الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

الخمر…أم الخبائث (٣/٦)

دعا بعض الأمراء نصيب بن رباح إلى تناول الخمر،فقال نصيب: أصلح الله الأمير،الشعر مفلفل،واللون مرمد،ولم أقعد إليك بكرم عنصر،ولا بحسن منظر، وإنما هو عقلي ولساني فإذا رأيت أن لا تفرق بينهما فافعل.

وتجىء السفاهة في الحركات من جهة أن الخمر تعزل العقل إلى جانب وتبقي
النفوس تحت تصرف الخيل فتنبعث إرادتها عن غير تعقل،وتصدر أفعالها في غير
حكمة،والمسكر يحسن القبيح،ويُقبح الحسن .قال أحد الشعراء المبتلين به:

اسقني حتى تراني حسناً عندي القبيح

إن المسكرات تخرج بالإنسان عن الإنسانية إلى حيوانية تصير بها هزأة،أو حيوانية تنفث سمها في غير عدو.

1 ـ الأضرار الاجتماعية:

يقول الدكتور أسعد الحكيم في محاضرة ألقاها في مجمع اللغة العربية بدمشق عام 1930م:

“عرف الإنسان الخمرة بسائق المصادفة وعشقها منذ العصور الأولى وذلك لأنه
كان يأكل الثمار السكرية الطعم ومنها العنب ويتلذذ بحلاوتها.وبما أن هذه
الثمار موقوته لاتدوم ادخرها الإنسان مدفوعاً بعامل اللذة.فكانت تتخمر
فيأكلها متخمرة فيشعر بتأثيرها فيطرب وتستهويه سورتها فيكثر من الأكل منها
إلى أن يسكر.وكان كلما نال منها وطراً يجدّ في وصلها طلباً.وكلما رشف منها
وشلاً تلظى لكأسها ظمأ.وكلما ارتقى في الحضارة باعاً زاد في صناعتها ابداعاً
صنوفاً وأنواعاً.إلى أن اهتدى منها بواسطة الجسم إلى الروح أي من الخمر إلى
الغول فأسلم له روحه وجسده وماله وولده.

هكذا انتقل الإنسان من السكّر إلى السكر،ومن الحقيقة إلى الخيال،ومن اللذة
الحسية،إلى النشوة النفسية،ومن حرية الإرادة،إلى إسار العادة،ومن ماء
الحياة إلى داء الغول.وهكذا عرف الخمرة وعشقها،وهام بها وعبدها،فهي الصحة
وهي المرض،وهي المسرة وهي الألم،وهي السعادة وهي الشقاء،وهي الحياة وهي
الممات.

الأسباب:

منها ماهو حيوي،ومنها ماهو اجتماعي،ومنها ماهو نفساني.

فمن الأسباب الحيوية الوراثة،فقد أثبتت المشاهدات العلمية أن لنسل الغوليين
استعداداً خاصاً لتعاطي المسكرات.ولهذا كان احتياج الغربيين أشدّ إلى شرب
الخمور من احتياج الشرقيين بدافع العامل الوراثي.

ومن الأسباب الاجتماعية:البيئة،فإن الوسط الاجتماعي المؤتلف شرب الخمور أدعى إلى انتشار معاقرتها من الوسط الذي يحرمها قانوناً أو شريعة أو عادة.

ومن الأسباب النفسانية:طلب السعادة،وأي سعادة،السعادة الخيالية.ولما كان تحقيق هذا الميل متعذراً لان التقاليد والعادات والظواهر الاجتماعية والشرائع الدينية تحظر على المرء إتيان ما يخالفها،فلا تبيح للوضيع الطموح أن يكون ملكاً ولا للفقير أن يكون غنياً،لما كان تحقيق هذه الأهواء متعذراً أصبحت السعادة البشرية محدودة جداً.

وإذا استقرأنا العامل الأساسي الذي يقف في وجه هذه الأهواء ويمنعها من الظهور والتحقق فيسبب بهذا المنع تململ النفس وكآبتها،نجد أنه هو العقل.فالعقل هو القوة الوحيدة التي تردع الإنسان عن خرق القوانين والأحكام.

ويتابع الدكتور أسعد الحكيم:”لايجد السكير لذة العيش وهنأته إلا إذا أسلم نفسه إلى كأس للشراب فنقلته من هذا العالم البسيط المحدود،إلى عالم واسع النطاق،شاسع الأطراف،يرى فيه كل ماتشتهي نفسه أن تراه.

فالسكر هو والحالة هذه جنون عارض يتصف بتغير الأفعال النفسية من درجة النشاط إلى التشوش والاختلاط،إلى الفساد والهذيان،إلى الخدر والخبل.

ـ العداوة والبغضاء:

إن تناول الخمر والمسكرات يؤدي إلى وقوع النزاع في الخصام بين السكارى بعضهم مع بعض وبينهم وبين من يعاشرهم ويعاملهم ،تثير ذلك أدنى بادرة فيوغلون فيه حتى يكون عداوة وبغضاء وهذه العلة في التحريم من أكبر العلل في نظر الدين ولذلك ورد النص في سورةالمائدة{إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر}.

يقول الشيخ محمد الخضر الحسين رحمه الله:”والسكران يقول مايثير غضب نديمه أو من يلقاه في طريقه وأنت تعلم ماوراء ثورة الغضب من سوء.

ـ ومنها إفشاء السر:بسبب انظلاق اللسان بما يجب السكوت عنه، وهو ضرر يتولد منه مضرات كثيرة لاسيما إذا كان السر يتعلق بالحكومة،فربما كلمة يقولها سكران تكون سبباً في انكسار جيش وإذلال أمة بأسرها.وإفشاء السر من أقبح الرذائل وأشدها فضيحة للمرء في نفسه وأهله.

يقول الشيخ محمد الخضر الحسين رحمه الله:”ولا يليق أن تتخذ ممن يتعاطون المسكرات أصحاباً أو أعواناً تفضي إليهم بشىء من أسرار عملك ،فإن الأسرار المودعة في النفوس إنما تحرسها العقول وعقول المولعين بالمسكرات تفارقهم في كثير من الأحيان،فلا تلبث تلك الأسرار أن تخرج من أفواههم وهم لايشعرون.

ـ الخمول والخمود:اللذان يعقبان زيادة التنبه التي يعدونها من فائدة الخمرة.حيث ترى مدمن الخمر أو الحشيش ونحوهما كاسف البال ممتقع اللون كئيب الوجه ضيق العطن شرس الأخلاق ،فالشر لا يزايله وإنما يلعب به كما يلعب الصبيان بالكرة يقذفه من جانب الإفراط إلى جانب التفريط ولا خير ولا راحة ولا سعادة إلا في الاعتدال ..

يقول الشيخ محمد الخضر الحسين رحمه الله:”ولا تزال المسكرات تنقص من عقل المولع بها شيئاً فشيئاً ،حتى يقع في خبال،أو مايقرب من الخبال،ومتعاطي المسكرات يكون ضعيف الفكر،خفيف العقل،ولا يصل ولو بعد صحوه إلى مايصل إليه أقرانه الأذكياء من أراء سامية ونتائج صادقة.

قيل لعثمان بن عفان رضي الله عنه:مامنعك أن تشرب الخمر في الجاهلية ولا حرج عليك؟قال: رأيتها تذهب بالعقل جملة،وما رأيت شيئاً يذهب جملة ويعود جملة.

ـ فساد الأخلاق: فإن الأخلاق الفاضلة نتيجة اعتدال القوى النفسية وسلطان هذه القوى العقل وقانونه الشرع. والسكر اعتداء على هذا السلطان وعلى قانونه ونبذ لسلطتهما. السكر يذهب بالعفة والوقار ويجعل الحليم سفيهاً والحكيم جهولاً والحيى وقحاً والنزيه بذيئاً والأمين خؤوناً والشجاع متهوراً أو جباناً.

“إن السكر المزمن يقود حتماً إلى فساد الطباع والغرائز وضعف الفاعلية وفساد
الانفعالية،فيعتري المرء الضجر والملل ويصبح شرس الأخلاق،لا ثبات له على
العمل المنتج،ويفقد الشعور العيالي فلا يهتم بواجباته الزوجية ويهمل مصالح
بنيه،وينحصر همّهىفي الحصول على مايتطلبه من الغول بدافع الاحتياج
الجسمي،وكثيراً ما يقوده هذا الاحتياج إلى بذل ماء وجهه ومعاشرة الأدنياء
والسفهاء،وفقد الغيرة على العرض وارتكاب الجرائم البذيئة الدنيا.

ـ إن جريمة السكر تغري بجميع الجرائم التي تعرض للسكران وتجرىء ولذلك سميت الخمر أم الخبائث فهذه إشارة إلى مضرتها في النفس من حيث الأخلاق والآداب.

2 ـ الأضرار المالية والاقتصادية:

حيث أن الخمر تستهلك المال وتفني الثروة كما قال عنترة:فإذا شربت فإنني مستهلك مالي.والإسراف والتبذير كم أفقر غنياً وخرب بيتاً .

وتبين الدراسات أن خسائر الصناعة الأمريكية من جراء الإدمان تقدر بعدة بلايين من الدولار سنوياً،نتيجة لعوامل الغياب،وانخفاض الكفاءة في العمل،وحوادث العمل.

ولعل أهم أخطار الخمور هي حوادث السيارات التي تقضي على الآلاف من الضحايا الأبرياء .

3 ـ الأضرار الدينية:

ومن مضرات الخمر في الدين من حيث روحه ووجهة العبد إلى الله تعالى أن السكران لا تتأتى منه عبادة من العبادات لاسيما الصلاة التي هي عماد الدين ولذلك قال تعالى في آية المائدة{ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة}.

4 ـ الأضرار الصحية:

يقال بوجود الإدمان الغولي المزمن إذا تجاوز الوارد اليومي من الغول20 غرام لدى النساء و60 غرام لدى الذكور.

إن إدمان الغول يسوق إلى مجموعة عديدة من الاضطرابات في مختلف أجهزة الجسم:كالجملة العصبية المركزية،والجملة العصبية المحيطية،والكبد، والبنكرياس، والغدد الصماوية، والدم،والجهاز الحركي،والعضلات والجلد،ونقي العظم،والجهاز المناعي…ونسبة الوفيات عند مدمني الغول هي أعلى بحوالي خمسة أضعاف بالمقارنة مع الذين لا يتعاطونه.

كذلك فإن الغول يؤدي إلى سوء التغذية وذلك بسبب حدوث نقص الامتصاص المعوي ويسبب عوزاً في بعض الفيتامينات والمعادن وبشكل خاص الفيتامين ب6 وحمض الورق والفيتامينات ب1 ،ب2،ونقص المعادن وخاصة الكلسيوم والمغنزيوم والزنك والفسفور.

ولابد من التفريق مابين عاملين رئيسيين عند تناول الغول:

ـ تعاطي الغول:والذي يعني تناول الغول الذي يسبب أذيات حشوية ونفسية وعصبية وإلى حدوث مشاكل إجتماعية،وهذا يحدث إذا كان تناول الغول أكثر من 60غراماً عند الذكور وأكثر من 20 غراماً عند الإناث.

ـ الإدمان الغولي:وهذا تحدث فيه أعراض متلازمة الحرمان عند الانقطاع عن الغول،والذي يترافق مع زيادة في كمية الغول التي يتناولها المدمن بسبب ازدياد تحمل الجسم إلى كميات زائدة من الغول بسبب زيادة الاعتياد .ويقدر أن حوالي 3 ـ 5% من سكان ألمانيا لديهم ادمان غولي أي أكثر من 2 مليون نسمة.

لقد كانت المشروبات الغولية معروفة منذ آلاف السنين لدى غالبية الأمم القديمة مثل السومريين والفراعنة واليونان والرومان.

ويأتي الغول في وقتنا الحالي في مقدمة المواد المسببة للإدمان،ومنذ بداية عام 1971م يتأرجح استهلاك كل فرد في ألمانيا الاتحادية من الغول الصافي بحدود 12 لتر سنوياً،وهذا المعدل يعني أن ألمانيا تأتي في المرتبة الخامسة من بين الدول الأكثر استهلاكاً للخمور في أوربا.

جاء في مجموعة السفير الإسلامية المجلد 11 ـ 12 تحت عنوان الإدمان:

“الإدمان في اللغة:ملازمة الشىء ومداومة فعله،وعدم الإقلاع عنه،هو مصدر للفعل”أدمن” ،يقال: أدمن الشراب وغيره،أدامه ولم يقلع عنه.

وقوله صلى الله عليه وسلم:”ثلاثة لايدخلون الجنة:العاقّ لوالديه،والمدمن على
الخمر،والمنّان بما أعطى”(صحيح النسائي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما
وقال الالباني: حسن صحيح).

وأما المعنى العلمي للإدمان فهو حالة نفسية،وأحياناً جسمية،تنتج عن التفاعل بين الكائن الحي وأحد العقاقير،وتتسم هذه الحالة باستجابات سلوكية،واستجابات أخرى،غالباً ماتكون فسيولوجية.

وتتضمن هذه الحالة دائماً نوعاً من القهر لتناول العقار باستمرار،أو على فترات من أجل الشعور بآثاره النفسية،أو من أجل تجنب المتاعب النفسية والجسمية لغيابه.

ومن أهم علامات الإدمان،أو الاعتماد على المواد المؤثرة في الأعصاب ما يأتي:

ـ شعور الشخص بحاجة ملحة،أو قهر لتناول مادة معينة(مسكرة،أو مخدرة،أو منشطة،أو مهدئة)،للحصول على آثارها النفسية،أو الجسمية،أو كليهما معاً.

ـ تجنب الشعور بنوع من الضيق،أو الألم النفسي،أو الجسمي في حالة عدم تعاطى الشخص لهذه المادة،أو الشعور بنوع من الراحة،أو التخفيف من أعراض الألم والضيق عند تناولها.

ـ يصحب الاعتماد على معظم المواد المؤثرة في الأعصاب نوع من التحمل،عندما يقل التأثير الذي تحدثه نفس الكمية من المادة بعد تكرار تعاطيها،مما يضطر الشخص إلى تعاطي جرعة أكبر.

ويكفي أن نعلم من أضرار الخمر أنها:

ـ تؤدي إلى الاعتماد عليها مع تحمل أي تزايد للجرعات،للحصول على نفس الأثر النفسي والجسمي.

ـ تؤدي كل جرعة ـ من الناحية الجسمية ـ إلى تليف بعض خلايا الكبد،وتتبلد الأعضاء المحيطة،والموجودة بأنحاء الجسم مع تكرار التعاطي،وتصاب أجزاء المخ في النهاية بإصابات بالغة.

ـ يؤدي إدمان الكحول ـ من الناحية النفسية ـ إلى كفّ عمل المراكز العليا
للمخ،أو منعها،مما يجعل الشخص يشعر بثقة لا يبررها الواقع،ويقوم بأعمال
يخجل منها عندما يفيق.

يقول الدكتور محمود ناظم نسيمي في مقال له بعنوان:آثار الإدمان على نفسية الإنسان وسلامة نسله في مجلة حضارة الإسلام:

“لاشك أن تناول المسكرات أو المخدرات ضار بالصحة،جارح لعدالة فاعله،موجب للتوبة والرجوع إلى الله تعالى،وحري بمن يصر على أحدهما أن يدعى فاسقاً وأن يؤخذ ذلك بعين الاعتبار في مناسبات الخطبة.فقد يؤدي الاعتياد إلى الإدمان،ويؤدي الإدمان إلى اضطراب في نفسية المدمن يتظاهر باضطراب في سلوكه ومعاشرته.

الإدمان على المسكرات:

1 ـ تعريفه:

يعرف المدمن على الغول أنه الشخص الذي لا يمكنه الاستغناء عن تناوله والذي يستحيل عليه أن يقوم بعمل الغد دون أن يشرب.أما الشارب المعتدل فهو الشخص الذي يمكنه أن يحدد مقدار ما يستهلكه من الشراب،والذي لا يشرب بصورة مستمرة ومنتظمة.

2 ـ شخصية المدمن على المسكرات:

إن المدمن على المسكرات مريض فهو يشرب ليهرب من المتعب والقلق النفسي أو ليهرب من تضارب في شخصيته مجهول لديه.

ولم يمكن وضع نمط خاص لشخصية مدمن الخمر على الرغم من المحاولات الكثيرة،ولكن بصورة عامة يكون المدمن غير مطمئن منضوياً على نفسه غير ناضج عقلياً،وهو سريع الإثارة ضعيف المعنويات لا يمكنه هذا الضعف من القيام بعمله.

3 ـ أثره السيء في الذرية:

يعد الانسمام الغولي من أكثر التسممات انتشاراً وذيوعاً وأشدها فتكاً ,ابعدها أثراً لا في الشخص نفسه فحسب بل في ذريته أيضاً إذ يؤثر الغول في ثمرة الحمل إما من أثره في الأمشاج في الأنثى وإما في أثناء الحمل عندما تكون الحامل من المعتادات على المسكرات.

وأثر الانسمام الغولي في الأب أكثر شراً من أثره في الأم فكأن الغول يصطفي الخصية والخلايا المنوية منها خاصة حيث يفضي أخيراً إلى تنكس الخصية الدهني وضمورها.

تقدر نسبة استهلاك الغول السنوي لكل شخص في ألمانيا (الغول النقي)حوالي 13 لتراً عام 1991م وهذا يعني أن كل ألماني بما فيهم الرضع والمسنين يشرب يومياً 33 غرام غول ،وتقدر نسبة المصروفات الصحية لمعالجة الغول ومشاكله الصحية بعدة مليارات سنوياً.

يقول الدكتور أحمد ذكي في مقالة له في مجلة الرسالة العدد الثاني:

“يشرب المرء الخمر كائنة ما كانت فتمتص المعدة فالأمعاء الكحول امتصاصاً سريعاً فيذهب إلى الدم ثم إلى كل غشاء من أغشية الجسم فيحترق فيها إلى غاز الكربون والماء احتراقاً سريعاً كذلك،ولا تبقى منه بالجسم بقية،فهو ليس بطعام بالمعنى المعروف ويخرج مقدار من الكحول قد يعلو إلى 8% في البول ومن الرئة في التنفس،لذلك تشم رائحته في الفم.

1 ـ الأضرار النفسية والعصبية:

يقول الدكتور أسعد الحكيم في محاضرة له في مجمع اللغة العربية بدمشق عام 1930م:

“إن الإنسان الذي يتعاطى شرب الغول يمر بعدة أدوار حادة ،تقسم إلى خمسة أدوار:دور النشوة،ودور الثمل، ودور السكر، ودور السبات، ودور الفالج.

فالنشوة:هي الحالة النفسية التي يشعر بها الإنسان عندما يتجرع القليل من
الغول.أو هي الدرجة الأولى من السكر.وهي تشبه بأعراضها النوع الجنوني
المعروف باسم”المانيا” أو الجنون السبعي,وتتصف بنشاط الجسم وانطلاق
الأفكار, فيتورد الوجه وتضىء العينان.ويزداد عدد الضربات القلبية.
ويشعر المرء بحرارة لطيفة في جميع أعضائه،وخفة في جسمه،ويخيّل إليه أن قواه
قد زادت،وأنه أقدر على العمل من ذي قبل،وينطلق لسانه ويكثر كلامه.

الدور الثاني:الثمل:

يتصف هذا الدور بخمود النشاط الفكري السابق وانطلاق الانفعالية والحواس والمشاعر،وخدر الحس والشعور الأخلاقي.فالنشوان شارد الفكر والعواطف أما الثمل فهو طائش الشهوات والغرائز،لا سيما الحس التناسلي،فإن هذه الشهوات تستولي على أنانيته وتدفعه إلى إظهارها،هازئة بالتقاليد والآداب العامة،فيهبط من المعنويات إلى الحسيات.

وتزداد هذه الأعراض بازدياد تجرع الغول فتظهر في نهاية هذا الدور أعراض تأثير السم في أعصاب الحركة.فيختل نظام الحركات العضلية وتفقد دقتها،وتعتري السكير الرعشة والاضطراب فلا يتماسك في المشي،وتختل موازنته،ويسترخي كلامه،ويتداعى إلى الجمود والخمود الفكري والحسي إلى أن يدخل الدور الرابع دور السبات.

الدور الثالث: السبات:

وهو دور النوم والخدر الدال دلالة واضحة على أن المسكرات الغولية مخدرة وليست منبهة،كما كان يظن،وإنها من فصيلة الأفيون والحشيش، فيفقد السكير ثمة قواه المحركة ويصبح عاجزاً عن المشي فيقع حيثما يهوي به السكر،خائر القوى محني الرأس والظهر،ساقط الأجفان غامض الحس والشعور والإدراك،غارقاً في بحران مظلم من الحياة الذاتية المبهمة.

الدور الرابع: دور الفالج:

هنا يتراءى لنا ذلك البشر السوي الذي كان بهجة النظر قبيل ساعات قليلة جثة
هامدة بلا حراك،ليس فيها ما ينم عن الحياة سوى أنفاس خشنة تتصعّد،ونبضات قلب
خائر تتابع،تنتشر منها روائح كريهة لفلج مصرتي البول والغائط مما تقذى
لمنظره الأعين،وتمج وصفه الآذان.

2 ـ داء السكر المزمن أو الغولية:

يبدأ داء السكر المزمن أو الغولية عندما يصبح الدماغ عاجزاً عن تحمل فعل الغول.ويتجلى بتغير في طباع المرء وأخلاقه،فترى ذلك الشاب المهذب الذي كان طوال حياته حتى اليوم مثالاً للنشاط والجدَّ وحسن السلوك والمعاشرة،يعاشر من لم يكن يأتلف معهم من الناس،وينقطع عن ارتياد داره في الأوقات المعتادة،وتخشن معاملته ذويه،ويهمل واجبه نحو أسرته،ويكثر تردده على المقاهي والحانات.

أما علائم فساد العلاقات الذاتية فأهمها: عدم احترام الذات وعدم الاكتراث بها وفقد الإباء،والشرف والمروءة والنخوة والوجدان والنزاهة والعفة،والنظافة والحشمة وحس الجمال،وحرمة المبادىء العامة الدينية والاجتماعية.

وأما فساد علاقاته مع غيره: فيتجلى بضعف الصداقة،وفقد المودة والمفاداة والرأفة وحب الإحسان.

وأما فساد العلاقات الاجتماعية:فتظهر بالتداعي للكسل،وفقد النشاط للعمل،والقدرة على الانتاج وحب الوطن.

أضف إلى ذلك شراسة الخلق،والتهور وسرعة التأثر،وسوء الظن وانقباض النفس،وحمل الأمور على غير محملها،والاستئثار بالرأي،والفكر الثابت والفعالية العقيمة.

ويترافق ضعف الحس الأخلاقي هذا مع ضعف الملكات العقلية،ولاسيما النباهة والمحاكمة وقابلية الائتلاف،والذاكرة والقياس وذوق الجمال والاستقراء الأدبي والفني.

الهذيان الارتعاشي الغولي:

إن الهذيان الغولي له ثلاثة أشكال:

1 ـ الهذيان الدائم المستمر

2 ـ الهذيان المؤقت أو المحرض:وهو يحرض بسبب بعض المحرضات مثل الانتانات أو الرضوض.

3 ـ هذيان الحرمان:والناجم عن الانقطاع المفاجىء عن تناول الغول وهذا يشاهد عادة خلال 24 ـ 28 ساعة بعد توقف تناول الغول.

إن أعراض الهذيان الغولي الارتعاشي تضم مجموعة من الأعراض:

1 ـ الأعراض النفسية:

وتشمل اضطراب الوعي وخاصة عدم الاهتداء المكاني والزماني،والبلبلة،وعصاب الخوف مع القلق وخاصة أثناء الليل،والأهلاس البصرية حيث يشاهد المريض حيوانات صغيرة متحركة وأشباح…

2 ـ الأعراض الجسدية:

وتشمل:الرجفان الخشن في اليدين واللسان والرأس،والتعرق الغزير،وتسرع القلب ،والحمى،وفرط المنعكسات،وأعراض هضمية ومنها الغثيان والإقياء.

ويستمر الهذيان عدة أيام وينتهي بحدوث نوم عميق طويل.

2 ـ الأضرار الهضمية(الغول وجهاز الهضم):

بعد تناول الغول فإنه من الطبيعي أن يكون انبوب الهضم العلوي بتماس مع أكبر تركيز من الغول،ولهذا فإنه ليس من المستغرب بأن التأثيرات السمية الشديدة تتواجد في مخاطية انبوب الهضم العلوي بسبب هذا التماس المباشر.وعلى الرغم من أن امتصاص الغول يتم في انبوب الهضم العلوي والأمعاء إلا أنه مع ذلك وجد آفات في المستقيم(القسم النهائي من الأمعاء الغليظة) لها علاقة مع الغول.

إن المشروبات الغولية تحتوي بالإضافة على الإيثانول مواد أخرى مثل:الميثانول،والمواد العطرية،والأمينات الحيوية،وبعض المواد المسرطنة،كما أن ادمان الغول يترافق مع عوز بعض المواد الغذائية وهذا العوز ينعكس تأثيره أيضاً على انبوب الهضم.

1 ـ المري:

لدى المرضى باعتلال الأعصاب المحيطية الغولي يشاهد ترافقه مع اضطرابات الحركة الحوية المريئية،مع نقص الحركات ،بدون أن يشاهد سريرياً عسرة البلع.وإن التأثير على مقوية المصرة السفلية للمري يعتمد على مقدار الجرعة الغولية السمية.

إن البشرة الرصفية المخاطية للمري تقاوم تأثير الغول مباشرة،وإنما الذي يحدث هو التهاب المري القلسي بسبب نقص مقوية مصرة المري السفلى وحدوث القلس المعدي ـ المريء لعصارة المعدة الحامضية .

وإن ادمان الغول المزمن يؤهب بنسبة عشرة أضعاف إلى حدوث سرطان المري من نوع رصفي الخلايا،ويزداد التسرطن نسبة إذا ترافق الغول مع التدخين.

ولا ننسى أيضاً أن الإدمان الغولي يؤهب لحدوث تشمع الكبد والذي يؤدي بدوره لفرط التوتر في الدوران البابي وهذا يترافق مع حدوث دوالي المري ونزوفها الخطيرة والمميتة أحياناً.

2 ـ المعدة والعفج:

من إحدى اختلاطات فرط تناول الغول الحاد حدوث التهاب المعدة النزفي التسحجي.والغول يسبب تبدلاً في الحاجز المعدي المخاطي وفي قابلية نفوذ السوائل وبالتالي تزداد قابلية نفوذ الغشاء المخاطي لشوارد الهيدروجين وهذا يؤدي احدوث التهاب الغشاء المخاطي للمعدة.

وإن الإفراط في تناول الغول يسبب زيادة أعراض القرحة المعدية والعفجية ويؤخر اندمال القرحة .

وفي المراحل المتقدمة من الادمان الغولي يشاهد حدوث التهاب المعدة الضموري مع نقص الإفرازات وهذا قد يؤهب لسرطان المعدة.

3 ـ الأمعاء الدقيقة.