الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

الإسلام والبيئة (4/5)

وكذلك الشأن في أمر القتل…“فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة“.

والمسلم ـ المخاطب بهذا القول من جانب الرسول صلى الله عليه وسلم ـ لايقتل إلا بالحق:{ولاتقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق}[الإسراء23].{من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا}[المائدة 32].وفي الحديث الشريف:“كل المسلم على المسلم حرام:دمه وعرضه وماله“[رواه الشيخان].

لاشبهة إذن في أن الشخص الذي يقتله المسلم مستحق للقتل.مستحق لأنه كافر،أو مرتد،أو قاتل،أو زان محصن،أو مفسد في الأرض،مثير للفتنة،خارج على السلطان القائم على شريعة الله.

ولا شبهة في أن هذا القتل يتم بإذن من الله.بل بأمر منه وتحريض{وحرض المؤمنين}[النساء 84].

ومع ذلك فالرسول صلى الله عليه وسلم يأمر بإحسان القتل!

ونعود إلى قصة الذبيحة فنراها تنطبق مرة أخرى على القتيل!إن القتيل لن يستفيد شيئاً من أن تحسن قتلته.فهو مفارق الدنيا.والأم واقع به ماله عنه من محيص.فيستوي أن تحسن أو لاتحسن أو أن الفارق في الحقيقة ضئيل.

فما القيمة العملية من إحسان القتل بالنسبة للقتيل؟لاشيء بطبيعة الحال!ولكن القيمة الكبرى ـ مرة أخرى ـ هي لك أنت.هي أن يكون لك قلب إنسان!“.
الإنسان وراء تدمير البيئة وفسادها :

حذر الله سبحانه في مواضع متعددة من كتابه الكريم من الفساد في الارض.والفساد البيئي جزء من هذا الفساد في الأرض.قال عز وجل:{كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين}[البقرة 60].وقال تعالى:{ولا تبغِ الفساد في الأرض}[القصص 77].
يقول تعالى : {ظَهَرَ الفسادُ في البَرِّ والبحرِ بما كَسبت أيدي النَّاسِ لِيذِيقَهُم بعضَ الذي عملوا لعلَّهُم يرجعون} [الروم 41 ]، وقال تعالى : {وإذا تولَّى سعى في الأرضِ لِيفُسِدَ فيها ويُهلِكَ الحرثَ والنَّسل والله لا يحبُّ الفساد}[البقرة205].يقول الإمام ابن حزم في المحلى:“فمنع الحيوان ما لا معاش له إلا به من علف أو رعي،وترك سقي شجر الثمر والزرع حتى يهلكا،هو بنص كلام الله تعالى فساد في الأرض وإهلاك للحرث والنسل،والله تعالى لا يحب هذا العمل.

،وقال تعالى : {وابتغِ فيما آتاكَ اللهُ الدَّارَ الآخرة ولا تَنْسَ نصيبَكَ من الدُّنيا وأحسِن كما أحسنَ اللهُ إليك ولا تَبغِ الفسادَ في الأرضِ إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُفسدين} [القصص 77 ]. وقال تعالى: {وما اصَابَكُم من مُصيبةٍ فَبِما كَسبت أيدِيكُم ويعفُوا عن كثير} [الشورى 34 ].
الفساد :من حيث الاصطلاح اللغوي :نقيض الصلاح .
ومن ناحية الدلالة الشرعية : الخروج عن حد الاعتدال: بالكفروالشرك والتعويق عن الإيمان، وبالمعاصي وإهلاك الحرث والنسل، وقتل النفس بغير حق، والسعي الى قطع الطريق والنهب، والبغي والتخريب والعثو والعودة الى حياة الجاهلية بكل مظاهرها كما جاء في تفسير الجلالين.
يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله(كتاب أهوال يوم القيامة ص 29 ـ 30):
يقول الله عز وجل في كتابه العزيز:{إنّا عرضنا الأمانةَ على السّمواتِ والأرضِ والجبالِ فأبينَ أن يحمِلنها وأشفقنَ منها وحملها الإنسانُ إنّهُ كانَ ظِلوماً جَهولاً}[الأحزاب 72].
يقول الشيخ الشعراوي:“والأمانة هي شيء بينك وبين من ائتمنك لايقوم عليه دليل مادي..فإن قام عليه دليل مادي كإيصال مكتوب مثلاً فهو ليس أمانة…وقد أوجد الله للإنسان هذا الكون وائتمنه عليه وجعله سيده..وطلب منه أن يصلح في هذا الكون ولا يفسده…وأقل درجات الصلاح أن تبقي الشيء الصالح على صلاحه…وأحسن منها أن تزيد صلاحه..ولكن الإنسان بدلاً من أن يحمل الأمانة ويصلح في الكون أفسده..فقتل أخاه..وركبه الطمع الدنيوي..فأراد أن يستأثر بكل شيء لنفسه ويحبسه عن الآخرين..ووضع نفسه مدبراً لهذا الكون فقطع الأشجار وأباد الحيوان..واتخذ آلهة وهمية لتعينه على ظلمه…وهكذا خان الإنسان الأمانة فلم يصلح في الكون..مع أن الله وضع له منهج الإصلاح..وعرّفه له بواسطة الرسالات التي جاء بها الرسل..وكان أساس هذا الإفساد أن الإنسان خُلِق مختاراً في بعض الأمور“.
ويقول العلامة الدكتور يوسف القرضاوي :
“ الفساد هنا لا يعني الفساد الخلقي،إنما يعني الفساد في المرء واضطراب الأمور والاختلال في الحياة،في البر والبحر،وفي الماء والهواء وفي التربة، هذا معنى الفساد، ولماذا حدث هذا الفساد ؟ {بما كسبت أيدي الناس} أي بأعمال الناس فسدت البيئة، وفسد البر والبحر والجو “ .
إن مكونات البيئة وعناصرها كلها مفيدة ومتوازنة مع بعضها البعض، حسب ماقدّر الله سبحانه،وطالما ظلت محتفظة بهذه الخصائص الكمية والنوعية كما خلقت فإن الأمر يبقى متوازنا، ولكن إذا ما تدخل الإنسان عمداً أو جهلاً، وأحدث فيها تغييرات كبيرة يختل توازنها،وتنقلب عناصرها من عناصر مفيدة إلى عناصر ضارة،مسببةً للمخاطر التي تهدد الحياة {والسّماءَ رَفعها ووضعَ الميزانَ* ألّا تَطغَوا في الميزان * وأقيموا الوزنَ بالقِسطِ ولا تُخسروا الميزان} [الرحمن 7 ـ 9].
ويقول الدكتور العلامة يوسف القرضاوي حفظه الله(مقال وأنبتنا فيها من كل شيء موزون ـ موقع القرضاوي):
„رزق الله سبحانه وتعالى واسع{وإن من شيءٍ إلاّ عِندَنا خزائِنُهُ وما نُنَزِّلهُ إلّا بقَدَرٍ معلوم} [ الحجر 21]، أي: بمقدار حاجة البشر ومصالح البشر، وكل شيء بقدر معلوم،ولا يكون تنزيله لأيّ شيء جزافاً،دون تقدير حكيم.
بعض علماء الطبيعة والرياضيات(وهو كريسي موريسون الرئيس السابق لأكاديمية العلوم بنيويورك) ذكروا في كتاب (الإنسان لا يقوم وحده) باللغة الإنجليزية، وترجم إلى العربية تحت عنوان(العلم يدعو إلى الإيمان):لابد للحياة فوق أرضنا هذه من شروط جوهرية عديدة، بحيث يصبح من المحال حسابياً أن تتوافر كلها بالروابط الواجبة،بمجرد المصادفة على أيّ أرض،في أيّ وقت. لذلك لابد أن يكون في الطبيعة نوع من التوجيه السديد. وإذا كان هذا صحيحاً، فلابد أن يكون هناك هدف..
تلك الحزمة من الكون التي نسميها بالكرة الأرضية، إنها جسم لا أهمية له في نظر الفلك،ومع ذلك يمكن القول بأنها أهم جسم حتى الآن.
ويجب أن نفرض أن الكرة الأرضية مكونة من بعض العناصر التي توجد في الشمس،لا في أيّ كوكب آخر،وهذه العناصر مقسّمة على الكرة الأرضية بنسب معيّنة ,قد أمكن التحقق منها لدرجة مقبولة فيما يتعلق بالسطح.
وقد حولت جملة الكرة الأرضية إلى أقسام دائمة ،وحدود حجمها،وسرعتها في مدارها حول الشمس هي ثابتة للغاية،ودورانها على محورها قد حدد بالضبط،لدرجة أن اختلاف ثانية واحدة في مدى قرن من الزمان يمكن أن يقلب التقديرات الفلكية.
ولو أن حجم الأرض كان أكبر مما هو عليه، أو أصغر،أو لو أن سرعتها مختلفة عما هي عليه،لكانت أبعد أو أقرب من الشمس مما هي،ولكانت هذه الحالة ذات أثر هائل في الحياة من كل نوع،بما فيها حياة الإنسان.وكان هذا الاثر يبلغ من القوة، بحيث إن الكرة الأرضية لو كانت اختلفت من هذه الناحية أو تلك إلى أيّة درجة ملحوظة، لما أمكن وجود الحياة فوقها.
ومن بين كلِّ الكواكب السيارة، نجد أن الكرة الأرضية فيما نعلم الآن،هي الكوكب الوحيد الذي كانت صلته بالشمس سبباً في جعل حياتنا ممكنا .
وتدور الكرة الأرضية حول محورها مرّة كل أربع وعشرين ساعة،أو بمعدل نحو ألف ميل في الساعة،والآن افرض أنها تدور بمعدل مائة ميل فقط في الساعة، ولم لا؟عندئذ يكون نهارنا وليلنا أطول مما هو الآن عشر مرات،وفي هذه الحالة قد تحرق شمس الصيف الحارة نباتتنا في كل نهار،وفي الليل قد يتجمد كل نبت على الأرض.
إن الشمس التي هي مصدر كل حياة، تبلغ درجة حرارة مسطحها 12000 درجة فهرنهايت،وكرتنا الأرضية بعيدة عنها إلى حد يكفي لأن تمدنا هذه (النار الهائلة)بالدفء الكافي،لا بأكثر منه.وتلك المسافة ثابتة بشكل عجيب،وكان تغيرها في خلال ملايين السنين من القلة،بحيث أمكن استمرار الحياة كما عرفناها.ولو أن درجة الحرارة على الكرة الأرضية قد زادت بمعدل خمسين درجة في سنة واحدة، فإن كلّ نبت يموت،ويموت معه الإنسان حرقاً أو تجمدا“.
ويقول الدكتور زغلول النجار حفظه الله(مقال وفي الأرض آيات للموقنين):
„يقدر متوسط المسافة بين الأرض والشمس بحوالي مائة وخمسين مليوناً من الكيلومترات،وقد استخدمت هذه المسافة كوحدة فلكية للقياس في فسحة الكون،ولما كانت كمية الطاقة التي تصل من الشمس إلى كل كوكب في مجموعتها تتناسب تناسباً عكسياً مع بعد الكوكب عن الشمس،وكذلك تتناسب سرعة جريه في مداره حولها، بينما يتناسب طول سنة الكوكب تناسباً طردياً مع بعده عنها(وسنة الكوكب هي المدة التي يستغرقها في إتمام دورة كاملة حول الشمس)،اتضحت لناالحكمة البالغة من تحديد بعد الأرض عن الشمس،فقد قُدّرت الطاقة التي تشعها الشمس من كل سنتميتر مربع على سطحها بحوالي عشرة أحصنة ميكانيكية،ولا يصل الأرض سوى جزء واحد من بليوني جزء من هذه الطاقة الهائلة، وهو القدر المناسب لنوعية الحياة الأرضية،ولتنشيط القوى الخارجية التي تعمل على تسوية سطح الأرض، وتكوين التربة،وتحريك دورة المياه حول الأرض،وغير ذلك من الأنشطة الأرضية.
ولطاقة الشمس الإشعاعية صور عديدة أهمها:الضوء الأبيض، والأشعة تحت الحمراء،والأشعة السينية،والأشعة فوق البنفسجية، ونسب هذه المكونات للطاقة الشمسية ثابتة فيما بينها، وإن اختلفت كمية الإشعاع الساقط علة أجزاء الأرض المختلفة بإختلاف كل من الزمان والمكان.
وحزمة الضوء الابيض:تتكون من الأطياف السبعة(الأحمر والبرتقالي والأصفر والأخضر والأزرق والنيلي والبنفسجي) وتقد نسبتها في الأشعة الشمسية التي تصل إلى الأرض بحوالي 38 بالمائة، ولها أهمية بالغة في حياة كل من النبات والحيوان والإنسان،وتبلغ أقصى مدى عند منتصف النهار عموماًنوعند منتصف نهار الصيف خصوصاً،لأن قوة إنارة أشعة الشمس لسطح الأرض تبلغ في الصيف ضعفي ما تبلغه في الشتاء.
أما الأشعة تحت الحمراء:فتقد نسبتها في أشعة الشمس التي تصل إلى الأرض بحوالي 53 بالمائة، ولها دورها المهم في تدفئة الأرض وما عليها من صور الحياة، وفي كافة العمليات الكيميائية التي تتم على سطح الأرض وفي غلافها الجوي،الذي يردّث عنا قدراً هائلاً من حرارة الشمس، فكثافة الإشعاع الشمسي والتي تقدر بحوالي 2 سعر حراري على كل سنتمتر مربع من جو الأرض في المتوسط،يتشتت جزء منها بواسطة جزيئات الهواء وقطرات الماء وهباءات الغبار السابحة في جو الأرض، ويمتص جزء آخر بواسطة كل من غاز الأوزون وبخار الماء، ومتوسط درجة الحرارة على سطح الأرض يقد بحوالي عشرين درجة مئوية وإن تراوحت بين حوالي 74 درجة مئوية تحت الصفر في المناطق القطبية المتجمدة و55 درجة مئوية في الظل في أشد المناطق والأيام قيظاً.
أماالأشعة فوق البنفسجية:فتقدر نسبتها بحوالي 9 بالمائة من مجموع أشعة الشمس التي تصل إلى الأرض، وذلك لأن غالبيتها تمتص أو ترد بفعل كل من النطاق المتأين ونطاق الأوزون الذي جعلهما ربنا تبارك وتعالى من نطق الحماية على الأرض، ويقد ما يصل إلى الأرض من طاقة الشمس بحوالي ثلاثة عشر مليون حصانا ميكانيكياً على كل كيلو متر مربع من سطح الأرض في كل ثانية،وتقد قيمته ببلايين الدولارات مما لاقبل للبشرية كلها بتحمله أو وفاء شكر الله عليه.
ولو كانت الأرض أقرب قليلاً إلى الشمس لكانت كمية الطاقة التي تصلهاكافية لإحراق كافة صور الحياة على سطحها،ولتبخير مياهها،ولخلخلة غلافها الغازي.
ولذلك فإنه من الواضح أن بعد الأرض عن الشمس قد قدّره ربنا تبارك وتعالى بدقة بالغة تسمح للأرض بتلقي قدر من طاقة الشمس يتناسب تماماً مع حاجات جميع الكائنات الحية على سطحها،وفي كلمن مياهها، وهوائها بغير زيادة أو نقصان إلا في الحدود الموائمة لطبيعة الحياة الأرضية في مختلف فصول السنة.
فلو كانت الأرض على مسافة من الشمس تقدر بنصف بعدها الحالي،لزادت كمية الطاقة التي تتلقاها أرضنا منها إلى أربعة أمثال كميتها الحالية ولأدى ذلك إلى تبخير الماء وخلخلة الهواء واحتراق جميع صور الحياة على سطحها!!!
ولو كانت الأرض على ضعف بعدها الحالي من الشمس لنقصت كمية الطاقة التي تتلقاها إلى ربع كميتها الحالية، وبالتالي لتجمدت جميع ضور الحياة واندثرت بالكامل.
أبعاد الأرض:
يقدر حجم الأرض بحوالي مليون كيلو متر مكعب،ويقدر متوسط كثافتها بحوالي 5,52 جرام للسنتيمتر المكعب،وعلى ذلك فإن كتلتها تقدر بحوالي الستة آلاف مليون مليون مليون طن،ومن الواضح أن هذه الأبعاد قد حدّدها ربنا تبارك وتعالى بدقة وحكمة بالغتين، فلو كانت الأرض أصغر قليلاً لما كان في مقدورها الاحتفاظ بأغلفتها الغازية،والمائية،وبالتالي لاستحالت الحياة الأرضية،ولبلغت درجة الحرارة على سطحها مبلغاً يحول دون وجود أي شكل من أشكال الحياة الأرضية، وذلك لأن الغلاف الغازي للأرض به من نطق الحماية ما لا يمكن للحياة أن توجد في غيبتها،فهو يرد عنا جزءاً كبيراً من حرارة الشمس وأشعتها المهلكة،كما يرد عنا قدراً هائلاً من الأشعة الكونية القاتلة،وتحترق فيه بالاحتكاك بمادته أجرام الشهب وأغلب مادة النيازكنوهي تهطل على الأرض كحبات المطر في كل يوم.
ويتعلق طول كل من نهار وليل الأرض وطول سنتها،بكل من بعد الأرض عن الشمس،وبأبعادها كوكب يدور حول محوره، ويجري في مدار ثابت حولها.
فلو كانت سرعة دوران الأرض حول محورها أمام الشمس أعلى من سرعتها الحالية لقصر طول اليوم الأرضي(بنهاره وليله) قصراً مخلاً، ولو كانت أبطأ من سرعتها الحالية لطال يوم الأرض طولاً مخلاً،وفي كلتا الحالتين يختل نظام الحياة الأرضية اختلالاً قد يؤدي إلى إفناء الحياة على سطح الأرض بالكامل،إن لم يكن قد أدى إلى إفناء الأرض ككوكب إفناءً تاماًن وذلك لأن قصر اليوم الأرضي أو استطالته يخل إخلالاً كبيراً بتوزيع طاقة الشمس على المساحة المحددة من الأرض،وبالتالي يخل بجميع العمليات الحياتية من مثل النوم واليقظة ،والتنفس والنتح وغيرها،كما يخلّ بجميع الأنشطة المناخية من مثل الدفء والبرودة، والجفاف والرطوبة، وحركة الرياح والأعاصير والأمواج ،وعمليات التعرية المختلفة، ودورة المياه حول الأرض وغيرها من أنشطة.كذلك فلو لم تكن الأرض مائلة بمحورها على مستوى مدار الشمس ما تبادلت الفصول،وإذا لم تتبادل الفصول اختل نظام الحياة على الارض.
وبالإضافة إلى ذلك فإن تحديد مدار الأرض حول الشمس بشكله البيضاني، وتحديد وضع الأرض فيه قرباً وبعداً على مسافات منضبطة من الشمس يلعب دوراً مهماً في ضبط كمية الطاقة الشمسية الواصلة إلى كل جزء من أجزاء الأرض وهو من أهم العوامل لجعلها صالحة لنمط الحياة المزدهرة على سطحها، وهذا كله ناتج عن الإتزان الدقيق بين كل من القوة النابذة المركزية التي دفعت بالأرض إلى خارج نطاق الشمس، وشدة جاذبية الشمس لها،ولو اختل هذا الاتزان بأقل قدر ممكن فإنه يعرض الأرض إما للإبتلاع بواسطة الشمس حيث درجة حرارة قلبها تزيد عن خمسة عشر مليوناً من الدرجات المطلقة،أو تعرضها للإنفلات من عقال جاذبية الشمس فتضيع في فسحة الكون المترامية فتتجمد بمن عليها وما عليها،أو تحرق بواسطة الأشعة الكونية،أو تصطدم بجرم آخر،أو تبتلع بواسطة نجم من النجوم،والكون من حولنا ملئ بالمخاطر التي لا يعلم مداها إلا الله تعالى، والتي لا يحفظنا منها إلا رحمته سبحانه وتعالى،ويتمثل جانب من جوانب رحمة الله بنا في عدد من السنين المحددة التي تحكم الأرض كما تحكم جميع أجرام السماء في حركة دقيقة دائبة لا تتوقف ولا تتخلف حتى يرث الله الارض ومن عليها.
ثالثاً: بنية الأرض:
أثبتت دراسات الأرض أنها تنبني من عدة نطق محددة حول كرة مصمتة من الحديد والنيكل تعرف بإسم لبّ الأرض الصلب الداخلي.ولهذا اللب الصلب كما لكل نطاق من نطق الأرض دوره في جعل هذا الكوكب صالحاً للعمران بالحياة الأرضية في جميع صورها.
وتقسم النطق الداخلية للأرض على أساس من تركيبها الكيميائي أو على أساس من صفاتها الميكانيكية باختلافات بسيطة بين العلماء، وتترتب بنية الارض من الداخل إلى الخارج على النحو التالي:
1 ـ لبّ الأرض الصلب الداخلي:
وهو عبارة عن نواة صلبة من الحديد 90 بالمائة وبعض النيكل 9 بالمائة مع قليل من العناصر الخفيفة من مثل الفوسفور والكربون والسيليكون، وهو نفس تركيب النيازك الحديدية تقريباً،ويبلغ قطر هذه النواة حوالي 2402 كيلو متر، ويمتد نصف قطرها من مركزها على عمق 6371 كيلومتلا إلى عمق 5170 كيلومتر. ولما كانت كثافة الأرض في مجموعها تقدر بحوالي 52’5 جرام للسنتمر مكعب، بينما تختلف كثافة قشرة الأرض بين 2،7 جرام للسنتمر مكعب، وحوالي 3 جرامات للسنتمر مكعب، فإن الاستنتاج المنطقي يؤدي إلى أن كثافة لب الأرض لابد وأن تتراوح بين 10 و13،5 جرام للسنتمر مكعب.
2 ـ نطاق لب الأرض السائل الخارجي:
وهو نطاق سائل يحيط باللب الصلب،وله نفس تركيبه الكيميائي تقريباً، وإن كانت مادته منصهرة،ويبلغ سمكه 2275 كيلومتراً (من عمق 5170 كيلومترا إلى عمق 2885 كيلومتراً تحت سطح الارض)،ويفصل هذا النطاق عن اللب الصلب منطقة انتقالية يبلغ سمكها 450 كيلومترا تمثل بدايات عملية الإنصهار وعلى ذلك فهي شبه منصهرة (وتمتد من عمق 5170كيلومتراً إلى عمق 4720 كيلومتراً تحت سطح الأرض)ويكون كل من لب الأرض الصلب ولبها السائل حوالي 31 بالمائة من كتلتها.
3 ـ 4 ـ 5 نطق وشاح الأرض:
يحيط وشاح الأرض بلبها السائل،ويبلغ سمكه حوالي 2765 كيلومتراً، ويفصله إلى ثلاثة نطق مميزة مستويان من مستويات انقطاع الموجات الاهتزازية الناتجة عن الزلازل.
6 ـ 7 الغلاف الصخري للأرض:
ويتراوح سمكه بين 65 كم تحت قيعان البحار والمحيطات، و120 كم تحت القارات،ويقسمه خط انقطاع الموجات الاهتزازية المسمى باسم الموهو، إلى قشرة الارض وإلى ما تحت قشرة الأرض.
وكذلك فإن للأرض مجالاً مغناطيسياً ثنائي القطبية،يعتقد أن له صلة بلب الأرض الصلب وحركة إطاره السائل من حوله، ويتولد المجال المغناطيسي للأرض كما يتولد لأي جسم آخر من حركةالمكونات فيها وفيه،وذلك لأن الجسيمات الأولية للمادة(وهي في غالبيتها مشحونة بالكهرباء)تتحرك سواء كانت طليقة أو مرتبطة في داخل ذرات المادة، وهي حينما تتحرك تولد مجالاً مغناطيسياً، والمجال المغناطيسي لأية نقطة في فسحة الكون يمثل بمحصله اتجاه تمتد من القطب المغناطيسي الجنوبي للمادة إلى قطبها الشمالي في حركة معاكسة لإتجاه عقرب الساعة ومماثلة لحركة الطواف حول الكعبة المشرفة.
والمجال المغناطيسي للأرض كوّن لها بإرادة الله تعالى غلافاً مغناطيسياً يعرف باسم النطاق المغناطيسي للأرض وهو يلعب دوراً مهماً في حماية الأرض من الأشعة الكونية بتحكمه في حركة الجسيمات المشحونة القادمة إلينا من فسحة الكون فيجعلها تدور من أحد قطبي الأرض المغناطيسيين إلى الآخر دون الدخول إلى المستويات المنخفضة من غلافها الغازي.
ويمتد المجال المغناطيسي للأرض إلى مسافة تقدر بخمسين ألف كيلومتر فوق سطحها، وتحميها من وابل الأشعة الكونية المتساقطة باتجاهها في كل لحظة،ولولا هذه الحماية الربانية لهلكنا وهلكت جميع صور الحياة من حولنا.
والجبال لعبت ولا تزال تلعب دوراً رئيسياً في تثبيت الغلاف الصخري للأرض ولولا هذا التثبيت ما تكونت التربة،ولا دارت دورة المياه ،ولا خزنت المياه تحت السطحية،ولا نبتت نبتة ولا أمكن لكائن حيّ أن يستقر على سطح الأرض“.
ويقول الدكتور القرضاوي ( موقع القرضاوي ):
“ ولو نظرنا إلى علم أصول الفقه الذي يُعنى بمقاصد الشريعة والضروريات الخمس التي جاءت الشريعة بالمحافظة عليها : الدين، والنفس، والنسل،والمال ، والعقل،كل هذه الضروريات لها علاقة بالبيئة،لأنه إذا أفسدنا البيئة لم نحافظ على أنفسنا ولا على صحتنا ولاعلى نسلنا „.
وتقول الموسوعة الحرة ـ ويكيبيديا ـ:
„الإنسان مرهون ببيئته بل ومرتبط بها ارتباطاً وثيقاً، ولو اختلّ هذا الرباط اختلت موازين البشر واعتلّت صحتهم وانتابتهم الأسقام والأوجاع والأمراض المزمنة ، لهذا فإن حفاظ الإنسان على البيئة فيه حفاظ له وللأجيال من بعده “ .
والإسلام يحارب من يفسد البيئة ويتوعده بأشدّ أنواع العقاب { ولا تُفسدوا في الأرضِ بعد إصلاحها}[الأعراف56] .
يقول الدكتور القرضاوي :
“ مامعنى بعد إصلاحها، يعني أن الله خلق الأرض صالحة مهيأة لتعطي الإنسان ما يحتاج إليه . قال تعالى: {وباركَ فيها وقدَّرَ فيها أقواتَها}[فصلت 10] ،فحين خلق الله الأرض بارك فيها،وقدّر أقواتها، فنحن نأتي لنفسد هذه الأرض،ونفسد التربة والماء والهواء وكل شئ، فنحن لا نشكر نعمة الله بل نكفر بها „.
والإسلام يحارب إفساد البيئة من منظور إيجابي ـ زرع الفسيلة ـ
جاء في الحديث الشريف :“ إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها „ [رواه مسلم ].
وكما جاء أيضاً في الحديث الشريف :“ مامن مسلم ٍ يَغرِسُ غَرْساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طيرٌ ولا إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة „[ رواه مسلم والبخاري والترمذي ]، وقال صلى الله عليه وسلم :“ما من مسلم يغرس غرساً إلا كان ما أكل منه له صدقة ، وما سرق منه له صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة الى يوم القيامة „.
يقول الشيخ يوسف القرضاوي ـ موقع القرضاوي ـ :
“ ومقتضى الحديث ان الثواب مستمر ما دام الغرس أو الزرع مأكولاً منه،أو منتفعاً به ولو مات غارسه أو زارعه .. ولو انتقل ملكه الى ملك غيره . قال العلماء : في سعة كرم الله أن يثيب على ما بعد الحياة،كما كان يثيب على ذلك في الحياة ، في ستة :صدقة جارية،أو علم ينتفع به،أو ولد صالح يدعو له،أو غرس،أو زرع،أو رباط .
ويتابع القرضاوي حفظه الله :“ وقد روي أن رجلاً مرّ بأبي الدرداء رضي الله عنه وهو يغرس جوزة فقال : أتغرس هذه وأنت شيخ كبير،وهذه لا تثمر إلا في كذا وكذا عاماً ؟ فقال أبو الدرداء : „ما علي أن يكون لي أجرها ويأ كل منها غيري „.
وهناك أحاديث أخرى تدعو الى استصلاح الأراضي وزرعها ومنها :“ من أحيا أرضاً وعرة من المصر أو ميتة من المصر فهي له „[ رواه أحمد في مسنده ]. وحديث أخر :“ ما من امرئ يحيي أرضاً فيشرب منه كبد حراء وتصيب منها عافية إلا كتب الله به أجراً „[ رواه الطبراني] ، وحديث :“ أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن الأرض أرض الله والعباد عباد الله فمن أحيا موتها فهو أحق به “ [رواه أبو داود والترمذي ومالك] .
ومن منظور سلبي:
بعدم قطع الأشجار مثلاً كما جاء في الحديث الشريف :“ من قطع سدرة ، صوّب الله رأسه في النار „.
(والسدرة هي شجرة السّدرأوالكنار أوالنبق،وهي شجرة يستفيد الناس من ثمرها ويستظلون بظلها)
وحتى في أوقات الحرب نهى الإسلام عن إفساد البيئة ومنها قطع الأشجار وخاصة المثمرة منها .
هذه الأحاديث النبوية الشريفة دعوة صريحة تربي فينا السلوكيات البيئية الايجابية نحو التخضير ونشر الخضرة في كل مكان،ومنع قطع الأشجاروالنباتات إلا لضرورة ملحة، فهي جانب ايجابي للزرع والتخضير وجانب اخر بمنع قطع الأشجار واقتلاع النباتات وهما العنصران الرئيسيان في حماية البيئة في عصرنا الراهن .
فالدين الإسلامي قد سبق التشريعات الوضعية إلى وضع تشريعات محكمة لرعاية البيئة وحمايتها من خلال مبدأين أساسيين يحددان مسؤولية الإنسان حيال البيئة التي يعيش فيها :
1 ـ درء المفاسد حتى لا تقع بالبلاد والعباد وتسبب الأذى للفرد والمجتمع والبيئة حيث لا ضرر بالنفس ولا ضراربالغير.
2 ـ جلب المصالح وبذل كل الجهود التي من شأنها أن تحقق الخير والمنفعة للجماعة البشرية، وأهم مايميز هذا المنهج الإسلامي هنا هو الأمر بالتوسط والاعتدال في كل تصرفات الإنسان .
نعم ظهر الفساد في البر والبحر والجو مما اقترفته أيدي الانسان، وذلك أن هذا الانسان لم يكتف بالاعتدال في ما يعمل ويصنع ،وتجاوز القصد إلى الافراط والطغيان، وقفز قفزات لايستوعبها الخيال ولا تقرها الأحوال من أجل منفعة مادية قريبة، ومن أجل ربح عابر، أودى بالبشرية إلى سقم دائم ومعاناة مستمرة ، واذا بمصانعه ومعامله وترسانته الصناعية والكيماوية ترسل الأبخرة السامة والغازات القاتلة والنفايات الضارة، وتطلق الاشعاعات المؤينة والرواسب النووية التي ألحقت الأذى بالإنسان والبيئة ومكوناتها، ولنأخذ بعض الأمثلة على الفساد الذي ألحقه هذا الانسان بطمعه وجشعه في بيئته وحياته وحياة الكائنات التي تشاطره الحياة على هذه الأرض .
جاء في كتيب صحة البيئة في ميزان الإسلام للدكتور حسين عبد الرزاق الجزائري :
„لنتخذ بعض الأمثلة عما أحدثه الإنسان في إفساد البيئة :
1 ـ الماء :
إذا كان الإنسان في البادية يكتفي بثلاثة ألتار من الماء يومياً لقضاء حوائجه جميعاً ، فإن الإنسان الحضري في الأمصار يحتاج إلى ألفي لتر يستعملها في شرابه وتجمله، وتنظيف نفسه ومنزله وما حوله، وسقي حديقته،وتؤلف قسطاً مما يستعمل في ريّ المزارع التي يأكل منها،والمصانع التي ينتفع بمصنوعاتها وفي الماشية التي يستفيد من لحومها وألبانها،وما إلى ذلك، ومن أجل ذلك احتاج إلى حفر الآبار،وشق الترع، ومد شبكات المياه،وإقامة السدود والصهاريج .
ولكن الانسان المتحضر يلوّث الماء في مختلف مراحل استعماله له:
ـ في مستوى الاستعمال الشخصي : بما قد يلقيه فيه من جراثيم وطفيليات وغير ذلك من المركبات العضوية ، وفي مستوى الاستعمال المنزلي بما يصبه فيه من منظفات وغيرها من المواد الكيمائية بالإضافة الى الأحياء الدنيا الأنفة الذكر .
ـ وفي مستوى الاستعمال الزراعي: بما يضيفه إليه من مُبيدات حشرية وأسمدة ومن مفرغات حيوانية كثيراً ما تحمل عوامل المرض .
وفي مستوى الاستعمال الصناعي : بما ينسكب فيه مباشرة من المصانع ، أو بما ينطلق من المصانع من ملوثات الهوى التي تترسب فيه .
وأهم هذه المواد التي تلوث الماء :
أولاٍ: الفضلات العضوية : ومصدرها القاذورات المنزلية في الريف والحضر على السواء،وكذلك الفضلات الصناعية ذات المنشأ الحيواني والنباتي،وعلى الرغم من أن القاذورات المنزلية هي المصدرالأهم للفضلات العضوية القابلة للتفكك، فإن الصناعة تساهم بقدرلايقل عن ذلك من هذه الفضلات، وأهمها الصناعات الغذائية وصناعات الورق، التي تصب في الماء كميات كبيرة من الأجزاء النباتية والحيوانية . وتفكك هذه الفضلات العضوية بفعل الجراثيم يستنضب الاوكسجين من الماء،مؤدياً الى مشكلات كبيرة،ولاسيما بقضائه على الأسماك والحياة المائية،وتوليده شروطاً مناسبة للتلوث الإنتاني .
ثانياً : العوامل الحية : وأهمها الجراثيم والفيروسات وسائرالأحياء المجهرية التي يمكن أن تحدث المرض، وهي تدخل الماء مع القاذورات المنزلية أومع بعض الفضلات الصناعية،ولاسيما تلك التي تتعلق بالدباغة والمذابح ,وإذا كانت الجراثيم المسببة للهيضة ـ الكوليرا ـ والحمى التيفية قد كوفحت مكافحة فعالة في معظم البلدان المتقدمة ، فإنها لا تزال تمثل خطراً كبيراً في كثير من البلدان النامية، والأصعب منها مكافحة كثير من الفيروسات التي يمكن ان تحدث الإلتهابات المعوية وغيرها من الأخماج التي قد تسبب مشكلة صحية خطيرة .
ثالثاً : الأسمدة : إن المُخصبات النباتية،أي تلك المواد التي تُنّشط نمو النبات هي كذلك من مُدنسات الماء الرئيسية، وأهم عناصر التلويث فيها النتروجين والفسفور،ولو أنه قد توجد آثار زهيدة من بعض العناصر الأخرى . وتنصب هذه العناصر في الماء أتية مع القاذورات أو بعض الفضلات الصناعية أو ماينزح من الأراضي المسمدة والتربة الغنية بالنترات، ولا تفلح معالجة الماء البيولوجية للتخلص من الفضلات في إزالة هذه المغذيات النباتية من الماء،بل إنها لتجعلها أكثر قابلية للإستعمال من قبيل النباتات المائية، وبذلك تقوم بتخصيب هذه النباتات المائية من طحالب وما إليه مما يولد مشاكل جسيمة،ويجعل طعم الماء غير مستساغ ورائحته غير مقبولة، فضلاً عما يحدثه النموالبالغ لهذه النباتات من استهلاك للأوكسجين .
رابعاً: الكيماويات العضوية التركيبية :وتدخل فيها المنظفات وغيرها من وسائل التنظيف المنزلية ومبيدات الحشرات والكيماويات الصناعية . ولعل أهمها المبيدات الحشرية كال د. د. ت،وال دي ايلدرين،وال كلوردان، وغيرها مما يستعمل في إبادة الآفات الزراعية،ولكنها تصل في نهاية الأمرإلى الماء.
خامساً: الكيماويات اللاعضوية : ومن أهمها التلوث بالزئبق الذي يسبب مشكلات خطيرة في كثيرمن المجاري المائية وهو ينتقل منها إلى الأحياء المجهرية المائية، ثم إلى الأسماك، ثم طيور الصيد ثم إلى الإنسان . ومصدر هذه المواد المعدنية عمليات التعدين والتصنيع،وكذلك عمليات حقول النفط ، كذلك تنصب كميات كبيرة من مختلف أنواع الحموض كجزء من الفضلات الصناعية .
سادساً : المواد المشعة : وهي تلوث المياه أتية من صناعات الطاقة النووية ، سواء في مرحلة تعدين الفلزات المشعة ومعالجتها، أو استعمال المواد المشعة المكررة، والمفاعلات النووية في الصناعة والتشخيص الطبي والبحوث . يضاف الى ذلك ما ينهال ويتساقط على الارض من التفجيرات النووية المختلفة .
سابعا ً: الماء الساخن : وازدياد استعمال الماء في عمليات التبريد الصناعية يؤلف نوعا جديدا من التلوث . فهذه الكميات الهائلة من المياه المستعملة للتبريد في محطات توليد الكهرباء وتكرير النفط والصناعات البتروكيماوية تعود الى البحيرات أو الجداول أوالمياه الشاطئية التي اشتقت منها فترفع حرارة الماء ، وذلك يؤدي إلى إنقاص ذوبان الأوكسجين في الماء مما ينقص تفكيك الملوثات المستهلكة للأوكسجين ويضعف من تغذية الأسماك والأحياء المائية،ومن جهة أخرى قد يكون للماء الساخن تأثير مباشرعلى هذه الأحياء بتغيير بيئتها الفيزيائية مما يضعف تكاثرها ، ثم إن سخونة الماء تسرع التفاعلات المستهلة للاوكسجين
ثامناً: النفط : يمكن أن يتلوث الماء بالنفط المنسفح من البوارج أوالسفن أو من بعض الحوادث، أو من الإهمال حين نقل النفط الخام . ويقدر أن مليوناً ونصف مليون طن من النفط تنسفح في المحيطات كل عام . والمياه الملوثة بالنفط تحدث تخريباً كبيرأ للأحياء المائية التي تعيش عليها . وإن النفط يخرب كثيراً من غذاء الأسماك والمحار.
وإذا نظرنا إلى ماء المطر النعمة المهداة الذي ينزل من السماء ماء طهوراً : {وأنزلنا من السَّماءِ ماءً طَهوراً* لِنُحيَ بهِ بلدةً مَيتاً ونُسقِيَهُ مما خلقنا أنعاماً وأناسيَّ كثيرا} [الفرقان 48 ـ 49] هذه النعمة بدأنا في إفسادها وبدلّناها من طبيعتها الفطرية،إذ أصبح المطر يسقط في مناطق كثيرة وخاصة في البيئات الصناعية مطراً حَمضياً يُهلك الحرث والنسل .. فقد بلغت درجة الحموضة للمطر في بعض المناطق درجة عالية أدى في بعض البحيرات وخاصة في أمريكا الشمالية وشمال غرب أوروبا إلى خسارة شديدة في الثروات السمكية وأصبحت 90 بحيرة في منطقة جبال ادروندك في ولاية نيويورك على سبيل المثال خالية تماما من الأسماك تحت تأثيرالحموضة المتزايدة لمياه البحيرات،وهي حموضة قاتلة للأحياء . إضافة لذلك إن حموضة مياه البحيرات تعمل على تحرير المعادن السامة من قاع البحيرات وتحول المياه بها إلى مياه سامة ، وكذلك أكدّت الأبحاث أن المطر الحمضي يمنع حاسة الشم عند سمك السالمون ولهذا يفقد قدرته على إيجاد طريقة نحو مجاري الأنهار العليا من أجل وضع بيضه وإتمام عملية الفقس كما أن الأمطارالحمضية تضرّ بالمحاصيل الزراعية تحت تاثير ترسب كميات كبيرة من المواد الحمضية في التربة مما يغير تركيبها الكيماوي في إتجاه الحموضية المتزايدة التي تضر بل تقتل النباتات .
كما يؤدي المطر الحمضي إلى تدميرالكثير من الأشجار والنباتات حيث تموت الأشجار واقفة كما يقولون إذ تتلف الأوراق العلوية المعرضة مباشرة للمطر الحمضي الذي يقتل المادة الخضراء فيها ثم ينتقل التأثير بعد ذلك إلى الأوراق التحتية، وأوضحت بعض التقارير من المانيا عام 1980 أن مساحة من الغابات تقدر بنحو 650 الف هكتار أي حوالي 7،7 من مجموع مساحات الغابات في المانيا قد دمرت أو أتلفت بدرجات متفاوتة نتيجة المطر الحمضي والضباب الحمضي .
2ـ الهواء :
الجو يتألف كما نعلم اليوم من مزيج من :
ـ غازات دائمة التركيز (أو قل الهواء الحقيقي): وهي على الأخص الأوكسجين والأزوت (النتروجين ).
ـ غازات متبدلة التركيز ( الأجزاء المائية البخارية) : وهي على الأخص بخارالماء وثاني أوكسيد الكربون.
ـ مختلف الجسيمات الصلبة والسائلة المعلقة في الهواء، أو قل الأجزاء الأرضية المتصعدة في الدخان والغبار .
ـ ضروب مختلفة من الإشعاع تأتي من الفضاء الخارجي (الأشعة الكونية ) أو من الشمس .
فمن الغازات نخص بالذكر ثاني أوكسيد الكربون الذي يدخل الجو من زفير الحيوانات والنباتات،ومحاصيل الاحتراق، ويستبعد من الجو بفعل عملية التركيب الضوئي في النبات .
ولقد عدلّت أنشطة الإنسان المستمرة مما يحتويه الهواء منه تعديلا كبيراً، فزاد محتوى الجو من هذا الغاز بمعدل 25 بالمائة في القرن الأخير،وهو مستمر في الزيادة من جراء ما يقوم به الإنسان من حرق وقود المستحاثات ، وقطع أشجار الغابات وأعشاب المروج ، مما يزيد من إنتاجه ويقلل من استهلاكه .
ومن الغازات أيضاً الأوزون،وهو ذلك الشكل من الأوكسجين المؤلف من ثلاث ذرات،وهو مادة مُهيّجة مُخرّشة للأغشية المخاطية ولاسيما في جهاز التنفس وهو في طبقات الجو العليا، وهو مادة حافظة واقية بسبب قدرته الامتصاصية القوية للأشعة فوق البنفسجية الأتية من الشمس، فهو يستبعد معظم الأشعاع فوق البنفسجي الذي تقل أطول موجاته عن 310 نانو مترات،وهو الاشعاع الذي يمكن أن يخرب المادة الحية .
والأوزون : يتولّد في طبقات الجو العليا عندما يتم امتصاص الأشعة الشمسية القصيرة الموجة من قبل الأوكسجين الجزيئي , ولكنه يتحوّل ثانية إلى هذا الأوكسجين الجزيئي في تلك الطبقات الجوية العليا نفسها بفعل التفاعلات الكيميائية الضوئية التي يحفزها عدد من الغازات .
ويوجد الاوزون في مستوى صعيد الارض بتراكيز غير مؤذية 10 ـ 30 جزء بالبليون ، من جراء تسلله من الطبقات الجوية العليا , ولكن الحفازات النتروجينية التي تفككه في الجو العلوي تساعد على توليده في الجو السفلي ، ولا سيما تلك الأكاسيد الآزوتية والهدروكربونيات التي تصدرها عوادم السيارات، فتبدأ آثاره الضارة بزيادة هجمات الربوعندما يبلغ 150جزءاً بالبليون،وتهييج الحنجرة 300 بالبليون ، بالاضافة إلى تخريبه وتأخيره لنمو النبات .
أما الأشعة تحت الحمراء فإنها أشعة تسقط من الشمس على سطح الارض فيمتصها ثم يعيد إصدارها إلى الأعلى، فيمتص معظمها ثاني أوكسيد الكربون وبخار الماء اللذان في الجو،ثم لا يلبثان أن يُعيدا إصدارها في اتجاه الأرض وفي اتجاه الفضاء الخارجي . وهكذا يقوم بخار الماء وثاني اوكسيد الكربون بدور ملاءة تحافظ على دفء سطح الارض .
واحتراق الفحم والنفط والغاز يزيد محتوى الهواء من ثاني اوكسيد الكربون فيرفع درجة حرارة الهواء الموضعية مُخلاً بالميزان الحراري من الشمس وانعكاساتها المتكررة بين الأرض والجو .
وتلوث الهواء مشكلة أكبر من تلوث هواء الريف ولاسيما في الحواضر الكبيرة ، وصار كثير من المدن الكبرى أوالأمصار مُعرضاً لجو خانق فظيع ، وما زال تلوث المدن في ازدياد مستمر، ولا سيما بفعل وسائل النقل من سيارات وشاحنات تنفث عوادمها أكثر من نصف (حوالي 56 بالمائة ) ما يلوث الهواء، ثم من طائرات وقطارات وبواخر في أماكن وجودها، ويلي وسائل النقل في الأهمية مصادر الإحتراق الأخرى الثابتة مثل محطات توليد الطاقة الكهربائية وأجهزة التسخين (22 بالمائة) تليها المصانع المختلفة (15 بالمائة ) ثم حرائق الغابات ومحاصيل المزارع (5 بالمائة ) ثم محاصيل ترميد الفضلات الصلبة (2 بالمائة) .
وأهم الجواهر الغريبة التي تدخل في تلويث الهواء ستة أصناف : أول اوكسيد الكربون، والجسيمات المعلقة، وأكاسيد الكبريت،والهدرو كربونيات الغازية ، وأكاسيد النتروجين،والأوزون .
أما أول أوكسيد الكربون : ذلك الغاز السام، فمصدره الرئيسي هو الإحتراق غير الكامل للوقود الكربوني، ولاسيما في السيارات، فهي جسيمات صلبة أو سائلة، يتراوح حجمها بين ما يمكن من دخان أو هباب،وأما الجسيمات المعلقة في الهواء ما لايُرى إلا بالمجهر الإلكتروني، وهذه الجسيمات الدقاق يمكن أن تبقى معلقة في الجو مدة طويلة، وأن تُحمل الى مسافات بعيدة ، تذرها الرياح ، ومصادرها الرئيسية أجهزة احتراق الوقود الثابتة ، كأجهزة التدفئة وتوليد الطاقة التي تنتج جُلّ الجسيمات المرئية .
أما الأكاسيد الكبريتية: فأهمها ثاني أوكسيد الكبريت وحمض الكبريتيك وسائر مركبات السلفات، وهي تصدر من الوقود الكربوني وجلّه مُلّوث بالكبريت ، كما تصدر من بعض أنواع المصانع . وإن ثاني أوكسيد الكبريت وثاني أوكسيد النتروجين هما غازان سامان ومسؤولان عن تكوين الأمطار الحمضية وذلك بتفاعل هذين الغازين مع ذرات الماء وتشكيل حمض الكبريتيك وحمض النيتريك اللذان يعتبران سما قاتلا للنباتات والغابات وإتلاف المنشآت .
وأما الهيدروكربونيات الغازية: فهي غير سامة في حد ذاتها بالمقادير التي توجد بها ولكنها تعتبرمن أهم مُدنسات الهواء لدورها في تشكيل الأوزون وسائر المؤكسدات .
وأما الاكاسيد النتروجينية : فتتشكل من إتحاد النتروجين بالأوكسجين في الحرارات العالية التي يحترق بها الوقود ،وخطرها يتمثل في توليد الأوزون

يقول الأستاذ الدكتور مرشد خاطر في مقال بعنوان „هواء المدن“ نشره في أحد أعداد مجلة المجمع العربي بدمشق:

„سبعة مؤثرات تؤثر في هواء المدن فتصلحه إذا صلحت وتفسده إذا فسدت وهي:

1 ـ الموقع الجغرافي وينطوي تحته أربعة أمور:الارتفاع عن سطح البحر،وتركيب الأرض الجيولوجي،ومسيل الماء،ومهب الرياح.

2 ـ غرس الأشجار ووجود الساحات الفسيحة.

3 ـ تلوث الهواء بغبار الطرق العامة الناقل للجراثيم المرضية.

4 ـ تلوثه بالروائح الكريهة والدخان وما ينبعث من المصانع والمعامل من غبار المعادن وسواها.

5 ـ ضرر المدافن فيه.

6 ـ فساده بنقل المواد الغائطة.

7 ـ تأثير حالة الطرق العامة فيه وينطوي تحته ميل الطرق وهيئتها وأرصقفتها ومجاريها ووجهتها وتعرضها للشمس وهندسة بيوتها.

1 ـ الموقع الجغرافي:

نأخذ مثالاً على ذلك مدينة دمشق،وهي مدينة تخترقها الأنهر الغزيرة وهي ذات موقع جغرافي حسن،فهي قائمة في سهل تكتنفه الجبال البعيدة فإلى الشمال جبل قاسيون الممتد من الربوة حتى ثنية العقاب حيث بدء جبل القلمون،وفي سفحه حي الصالحية والمهاجرين وإلى الشمال الشرقي جبل القلمون(يوناني معناه القصب)وهو يبعد عن المدينة خمسة كيلو مترات أو ستة،وإلى الغرب الجنوبي جبل الشيخ وهو يبعد ثلاثين كيلو متراً عن دمشق وبه تمر الرياح الغربية الجنوبية الباردة في فصل الشتاء.وأمام جبل الشيخ تقوم جبال الربوة والمزة وتبعد عن دمشق زهاء ثلاثة كيلو مترات وإلى الجنوب جبال حوران الممتدة حتى البادية وتبعد عن دمشق ثلاثين كيلومترا،وإلى الشرق البادية المطلقة ومنها تهب الرياح الحارة في فصل الصيف وإلى الشرق الجنوبي تمتد الغوطة حتى بحيرة الهيجانة التي يصب بها نهر بردى ،وتلك البقعة يكثر فيها السباخ والمستنقعات.

فموقع دمشق الجغرافي متوفرة فيه الشروط الصحية لأن الجبال التي تكتنف المدينة بعيدة لا تمنع الشمس عن إرسال أشعتها القاتلة للجراثيم ولا توقف الأرياح العاصفة عن الوصول إلى المدينة فتجدد حتى في أضيق أزقتها الهواء تجديداً دائماً.وإنما وجود الغوطة في الجهة الشرقية من المدينة يجعل البعوض يتكاثر والبرداء وحمى الأيام الثلاثة تتفشيان تفشياً شديداً ،وهذا يمكن القضاء عليه بتجفيف المستنقعات مهما كلف الأمر.وإن دمشق متوفرة فيها من الوجهة الجيولوجية ومسيل الماء الشروط الملائمة للصحة لأن آبارها عميقة لا يوصل إلى المناء فيها قبل حفر عشرات من الأمتار .

2 ـ الارتفاع عن سطح البحر:

إن الارتفاع يؤثر شديداً في هواء المدن فيصلحه أو يفسده ولعله أقوى المؤثرات ,اهمها حتى أن بعض علماء الصحة يرى فرقاً بين حي وآخر من أحياء مدينة واحدة لا يتجاوز فرق ارتفاعهما عشرين متراً أو أربعين،والبرهان على ذلك جليّ واضح في دمشق فإن حي الصالحية والمهاجرين القائم في سفح جبل قاسيون أجود هواء من سائر أحياء دمشق لأنه أكثر ارتفاعاً منها.

وإن للارتفاع حداً إذا تجاوزه أضرَ بالصحة ضرراً بليغاً لأن الضغط الهوائي ينقص كلما علت المدينة،وكلما خف الضغط الهوائي نقصت كمية الأوكسجين في الهواء فينشأ عن ذلك النقص تبدل محسوس في الصحة،وهذا الارتفاع المضر يحدث عندما يقع الارتفاع بعد ألف وخمسمائة متر.وخير المدن هواء ما تراوح ارتفاعها عن سطح البحر بين سبعمائة وألف متر.

3 ـ الوجهة الجيولوجية أو تركيب طبقات الارض:

حيث تقسم المدن إلى صخرية ورملية وصلصالية ولحقية وهي أرض مركبة جيولوجياً من مواد كانت عالقة بالماء فرسبت بعد نضوب الماء منها .وقد أضيف إلى هذه الأقسام قسم خامس وهو المدن التي تقام على أرض اصطناعية.

فالمدن الصخرية أجود هواء من سائر المدن الأخرى وذلك بسبب صلد أرضها أي عدم نفوذها وسيلان المواد العفنة والمياه القذرة عليها دون أن تمتصها الأرض فتبقى كامنة فيها وتنشر الأوبئة والأمراض متى تيسرت لها الذرائع الملائمة.

وأما المدن الرملية فلا تعد ملائمة للصحة إلا متى كانت الطبقة الواقعة تحت الرمل غير صلداء لأنها إذا كانت صلصالية اجتمع الماء فيها ورطب الأرض وكانت تلك الطبقة كخزانات للمواد العفنة تجتمع فيها فتلوث طبقة الأرض السطحية وتفسد الهواء.

وأما المدن اللحقية فإنها مدن يكثر فيها السباخ وتتوفر فيها الشروط الملائمة لنمو البعوض وتكاثره.