الإسلام والبيئة (3/5)
- ١ الإسلام والبيئة
- ٢ الإسلام والبيئة
- ٣ الإسلام والبيئة
- ٤ الإسلام والبيئة
- ٥ الإسلام والبيئة
وأما مفرزات الحيوانات فهي أشدّ ضرراً من مفرزات الإنسان لأنه عدا الأضرار التي ذكرتها تنقل مرضين من أشد الأمراض وطأةً وخطراً وهما:الكزاز الذي ينتقل بأقذار الحيوانات جميعها والكيس الدودي (الكيسة المائية)الذي سببه أقذار الكلاب لأن هذه الحيوانات الأخيرة تحمل في أمعائها دودة شبيهة بالشريطية الوحيدة في الإنسان وتسمى شريطة المكورات المقنفذة،فمتى طرحها الكلب في الأزقة تصبح بيوضها حرة وتنتقل إلى الإنسان بالماء أو إلى الأولاد بملاعبتهم للكلاب ولا سيما في أثناء تناول الطعام وتولد في الكبد أو الطحال أو الرئة أو الخلب أكياساً كبيرة تستدعي عملية جراحية لا تخلو من الخطر.
وأما بقايا المواد الغذائية وهي فضالات المطابخ فإنها خليط من المواد الحيوانية والنباتية والمعدنية قابل للاختمار وسريع التفسخ .فمتى اختمرت هذه الفضلات واختمارها سهل لا يستغرق إلا أياماً قلائل انتشرت في الهواء روائح نتنة وغازات مضرة بالصحة العامة .ولهذا يترتب علينا ألا نبقي هذه الفضلات مدة طويلة في البيوت كي تختمر فتضر،وألا نلقيها على الطرق العامة مبعثرة فنلوثها بل يجب أن تحصر في صناديق مقفلة وتوضع على الرصيف ثم تنقل صبيحة كل يوم إلى خارج البلدة“.
كما حض الإسلام وكذلت تعاليم الأطباء العرب ومنذ القديم على ما يسمى“الصحة الاجتماعية“.
يقول الأستاذ عادل البكري في مقال له بعنوان“الطب الوقائي عند العرب“ نشره في أحد أعداد مجلة المجمع العلمي في دمشق:
„ويقصد بالصحة الاجتماعية المحافظة على صحة المجتمع عامة من الأمراض.وكان العرب يفرضون رقابة شديدة على الأسواق والمحلات العامة وحوانيت الأغذية ويوكلون هذه المراقبة الصارمة إلى „المُحتسب“،ويدعون العمل الذي يقوم به بالحسبة،وهي إلزام أصحاب الصنائع بكفّ الأذى عن الناس واتباع النظافة وعدم الغش.ومن ذلك ما يذكره ابن عبدون الأندلسي من أنهم يولون العناية بنظافة الطرق،ويمنعون الناس من طرح الأوساخ أو إراقة الماء فيها،ويمنعون الصباغين من عملهم في الأسواق والطرق الضيقة لئلا يتلوث لباس المارة.
ومنها أيضاً مراقبة الطحانين وإلزامهم بغربلة القمح وتنقيته قبل الطحن،ومراقبة الخبازين وأن لا يعجن أحدهم إلا وهو ملثم لئلا يتطاير من فمه شىء إذا عطس أو تكلم.وأن يشد على جبينه عصتبة بيضاء كي لا يعرق فيقطر منه شىء فوق العجين،وأن يحلق شعر ذراعيه حتى لا يسقط منه شىء فيه،وإذا عجن في النهار فليكن عنده إنسان بيده مِذبّة يطرد عنه الذباب.
ومنها كذلك مراقبة الجزارين ومنعهم من الذبح على أبواب دكاكينهم بل في مذبح خاص،وكانوا ينهون الأبخر(وهو ذو الرائحة الكريهة في الفم) من النفخ في الشاة عند سلخها.ويأمرونهم بأن يعزلوا لحوم الماعز عن لحوم الأغنام،وأن يخضبوا لحم الماعز بالزعفران ليميزوه عن غيره،وأن تكون أذناب الماعز معلقة على لحومها عند البيع.ويأمرونهم إذا فرغ أحدهم من بيع اللحم أن يأخذ ملحاً مسحوقاً وينشره على القرمة التي يقصب عليها اللحم لئلا تتعفن أو تدّود.وكانوا يمنعونهم من بيع لحم الميتة أو المريضة أو اللحم المتغير اللون.وإن شك المحتسب في الحيوان هل هو ميتة أو مذبوح اختبر اللحم بالماء فإن طفى فهو ميتة وإن رسب فهو مذبوح.ونظراً لما لاحظوه من أن البقر والدجاج يأكل الأقذار فقد نهوا عن أكل لحمه أو شرب لبنه إلا بعد حبسه وإطعامه طعاماً طاهراً مدة حتى يطيب لحمه ولبنه.
ومنها مراقبة أصحاب حوانيت الأغذية المعروفة آنذاك كالحلوانيين والشرابيين واللّبانيين والشوائين وقلائي السمك،وأصحاب معاصر الشيرج(دهن السمسم)وكذلك السقائين،وكان عمل المحتسب إذ ذاك كما يقول الأندلسي أن يَحُدّ للسقائين موضعاً يصنعون فيه قنطرة من ألواح فيستقون منها.ولا يتسنّى لأحد أن يشاركهم فيه خوفاً من تلوث الماء،ولا أن يقترب من الموضع أحد للاغتسال روغسل الثياب.كما أنهم يمنعون بيع ثياب المرضى في الأسواق خوفاً من نشر العدوى بين الناس.
(يمكن الرجوع إلى الموضوع أيضاً في مقال العدوى بين الطب والإسلام في الموقع).
الرفق بالحيوان:
إن عالم الحيوان كعالم الإنسان له خصائصه وطبائعه وشعوره، يقول تعالى:{وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أممٌ أمثالكم][الأنعام38]. وقد وجّه الإسلام عنايته ورعايته ورفقه بالحيوان بحيث لانجد لهذا مثيلاً في الأديان الوضعية ولا الحضارات القديمة أو المعاصرة.
في مقال تحت عنوان الرفق بالحيوان (من أحد اعداد مجلة حضارة الإسلام أنقل الكلام بالنص) ـ :
„أقام الإسلام هدايته على أساس الرحمة المحفوفة بالحكمة، والرحمة تبعث النفوس مبعث الرفق والإحسان، والحكمة تقف بالرحمة عند حدود لو تجاوزتها انقلبت الى ضعف ورعونة،وعلى هذا الطريق الوسط جاءت الأحكام والآداب الخاصة بالتصرف في الحيوان .
أذن الإسلام في أكل الطيب من الحيوان،ونبَّه بهذا الإذن على خطأ أولئك الذين يقبضون أيديهم عن تذكيته أو أكله بدعوى الرأفة أو الزهد ،وأباح استعماله في نحو الركوب والحراثة وحمل الأثقال .
وقد امتنّ القرآن الكريم بهذه الضروب من الاستمتاع المألوف بين العقلاء فقال تعالى : {والأنعامَ خَلقها لكُم فيها دِفءٌ ومنافعُ ومنها تأكلون * ولكُم فيها جمالٌ حينَ تُريحون وحين تَسرحون* وتحمِلُ أثقالَكُم إلى بلدٍ لم تكونوا بالغيهِ إلا بِشِقِّ الأنفُسِ إنَّ ربَّكُم لرؤوفٌ رحيم}[النحل5 ـ 7] ،وقال تعالى : {وجعلَ لكُم من جُلودَ الأنعامِ بُيوتاً تَستَخِفُّونَها يومَ ظَعنِكُم ويومَ إقامتِكُم ومن أصوافِها وأوبارِها وأشعارِها أثاثاً ومتاعاً إلى حين}[النحل80] .
امتنّ الله تعالى في كتابه العزيز بما يتخذ من أصواف الأنعام وأوبارها وأشعارها وجلودها من الملابس والفرش،والبيوت ،وبما يتغذى به من ألبانها ولحومها ، وبما هيئت له من حمل الأثقال،وهذه المنافع من أهم ماتنتظم به حياة الإنسان .
وقال تعالى : {والخيلَ والبغالَ والحميرَ لتركبُوها وزينةً ويخلُقُ ما لا تعلمون }[النحل8]“. فذكر في هذه الآية أهم ما خلقت له الخيل والبغال والحمير من المنافع وهو الركوب، وفي الركوب راحة البدن،وسرعة الانتقال من مكان إلى مكان، والراحة من متممات الصحة وسرعة الانتقال حفظ للوقت من أن يذهب في غير جدوى .
امتنّ الله بالأنعام والخيل وما عطف عليها، ونبَّه على ما فيها من جمال وزينة ، وفي هذا ما يرشد الى أن يكون الاستمتاع بها في رفق ورعاية،فإن إرهاقها أو قلة القيام على ماتستمد منه حياتها، يجعل نفعها ضئيلاً، ويذهب بما فيها من جمال وزينة .
كان للعرب قبل الإسلام عادات تحرمهم من الإنتفاع ببعض أفراد الحيوان وفيها قوة على أن ينتفعوا بها، ومن هذا القبيل الناقة المسماة بالسائبة:وهي الناقة التي يقول فيها الرجل : إذا قدمت من سفري، أو برئت من مرضي فهي سائبة ، ويحرم ركوبها ودرّها . والوصيلة : وهي أن تلد الشاة ذكراً وأنثى فيقولون : وصلت أخاها، فلا يذبح من أجلها الذكر . والجمل المسمى بالحام : وهو الفحل الذي ينتج من صلبه عشرة أبطن، فكانوا يقولون : قد حمى ظهره، ويمتنعون من ركوبه والحمل عليه .والبحيرة : وهي الناقة التي تنتج خمسة أبطن آخرها ذكر ، فإنهم كانوا يبحرون أذنها أي يشقونها، ثم يحرمون ركوبها ودرها .
ثم جاء الإسلام، فلم ير من الحكمة تعطيل الحيوان وهو صالح لأن ينتفع منه ، فنهى عن هذا التعطيل الناشئ عن سفاهة الرأي فقال تعالى : {ما جعلَ اللهُ من بَحيرةٍ ولا سائبةٍ ولا وَصيلةٍ ولا حَامٍ ولكنَّ الذين كفروا يفترونَ على الله الكَذِبَ وأكثرهم لايعقلون}[المائدة103 ].
وكان للعرب عادات يسومون فيها الحيوان سوء العذاب، ومن هذه العادات ما يفعلونه لموت كريم القوم، إذ يعقلون ناقته أو بعيره عند القبر ويتركونها في حفرة لا تطعم ولا تسقى حتى تموت . ومن هذا الباب شقّهم لآذان الأنعام ـ كما في البحيرة ـ وهو ما أشار الى قبحه القرآن الكريم ،إذ جعله مما يأمر به الشيطان، فقال تعالى : { لعنهُ الله وقالَ لأَتَّخِذَنَّ من عِبادِكَ نصيباً مفروضاً * ولأُضِلّنّهُم ولُأمَنِّينَّهُم ولآمُرَنَّهُم فَليُبَتِّكُنَّ آذانَ الانعامِ ولآمُرنَّهُم فلَيُغيِّرُنَّ خلقَ الله}[النساء118 ـ119].
ما زال الحيوان كسائر الامتعة تحت يد مالكه يفعل فيه كيف يشاء،وإذا ناله رفق فمن ناحية عاطفة الإنسان على ما يملك لتطول مدة انتفاعه به، ولكن الإسلام أرشد الى أن الحيوان في نفسه حقيق بالعطف ، فغرس له في القلوب عطفا عاما واستدعى له الرحمة حتى من قوم لا ينتفعون أو لا يرجون أن ينتفعوا به في حال وجعل الرفق به من قبيل الحسنات التي تذهب السيئات،وتنال بها المثوبة عند الله
أذن الإسلام في قتل الحيوان المُؤذي كالكلب العقور والفارة،وأمر بالإحسان في القتل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :“ إن الله كتب الإحسان على كل شئ ، فإذا قتلتم فاحسنوا القتلة “ وأذن في ذبح الحيوان للإستمتاع بالطيب من لحومه ، فقال صلى الله عليه وسلم :„وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة،وليحد أحدكم شفرته ، وليرح ذبيحته „.
قد يخطر على البال أنه متى أذن في قتل الحيوان أو ذبحه فللإنسان أن يتخذ لازهاق روحه ما شاء من الطرق أو الوسائل، فقصد الشارع الحكيم إلى دفع هذا الخاطر وإرشاد الناس الى اتخاذ أحسن الطرق في القتل أو الذبح ، فلا يجوز إحراق ما أذن في قتله أو التمثيل به ، ويجب إرهاف آلة الذبح حتى لا يلاقي الحيوان قبل إزهاق روحه آلاماً . وقد ذكر أهل العلم آداباً اقتبسوها مما جاءت به الشريعة من أصول الرفق بالحيوان، فقال عمر رضي الله عنه :“ من الإحسان للذبيحة أن لا تجر الذبيحة إلى من يذبحها „. وقال ربيعة :“ من الإحسان أن لا تذبح ذبيحة وأخرى تنظر إليها ، وأن لا يصرعها بعنف „.
أباحت الشريعة صيد الحيوان بنحو الجوارح والنبال والشباك ، لينتفع منه الإنسان بما يحل الانتفاع به ، ومنعت من أن يُنصب الحيوان غرضاً ليرمى بنحو النبال . ومما نقرؤه في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم قوله :“ لا تتخذوا شيئاً فيها الروح غرضاً“ [رواه مسلم ]، وفي صحيح الإمام مسلم أيضا “ مرّ ابن عمر بفتيان من قريش قد نصبوا طيراً وهم يرمونه ،وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم ، فلما رأوا ابن عمر تفرّقوا ، فقال ابن عمر : من فعل هذا ؟ لعن الله من فعل هذا،إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من اتخذ شيئا ً فيه الروح غرضاً “ .
ووردت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل سقي الحيوان وإطعامه وعدَّهما من عمل الخير الذي تنال به الزلفى عند الله ، قال صلى الله عليه وسلم :“ ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة “ [صحيح البخاري ]. وفي الصحيح أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :„بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش ، فوجد بئراَ, فنزل فيها ، فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش،فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه، فسقى الكلب، فشكره الله فغفر له، قالوا : يا رسول الله : وإن لنا في البهائم أجراً ! فقال : في كل ذات كبد رطبة أجر “ [رواه البخاري] .
(وفي رواية للبخاري ومسلم:“بينما كلب يُطيف بركيّة(بئر)قد كاد يقتله العطش إذ رأته بغيٌّ من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها فاستقت له به فسقته فغفر لها به).والموق:الخف.
وانظر إلى قولهم :“وإن لنا في البهائم أجراً “ تراهم كيف يستهينون بأمر الحيوان ولا يعتقدون أن الإحسان إليه يبلغ مبلغ الإحسان الى الإنسان فيستحقون عليه أجراً ، وكيف يكون حال حيوان وقع تحت يد من لا يعتقد انه سينال بالإحسان إليه ثواباً ويبقى من أجل القسوة عليه عذاباً .
وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :“ عذبت امرأة في هرّة حبستها حتى ماتت فدخلت النار، لاهي أطعمتها وسقتها إذ هي حبستها ،ولا هي تركتها تأكل من خَشاش الأرض „.[ رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما] . والوعيد بعقوبة النار على الأمر يدل على أنه من المحظور حظراً لا هوادة فيه ، ومن ذا يخطرعلى باله قبل هذا ان يكون لحيوان كالهرة حرمة تبلغ في الخطر أن يعاقب من ينتهكها بعذاب النار .
وقرر الفقهاء وجوب القيام على سقي الدابة وإطعامها، بأن يعلفها أو يرعاها بنفسه، أو يكل لغيره رعيها ولو بأجر،ولم يختلفوا في وجوب ذلك عليه، وصرح طائفة منهم بأنه يجبر عليه قضاء، فإن لم يفعل بيعت الدابة ، ولا تترك تحت يده تقاسي عذاب الجوع ، ومما نقرؤه في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مر ببعير قد لحق ظهره ببطنه فقال :“ اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة ،فاركبوها صالحة وكلوها صالحة “ [أخرجه ابو داود ].
وتُحرّم الشريعة الإساءة الى الحيوان بتحميله من الأثقال مالايطيق، وكان الصحابة رضي الله عنهم يعرفون أن من حمَّل دابة مالايطيق حوسب عليه يوم القيامة، يُروى عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال لبعير له عند الموت :يا أيها البعيرلا تخاصمني الى ربك، فإني لم أكن أحمَّلك فوق طاقتك . وقال الغزالي في الحديث عن الرفق بالدابة وعدم تحميلها مالا تطيق :“ والمَحمِل خارج عن حد طاقتها ، والنوم عليها يؤذيها ويثقل عليها “ .
( المحمل : شقان على البعير يحمل فيهما العديلان).
وانما يجوز الحمل على ما يطيق الحمل كالابل والبغال والحمير،ولا يجوز الحمل على مالم يخلق للحمل كالبقر، قال ابن العربي : لا خلاف في البقر انه لايجوز ان يحمل عليها .وذهب كثير من أهل العلم الى المنع من ركوبها نظراً الى أنها لا تقوى على الركوب، وإنما ينتفع بها فيما تطيقه من نحو إثارة الارض وسقي الحرث .
ومن الرفق بالدابة أن لا يركبها ثلاثة أشخاص يكون عبؤهم عليها ثقيلاً، أخرج ابن أبي شيبة عن زاذان انه راى ثلاثة على بغل، فقال :لينزل أحدكم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الثالث . وأخرج الطبري عن علي رضي الله عنه أنه قال :“إذا رأيتم ثلاثة على دابة فارجموهم حتى ينزل أحدهم „
ومن الرفق بالحيوان تجنب أذيته في بدنه بنحو الضرب الأليم،والإشعار الوارد في بُدن الهدي ليس إلا جرحاً في سنام البعير بنحو المبضع ، ليكون علامة أنها هدي، وأما طعن البدنة بنحو السنان حتى يتجاوز الجلد الى اللحم فانما يرتكبه الجهال،ولا يختلف العلماء في تحريمه .
ومن الرفق بالدابة أن لا يتابع السير عليها متابعة ترهقها تعباً، قال صلى الله عليه وسلم :“ إذا سافرتم في الخصب فأعطوا البغل حظاً من الأرض “ وفي رواية „ولا تعدوا المنازل“ [رواه مسلم وابوداود ].
ومن الفنون التي يسلكها قساة القلوب في تعذيب الحيوان تهييج بعض الحيوان على بعض، كما يفعل بين الكباش والديوك وغيرها،وهو من اللهو الذي حرمته الشريعة لما فيه من إيلام الحيوان وإتعابه في غير فائدة، وفي سنن ابي داود والترمذي :“ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التحريش بين البهائم „ .
وان شئت ان تزيد يقينا بما جاء به الاسلام من الرأفة بالحيوان فانظر الى مارواه أبو داود عن عبد الرحمن بن عبد الله عن ابيه إذ قال :“ كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حُمَّرة ـ نوع من الطيور ـ معها فرخان فأخذنا فرخيها ، فجاءت الحمرة فجعلت تعرش ـ ترتفع وتطل بجناحيها ـ ، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من فجع هذه بولدها ؟ ردوا ولدها إليها ، ورأى قرية نمل قد أحرقناها ، فقال : من أحرق هذه ؟ قلنا : نحن، قال : إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا ربّ النار “ [رواه أبو داود ].
وقد نص علماؤنا على حرمة تمكين الصبي من التلهي بالطير على وجه فيه إيلام له .انتهي المقال في مجلة حضارة الاسلام .
وجاء في مقال للعلامة الدكتور القرضاوي بعنوان : „الوقف الخيري وأثره في تاريخ الإسلام“ :
„وكان هناك وقف للكلاب الضالة، وهو وقف في عدة جهات يُنفق من رَيعه على إطعام الكلاب التي ليس لها صاحب، استنقاذاً لها من عذاب الجوع ، حتى تستريح بالموت أو الاقتناء .ويتابع :كان في دمشق وقف لرعاية الحيوانات الأليفة التي لا تجد من يطعمها، كالقطط ، ولا سيما المصابة بالعمى منها ، مثل بيت القطط الذي كان الى عهد قريب موجودا في سوق ساروجة بدمشق، وكان فيه ما يزيد على أربع مائة قطة من الفارهات السمان „.
ويقول الدكتور الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله(من روائع حضارتنا ص113):
„يقرر الفقهاء المسلمون من أحكام الرحمة بالحيوان ما لايخطر بالبال.فهم يقررون أن النفقة على الحيوان واجبة على مالكه،فإن امتنع أجبر على بيعه أو الإنفاق عليه،أو تسييبه إلى مكان يجد فيه رزقه ومأمنه،أو ذبحه إذا كان مما يؤكل.
هذه هي مبادئ الرفق بالحيوان في حضارتنا وتشريعنا. فكيف كان الواقع التطبيقي لها؟
بينما رسول الله في بعض سفره، إذ سمع امرأة من الأنصار تلعن ناقة لها وهي تركبها،فأنكر ذلك عليها وقال:“خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة“، وأخذت الناقة وتركت تمشي في الناس لا يعرض لها أحد.[رواه مسلم].
ومر عمر بن الخطاب رضي الله عنه برجل يسحب شاة برجلها ليذبحها فقال له:“ويلك قدها إلى الموت قوداً جميلاً.
ويتابع رحمه الله:“وأما المؤسسات الاجتماعية فقد كان للحيوان منها نصيب كبير.وحسبنا أن نجد في ثبت الأوقاق القديمة أوقافاً خاصة لتطبيب الحيوانات المريضة،وأوقافاً لرعي الحيوانات المسنة العاجزة.ومنها أرض المرج الأخضر(التي يقام عليها معرض دمشق الدولي والملعب البلدي بدمشق) فإنها وقف للخيول العاجزة التي يأبى أصحابها أن ينفقوا عليها لعدم الانتفاع بها،فترعى في هذه الأرض حتى تموت.ومن أوقاف دمشق وقف للقطط تأكل منه وترعى وتنام،حتى لقد كان يجتمع في دارها المخصصة لها مئات القطط الفارهة السمينة التي يقدم لها الطعام كل يوم وهي مقيمة لا تتحرك إلا للرياضة والنزهة“.
يقول الأستاذ محمد قطب رحمه الله (قبسات من الرسول ص94):
في الحديث الشريف:“إن الله كتب الإحسان على كل شيء،فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة،وإذا ذبحتم فاحسنوا الذبحة،وليحد أحدكم شفرتعنوليرح ذبيحته“[رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة].
يقول الأستاذ محمد قطب:“ياالله! يارحمة نبيه…!
„وليرح ذبيحته“..ومتى؟وهو مقدم على ذبحها!!وليحد شفرته حتى يجهز عليها في لحظة ويخلصها من العذاب!ألا إنها رحمة أنبياء.ألا إنها روح الله.
إنه مرتقى للمشاعر البشرية يبلغ القمة التي ليس وراءها شيء.إلا ذلك النور الأعظم الذي ينير الكون كله وينفذ إلى قلوب الكائنات.
إنها الرحمة التي لاتقف عند الأناسي من الخلق،ولايحكمها انحياز الإنسان لنفسه واعتداده بجنسه،وإنما تتعداها إلى المجال الواسع الفسيح الذي يشمل كل الأحياء في الكون.
ثم لاتقف عند هذا المدى ـ وهو في ذاته قمة عالية ـ وإنما ترتقي درجة أخرى!فالرحمة بالأحياء درجة“مفهومة“ على أي حال،سواء وفق إليها القلب البشري أم انحرف عنها وشذ.
مفهوم أن تقول لي:لاتقتل هذا العصفور،فإنه ضعيف مسكين وهو جميل لطيف لايستحق القتل.
ومفهوم أن تقول لي:لاتقتل هذه الفراشة الطائرة القافزة الرشيقةنفإنك لن تستفيد شيئاً من قتلها،وهي في رشاقتها اللطيفة جمال يحسن أن تمتع به حسك وروحك.
بل مفهوم أن تقول لي:لاتقتل هذه الزهرة الجميلة ـ حتى إن كانت لاتتألم للقتل ـ فهي في غصنها هكذا جميلة..أجمل منها في يدك أو في عروة ثيابك.
كل ذلك مفهوم.والقلب البشري الطيب يمكن أن يوجه إليه في يسر،فيعتاده فيصبح من طباعه.
ولكنها درجة وراء هذا المفهوم ـ أعلى منه وأشف ـ أن أقول لك:هذه الذبيحة التي ستذبحها،والتي لن تكون حية بعد لحظات…أحسِن ذبحتها ولاتطل آلامها ولا“تمتها موتات“كما ذكر البخاري في حديث قريب من هذا الحديث(الحديث:أتريد أن تميتها موتات؟هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها؟).
وليرح ذبيحته!
إنها كلمة تهز الوجدان هزاً كلما تذكرها وتمثلها!و“ليرح“..الحرص على إراحة الذبيحة وهي تذبح.وهي تساق إلى العدم.إلى الفناء.إلى حيث لاتوجد ولاتشعر.
ماالقيمة „العملية“لإراحة الذبيحة هذه الثواني المعدودة التي تنتقل فيها من عالم الوجود إلى عالم الفناء؟بل ماقيمة إراحتها وأنت مقبل على إيلامها أشد ألم يمكن أن تتعرض له وهو الذبح؟
في الظاهر…لا شيء!
وفي الباطن…كل شيء!
إن الذبيحة ميتة ميتة.أرحتها أم لم ترحها.وهي متألمة متألمة،سواء قطر قلبك رحمة بها أم كنت تذبحها مجرد القلب من المشاعر متبلد الوجدان.وهي لن تلقاك بعد اليوم فتشكو إليك عنفك معها،إن كنت ممن يفهمون عن هذه الخلائقنويجاوبون ما يصدر عنها من الأحاسيس.ولن يضيرها كثيراً ـ وهي مسوقة إلى الفناء الكامل الوشيك ـ أنها ذاقت قبل ذلك بلحظة شيئاً من الغلظة أو شيئاً من الجفاء!
وإذن فالقيمة العملية بالنسبة للذبيحة…لاشيء!
ولكن القيمة“العملية“لك أنت…كل شيء!وهل ثمت شيء أكبر من أن يكون لك قلب إنسان؟!