الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

الإعجاز الطبي — المقدمة والصوت

بسم الله الرحمن الرحيم

الإعجاز الطبي في القرآن والسنّة

معنى الإعجاز:

تعريف الإعجاز:

مشتق من العجز,والعجز:الضعف أو عدم القدرة،وهو مصدر أعجز بمعنى الفوت والسبق(كما جاء في لسان العرب لإبن منظور والمفردات للراغب الأصفهاني).

والمعجزة:

في اصطلاح العلماء:أمر خارق للعادة،مقرون بالتحدي،سالم من المعارضة(تفسير القرطبي وفتح الباري).وهي ظاهرة تكررت في حياة الرسل صلوات الله عليهم وسلم لتكون دليلاً على صدق دعواهم ونبوتهم.يُظهرها الله على أيديهم ويعجز البشر عن معارضتها،فلا بد للمعجزة أن يتوفر فيها أمورٌ ثلاث:

1 ـ أنها أمرٌ خارقٌ للعادة،غيرُ جارٍ على ما اعتاد الناس عليه من سنن الكون والظواهر الطبيعية.

2 ـ أنها مقرونة بالتحدي.

3 ـ أنها أمرٌ سالم عن المعارضة،فمتى أمكن لأحد أن يعارض هذا الأمر ويأتي بمثله بطل أن يكون معجزة.

والمعجزة:إما أن تكون حسية كأكثر معجزات الأنبياء السابقين ومنها إحياء الموتى،وميلاد المسيح عليه السلام من غير أب(سيدنا عيسى) أو انشقاق البحر(سيدنا موسى)وعدم احتراق سيدنا إبراهيم عليه السلام بالنار،وانشقاق القمر(سيدنا محمد)…

وإما أن تكون المعجزة عقلية،فالقرآن الكريم معجزة عقلية.

والمعجزات قد تكون آنية تقع وتنقضي:كالإسراء والمعراج،وانشقاق القمر،وفلق البحر…وإما أن تكون معجزة خالدة باقية كالقرآن الكريم،لأن الإسلام آخر الشرائع وسيبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها،وفيه الإعجاز البياني،والإعجاز الغيبي،والإعجاز التشريعي،والإعجاز العلمي(يمكن الرجوع إلى مقال „إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا“ في الموقع).

وإعجاز القرآن:

يقصد به إعجاز القرآن الناس أن يأتوا بمثله.أي نسبة العجز إلى الناس بسبب عدم قدرتهم على الإتيان بمثله.

ووصف الإعجاز هنا بأنه علمي نسبة إلى العلم.والعلم:هو إدراك الأشياء على حقائقها أو هو صفة ينكشف بها المطلوب انكشافاً تاماً(المفردات للراغب الأصفهاني،والشوكاني).والمقصود بالعلم في هذا المقام:العلم التجريبي.

وعليه فإن الإعجاز العلمي: هو إخبار القرآن الكريم أو السنة النبوية بحقيقة أثبتها العلم التجريبي وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم مما يظهر صدقه فيما أخبره به الوحي عن ربه سبحانه وتعالى،ويعجز البشر عن نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أو إلى أي مصدر بشري.

ولقد حان الزمن لمعرفة الحقائق العلمية التي توجد في القرآن والسنة النبوية.{ولَتعلمُنَّ نبأَهُ بعدَ حينٍ}[ص 88]، {لِكُلِّ نبأٍ مستقرٌّ وسوفَ تعلمون}[الأنعام 67].ولرؤية حقائق العلم الذي نزل به الوحي{حتى يتبينَ لهم أنهُ الحق}[فصلت 53].

الفرق بين التفسير العلمي والإعجاز العلمي:

التفسير العلمي:هو الكشف عن معاني الآية أو الحديث في ضوء ماترجحت صحته من نظريات العلوم الكونية.

يقول الدكتور زغلول النجارحفظه الله:(التفسير العلمي للقرآن الكريم):

“هو توظيف كل المعارف المتاحة للإنسان في كل عصر من العصور،وفي مختلف مجالات الدراسات العلمية،البحثية منها والتطبيقية،في حسن فهم دلالات الآية القرآنية وذلك لأن الآيات القرآنية في كتاب الله ترد كلها في صياغة ضمنية لطيفة يظهر منها أهل كل عصر معنى معيناً على ضوء المعارف المتاحة لهم وتظل هذه المعاني المتتالية للآية الواحدة تتسع باتساع دائرة المعارف الإنسانية في تكامل لا يعرف التضاد وذلك تحقيقاً لوصف المصطفى صلى الله عليه وسلم لكتاب الله بأنه:”لايخلق على كثرة الرد ولاتنقضي عجائبه”.

ولما كان التفسير جهداً بشرياً لحسن فهم دلالة الآية القرآنية إن أصاب فيه المفسر فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد جاز للمفسر استخدام كل الوسائل المتاحة له سواء كانت حقائق علمية أو فروضاً أو نظريات مادام الإخلاص والتجرد وصدق النية قد توفر ومادام قد استعان بالأدوات اللازمة للتعرض لتفسير كلام الله بعد إلمام باللغة العربية ومفرداتها وقواعدها وأساليب التعبير فيها وبكل من أسباب النزول والناسخ والمنسوخ والمأثور وجهود السابقين في ذلكم المجال”.

وأما الإعجاز العلمي:

فهو إخبار القرآن الكريم أو السنة النبوية بحقيقة أثبتها العلم التجريبي أخيراً وثبت عدم امكانية إدراكها بالوسائل البشرية في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم.

يقول الدكتور زغلول النجار:”أما الإعجاز العلمي للقرآن والسنة:فهو موقف تحد نثبت فيه للناس كافة ـ مسلمين وغير مسلمين ـ أن هذا الكتاب الذي أنزل قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة على نبي أميِّ في أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين يحوي من حقائق هذا الكون مالم يستطع الإنسان أن يصل إلى شىء من إدراكه إلا منذ عشرات قليلة من السنين وبعد مجاهدة استغرقت جهود أعداد كبيرة من العلماء في فترات زمنية طويلة.وهذا الموقف المتحدي لايجوز أن يوظف فيه إلا الحقائق العلمية القاطعة التي حسمها العلم ولم تعد مجالاً للخلاف لأنه إذا وظفت فيه الفروض والنظريات وهي عرضة للتغيير والتبديل انهارت القضية وبطل التحدي بل انقلب على صاحبه وعلى القضية التي استخدمها من أجل الانتصار لها”.

ويقول الشيخ العلامة محمد متولي الشعراوي رحمه الله:

“نحن نعلم أن الحق سبحانه وتعالى أنزل كتاباً هو القرآن،وجعله معجزة ومنهجاً،وهذه هي الميزة التي امتاز بها الإسلام،فمنهج الإسلام هو عين المعجزة،وكل رسول من الرسل كان منهجه شيئً ومعجزته كانت شيئاً آخر.والمنهج القرآني فيه أحكام،والأحكام معناها افعل كذا،ولاتفعل كذا…وأما آيات الله الكونية التي لا تتأثر،فقد طمرها الله وسترها في القرآن مع إشارة إليها،لأن العقل المعاصر لنزول الكتاب لم يكن قادراً على استيعابها في زمن الرسالة.وكل الآيات الكونية لم يعط الله أسرارها إلا بقدر ما تتسع العقول،وترك في كتابه مايدل على مايمكن أن تنتهي إليه العقول الطموحة بالبحث العلمي…والبشرية عندما تكتشف شيئاً جديداً،نقول لهم:القرآن مسّها وجاء بها،فيقولون: عجباً هل فعل القرآن ذلك منذ أربعة عشر قرناً،على الرغم من أنه نزل ليخاطب أمة أميّة،وجاء على لسان رسول أميّ. ونقول: نعم…”.

قواعد وأسس أبحاث الإعجاز العلمي:

1 ـ علم الله هو العلم الشامل المحيط الذي لايعتريه خطأ،ولايشوبه نقص،وعلم الإنسان محدود وهو معرض للخطأ والنقصان{ولو كانَ من عندِ غيرِ الله لوجدوا فيهِ اختلافاً كثيراً}[النساء 82].

2 ـ هناك نصوص من الوحي قطعية الدلالة،كما أن هناك حقائق علمية كونية قاطعة.

ولا يمكن أن تتناقض آيات القرآن،ولا يمكن أن يتناقض حديث صحيح مع آية قرآنية،فإذا وجد شىء مما سبق فلا بد أن يكون هناك سوءاً في الفهم،أو تقصيراً في البحث،أو نقصاً في العلم البشري.

3 ـ هناك في الوحي نصوص ظنية في دلالتها،وفي العلم نظريات ظنية في ثبوتها.

4 ـ لايمكن أن يقع صدام بين قطعي من الوحي وقطعي من العلم التجريبي،فإن وقع في الظاهر،فلابد أن هناك خللاً في اعتبار قطعية أحدهما وهذه قاعدة جليلة قررها علماء المسلمين.

5 ـ إذا وقع التعارض بين دلالة قطعية للنص وبين نظرية علمية رفضت هذه النظرية لأن النص وحي من الذي أحاط بكل شىءٍ علماً.وإذا وقع التوافق بينهما كان النص دليلاً على صحة تلك النظرية،وإذا كان النص ظنياً والحقيقة العلمية قطعية يؤول النص بها.

6 ـ إذا وقع التعارض بين حقيقة علمية قطعية،وبين حديث ظني في ثبوته،فيؤول الظني من الحديث ليتفق مع الحقيقة القطعية وحيث لا يوجد مجال للتوفيق فيقدم القطعي.

7 ـ عدم توظيف سوى الحقائق العلمية الثابتة التي حسمها العلم وأصبحت من الأمور القطعية المسلمة التي لارجعة فيها وذلك في الاستدلال على سبق القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة في الإشارة إلى تلك الحقيقة الكونية.

8 ـ عدم التكلف وعدم ليّ أعناق الآيات للتوافق مع الحقيقة العلمية لأن القرآن الكريم أعزّ علينا من ذلك وأصدق.

9 ـ احترام التخصص العلمي حتى لايخوض في هذه القضية التخصصية كل خائض ولايخوض متخصص في فرع من فروع العلم لإثبات الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كافة التخصصات الخارجة عن مجاله فقد انتهى زمن العلماء الموسوعيين وأصبح مستحيلاً على فرد واحد أن يخوض في قضية الإعجاز من علم الأجنة إلى علوم الفلك.

10 ـ لابد لفهم النص القرآني أو الحديث النبوي من مراعاة ما يلي:

ـ معاني المفردات:كما كانت هذه المعاني في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.

ـ القواعد النحوية والبلاغية ودلالاتها.

ـ مراعاة جميع النصوص القرآنية والنبوية حول نفس الموضوع.

ـ هناك نصوص من الوحي قطعية الدلالة وهناك حقائق علمية كونية قطعية الدلالة.

ـ هناك نصوص من الوحي ظنية الدلالة(أي تحتمل عدة معان…)وهناك في العلم نظريات ظنية في ثبوتها.

11 ـ التأكد من صحة الحديث النبوي الشريف ودرجة ذلك قبل التعرض لإثبات جوانب الإعجاز العلمي فيه.

12 ـ إن نصوص الوحي نزلت بألفاظ جامعة تحيط بكل المعاني في مواضعها التي قد تتابع في ظهورها جيلاً بعد جيل وزمناً بعد زمن.

13 ـ لايعتمد على النصوص الظنية أو الأحاديث الضعيفة أو النظريات العلمية المتبدلة في إظهار أوجه الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.

إن القرآن الكريم كما يقول الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله:

“هو كتاب هداية وإرشاد أنزله الله تعالى{آلم*ذلك الكتاب لاريبَ فيه هدىً للمتقين}[البقرة 1 ـ 2]،وهذا هو الهدف الرئيسي من كتاب الله عز وجل،فهو كتاب هداية،ولم يتنزل ليكون كتاب طب أو فلك أو زراعة أو صناعة”.

ومن جهة أخرى وكما تقول الأمانة العامة لهيئة الإعجاز العلمي:

“إن معجزة القرآن العلمية تظهر لأهل العلم في كل مجال من مجالاته،فهي ظاهرة في نظمه،وفي إخباره عن الأولين،وفي إنبائه بحوادث المستقبل،وحكم التشريع وغيرها،ولقد شاع مصطلح الإعجاز العلمي في عصرنا،للدلالة على أوجه إعجاز القرآن والسنة التي كشفت عنها العلوم الكونية”.

ولكنه من المقرر أيضاً كما يقول الدكتور عبد الحافظ حلمي:

“أن القرآن تعرّض في آيات كثيرة إلى الكثير من مظاهر هذا الوجود الكوني،ومنها ذكر السموات والأرض والشمس والقمر،والمشارق والمغارب،والبروج والنجوم والكواكب،والليل والنهار،والفجر والغسق،والظلمات والنور،والبحار والأنهار والعيون،والرياح اللواقح والعقيم،والسحاب الثقال والمركوم والمنبسط،والبرق والمطر،والجبال الراسيات والجُدد الحمر والغرابيب السود،والأرض الهامدة والأرض المهتزة الرابية،والجنات والنخيل والأعناب والتين والزيتون والطلح والسدر واليقطين،والنمل والنحل وجناح البعوض والذباب وبيت العنكبوت،والطير الصافات والإبل والأنعام،واللبن يخرج من بين الفرث والدم،والشراب الشافي الذي يخرج من بطن النحل،وخلق الإنسان من ماء مهين وتطوره في ظلمات ثلاث،خلقاً من بعد خلق في قرار مكين،والحديث عن شفتيه ولسانه وسمعه وبصره وفؤاده،….هذه كلها أمثلة قليلة،بعيدة عن تمام الحصر….وكثيراً ما تُختم هذه الآيات بالحثّ على التعقل والتفكر والتدبر والنظر:

{أفلا يتدبَّرونَ القُرآنَ أم على قلوبٍ أقفالُها}[محمد 24]،{قلِ انظُروا ماذا في السَّماواتِ والأرض}[يونس101]،{فلينظر الإنسانُ مِمَّ خُلِقْ*خُلِقَ من ماءٍ دافقٍ}[الطارق 5 ـ 6]،{وفي الأرضِ آياتٌ للِموقنينَ*وفي أنفُسكمْ أفلا تُبصرونَ}[الذاريات 20 ـ 21]،{انظروا إلى ثمرهِ إذا أثمرَ وينعهِ إنَّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يؤمنونَ}[الأنعام 99]…..

بل أبعد من هذا لقد قرن الله تعالى الإيمان بالتدبر في خلق السمواتِ والأرض{إنَّ في خلقِ السّماواتِ والأرضِ واختلاف الليلِ والنهارِ لآياتٍ لأولي الألباب*الذينَ يذكرونَ اللهَ قياماً وقعوداً وعلى جنوبهمْ ويتفكرونَ في خلقِ السّماواتِ والأرضِ ربّنا ما خلقتَ هذا باطلاً سُبحانكَ فَقِنا عذابَ النّار}[آل عمران 190 ـ 191]

لقد وجّه الله سبحانه وتعالى كما يقول الدكتور محمد علي البار إلى ذلك الأسلوب الداعي إلى التعلم والتدبر،ومخاطبة العقل،واستنباط الأمورمن واقع الحياة،ومن آيات الله الكونية والنفسية{ولا تقفُ ماليسَ لكَ بهِ علمٌ إنَّ السّمعَ والبصرَ والفؤادَ كلُّ أولئكَ كانَ عنهُ مسئولا}[الإسراء 36].وإنّ المتأمل بصورة رئيسية إلى هذا الكائن الحي الإنسان وتركيبه ووظائفه ومواهبه أدهشهُ ذلك الصُنع البديع{صُنعَ الله الذي أتقنَ كلَّ شىءٍ إنّهُ خبيرٌ بماتفعلون}[النمل88].

وإن كلّ هذه المعاني التي يدركها الإنسانُ في نفسه،فيما يحفّ به من آيات الملكوت إن هي إلا وَشل في محيط،وغيضٍ من فيض،وجزيرة صغيرة في بحرٍ لا نهاية له حيال تلك الآيات{وما أُتيتمْ من العلمِ إلا قليلا}[الإسراء 85].

ويقول الشيخ العلامة إمام الدعاة محمد متولي الشعراوي رحمه الله (معجزة القرآن):

“القرآن الكريم هي معجزة خالدة باقية إلى يوم القيامة…والقرآن خاتم الكتب السماوية…ليس له عصر معين في إعجازه ولا زمن محدد في تحديد للبشرية كلها…وهو لم يأت ككتاب علم…هذه حقيقة يجب أن نضعها في أذهاننا…ولكنه في نفس الوقت جاء كمعجزة خالدة باقية…ومن هنا فإن فيه إعجازاً لكل العصور…إعجازاً لمن عاشوا قبلنا وإعجازاً لعصرنا هذا وإعجازاً لمن سيأتون بعدنا…حتى تنتهي الدنيا وما فيها…والقرآن جاء لينذر من كان حياً…ومن هنا فإنه موجه إلى الأحياء…وتحديه هو بالنسبة لمن يقيمون على هذه الأرض…وليس لمن انتقلوا منها إلى العالم الآخر..فأولئك يرون عين اليقين…ويعرفون الحق بعد مغادرتهم الدنيا….والقرآن مزق حجب الغيب الثلاثة…حجاب الزمن الماضي وحجاب الحاضر وحجاب المستقبل…بل إنه دخل إلى داخل النفس البشرية ليظهر مايخبئه الإنسان…ولا يبوح به..ولايعلمه إلا الله…ومزق القرآن بعد ذلك حجب المستقبل القريب والبعيد فأنبأ عن أشياء لم يكن العقل يعتقد أنها ستحدث أو أنها يمكن أن تحدث…وتنبأ بنتائج حروب ومصائر شعوب…وقال لنا أن الأرض كروية،وبين لنا علم الأجنة قبل أن يعرفه العالم،وتحدى البشرية في أن تخلق ذبابة واحدة…وكشف عما هو أصغر من الذرة..ونلاحظ أن كلمة أصغر معناها منتهى الدقة في صغر الحجم،لأن هناك صغيراً وأصغر وقال:{وماتحت الثرى}مشيراً إلى أن هناك ثروات هائلة في باطن الأرض…ثم أنبأنا عن معجزة الخلق،وكيف يتم،وأبان لنا أشياء وصلنا إليها بالعلم الأرضي،وأشياء لم نصل إليها حتى الآن”.

ولكن عند التدبر في آيات الله واستخراج مافيها من الإعجاز لابد أن نذكر دوماً أن القرآن الكريم لم يكن في يوم من الأيام،ولم ينزله الله كتاب علم ولا طبّ ولا صيدلة ولا فلك…ويجب أن لانخرجه عن هذه الغاية الرئيسية التي نزّله الله من أجلها وهو أنه كتاب هداية وإصلاح،وأن لاننحى منحى بعض المؤلفين والمفسرين في القديم والحديث ونقول أن القرآن الكريم قد تضمن كل أصول العلوم الكونية…إن مانحى إليه هؤلاء وأمثالهم هو جهد مشكور،ولكنه تكليفٌ بما لم يكلفنا الله به قد يصل في كثير من الأحيان إلى درجة التكلف،فهذه ناحية مهمة لابد من الاهتمام بها عند التعرض لهذا البحث وأمثاله.

يقول الشيخ العلامة محمد متولي الشعراوي رحمه الله:

“إن محاولة ربط القرآن بالنظريات العلمية،أخطر ما نواجهه،ذلك أن بعض العلماء في اندفاعهم في التفسير وفي محاولاتهم ربط القرآن بالتقدم العلمي،يندفعون في محاولة ربط كلام الله بنظريات علمية مكتشفة،يثبت بعد ذلك أنها غير صحيحة،وهم في اندفاعهم هذا يتخذون خطوات متسرعة،ويحاولون إثبات القرآن بالعلم،والقرآن ليس في حاجة إلى العلم ليثبت،فالقرآن ليس كتاب علم،ولكنه كتاب عبادة ومنهج.ولكن الله سبحانه وتعالى في علمه،علم أنه بعد عدة قرون من نزول هذا الكتاب الكريم سيأتي عدد من الناس ويقولون انتهى عصر الإيمان،وبدأ عصر العلم،ولذلك وضع في قرآنه ما يعجز هؤلاء الناس،ويثبت أن عصر العلم الذي يتحدثون عنه قد بينّه القرآن  في صورة حقائق الكون…بينّه منذ أربعة عشر قرناً ولم يكشف العقل البشري معناها إلا في السنوات الماضية مصداقاً للآية الكريمة{سنريهم آياتنا في الآفاق…} ومن هنا فإن الله سبحانه قد أعلمنا أن هناك حقائق وآيات سيكشف عنها لكل جيل،ولكن ليس معنى هذا أن نحمل معاني القرأن أكثر مما يحتمل،وأن نتعامل معه على أساس أنه كتاب جاء يُنبئنا بعلوم الدنيا،فالقرآن لم يأت ليُعطينا أسرار علم الهندسة أو علم الفلك أو علم الفضاء…إلى آخر هذا”.

وبعض هؤلاء المفسرين والمؤلفين ـ جزاهم الله كل خير ـ يستندون في هذا القول والاجتهاد في أن القرآن جامع لكل العلوم من خلال قوله تعالى{ما فَرّطنا في الكتابِ من شىءٍ}[الأنعام 38]،وهذا تفسير غير صحيح لأنّ هذه الآية جزء من آية{وما منْ دابَّةٍ في الأرضِ ولا طائرٍ يطيرُ بجناحيهِ إلا أممٌ أمثالكم ما فرّطنا في الكتابِ من شىء ثُمَّ إلى ربّهم يُحشرونَ}[الأنعام 38]،فالكتابُ هنا ليس القرآن الكريم بل الكتاب الذي قال عنه ربّ العالمين:{وما يَعزُبُ عن ربّكَ من مثقالِ ذرّةٍ في الأرضِ ولا في السّماءِ ولا أصغرَ من ذلكَ ولا أكبرَ إلا في كتابٍ مُبين}[يونس 61].

والآن لنأتي إلى آيةٍ عظيمةٍ في القرآن الكريم نستشف منها ونستنبط منها بعض المعاني والعبر. يقول عزّ وجلّ :{سَنُريهمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنفسهمْ حتّى يتبيّنَ لهمْ أنّهُ الحقُّ }[فصلت 53].

يقول الشيخ العلامة محمد متولي الشعراوي رحمه الله:

“في الآية الكريمة لم يقل الله سبحانه وتعالى سنريهم آياتنا في الأرض،بل استخدم بدلاً منها لفظ الآفاق،ونحن نعلم أن القرآن الكريم كلام الله سبحانه وتعالى وهو غاية في الدقة واختيار اللفظ الذي يطابق المعنى تماماً.ولقد وصل الإنسان إلى القمر والمريخ،وكل ما يحدث محاولة للكشف عن أسرار الكون والآفاق المحيطة بالأرض يأتي مصداقاً لهذه الآية الكريمة”.

ويتابع رحمه الله:”ومعنى”سنريهم”:إن الرؤية لاتنتهي،لأن السين تعني الاستقبال،ومن نزل فيهم القرآن قرؤها هكذا،ونحن نقرؤها هكذا،وستظل هناك آيات جديدة وعطاء جديد من الله سبحانه إلى أن تقوم الساعة”.

ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله:

“إنه وعد الله لعباده ـ بني الإنسان ـ أن يطلعهم على شىء من خفايا هذا الكون،ومن خفايا أنفسهم على السواء.وعدهم أن يريهم آياته في الآفاق وفي أنفسهم،حتى يتبين لهم أنه الحق.هذا الدين وهذا الكتاب وهذا المنهج وهذا القول الذي يقوله لهم.ومن أصدق من الله حديثاً.

ولقد صدقهم الله وعده،فكشف لهم عن آياته في الآفاق في خلال القرون الأربعة عشر التي تلت هذا الوعد،وكشف لهم عن آياته في أنفسهم.وما يزال يكشف لهم في كل يوم عن جديد.وينظر الإنسان فيرى البشر قد كشفوا كثيرأ جداً منذ ذلك الحين.فقد تفتحت لهم الآفاق،وتفتحت لهم مغاليق النفوس بالقدر الذي شاءه الله.لقد عرفوا أشياء كثيرة،لو أدركوا كيف عرفوها وشكروا لكان لهم فيها خير كثير.

عرفوا منذ ذلك الحين أن أرضهم التي كانوا يظنونها مركز الكون،إن هي إلا ذرة صغيرة تابعة للشمس،وعرفوا أن الشمس كرة صغيرة منها في الكون مئات الملايين،وعرفوا طبيعة أرضهم وطبيعة شمسهم،وربما طبيعة كونهم إن صح ماعرفوه.

وعرفوا الكثير عن مادة هذا الكون الذي يعيشون فيه.إن صح أن هناك مادة.عرفوا أن أساس بناء هذا الكون هو الذرة.وعرفوا أن الذرة تتحول إلى إشعاع،وعرفوا إذن أن الكون كله من إشعاع.في صور شتى:هي التي تجعل منه هذه الاشكال والأحجام.

وعرفوا الكثير عن كوكبهم الأرضي الصغير.عرفوا أنه كرة أو كالكرة.وعرفوا أنه يدور حول نفسه وحول الشمس.وعرفوا قاراته ومحيطاته وأنهاره.وكشفوا عن شىء من باطنه.وعرفوا الكثير من المخبوء في جوف هذا الكوكب من الأقوات والمنثور في جوه من هذه الأقوات أيضاً.

وعرفوا وحدة النواميس التي تربط كوكبهم بالكون الكبير،وتصرف هذا الكون الكبير،ومنهم من اهتدى فارتقى من معرفة النواميس إلى معرفة خالق النواميس.ومنهم من انحرف فوقف عن ظاهر العلم لايتعداه.ولكن البشرية بعد الضلال والشرود من جراء العلم،قد أخذت عن طريق العلم تثوب،وتعرف أنه الحق عن هذا الطريق.

ولم تكن فتوح العلم والمعرفة في أغوار النفس بأقل منها في جسم الكون.فقد عرفوا عن الجسم البشري وتركيبه وخصائصه وأسراره الشىء الكثير.عرفوا عن تكوينه وتركيبه ووظائفه وأمراضه،وغذائه وتمثيله،وعرفوا عن أسرار عمله وحركته،ما يكشف عن خوارق لا يصنعها إلا الله.

وعرفوا عن النفس البشرية شيئاً…إنه لايبلغ ماعرفوه عن الجسم.لأن العناية كانت متجهة بشدة إلى مادة هذا الإنسان وآلية جسمه أكثر مما كانت متجهة إلى عقله وروحه.ولكن أشياء قد عرفت تشير إلى فتوح ستجىء.

وما يزال الإنسان في الطريق!ووعد الله مايزال قائماً:{سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق}.

والشطر الأخير من الوعد قد بانت طلائعه منذ مطلع هذا القرن بشكل ملحوظ.فموكب الإيمان يتجمع من فجاج شتى.وعن طريق العلم المادي وحده يفد كثيرون.وهناك أفواج وأفواج تتجمع من بعيد.ذلك على الرغم من موجة الإلحاد الطاغية التي كادت تغمر هذا الكوكب في الماضي.ولكن هذه الموجة تنحسر الآن.تنحسر،على الرغم من جميع الظواهر المخالفة،وقد لايتم تمام هذا القرن العشرين الذي نحن فيه،حتى يتم انحسارها أ يكاد إن شاء الله.وحتى يحق وعد الله الذي لابد أن يكون.

أو لم يكف بربك أنه على كل شىء شهيد؟

وهو الذي أعطى وعده عن علم وعن شهود”.

وجاء في مقالة للأستاذ الدكتور عماد الدين خليل حفظه الله بعنوان”حتى يتبين لهم أنه الحق”:

“على مدى أشهر معدودات يشهد العالم وقائع ومعطيات تفصح بلسان الحال والمقال معاً عن إعجاز كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه،والمصداقية المطلقة لتعاليمه وتحذيراته.

قبل ذلك وعلى مدى القرنين الأخيرين تحديداً،جاءت الكشوف العلمية وبخاصة في مجالات التاريخ والخليقة والفيزياء والجيولوجيا والكوزمولوجي والبيولوجي والجغرافيا والتشريح وعلم الاجنة،لكي تتطابق بشكل يثير الدهشة مع آيات الله البينات.

وكلنا نذكر عشرات الكتب،ومئات البحوث التي تحدثت عن ذلك،ونذكر معها المؤسسات والدوائر التي تمحضّت لمتابعة قضية العلم والإيمان أو القرآن والعلم الحديث،والتي قدّمت منظومة من الكشوف العلمية والمعرفية المتوافقة مع ماسبق وأن أشار إليه كتاب الله سبحانه وتعالى.

وكلنا نذكر  ـ مع هذا وذاك ـ الجهد الكبير الذي بذله العالم الفرنسي المشهور”موريس بوكاي” في كتابه القيم”القرآن الكريم والتوراة والإنجيل”:دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة،والذي خلص فيه بعد عشرين عاماً من البحث المكافح إلى أن تسعة أعشار ماورد من معطيات معرفية في التوراة والإنجيل،تسقط إذا أحلناها على الكشوف المعرفية الحديثة،ولايمر سوى العشر،وفي المقابل فإن عشرة أعشار ماورد في القرآن الكريم يتوافق  مع هذه الكشوف.ويقول الرجل معقباً:”لايمكن ل”محمد”على افتراض تأليفه للقرآن أن يتعامل مع معطيات التوراة والإنجيل في ضوء معرفة لن تتشكل إلا بعد أربعة عشر قرناً،فيسقط منهما مالايتوافق والحقائق العلمية،ولا يستبقي سوى العشر،أيضاً في ضوء معرفة ستتشكل بعده بزمن بعيد…لا يمكن لرجل كهذا إلا أن يكون نبياً يتلقى عن مصدر علوي مطلق هو الله سبحانه”.

وجاء في مقال للأمانة العامة لهيئة الإعجاز العلمي:

“معنى آيات الله في الآفاق وفي الأنفس:ماظهر من نواحي الفلك وأطراف الأرض وآفاق السماء.وآيات الله في آفاق الأرض والسماء تحمل معاني ثلاثة:

الأول:المخلوقات التي خلقها الله في شتى آفاق الارض والسماء مثل قوله تعالى:{ومن آياته خلق السموات والأرض وما بثّ فيهما من دابة}[الشورى 29]

والثاني:آيات القرآن التي تخبر وتصف أنواع المخلوقات،وهي آيات كثيرة.

والثالث:البينات والمعجزات التي يظهرها الله تصديقاً لرسوله في شتى آفاق الأرض والسماء برؤية مصداقها من حقائق الخلق حيناً بعد حين.

إننا على وعد من الله عز وجل بأن يرينا آياته فيتحقق لنا ـ بهذه الرؤية ـ العلم الدقيق بمعاني هذه الآيات كما قال تعالى:{وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها}[النمل 93]

يقول الأستاذ جودت سعيد رحمه الله في هذه الآية:

“إن ثراء موضوعات هذه الآية تجعلنا نتأكد أنها ستنال ما تستحق من النظرات الشاملة والعميقة في الفكر الديني والإنساني في المستقبل،وأنه ستظهر مؤلفاتٌ ودراساتٌ كثيرة تفتحُ آفاقاً جديدة فسيحة سوف لا تكفّ عن التوسع والتعمق من دارسين يأتون بعدنا سيمنحون من البيان والقدرة على حلّ كثيرٍ من الأشياء”.

ويقول الدكتور خالص كنجو:

“إن هذه الآية تشير إلى أن آيات الله متجددة وسوف تظهر مع الوقت،سواء في مستوى داخل الإنسان أو العالم المحيط به،وهذا يعني أن هذه الآية هي أكثر من آية،وما سوف نراه في المستقبل من آيات مكتوبة ناطقة ،جديدة،مكتوبة بحروف الطبيعة سوف يظهر لنا الإعجاز في هذه الآية”.

كما أن الآية تشير إلى أن آيات الله في الكون والنفس والآفاق سوف تظهر،وسوف تستمر(سنريهم)بشكل ظاهرة حتى تقود إلى الحق،أي الإيمان،فما علينا إذن سوى أن نكشف الغطاء عن هذه الآيات المبثوثة قي الزمن والمكان.

وهناك ملاحظة أخرى:في قوله تعالى”سنريهم” “ويتبين لهم” فهل هو خطاب بأن غير المؤمنين سوف يكون لهم السبق في الاكتشافات وأنها ستقودهم إلى الحق أي الإيمان،الله أعلم.

ولقد أسلم كثير من العلماء والأطباء ورجال البحث من خلال آيات الله في الكون والإنسان بعد أن اطلعوا عليها ومنهم الدكتور كيث مور عالم الأجنة الكندي،والدكتور موريس بوكاي الفرنسي،والمؤرخ والفيلسوف رجاء جارودي الفرنسي،والدكتور مراد هوفمان السفير الألماني والسياسي،وكذلك ماري شيمل الألمانية،وأيوب أكسل كوللر وكان عضواً في حزب الليبراليين الأحرار في ألمانيا وأصبح رئيس المجلس المركزي للمسلمين في ألمانيا….

أما الطبيب الجراح موريس بوكاي فقد ولد لأبوين فرنسيين،وترعرع كاهله في الديانة النصرانية،وسبب إسلامه أنه لما تم نقل مومياء فرعون مصر إلى فرنسا وأجريت عليه الدراسات،وكان رئيس الجراحين والمسئول الأول عن دراسة هذه المومياء الفرعونية هو البروفيسور موريس بوكاي.

والذي أثار تعجبه هو كيف بقيت هذه الجثة ـ دون باقي الجثث الفرعونية المحنطة ـ أكثر سلامة من غيرها،رغم أنها استخرجت من البحر؟ولما أراد أن يعد تقريره عما يعتقده كشفاً جديداً في انتشال جثة فرعون وتحنيطها بعد غرقه مباشرة،حتى همس أحدهم في أذنه قائلاً:”لاتتعجل،إن قرآنهم الذي يؤمنون به يتكلم عن غرق هذه المومياء”.فازداد ذهولاً وأخذ يتساءل كيف يكون هذا،ولم تكتشف المومياء أصلاً إلا في عام 1898م،بينما قرآنهم موجود قبل عدة قرون من هذا الاكتشاف؟وحضر موريس بوكاي مؤتمراً في السعودية لعلماء التشريح وفتح لهم أحدهم المصحف وقرأ:”فاليوم نُنجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإنَّ كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون}[يونس 92]،وكان وقع الآية عليه شديداً وصرخ بأعلى صوته أمام الحضور:لقد دخلت الإسلام،وآمنت بهذا القرآن”.وفيما بعد كتب كتاباً رائعاً في المقارنة بين الأديان السماوية سماه”القرآن والتوراة والإنجيل والعلم…دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة”.ويقول في هذا الكتاب:”إن أول مايثير الدهشة في روح من يواجه نصوص القرآن لأول مرة،هو ثراء الموضوعات العلمية المعالجة،وعلى حين نجد في التوراة الحالية أخطاء علمية ضخمة،لا نكتشف في القرآن أي خطاً،ولو كان قائل القرآن إنساناً،فكيف يستطيع في القرن السابع أن يكتب حقائق لاتنتمي إلى عصره”.

أما البروفسور كيث مور وهو من أشهر علماء العالم في علم التشريح والأجنة،وتسلم في عام 1984م الجائزة الأكثر بروزاً في حقل علم التشريح في كندا، وكتابه في علم الاجنة مرجع عالمي مترجم إلى عدة لغات،وجاء بعد اقتناعه بأبحاث الإعجاز العلمي وألقى محاضرات عدة تحت عنوان”مطابقة علم الأجنة لما في القرآن والسنة”.ووقف أمام الجميع في مؤتمرعقد في موسكووقال:”إن التعبيرات القرآنية عن مراحل تكون الجنين في الإنسان لتبلغ من الدقة والشمول ما لم يبلغه العلم الحديث.وهذا إن دلّ على شىء فإنما يدل على أن هذا القرآن لا يمن إلا أن يكون إلا كلام الله،وأن محمداً رسول الله”.وفي مؤتمر الإعجاز العلمي للقرآن الكريم والسنة المطهرة والذي عُقد في القاهرة عام 1986م وقف قائلاً:”إنني أشهد بإعجاز الله في خلق كل طور من أطوار القرآن الكريم،ولست أعتقد أن محمداً صلى الله عليه وسلم أو أي شخص آخر يستطيع معرفة مايحدث من تطور الجنين،لأن هذه التطورات لم تكتشف إلا في الجزء الأخير من القرن العشرين،وأريد أن أوكد على أن كل شىء قرأته في القرآن الكريم عن نشأة الجنين وتطوره في داخل الرحم ينطبق على كل ما أعرفه كعالم من علماء الأجنة البارزين”

آيات الحواس

1-آيات السمع

من الناحية الطبية

نظرة جنينية:

في الاسبوع الثاني إلى الثالث من الحمل يتكون لدى الجنين ثلاث وريقات:الوريقة الباطنة والوريقة الظاهرة والوريقة الوسطى.

وفي الاسبوع الثالث من الحمل تظهر الصحيفة السمعية.

بينما تظهر الصحيفة البصرية في أول الاسبوع الرابع من حياة الجنين.

وأول أقسام الأذن تشكلاً هي الأذن الداخلية والتي تتشكل من الوريقة الظاهرة  في اليوم الثاني والعشرين من تطور الجنين.

فيظهر في الاسبوع الرابع الكيس الغشائي لحلزون الأذن الداخلية.والذي ينمو طولياً ويلتف لفتين ونصف مكوناً الحلزون الكامل في الاسبوع الثامن.ثم تتم إحاطة الحلزون بغلاف غضروفي في الاسبوع الثامن وينمو هذا حتى يصل حجمه الطبيعي له عند البالغين في نهاية الاسبوع الواحد والعشرين،عندما ينمو عضو كورتي وهو عضو حس السمع في الأذن الداخلية،وتظهر فيه الخلايا الشعرية الحسية التي تحاط بنهايات العصب السمعي.

ويبدأ تشكل العصب السمعي في حوالي اليوم الثامن والعشرين.

وبهذا تكون الأذن الداخلية قد نمت ونضجت لتصل إلى حجمها الطبيعي عند البالغين وأصبحت جاهزة للقيام بوظيفة السمع المخصصة لها في الشهر الخامس من عمر الجنين.

وفي الاسبوع التاسع من الحمل تظهر فجوات أو ثقوب صغيرة على جانبي الرقبة وتكون فيما بعد الأذنين الوسطى والخارجية.

وأما الأذن الوسطى ومكوناتها فإنها تنشأ من القوسين البلعومي الأول والثاني،وتظهر العظيمات السمعية خلال النصف الأول من نمو الجنين.أي أنها تنشأ من الوريقة الوسطى.

وأما الاذن الخارجية فإنها على عكس الأذن الداخلية والوسطى،والتي تتطور من الجيوب البلعومية فإنها تنشأ من الشق البلعومي الأول.وتنشأ من الوريقة الظاهرة.

وفي الاسبوع الثامن عشر من الحمل يبدأ الجنين بسماع الأصوات وخاصة من خلال التقاط  الذبذبات الخارجية الواصلة له عبر السائل الأمنيوسي،،إلا أن حاسة السمع تستمر في التطور والتحسن مع الوقت،ولكن تبقى الأصوات التي يسمعها الجنين محدودة حتى الاسبوع الرابع والعشرين من الحمل وتقتصر على الأصوات التي يسمعها في الرحم وخاصة نبضان  قلبه وقلب الأم،والهواء الداخل والخارج من الرئتين،وأصوات المعدة وصوت الدم الذي يتحرك في الحبل السري.كما أنه يتأثر بالأصوات الخارجية حتى أن سرعة دقات قلبه تتغير حسب نوع الصوت الذي يسمعه وشدته.وتتولد نتيجة هذا السمع إشارات عصبية سمعية في الأذن الداخلية،والعصب السمعي والمنطقة السمعية في قشر المخ ويمكن تسجيلها بآلات التسجيل الخاصة.

وفي الاسبوع 25 ـ 26 من الحمل يبدي الجنين استجابة للأصوات والضوضاء داخل الرحم،ويعتبر أهم صوت يسمعه في الثلث الثالث من الحمل صوت والدته.

وتعد حاسة السمع الحاسة الأولى التي تبدأ بالعمل عند الطفل بعد ولادته مباشرة.ومن الملاحظ أن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يبدأ بسماع الاصوات وهو في رحم أمه وبعيد الولادة مباشرة،ولكن جميع الحيوانات لا تبدأ بسماع الاصوات إلا بعد ولادتها بفترة.

نظرة تشريحية وظيفية:

تعتبر الأذن مركز لجهازي السمع والتوازن عند الإنسان. وتقسم الأذن إلى الأذن الخارجية والوسطى، والأذن الداخلية.وتعتبر الأذن الباطنة المستقبل للأصوات،والأذن الوسطى والخارجية الجهاز الناقل للأصوات

1ـ الأذن الخارجية:External Ear

وهذه تتألف بدورها من الصيوان ومجرى السمع الظاهر.والأذن الخارجية تتألف من مادة غضروفية وهي وسط مابين اللحم والعظم.

الصيوان:Pinna:Auricula

ينمو صيوان الأذن لأول مرة في الاسبوع السادس من الحمل لدى الجنين البشري،وينشأ من القوسين البلعومي الأول والثاني.

قطعة ملتوية تلتقط الأمواج الصوتية.وهو الجزء المنحني والظاهر من الأذن خارج الرأس،وهو خال من العظام.وقد شاء الله تعالى أن يجعله في موقع متوسط بين اتجاهي الأمام والخلف،وعلى الجانبين الأيمن والأيسر،ليلتقط الموجات الصوتية المنتشرة الاتجاهات بسهولة وكفاءة،ومن ثم يستطيع الإنسان أن يلتقط من موقع واحد الأصوات المحيطة به كافة.وصيوان الأذن يقوم بالتمييز بين أصل الصوت من الخلف إلى الأمام أو من أعلى إلى أسفل.ويقوم صيوان الأذن بتجميع الصوت وتحويله إلى معلومات اتجاهية وغيرها.وهو يعمل كالقمع يقوم بتجميع الصوت ويضخم الصوت ويوجهه إلى مجرى السمع.

كما يعمل صيوان الأذن على المحافظة على فرق الضغط الهوائي مابين الأذن وخارجها،مما يساعد في رفع كفاءة الأذن لالتقاط الأصوات وحسن استماعها.

ويتكون من نسيج مرن ومتين يسمى الغضروف،والذي يُغطى بطبقة رقيقة من الجلد،وهو خال من الطبقة الشحمية الواقية وغالباً لا يوجد إلا طبقة واحدة من الأوعية الدموية،ولذلك فإن الصيوان عرضة للإصابة بضربة الصقيع في حالات البرودة الشديدة.

ويسمى الجزء الأسفل من الصيوان بشحمة الاذ ن أو الفصيص وتتكون من مادة دهنية،ولاتحتوي على مادة غضروفية .

تربط ثلاث عضلات الصيوان بالعظم الصدغي بالرأس،وليس لهذه العضلات استعمال مفيد لدى الإنسان إلا أنها يمكن أن تتحرك عند بعض الاشخاص مما يجعل أذانهم تهتز.ولكن هذه العضلات تكون شديدة النمو عند بعض الحيوانات وتجعل الصيوان يتحرك بصورة جيدة وخاصة عند القطط والكلاب والأرانب والخيول،حيث يمكنها من توجيه آذانها نحو مصدر الصوت،وتزداد بالتالي حدة السمع لديها.ويقوم بتعصيب هذه العضلات العصب الوجهي.بينما يقوم بالتعصيب الحسي للصيوان العصب مثلث التوائم أي العصب الخامس،والعصب العاشر أي المبهم،وذلك عن طريق الفروع العصبية لهما وهي:العصب الاذني الكبير والعصب القفوي الصغير والشعب الأذنية من المبهم وتسمى عصب أرنولد.والعصب الاذني الصدغي وهذا مهم لأنه في الآلام الأذنية الانعكاسية حيث يحدث ألماً في الأذن بوجود ألم في الأضراس بسبب التعصيب المشترك..

يتغذى صيوان الأذن من ناحية التروية الدموية من خلال فروع من الشريان السباتي الظاهر وهي:الشريان الأذني الخلفي والشريان الصدغي السطحي والشريان القفوي.

مجرى السمع الظاهر:External Auditory Meatus

قناة تمتد من الصيوان إلى غشاء الطبل.ثلثاه الأنسيان (أي القريبان من الأذن الوسطى)عظميان وثلثه الوحشي غضروفي.والثلث الغضروفي يحتوي فقط على الأجربة الشعرية والغدد الدهنية والتي تفرز الصملاخ.

بطول حوالي 2،5سم،ونصف قطر حوالي 10مم،جداره العلوي أقصر ب 5 مم من الجدار الأمامي السفلي ولذلك فمن الطبيعي أن يكون غشاء الطبل مائلاً إلى الأسفل والأنسي.وكذلك يوجد في مجرى السمع اعوجاج كما أنه يتضيق على بعد 7مم من غشاء الطبل ويدعى التضيق بالمضيق.وإن انحناء المجرى مهم في موضوع الحماية إذا دخل فيه شىء لأن الطريق المستقيم سهل أما المتعرج فإنه يجعل الإصابة لا تأتي مباشرة على غشاء الطبل.

يجاوره في الأمام المفصل الفكي الصدغي ومن الخلف الخشاء،ومن الأعلى الحفرة الدماغية الوسطى،ومن الأسفل والأمام الغدة النكفية.

ويحتوي في الثلث الخارجي على جلد سميك ويحتوي على الأشعار(التي تمنع دخول الأجسام الأجنبية إلى الأذن)،وإن دمل الأذن لا يحدث إلا في هذه المنطقة من الأذن. إن الجلد في الأذن لا يستند على نسيج ضام خلوي وإنما على الصقل الغضروفي مباشرة،لذا فإن دمل الأذن يسبب أوجاعاً شديدة . كما يحتوي مجرى السمع الظاهر بعض الغدد العرقية التي تسمى الغدد الشمعية  والتي تفرز الصملاخ. ويعمل الصملاخ والشعر والانحناء في مجرى السمع الظاهر على حماية الأذن ووقايتها من دخول الأجسام الغريبة كالحشرات مثلاً،وهذا يؤدي بدوره إلى حماية طبلة الأذن التي تسد الفتحة الداخلية لمجرى السمع الظاهر.

والصملاخ عبارة عن سائل دهني وظيفته حماية الأذن من الفطور والجراثيم.كما أنه يساعد على حماية غشاء الطبل بالتقاط الأوساخ التي تتجمع حوله.وقد يتراكم الصملاخ ويسبب انسداد مجرى السمع الظاهر وحدوث الألم وتشوش السمع وهذا ما يسمى بالسدادة الصملاخية،والتي تستوجب أحياناً اللجوء إلى الطبيب لإزالتها. وأما الجلد الذي يستر القسم العظمي من مجرى السمع فهو رقيق جداً وليس فيه أشعار ولا غدد وإن أقل رض يحدث فيه يسبب ورماً دموياً.والقسم العظمي من مجرى السمع الظاهر يكون عند الكهل أطول بقليل من القسم الغضروفي.

ويحيط العظم الصدغي بثلثي مجرى السمع الظاهر الخارجي،وهذا العظم من أكثر العظام صلابة في الجسم،وهو يحيط أيضاً بالأذن الوسطى والداخلية.ويتم تعصيب عضلات الاذن من خلال العصب الوجهي(العصب السابع ) وهو أيضاً يوفر الإحساس لجلد الأذن أيضاً.

وقد وجد أن التدخين يخرب الأهداب في الخلايا المخاطية في مجرى السمع الظاهر والتي تعمل من خلال حركتها على دفع الإفرازات المخاطية باتجاه الصيوان أي نحو الخارج،وهذا يؤدي إلى تراكم هذه المفرزات عند المدخنين،وحدوث التهاب الأذن المتكرر.

2ـ الأذن الوسطى:Middle Ear

وتتركب من غشاء الطبل،ونفير أوستاش،ومن الأجواف الخشائية .

إن صندوق الطبل أو الأذن الوسطى عبارة عن علبة ذات ستة جدران:

1 ـ الجدار الخارجي:يتمثل في غشاء الطبل والذي يفصل الأذن الخارجية عن الوسطى.

2 ـ الجدار الداخلي:ويفصل بين الأذن الوسطى والداخلية،ويتميز بوجود فتحتين:

ـ الفتحة العليا وتسمى النافذة البيضية وتسدها قاعدة عظمة الركابة.

ـ والفتحة السفلى وتسمى النافذة المدورة ويسدها غشاء مطاطي يسمى طبلة الأذن الثانوية.

  • 3ـ الجدار العلوي:يتكون من عظام رقيقة تفصل الأذن الوسطى عن المخ،ونظراً لرقته فإن الالتهاب المزمن للأذن الوسطى قد ينتقل من خلاله إلى المخ ومسبباً مضاعفات خطيرة.

ـ 4 ـ الجدار السفلي ويتكون من عظام رقيقة وهي جزء من قاعدة الجمجمة.

وأما الجدار السفلي لصندوق الطبل فهو عبارة عن صفيحة عظمية رقيقة تفصله عن الحفرة الوداجية،وإن التهابات الأذن الوسطى قد تصيب الوريد الوداجي الباطن وتسبب حدوث الخثرات الوعائية فيه.

  • 5 ـ الجدار الخلفي:وأهم مايميزه وجود القناة التي يمر بها العصب القحفي السابع أي العصب الوجهي،والذي يغذي معظم عضلات الوجه.

6ـ الجدار الأمامي:وأهم مايميزه وجود قناة أو نفير أوستاش التي تربط الأذن الوسطى والبلعوم الأنفي،وهذه القناة تسمح بمرور الهواء بين الأذن الوسطى والوسط الخارجي عن طريق فتحتي الانف والفم،مما يؤدي إلى تعادل ضغط الهواء على جانبي غشاء الطبل،وهذا أمر ضروري لحدوث عملية السمع الطبيعي،ولذلك فعند الإصابة بالزكام أو الرشوحات وخاصة عند الاطفال فإن الطفل يشكو من ألم الأذن واضطراب السمع،بسبب انسداد قناة النفير بالالتهاب والاحتقان مما يؤدي إلى تغير في ضغط الهواء على جانبي غشاء الطبل.

إن صندوق الطبل حجرة ممتلئة بالهواء،حجمها حوالي 2سم مكعب،وتتركب من صندوق وغشاء الطبل،ونفير أوستاش الذي ينفتح على البلعوم،ومن الأجواف الخشائية.وتحتوي على عظام الأذن الوسطى أو مايسمى عظيمات السمع،والمكونة من “المطرقة” “والركابة”. هي أصغر عظمة في الجسم.ووظيفة العظيمات السمعية توصيل الاهتزازات السمعية مضخمة إلى قوقعة الأذن.

1 ـ غشاء الطبل:Tympanic Membrane

غشاء مدور أبيض، مرن،شفاف،له شكل مخروطي خفيف وهو مائل. يفصل الأذن الوسطى عن مجرى السمع الظاهر،ويتصل مع البلعوم الأنفي بواسطة نفير أوستاش .يتألف من طبقة جلدية شائكة من الخارج وطبقة مخاطية مكعبة من الداخل،وطبقة ليفية في الوسط تفقد في القسم العلوي المحصور بين الالتوائين الكعبيين الأمامي والخلفي والمدعو بغشاء شرابنل أو القسم الرخو،بينما القسم السفلي الذي يحوي الطبقة الليفية يدعى بالغشاء المشدود.

وترتكز على غشاء الطبل العظيمات السمعية متراكبة فوق بعضها وتنقل الاهتزازات السمعية من غشاء الطبل إلى القوقعة الأذنية(الحلزون).وإن اهتزاز غشاء الطبل يعني هز عظيمات السمع الثلاثة لأن كل عظم متمفصل مع الآخر،ويتصل بغشاء الطبل عظم المطرقة، بينما يتصل مع الأذن الباطنة عظم الركابة وبينهما عظم السندان،وهي من أصغر العظام في الجسم ولايبلغ مجموع وزنها جميعاً أكثر من 55 ملغرام فقط.

يتم تعصيب غشاء الطبل السطح الخارجي بشكل رئيسي من العصب الأذني الصدغي وهو شعبة من العصب الفكي السفلي(العصب القحفي الثالث)،ويساهم في التعصيب أيضاً الفرع الاذني للعصب العاشر(المبهم)وفروع من العصب الوجهي(العصب السابع)وفروع من العصب البلعومي اللساني(العصب التاسع).وأمت تعصيب السطح الداخلي لغشاء الطبل فيأتي من العصب البلعومي اللساني بشكل كامل.

ملاحظة:يقوم أفراد شعب الباجاو في منطقة المحيط الهادي بتمزيق غشاء الطبل عمداً في سن مبكرة بهدف تسهيل الغوص والصيد في البحر،ولذا يصاب الكثرة منهم مع تقدم العمر بنقص السمع.

يقول الدكتور محمد راتب النابلسي حفظه الله:

“إن بين جوانحك آياتٍ لا تُعدّ ولا تحصى،منها غشاء الطبل،فكل واحدٍ غشاءُ طبلهِ يعمل بانتظام،وغشاء الطبل غشاءٌ رقيق،لاتزيد سماكته على نصف ميليمتر،ولايزيد قطره على تسع ميلميترات،متينٌ كالصلب،مرن كالمطاط،حيويٌّ جداً لنقل الاصوات،لو تعطل هذا الغشاء لفقد الإنسان سمعه،لذلك فقد جهزه الله عز وجل بما يحفظه من التلف،وجعله في آخر قناة منحنية أضيق من خنصر الإنسان لئلا يعبث به الصغير فيخرقه.

لقد جعل الله عز وجل الأذن الوسطى ـ وهذا من حكمته ـ موصولة بقناةٍ إلى البلعوم،فإذا جاء ضغط كبيرٌ كافٍ لخرق هذا الغشاء جاء الضغط المقابل من الفم،فتوازن الضغطان،وسلم غشاء الطبل من التمزق،إذ أن الاصوات الشديدة من شأنها أن تمزق غشاء الطبل.

وهذا الغشاء مربوطٌ بأربعة عُظيمات،لايزيد وزنها على 55ميليغرام،ولايزيد طولها مجتمعة على 19 ميليمتر،هذه العظيمات لها وظيفة رائعة جداً،إنها تُكبّر الاصوات الضعيفة إلى عشرين مثلاً،وتخفض الأصوات الضخمة المؤذية،فجهاز واحدٌ يعمل على تكبير الصوت،وعلى خفض الصوت،وهذا مالايستطيعه البشر،وهذا من الآيات الدالة على عظمة الله تعالى.

بل إن الأصوات التي تزيد على مئة ديسبيل والتي من شأنها أن تؤذي الأذن،هناك آلية عصبية معقدة جداً تخفضها،حين لا تسمع صوت إنسان فتقول له:أعد،ما سمعت،فإن بعض حركات الوجه تؤثر على عصبٍ مشترك بين الوجه وعضلة متعلقة بعظم الركاب من شأنها أن تزيد حساسية الاذن،أي حينما تتغير ملامح وجهك،حينما لا تفهم الكلام هناك آلية معقدة جداً تنتقل عبر العصب السمعي إلى عضلة تضاعف حساسية الاذن.

الصوت اهتزاز ينتقل عبر وسط مرن،والوسط المرن هو الهواء،لكن الوسط المرن القاسي الصلب ينقل الصوت بسرعة أشد،والوسط السائل ينقلها بسرعةٍ أشدّ،وبدقةٍ أعلى،لذلك ينتقل الصوت إلى غشاء الطبل عبر الهواء،وغشاء الطبل ينتقل به الصوت عبر أربعة عظام،ثم في قناة قوامها سائل.

فالصوت ينتقل عبر الهواء تارة،وبعد غشاء الطبل عبر أجسام صلبة،وبعد الأجسام الصلبة عبر قناة فيها سائل.

يقول الدكتور خالص جلبي(الطب في محراب الإيمان ج1):

“والعجيب أن أوساط الأذن تناسب نقل الصوت تماماً،وهي الهواء في مجرى السمع،والأجسام الصلبة المتمثلة بعظيمات السمع الثلاثة في الأذن الوسطى،والأجسام الصلبة والسوائل في داخل الأذن الباطنة والمتمثلة في الرمال السمعية والبلغم الداخلي والخارجي،تقوم عظيمات السمع بتسريع الصوت إلى الأذن الباطنة كما أنها تضخم الصوت أيضاً. فسطح غشاء الطبل يبلغ 20 ضعفاً لسطح فاعدة عظم الركابة،ولقد وجد أن الصوت يزداد عشرة أضعاف حينما يصل إلى قاعدة الركابة،واهتزاز عظم الركابة يمثل أعجب مفصل يمكن تصوره فهو يمكن أن يهتز بشكل مختلف من حين لآخر،خاصة إذا قارنا هذا المفصل بمفصل الركبة مثلاً الذي يتحرك باتجاه واحد،لا أكثر مع شىء من التدوير،ولكن المفصل هنا يتحرك وفقاً للصوت أو الاهتزاز الذي يصل من غشاء الطبل،وقاعدة عظم الركابة تستند إلى نافذة بيضية الشكل،مستورة بغشاء،وعندما تهتز قاعدة عظم الركابة فإنها تهز معها هذا الغشاء،وهذا بدوره يخض اللنف الداخلي المحيطي بشكل يتوافق مع طبيعة لحن الصوت وشدته،ولكن ماذا يحدث فيما إذا كانت الاصوات القادمة شديدة؟لقد وجد أن هذا العظم الصغير يحور اتجاه تمفصله بحيث يبقى محافظاً على نقل الصوت إلى الاذن الباطنة على شكل يقيها من الأذى إلى حد ما،وأما العضلتان أي عضلة المطرقة وعضلة الركابة،فإن الأولى تسعى لإدخال عظم الركابة أكثر إلى داخل النافذة البيضية،وعضلة الركابة تفعل بالعكس،وهكذا يحدث الاتزان بتقلص العضلتين معاً.وحسب الحالة والصوت يشتد تقلص إحداهما على الاخرى،وإذا اشتد الصوت أكثر فإن كلا من العضلتين يخفف من حدة التأثير على الاذن الباطنة”.

ويعتبر انتقال الصوت نتيجة اهتزاز جزيئات المادة،والصوت له سرعة معينة ثابتة هي 340متر في الثانية،وسرعة انتشار الصوت في الماء هو أسرع منه في الهواء حيث يبلغ 1345متر في الثانية،أي أكبر من سرعة انتقال الصوت في الهواء بأربع مرات،وهذا الرقم يتضاعف إذا كان الانتقال في الأوساط الصلبة،فوضع الأذن على سكة القطار يجعلنا نسمع صوت قدومه من بعد عدة كيلومترات.

وهناك خمسة وعشرون ألف خلية سمعية تلتقط السمع،وتنقله إلى الدماغ كي تدرك،وحتى هذه الساعة لايستطيع العلماء أن يكتشفوا كيف تستطيع الأذن أن تفرق بين النغم والضجيج”.

ويوجد في الأذن الوسطى ثلاث عظيمات،وهي أصغر عظام في جسم الإنسان وتسمى العظيمات السمعيةOssicle bones  وهي:

1ـ المطرقة: Malleusأطول هذه العظيمات ،لايتجاوز طولها 8مم،لها رأس وعنق ونتوء وحشي صغير وقبضة.القبضة والنتوء القصير تنطمر في غشاء الطبل بينما الرأس والعنق تقع في القسم العلوي من صندوق الطبل المسمى بالعليّة،رأس المطرقة يتمفصل مع جسم السندانة بمفصل حقيقي له محفظة وأربطة.

2 ـ السندان:Incus يصل مابين المطرقة والركابة عن طريق مفاصل متحركة،له جسم ونتوء قصير يمتد إلى الخلف،يعمل كمحور حركة السندان،ونتوء طويل يمتد إلى الأسفل والأنسي ليتمفصل مع رأس الركابة.

  • ـ الركابة:Stapesولها رأس وسويقتان أمامية وخلفية وقاعدة تغلق النافذة البيضية،ويصل قاعدة الركابة بالنافذة البيضية الرباط الحلقي.
  • وهناك عضلتان:

1ـ عضلة المطرقة أو موترة الغشاء:وعملها توتير غشاء الطبل بجذب قبضة المطرقة إلى الأنسي،وتتعصب بشعبة من العصب الخامس.

2 ـ عضلة الركابة:وهي أصغر عضلة في الجسم،وتتعصب بشعبة من العصب الوجهي،وعملها جذب الركابة إلى الخلف لتمنع حركاتها عند التعرض للأصوات الشديدة وذلك من أجل حماية الأذن الباطنة.وإن إحدى العضلتين تمسك بعنق عظمة المطرقة،والأخرى بعنق عظمة الركابة،وهما تحميان الأذن من الأصوات العالية.وذلك بالتحكم في حركة العظيمات السمعية الثلاثة.

نفير أوستاش:Eustachian tube

ويسمى أيضاً قناة أوستاكيوس،أو نفير أوستاش(نسبة إلى العالم الإيطالي بارتولوميو أوستاكي وكان من علماء التشريح وعاش في القرن السادس عشر).أو القناة السمعية.وتنشأ قناة النفير من الجيب البلعومي الأول والذي تتكون منه طبلة الأذن أي غشاء الطبل.

فهو قناة عظمية غضروفية ليفية(ثلث عظمي في قسمه الأذني،وثلثين غضروفي في قسمه البلعومي)،يبلغ طول النفير حوالي 3 ـ 4 سم،يمتد من الجدار الأمامي للأذن الوسطى إلى الجدار الجانبي للبلعوم الأنفي حيث ينفتح فوق مستوى قاع الأنف.

ووظيفة النفير خلق التوازن بين الضغط في الأذن الوسطى والضغط الجوي الخارجي.خاصة وأن غشاء الطبل يسد الفوهة سداً محكماً.

ولكنه أيضاً قد يكون واسطة لنقل الأمراض الإنتانية المعدية من البلعوم الأنفي للأذن الوسطى.

وفي حالات السفر بالطائرة فإن الإنسان ينتقل من الضغط العالي على سطح الأرض إلى الضغط المنخفض في طبقات الجو العليا،وعند هبوط الطائرة لابد من انفتاح  قناة أو نفير أوستاش حتى لايشعر المسافر باختلاف الضغط والذي قد يسبب ألماً شديداً في الأذن،وفي هذه الحالة ينصح بتكرير عملية البلع لتحصل الموازنة بين الضغوط المختلفة أو استنشاق كمية وافرة من الهواء وابتلاعه مع قفل الفم،فتنفتح قناة النفير ويتعادل الضغطان.وأثناء عملية البلع يحدث تقلص في إحدى العضلات والتي ينجم عنها فتح فوهة النفير ودخول الهواء وتعادل الضغط.ولعل هذا أيضاً هو السر في أن الذين يرمون بالمدافع يبقون أفواههم مفتوحة أثناء انطلاق القذيفة،وحصول الصوت المرتفع حيث يحصل توازن في الضغط مابين الاذن الوسطى والخارج.

وهناك أربعة عضلات لها علاقة مع عمل قناة النفير وهي تتغذى بشعب عصبية من العصب العاشر أي المبهم والعصب الخامس أي مثلث التوائم وهي:العضلة الرافعة لشراع الحنك،والعضلة النفيرية البلعومية،والعضلة الموترة لغشاء الطبل،والعضلة الموترة لشراع الحنك.

وفي حالات الرشوحات الحادة أو الزكام أو التهاب المجاري التنفسية العليا يحدث الاحتقان في نفير أوستاش،وبالتالي يقل الهواء الداخل والخارج عن طريق القناة،وهذا قد يسبب ألماً في الأذن وأحياناً عند الاطفال وخاصة دون السابعة من العمر، قد يحدث تمزق في غشاء الطبل.وآلم الاذن عند الأطفال أكثر شيوعاً من الكبار،لأن قناة النفير لديهم أكثر أفقية وأضيق مما هي عند الكبار،مما يجعل حركة الإفرازات المخاطية عبر القناة أصعب.

إن القسم العظمي من النفير يكون مفتوحاً دائماً بينما تلعب العضلتان المحيطتان باللهاة  الوحشية والأنسية دوراً في فتح قناة النفير الغضروفية،وهذا ما يعلل انغلاق النفير في أمراض شق شراع الحنك.

وأما الخشاء:Mastoid

فهو نتوء عظمي من العظم الصدغي يقع خلف الأذن مباشرة، ترتكز عليه العضلة القصية الترقوية الخشائية(القترائية) وعضلات صغيرة أخرى،وعند الولادة يكون النتوء الخشائي صغيراً ثم يكبر بالتدريج وتنشأ الخلايا الخشائية بالتفرع من الغار الخشائي الذي هو عبارة عن خلية كبيرة.والخلايا الخشائية تُستر بمخاطية رقيقة تتصل ببعضها وتتصل بمخاطية الأذن الوسطى.ويجاور الخشاء السحايا من الأعلى،والمخيخ في الخلف وكذلك الجيب الجانبي الوريدي الذي يشكل خليج الوريد الوداجي الواقع تحت قاع الأذن الوسطى.وأمام الخشاء والأذن الوسطى يسير الشريان السباتي الباطن.

وتعصب الأذن الوسطى والخشاء بشعب من الأعصاب الخامس والسابع والتاسع والعاشر.ولهذا فإن الأمراض والاضطرابات التي تصيب أماكن أخرى معصبة بهذه الأعصاب مثل الأسنان واللوزات واللسان والحنجرة يمكن أن تسبب ألماً انعكاسياً في الأذن.

إن الألم الإنعكاسي في الأذن ينجم عن عدة طرق:

فالعصب العاشر ومن خلال عصب أرنولد يسبب الألم حسياً انعكاسياً في آفات البلعوم من خلال العصب الحنجري العلوي.

والعصب التاسع ومن خلال عصب جاكوبسون والضفيرة الطبلية يسبب ألماً حسياً انعكاسياً في الأذن،وإن أولى أعراض سرطان قاعدة اللسان هو الألم الانعكاسي في الأذن،وكذلك آفات اللوزتين.

والعصب الخامس ومن خلال العصب الأذني الصدغي يسبب ألما انعكاسياً في آفات الأسنان والأنف،وهذا العصب هو شعبة من العصب الفكي السفلي،وكذلك العصب اللساني الذي يعصب ثلثي اللسان الأمامي حسياً.

والعصب الأذني الكبير وهو من الأعصاب الرقبية العليا ويسبب ألماً انعكاسياً في أمراض الفقرات.

3ـ الأذن الباطنة:Internal Ear

وتتألف من الدهليز(عضو التوازن)،والأقنية الهلالية،والحلزون (عضو السمع).

تستقر في تجويف عظمي يسمى الصخرة في العظم الصدغي وهو أكثر عظام البدن صلابة،وإن الحماية المؤمنة لهذه الأعضاء في الأذن الباطنة لا تتوفر لأي عضو آخر،فعلاوة على المحفظة العظمية الصلبة فإن التيه الغشائي محاط بسائل اللمف الظاهر ويملؤه سائل آخر هو اللمف الباطن،وهذا الترتيب يحمي الأعضاء الحساسة في الاذن الباطنة من تأثير الصدمات والحركات الفجائية للرأس.

وتتألف الأذن الباطنة من عدة مكونات بشكل تجاويف وقنيات محتفرة في العظم الصدغي  لذلك دعيت “التيه”،والتيه ذو جدر عظمية كثيفة،ولكنه لا يكون عظماً مستقلاً عن العظم الصدغي.يشكل هذا التيه العظمي قالباً للتيه الغشائي ويفصل بينهما فراغ يملؤه اللمف الخارجي،ويمتلىء التيه الغشائي باللمف الداخلي.واللمف الباطن مغلق بينما اللمف الظاهر يتصل بالمسافة تحت العنكبوتية والسائل الدماغي الشوكي بالقناة الحلزونية.

وأما مكونات التيه فهي:

الدهليز،والحلزون (أو القوقعة) والأقنية نصف الهلالية.وتتصل هذه التشكيلات مع بعضها بطلاقة تامة.

الدهليز:Vestibule

ويتكون من الاقنية نصف الهلالية والقريبة والكؤيس.

فهو غرفة صغيرة دائرية الشكل طولها حوالي 5مم،وهو يمثل الجزء الأوسط من الأذن الباطنة،وتربط جدرانه العظمية بين القنوات الهلالية الثلاثة والحلزون (أو القوقعة).ويوجد بداخله كيسان يشبه كل منهما الحقيبة ويدعيان القُريبة والكؤيس،ويوجد على الجدار الداخلي لكلا الكيسين انتفاخ مبطن بخلايا شعرية،وهذه عبارة عن خلايا حسية ذات بروزات دقيقة تشبه الشعر،وهي متصلة بالألياف العصبية،وتغطى بغشاء رقيق تنطمر فيه حبوب معدنية صغيرة تسمى غبار التوازن.وللدهليز غشاءان صغيران يواجهان الأذن الوسطى،أولهما النافذة البيضية التي تستند إلى الصفيحة القاعدية لعظم الركابة،وأما الثاني فهو النافذة المستديرة التي تقع أسفل النافذة البيضية مباشرة.

وأما القنوات الهلالية أو نصف الدائرية:Semicircular ducts

فهي ثلاث وتقع خلف الدهليز،وهذه القنوات الثلاثة مرتبة فيما بينها بزوايا قائمة أي تتوضع بشكل عمودي على بعضها،وهي القنوات الأفقية والعليا والخلفية،وتقع القناة الأفقية في مستوى أفقي وتكون القناتان الأفقيتان في الجانبين على مستوى واحد.،في حين توجد القناتان العلوية والخلفية بشكل عمودي،وتتفتح الأقنية على القريبةUtricle وقرب القريبة تتوسع كل قناة محدثة مايسمى المجل (أمبولا)

وفي المجل توجد خلايا شعرية تتصل بألياف عصبية،وفي المجل تقع الخلايا الحساسة للتوازن في تشكيلة القنزعة المجلية،وفيها خلايا مشعرة أشعارها بتماس كتلة من مادة هلامية معلقة في اللمف الباطن.

كما أن الأنابيب تتصل بالقريبة والتي تتصل بدورها بالكؤيسSaccule.وفي كل منهما لطخة تحوي العناصر الحساسة وهي عبارة عن خلايا مشعرة أشعارها بتماس لوحة من مادة هلامية تحوي ذرات ثقيلة من أملاح الكلس تسمى الرمال السمعية رغم أنها ليس لها علاقة بالسمع وهي بثقلها تجعل الطبقة الهلامية تطبق ضغطاً على أشعار الخلايا المشعرة.

وعملية التوازن في الجسم تقع على عاتق القنوات شبه الدائرية والقريبة والكؤيس،وهي تسمى أيضاً أعضاء الدهليز أو أعضاء التيه.وهذه العناصر الحساسة في الأقنية نصف الدائرية والقريبة والكؤيس تتصل بالعصب الدهليزي الذي يسير مع العصب الحلزوني في مجرى السمع الباطن ليدخل إلى الدماغ وينتهي في نويات أربعة في قاع البطين الرابع قريباً جداً من النواة الظهرية الحركية للعصب العاشر وهذا يفسر المنعكس المبهم(العصب العاشر)(التعرق وهبوط الضغط وبطء النبض والغثيان والإقياء)والذي يشاهد عند تنبيه الدهليز.

الحلزون:أو القوقعة Cochlea

يقع أمام الدهليز،وهي تشبه الصدفة الحلزونية،وتتكون من حلزون يدور حول نفسه مرتين ونصف المرة،وبداخله ثلاثة أنابيب ملتفة حولها ومليئة بسائل،ويبدأ الأنبوب الأول من النافذة البيضية ويبدأ الثاني من النافذة المستديرة،ويلتقي هذان الأنبوبان عند قمة الحلزون.أما الأنبوب الثالث والذي يسمى انبوب الحلزون فيقع بين الاثنين.ويحتوي على الغشاء القاعدي الذي يوجد به أكثر من 15 ألف خلية شعرية،وهذه الخلايا تكون عضو كورتي،وهو عضو السمع الفعلي.وتنقل التنبيهات إلى العصب السمعي والذي يسير في مجرى السمع الباطن ثم يدخل الحدبة الحلقية.

يتم توعية الحلزون من شعب من الشريان القاعدي عن طريق الشريان السمعي الباطن.والشريان الحلزوني هو شريان انتهائي ولاتوجد مفاغرات جانبية.

يسمى عصب الاذن الداخلية المسؤول عن السمع والتوازن بالعصب الدهليزي الحلزوني،وله فرعان:العصب الحلزوني والذي تمتد أليافه مع خلايا عضو كورتي،وتنقل حس السمع،والثاني هو العصب الدهليزي والذي تتصل أليافه مع الخلايا الشعرية قي القريبة والكؤيس وتنقل حس التوازن.

يقول الدكتور خالص جلبي(الطب في محراب الإيمان ج1):

“يتكون جدار الأذن الباطنة من نافذتين :علوية هي النافذة البيضية،وسفلية هي النافذة المدورة،وإن هاتين النافذتين تتصلان بعالم داخلي خاص،ولنحاول الآن أن نعبر النافذة البيضية مع هزات الصوت إلى الداخل لنتعرف إلى العناصر الخفية التي تختبىء داخل هذه الصخرة(حيث أن عناصر السمع ترقد في العظم الصدغي وهذا بدوره يقسم إلى أقسام ومنها قسم يدعى الصخرة وهو ذو تركيب معقد،وداخل هذا القسم تحتفر عناصر الأذن الباطنة وهي الدهليز والحلزون والأقنية نصف الدائرية والقريبة والكُييس).قاعة واسعة يسبح فيها سائل هو البلغم المحيطي،ولنتجه إلى اليمين حيث يواجههنا الحلزون وهو نفق يدور دورتين ونصف،لنحاول دخول النفق فماذا سنرى؟إن هذا النفق ليس مدوراً ولكنه مقسوم بصفيحة من وسطه،وهكذا فإن فيه طابقاً علوياً وطابقاً سفلياً،ولنحاول دخول الطابق العلوي بعد أن عبرنا منطقة الدهليز،إن النفق مظلم ونحن نتحسس الجدران وإذا بنا نصطدم في الأيمن بحاجز يرتفع بشكل مائل إلى الأعلى حتى يصل إلى جدار النفق،ماهذا الجدار؟إنه غشاء “رايسنر” وهذا الغشاء يقسم أيضاً الطابق العلوي إلى قسمين:قسم مثلث في الأيمن حيث توجد قناة خاصة تحتوي على عضو مهم هو عضو كورتي،والقسم الباقي من الطابق العلوي ويسمى بالزاحف الدهليزي لأنه يزحف من الدهليز إلى قمة الحلزون،وأما الطابق السفلي فيسمى بالزاحف الطبلي،لأنه يزحف  إلى النافذة المدورة التي تتصل بالأذن الوسطى وبالتالي غشاء الطبل.

إن الزاحف الدهليزي العلوي والزاحف الطبلي السفلي يحتويان اللنف الخارجي ويتصلان ببعضهما في القمة،وهكذا فإننا ندور في الحلزون بعد أن دخلنا الزاحف الدهليزي العلوي لنصل إلى قمة الحلزون.ولندخل الطابق السفلي وهكذا نمر في أسفل المكان الذي كنا نمر فيه قبل قليل،وإننا لننظر إلى سقف الطابق السفلي ونسمع قرع الأصوات في الطابق الذي يعلونا،إن كلاً من الطابقين يشكل نصف دائرة حيث يكون سقف الطابق السفلي هو أرض الطابق العلوي،وهكذا يتصل كل من الطابقين ببعضهما ولكن إلى أين سنصل في هذه الجولة الدوارة؟إننا نكاد نشعر بالدوار ونحن نفتل في هذا الطابق السحري وإذا بنا نصل مرة أخرى إلى الجدار الذي بدأنا في الدخول منه وهو الجدار المشرف على الأذن الوسطى،ولكننا في هذه المرة نصل إلى النافذة المدورة،وهكذا فإننا بدأنا الرحلة من النافذة البيضية ووصلنا في ختامها إلى النافذة المدورة.

لنعود من جديد إلى الدهليز الذي دخلنا منه حتى نصل في طريقنا إلى قمة الحلزون وهناك ندخل الطابق العلوي مرة أخرى،إن المنطقة المثلثية اليمنى تحتوي عضواً حساساً جداً،هو عضو كورتي،لنحاول أن نقترب من غشاء رايسنر ولنضغطه قليلاً،إنه لين جداً،ولكن ماذا حدث ياترى بعد أن ضغطنا هذا الغشاء بمثل هذا الهدوء؟إنه يحتوي بلغماً(سائل لنفاوي) داخلياً،وهو إذا تحرك فإنه يؤثر على رمال موضوعة على بساط خاص ومن هذا البساط تبرز أهداب صغيرة وكأنها الحشائش الجميلة،إن هذه الرمال هي الرمال السمعية وعند اضطراب السائل الداخلي تتحرك الرمال والأهداب المتصلة من تحت البساط بخلايا خاصة بالسمع وهي متوضعة بكيفية خاصة بحيث تشكل من اجتماعها نفقاً صغيراً يسمى بنفق كورتي!

لنحبس أنفاسنا قليلاً فنحن الآن في عالم عجيب:أنفاق ضمن أنفاق،وسراديب داخل سراديب،ودهاليز في دهاليز!!إن هذا العضو المسمى بعضو كورتي يضم مايقرب من مائة ألف خلية سمعية،حيث تتصل بالخلايا ومن بين العظم الكثيف الذي يصل إلى عقدة سكاربا ثم الحدبة الحلقية ثم الفص الصدغي من فصوص الدماغ لأن اختصاص هذا الفص هو السمع.

إن كيفية السمع حتى الآن غامضة لم تعرف منها إلا الأمور السطحية البسيطة ولكنها على قلتها وبساطتها دليل إيماني مهم على أن القرآن هو كتاب الله المقروء،كما أن الكون بكل قطاعاته الأحياء والموات والإنسان كتاب الله المنظور،وإن كل صغيرة وكبيرة في بناء التركيب الإنساني هو آية ودليل تقرب الإنسان من الخالق العظيم.

لقد وجد الأطباء أن اهتزاز البلغم المحيطي الذي يسبح في الزاحف الدهليزي والزاحف الطبلي يؤثر على القناة الملعقية التي تحوي عضو كورتي وهي تحوي البلغم الداخلي،وهذه القناة مغلقة من نهايتيها وتتصل بقناة  بعضو التوازن أي القريبة والكُييس،واهتزاز البلغم الداخلي يؤثر على أهداب الخلايا والرمال السمعية وهذه بالتالي تنقل عبر ألياف العصب السمعي بشكل سيالة عصبية ونبضات كهربية إلى الفص الصدغي حيث تفهم على أتم وجه،ولقد وجد أن هذا العضو حساس تجاه كافة أنواع الأصوات،وكل قسم منه خاص بنوع خاص من الاصوات،فالأصوات الغليظة تتمركز مناطق استقبالها في قمة الحلزون،والأصوات الحادة في القاعدة،ونتساءل كيف يتم تمييز هذه الآلاف المؤلفة من المزيج العجيب الغريب من الاصوات؟وكيف تفهم في الفصوص الدماغية؟وكيف تميز الأذن بين القول الهادىء والشديد؟وبين النثر والشعر.وبين الكللام العادي والنغم الموسيقي؟وحتى النغم الموسيقي له أنواعه المختلفة المتباينة والتي يتفنن أصحاب الموسيقى في إظهارها للبشر إلى درجة الإزعاج الشديد”.

فيزلوجية السمع في الأذن الخارجية والوسطى:

إن الصيوان عند بعض الحيوانات  له وظيفة متحركة فهو عند بعضها كالأرنب مثلاً يمتاز أنه يتحرك نحو مصدر الصوت، كما أن عضلات الصيوان الداخلية تهئ الوضعية المناسبة للصيوان بحيث يبلغ أقصى مساحة له من أجل التقاط مدى أوسع من الأمواج الصوتية ولكن عند الإنسان فإن وظيفة الصيوان تكون فقط في التقاط الأصوات وليس له وظيفة التوجه والإتساع،وهو يلعب دورا مهماً في تحديد مصدر الأمواج الصوتية الصادرة من الخط المتوسط بالنسبة للإنسان(أعلى ،أمام ،خلف) ولذا فإن المحرومين من الصيوان لا يستطيعون تحديد اتجاهات هذه الأصوات . وإن تنبه الأذن اليمنى واليسرى يعتمد على الفارق الزمني في وصوت الصوت إلى الأذنين .

يتكون الصوت من ذبذبات تسير في موجات عبر الهواء أو الأرض أو مواد وأسطح أخرى.وتختلف الاصوات من حيث التردد والشدة،والتردد هو عدد الذبذبات التي تحدث كل ثانية وتقاس بالهرتز،والهرتز يساوي ذبذبة واحدة كل ثانية،والصوت ذو التردد العالي له درجة نغم عالية.وبالمقابل فإن الصوت ذا التردد المنخفض له درجة نغم منخفضة.

إن الاذن الطبيعية تستطيع أن تسمع شدات مختلفة جداً بحيث أن شدة أقوى صوت تستطيع سماعه تبلغ تريليون مرة شدة الصوت العتبة للأذن ولهذا فقد استعملت الطريقة اللوغاريتمية في هذه القياسات لتصغير الأرقام.

فالديسبيل:هو لوعاريتم نسبة شدة الصوت المراد قياسه إلى وحدة قياسية مضروباً بعشرة،وعليه فإذا قلت 10 ديسبيل فهذا يعني أن الصوت أشد عشر مرات وإذا قلت 20 ديسبيل فهو أشد بمائة مرة،و30 ديسبيل أشد بألف مرة،و120 ديسبيل تريليون مرة.

وشدة الصوت العادي للكلام تبلغ 50 ديسبيل،بينما محرك الطائرة 100 ديسبيل،والمكتب العادي تحدث فيه ضجة تعادل 30 ديسبيل.

يتراوح مدى السمع الطبيعي للإنسان ما بين 20 وعشرين ألف هرتز.وتقل قدرة الإنسان على سماع الأصوات ذات التردد العالي مع التقدم في العمر.وقد تتفوق أذن بعض الحيوانات على أذن الإنسان حتى أن الخفافيش والدلافين تستطيع أن تسمع حتى 120 ألف ذبذبة لكل ثانية.

وتبلغ حساسية الأذن لسماع الأصوات درجة كبيرة بحيث أنها تفرق مابين صوتين فيما إذا زاد أو نقص عدد التواترات ثلاثة فقط،وهكذا يمكن للأذن فيما إذا بقيت الشدة ثابتة أن تميز مابين 1500 لحن مختلف.

يتميز كل صوت بثلاثة صفات فيزيائية:

أما شدة الصوت:وهي الصفة التي تميز بها الأذن الصوت الشديد القوي عن الصوت الضعيف الخافت،وتتعلق شدة الصوت بسعة الموجات الصوتية. وهي كمية الطاقة في موجة الصوت،وهي تقاس بالديسيبيل.

ويصعب على الإنسان أن يسمع صوتاً قوته صفر ديسبيل،أما الأصوات الأعلى من 140 ديسبيل فإنها قد تسبب ألماً للأذن،وقد تتضرر الأذن بشكل خطير.

وتواتر الصوت:وهو الصفة التي تميز فيها الأذن الصوت الحاد الرفيع عن الصوت الغليظ الأجش كالاختلاف بين صوت المرأة والرجل.ويتعلق تواتر الصوت بعدد هزاته في الثانية وتنحصر التواترات المسموعة بين 10 ـ 24 ألف هرتز،علماً أن الأصوات البشرية محصورة بين التواترات 75  ـ 1400 هرتز.

وطابع الصوت:وهو الصفة التي تميز فيها الأذن بين صوتين متماثلين شدة وارتفاعاً يصدرهما منبعان مختلفان كالتعرف على شخص من صوته ويتعلق طابع الصوت بمدروجاته.

تنتقل الأمواج الصوتية من المحيط أي الهواء إلى الداخل إلى اللمف الباطن عن طريق وسيط هو الأذن الوسطى،وإن تركيب الأذن الوسطى وخاصة وجود العظيمات السمعية والعضلات السمعية قد هيأ الأذن من أجل نقل الضغط الواقع على غشاء الطبل إلى الأذن الداخلية  بصورة أكبر وذلك بسبب وجود حركة العظيمات السمعية من جهة (حيث يلاحظ في مرض تصلب الأذن Otosclerosis_والذي يمتاز بأن قاعدة عظم الركابى بدلاً من أن ترتبط مع النافذة البيضية بواسطة رباط حلقي ليفي فإنها ترتبط معه بواسطة رابط عظمي وهذا بالتالي يعيق حركة عظم الركابى ويسبب فقدان السمع أو الصمم المُترقي والذي ينتهي بفقد السمع ويلاحظ هذا المرض عند الشباب) ، ومن جهة أخرى فإن الضغط الواقع على غشاء الطبل هو ضغط يقع على سطح واسع بالنسبة لسطح عظم الركابى وهذا الإنتقال يسبب تضاعف الضغط مرات عديدة.

تدخل موجات الصوت إلى قناة مجرى السمع الظاهرومن المعروف أن حساسية الأذن تكون عظمى في التواترات 1000 ـ 3000هرتز والسبب في ذلك هو طول مجرى السمع الظاهر،إذ أنه من المعروف أن الرنين في انبوب مغلق من أحد أطرافه يكون أفضل عندما يكون طول موجة الصوت المار منه يعادل أربعة أضعاف طوله.ومن ثم  ترتطم هذه الامواج الصوتية بغشاء الطبل،فتجعله يهتز،وتحدث ذبذبات تنتقل من غشاء الطبل إلى عظيمات الاذن الوسطى الثلاث،المطرقة والسندان فالركابة،وتهتز الصفيحة القاعدية للركابة داخل النافذة البيضية التي تقع بين الأذن الوسطى والأذن الباطنة محدثة موجات في سائل أنابيب الحلزون.ومن الثابت والمؤكد اليوم أن القسم الفعال من الصوت الذي تدركه الأذن هو الذي يدخل عن طريق السلسلة العظمية إلى النافذة البيضية.

إن الاهتزازات التي تصل إلى غشاء الطبل فإن قسماً منها تصطدم بالغشاء وتنعكس،وقسم منها يمر إلى الاذن الوسطى وعن طريق الهواء يصل النافذة المدورة،وقسم ثالث يدخل الأذن الوسطى ويصل إلى النافذة البيضية عن طريق العظيمات السمعية،وهذا القسم الأخير هو الأكثر أهمية بالنسبة للسمع.

وإن وجود انثقاب في غشاء الطبل يسبب نقصاً في السمع يتناسب حسب مساحة ومكان الانثقاب،وإذا كانت العظيمات السمعية سليمة فإن نقص السمع الناتج عن انثقاب غشاء الطبل يتراوح بين 5 ـ 20 ديسبيل.وإن حالة العظيمات السمعية وحرية حركتها أكثر أهمية للسمع من انثقاب غشاء الطبل.

وهناك وظيفة أخرى للعظيمات السمعية،وهي تضخيم أي تقوية الموجات الصوتية معوضة بذلك الفقدان الجزئي لقوة الصوت الناجم عن مروره في سائل الحلزون إذ أنها تقل تقريباً بمقدار 30 ديسبيل مقارنة بقوتها أثناء المرور في الهواء

والسمع عملية معقدة فكل شىء يتحرك يحدث صوتاً،ويتكون الصوت من اهتزازات لجزيئات الهواء التي تنتقل في موجات،ثم تدخل هذه الموجات الصوتية إلى الاذن،حيث تتحول من حزمة تموجية إلى إشارات عصبية ترسل إلى الجزء المسؤول عن السمع في الدماغ،والذي يقوم بدوره بترجمة هذه الإشارات العصبية إلى مانسمعه من أصوات.

اما بالنسبة للنفير فإن النهاية البلعومية للنفير التي تنفتح على البلعوم الأنفي في الحالة الطبيعية تكون مغلقة ولكن خلال البلع فإنها تنفتح  لكي تسمح لضغط الهواء في الأذن الوسطى أن يساوي ذلك في المحيط الخارجي أي الهواء المحيط ، فإذا تساوى الضغط في الجانبين أدى هذا إلى تمزق غشاء الطبل أو اندفاعه نحو الداخل كما هي الحال عند الغواص عند هبوطه تحت الماء أو يندفع للظاهر كما يشاهد عند ركوب الطائرة .

إن وظيفة نفير أوستاش هو تأمين دخول الهواء إلى الأذن الوسطى ليتحقق وجود ضغط متعادل على وجهي غشاء الطبل.وهذا النفير يكون مغلقاً في حالة الراحة ويفتح أثناء بعض حركات البلع أو عند التثاؤب بفعل العضلتين رافعة وموترة شراع الحنك ومدة الانفتاح قصيرة جداً أقل من عشر الثانية،ويمكن فتح النفير بعدة طرق ومنها إغلاق الأنف وضغط الهواء في البلعوم الأنفي أو مايسمى حركة فالسالفا،ومنها إغلاق منخر ثم ضغط الهواء في المنخر الآخر بواسطة إجاصة مطاطية مع إجراء حركة بلع ومنها أيضاً ادخال قثطار معدني إلى فوهة النفير وضغط الهواء فيه.

إن تشوش السمع ونقصه قد يشاهد أحياناً في حال احتقان وتوذم نفير اوستاش كما في الزكام ففي هذه الحالة فإن الاوكسجين في الأذن الوسطى يمتص من قبل الأوعية الدموية ويسبب ضغط الهواء المحيطي اندفاع غشاء الطبل نحو الداخل .

إن الصوت عبارة عن اهتزازات تنتقل عبر وسط مرن،وهو غالباً الهواء،ولكن الوسط المرن القاسي الصلب ينقل الصوت بسرعة أشدّ،والوسط السائل ينقلها بسرعة أشد وبدقة أعلى،فالصوت ينتقل عبر الهواء من الأذن الخارجية إلى الوسط العظمي (عظيمات السمع) في الأذن الوسطى ثم ينتقل عبر السائل اللمفي إلى الأذن الباطنة ،أي من الهواء إلى الجسم الصلب إلى الوسط السائل..

وإن انتقال الصوت من وسط غازي إلى وسط سائل يضيع قسماً كبيراً من قدرته فعند اصطدام الصوت السائر في الهواء بسطح الماء ينعكس منه أكثر من 99% ولايخترق الماء إلا قسم ضئيل منه،وهذا يبدو واضحاً بعدم سماع السابح ضمن الماء مايجري خارج الماء،بينما هو يسمع أضعف الأصوات ضمن الماء،وكذلك فمن المعروف عند الصيادين أن الأصوات خارج الماء لا تؤدي إلى هرب الأسماك وذلك لعدم اختراقها الماء.

وهذا ما يحدث في الأذن إذ أن انتقال الاهتزازات الصوتية في الهواء ومن ثم إلى اللمف الظاهر واللمف الباطن لتؤثر على النهايات العصبية،إن هذا الانتقال من الوسط الغازي إلى الوسط السائل يسبب ضياعاً كبيراً في قدرة الصوت يقد بأكثر من 99%،وهذا يعادل خسارة قدرها 30 ديسبيل ويكون عمل الأذن الوسطى تعويض القسم الكبير من هذه الخسارة ويتم هذا بآليتين:

1 ـ تأثير الرافعة:وذلك أن قبضة المطرقة أطول من النتوء الطويل للسندان بحوالي1،3مرة،والمطرقة والسندان تشكلان رافعة ذراعها قبضة المطرقة،وهذا التأثير يعطي كسباً قدره 2 ـ 3 ديسبيل.

2 ـ تأثير المساحة:ونعني بها مساحة غشاء الطبل وهو يعادل 90مم مربع والقسم الفعال يعادل 55 مم مربع بينما مساحة النافذة البيضية تبلغ 2،3مم مربع،والاهتزازات الصوتية تنتقل من سطح غشاء الطبل الواسع إلى سطح النافذة البيضية فتزيد قدرتها بنسبة الساحتين أي حوالي 17 مرة وهذا يعطي كسباً قدره حوالي 25 ديسبيبل.

وأما عضلة المطرقة والتي تتعصب من العصب الخامس وهي تنشأ جنينياً من القوس الغلصمي الأول،وعضلة الركابة وتتعصب بالعصب السابع أيضاً ولكنها تنشأ من القوس الغلصمي الثاني وإن عمل العضلتين هو عمل واق حيث أنهما تتقلصان تجاه الأصوات الشديدة وذلك لمنع وصولها إلى الأذن الباطنة وأذيتها ويبلغ مقدار وقايتهما حوالي 10 ديسبيل،أما إذا كان الصوت شديداً وفجائياً فإنه يجتاز الأذن الوسطى قبل أن تتقلص العضلتان.

ثم تنتقل الأمواج الصوتية السمعية إلى قاعدة الركابة والتي تهز اللمف الظاهر فيهتز الغشاء القاعدي ويتم تنبيه بعض الأشعار الخاصة في عضو كورتي والغشاء القاعدي في الحلزون الذي يعتبر من مكونات الأذن الداخلية التي لها دورا هاما في السمع والتوازن .وينقلب هذا الاهتزاز في الخلايا المشعرة من عضو كورتي(حوالي خمسة وعشرون ألف خلية) ويتحول من حركة ميكانيكية إلى تنبيه كهربي كيميائي ينبه العصب السمعي.وإن وجود اللمف الظاهر ضمن جوف عظمي ثابت الحجم يجعل من الضروري لحدوث اهتزاز فيه أن يكون له منفذين وهذين المنفذين هما النافذة البيضية والنافذة المدورة.

ويكون لكل منبه ولكل موجة صوتية ارتكاس معينا على هذه البنيات الحساسة وقد تبين أن المنبهات ذات التواتر العالي تنبه القسم القاعدي من الغشاء أما ذات التوترات المنخفضة فتنبه القسم الذروي ويتم تحويل هذه الموجات الصوتية إلى سيالات عصبية وهذه تتوجه إلى المراكز السمعية في  قشر الدماغ .

وإلى الآن لم يستطع العلماء أن يكتشفوا كيف تستطيع الأذن أن تفرق بين النغم والضجيج،لماذا عندما تشعر ببعض الأصوات تحس أنك في ضيق شديد،وعندما تسمع أصوات أخرى تحس بالارتياح والهدوء؟كيف تستطيع الأذن أن تلتقط مئات الألوف من الاصوات،ولكل صوت نبرة خاصة تسجل في المراكز الدماغية،وكيف تستطيع الأذن من خلال المكالمة الهاتفية أن تتعرف على الشخص ولو كانت مكالمة بعد افتراق عشرات السنين وكيف تتعرف من خلال نبرة الصوت على هذا الشخص؟

ولقد أثبتت الأبحاث أن المنطقة السمعية في الدماغ تتطور وتتكامل وظائفها قبل مثيلتها البصرية،ولهذه الأسباب يتعلم الطفل المعلومات الصوتية في أوائل حياته قبل تعلمه المعلومات البصرية،ويتعلمها ويحفظها أسرع بكثير من تعلمه المعلومات المرئية،فهو مثلاً يفهم الكلام الذي يسمعه ويدركه ويعيه أكثر من فهمه للرسوم والصور والكتابات التي يراها،ويحفظ الأغاني والأناشيد بسرعة ويتمكن من تعلم النطق في وقت مبكر جداً بالنسبة لتعلمه القراءة والكتابة.وكل ذلك لأن مناطق دماغه السمعية أكثر وأ بكر نضوجاً من مناطقه البصرية{لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية}[الحاقة 12].

إن الأصوات كما ذكرنا تصل إلى الأذن الداخلية عن طريق الأذن الخارجية ومن ثم الوسطى وهما مملوءتان بالهواء في الحالة الطبيعية،ولكن يمكن للإنسان أن يسمع بشكل جيد إذا كانتا مليئتان بالسوائل كما هو الحال عند غمر رؤوسنا عند السباحة حيث يمكن من سماع الأصوات جيداً.وهذا ينطبق أيضاً على الجنين الذي يحيط به السائل الأمنيوسي داخل الرحم.

وهناك وسيلة أخرى لوصول الموجات الصوتية إلى الأذن الباطنة ويتم ذلك عن طريق عظام الجمجمة وتسمى هذه الطريقة بالنقل العظمي،وينتقل بهذه الطريقة أيضاً جزء من صوت الإنسان نفسه إلى أذنه الداخلية.

كيفية وصول الصوت إلى مراكز الدماغ السمعية

تتحرك الصفيحة القاعدية للركابة في النافذة البيضية محدثة موجات في سائل الحلزون الذي يضغط على الغشاء القاعدي ويجعله يتحرك،فتنزلق الخلايا الشعرية لعضو كورتي على الغشاء السفلي السقفي المتدلي فوقها،وينتج عن ذلك انثناء الخلايا الشعرية مما يحدث دفعات في ألياف عصب الحلزون الملامس لهذه الخلايا.ويقوم عصب الحلزون بنقل هذه الدفعات إلى الفص الصدغي وهو المركز السمعي في الدماغ،ويقوم الدماغ بترجمة هذه الدفعات إلى أصوات.

تتفاوت أماكن تأثير الأصوات المختلفة على الخلايا الشعرية للغشاء القاعدي،فالأصوات ذات التردد العالي تؤثر على الخلايا الشعرية الموجودة في أسفل الحلزون،وتحرك الأصوات ذات التردد المتوسط الخلايا الشعرية القريبة من وسط الحلزون،في حين أن الاصوات ذات التردد المنخفض تؤثر في الحلزون.إضافة لذلك ترسل الألياف العصبية الموجودة في الغشاء القاعدي دفعات لها تردد الصوت نفسه المولد لهذه الدفعات.

يعتمد ما نسمعه من صوت على شدة الصوت الخارجي وعلى عدد الخلايا الشعرية في الأذن التي تتأثر بالصوت وعلى عدد الدفعات التي يرسلها عصب الحلزون إلى الدماغ،فالأصوات العالية تحرك عدداً كبيراً من الخلايا الشعرية وعليه يرسل عصب الحلزون إشارات كثيرة.

يعتمد تحديد الاتجاه الذي يأتي منه الصوت على السمع بالأذنين معاً،فالصوت الصادر من الجانب الأيمن لشخص يصل إلى الأذن اليمنى قبل اليسرى بجزء من الثانية،ويكون كذلك أقوى بقليل في الأذن اليمنى،ويقوم الدماغ بإدراك هذا الاختلاف اليسيرفي الوقت والقوة،ويتمكن بالتالي من تحديد الاتجاه الذي صدر منه الصوت.

يمكن للأذن البشرية بشكل عام سماع الاصوات بترددات تتراوح بين عشرين هرتز و20 كيلوهيرتز(نطاق الصوت).وتعتبر الاصوات التي تقع خارج هذا النطاق دون الصوتية( دون 20 هرتز) أو الموجات فوق الصوتية أي فوق 20 كيلو هيرتز )،على الرغم من أن السمع يتطلب جزءاً سمعياً سليماً وعاملاً من الجهاز العصبي المركزي بالإضافة إلى أذن عاملة،إلا أن الصمم البشري أي عدم الحساسية تجاه الصوت يحدث بشكل شائع بسبب تشوهات الاذن الداخلية،وليس في الأعصاب أو المسالك في الجهاز السمعي المركزي.

ولقد أثبت العلم أن الإنسان لايستطيع سماع كل شىء حوله بل إن بعض الحيوانات تتفوق عليه في ذلك فالكلاب مثلاً تتنبأ بحدوث الزلازل قبل وقوعها،والخفافيش تستطيع سماع الموجات فوق الصوتية.حيث أن الخفافيش وهي حيوانات ليلية وتعيش في الظلام وبالتالي فإن الرؤية عندها شبه معدومة،وبالتالي تعتمد على حاسة السمع وهي نامية عندها جداً،وهي تستطيع أن تسمع الأصوات وحتى ذبذبات تقدر بحوالي 120000هيرتز،ويعتمد الخفاش على السمع في حركته وذلك من خلال الاستعانة ببروز يسمى محدد موقع الصدى،إذ يُطلق نبضات فوق صوتية تنعكس من أي شىء يقع في طريقه أثناء الطيران فيسمعها بأذنيه الكبيرتين،ويقرر بكل دقة بُعد الاشياء والفريسة تماماً،وكذلك يحدد بشكل رائع اتجاهها،وقد قلده البشر وقلده العلماء ودرسوا هذه الظاهرة وكانت هي القاعدة الأساسية ألتي أقاموا عليها فكرة الرادار في اكتشاف الطائرات.

وكان يظن قديماً أن الأذن اليمنى مثل اليسرى من الناحية الوظيفية،ولكن الكثير من الباحثين يقولون الآن أن الأذن اليمنى أكثر تمييزاً للأصوات من اليسرى،وأن اليسرى أكثر تمييزاً للموسيقى.

إن الأذن هي العضو الحسي الذي يمكننا من خلالها السمع،فنحن نتفاهم مع بعضنا عن طريق الكلام،وهذا يعتمد على السمع بشكل رئيسي.ويتعلم الأطفال الكلام عن طريق الاستماع إلى حديث الآخرين وتقليده.وإذا أصيب الطفل بإعاقة في السمع،فهي غالباً تؤدي إلى صعوبة في الكلام والنطق.

ومن فوائد السمع أنه يحذرنا من الأخطار كسماعنا صوت تحذير بوق السيارة أو صفارة القطار.وحتى أثناء النوم تبقى حاسة السمع موجودة ونستمع من خلالها للتحذير من الحريق أو نباح كلب الحراسة..

فحاسة السمع هي الحاسة الوحيدة التي تبقى قيد العمل أثناء النوم،ولهذا فإن ربّ العالمين عندما أراد من أهل الكهف أن ينعزلوا عن الدنيا ولايتأثروا بما حولهم قال عز وجل:{ًفضربنا على آذانهم في الكهفِ سِنينَ عدداً } [الكهف11].

ولقد لوحظ أن هناك قدرة على التمييز بين الأصوات أثناء النوم والتي تقرر ماهي الأصوات التي تستدعي الإستيقاظ،أو عدمه،وهذا عمل موكول بمنظومة اليقظة التي تقع في الفص الجبهي للدماغ،فالأم مثلاً تسمع أصواتاً كثيرة أثناء نومها ولا تستيقظ،ولكنها بمجرد سماع صوت طفلها تقفز من سريرها لتتفقده.

وإن إصابة الإنسان لفقد السمع يجعله يعيش في صعوبات كبيرة مع الجو الذي يحيط به،وحيث يؤدي إلى إصابته بمضاعفات شديدة جسمية وعقلية.وقد يفقد الإنسان حاسة البصر ولكنه يكون من العباقرة والنوابغ مثل أبو العلاء المعري،أو بشار بن برد أو طه حسين أو الشيخ عبد الحميد كشك أو الشيخ ابن باز أو الشيخ القارىء محمد رفعت،ولكن قد يكون من الصعوبة أن تشاهد عباقرة فيمن فقد حاسة السمع في المراحل الأولى من الحياة.

وللأذن وظيفة أخرى وهي حفظ التوازن،فهي تحتوي في الاذن الداخلية على أعضاء خاصة تستجيب لحركات الرأس فتعطي الدماغ معلومات عن أي تغيير في وضع الرأس.فيقوم الدماغ ببعث رسائل إلى مختلف العضلات التي تحفظ الرأس والجسم متوازنين،كما في حال الوقوف،أو الجلوس،أو السير،أو أي حركة أخرى.

تطور السمع عند الوليد والرضيع:

1ـ منذ الولادة وحتى الشهر الثالث من العمر: يظهر الوليد الاندهاش من الأصوات المزعجة والمرتفعة،والتفاعل مع الأصوات المألوفة،وإصدار بعض الأصوات كالهديل.

2ـ من الشهر الثالث وحتى السادس:البحث عن اتجاه الصوت،والتفاعل مع نبرة الصوت بالضحك أو البكاء،ونطق بعض الكلمات البسيطة مثل:با،و”غا” ولاسيما بعد سماع الأصوات المألوفة.

3ـ من الشهر السادس وحتى التاسع:النظر في اتجاه الصوت،والتمتمة بكلمات بسيطة مثل ماما،وفهم الكلمات البسيطة مثل” لا”

4ـ من الشهر التاسع وحتى نهاية السنة الأولى من العمر:الإستجابة للأصوات ذات الدرجات المختلفة،وتقليد أصوات الحيوانات ونغمة الحديث،والتعرف على أسماء الأشياء البسيطة كالحليب والكأس.

5ـ من الشهر الثاني عشر وحتى الثامن عشر:يمكن للطفل الاستجابة لأسمه والكلمات المألوفة،وفي عمر السنة ونصف يمكن للطفل استخدام 20 كلمة،وفهم 50 كلمة.

6ـ من 18 ـ 24 شهر:تكوين عبارات قصيرة من كلمتين،والإستماع للقصص والأغاني البسيطة،والبدء في استخدام ضمائر الملكية مثل لي وأنا.

ـ 2 ـ 3 سنوات:تكوين جمل من كلمتين أو ثلاثة،والإستجابة للتعليمات متعددة الخطوات،وتسمية بعض الأشياء.7

الصمم:

قد يكون فقدان السمع جزئياً أو كلياً،خلقياً أو مكتسباً،وقد تعرف أسبابه وقد تكون مجهولة.

عندما يكون فقدان السمع على مستوى الأذن الظاهرة أو الوسطى فإنه يسمى فقدان السمع التوصيلي أو النقلي،وعندما يكون بسبب آفة في الأذن الداخلية أو على مستوى العصب السمعي أو الدماغ فإنه يسمى فقدان السمع الحسي العصبي أو الإستقبالي.

ومن الطبيعي أن يحدث تراجع في حاسة السمع مع التقدم في العمر،ويقدر أن حوالي ثلث الأفراد الذين تجاوزوا سن الستين يعانون من مشاكل ضعف السمع.وهذا مايسمى بالصمم الشيخي،ويعود السبب غالباً إلى فقدان المستقبلات الحسية في الأذن الداخلية.ويشاهد نقص السمع عند الرجال أكثر من النساء.

ومن أسباب نقص السمع التوصيلي أو النقلي نذكر:

انسداد قناة الأذن الخارجية أي مجرى السمع الظاهر: بالسدادة الصملاخية،أو وذمة التهابية أو جسم أجنبي أو من منشأ خلقي. وهناك حالات تشوهات في صيوان الأذن وهذا يشاهد غالباً في الأمراض الخلقية الوراثية الصبغية.

أو وجود انثقاب في غشاء الطبل،وقد ينجم عن التهاب الأذن الوسطى المزمن أو المتكرر،أو بسبب رضي نتيجة صفعة أو انفجار شديد…. وهناك انثقاب غشاء الطبل لأسباب أخرى،وخاصة ادخال بعض الأشياء في الأذن ومنها أعواد تنظيف الأذن الخارجية،وانثقاب غشاء الطبل عند الغوص أو الطيران أو وقوع انفجارات كبيرة قريبة.

وهناك الأسباب العديدة التي تسبب انسداد نفير أوستاش،والتهاب الأذن الوسطى القيحي الحاد أو المزمن،وهناك مرض تصلب الأذن أو مايسمى الاستحالة الإسفنجية حيث تتثبت قاعدة الركابة.

ومن أسباب نقص السمع العصبي الحسي أو الاستقبالي نذكر:

بعض الأمراض الوراثية الخلقية،وقد تكون بسبب مورثي يعود إلى خلل في المورثات،أو قد يكون تالياً لإصابة الحامل بمرض الحصبة الألمانية أو الأمراض الانتانية الأخرى،وخاصة في الأشهر الأربعة الأولى من الحمل.وقد يكون بسبب تناول بعض الأدوية أثناء الحمل ومنها مركبات الستربتو مايسين أو الكاناميسين أو النيومايسين،أو الكينين أو الساليسلات.ومن الاسباب أيضاً نقص الأوكسجين الشديد لدى الوليد في حالات الولادات المتعسرة والصعبة،أو بسبب انحلال الدم المشاهد بسبب اختلاف الزمر الدموية ،ونذكر أيضاً الإفرنجي الولادي.وكذلك النكاف قد يؤدي إلى فقد السمع في أذن واحدة.

ومن الاسباب أيضاً الترفع الحروري الشديد وخاصة عند الأطفال الصغار بسبب بعض الأمراض الانتانية،إذ أن الترفع الحروري الشديد قد يسبب نقصاً في السمع وقد يصل إلى درجة الصمم،ولذا لابد من خفض الحرارة بالطرق المختلفة.

وهناك الأسباب الرضية ومنها رضوض الجمجمة التي تسبب ارتجاجاً أو كسر في عظم الصخرة.

وهناك نقص السمع لأسباب وعائية ومنها النزوف في الاذن الباطنة.وهناك أيضاً داء منيير،وورم العصب السمعي.وهناك نقص السمع الشيخي وهو ثنائي الجانب مترق بالتدريج يشاهد عند المسنين ويعود إلى تنكس الخلايا المشعرة في عضو كورتي أو في خلايا العصب السمعي.وهناك نقص السمع النفسي،وهو ثنائي الجانب ويظهر بعد حادث معين وغالباً مايشفى بالمعالجة.

وهناك أسباب في المجتمعات الحديثة تسبب تلفاً في الأذن الداخلية وخاصة المستقبلات الحسية فيها وهي:نقص السمع بالرض الصوتي:ويكون نتيجة التعرض لصوت شديد ولمرة واحدة كما في الانفجارات.

أو التعرض لمستويات صوت مرتفعة:كما يشاهد في بعض المهن والصناعات والضوضاء المستمرة..وهذه تسبب تمزق الخلايا الشعرية في الحلزون في الأذن الداخلية.ومن المهن التي يكثر بها نقص السمع العصبي نذكر العاملين بأدوات ذات صوت عالي مثل المنشار الآلي والخرامة الكهربائية أو العاملين بالمطرقة الكهربائية في رصف الشوارع،ولذا يجب أن يحموا آذانهم بما يشبه السماعات لتحجب الاصوات عنهم.

وينبه الأطفال الذين يستعملون السماعات بشكل متواصل وخاصة لأصوات عالية.وهذا يحدث غالباً إذا تعرض الإنسان إلى أصوات شديدة أعلى من 90 ديسبيل ولمدة طويلة.ويبدأ ضعف السمع بعدم سماع الموجات الصوتية بين 40000 و60000 هرتز،بسبب تمزق الخلايا الشعرية في حلزون الاذن الداخلية.

وقد بيّن الله تعالى تأثير وأذية الأصوات الشديدة على الاذن فقال تعالى:{فإذا جاءت الصاخة}[عبس 33]والصاخة هي الصيحة تصمُّ الاذن لشدتها،أي تصيبها بالصمم،ومنه سُميت القيامة الصاخة.

ولايشاهد فقدان السمع بسبب آفة في التلافيف في مراكز السمع في التلفيف الصدغي لأن الاتصالات ثنائية الجانب،ولايتم ذلك إلا بإصابة الفص الصدغي في الجانبين وهذا لايتوافق مع استمرار الحياة.

وهناك موضوع هام جداً :وهو فناء بعض الأقوام كما جاء في القرآن الكريم بسبب الصيحة.

كما حدث لقوم صالح في مدين وقوم ثمود وقوم لوط.والسؤال كيف يمكن للنفس أن تموت وهي في دارها وبدون أن تتأثر المساكن أو ماحولها من خلال الصيحة الشديدة،والذي غالباً مايتم في وقت الصبح.

فقوم شعيب كانوا يسكنون مدين ومساكنهم كانت في الجبال(وهي تقع حالياً إلى الشمال الغربي من السعودية في وادي عفال وتبعد 225كم عن مدينة تبوك غرباً وتبعد عن خليج العقبة حوالي 30 كم شرقا)،فلما كفروا بشعيب حقّ عليهم العذاب وأخذتهم الصيحة.

يقول تعالى:{ولمّا جاءَ أمرُنا نجينا شُعيباً والذين آمنوا معه برحمةٍ منا وأخذتِ الذين ظلموا الصيحةُ فأصبحوا في ديارهم جاثمين}[هود 94].

وفي قوم لوط:{فأخذتهم الصيحة مُشرقين*فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارةً من سجيل}[الحجر 73 ـ 74].

(مُشرقين :عند شروق الشمس).

وفي قوم هود أصحاب الحجر وقوم صالح عليه السلام يقول تعالى:{فأخذتهم الصيحةُ مُصبحين*فما أغنى عنهم ماكانوا يكسبون}[الحجر 83 ـ 84].

إن الصيحة التي ذكرها القرآن الكريم هي الصوت الشديد،ولكن يظن علمياً أنها موجات صوتية غير مسموعة،أي تحت الصوتية،يمكن أن تسبب اهتزازاً ورجفاناً في الجسم مع تمزق الأحشاء الداخلية فيه.وهناك حالياً تستعمل بعض الأسلحة الفتاكة التي تعتمد على الموجات تحت الصوتية والتي يبلغ ترددها 7 هيرتز مع درجة شدة معينة من الديسبيل فإنها تولد ذبذبة مماثلة لدرجة ذبذبة الموجات الصوتية،نتيجة للرنين وتصاب الأعضاء الداخلية بالتمزق.

ويقول تعالى في كتابه العزيز:”{ونُفخَ في الصور فصعِقَ من في السمواتِ ومن في الارض إلا من شاء الله ثم نُفخَ فيه أخرى فإذا هم قيامٌ ينظرون}[الزمر 68]،فماهي حقيقة النفخ في الصور،وما هو تأثير الصوت على الإنسان،وما علاقة الصاعقة بالنفخ في الصور؟

إن الصوت عبارة عن اهتزازات ميكانيكية تنتقل في الهواء على شكل موجات صوتية،وتؤثر في غشاء الطبل في الأذن الوسطى فتجعله يهتز وينقل هذه الذبذبات كما ذكرنا إلى الأذن الداخلية ومن ثم إلى المراكز الدماغية لتحللها وتدركها وتميزها.وإن الصوت له تأثيره على الإنسان بشكل كبير وبخاصة إذا كانت قوة الصوت عالية ويؤدي إلى اضطرابات فيزلوجية ونفسية عديدة حسب شدة الصوت وحسب المدة التي يتعرض بها الإنسان إلى هذه الشدة.

إن المجال الصوتي الذي يسمعه الإنسان يتراوح مابين 20 وألفين هيرتز.والترددات الصوتية التي تقل عن 20 تسمى الموجات تحت الصوتية أو السمعية،والترددات التي تزيد عن الألفين تسمى الترددات فوق الصوتية أو فوق السمعية.

يقول الدكتور محمد راتب النابلسي حفظه الله:

“ولو أن عتبة السمع ارتفع مستواها قليلاً لما أمكنك أن تنام الليل،لأن الأصوات كلّها تتلقفها،بل إن أصوات جهاز الهضم وحده تكاد كالمعمل الكبير،لذلك جعل الله لك عتبة خاصة في السمع لاتزيد على حدّها،وصدق الله تعالى:{إنّا كل شىءٍ خلقناهُ بقدرٍ}[القمر 49].

تقاس قوة الصوت بوحدة الدسبيل،فعندما تصل قوة الصوت إلى 120 ديسبيل تتعرض الاذن لآلام شديدة،وعند درجة 140 يحدث تمزق وانفجار غشاء الطبل،وعند 150 ديسبيل يبدأ القفص الصدري بالاهتزاز ويتعرض الإنسان للغثيان والسعال الحاد وضيق التنفس الشديد.وعند درجة 200 ديسبيل تنفجر الرئتان،ويتأذى كل الجسم وخاصة القلب والدماغ وتحدث الوفاة.

وعندما يتعرض الإنسان لترددات صوتية عالية فوق السمعية فإن درجة حرارة الجسم ترتفع ويبدأ بالاحتراق،بسبب موجات الضغط العالية التي تسخن الهواء من حوله،وعندما تكون الترددات عالية والصوت شديداً فإن هذا الصوت سيولد فقاعات في الجسم وجروح دقيقة ويبدأ النسيج العضلي بالتمزق .

وإن سرعة الصوت عند مستوى سطح البحر هي 1223كم في الساعة،فإذا ماتجاوزت الطائرة هذه السرعة فإنها تخترق ما يسمى حجاز الصوت وتشكل خلفها موجات اهتزازية عنيفة تسبب تكاثف جزيئات البخار وتشكيل غيمة مؤقتة.

الصوت والصاعقة:

إن الترددات الصوتية العالية تسبب انضغاطاً عنيفاً للهواء في مناطق محددة وتمدداً مفاجئاً في مناطق أخرى،وإذا كانت هذه الترددات عالية جداً سببت موجات ضغط متقاربة تجعل جزيئات الهواء تحتك ببعضها بعنف مما يولد كمية كبيرة من الحرارة.

ولذلك فإن مايحدث أثناء صاعقة البرق هو العكس،حيث يتمدد الهواء فجأة بسبب الارتفاع الكبير في درجة حرارة شعاع البرق(30 ألف درجة مئوية وهذه الدرجة تساوي خمسة أضعاف حرارة سطح الشمس)وهذا يسبب موجات ضغط تصلنا على شكل صوت للرعد.

ولذلك هناك علاقة عكسية بين الصوت والصعق أو الحرارة الزائدة المفاجئة.

والله تعالى يقول:{وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين}[هود 67]،ويقول تعالى:{وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون}[فصلت 17].ونلاحظ هنا أن الله تعالى ذكر الصيحة مرة،والصاعقة مرة أخرى،لأن الترددات الصوتية إذا كانت قوية بما فيه الكفاية تسبب الصاعقة التي تحرق أي شىء تصادفه.

القوة التدميرية للصوت:

كذلك تحدث القرآن عن القوة التدميرية للصوت،وذلك في عذاب قبيلة ثمود قال تعالى:{فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنّا دمرناهم وقومَهم أجمعين*فتلكَ بيوتهم خاويةٌ بما ظلموا إنَّ في ذلك لآيةً لقومٍ يعلمون}[النمل 51 ـ 52].

إذن الصوت كان سبباً في تدمير هؤلاء الطغاة،وهذا مايقوله العلم اليوم،حيث يؤكد الباحثن في هذا المجال أن الترددات الصوتية عند قوة معينة تكون مدمرة وتفتت أي شىء تصادفه حتى الصخور.ولذلك قال تعالى عن عذاب ثمود:{إنّا أرسلنا عليهم صيحةً فكانوا كهشيم المُحتظِر}[القمر 31].وهشيم المحتظر هو المرعى اليابس والمحترق والشوك،كما في تفسير ابن كثير.وقال تعالى أيضاً:{فأخذتهم الصيحةُ بالحقِّ فجعلناهم غُثاءً فَبُعداً للقومِ الظالمين}[المؤمنون 41].والغثاء كما في القاموس المحيط:هو البالي من ورق الشجر المخالط زبد السيل.

تسلسل تاثير الصوت:

ومن الاشياء الرائعة في هذه المعجزة أنها تصف لنا بدقة مذهلة مايراه هؤلاء الكفار أثناء تعذيبهم،فالأذن هي العضو الأكثر تأثراً بالترددات الصوتية القوية،ثم تتأثر الرئتان والقلب والدماغ وأخيراً تتأثر العين،ولذلك فإن المُعذّب بالصوت يرى نفسه وهو ينهار شيئاً فشيئاً،وهذا ما حدث مع قبيلة ثمود،حيث أصابتهم الصاعقة وهم ينظرون،قال تعالى:{وفي ثمودَ إذ قيلَ لهم تمتّعوا حتى حين*فعتوا عن أمرِ ربِّهم فأخذتهم الصاعقةُ وهم ينظرون*فما استطاعوا من قيامٍ وما كانوا منتصرين}[الذاريات 43 ـ 45]

إن هذه الصاعقة ماهي إلا ترددات صوتية اهتزازية شديدة،ويقول العلماء إن الإنسان إذا تعرض لترددات صوتية عنيفة فإن جسده يبدأ بالاهتزاز والرجفان،ولذا فقد حدثنا القرآن عن”الرجفة” التي أصابت هؤلاء القوم،قال تعالى:{فأخذتهم الرّجفةُ فأصبحوا في دارهم جاثمين}[الأعراف 78].

وقد يقول قائل إن القرآن وصف عذاب قبيلة ثمود مرة بالصيحة ومرة بالرجفة ومرة بالصاعقة ومرة بالهشيم،فأين التوافق في هذه الكلمات مع أنها مختلفة من حيث المعنى؟

ونقول نعم إن الله تعالى وصف عذاب قبيلة ثمود بأوصاف مختلفة ولكن العلم الحديث كشف عن الآثار التدميرية للصوت القوي،ورتب لنا النتائج والآثار بترتيب يتناسب مع الحدث كما يلي:

1 ـ الصوت أي الصيحة يسبب الاهتزاز والرجفان وهذا ماعبر عنه القرآن بقوله تعالى:{فأخذتهم الرجفة}،وذلك لأن الصوت هو عبارة عن أمواج اهتزازية،وعندما يتعرض الإنسان لصوت قوي جداً بشدة أكثر من 200 ديسيل يبدأ الجسم بالاهتزاز والرجفان بسبب الأمواج الاهتزازية العنيفة.

2 ـ الصوت القوي يسبب الصعق والحرائق وهذا ما عبر عنه القرآن بكلمة”الصاعقة” يقول تعالى:{فأخذتهم الصاعقة}،لأن الترددات العالية والشديدة تجعل الهواء يتمدد بشكل مفاجىء وينضغط بشدة،وهذا يؤدي إلى رفع درجة حرارة الهواء إلى آلاف الدرجات المئوية،فيكون الصوت مترافقاً بالحرارة العالية وهذه هي الصاعقة.

3 ـ إن الأصوات القوية أكثر من 200 ديسبيل تؤدي إلى تمزق الجلد وانفجار الأذن والرئتين،ثم إذا زادت شدة الصوت فإنه يمزق أنسجة الجسم ويفتتها إلى قطع صغيرة محروقة تشبه الهشيم الذي تخلفه حرائق الغابات،وهذا ما وصفه الله تعالى بقوله:{فكانوا كهشيمِ المُحتظر}.وكذلك فإن الصوت القوي جداً يحول الاشياء إلى مايشبه الغثاء وهو بقايا السيل،وهذا ما وصفه القرآن بعبارة:{فجعلناهم غثاءً}.

النفخة الأولى:

هذا في الدنيا فماذا عن الآخرة؟

إن النفخة الأولى هي النفخة التي تنتهي بها الحياة ويمكن أن نسميها نفخة الموت،إذ أن الله تعالى يأمر إسرافيل فينفخ في الصور نفخة قوية تكون سبباً في هلاك جميع المخلوقات بما فيها الكائنات التي تعيش على كواكب أخرى خارج الأرض،لان الله تعالى يقول:{ونُفخ في الصورفصُعِقَ من في السّمواتِ ومن في الأرض}[الزمر68]أي أن هناك مخلوقات أخرى تنتشر في الفضاء الخارجي سوف تتأثر بهذا الصوت والصعق.

وكما ذكرنا هناك علاقة بين الصوت والصعق،لأن الصوت المرتفع جداً يملك قوة تدميرية ويمكن أن يحرق أكثر من النار نفسها!

النفخة الثانية:

وهي نفخة الحياة،حيث يأمر الله إسرافيل عليه السلام فينفخ في الصور فتكون هذه النفخة سبباً في إحياء جميع الخلائق،وقيامهم من تحت الارض،يقول تعالى:{ثمَّ نُفخَ فيه أخرى فإذا هم قيامٌ ينظرون}[الزمر 68].

(نقلاً عن موقع مكافحة الإلحاد)

فسيولوجيا التوازن:

لايدرك معظم الناس خاصية التوازن بنفس درجة إدراكهم للسمع والبصر وبقية الحواس،إذ لا يمكننا بغياب خاصية التوازن أن نحفظ أجسامنا قائمة،بل قد نترنح ونقع إن حاولنا التحرك.

وظيفة الدهليز في الأذن الباطنة في حفظ التوازن.والتوازن يتم بمنعكسات تجعل البدن في وضعية تحميه من السقوط فإذا مال الرأس إلى إحدى الجهتين أخذت الأطراف والجذع وضعية مناسبة بحيث لايسقط الشخص.وترد المعلومات عن وضعية أجزاء الجسم إلى الجملة العصبية المركزية بثلاثة طرق :العين والاذن والحس العميق.

فالعين تعطي معلومات بالرؤية المباشرة،والحس العميق يعطي معلومات بما يطرأ من شدّ على الأوتار والمفاصل عند أخذ الجسم وضعية معينة،والأذن تعطي معلومات عن وضعية الرأس في الحركة والسكون بما فيها من أقنية نصف دائرية وقريبة.أما الكؤيس فمختلف في أمر وظيفته بعد.

لكل قناة نصف دائرية نهاية متسعة تسمى المجل،وفي المجل يقع الجزء الحساس من القناة ويتألف تشريحياً مما يسمى القنزعة المجلية وهي تألف من طبقة من الخلايا المشعرة والاستنادية فوقها مخروط هلامي خفيف معلق يسمى القبعة،وتسبح القنزعة في سائل اللمف الباطن.وإن أي تحاك بين القبعة وبين أشعار الخلايا المشعرة يحدث تنبيهاً في القناة وهذا التحاك يحدث إذا ما تحرك اللمف الباطن حيث أن القبعة خفيفة جداً ومعلقة تعليقاً تتحرك لأقل حركة في اللمف الباطن.

يتحرك اللمف الباطن عندما يدور الشخص إذ أن للمف الباطن عطالة،ففي بدء الدوران يتأخر اللمف الباطن في دورانه قليلاً وكذلك يتأخر في وقوفه قليلاً في نهاية الدوران،ولذا فإن القناة نصف الدائرية تتنبه في بداية الدوران وفي نهايته أي عند وجود تسارع زاوي إيجابي أو سلبي،فالأقنية نصف الدائرية تقع في مستويات متعامدة على بعضها بحيث تكون إحداها متنبهة تنبهاً أعظمياً مهما كان مستوى الدوران الذي يدوره الجسم.والقناة نصف الدائرية الأفقية ليست في وضع أفقي تماماً إذا كان الرأس منصباً،وإنما ترتفع نهايتها الأمامية بمقدار 30 درجة عند نهايتها الخلفية.

يقوم الدماغ بحفظ التوازن عن طريق الإستجابة للمعلومات التي تصله من مختلف الأعضاء الحسية،فتصله المعلومات عن التغيرات في وضع الرأس عن طريق أعضاء الدهليز في الأذن،وهي القنوات شبه الدائرية والقريبة والكؤيس.أما في حالة تغير وضع الجسم،فإن المعلومات تصل إليه عن طريق العينين وعن طريق الأطراف.والأجزاء الأخرى من الجسم التي تمتلك خلايا خاصة حساسة للضغط،فيقوم الدماغ بتنسيق حركات مختلف العضلات التي تحفظ الرأس والجسم في حالة توازن.وتحدث هذه الحركات العضلية تلقائياً وتسمى الفعل المنعكس.

تساعد القنوات شبه الدائرية المليئة بالسائل على حفظ التوازن،ويتدفق السائل في اتجاه معين عند تحريك الرأس،وتؤثر مختلف أنواع الحركات في جميع القنوات،ويؤثر التفات الرأس على القناة الجانبية في كل أذن.

تستجيب القنوات شبه الدائرية للتغيرات في زاوية الرأس كالالتفات والميل والتثني،ويتدفق سائل أنابيب القنوات في اتجاه معين نتيجة لهذه الحركات،فإذا التفت الرأس تتأثر القناة الجانبية أو الأفقية في كل أذن،فيتحرك السائل في اتجاهات معاكسة ضمن أنابيب القناتين،وهذه الحركة تنبه الخلايا الشعرية لجراب إحدى الأذنين فترسل عدداً كبيراً من الدفعات إلى الدماغ عبر ألياف العصب الدهليزي الملامسة لهذه الخلايا.أما في الأذن الأخرى فإن لحركة السائل تأثيراً عكسياً وترسل دفعات أقل عدداً إلى الدماغ.وإذا أدرت رأسك جهة اليسار مثلاً فإن الدفعات المرسلة من الأذن اليسرى إلى الدماغ تزداد،وتقل تلك المرسلة من الأذن اليمنى،ويمكن للدماغ أن يحدد الاتجاه الذي استدار إليه الرأس تبعاً لاختلاف عدد الدفعات القادمة إليه من كل أذن.وعندما يكون الرأس ثابتاً ترسل الأذنان عدداً متساوياً من الدفعات إلى الدماغ الذي يدرك بدوره أن الرأس ثابت.

وعند حدوث اضطراب في أعضاء التوازن فإنه يصعب على الإنسان أن يحفظ رأسه وجسمه معتدلين،إذ ترسل أعضاء الدهليز دفعات زائدة أو ناقصة عن الحد الطبيعي إلى الدماغ،ويقوم الدماغ بتفسير هذه الرسالة المشوهة على شكل فقدان لتوازن الجسم.ويشعر الإنسان حينها بعدم الاتزان وحدوث الدوار،ويبدأ الإنسان يعتمد في هذه الحالة على بصره وحواسه الأخرى للحفاظ على توازنه.

يعاني بعض الأشخاص من دوار الحركة لدى سفرهم بالسفينة أو السيارة أو القطار أو عند دورانهم حول أنفسهم بشكل سريع،ويحدث لديهم الدوار والغثيان والإقياء،وتنجم هذه الحالة عن التنبيه  الشديد لأعضاء الدهليز،ولازال العلماء يجهلون حدوث هذا لدى بعض الأشخاص دون آخرين.

تعصيب الأذن الباطنة وجهاز التوازن:

يتعصب دهليز الأذن الباطنة بالفرع الدهليزي من العصب الثامن.وتتوضع خلايا هذا الفرع في عقدة”سكاربا” والموجودة في القسم الوحشي من مجرى السمع الباطن.

وللعصب الدهليزي ثلاثة فروع:العلوي وهو يعصب القناتين الهلاليتين العلوية والوحشية والقريبة.والفرع السفلي وهو يعصب الكُييس.والفرع الخلفي وهو يعصب القناة الهلالية الخلفية.

أما الاستطالات المركزية لخلايا عقدة سكاربا فتدخل البصلة السيسائية وتنتهي في أربع نويات دهليزية ومجموعات خلوية أخرى صغيرة.تتصل النويات الدهليزية بالمخيخ والنخاع الشوكي،وبنويات الأعصاب المحركة لعضلات العينين.

فاتصالاتها مع المخيخ تنشأ من النويتين السقلية والأنسية وربما أيضاً من الوحشية وتنتهي في القسم الأمامي من الدودة المخيخية.

واتصالتها مع نويات الأعصاب المحركة للعينين تتم عن طريق الشريط الطولاني الأنسي حيث تصل إلى نويات الأعصاب الثالث والرابع والسادس.

وهناك نظام خاص للطريقة التي تتصل بها النويات الدهليزية بعضلات العينين،فالألياف الناشئة من النويات الدهليزية في إحدى الجهتين تتصل مع المناطق النووية التي تعصب العضلات المستقيمة الأنسية والعلوية والمنحرفة العلوية في الجهة الموافقة،وفي المناطق النووية التي تعصب العضلات المستقيمة السفلية والوحشية والمنحرفة السفلية في الجهة المعاكسة.

أما اتصالات النويات الدهليزية مع النخاع الشوكي فتتم عن طريق الشريط الطولاني الانسي الذي يؤمن الاتصال بعضلات العنق أو عن طريق الحزمة الدهليزية الشوكية التي تؤمن الاتصال مع عضلات الأطراف.وإن هذه الاتصالات تؤمن جعل الرأس والأطراف في وضع يحفظ التوازن.ولقد اكتشفت حديثاً ألياف واردة من القشرة الدماغية إلى النويات الدهليزية يعتقدى أنها ذات عمل يخفف من تنبه النويات.

إن القسم الوحيد من الدماغ الضروري لحدوث الرأراة هو القسم الواقع بين النويات الدهليزية في الاسفل ونويات الأعصاب المحركة للعينين في الأعلى.

إن وظيفة دهليز الأذن الباطنة هي المساهمة في حفظ التوازن.وهو يؤمن ذلك باتصالاته مع عضلات العنق والاطراف،وعضلات العينين.وإن أية آفة في دهليز الأذن الباطنة أو في اتصالاته المركزية يمكن أن يسبب اضطراباً في توازن عضلات العينين ومن ثم حدوث الرأرة.كما أن بعض آفات الجهاز البصري يمكن أن تسبب حركات غير طبيعية في العينين ،وبالتالي فإن وجود الرأرة العينية دليل على وجود اضطرابات في الجهاز البصري أو في دهليز الأذن الباطنة.

يقول الدكتور خالص جلبي(الطب في محراب الإيمان ج1):

“جهاز التوازن في الأذن الباطنة مكوّن من أقنية ثلاثة،وزقين يشبهان في شكليهما القربة والكيس ولذا سُميا بالقُريبة والكُييس،أما الأقنية الثلاثة فهي تمثل أبعاد الفراغ الثلاثة،أي من الأمام إلى الخلف،ومن اليمين إلى الشمال،ومن الأعلى إلى الأسفل،وبهذه الكيفية يتوازن الرأس والاعضاء في الفراغ،ويبدو أن القريبة والكييس لهما اختصاص في توازن بقية الأعضاء…ولقد وجد أن تخريب إحدى الأقنية يحدث رأرأة في العين على مستوى القناة المخربة،فإذا خربت القناة الأفقية حدثت رأرأرة أفقية في العين،وهكذا تتصل بهذه الأعضاء ألياف العصب الدهليزي الذي ينقل حس الأوضاع ووضعية الرأس إلى المخيخ حيث يتم التوازن بالاشتراك مابين الدهليز والمخيخ والحبال الخلفية من النخاع الشوكي التي تنقل الحس العميق،بالإضافة إلى البصر الذي يقدر الوضع والمسافات والعظام والمفاصل والعضلات التي تتلقى الأوامر اللازمة حتى تحدث الشد المناسب،وهكذا يتوازن الإنسان،ولذلك لاعجب إذا قلنا أن أبسط العمليات الجسمية مثل الوقوف أو المشي أو الجلوس أو الركض أو التسلق أو الكتابة أو القيادة أو الأعمال المعقدة تعتبر حركات بهلوانية من أعلى المستويات”.

الإعجاز الطبي في آيات السمع:

مقدمة:

ليست أهمية السمع في حياة الإنسان كأهمية القلب أو الرئة،أو الدماغ،حيث أن عملها بشكل سليم ومستمر ضروري لبقاء الإنسان على الحياة.