملة من الصفات والأعمال،مع ملاحظة أن الصدر بالإطلاق العام يشمل دائرة القلب،لأن القلب دزء منه،كما قد يراد منه المستوى الذي يقع وراء دائرة القلب.
ولدى تتبع الدلالات القرآنية لمعرفة خصائص الصدر النفسية نلاحظ مايلي:
أولاً:الصدر يحصل فيه الإنشراح،أو الحرج والضيق والحصر.
دلّ على ذلك عدة نصوص قرآنية منها النصوص التالية:
1 ـ قول الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم:{ألم نشرح لك صدرك}[الانشراح1]
2 ـ وقول موسى عليه السلام حين كلّفه الله أن يذهب إلى فرعون فيدعوه للإيمان،كما حكى الله عنه :{قال ربِّ اشرح لي صدري*ويسّر لي أمري}[طه 25 ـ 26].وكما حكى عنه في سورة الشعراء:{قال ربِّ إني أخاف أن يُكذبونِ*ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون}[الشعراء 123 ـ 13].
وحين يفكر الإنسان أن يستمسك بمبدأ،أو يقوم بعمل،فقد ينشرح صدره إليه،وقد لاينشرح،من ذلك انشراح الصدر للإسلام،أو ضيقه وحرجه.
يقول تعالى في كتابه العزيز:{فمن يُرِدِ اللهُ أن يهديهُ يشرحُ صدرَهُ للإسلام ومن يُرد أن يُضلّه يجعل صدرَهُ ضيِّقاً حَرجاً كأنّما يصعَّدُ في السماء}[الأنعام 125].
فالذين لايؤمنون ويرفضون قبول الحقّ الرباني بعد وضوح أدلته وبراهينه،يجعل الله على صدورهم رجساً تضيق به صدورهم وتكون في حرج، فلا يستجيبون لدعوة الإسلام،ولا يستسلمون لتنفيذ شرائعه وأحكامه.والذين يؤمنون بالله وتطمئن قلوبهم للحق الرباني يشرح الله صدورهم للإسلام،فيعلنون إسلامهم لله واستسلامهم لتنفيذ شرائعه وأحكامه.
ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله:
“فالهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر،والشرك والضلال من أعظم أسباب ضيق الصدر وانحراجه
ويقول الشيخ الشعراوي رحمه الله:
“ومعنى الضيق أن الشىء يكون حجمه أقل مما يؤدي به مهمته،فحين يقال:ضاق البيت بي وبعيالي،فهذا يعني أن الرجل وزوجه في البداية عاشا في غرفتين،وكان البيت متسعاً،ثم أنجبا عيالاً كثيرة فضاق بهم البيت.ويقال صدره ضيق فقد ورد في القرآن لفظ ضيق على لغتين:فالحق يقول:{و لا تكُ في ضيقٍ مما يمكرون}[النحل 127] وهناك في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها توجد كلمة ضيق،والحق يقول:{فلعلك تاركٌ بعض ما يُوحى إليك وضائقٌ به صدرك}[هود 12].
فما المراد من ضائق،وضيَق،وضيْق،؟
نعرف أن الصدر هو مكان الجارحتين الأساسيتين في التكوين:القلب والرئة،والرئة هي الجارحة التي لا تستمر الحياة إلا بعملها،فقد تبطىء الأمعاء مثلاً،أو تتوقف قليلاً عن عملها،ويتغذى الإنسان على خزينته من الدهن أو اللحم ولذلك يصبر الإنسان على الجوع مدة طويلة،ويصبر على الماء مدة أقل،لكنه لايصبر على افتقاد الهواء لدقائق،ولا صبر لأحد على ترك الشهيق والزفير.
إذن كل المسألة المتعلقة بقوله تعالى:{يجعل صدره ضيقاً حرجا}نعلم عنها أن الصدر هو محل التنفس،والرئة تأخذ الأوكسجين وتطرد ثاني أوكسيد الكربون،وعندما يصاب الإنسان بنوبة برد نراه وهو يجد صعوبة في التنفس،كأن حيز الصدر صار ضيقاً،فلا يدخل الهواء الكافي لتشغيل الرئتين،ويحاول الإنسان أن يعوض بالحركة ما فاته فينهج.ويشخص الألأطباء ذلك بأن المريض يريد أن يأخذ ما يحتاجه من الهواء فينهج،لأن الحيز قد ضاق،وكذلك عندما يصعد الإنسان سلماً ينهج أيضاً،لأن الصعود يحتاج إلى مجهود،لمعاندة جاذبية الأرض،فالأرض لها جاذبية تشد الإنسان،ومن يصعد إنما يحتاج إلى قوة ليتحرك إلى أعلى ويقاوم الجاذبية.
إننا نجد نزول السلم مريحاً،لان في النزول مساعدة للجاذبية،لكن الصعود يحتاج إلى جهد أكثر،فإذا ضاق الصدر فمعنى ذلك أن حيز الصدر لم يعد قادراً على أن يأخذ الهواء بالتنفس بطريقة تريح الجسم،ولذلك يقال: فلان صدره ضيق أي أن التنفس يجهده إجهاداً بحيث يحتاج إلى هواء أكثر من الحجم الذي يسعه صدره.
“ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجا” والحرج معناه الحجز عن الفعل،كأن تقول حرّجت على فلان أن يفعل كذا،أي ضيقت عليه ومنعته من أن يؤدي هذا العمل.
“كأنما يصعّد في السماء” وعلمنا أن الصعود لأعلى هو امتداد لفعل الجسم إلى جهة من جهاته.فالجهات التي تحيط بأي شىء ست:هي فوق وتحت،ويمين،وشمال،وأمام، وخلف،وعرفنا أن الهبوط سهل،لان الجاذبية تساعد عليه،والمشي ماذا يعني؟المشي إلى يمين أو إلى الشمال أو إلى أمام أو إلى خلف،فهو فعل في الاستواء العادي الظاهر،والذي يتعب هو أن يصعد الإنسان،لأنه سيعاند الجاذبية،وهو بذلك يحتاج إلى قوتين:قوة للفعل في ذاته،والقوة الثانية لمعاندة الجاذبية.
“كأنما يصعد في السماء”وذلك بسبب مشقات التكليف،لأنه لم يدخلها بعشق،فلا يدخل إلى مشقات التكليف بعشق إلا المؤمن فهو الذي يستقبل هذه التكاليف بشرح الصدر وانبساط نفس وتذكر بما يكون له من الجزاء على هذا العمل،والذي يسهل مشقة الأعمال حلاوة تصور الجزاء عليها،فالذي يجتهد في دروسه إنما يستحضر في ذهنه لذة النجاح وآثار هذا النجاح في نفسه مستقبلاً وفي أهله.أما الذي لا يستحضر نتائج ما يفعل فيكون العمل شاقاً عليه”.
يقول الشهيد سيد قطب في الظلال:
“من يقدر الله له الهداية ـ وفق سنته الجارية من هداية من يرغب في الهدى ويتجه إليه بالقدر المعطى له من الاختيار بقصد الابتلاء ـ يشرح صدره للإسلام فيتسع له ويستقبله في يسر ورغبة ويتفاعل معه ويطمئن إليه ويستروح به ويستريح إليه.
ومن يقدر له الضلال ـ وفق سنته الجارية من إضلال من يرغب عن الهدى ويغلق فطرته عنه يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء.. فهو مغلق مطموس يجد العسر والمشقة في قبوله “كأنما يصعد في السماء”..وهي حالة نفسية تجسم في حالة حسية،من ضيق النفس،وكربة الصدر،والرهق المضني في التصعد إلى السماء!وبناء اللفظ”يصعد” فيه هذا العسر والقبض والجهد.وجرسه يخيل هذا كله،فيتناسق المشهد الشاخص،مع الحالة الواقعة،مع التعبير اللفظي في إيقاع واحد”.
من الناحية الطبية:
كلما ارتفع الإنسان في السماء انخفض الضغط الجوي وقلت كمية الأوكسجين مما يتسبب في حدوث ضيق في الصدر وصعوبة في التنفس.
وإن أبحاثاً كثيرة في علم طبقات الجو العليا وتأثيرها على الإنسان .
وفي عام 1648م أثبت العالم المشهور بليز باسكال أن ضغط الهواء يقل كلما ارتفعنا عن سطح البحر.,
بدأت من حوالي مائتي عام تقريباً ونيف،وذلك في سنة 1786م.وقد بينت هذه الأبحاث مايلي:
“إن الغلاف الجوي يمكن أن يقسم إلى عدة مناطق حسب الأرتفاع:
1 ـ المنطقة الأولى:من سطح البحر وحتى ارتفاع 10 آلاف قدم،وهي منطقة تكون فيها كمية الأوكسجين كافية ويستطيع الإنسان أن يعيش فيها بشكل طبيعي.
2 ـ المنطقة الثانية:من 10 آلاف قدم وحتة 50 ألف قدم،وهي منطقة يوجد فيها نقص ملحوظ في الأوكسجين وانخفاضاً في الضغط الجوي ويمكن للإنسان الذي يعيش بها أن يصاب بأعراض نقص الأوكسجين وهبوط الضغط الجوي.
وقد وجد أن الضغط الجزئي للأوكسجين في الأسناخ الرئوية يصل إلى 100 مم زئبق عند سطح البحر،ولايزيد عن 45 مم زئبق على ارتفاع 8000متر فوق سطح البحر،والشخص غير الممارس يفقد وعيه بعد حوالي 2 ـ 3 دقائق ثم يموت.
وفي هذه المنطقة وخاصة على ارتفاع مابين 16 ألف إلى 25 ألف قدم،وبسبب نقص الأوكسجين في الأسناخ الرئوية تحدث أعراضاً شديدة وعديدة وأهمها ضيق الصدر،والذي يشعر به الإنسان عند الصعود إلى المرتفعات العالية ويترافق ذلك مع الإجهاد والشعور بالرغبة في النوم والصداع.وإذا كان الارتفاع أكثر من 25 ألف قدم يحدث اضطراب في الوعي ويصل الإنسان إلى مرحلة حرجة من فقدان الوعي والموت.
وقد تبين أنه يموت في سويسرا كل عام عدة أشخاص تقريباً بسبب وذمة الدماغ أو وذمة الرئة أو مايسمى داء المرتفعات،وهذا يبين أن الخطورة تبدأ من ارتفاع 3500 متر،وأخطرها وقد يكون شديداً بارتفاع 4559متر.والمعالجة الرئيسية هي نقل المريض بسرعة إلى سفح الوادي.
وقد وجد أن تعداد الكريات الحمر يصل إلى حوالي 7 ـ 8 مليون في جبال الإنديز والتي ترتفع حوالي 4000 متر عن سطح الأرض حتى تعاوض نقص الأوكسجين.
وهنا يظهر الإعجاز القرآني:”يجعل صدره ضيقاً حرجا كأنما يصعّد في السماء”،والإعجاز خاصة في كلمة يصعّد,إذ أن أصلها يتصعد ومعناها صعوداً بعد صعود.
ويضاف إلى أعراض نقص الأوكسجين الأعراض الناجمة عن هبوط الضغط الجوي في الارتفاعات العالية وهذا بدوره يسبب ضيقاً شديداً في الصدر والتنفس،مصحوباً بسعال جاف ومؤلم وآلام في الصدر أثناء التنفس العميق.
3 ـ المنطقة الثالثة:من 50 ألف قدم وحتى 120 ميل،وهي لايمكن العيش فيها بدون ارتداء ملابس الفضاء المجهزة لكي يتحمل نقص الأوكسجين والضغط الجوي.
وجاء في الموسوعة الأمريكية ماترجمته:”يجب على الطائرة إذا كانت على علو شديد الارتفاع أن تحافظ على مستوى معين من الضغط الداخلي لحماية الركاب،فإن الضغط الجوي في الارتفاعات العالية يكون أدنى من الحد المطلوب لتأمين الأوكسجين الكافي لبقاء الركاب على قيد الحياة.كما أن التغير السريع في الضغط الجوي الناتج عن تغير الارتفاع يؤدي إلى انزعاج جسدي حاد.هذه الحالة سببها ارتفاع نسبة النيتروجين في الدم عند الانخفاض السريع في الضغط”.
يقول الدكتور زغلول النجار حفظه الله:
“إذا تجاوز الإنسان ارتفاع الثمانية كيلومترات فوق مستوى سطح البحر فإنه يتعرض لمشكلات عديدة منها صعوبة التنفس لنقص الأوكسجين وتناقص الضغط الهواء،وهو مرض يسميه المتخصصون في الطب باسم عوز الاوكسجين(الهيبوكسيا)ومنها مشكلات انخفاض الضغط الجوي والذي يسمى باسم خلل الضغط الجويDysbarism،وتحت هذين العارضين لايستطيع جسم الإنسان القيام بوظائفه الحيوية.فتبدأ في التوقف الوظيفة تلو الأخرى،وهنا يمكن تفسير ضيق الصدر الذي يمر به الإنسان عند الصعود إلى تلك المرتفعات بغير استعدادات وقائية كافية.فيبدأ بالشعور بالإجهاد الشديد،والصداع المستمر،والشعور بالرغبة في النوم.ونتيجة للنقص في الضغط الجوي تبدأ الغازات المحبوسة في داخل أنسجة الجسم وتجاويفه المختلفة في التمدد من مثل الجهاز التنفسي من الرئتين والقصبات الهوائية وتشعباتها والأنف،والجيوب الأنفية،والجهاز الدوري من القلب والأوردة والشرايين.والجهاز السمعي وخاصة الأذن الوسطى،والجهاز الهضمي من مثل المعدة والأمعاء الدقيقة والغليظة خاصة القولون.والفم والأسنان والأضراس واللثة مما يؤدي إلى آلام شديدة في كل أجزاء الجسم،وإلى ضغوط شديدة على الرئتين والقلب وإلى تمزق خلاياهما وأنسجتهما.ويسبب الشعور بضيق الصدر وحشرجة الموت.
كذلك تبدأ الغازات الذاتية في جميع سوائل الجسم وأنسجته في الانفصال والتصاعد إلى خارج حيز الجسد وأهمها غاز النيتروجين الذي يصل حجمه في جسم الفرد البالغ إلى نحو اللتر موزعة بين الدم وأنسجة الجسم المختلفة.وتخرج هذه الغازات على هيئة فقاعات تندفع إلى الخارج بسرعة فائقة مما يزيد من تمزق الخلايا والأنسجة.وإلى حدوث آلام مبرحة بكل من الصدر والمفاصل،وإلى ضيق شديد في التنفس نتيجة لتصاعد فقاعات النيتروجين من أنسجة الرئتين،ومن داخل الشعيرات الدموية ومن الأنسجة المحيطة بها ومن الجلد ومن أنسجة وخلايا الجهاز العصبي،فتتأثر رؤية الشخص،ويختل توازنه،ويصاب بصداع شديد،ثن إغماء كامل أو صدمة عصبية أو بشلل جزئي أو كلي وزرقة بالجسم تنتهي بالوفاة بسبب توقف كل من القلب والرئتين،وانهيار الجهاز العصبي،وفشل كامل في وظائف بقية أعضاء الجسم ولعل ذلك هو المقصود بقول الحق”فمن يرد الله أن يهديه…..”
وهذه حقائق لم يدركها الإنسان إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين وإن بدأ يتحسسها منذ نهاية القرن الثامن عشر،وورودها في كتاب الله الذي أنزل قبل أربعة عشر قرناً على نبي أميّ صلى الله عليه وسلم في أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين مما يؤكد أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق،وأن هذا النبي الخاتم والرسول الخاتم كان موصولاً بالوحي ومعلماً من قبل خالق السموات والأرض”.
بعض الآيات القرآنية في انشراح الصدر:
{أفمن شرحَ اللهُ صدرَه ُللإسلامِ فهو على نورٍ من ربّه فويلٌ للقاسيةِ قلوبُهُم من ذكرِ الله أولئك في ضلال مبين}[الزمر 22].
{من كفرَ باللهِ من بعدِ إيمانهِ إلا من أُكرهَ وقلبُهُ مُطمئنٌ بالإيمانِ ولكن من شرحَ بالكفرِ صدراً فعليهم غضبٌ من الله ولهم عذابٌ عظيم}]النحل 106].
{كتابٌ أُنزلَ إليكَ فلا يكن في صدركَ حَرجٌ منهُ لتنذرَ به وذكرى للمؤمنين}[الأعراف 2].
{فلعلَّكَ تاركٌ بعضَ ما يُوحى إليكَ وضائقٌ به صدرك}[هود 12]
{ولقد نعلمُ أنَّكَ يضيقُ صدرُكَ بما يقولون}[الحجر 97]
آيات القلب:
مقدمة:
لقد أولى القرآن الكريم القلب المكانة الأكبر من بين أعضاء جسم الإنسان.ولقد ذكر في القرآن حوالي 131 مرة،وقد اقترن ذكر القلب مع العديد من الصفات والخصائص،فقد وصف القلب بكونه تناط به وظائف معرفية مثل التدبر والتفقه والتعقل والتذكر..وكذلك أنيطت به وظائف مشاعرية مثل الرأفة والرحمة والقسوة والغلظة،وصولاً إلى الوظائف الروحية مثل الإيمان والتقوى والهداية والزيغ.
1 ـ “ماجعل الله لرجلٍ من قلبين في جوفه”
يقول الله تعالى:{ما جعل الله لرجلٍ من قلبين في جوفه}[الأحزاب 4].
جاء في التفاسير:
ـ تفسير الجلالين:نزلت الآية رداً على من زعم من الكفار أن له قلبين يعقل بكل منهما أفضل من عقل الرسول صلى الله عليه وسلم.ويدعى جميل بن معمر الفهري كان يدّعي أن له قلبين في جوفه،وكان يدعى ذا القلبين من دهائه.
ـ تفسير ابن كثير:أنه لايصير للمرء قلبان في جوف واحد.
ـ ابن جرير الطبري:اختلف أهل التأويل في المراد من قوله تعالى،فقال بعضهم عنى بذلك تكذيب قوم من أهل النفاق وصفوا النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ذو قلبين فنفى الله ذلك عن نبيه وكذبهم،وقال آخرون:بل عنى بذلك رجلاً من قريش كان يدعى ذا القلبين من دهيه.
من الناحية الجنينية:
في الاسبوع الرابع من حياة الجنين يتم التحام القوسين الأبهريين الابتدائيين،وينتج عن هذا الالتحام قناة وعائية مفردة مع وجود أربع اتساعات مميزة واضحة وهي:
1 ـ الجيب الوريدي:Sinus venous:وهو يتلقى العود الوريدي ويعطي في النهاية الوريد الأجوف العلوي والجيب الاكليلي.
2 ـ الأذين المشترك:Atrium:وهو يعطي بعد أن يقسم بواسطة حاجزين الأذينتان اليمنى واليسرى.
3 ـ البطين المشترك:Ventricle:ويقسمه حاجز عضلي غشائي إلى حجرتين البطين الأيمن والأيسر.
4 ـ البصلة:Bulbus:وهي تتمادى مع الأبهر البطني،وتشكل في النهاية المخروط الدافع الذي يعطي الشريانين الأبهر والشريان الرئوي.
تتطاول القناة الوعائية وتستدير قليلاً بحيث تأخذ شكل السينS،يشغل النصف العلوي منها البصلة والبطين.ويشغل النصف السفلي الأذين والجيب الوريدي،ويحدث فيما بعد دورانين:من الأسفل نحو الأعلى ومن الأيمن نحو الأيسر،بحيث تأخذ الأوعية الشريانية أوضاعها بالاستدارة الأولى،وتصبح الأذينة والجيب الوريدي في الأعلى كما هو الحال عند الكهول في الاستدارة الثانية.ومابين الاسبوعين الخامس والثامن يتشكل حجاب معترض يفصل الأذينتان عن البطينان،وبحيث يتكون طبقتان علوية وسفلية،وكلاً من هذين الطبقين ينقسم إلى حجرتين يمنى ويسرى،بواسطة حواجز طولانية.وفي هذه الأثناء تتحول البصلة إلى الجذع الشريانيTruncus arterius والذي يقسمه حاجز إلى الشريان الأبهر والشريان الرئوي.وفي نهاية الشهر الثاني تتشكل الحجرات الأربعة مع الدسامات المتطورة.
من الناحية التشريحية:
يبلغ وزن القلب عند الكهل الذكر 300 غرام،وعند الأنثى 250غرام.والدسامات القلبية:مثلث الشرف والتاجيTricuspid Mitralوالأبهري والرئوي. Pulmonary Aortic.وقد هيئت هذه الدسامات لأن تتحمل قلس الدم أثناء الثورة الانقباضية،ولذا فقد جهزت عند حوافها بثخانات،وعند منتصف الحافة الحرة حيث تشكل هذه التثخنات عقيدات ليفية صغيرة،تلتصق مع بعضها بحيث يكتمل انسداد الفوهو الدسامية وبالتالي تقاوم موجات القلس الدموي.وتدعى هذه العقيدات “جسيمات آرانتي”.وينشأ عن العضلات الحلمية مايسمى الأوتار الحبلية وهي تنقسم إلى شرائط رقيقة شعرانية تندمج مع الحواف الحرة للوريقات الدسامية الأذينية ـ البطينية.
ويحيط بالقلب غشاء التأمور والذي يحتوي في الحالة الطبيعية على ورقتين جدارية وحشوية يفصل بينهما سائل مصلي رائق فيه حوالي 30 مل .
من الناحية النسيجية:
إن الوريقة الجدارية والحشوية للتأمور تنشأ من الورقة المتوسطة جنينياً.زتتميز ألياف العضلة القلبية عن الألياف العضلية الصقلية بما يلي:
1 ـ أن ألياف العضلة القلبية ذات ألياف متشعبة متغصنة.
2ـ أن النواة في ليف العضلة القلبية مفردة ومركزية.
3 ـ أن ألياف العضلة القلبية تحتوي على الاقراص السلمية،وهذه تفصل مابين ألياف العضلة القلبية.
4 ـ أن خلايا عضلة القلب غنية بالمتقدرات(الميتوكوندريا) من أجل القيام بأفعال الأكسدة الحيوية الناشطة.وأما جهاز بوركنج فهو أقرب إلى الشغاف،ويتميز بمنظره الحويصلي،بسبب ارتفاع تركيز الغليكوجين في الهيولى.
وإن ليف العضلة القلبية الفرد يرفق عادة مع شعريات خاصة به،ولهذا التوزع أهميته في حال فرط نمو عضلة القلب،بحيث أن الألياف المتضخمة الثخينة قد تفوق في نموها مقدار التوعية الدموية الخاصة بها.
من الناحية الوظيفية:
إن للقلب قدرة كمونية عالية خاصة،يستطيع بواسطتها أن يتكيف مع الجهود الزائدة اللازمة التي قد تُتطلب منه،كما هو الحال أثناء التمارين الرياضية،والحمل،والشدات..وإذا عجز القلب عن إيفاء مستلزماته تجاه هذه الطلبات الزائدة فإن هذا لابد أن يكون ناجماً عن مايلي:
1 ـ تبدلات في مقدار العود الوريدي
2 ـ نقص نتاج القلب الانقباضي:وهذا إما أن يكون ناشئاً عن أذية عضلة القلب مثلاً بسبب الاحتشاء،أو بسبب زيادة المقاومة الوعائية المحيطية.
تروية القلب:
إن الشرايين الإكليلية الأيسر والأيمن هي شرايين انتهائية.وعلى الرغم من وجود تفاغرات وعائية عديدة فغن هذه المفاغرات ليست لهالا أهمية وظيفية.إذ أنها لاتستطيع أن تؤمن سنداً لعضلة القلب في حال انسداد أحد الأوعية الرئيسية.
إن الشعبة اليسرى الأمامية النازلة تغذي معظم ذروة عضلة القلب والنصف الإنسي من الوجه الأمامي للبطين الأيسر والثلث القريب من الجدار الأماميللبطين الأيمن والثلثين الأماميين من الحاجز بين البطينين.
أما الشعبة اليمنى فإنها تغذي القسم الباقي من السطح الأمامي من البطين الأيمن والوجه الخلفي من البطين الأيمن والنصف المجاور من الجدار الخلفي للبطين الأيسر والثلث الخلفي من الحاجز بين البطينين.
أما الشعبة التفاغرية اليسرى فإنها تغذي الوجه الوحشي من البطين الأيسر في الأمام والخلف.أما الأذينتان فإنهما تغذيان بواسطة شعب وعائية من شرايين الجانب المناسب.
من ناحية الإعجاز:
ثبت علميً وعلى الرغم من فحص عشرات الآلاف من الأجنة،وجود انواع عديدة من التشوهات الخلقية فيها والتي تشمل ازدواج كثير من الأعضاء ومنها تضاعف الأمعاء،وتضاعف الحالب والكلية،ووجود فص زائد من الكبد،ووجود أصابع زائدة في اليد أو القدم،…وقد يشاهد حالات شاذة لطفل برأسين،أو عدة أذرع أو أرجل..
إلا أنه لم يوجد قط شخص أو جنين لديه قلبين في جوفه إلا في حالات نادرة جداً وشاذة.وهؤلاء المواليد لايصلون إلى درجة النضوج ويموتون وهم صغار.وبالتالي لايوجد شخص يحمل في جوفه أكثر من قلب بشكل طبيعي.
كما ثبت علمياً أن القلب قد يوجد في الجانب الأيمن من الصدر،وفي بعض الحالات قد يولد الوليد وقلبه خارج صدره..وقد تشاهد تشوهات عديدة في القلب ومنها وجود فتحة بين الأذينتين أو البطينين،أو كلاهما معا،أو وجود بطين واحد ،وقد يكون هناك تشوهات على مستوى الأوردة أو الشرايين الكبيرة في القلب،ومنها ثلاثي أو رباعي فاللوت،ومنها أمراض القلب المزرقة أو غير المزرقة بسبب بعض التشوهات الخلقية،ولكن لم يشاهد وجود قلبين في جوف واحد وحتى في حالات التوائم السيامية الملتحمة أو الملتصقة،فقد يكون لكل توأم منهما قلب منفصل،وقد يكون لهما قلب واحد،ولكن لم يشاهد وجود ثلاثة قلوب لهما.
وهذا وجه من وجوه الإعجاز القرآني،والوجه الآخر أن الله تعالى يقول”ماجعل الله لرجل من قلبين في جوفه”،وجاء اختيار كلمة”رجل” وليس بشراً أو بني آدم،أو مؤمناً أو إنساناً،حتى لايحتمل تفسيرها مشاركة الأنثى في القسم،والتي قد يكون في جوفها أثناء فترة الحمل جنين أو أكثر ويحمل كل منهما قلب ينبض وهو لايزال في جوف أمه وبين أحشائها.
3 ـ “ثمَّ لقطعنا منهُ الوتين”
يقول الله عز وجل في محكم كتابه:{ولو تَقَوَّلَ علينا بعضَ الأقاويل*لأخذنا منهُ باليمين*ثمَّ لقطعنا منهُ الوتين}[الحاقة 44 ـ 46].
من الناحية الطبية:
تقسم الشرايين في جسم الإنسان حسب حجومها والناحية النسيجية فيها إلى ثلاثة مجاميع:
1 ـ الشرايين المرنة أو الكبيرة:وأهمها الوتين أو الشريان الأبهر وشعبه الرئيسية
2 ـ الشرايين العضلية أو المتوسطة
3 ـ الشرايين الصغيرة والشرينات
الشريان الأبهر أو الوتينAorta:
هو أكبر شريان في جسم الإنسان،يخرج من البطين الأيسر ،وهو يوزع الدم المؤكسج إلى جميع أنحاء الجسم عن طريق الدورة الدموية الكبرى والتي تبدأ من البطين الأيسر وتنتهي في الأذين الأيمن.وهو الشريان الرئيسي في الجسم والذي يغذي جميع أنحاء الجسم.
ومن أهم الأمراض الخطيرة التي تصيب هذا الشريان مايسمى”تسلخ الشريان الأبهر”وهي حالة خطيرة ومميتة غالباً إن لم تعالج وبسرعة إسعافياً،ويحدث فيها تمزق الطبقة الداخلية للشريان وبحيث يندفع الدم من الثقب الممزق ويتسبب في فصل الطبقات الداخلية والوسطى لجدار الشريان(تسلخ).وتسبب غالباً الوفاة.ويترافق الداء \مع ألم شديد جداً ومفاجىء في الصدر أو الظهر،ويصفه المريض بالتمزق،مع فقدان الوعي،وضيق التنفس،وحدوث الوفاة إن لم يعالج بسرعة.
من الناحية الأدبية:
الوتين:شريان القلب.
الوتين:نياط القلب،أو هو عرق متعلق بالقلب يجري الدم منه إلى العروق جميعها،إذا انقطع مات صاحبه.كما جاء في تفسير الجلالين.
ذكر الشريان الأبهر أو الوتين في الشعر والادب العربي،ومنها قول الشاعر بشر بن أبي خازم:
على كل ذي ميتة سابح يقطع ذو أبهريه الحزاما
يقول ابن قتيبة:شعر فيه عيب،لأن الأبهر عرق مكتنف للصلب،وهو واحد،فالصواب أن يقول ذو أبهره.
من الناحية الدينية:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ولا يأكل الصدقة زاد فأهدت له يهودية بخيبر شاةً مصليَّة سمّتها فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وأكل القوم فقال ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتني أنها مسمومة ،فمات بشر بن البراء بن معرور الأنصاري فأرسل إلى اليهودية ما حملك على الذي صنعت قالت إن كنت نبياً لم يضرك الذي صنعت وإن كنت ملكاً أرحت الناس منك فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقُتلت ثم قال في وجعه الذي مات فيه مازلت أجدُ من الأُكلة التي أكلت بخيبر فهذا أوان قطعت أبهري”[أخرجه أبو داود عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وهو حديث حسن صحيح].
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد أثر هذا السم بين الحين والحين،حتى جاء موته،فجمع الله تعالى له بين النبوة ومقام الشهادة، فمات نبياً شهيداً صلى الله عليه وسلم.عن عائشة رضي الله عنها قالت:”كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرض موته الذي مات فيه:يا عائشة،ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر،فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم“[رواه البخاري]
وجاء في تفسير الظلال للشهيد سيد قطب رحمه الله حول الآيات الكريمة من سورة الحاقة:
“ومفاد هذا القول من الناحية التقريرية أن محمداً صلى الله عليه وسلم صادق فيما أبلغهم.وأنه لو تقول بعض الأقاويل التي لم يوح بها إليه لأخذه الله فقتله على هذا النحو الذي وصفته الآيات.ولما كان هذا لم يقع فهو ولابد صادق.
هذه هي القضية من الناحية التقريرية…ولكن المشهد المتحرك الذي ورد فيه هذا التقرير شىء آخر،يلقي ظلالاً بعيدة وراء المعنى التقريري.ظلالاً فيها رهبة وفيها هول.كما أن فيها حركة وفيها حياة.ووراءها إيحاءات وإيماءات وإيقاعات.!
فيها حركة الأخذ باليمين وقطع الوتين.وهي حركة عنيفة هائلة مروعة حية في الوقت ذاته.ووراءها الإيحاء بقدرة الله العظيمة وعجز المخلوق البشري أمامها وضعفه..البشر أجمعين…كما أن وراءها الإيماء إلى جدية هذا الأمر التي لاتحتمل تسامحاً ولا مجاملة لأحد كائناً من كان.ولو كان هو محمد الكريم عند الله الأثير الحبيب.ووراءها بعد هذا كله إيقاع الرهبة والهول والخشوع.
4 ـ آيات العقل والذاكرة والدماغ:
1 ـ “ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون”
يقول تعالى في كتابه العزيز:{ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون}[يس 68]
ويقول تعالى في كتابه العزيز:{والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يُرَدُّ إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علمٍ شيئاً إن الله عليمٌ قدير}[النحل 70].
ويقول تعالى:{ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً}[الحج5]
ويقول تعالى:{الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعفٍ قوةً ثم جعل من بعد قوةٍ ضعفاً وشيبة يخلق مايشاء وهو العليم القدير}[الروم 54].
تعريف العقل:
يقول أبو الحسن الماوردي في كتابه”أدب الدنيا والدين”:
“إن العقل هو العلم بالمدركات الضرورية.وذلك نوعان:أحدهما:ماوقعَ عن دَرك الحواس،والثاني ما كان مبتدأ في النفوس.
فأما ما كان واقفاً على درك الحواس،فمثل المرئيات المدركة بالنظر،والأصوات المدركة بالسمع،والطعوم المدركة بالذوق،والروائح المدركة بالشم،والأجسام المدركة باللمس.فإذا كان الإنسان ممن لو أدرك بحواسه هذه الاشياء لعلم،ثبتت له هذا النوع من العلم،لأن خروجه من حال تغميض عينيه أن يدرك بهما ويَعلم،لا يخرجه من أن يكون كامل العقل،من حيث عُلم من حاله أنه لو أدرك لعِلم.
وأما ماكان مبتدأ في النفوس وهو مايسمى بالعقل الغريزي فكالعلم بأن الشىء لا يخلو من وجود أو عدم،وأن الموجود لا يخلو من حدوث أو قِدم،وأن من المحال اجتماع الضدين،وأن الواحد أقل من الإثنين.وهذا النوع من العلم لايجوز أن ينتفى عن العاقل،مع سلامة حاله،وكمال عقله،فإذا صار عالماً بالمدركات الضرورية من هذين النوعين فهو كامل العقل.
وسمي بذلك تشبيهاً بعقل الناقة،لأن العقل يمنع الإنسان من الإقدام على شهواته إذا قبحت كما يمنع الناقة من الشرود إذا نفرت ولذلك قال عامر بن عبد القيس:”إذا عقلك عقلك عما لاينبغي فأنت عاقل”.
وأما العقل المكتسب فهو نتيجة العقل الغريزي،وهو نهاية المعرفة،وصحة السياسة،وإصابة الفكرة،وليس لهذا حدّ،لأنه ينمو إن أستعمل،وينقص إن أُهمل،ونماؤه يكون بأحد وجهين:إما بكثرة الاستعمال إذا لم يعارضه مانع من هوى،ولاصادٌ من شهوة،كالذي يحصل لذوي الأسنان من الحنكة،وصحة الروّية بكثرة التجارب،وممارسة الأمور،ولذلك حَمدت العرب أراء الشيوخ حتى قال بعضهم:”المشايخ أشجار الوقار،ومنابع الأخبار،لا يطيش لهم سهم،ولا يسقط لهم وهم،إن رأوك في قبيح صدوك،وإن أبصروك على جميل أمدّوك”.وقيل: عليكم بأراء الشيوخ،فإنهم إن فقدوا ذكاء الطبع،فقد مرّت على عيونهم وجوه العِبر،وتصدّت لأسماعهم آثار الغِير(أي الأحداث المغيرة لأحوال الناس).
وأما الوجه الثاني فقد يكون بفرط الذكاء وحسن الفطنة،وذلك جَودة الحدْس،في زمان غير مُمهل للحدس،فإذا امتزج بالعقل الغريزي صارت نتيجتها نمو العقل المكتسب،كالذي يكون في الأحداث من وفور العقل،وجودة الرأي،حتى قال هَرم بن قُطبة حين تنافر إليه عامربن الطفيل وعلقمة بن علاثة:”عليكم بالحديث السن،الحديد الذهن”.وقد قالت العرب:” عليكم بمشاورة الشباب فإنهم ينتجون رأياً لم ينله طول القِدم(أي رأي جديد لم يعرفه القدماء مع طول الزمن وكثرة العقلاء منهم) ولا استولت عليه رطوبة الهَرم”.
وقال الاستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله(المجموعة الكاملة ـ ج 5):
“من مزايا القرآن الكثيرة ميزة واضحة وهي التنويه بالعقل والتعويل عليه في أمر العقيدة وأمر التبعة والتكليف…
والقرآن الكريم لايذكر العقل إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به والرجوع إليه،ولا تأتي الإشارة إليه عارضة ولا مقتضبة في سياق الآية،بل هي تأتي في كل موضع من مواضعها مؤكدة جازمة باللفظ والدلالة،وتتكرر في كل معرض من معارض الأمر والنهي التي يحث فيها المؤمن على تحكيم عقله أو يلام فيها المنكر على إهمال عقله وقبول الحجر عليه،ولا يأتي تكرار الإشارة إلى العقل بمعنى واحد من معانيه التي يشرحها النفسانيون من أصحاب العلوم الحديثة،بل هي تشمل وظائف الإنسان العقلية على اختلاف أعمالها وخصائصها،وتتعمد التفرقة بين هذه الوظائف والخصائص في مواطن الخطاب ومناسباته،فلا ينحصر خطاب العقل في العقل الوازع ولا في العقل المدرك ولا في العقل الذي يناط به التأمل الصادق والحكم الصحيح،بل يعم الخطاب في الآيات القرآنية كل مايتسع له الذهن الإنساني من خاصة أو وظيفة،وهي كثيرة لا موجب لتفصيلها في هذا المقام المجمل،إذ هي جميعاً مما يمكن أن يحيط به العقل الوازع والعقل المدرك والعقل المفكر الذي يتولى الموازنة والحكم على المعاني والأشياء..
فالعقل في مدلول لفظه العام ملكة يناط بها الوازع الأخلاقي أو المنع عن المحظور والمنكور،ومن هنا كان اشتقاقه من مادة”عقل” التي يؤخذ منها العقال.
ومن خصائص العقل ملكة الإدراك التي يناط بها الفهم والتصور،وهي على كونها لازمة لإدراك الوازع الاخلاقي وادراك أسبابه وعواقبه تستقل أحياناً بإدراك الامور فيما ليس له علاقة بالأوامر والنواهي أو بالحسنات والسيئات.
ومن خصائص العقل أنه يتأمل فيما يدركه ويقلبه على وجوهه ويستخرج منه بواطنه وأسراره ويبني عليها نتائجه وأحكامه،وهذه الخصائص في جملتها تجمعها ملكة”الحكم” وتتصل بها ملكة الحكمة،وتتصل كذلك بالعقل الوازع إذا انتهت حكمة الحكيم به إلى العلم بما يحسن وما يقبح وماينبغي له أن يطلبه وما ينبغي له أن يأباه…
ومن أعلى خصائص العقل الإنساني”الرشد”وهو مقابل لتمام التكوين فب العاقل الرشيد،ووظيفة الرشد فوق وظيفة العقل الوازع والعقل المدرك والعقل الحكيم،لأنها استيفاء لجميع هذه الوظائف وعليها مزيد من النضج والتمام والتمييز بميزة الرشاد حيث لا نقص ولا اختلال،وقد يؤتى الحكيم من نقص في الإدراك وقد يؤتى العقل الوازع من نقص في الحكمة،ولكن العقل الرشيد ينجو به الرشاد من هذا وذاك.
وفريضة التفكير في القرآن الكريم تشمل العقل الإنساني بكل ما احتواه منهذه الوظائف بجميع خصائصها ومدلولاتها.فهو يخاطب العقل الوازع والعقل المدرك والعقل الحكيم والعقل الرشيد،ولا يذكر العقل عرضاً مقتضباً بل يذكره مقصوداً مفصلاً على نحو لا نظير له في كتاب من كتب الأديان”.
من الناحية الطبية:
كل شىء يتجدد في الجسم ويتغير إلا خلايا الجهاز العصبي المركزي،والخلايا العضلية وخاصة ألياف عضلة القلب،ولذا تسمى هذه الخلايا “بالخلايا النبيلة”،ويوجد في الجهاز العصبي المركزي حوالي 13 مليار خلية عصبية،تدعمها خلايا استنادية داعمة ويبلغ عددها حوالي 100 مليار من الخلايا الاستنادية.
إذاً هناك نوعان رئيسيان للخلايا في الدماغ:العصبونات وهي الخلايا العصبية غير القابلة للتجدد،وهناك الخلايا الدبقية أو الاستنادية الداعمة.
ورغم تباين الخلايا العصبية أو العصبونات شكلاً وحجماً،فإنها تشترك جميعاً في أن لها زوائد كثيرة متفرعة تسمى التفرعات الشجرية،إضافة إلى زائدة واحدة طويلة تعرف بالمحور(الاكسون) .وكل خلية عصبية تأتيها سيالات منشطة أو مثبطة من آلاف الخلايا العصبية الأخرى.
وفي العادة لاتتجاور أجسام الخلايا العصبية وإنما يتصل بعضها بالبعض الآخر بأن تتلاقى التفرعات الانتهائية للخلايا بالتفرعات الشجرية لخلايا أخرى فيما تكون شبكة غاية في التعقيد والإحكام.وتعرف مواضع اتصال الخلايا العصبية بعضها بالبعض باسم الارتفاقات أو التشابكات العصبية.ويمكن للخلية الواحدة أن تتصل مع عدد من الخلايا الأخرى عبر عدد من الارتفاقات يتراوح مابين بضعة آلاف ونصف مليون تشابك.والعصبونات هي الخلايا الرئيسية في الدماغ وهي التي تتلقى الإشارات سواء تلك الواردة من الحواس أو الواردة من خلايا عصبية أخرى.ثم تصنفها وتعيد إرسالها إلى وجهات معينة،وهذه الخلايا هي المسؤولة عن القدرات الخارقة التي يتمتع بها الغنسان من حيث الغرائز والتفكير والعاطفة وجميع الصفات الأخرى.إن غرام واحد من نسيج الدماغ يحتوي أكثر من سبعين مليون خلية عصبية ومليون مليون ارتفاق عصبي.
وأما الخلايا الدبقية الداعمة فهي أكثر عدداً من العصبونات بنحو عشر مرات،وهي تملأ الفراغات بين أجسام العصبونات أي الخلايا العصبية،فتعمل بذلك على تماسك نسيج المخ.
وهذه الخلايا العصبية تحتفظ بديمومتها فلا تنقص ولا تزداد،وهذا من رحمة الله عز وجل،إذ لو تجددت الخلايا العصبية كما يحدث في باقي أنحاء الجسم لكان على الإنسان أن يتعلم اللغة مثلاً من جديد كل ستة أشهر،بينما خلايا الجسم الأخرى وخاصة خلايا الجلد والأمعاء والدم تتجدد بشكل دوري،فإن ما يموت ويتجدد من الكريات الحمراء هو عشرة مليارات كرية حمراء في الساعة الواحدة أي حوالي 240 مليار كرية حمراء في اليوم والليلة.
واستطاع العلماء تحديد مراكز الإبصار والسمع والشم والكلام،وكذلك مراكز الخوف واللذة وغيرها.
ةتذكر الدراسات العلمية أنه مع تقدم السن لاتموت خلايا الدماغ وهذا ما يعاكس النظريات القديمة التي كانت تذكر أنه يموت يومياً 100ألف وحتى 300 ألف خلية عصبية دماغية مع تقدم العمر،وإنما الذي يحصل بعد دراسات واسعة ومستفيضة وبعد دراسات مورفولوجية استمرت لعدة سنوات وعلى حوالي 150 من الأدمغة البشرية لأناس كانوا يعانون من العته والخرف في قسم التشريح بجامعة لوبك في ألمانيا أن الذي يحصل هو نقص في حجم الكتلة الدماغية بسبب نقص في حجم الخلايا العصبية وزيادة ضياعها من الماء والسوائل(وهنا الإعجاز في كلمة ننكسه”).ويقال أن حجم الدماغ عند المسنين ما بين 60 ـ 80 سنة ينكمش بنسبة 6 ـ 8%.وأن أكثر التكوينات الدماغية تأثراً بهذا الانكماش أو التنكس هي المسؤولة عن الفعالية الحركية،حيث تصاب أبكر من غيرها،بينما المسؤولة عن الإحساسات والعوامل النفسية تبقى غير متأثرة حتى سن 65،ومن ثم يطرأ عليها التنكس.
وذكر كثير من الباحثين الألمان وخاصة في المؤتمر الدولي الحادي عشر لجمعية الطب الفسيولوجي في مدينة ايرلانغن أنه لايشاهد مع تقدم العمر فقدان الخلايا العصبية أو أن هذا يحدث بشكل بسيط لايذكر،وإنما يحدث نقص في حجم الخلايا الدماغية واقترابها أكثر من بعضها،وإنه قد وجد لدى النساء والذكور أن قشر المخ يحتوي نفس العدد من العصبونات أي حوالي 14 مليار ،على الرغم من أن حجم الدماغ عند النساء أصغر منه عند الذكور في الحالات العادية بحوالي 120 ـ 150 غرام.وإذا كان حجم الدماغ 1400 في سن الخامسة والعشرين فإن يصل إلى وزن 1100 غرام في سن الثمانين،وابتداء من سن الخامسة والستين يشاهد نقصاً في حجم كتلة الدماغ.ولكن هذا لايحدث بشكل عام في مختلف أقسام الدماغ وإنما يشاهد فروقاً في مختلف الأقسام،فيشاهد أشدّ التبدلات في القشر الجبهي وخاصة المناطق 6،و7،وأقلها حدوثاً في القشر الصدغي والقفوي،والضمور الذي يشاهد في القشر الجبهي وخاصة المنطقة السادسة يحدث مبكراً ابتداءً من سن الأربعين،بينما في الناحية النفسية الحركية أي المنطقة 11،يحدث متأخراً بعد سن 65.
وأشدّ أشكال العته الشيخي أو مايسمى نموذج الزهايمر يحدث تبدلات شديدة في الأوعية الشعرية الدماغية وهذا مايسبب نقص الوارد من الأوكسجين للدماغ.
الذاكرة:
عرف العلماء الذاكرة:بأنها قابلية الإنسان على الاحتفاظ بالتجربة والمعرفة واستدعائها وتذكرها عند اللزوم.
والذاكرة هي إحدى قدرات الدماغ التي تمكنه من تخزين المعلومات واسترجاعها.
ولا يوجد إنسان بدون ذاكرة،مهما كانت درجة ذكائه متدنية.ولكن القابليات العقلية متنوعة،فهناك أناس يمتلكون قابلية ذهنية على حلّ المسائل الرياضية،وآخرون على الكلام والحفظ،وآخرون على الإنجاز والمهارة العلمية واليدوية.
والذاكرة كإحدى الملكات العقلية لاتوجد بصورة متساوية لدى كل الأفراد،وقد يمتلك فرد ما ذاكرة قوية جداص،ولكنه لايمتلك قابلية رياضية أو مهارة عملية مناسبة،بل قد يكون معدل ذكائه العام اعتيادياً أو متدنياً أو ممتازاً.
إن علم الفسيولوجيا العصبية توصل إلى مبادىء أولية عن عملية الذاكرة:إن الفص الصدغي يتلقى المعلومات الأولى عن طريق الحواس،ليبدأ عملية التسجيل والنقل.
وهناك مراكز مختلفة للذاكرة في الدماغ.ويمكن بالتكرار والتدريب تثبيت المعلومات وإيصالها إلى الذاكرة الطويلة الأمد.وحيث تبين أن المعلومات تنتقل من الذاكرة المؤقتة القصيرة إلى الذاكرة الطويلة،حيث أن كل الانطباعات والمعلومات تخزن أولا في الذاكرة القصيرة المؤقتة حيث ينشط تبادل إشارات كهربية بين نحو 100 مليار من الخلايا العصبية.وينشط كل انطباع مجموعة معينة من العصبونات.إلا أن الذاكرة القصيرة لها سعة محدودة على الاحتفاظ بالمعلومات بحيث تأخذ معلومات جديدة مكان المعلومات قبلها مثل السبورة التي تكتب وتمسح ثم تكتب من جديد.ويصل جزء قليل من تلك المعلومات والانطباعات إلى الذاكرة الطويلة،بينما يضيع الجزء الآخر وينسى.
تحدث أذيات شديدة في الذاكرة إذا أصيبت المناطق العصبية التالية:الفص الصدغي الإنسي،وما تحت المهاد وخاصة منطقةHipocampus، (الهيبو كامبس) أو اللوزةAmygdala،
الخرف أو العته:Dementia:
هو تدهور مستمر في وظائف الدماغ،ينتج عنه اضطراب في القدرات الإدراكية مثل الذاكرة والاهتداء والتفكير السليم والحكمة.ويصبح المريض عاجزاً عن خدمة نفسه ويحتاج لرعاية الآخرين.
يشاهد الخرف غالباً عند المسنين بعد سن 65،وتقدر نسبة حدوثه بحوالي2% بين سن 65 ـ 69،وتصل إلى 5% مابين 75 و79،ثم تصل إلى نسبة 20%بين سن 85 ـ 89.
والخرف له شكلان رئيسيان:
1 ـ التدهور المستمر والمتواصل على مدى أشهر أو سنوات وهذا ما يشاهد في داء الزهايمر.ويعد داء الزهايمر أكثر أشكال الخرف شيوعاً،(سمي المرض حسب مكتشفه وهو الباثولوجي العصبي ألويس الزهايمر).
ويحدث في النساء أكثر من الرجال بثلاث مرات.وقد يبدأ في سن الأربعين،ولكن غالباً مايكون هناك اضطرابات عائلية واجتماعية شديدة.والغالب أن يبدأ الداء بسن 50 ـ 60.
وتحدث الوفاة وسطياً خلال 3 ـ 5 سنوات.ويقال عن داء الزهايمر بأنه مرض العصر الحديث حيث لوحظ وفرة حدوثه،وربما لسهولة تشخيصه.
ينجم الداء عن وجود تنكس مترق في خلايا الدماغ،يبدأ بضعف الذاكرة،وينتهي مع فقدان الاستشراق والاهتداء التام.
يبدأ داء الزهايمر غالباً في البدء بضعف في الذاكرة،وهذا ما يُقلق أقارب المرضى في البدء،وبعد ذلك يحدث تراجع في القابلية والفعالية على كل المستويات الفكرية والذهنية.كما يفقد المريض المراقبة للانفعالات والعواطف،ومع تقدم المرض وزيادة التنكس في العصبونات الدماغية فإن شخصيةالمريض وكيانه النفسي يصبح الضحية،وفي النهاية يحدث تدهور نفسي وروحي وجسدي رهيب.
ومن أهم أعراضه:
ـ خلل في الذاكرة:اضطراب القدرة على اكتساب معلومات جديدة أو استرجاع معلومات قديمة.
ـ اضطراب في اللغة:الصمت أخطاء لفظية،قصر العبارات.
اضطراب القدرات الحركية:مثل العجز عن تفريش الأسنان أو التلويح بالذراع للوداع أو مضغ الطعام…
ـ اضطراب على معرفة الأشياء بأسمائها في حال عدم وجود مشكلات حسية مثل الصمم أو العمى
ـ اضطراب الوظائف العقلية العليا كالتخطيط والتنظيم والترتيب…
2 ـ تدهور متدرج في القدرات الإدراكية يفقد به المريض شيئاً من قدراته بشكل ملحوظ ثم يستقر مدة من الزمن ثم يحدث تدهور ملحوظ وهكذا..وهذا يشاهد غالباً في حالات الاحتشاء الدماغي المتعدد والمتكرر بسبب خثرات وعائية تصيب الأوعية الدموية الدقيقة في الدماغ.وهو يشاهد في الذكور أكثر من الإناث.
من الناحية الدينية:
يقول الله تعالى في كتابه العزيز:{والله الذي خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يُردُّ إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئاً إن الله عليم قدير}[النحل 70].
وقال تعالى:{ومنكم من يُتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً}[الحج5].
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:”اللهم إني أعوذ بك من البخل،وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أردَّ إلى أرذل العمر،وأعوذ بك من فتنة الدنيا،وأعوذ بك من عذاب القبر”[رواه الإمام أحمد عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وهو حديث صحيح].
وفي رواية أخرى يقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه:كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا هؤلاء الكلمات،كما تُعَلّم الكتابة:اللهم إني أعوذ بك من البخل،وأعوذ بك من الجبن،وأعوذ بك من أن نردّ إلى أرذل العمر،وأعوذ بك من فتنة الدنيا،وعذاب القبر”[أخرجه البخاري].وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يتعوذ منهن دبر الصلاة.
وفي حديث آخر لأنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ يقول:”اللهم إني أعوذ بك من الكسل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك من الهرم وأعوذ بك من البخل”.
فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن نتعوذ من أرذل العمر،وهو كبر السن المؤدي إلى ضعف القوى،وسبب استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم منه:مافيه من الخرف واختلال العقل والحواس والضبط والفهم،والعجز عن كثير من الطاعات والتساهل في بعضها.
يقول الإمام الصنعاني في سبل السلام:”والمراد من الرد إلى أرذل العمر:هو بلوغ الهرم والخرف،حتى يعود كهيئته الأولى في أوان الطفولية،ضعيف البنية،سخيف العقل،قليل الفهم”.
ويقول الشيخ الشعراوي رحمه الله:”والأرذل:تفضيل في الرذالة،وهي الرداءة في صفات الاستياء.والعمر:مدة البقاء في الحياة،لأنه مشتق من العَمر،وهو شغل المكان،أي عمر الأرض قال تعالى:{وأثاروا الأرض وعمروها}[الروم9].
فإضافة أرذل إلى العمر التي هي من إضافة الصفة إلى الموصوف على طريقة المجاز العقلي،لأن الموصوف بالأرذل حقيقة هو حال الإنسان في عمره لا نفس العمر.
فأرذل العمر هو حال هرم البدن وضعف العقل وهو حال في مدة العمر.وأما نفس مدة العمر فهي لا توصف برذالة ولاشرف.
والهرم لا ينضبط حصوله بعدد من السنين،لأنه يختلف باختلاف الأبدان والبلدان والصحة والاهتلال على تفاوت الامزجة المعتدلة،وهذه الرذالة رذالة في الصحة لا تعلق لها بحالة النفس،فهي مما يعرض للمسلم والكافر فتسمى أرذل العمر فيهما،وقد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يردّ إلى أرذل العمر”.
يقول تعالى:{ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون}[يس 68].
حيث يخبر المولى عز وجل أن هناك من يطول عمره ويحدث تنكس في خلقه، أي انقلب حاله وارتدت قواه وتراجعت قدراته نحو الضعف والوهن،وصار كمن انتكس وانقلب رأساً على عقب.
ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى:{ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون}[يس 68]:
“والشيخوخة نكسة إلى الطفولة.بغير ملاحة الطفولة وبراءتها المحبوبة! ومايزال الشيخ يتراجع،وينسى ماعلم،وتضعف أعصابه،ويضعف فكره،ويضعف احتماله،حتى يرتد طفلاً.ولكن الطفل محبوب اللثغة،تبسم له القلوب والوجوه عند كل حماقة.والشيخ مجتوى لا تقال له عثرة إلا من عطف ورحمة،وهو مثار السخرية كلما بدت عليه مخايل الطفولة وهو عجوز.وكلما استحمق وقد قوست ظهره السنون”.
ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله :
“يقول تعالى”ومن نعمره” أي نطيل عمره ونمد له فيه.”ننكسه في الخلق” الانتكاس: العودة إلى الوراء والرجوع إلى ماكنت عليه أولاص،فطول العمر يعود بالإنسان إلى مرحلة الطفولة الأولى،فهو نكسة في حقه حين يصير شيخاً هرماً لايستطيع الحراك ولا الكلام.وتأخذ ذاكرته في الضعف فينسى ويخرف،فهو كالطفل تماماً يحتاج من يحمله ويُطعمه ويزيل عنه الأذى…الخ،فهل في هذه الحال عودة؟وهل ينفع معها تفكر وتدبر؟
“أفلا يعقلون” يعني :أين عقولكم في هذه المسألة،والحق سبحانه يسوقها باسلوب الاستفهام،ولا يأتي بها على سبيل الإخبار ليجيبوا هم ويُقروا على أنفسهم بعدم التعقل”.
2 ـ “ناصية كاذبة خاطئة”
يقول الله تعالى في كتابه العزيز:{كلا لئن لم ينتهِ لنسفعاً بالناصية*ناصيةٍ كاذبةٍ خاطئة}[العلق 15 ـ 16].
وقال تعالى:{إني توكلت على الله ربّي وربّكم مامن دابةٍ إلا هو آخذٌ بناصيتها إنَّ ربي على صراط مستقيم}[هود 56].
وقال تعالى:{يُعرفُ المجرمونَ بسيماهم فيُؤخذ بالنواصي والأقدام}[الرحمن 41].
وجاء في الحديث الشريف:روى الإمام أحمد في مسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:”ما أصاب أحداً قطُّ همّ ولا حَزن فقال: اللهم إني عبدُك ابنُ عبدك ابنُ أمتك،ناصيتي بيدك،ماضٍ فيَّ حُكمُك عدلٌ فيَّ قضاؤُك أسألك بكل اسمٍ هو لك سميتَ به نفسَك أو علّمته أحداً من خلقك أو أنزلته في كتابك أو استأثرت به في علمِ الغيب عندَك أن تجعل القرآن ربيعَ قلبي،ونورَ صدري،وجلاءَ حُزني،وذهابَ همّي،إلا أذهبَ الله همّهُ وحُزنه وأبدله مكانه فرجاً.قال: فقيل:يارسول الله ألا نتعلمها؟فقال::بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها”.[أخرجه أحمد واللفظ له وابن حبان والطبراني باختلاف يسير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وهو حديث صحيح كما قال الألباني].
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا آوى إلى فراشه قال:”اللهمَّ ربَّ السَّموات وربَّ الأرض وربّ العرش العظيم، ربنّا وربَّ كلِّ شىء، فالقَ الحبِّ والنّوى، ومُنزلَ التوراة والإنجيلِ والفرقان،أعوذُ بك من شرِّ كلِّ شىء أنتَ آخذٌ بناصيته، اللهمَّ أنتَ الأول فليس قبلك شىءٌ،وأنتَ الآخرُ فليسَ بعدكَ شىءٌ،وأنتَ الظاهرُ فليسَ فوقكَ شىءٌ،وأنتَ الباطنُ فليسَ دونكَ شىء،اقضِ عنا الدَّين وأغننا من الفقر”.[أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه]
وفي الحديث الشريف:”الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخير والنيلُ إلى يوم القيامة وأهلها مُعانون عليها فامسحوا بنواصيها وادعوا لها بالبركة وقلّدوها ولا تُقلّدوا الأوتار[أخرجه أحمد والطبراني عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه وإسناده جيد].”
من الناحية اللغوية:
الناصية: واحدة النواصي،وهي قصاص الشعر في مقدم الرأس،وقال الفرّاء: مقدم الرأس،وقال الأزهري: الناصية: منبت الشعر في مقدم الرأس.
أقوال السلف وعلماء الدين:
“لنسفعاً بالناصية”:السفع: هو القبض والجذب، وقيل هو مأخوذ من سفع النار والشمس إذا غيرت وجهه إلى السواد.
وقد بينت أقوال المفسرين بأن وصف الناصية بالكذب والخطيئة ليس وصفاً لها بل هو وصف لصاحبها.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في تفسير “ناصيتي بيدك”:
“أي أنت المتصرّف فيّ،تُصرّفني كيف تشاء،لست أنا المتصرف في نفسي.وكيف يكون له في نفسه تصرف من نفسه بيد ربّه وسيده،وناصيته بيده وقلبه بين اصبعين من أصابعه،وموته وحياته وسعادته وشقاوته وعافيته وبلاؤه كله إليه سبحانه.ليس إلى العبد منه شىء،بل هو في قبضة سيده أضعف من مملوك ضعيف حقير ناصيته بيد سلطان قاهر مالك له تحت تصرفه وقهره،بل الامر فوق ذلك.
ومتى شهد العبد إن ناصيته ونواصي العباد كلها بيد الله وحده يصرفهم كيف يشاء لم يخفهم بعد ذلك ولم يرجهم ولم ينزلهم منزلة المالكين بل منزلة عبيد مقهورين مربوبين،المتصرف فيهم سواهم والمدبر لهم غيرهم،ولهذا قال هو لقومه:{إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إنّ ربي على صراط مستقيم}[هود 56].
وقال الشيخ عبد المجيد الزنداني:
“وصف القرآن الناصية بأنها كاذبة خاطئة كما قال تعالى:{ناصية كاذبة خاطئة}[العلق 16]،.
والناصية لا تنطق فكيف يسند إليها الكذب؟ولا تجترح الخطايا فكيف تسند إليها الخطيئة؟
لقد أزال البروفسور محمد يوسف سكر عني هذه الحيرة عندما كان يحدثني عن وظائف المخ فقال: إن وظيفة الجزء من المخ الذي يقع في ناصية الإنسان هي توجيه سلوك الإنسان.فقلت له: وجدتها!
قال: ماذا وجدت؟
قلت: وجدت تفسير قوله تعالى:{ناصية كاذبة خاطئة}.
فقال: دعني أراجع كتبي ومراجعي.
وبعد مراجعته لتلك الكتب والمراجع،أكد الأمر وقال:إن الإنسان إذا أراد أن يكذب فإن القرار يتخذ في الفص الجبهي للمخ الذي هو جبهة الإنسان وناصيته،وإذل أراد الخطيئة فإن القرار كذلك يتخذ في الناصية.
ثم عرضت الموضوع على عدد من العلماء المتخصصين ومنهم البروفسور كيث إل مور الذي أكد أن الناصية هي المسئولة عن المقايسات العليا وتوجيه سلوك الإنسان.وما الجوارح إلا جنود تنفذ هذه القرارات التي تتخذ في الناصية،لذلك فالقانون في بعض الولايات الأمريكية يجعل عقوبة كبار المجرمين الذين يرهقون أجهزة الشرطة هي استئصال الجزء الأمامي من المخ(الناصية) لأنه مركز القيادة والتوجيه ليصبح المجرم بعد ذلك كطفل وديع يستقبل الأوامر من أي شخص.
وبدراسة التركيب التشريحي لمنطقة أعلى الجبهة وجد أنها تتكون من أحد عظام الجمجمة المسمى العظم الجبهي،ويقوم هذا العظم بحماية أحد فصوص المخ والمسمى الفص الأمامي أو الفص الجبهي،وهو يحتوي على عدة مراكز عصبية تختلف فيما بينها من حيث الموقع والوظيفة.
وتمثل القشرة الأمامية الجبهية الجزء الأكبر من الفص الجبهي للمخ،وترتبط وظيفة القشرة الأمامية الجبهية بتكوين شخصية الفرد،وتعتبر مركزاً علوياً على مراكز التركيز والتفير والذاكرة،وتؤدي دوراً منتظماً لعمق إحساس الفرد بالمشاعر،ولها تأثير في تحديد المبادأة والتمييز.
وتقع القشرة مباشرة خلف الجبهة أي أنها تختفي في عمق الناصية،وبذلك تكون القشرة الأمامية الجبهية هي الموجه لبعض تصرفات الإنسان التي تنم عن شخصيته مثل الصدق والكذب والصواب والخطأ…وهي التي تميز بين هذه الصفات وبعضها البعض وهي التي تحث الإنسان على المبادأة بالخير أو بالشر”.
الإعجاز الطبي في الآية الكريمة:
يقول البروفسور كيث إل مور مستدلً على هذه المعجزة العلمية:”إن المعلومات التي نعرفها عن وظيفة المخ لم تذكر طوال التاريخ،ولا نجد في كتب الطب عنها شيئاً،فلو جئنا بكتب الطب كلها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده بقرون لن نجد ذكراً لوظيفة الفص الجبهي الأمامي(الناصية)ولن نجد له بياناً،ولم يأت الحديث عنه إلا في القرآن الكريم،مما يدل على أن هذا من علم الله جل وعلا والذي أحاط بكل شىء علماً،ويشهد بأن محمد رسول الله”.
ولقد كانت بداية معرفة الناس بوظيفة الفص الأمامي الجبهي في عام 1842م،حين أصيب أحد عمال السكك الحديد في أمريكا بقضيب اخترق جبهته،فأثر ذلك في سلوكه ولم يضر بقية وظائف الجسم،فبدأت معرفة الأطباء بوظيفة الفص الجبهي للمخ،وعلاقته بسلوك الإنسان.
وكان الأطباء يعتقدون قبل ذلك أن هذا الجزء من المخ الإنساني منطقة صامتة،لا وظيفة لها.فمن علم محمد صلى الله عليه وسلم بأن هذا الجزء من المخ هو مركز القيادة للإنسان والدواب وأنه مصدر الكذب والخطيئة.
إنه العلم الإلهي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو شهادة من الله بأن القرآن من عنده،لأنه نزل بعلمه سبحانه(انتهى كلام الشيخ الزنداني).
من الناحية الطبية:
يحتوي دماغ الإنسان على أربعة فصوص رئيسية:الفص الأمامي ويسمى الفص الجبهي،والفص الخلفي ويسمى الفص القفوي، والفص الصدغي،والفص الجداري.
وأما الفص الأمامي للدماغ أي الفص الجبهي فهو فص كبير ويمثل أكبر فصوص الدماغ،يقع أمام الاخدود المركزي .يحد الفص الصدغي من الجهة العلوية الأمامية.ويفصل بينه وبين الفص الجادري فراغ بين الأنسجة يطلق عليه الثلم المركزي،كما يفصله عن الفص الصدغي طي عميق يطلق عليه الثلم الجانبي.
وهو أي الفص الجبهي يختص بالحركة وبعض التكلم والتخطيط والمنطق والذاكرة البعيدة وغيرها.ويعتبر أيضاً مركز التحكم في العواطف والمشاعر،والذاكرة،واللغة،وقدرة الحكم على الاشياء،والتحكم في البواعث،ومثيرات الاندفاع،وفي العلاقات الاجتماعية،وفي حركة معظم أجزاء الجسم،وفي القدرة على حل المشاكل،وعلى أخذ المبادرة،وعلى التلقائية،وغير ذلك من الصفات الشخصية.
وهو يحتوي على خمسة مراكز عصبية:
1 ـ مركز الحركة الأولي:Primary Motor Area:ويقوم بتحريك العضلات الإرادية للجهة اليسرى من الجسم.
2 ـ مركز الحركة الثانوي:Secondary Motor Area:ويقوم بتحريك العضلات الإرادية للجهة اليمنى من الجسم.
3 ـ الحقل العيني الجبهي:Frontal Eye Field:ويقوم بالتحريك المتوافق للعينين إلى الجهة المقابلة.
4 ـ مركز بروكا لحركات النطق:Motor Speech Area of Broca:ويقوم بتنسيق الحركة بين الأعضاء التي تشترك في عملية الكلام كالحنجرة واللسان والوجه.
5 ـ القشرة الأمامية الجبهية:Pre Frontal Cortex:وتقع مباشرة خلف الجبهة تماماً في المسافة بين العينين ومنبت شعر الرأس(الناصية) وهي تمثل الجزء الأكبر من الفص الأمامي للمخ،وترتبط وظفتها بتكوين شخصية الفرد ولها أيضاً تأثير في تحديد المبادرة والتمييز( Initative)( Judgement).
والقشرة الأمامية الجبهية تقع مباشرة خلف الجبهة وهي تختفي في عمق الناصية وبذلك تكون الموجهة لبعض تصرفات الإنسان والتي ترتبط بشخصيته مثل الصدق والكذب والصواب والخطأ…
يحتوي الفص الجبهي على معظم الخلايا العصبية الحساسة للدوبامين في قشرة الدماغ.ونظام الدوبامين هو المسؤول عن المكافأة،والاهتمام،والانتباه،ومهام الذاكرة قصيرة المدى،والتخطيط والتحفيز.ويميل الدوبامين إلى حصر وانتقاء المعلومات الحسية القادمة من منطقة المهاد(السرير البصري Thalamus)،إلى مقدم الدماغ.وتبين الدراسات إلى أن التغير الجيني الوراثي والذي يققل من نشاط الدوبامين في قشرة الفص الجبهي مرتبط بضعف الذاكرة وكذلك له علاقة مع مرض انفصام الشخصية أي الشيزوفرينيا.
وجاء في موقع الويكيبيديا:
“تشمل الوظيفة التنفيذية للفص الجبهي القدرة على تمييز العواقب المستقبلية الناجمة عن السلوكيات الحالية والقدرة على الاختيار بين السلوكيات الجيدة والسيئة(أو الحسنة والأفضل منها)،وتجاهل أو قمع ردود الافعال الاجتماعية المرفوضة،وتحديد أوجه التشابه والإختلاف بين الأشياء والأحداث،إذا فهي تشارك في الوظائف العقلية العليا.وكذلك يلعب الفص الجبهي جزءاً مهماً في الاحتفاظ بالذكريات التي لا تعتمد على مهام لمدىأطول،وغالباً ماتكون هذه الذكريات مرتبطة بعواطف أو انفعالات مستمدة من مدخلات جهاز الدماغ الحوفي حيث يقوم الفص الجبهي بتعديل هذه الانفعالات لتتوافق بشكل عام مع المبادىء المقبولة اجتماعياً.وأكدت دراسة نشرت عام 2016 أن الفص الجبهي مسؤول عن تصفية ماتلتقطه العين البشرية من صور للمشهد بحيث يقرر مايمكن رؤيته ويخفي أشياء أخرى من المشهد بحيث لايمكن تصورها أو تذكرها.
وإن إصابة الفص الأمامي الجبهي قد تؤدي لنتائج عديدة لدى المصاب ومنها:
1 ـ ضعف المرونة الذهنية وردات الفعل التلقائية،لكن لايؤدي إلى أي انخفاض بمعدل الذكاء.
2 ـ النطق والتحدث قد يزيد أو ينقص بشكل كبير.
3 ـ يحدث لديه خلل وضعف في التصورات من ناحية المخاطر وقواعد الالتزام.
4 ـ قد تزيد لديه أو تنقص التنشئة الاجتماعية واهتمامه بها.
5 ـ الضرر بالفص الجبهي المداري قد ينتج عنه عادات جنسية غريبة.
6 ـ الضرر بالفص الجبهي الظهراني قد يؤدي إلى نقص بالهتمام الجنسي.
7 ـ قد تخف أو ترتفع حالات الإبداع والمهارات في حل المشاكل .
8 ـ الاضطراب والحيرة يحدث بشكل كبير ومتكرر.
9 ـ فقدان حاسة الشم والذوق أو احداهما.
5 ـ آيات الجهاز الحركي
1 ـ “إني وهنَ العظمُ منّي”
قال تعالى في كتابه العزيز:{قالَ ربِّ إنّي وهنَ العظمُ منّي واشتعلَ الرأسُ شيباً ولم أكن بدعائكَ ربِّ شقياً}[مريم 4].
وقال تعالى:{ولا تهنوا ولاتحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين}[آل عمران 146]،أ
(أي لايعتريكم نوع من الفتور والضعف وهو الوهن).
وقال تعالى:{ووصينا الإنسان بوالديه حملتهُ أمهُ وهناً على وهن}[لقمان 14].
وقال تعالى:{وإنَّ أوهن البيوتِ لبيتُ العنكبوت}[العنكبوت 41]
من الناحية اللغوية:
الوهن:
جاء في القاموس المحيط:الوهن:الضعف في العمل.
وفي لسان العرب:وهن الرجل يهن وهناً دخل في الوهن من الليل.وفلاناً أضعفه.ووهن الرجل:ضعف في الأمر والعمل والبدن.
من الناحية الدينية:
جاء في تفسير الطبري:وهن العظم مني:ضعف ورق من الكبر.
وفي تفسير ابن كثير:ضعفت وخارت القوى مني.
يقول سيد قطب رحمه الله:
“إنه يناجي ربه بعيداً عن عيون الناس،بعيداً عن أسماعهم.في عزلة يخلص فيها لربه،ويكشف له عما يثقل كاهله ويكرب صدره ويناديه في قرب واتصال:”رب” بلا واسطة حتى ولا حرف النداء.وإن ربه ليسمع ويرى من غير دعاء ولا نداء ولكن المكروب يستريح إلى البث،ويحتاج إلى الشكوى.والله الرحيم بعباده يعرف ذلك من فطرة البشر،فيتسحب لهم أن يدعوه وأن يبثوه ما تضيق به صدورهم:{وقال ربكم أدعوني أستجب لكم} ليريحوا أعصابهم من العبء المرهق،ولتطمئن قلوبهم إلى أنهم قد عهدوا بأعبائهم إلى من هو أقوى وأقدر،وليستشعروا صلتهم بالجناب الذي لا يضام من يلجأ إليه،ولا يخيب من يتوكل عليه.
وزكريا يشكو إلى ربه وهن العظم. وحين يهن العظم يكون الجسم كله قد وهن.فالعظم هو أصلب مافيه،وهو قوامه الذي يقوم به ويتجمع عليه.ويشكو إليه اشتعال الرأس شيباً.والتعبير المصور يجعل الشيب كأنه نار تشتعل ويجعل الرأسكله كأنما لتشمله هذه النار المشتعلة،فلا يبقى في الرأس المشتعل سواد.
ووهم العظم واشتعال الرأس شيبا كلاهما كناية عن الشيخوخة وضعفها الذي يعانيه زكريا ويشكوه إلى ربه وهو يعرض عليه حاله ورجاءه”.
ويقول إمام الدعاة الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله:
“والوهن هو الضعف،وقال”وهن العظم” لأن لكل شىء قواماً في الصلابة والقوة،فمثلاً الماء له قوام معروف والدُهن له قوام،واللحم له قوام،والعصب والعظم وكل عناصر تكوين الإنسان،والعظم هو أقوى هذه الاشياء،والعظم في بناء الجسم البشري مثل(الشاسيه) في لغة العصر الحديث،وعلى العظم يبنى جسم الإنسان من لحم ودم وعصب،فإذا أصاب العظام وهي أقوى العناصر ضعف ووهن فغيرها من باب أولى.
لذلك فإن الرجل العربي حينما شكا الجدب والقحط ماذا قال؟قال: مرّت بنا سنون صعبة،فسنةٌ أذابت الشحم أي: بعد الجوع وعدم الطعام ،وسنة أذهبت اللحم أي: بعد أن أنهت الشحم، وسنة محّت العظم.
فكان العظم هو آخر مخزن من مخازن القوت في جسم الإنسان ساعة أن ينقطع عنه الطعام والشراب.والعظم في هذه الحالة يُوجه غذاءه للمخ خاصة،لأنه مادام في المخ بقية قبول حياة فما حدث للجسم من تلف قابل للإصلاح والعودة إلى طبيعته،إذن:فسلامة الإنسان مرتبطة بسلامة المخ”.
من الناحية الطبية:
العظم هبارة عن نسيج حي،معقد التركيب،فهو يتألف من صقل بروتيني،ومن بللورات فوسفات الكلسيوم،ومن خلايا حية:أرومات العظم،والخلايا العظمية،وكاسرات العظم.وبالإضافة إلى هذا يحتوي العظم مايسمى مخ العظم،وهو عبارة عن نسيج شبكي بطاني خاص بحد ذاته،يحتوي على الجملة المولدة لعناصر الدم أي الكريات الحمراء والبيضاء والصفيحات الدموية.
إن أي أمراض جهازية تؤثر في استقلاب وتركيب البروتينات يكون لها انعكاساتها على الهيكل العظمي.وإن نمو العظم يعتمد على الكلس والفسفور والعوامل المرتبطة بهذين المعدنين.كما أن نشاط ونمو العظم يعتمد على التوازن مابين أرومات العظم البناءة،وكاسرات العظم الهدامة.
ومن أمراض العظام نذكر وهن أو هشاشة العظام أو تثقب العظام.وهو من الاضطرابات الكسبية،ويتميز بنقص كمية العظم في الصقل.ولذا تبدو العظام المصابة سهلة الهشاشة،وعرضة للكسور.
وهذا الداء قد يكون آفة بدئية ولكن الغالب أنه آفة مكتسبة،وغالباً عند المسنين،وبعد سن الإياس عند النساء،ومرافقاً لامراض جهازية مثل تناذر كوشينغ،وفرط نشاط الدرق،والمعالجة بالهرمونات الكظرية وخاصة الكورتيزون،ويشاهد أيضاً بسبب عدم الحركة لفترة طويلة كما هم الحال عند مقعدي الفراش.
إن مرض وهن العظام أو هشاشة العظام أو تثقب العظامOsteoporosis:هو مرض من أمراض العظام وسببه انخفاض كثافة العظام أو رقاقها بالهيكل العظمي.وهي حالة تصيب نصف السيدات وثلث الرجال في سن السبعين،وتكون مصحوبة بآلام شديدة،وتجعلهم معرضين للكسور.
وللتعرف على أسباب هذا المرض يتطلب معرفة دور الاستقلاب الغذائي بالجسم وتنظيم الكالسيوم والهرمونات والفيتامينات به،وتكوين الهيكل العظمي الذي يحمي الجسم.
كما يعتبر الهيكل الهظمي مخزناً للكلسيوم الذي له وظيفة حيوية في نشاط الخلايا ووظائف عضلة القلب والاتصال بين الأعصاب.وهذا يتطلب وجود الكلسيوم بنسبة كافية في الدم،فلو قل عن معدله يستعوضه الدم من المخزون بالعظام.وكلما اقدم بنا العمر كلما قلت كتلته في العظام.لأن الهيكل العظمي يفقد كتلته بمعدل 3%,عند الرجال وحوالي 5%,عند النساء سنوياً.وهذا الفقدان يقع منتصف سن العشرينيات ويزداد المعدل فوق سن الأربعين.ولاسيما بعد انقطاع الطمث عند النساء.حيث يزداد معدل الفقدان ليصبح 2 ـ 3% سنوياً لتصبح العظام هشة رقراقة مما يعرضها للكسر بسهولة.
العظام عبارة عن نسيج ضام صلب وهي المكون الرئيسي لكل الحيوانات الفقاري.وتبدو العظام أنها بلا حياة ولكنها في الحقيقة بناء حركي مكون من أنسجة حية كخلايا العظام والخلايا الدهنية والأوعية الدموية ومواد غير حية.
والعظام تلعب دوراً حيوياً لدى الفقاريات.لأنها تشكل هيئة الجسم وتحمله وتكوين هيئته.وترتبط العضلات بها وترفعها وتجعله يتحرك.وكثير من العظام تحمي الأعضاء اللينة والداخلية بالجسم.فالجمجمة تحمي الدماغ والقفص الصدري يحمي القلب والرئتين.
والعظام لها دور وظيفي في تخزين الكلسيوم اللازم للأعصاب وخلايا العضلات ،ومخ أو نخاع العظم يساهم في تكوين خلايا الدم الحمراء،وبعض خلايا الدم البيضاء والصفائح الدموية.
وجسم الإنسان البالغ مكون من 206 عظمة تشكل 14^ من وزن الجسم.وأطول وأقوى عظمة هي عظم الفخذ وأصغر العظام هي عظم الركابة وهو أحد العظيمات السمعية في الأذن الوسطى.
والذي اتفق عليه العلماء فيما يتعلق بالداء أنه ينجم عن التوازن الكلسي السلبي.وهو بهذا يفرق داء هشاشة العظام عن داء لين العظام(Osteomalacia)،إذ أن لين العظام ينجم عن فشل عملية التكلس وبالتالي تمنع أو تؤثر في العظم المستحدث،بينما في تثقب العظام فإن الاستيون يكون متشكلاً أصلاً.
وعملية تثبيت الكلسيوم بالعظام أو تحريره إلى الدم ينظمها النشاط الهرموني والفيتامينات وحاجة الجسم للكلسيوم سواء بالدم أو العظام.ويلعب الفيتامين د دوراً في امتصاص الكلسيوم في الأمعاء والكلية وحمله إلى الدم ومنها إلى العظام.كما أن هرمون الغديدات فوق الدرقية (الباراثورمون) يلعب دوراً هاماً في تنظيم تراكيز الكلسيوم في العظام والدم،ولعل من الاسباب الهامة لهشاشة العظام في الشيخوخة نقص امتصاص الكلسيوم من الأمعاء،مما يؤدي إلى نقصه في الدم وتفعيل هرمون جارات الدرق الذي يزداد افرازه ويعمل على زيادة تحرير الكلسيوم من العظام ليعوض نقص الدم به.
وهناك أيضاُ هرمون الكالسيتونين والذي يقوم بتنظيم معدلات الكلسيوم بالدم وكثرته تقلل فقدان العظام للكلسيوم.كما أن هرمونات الغدة الدرقية تلعب دوراً في تشكيل العظام.وفي حالة فرط نشاط الغدة الدرقية ينقص تركيز الكلسيوم في العظام.
كما أن الهرمونات الجنسية وخاصة الاستروجين والذي يفرز من المبيضين عند الأنثى يقلل من ذوبان الكلسيوم من العظام وينشط نمو العظام.ولهذا وبعد سن الإياس وبسبب نقص تركيز هذا الهرمون تقل كثافة العظام ويحدث هشاشة وترقق العظام عند النساء بعد سن الإياس.
إن مرض ترقق أو هشاشة أو وهن العظام يسبب آلاما عظمية ويترافق مع ارتفاع حدوث معدلات الكسور وخاصة في عنق الفخذ أو أسفل الساعد أو الحوض أو في العمود الفقري مما يسبب الحدب.ولأسباب مجهولة فإن هشاشة العظام لايشاهد في عظم القحف.
وأفضل وظيفة لتشخيص المرض وخاصة في المراحل المبكرة هو قياس كثافة العظم Osteodensometry.
إن من أهم العوامل التي تساعد على حدوث هشاشة العظام:سن اليأس عند النساء،والشيخوخة،ونقص تركيز الاستروجين،والنحافة وخاصة انخفاض مؤشر كتلة الجسمBMI،ووجود القصة العائلية،وإدمان الغول،وتناول مركبات الكورتيزون لفترة طويلة،وأسباب أخرى.
الإعجاز الطبي:
في الآية الكريمة من سورة مريم إشارة إلى ضعف ووهن العظام مع تقدم السن،وإن عبارة”وهن العظام” تعبر عن وجود ضعف في العظام نتيجة تقدم السن.وكلمة”وهن” تشير إلى نقصان متانة وصلابة العظام.وهذا مايحدث للبنية الإسفنجية للعظام والتي نراها في العظام الهشة،وذلك ماجاء في القرآن الكريم على لسان المنكرين للبعث والحياة بعد الموت فهم يقولون:{أئذا كنا عظاماً نخرة}[النازعات 11].في هذه الآية إشارة إلى النخر أو التي يسميها العلماء بالمسامات أو الفراغات في العظام الهشة والمتقدمة في العمر.وكلمة”نخرة” تتضمن إشارة غير مباشرة للكثافة المنخفضة في العظام.
أي من العلامات المميزة مورفولجياً في هذا الداء:ترقق قشر العظم،وارتشاف الحجب العظمية في العظم الاسفنجي(المشاشات)،وتوسع جوف مخ العظم أي النقا،وهذا يسهل حدوث الكسور العفوية.
2 ـ عجب الذنب
جاء في الحديث الشريف:”كل ابنِ آدمَ يأكلهُ التراب،إلا عَجْبَ الذَّنبِ منه،خُلِقَ وفيهِ يُرّكب”[أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه].
وفي حديث آخر:”إنَّ في الإنسانِ عظماً لا تأكلُهُ الا{ضُ أبداً،وفيهِ يُركَّبُ يوم القيامة قالوا أيُّ عظمٍ هو يارسول الله،قال:عَجْبُ الذَّنب”[أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه].
وفي حديث آخر:”مابين النفختين أربعون،قال: أربعونَ يوماً؟قال: أبيتُ،قال: أربعونَ شهراً؟قال:أبيتُ،قال: أربعونَ سنة؟قال: أبيتُ،قال: ثمَّ يُنزلُ الله من السماء ماءً فينبتون كما ينبتُ البقلُ،ليس من الإنسان شىء إلا يبلى،إلا عظماً واحداً،وهو عَجْبُ الذَّنب،ومنهُ يركّبُ الخلق يوم القيامة“[أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه].
وفي حديث آخر:“مابينَ النفختين أربعون.قالوا: يا أبا هريرةَ أربعون يوماً؟قال: أبيتُ،قالوا: أربعون شهراً؟ قال: أبيتُ،قالوا أربعونَ سنة؟ قال: أبيتُ،ثمَّ يُنزلُ الله من السماء ماءً فيَنبتون،كما ينبتُ البقلُ.قال: وليس من الإنسان شىءٌ إلا يبلى،إلا عظماً واحداً،وهو عَجْبُ الذَّنب،ومنه يُركّب الخلق يوم القيامة”[أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه].
(ومعنى أبيت:أي امتنعت لأن القضية توقيفية وليس عند أبي هريرة فيها توفيق).
يستنتج من هذه الأحاديث الصحيحة مايلي:
1 ـ أن عجب الذنب مكون أساسي خلق منه الجنين في المراحل الأولى لتشكله.
2 ـ عجب الذنب لا يبلى.
3 ـ يتم إعادة تشكل الخلق منه يوم القيامة.
من الناحية الطبية:
عجب الذنب:وهو عظم العصعصCoccyx وهو عظم ناتج عن اندماج الفقرات السفلية الأربع من العمود الفقري يلي العجز.