الإسلام والبيئة (1/5)
- ١ الإسلام والبيئة
- ٢ الإسلام والبيئة
- ٣ الإسلام والبيئة
- ٤ الإسلام والبيئة
- ٥ الإسلام والبيئة
بسم الله الرحمن الرحيم
الإسلام والبيئة
يقول العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله(موقع القرضاوي):
“ قد يستغرب بعض الناس حديثنا عن رعاية البيئة في الشريعة الإسلامية،ظناً منهم أن الإسلام إنما يُعنى بالعبادات الشعائرية فقط،وأن فقه الإسلام يُعنى بالحيض والنفاس والاستنجاء والتيمم ولا علاقة للإسلام بالكون،ولا بالإنسان ولا بالحياة،ولا بالبيئة . هذه نظرة قاصرة وخاطئة في فهم رسالة الإسلام والحقيقة أن رسالة الإسلام رسالة شاملة تشمل الدين والدنيا،وتشمل العقيدة والشريعة،والدعوة والدولة،والفرد والمجتمع، وتشمل الحياة الإنسانية كلها،بل الكون كله „.
ويقول الفيلسوف الفرنسي المسلم العظيم رجاء جارودي رحمه الله:
“ إن القرآن يعلمنا أن نرى في كل حادث وفي كل شئ آية من آيات الله ورمزاً لوجودٍ أعلى يُسيّرنا،ويُسّير الطبيعة والمجتمع،وهدف الدين الرئيسي هو التناسق والوحدة الصادرة عن الله تعالى والعائدة إليه „.
تعريف البيئة :
هي كل ما يحيط بالإنسان من مظاهر ومؤثرات وظروف وأحوال،وتشمل مكونات البيئة من التربة والهواء والماء والنباتات والحيوانات .
وجاء في دائرة المعارف الإسلامية :
„البيئة والباءة في اللغة أسماء مختلفة بمعنى المنزل الذي يأوي إليه الإنسان أو الحيوان ويقيم فيه . وهي مشتقة من الفعل بوَّأ _ بتشديد الواو _ فيقال أباءه منزلاً وبوأه إياه بمعنى هيأه له وأنزله ومكَّن له فيه . قال تعالى :{ والذينَ أمنوا وعملُوا الصَّالحاتِ لَنُبوِّئَنَّهُم من الجنَّةِ غُرَفاً تجري من تحتِها الأنهارُ خالدينَ فيها نِعمَ أجرُ العاملين }[ العنكبوت 58].
ولقد جاءت عدة أيات قرآنية في تسع سور في موضوع الفعل الثلاثي „بوأ“ وهي :{ وبَوَّأكُم في الأرضِ تتَّخذونَ من سُهُولِهَا قُصُوراً} [الأعراف 74 ]،وبوأكم هنا : أسكنكم .{ولقد بَوَّأنَا بَني إسرائيلَ مُبَوَّأ صِدق} [ يونس 93].
{وإذ بَوَّأنَا لإبراهيمَ مكانَ البيتِ أن لا تُشرِك بي شيئاً } [الحج 26] (أي: أرشده إليه وأذن له في بنائه كما جاء في تفسير ابن كثير) .
{وإذ غدوتَ من أهلكَ تُبَوّئُ المُؤمنينَ مَقاعدَ للقتال والله سميعٌ عليم] [آل عمران 121].
{والذينَ هَاجرُوا في الله من بعدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوَّئَنَّهُم في الدُّنيا حسنة} [النحل 42].{ والذينَ تَبَوَّءُوأ الدارَ والإيمان} } [الحشر 9].
{وأورثنا الارضَ نَتَبوَّأُ من الجنّة ِحيثُ نشاءُ فَنِعمَ أجرُ العاملين} [الزمر74] . {وكذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ في الأرضِ يَتَبوَّأُ مِنها حيثُ يشاء}[ يوسف 56].
{وأوحينا إلى مُوسى وأخيهِ أن تَبَوَّأ لِقَومِكُما بِمصرَ بيوتاً}[ يونس 87].
ولعل أبو قراط صاحب القسم الطبي المشهور والمعروف باسم „أبو الطب“ هو أول من بحث في العلاقه بين البيئة والإنسان في رسالته الشهيرة التي أطلق عليها اسم “ الأهوية والمياه والأماكن “ وكانت أول رسالة في علم المناخ تصف أثر طبيعة الأرض والمناخ والصحة،ومن بعده كتب أرسطو وبطليموس وجالينوس في نفس الموضوع .
وكان العالم المسعودي من أوائل الجغرافيين العرب الذين كتبوا في العلاقة بين البيئة والإنسان في كتابه المشهور“مروج الذهب ويُعتبر ابن خلدون أكثر العلماء العرب تفصيلاً في شرح العلاقة بين الإنسان والبيئة .
نظرة الإسلام إلى البيئة
1 ـ نظرة المحبة والتناسق والإنسجام :
إن نظرة الإسلام إلى البيئة وتفاعل المسلم معها هي نظرة محبة وتناسق وانسجام فالخالق واحد،والمخلوق سواءً كان إنساناً أوحيواناً أو نباتاً أو جماداً يتبع نفس الخالق،والكل يُسِّبح بحمد الله،ويتبع النواميس والقوانين التي جعلها الله ليكون هناك انسجام وتناسق ومحبة فيما بينهم جميعاً .
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في مقدمة الظلال:
“ على أن المرحلة التي يقطعها (أي الإنسان) على ظهر هذا الكوكب إنما هو رحلة في كون حي مأنوس،وعالم صديق ودود، كَونٌ ذي روح ،تتلقى وتستجيب وتتجه إلى الخالق الواحد الذي تتجه إليه روح المؤمن في خشوع { ولله يَسجدُ من في السّمواتِ والأرضِ طَوعاً وكَرهاً وظِلالُهُم بالغُدُوِّ والأصال }[الرعد15]، {تُسَّبحُ له السّموات السّبع والأرض ومن فيهنَّ][الإسراء 44] {وإن من شئٍ إلاّ يُسَّبحُ بحمده ولكن لا تفقهونَ تسبيحهم}[الإسراء 44] .
ويتابع رحمه الله:
„أيّ راحة وأيّ سَعةٍ وأيّ أُنسٍ،وأيّ ثقةٍ يفيضها على القلب هذا التصور الشامل الكامل الصحيح „.
ويقول رحمه الله(الظلال الجزء الأول ص 207 ـ 208):
„كذلك يفيض السلام على قلب المسلم من صحة تصور العلاقة بين العبد والرب،وبين الخالق والكون،وبين الكون والإنسان…فالله خلق هذا الكون بالحق،وخلق كل شيء فيه بقدر وحكمة.وهذا الإنسان مخلوق قصداً،وغير متروك سدى،ومهيأ له كل الظروف الكونية المناسبة لوجوده،ومسخر له ما في الأرض جميعاً.وهو كريم على الله،وهو خليفته في أرضه.والله معينه على هذه الخلافة. والكون من حوله صديق مأنوس،تتجاوب روحه مع روحه،حين يتجه كلاهما إلى الله ربه.وهو مدعو إلى هذا المهرجان الإلهي المقام في السماوات والأرض ليتملاه ويأنس به.وهو مدعو للتعاطف مع كل شيء ومع كل حي في هذا الوجود الكبير،الذي يعج بالأصدقاء المدعوين مثله إلى ذلك المهرجان! والذين يؤلفون كلهم هذا المهرجان!
ويتابع رحمه الله:
„والعقيدة التي تقف صاحبها أمام النبتة الصغيرة،وهي توحي إليه أن له أجراً حين يرويها من عطش،وحين يعينها على النماء،وحين يزيل من طريقها العقبات…هي عقيدة جميلة فوق أنها عقيدة كريمة.عقيدة تسكب في روحه السلام،وتطلقه يعانق الوجود كله ويعانق كل موجود،ويشيع من حوله الأمن والرفق،والحب والسلام“.
ويقول سيد قطب رحمه الله تعالى في قوله تعالى في سورة ص:{إنا سخرنا الجبال معه يُسبحن بالعشيّ والإشراق}[ص18]:
„ولقد يقف الناس مدهوشين أمام هذا النبأ…الجبال الجامدة تُسبّح مع داود بالعشي والإشراق،حينما يخلو إلى ربه،يرتل ترانيمه في تمجيد هوذكره،والطير تتجمع على نغماته لتسمع له وترجع معه أناشيده…لقد يقف الناس مدهوشين للنبأ،إذ يخالف مألوفهم،ويخالف ما اعتادوه أن يحسوه من العزلة بين جنس الإنسان،وجنس الطير،وجنس الجبالّ!
ولكن فيم الدهش؟وفيم العجب؟إن لهذه الخلائق كلها حقيقة واحدة وراء تميز الأجناس والأشكال والصفات والسمات…حقيقة واحدة يجتمعون فيها ببارىء الوجود كله:أحيائه وأشيائه جميعاً.وحين تصل صلة الإنسان بربه درجات الخلوص والإشراق والصفاء،فإن تلك الحواجز تنزاح،وتنساح الحقيقة المجردة لكل منهم.فتتصل من وراء حواجز الجنس والشكل والصفة والسمة التي تميزهم وتعزلهم في مألوف الحياة“.
ويقول الدكتور العلامة الشيخ يوسف القرضاوي(كتاب الإيمان والحياة ص120):
„والمؤمن يعيش موصولاً بالوجود كلّه،ويحيا في أنس به،وشعور عميق بالتناسق معه،والارتباط به،فليس هذا الكون عدواً له،ولا غريباً عنه،إنه مجال تفكره واعتباره،ومسرح نظره وتأملاته،ومظهر نعم الله وآثار رحمته.هذا الكون الكبير كلّه يخضع لنواميس الله كما يخضع المؤمن،ويسبح بحمدالله كما يسبح المؤمن.والمؤمن ينظر إليه نظرته إلى دليل يهديه إلى ربه، وإلى صديق يؤنسه في وحشته.وبهذه النظرة الودود الرحبة للوجود،تتسع نفس المؤمن، وتتسع حياته وتتسع دائرة الوجود الذي يعيش فيه“.
ويقول الشهيد سيد قطب (الظلال ج1 ص25 ):
„وأما القوى الطبيعية فموقف المسلم منها موقف التعرف والصداقة،لا موقف التخوف والعداء، ذلك أن قوة الإنسان وقوة الطبيعية صادرتان عن إرادة الله ومشيئته، محكومتان بإرادة الله ومشيئته، متناسقتان متعاونتان في الحركة والاتجاه. إنّ عقيدة المسلم تُوحي إليه أنّ الله ربه قد خلق هذه القوى كلّها لتكون له صديقاً مساعداً متعاوناً، وأن سبيله إلى كسب هذه الصداقة أن يتأمل فيها ويتعرف إليها ويتعاون وإياها،ويتجه معها إلى الله ربّه وربّها، وإذا كانت هذه القوى تؤذيه أحياناً فإنما تُؤذيه لأنه لم يتدبّرها ولم يتعرف إليها ولم يهتد إلى الناموس الذي يسيرها .
ولقد درج الغربيون (ورثة الجاهلية الرومانية ) على التعبيرعن استخدام قوى الطبيعة بقولهم “ قهر الطبيعة „ ولهذا التعبير دلالته الظاهرة على نظرة الجاهلية المقطوعة الصلة بالله،وبروح الكون المستجيب لله، فأما المسلم الموصول القلب بربّه الرحمن الرحيم، الموصولة الروح بروح هذا الوجود المُسّبحة لله ربِّ العالمين فيؤمن بأن هنالك علاقة أخرى غيرعلاقة القهروالجفوة، إنه يعتقد أن الله هو مُبدع هذه القوى جميعاً،خلقها كلها وفق ناموس واحد، لتتعاون على بلوغ الأهداف المقدرة لها بحسب هذا الناموس،وأنه سخّرها للإنسان ابتداء،ويسّر له كشف أسرارها،ومعرفة قوانينها، وأن على الإنسان أن يشكر الله،فإلهه هو الذي يُسخّرها له، وليس هو الذي يقهرها {وسخّر لكم مافي الأرض جميعاً} وإذن فإن هذه الأوهام لن تملأ حِسّه تجاه قوى الطبيعة،ولن تقوم بينه وبينها المخاوف،إنه يُؤمن بالله وحده،ويعبد الله وحده،ويستعين بالله وحده،وهذه القوى من خَلقِ ربّه وهو يتأملها ويألفها ويتعرف أسرارها، فتبذل له معونتها،وتكشف له عن أسرارها فيعيش معها في كون مأنوس صديق ودود“.
ويقول الدكتور عماد الدين خليل (مجلة العربي الكويتية العدد 238إيلول 1978):
„يُحدّثنا القرآن الكريم في عدد من الآيات كيف أنه ما من شئ في الطبيعة والكون إلا ويُسّبح بحمد الله،وأن النجم والشجر كظاهرتين إحداهما كونية والأخرى طبيعية يسجدان لله { والنَّجمُ والشَّجرُ يسجُدان }الرحمن6 ]،وأن كلّ المكونات التي تقوم عليها بُنية الطبيعة تدأب ليل نهارتقديساً لله وتعظيماً ابتداءً من الذرات الخفية التي تُسّبح في عوالم لا تراها العيون،وحتى السُدم الهائلة وهي تتحرك في أفلاكها لا تخطئ ولا تبتعد عن إرادة الله وعلمه „.
ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله ( كتاب مقومات التصور الإسلامي) بعد أن يذكر قوله تعالى :{ الذي خَلقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما ترى في خَلقِ الرَّحمنِ من تفاوتٍ فارجعِ البَصَرَ هل ترى من فطور* ثُمَّ ارجعِ البَصَرَ كَرَّتينِ ينقلب إليكَ البَصَرُ خاسئاً وهو حسير* ولقد زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنيا بِمصابيحَ وجعلنَاها رُجُوماً للشياطين وأعتدنا لَهُم عذاب السَّعير} [ الملك 3ـ 5].
يقول رحمه الله :
“ يوجه نظر الإنسان إلى مافي بناء الكون كله من توافق وتناسق وكمال وجمال وزينة تبلغ ذلك الحد الباهر،الذي يرجع البصر منه حسيراً،لا يجد نقصاً ولا يجد ثغرة،ولايملك التطلع إلى شئ وراءه،بل لايملك استيعابه،وهوتعبيردقيق عن حالة واقعة، فالجمال الكوني حين يتطلع الإنسان إلى السماء،يبهر النظرالإنساني بحيث لايشبع منه،وبحيث لايستوعبه حسّه كذلك،إنها حالة من العجز عن استيعاب كل هذا الجمال الفائض الباهر“ .
ويتابع :“إنّه كونٌ صديق للحياة والأحياء،مأنوس للإنسان بوجه خاص،إنه ليس عدواً للحياة كما يقول بعض العلماء الطبيعيين … كلا إنّه كَونٌ صديق مأنوس،أعدّه خالقه لإستقبال الحياة وحضانتها وكفالتها،وسخره لهذا كله،وأمره فأطاع،والنصوص القرآنية التي تُصوّرهذه الحقيقة كثيرة ومتنوعة:
{قُلْ أئنَّكُم لَتكفُرُونَ بالذي خَلقَ الأرضَ في يومين وتَجعلونَ لهُ أنداداً ذَلكَ رَبُّ العالمين * وجعلَ فيها رَواسيَ مِن فَوقِها وبَاركَ فيها وقَدّرَ فيها أقواتَها في أربعةِ أيَّامٍ سَواءً للسائلين * ثُمَّ استوى إلى السَّماءِ وهيَ دُخانٌ فقالَ لها وللأرض ائتِيا طَوعاً أو كَرهاً قالتا أتينا طائعين} [فصلت9 ـ11] .
فأقوات الأرض مُقدّرة فيها منذ خلقها،وفيها الكفاية،وهي أقوات مدّخرة في تربتها الغنية العجيبة التي ننسى لطول الألفة مدى ما فيها من عجب .. إن هذه التربة تنبت با ستمرار .. وعلى مدار العام ..وما إن تبذر فيها البذور،أو تغرس فيها الأغراس،وينالها الماء حتى تنبت وتعطي . ولا تكف عن الإنبات والعطاء ! وحين يتامل الإنسان قطعة صغيرة من الارض،فلا يجد إلا كمية من التراب،ثم يجد هذا التراب ما ينى ينبت،كلما طلب منه الإنبات .. إنها عجيبة تذهب الألفة بجدتها وطرافتها . فأي شئ من صنع غير الله يمكن ان يعطي هذا العطاء،ولا يكف عن العطاء ؟ {وترى الأرضَ هامدةً فإذا أنزلنا عليها الماءَ اهتزَّتْ ورَبَتْ وأنبَتتْ من كُلِّ زَوجٍ بهيج * ذَلكَ بأنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وأنَّهُ يُحي المَوتى وأنَّهُ على كُلِّ شئٍ قدير} [ الحج 5ـ 6].
ويتابع :“ وليس الكون عدواً لهذه الحياة التي تكفلها الأرض بإذن الله،وهو لا يطارد هذه الحياة . إنما يمدها (بتسخير الله له) بكل مايمد في عمرها ويقويها .. إنّ الشمس تمدُّ هذه الحياة بالنوروالحرارة، بالقدرالمطلوب بالضبط بلا زيادة ولا نقصان . ودورة الأرض حول نفسها وحول الشمس ينشأ عنها الليل والنهار، وتنشأ عنها الفصول . وكل منها موافق للحياة . ولو كان أحدها سرمدا لهلكت الحياة ! كما أن ميلها على محورها بهذا القدر تنشأ عنه المناطق المختلفة الحرارة لتصلح لإنبات جميع أنواع النبات ولحياة جميع أنواع الأحياء .. والقمر كذلك له دوره .. يقول تعالى :{ ألم نجعلِ الأرضَ مِهادا *والجِبالَ أوتادا *وخلقناكُم أزواجا *وجعلنا نَومَكُم سُباتا *وجعلنا اللّيلَ لباسا *وجَعلنا النَّهارَ معاشا * وبَنينا فوقَكُم سَبعاً شِدادا *وجَعلنا سِراجاً وهَّاجاً *وأنزلنا من المُعصراتِ ماءً ثَجَّاجاً* لِنُخرِجَ بهِ حَبَّاً ونباتا *وجنَّاتٍ ألفافا} [ النبأ 6ـ 16].
{ألم تَروا كَيفَ خَلقَ اللهُ سَبعَ سمواتٍ طِباقا* وجعلَ القَمرَ فيهنَّ نُوراً وجعلَ الشَّمسَ سِراجاً * واللهُ أنبَتَكُم منَ الأرضِ نباتاً * ثُمَّ يُعيدُكُم فيها ويُخرِجُكُم إخراجاً* واللهُ جعلَ لَكُمُ الأرضَ بساطاً * لِتَسلكُوا مِنها سُبُلاً فِجاجا} [نوح 15 ـ 20].
{اللهُ الذي سَخَّرَ لَكُمُ البَحرَ لِتجريَ الفُلكُ فيهِ بأمرهِ ولِتبتغُوا من فضلهِ ولعلَّكُم تشكرون * وسَخَّرَ لكُم ما في السّمواتِ وما في الأرضِ جميعاً منهُ إنَّ في ذلكَ لآياتٍ لقومٍ يتفكرون} [ الجاثية 12ـ 13].
{اللهُ الذي خَلقَ السَّمواتِ والأرضَ وأنزلَ من السَّماءِ ماءً فأخرجَ بهِ من الثَّمراتِ رزقاً لكُم وسَخَّرَ لكُمُ الفُلكَ لتجريَ في البحرِ بأمره وسَخَّرَ لكُمُ الأنهار * وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمسَ والقَمرَ دائبينِ وسَخَّرَ لكُمُ اللّيلَ والنّهار * وآتاكُم من كُلِّ ما سألتموهُ وإن تَعُدُّوا نِعمةَ الله لا تُحصُوها إنَّ الإنسانَ لظلومٌ كفّار}[ابراهيم 32 ـ 34] .
ويتابع رحمه الله :
“ إنه من شأن كل هذه الحقائق أن توحي الى قلب المؤمن بالإطمئنان الى هذا الكون الذي يعيش فيه،وبالسلام معه ومع الأحياء،فلا يجيش فيه القلق لشئ من الظواهر الكونية،كما كانت الوثنية توحي الى أهلها في الجاهليات الأولى، ولا يجيش في نفسه الصراع مع الكون كما اندس في حسّ ورثة هذه الوثنيات،بحيث يعد كل كشف لقانون من قوانين الكون،وكل تسخير لطاقة من طاقاته المذخورة „انتصارا على الطبيعة “ كما يعبر ورثة الوثنية الإغريقية والرومانية في أوروبا وأمريكا ! فيلتقط المسلمون المهزومون هذا التعبير الذي تكمن وراءه تلك الرواسب الوثنية،ويصبح اصطلاحا عندهم،كما هو عند ورثة تلك الوثنيات،التي كانت أساطيرها تصورالبشر في صراع دائم مع الآلهة ! وتصور الآلهة في صراع دائم بعضها مع بعض،وكلها مع البشر ! وترمز لهذه الآلهة بأجرام كونية أو بظواهر كونية،أو تجعل كل إله مُوكلا بنجم أو كوكب أو ظاهرة من الظواهر الكونية الكثيرة !إن الشعور بالسلام بين الكون وظواهره، وبين الحياة والأحياء مسألة ذات قبمة شعورية كبيرة، وذات أثر في حياة الإنسان الواقعية كذلك ..إن الإنسان يستطيع ـ مع هذا الشعور ـ أن يمضي في طريقه مطمئنا ، يحاول كشف سنن هذا الكون بروح من يتعرف إلى هذا الكون، لا من يتصارع معه ! وكلما كشف سنة من سننه جعلها للخير واتجه بها إليه، لأن كشفها لم يجئ نتيجة معركة إنما جاء نتيجة صداقة ! ولأنها من صنع الله الذي يدعوه الى الخير والبر، وينهاه عن الشر والفُجر ..
ويتابع :“ إن السلام الروحي ضروري للإنسان . وأولى مراحل السلام الروحي وأكبرها، هي السلام مع الكون الذي يعيش فيه ،والتعامل معه ومع كل شئ فيه بروح الصداقة والودّ والقرابة ..
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب هذا الكون كله ويتعامل معه بروح المودة الصافية، كان يرى الهلال فيستقبله بفرح ويقول :“ الله أكبر، اللّهم أهلّه علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام والتوفيق لما تحب وترضى، ربّنا وربّك الله „ [أخرجه الدارمي عن ابن عمر رضي الله عنهما وصححه الألباني] ، وكان يستقبل قطرات المطر بفرح ويقول :“ إنها قريبة عهد بالله „.انتهى كلام الشهيد سيد قطب .
وانظر الى الرسول صلى الله عليه وسلم كيف يتفاعل مع الظواهر الكونية ومع الكون والطبيعة حوله :
إن كان مطراً قال :“اللهم صيباً هنيئاً „ [رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وصححه الالباني ]، وروى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال :“ اللهم أسألك خيرها وخير مافيها ، وخيرما أرسلت به، وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما فيها وشرّ ما أُرسلت به “ . وعن عبد الله بن الزبير أنه صلى الله عليه وسلم إذا سمع الرعد، ترك الحديث وقال :“ سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته „
وما أروع قوله صلى الله عليه وسلم وهو ينظر إلى جبل أُحد فيقول :“ هذا جبل يحبنا ونحبه „ ففي هذه الكلمات كل ما يحمله قلب المسلم الأول محمد صلى الله عليه وسلم من ودّ وألفة وتجاوب بينه وبين الطبيعة في أضخم وأخشن مظاهرها المتمثل في هذا الجبل .
وكذلك روى جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب يستند إلى جذع نخلة من سواري المسجد، فلما صُنع المنبر واستوى عليه اضطربت تلك السارية كحنين الناقة ـ أي بكت ـ حتى سمعها أهل المسجد ، حتى نزل إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتنقها فسكتت “ [سنن النسائي]
ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله (كتاب أهوال يوم القيامة) مُعقبّاً على قوله تعالى {كم تَركُوا من جنَّاتٍ وعيون * وزُرُوعٍ ومقام ٍ كريم* ونَعمة ٍ كانُوا فيها فاكهين * كذلكَ وأورثنَاها قوماً أخرين * فما بَكتْ عليهمُ السَّماءُ والأرضُ وما كانوا مُنظَرين} “ [الدخان 25 ـ29].
يقول الشيخ „إذن السماء تبكي، والأرض تبكي، ومعنى ذلك أن لهما عاطفة راقية ..ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: „إذا مات العبد الصالح بكى عليه موضعان : موضع سجوده في الأرض، وموضع صعود صلاته ودعواته“…. وهكذا نرى أن المادة لها عواطف .. وأنها تكره العاصين والكافرين .. ويثقل عليها أن تكون في خدمتهم، ولذلك فهي تتعجل والوقت يمر ثقيلاً عليها لأنها تريد أن ترى ابن أدم هذا الذي كفر بالله وبنعمه وهو يُجازى على كفره ..ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي:„مامن يوم تطلع شمسه إلا وتنادي السماء تقول:يا رب ائذن لي أن أسقط كسفاً على ابن آدم،فقد طعم خيرك ومنع شكرك. وتقول البحار: يا رب ائذن لي أن أغرق ابن آدم، فقد طعم خيرك ومنع شكرك..وتقول الارض:يا رب ائذن لي أن أطبق على ابن آدم، فقد طعم خيرك ومنع شكرك.فيقول الله تعالى:دعوهم. دعوهم. لو خلقتموهم لرحمتموهم. إنهم عبادي. فإن تابوا فأنا حبيبهم.وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم“.
ويقول الشيخ الشعراوي رحمه الله (مشاهد يوم القيامة) معقباً على ذلك أيضاً:
„إذن فالأرض بنص القرآن تبكي،ولكننا لا نسمع بكاءها..وما دام هناك بكاء فلابد أن يسبقه حس وعاطفة..إذن فهذا الجماد الذي نعتقد أنه لاحياة فيه..فيه حس وعاطفة..ولكنك لاتعرف عنهما شيئاً ولا تدرك وجودهما..فإذا سمعت هذا فلا تنكره..ولكن قل إن الوجود شيء، وإدراك هذا الوجود شيء آخر..ورسول الله صلى الله عليه وسلم سمع هذا التسبيح والحصى في يديه…ولكن هل معنى أن الرسول صلى الله عليه وسلم سمع هذا التسبيح والحصى في يده…هل معنى هذا أن الحصى لا يسبح، سواء كان في يد نبي أو في يد غيره من البشر…أو إذا لم تمسسه يد…مصداقاً لقول الله سبحانه وتعالى:{وإن من شيءٍ إلاّ يُسبِّحُ بحمدهِ ولكن لاتفقهونَ تسبيحهم}[الإسراء 44]، والحق سبحانه وتعالى يقول: {وسَخَّرنا معَ داودَ الجبالَ يُسَبِّحنَ}[الأنبياء79].
إذن فالجبال تسبح..والحصى يسبح..وكل شيء في الكون دائم التسبيح لله سبحانه وتعالى…ولكننا لا نفهم هذا التسبيح ولا نفقهه..والسماء تبكي والأرض تبكي وقد تضحكان، ولكننا لا ندرك هذا..بل إن الأرض وهي أمامنا جماد ليس فيه حياة…لها حياة ذكر لنا القرآن الكريم لمحة عنها في قوله تعالى:{وترى الأرض هامدةً فإذا أنزلنا عليها الماءَ اهتزَّت ورَبَت وأنبتتْ من كُلِّ زوجٍ بهيج}[الحج5]
ويقول الشيخ الشعراوي رحمه الله أيضاً في كتاب „مشاهد يوم القيامة“:
„لابد أن نعرف معنى الحياة والمقصود بها…وهل هي الحياة بمفهومنا أم أن الحياة في الكون بمفهوم آخر يختلف تماماً عن مفهومنا…نحن نفهم الحياة على أساس أنها حسّ وحركة… الإنسان فيه حياة لأنه يحس، ويعقل ويتحرك.. والحيوان فيه حياة أيضاً لأنه يحس ويتحرك. أما النبات فهناك من يقول: أن فيه حركة لأنه ينمو ويكبر ويثمر ويذبل..فيه نوع من التغيير والحركة…حركة النمو.إذن فيه نوع من الحياة..أما الجماد في مفهومنا فليس فيه حياة، لأنه لا يحس ولا يتحرك ولاينمو.
ويتابع الشيخ الشعراوي:
„وأجناس الكون أربعة..أدناها الجماد، وتنتهي حياته المنظورة لنا بخاصة النمو، وهي أول خواص النبات… لذلك نجد عدداً من الشِعب المرجانية وهي جماد تنمو في البحر..أما النبات فيبدأ بخاصية النمو التي انتهى عندها الجماد، وينتهي بخاصية الحس التي يتميز بها الحيوان..فتجد بعض النباتات إذا لمستها أحاطت بك،أو أغلقت أوراقها، وهكذا تنتهي الحياة في النبات عند الحس…وتبدأ الحياة في الحيوان بالحس والحركة…وتنتهي بشيء من التمييز، وهو من صفات العقل… فنجد أن أرقى الحيوانات،وهي القردة ـ تستطيع إلى حد ما ـ أن تقوم ببعض الحركات التي فيها نوع من التمييز.. وهو ما تبدأ به حياة الإنسان…فلا يوجد إنسان ليس له عقل مميز..وتنطلق مظاهر الحياة في الإنسان مع العقل إلى آفاق بلا حدود..وتظل ترتقى وترتقى مع ارتقاءات العقل إلى ما شاء الله.
ويتابع:“هذه هي مظاهر الحياة كما نفهمها نحن..فكل جنس من أجناس الكون ـ جماداً كان أو نباتاً أو حيواناً أو إنساناً ـ يبدأ عند النهاية التي يصل إلى الجنس الذي قبله…ولكن هل مفهومنا في الحياة صحيح؟وهل الحياة هي الحس والحركة فقط؟وهل خلق الله الأشياء في الدنيا جامدة.ثم يجعلها يوم القيامة تنطق وتتكلم؟فالحياة في الدنيا،وهي التي يشارك فيها المؤمن والكافر، قصارى ما تعطينا الحس والحركة.فهل هذه حقيقة هي مظاهر الحياة؟أم أن هناك مظاهر أخرى وأسراراً في الكون لاندري عنها شيئاً..
في معنى الحياة يحكمنا القرآن الكريم…ماذا قال الله سبحانه وتعالى…اقرأ قول الحق:{لِيهلِكَ من هَلكَ عن بيّنةٍ ويَحيا من حيَّ عن بيّنة}[الأنفال 42].إذا تدبرنا في هذه الآية نكون قد عرفنا من القرآن أن الهلاك مقابل للحياة… أو ضد الحياة…هناك حي وهناك من هلك…أي لا حياة له..و يأتي الحق سبحانه وتعالى في آية أخرى ليقول:{كلُّ شَيءٍ هالكٌ إلا وجههُ}[القصص88].وما دام الله سبحانه وتعالى قال كل شيء سيصبح هالكاً…إذن فكل شيء فيه حياة… أو ما يقال عنه شيء فيه حياة… لأن الحق سبحانه وتعالى يقول عندما تاتي القيامة سيهلك كل شيء إلا وجه الله…إذن فقبل ساعة القيامة يكون كل شيء فيه حياة…وطبعاً قبل ساعة القيامة يكون هناك جماد ونبات وحيوان وإنسان…فإذا أضفنا إلى ذلك قول الحق سبحانه وتعالى:{وإنْ من شيء إلاّ يُسبِّحُ بِحمدهِ ولكنْ لا تفقهونَ تَسبيحَهُم}[الإسراء44]، يكون كل ما في الكون مسبحاً لله…يقول بعض العلماء أن كل شيء يسبح تسبيح دلالة على الخالق…نقول لهم لو أنه كان تسبيح دلالة نكون قد فهمناه… ولكن الله يقول:{ولكنْ لاتفقهونَ تسبيحهم}. إذن فنحن لا نفهم هذا التسبيح، إذا وصلنا إلى هذه النتيجة نكون قد عرفنا أن كل شيء في الكون له حياة..وهذه الحياة تناسب مهمته…إذن فالأشياء التي نراها أمامنا ساكنة لا تنطق ولا تتكلم.. هي في الحقيقة تنطق وتتكلم ولكننا لا نسمعها…وفي ذلك يقول الحق: {أنطقنا الله الذي أنطقَ كُلَّ شيءٍ}[فصلت 21].
وجاء في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مُرّعليه بجنازة فقال مستريح ومستراح منه . قالوا يارسول الله، ما المستريح وما المستراح منه ؟ قال : العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها الى رحمة الله والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب“ .
وحتى الحيتان في جوف الماء تستغفر لطالب العلم، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : “ من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات والأرض، والحيتان في جوف الماء،وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يُورثوا ديناراً، ولا درهماً ورثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظ وافر “ [ رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي] .
يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال في قوله تعالى في سورة الحديد:{سبح لله مافي السموات والأرض}:
„ونحن لا نعلم شيئاً عن طبيعة هذا الوجود وخصائصه أصدق مما يقوله لنا الله عنه ف“سبح لله ما في السماوات والأرض“تعني:“سبح لله ما في السماوات والأرض“ ولا تأويل ولا تعديل!ولنا أن نأخذ من هذا أن كل ما في السموات والأرض له روح،يتوجه بها إلى خالقه بالتسبيح وإن هذا لهو أقرب تصور يصدقه ماوردت به الآثار الصحيحة،كما تصدقه تجارب بعض القلوب في لحظات صفائها وإشراقها،واتصالها بالحقيقة الكامنة في الأشياء وراء أشكالها ومظاهرها.
ويقول سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى في سورة الرحمن{والنجم والشجر يسجدان}:
„والنجم والشجر يسجدان.إن هذا الوجود مرتبط ارتباط العبودية والعبادة بمصدره الأول،وخالقه المبدع.والنجم والشجر نموذجان منه،يدلان على اتجاهه كله.وقد فسر بعضهم النجم بأنه النجم في السماء.كما فسره بعضهم بأنه النبات الذي لا يستوي على سوقه كالشجر.وسواء كان هذا أم كان ذاك فإن مدى الإشارة في النص واحد.ينتهي إلى حقيقة اتجاه هذا الكون وارتباطه.والكون خليقة حية ذات روح.روح يختلف مظهرها وشكلها ودرجتها من كائن إلى كائن.ولكنها في حقيقتها واحدة.ولقد أدرك القلب البشري منذ عهود بعيدة حقيقة هذه الحياة الساربة في الكون كله.وحقيقة اتجاه روحه إلى خالقه.أدركها بالإلهام اللدني فيه،ولكنها كانت تغيم عليه.وتتوارى عنه كلما حاول اقتناصها بعقله المقيد بتجارب الحواس!
فإلى أين يتوجه الكون بحركته التي هي قاعدته وخاصيته؟القرآن يقول:إنه يتجه إلى مبدعه بحركة روحه وهي الحركة الأصيلة .فحركة ظاهره لا تكون إلا تعبيراً عن حركة روحه،وهي الحركة التي تمثلها في القرآن آيات كثيرة منها هذه{والنجم والشجر يسجدان}ومنهالآتسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن}،{وإن من شىء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم}ومنها{ألم ترَ أن الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات}{كل قد علم صلاته وتسبيحه}.
وتأمل هذه الحقيقة،ومتابعة الكون في عبادته وتسبيحه،مما يمنح القلب البشري متاعاً عجيب،وهو يشعر بكل ما حوله حياً يعاطفه ويتجه معه إلى خالقه وهو في وقفته بين أرواح الأشياء كلها،وهي تدب فيها جميعاً،وتحيلها إخواناً له ورفقاء.إنها إشارة ذات أبعاد وآماد وأعماق“.
وقد جاء في القرآن الكريم:{يا جبال أوبي معه والطير}فإذا الجبال كالطير تؤوب مع داود.وجاء في الأثر:أخرج مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“إن بمكة حجراً كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن“.وروى الترمذي بإسناده عن علي بن طالب كرم الله وجهه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فخرجنا في بعض نواحيها،فما استقبله شجر ولاجبل إلا وهو يقول:السلام عليك يا رسول الله„.وروى البخاري في صحيحه بإسناده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى لزق جذع.فلما صنعوا له المنبر فخطب عليه حنّ الجذع حنين الناقة فنزل الرسول صلى الله عليه وسلم فمسحه فسكن“.
يقول تعالى في سورة سبأ:{ولقد آتينا داود منا فضلاً ياجبالُ أوّبي معهُ والطيرَ وألنا لهُ الحديدَ}[سبأ 10].
يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال:“تذكر الروايات أن داود عليه السلام أوتي صوتاً جميلاً خارقاً في الجمال،كان يرتل به مزاميره،وهي تسابيح دينية.والآية تصور من فضل الله على داود عليه السلام أنه قد بلغ من الشفافية والتجرد في تسابيحه أن انزاحت الحجب بينه وبين الكائنات،فاتصلت حقيقتها بحقيقته،في تسبيح بارئها وبارئه،ورجعّت معه الجبال والطير،إذ لم يعد بين وجوده ووجودها فاصل ولا حاجز،حين اتصلت كلها بالله صلة واحدة مباشرة،تنزاح معها الفوارق بين نوع من خلق الله ونوع،وبين كائن من خلق الله وكائن،وترتد كلها إلى حقيقتها اللدنية الواحدة،التي كانت تغشى عليها الفواصل والفوارق،فإذا هي تتجاوب في تسبيحها للخالق،وتتلاقى في نغمة واحدة،وهي درجة من الإشراق والصفاء والتجرد لا يبلغها أحد إلا بفضل الله،يزيح عنه حجاب كيانه المادي،ويرده إلى كينونته اللدنية التي يلتقي فيها بهذا الوجود،وكل ما فيه،وكل من فيه بلا حواجز ولا سدود“.
2 ـ نظرة تأمل وتدبر :
فالإسلام تَعبدَّ الانسان بالنظر العقلي، أي ان العقلية العلمية التي ينشئها القران هي العقلية التي تقوم على النظر والتفكر، فالنظرعندها فريضة، والتفكر لديها عبادة كما يقول الشيخ القرضاوي ـ مفهوم العلم وتكوين العقلية العلمية ـ ويتابع حفظه الله:
„والمراد بالنظر : النظر العقلي، وهو الذي يستخدم الإنسان فيه فكره في التأمل والاعتبار، بخلاف النظر البصري، فهوالذي يستخدم الإنسان فيه عينه . قال الإمام الراغب :“ النظر : تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشئ ورؤيته، وقد يُراد به التأمل والفحص ، وقد يراد به المعرفة الحاصلة بعد الفحص، وهو الروية يقال نظرت فلم تنظر : أي لم تتأمل ولم تترو “ .
فعلى الإنسان أن يبدأ بالنظر في نفسه أولاً، ثم في أقرب الأشياء إليه .
يقول تعالى :{ فَلينظُرِ الإنسانُ مِمَّ خُلِق* خُلِقَ من ماءٍ دافق* يخرجُ من بينِ الصُّلبِ والترائب* إنَّهُ على رجعِهِ لقادر} [الطارق 5 ـ8]، {فَلينظُرِ الإنسانُ إلى طعامِه* أنَّا صَببنا الماءَ صَباًّ* ثُمَّ شَققنا الأرضَ شَقَّاً* فأنبتنا فيها حَبَّاً *وعِنباً وقَضباً* وزَيتوناً ونخلاً *وحَدائقَ غُلْباً* وفاكهةً وأباًّ* مَتاعاً لكُم ولأنعَامِكُم }“ [عبس 24 ـ 32] . ثم ينتقل بنظره الى ماحوله متأملاً متدبراً معتبراً، لينتقل من المصنوع الى الصانع،ومن الأثر الى المُؤثّر، ومن الكون الى المُكّون .
يقول تعالى :{أفلا يَنظُرونَ إلى الإبلِ كيفَ خُلِقتْ* وإلى السَّماءِ كيفَ رُفِعَتْ* وإلى الجبالِ كيفَ نُصِبتْ* وإلى الأرضِ كيفَ سُطِحت } [ الغاشية 17-20] ، {قُلِ انظُروا ماذا في السَّمواتِ والأرضِ وما تُغني الآياتُ والنُّذُرُ عن قومٍ لا يؤمنون} [يونس101 ] { أولم يَنظُروا في مَلكُوتِ السَّمواتِ والأرضِ وما خَلقَ اللهُ من شئ} [الأعراف 185 ] .
ومن داخل النفس الى آفاق الكون الفسيح الذي لا يعلم سعته إلا خالقه {وفي الأرضِ آياتٌ للموقنين *وفي أنفُسِكُم أفلا تُبصرون} [الذاريات 20- 21] ، {قُل سيروا في الأرضِ فانظُروا كيفَ بدأَ الخَلقَ} [العنكبوت 20 ]، {أفلم يَسيروا في الأرضِ فتكُونَ لهم قُلوبٌ يَعقلونَ بها أو أذانٌ يسمعونَ بها فإنَّها لا تَعمى الأبصارُ ولكنْ تَعمى القُلوبُ التي في الصدور} [الحج 46] .
ويتابع : „ومثل النظر العقلي : الرؤية العقلية، فقد حثّ القرآن في آيات كثيرة على هذه الرؤية التي يقصد بها رؤية العقل لا رؤية العين، وهي رؤية تشمل كل المخلوقات في الارض أو في السماء مما يُبيّن عظمة خالقها ، وروعة تدبيره وبالغ حكمته، وسابغ نعمه على عباده، كما تشمل الوقائع والأحداث، التي تبرز قدرة الله تعالى وهيمنته على الكون وحده كما تبرز عدالته وأنه يملي ويمهل ولكنه لا يغفل ولا يهمل .
نقرأ مثل هذه الآيات {ألم يَرَوا الى الطَّيرِ مُسخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمسِكُهُنَّ إلاّ اللهُ إنَّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يؤمنون} [النحل 79] ،{أوَ لَم يَروا الى الطَّيرِ فوقَهُم صَافَّاتٍ ويَقبضنَ ما يُمسِكُهُنَّ الّا الرَّحمنِ إنَّهُ بِكُلِّ شئ بصير} [الملك19 ] {أوَ لَم يَرَوا أنَّا خَلقنا لهُم ممَّا عَمِلتْ أيدِينَا أنعاماً فَهُم لها مالكون * وذَلّلناها لهُم فَمنها رَكُوبُهم ومنها يأ كلون *ولهُم فيها مَنافعُ ومَشاربُ أفلا يشكرون} [ يس 71-73] وينتقل من الطير والأنعام الى الأرض ومياهها ونباتاتها وعلاقة السماء بها والظواهر المتعلقة بها من الليل والنهار. يقول سبحانه : {أوَلَم يَرَوا إلى الأرضِ كم أنبتنا فيها من كُلِّ زَوجٍ كريم } [الشعراء 7 ], {أوَلَم يَرَوا أنَّا نَسُوقُ الماءَ الى الأرضِ الجُرُزِ فَنُخرِجُ بهِ زرعاً تأكُلُ منهُ أنعامُهُم وأنفُسُهُم أفلا يُبصرون} [السجدة 27 ]، {ألمْ ترَ أنَّ اللهَ سَخَّرَ لكُم مافي الأرضِ والفُلكَ تجري في البحرِ بأمرهِ ويُمسِكُ السَّماءَ أن تقعَ على الأرضِ إلا بإذنهِ إنَّ اللهَ بالنّاسِ لرؤُوفٌ رحيم } [الحج 65] ، {ألمْ ترَ أنَّ اللهَ يُولجُ اللّيلَ في النهارِ ويُولجُ النَّهارَ في اللّيلِ وسخَّرَ الشَّمسَ والقمرَ كُلٌّ يجري إلى أجلٍ مُسمّى وأنَّ اللهَ بما تَعملونَ خبير} [لقمان29 ] ، {ألمْ تَرَ أنَّ اللهَ أنزلَ من السَّماءِ ماءً فأخرجنا بهِ ثمراتٍ مُختلفاً ألوانُها ومن الجِبالِ جُدَد بِيضٌ وحُمْرٌ مُختلفٌ ألوانُها وغَرابيبُ سُودٌ* ومنَ النَّاسِ والدَّوابِّ والأنعامِ مُختلفٌ ألوانُهُ كذلكَ إنَّما يخشى اللَه من عبادهِ العلماء} [فاطر 27-28] {أولم يَروا إلى ماخلقَ اللهُ من شئٍ يَتفيّؤا ظِلالُه ُعن اليمينِ والشَّمائلِ سُجَّداً لله وهم داخرون } [النحل48].
إن الله خلق كل شئ فأحسن خلقه، وأحكم صنعه من حيث الكمّ والنوع والخصائص والوظيفة :
{صُنعَ الله الذي أتقنَ كُلَّ شئٍ إنّهُ خبير بما تفعلون} [النمل 88]،{إنَّا كُلَّ شَئٍ خلقناهُ بِقَدر} [القمر 49]،{وخَلقَ كُلَّ شَئٍ فقدَّرهُ تقديراً}[ الفرقان 2]
{ والأرضَ مَدَدنَاها وألقينَا فيها رَواسيَ وأنبتنا فيها من كُلِّ شَئٍ موزون} [الحجر 19]،{ماترى في خَلقِ الرَّحمنِ من تَفاوت} [الملك3]
{ربّنَا ماخلقتَ هذا باطلاً} [آل عمران 191]،{ولقد جعلنا في السَّماءِ بُروجاً وزَيّنّاها للناظرين} [الحجر 16 ]
{ والأنعامَ خَلقها لكُم فيها دِفءٌ ومنافعُ ومنها تأكلون* ولكُم فيها جَمالٌ حينَ تُريحونَ وحينَ تسرحون} [النحل5 ـ 6] .
يقول الإمام القزويني في كتاب عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات (نقلا عن كتاب تراث الانسانية ج2 ص 686):
يقول تعالى : {أفلم ينظروا إلى السَّماءِ فَوقهم كيفَ بنيناها وزَينّاها ومالها من فروج} يقول معقباً:
„وليس المراد من النظر تقليب الحدقة نحوها، فإن البهائم تشارك الإنسان فيه، ومن لم ير من السماء إلا زرقتها، ومن الأرض إلا غبرتها، فهو مشارك للبهائم في ذلك وأدنى حالاً منها واشدّ غفلة، كما قال تعالى : {ولهم قُلوبٌ لا يفقهونَ بها ولهم أعينٌ…} إلى قوله تعالى {أولئكَ كالأنعامِ بل هم أضل}، يقول المراد من النظر التفكر في المعقولات والنظر في المحسوسات والبحث عن حكمتها وتصاريفها لتظهر له حقائقها، فإنها سبب اللذّات الدنيوية والسعادات الأخروية ، وكلما أمعن النظر فيها ازداد من الله تعالى هداية ويقينا ونورا وتحقيقا، والفكر في المعقولات لا يتأتى إلا لمن له خبرة بالعلوم والرياضيات بعد تحسين الأخلاق وتهذيب النفس، فعند ذلك تتفتح له عين البصيرة، ويرى كل شئ من العجب ما يعجز عن إدراك بعضها „.
ويقول الدكتور العلاّمة يوسف القرضاوي في مقال (واقعية الإسلام وواقع الإنسان):
„إن المُتجوِّل في رياض القرآن يرى بوضوح أنه يريد أن يغرس في عقل كل مؤمن وقلبه الشعور بالجمال المبثوث في أجزاء الكون من فوقه ومن تحته ومن حوله : في السماء، والأرض، والنبات، والحيوان، والإنسان .
في جمال السماء يقرأ قوله تعالى : {أفَلَم يَنظُروا إلى السَّماءِ فَوقَهُم كيفَ بَنيناها وزَيّنّاها وما لها من فُروج} [ق 6 ]، {ولقد جعلنا في السَّماءِ بُروجاً وزَيّنّاها للناظرين} [الحجر 16] .
وفي جمال الأرض : { والأرضَ مَدَدناها وألقينا فيها رَواسيَ وأنبَتنا فيها من كُلِّ زوجٍ بهيج} [ ق7 ]، {وأنزلَ لكُم مِنَ السَّماءِ ماءً فأنبتنا بهِ حَدائقَ ذاتَ بهجةٍ} [النمل 60] .
وفي جمال الحيوان : {والأنعامَ خلقها لكُم فيها دِفءٌ ومنافع ومنها تأكلون* ولكُم فيها جَمالٌ حين تُريحون وحين تَسرحون} [النحل 6 ].
وفي جمال الإنسان : {وصَوَّرَكُم فأحسنَ صُورَكُم} [التغابن 3 ]، {الذي خَلقَكَ فَسَوَّاكَ فَعدَلك *في أيِّ صُورَةٍ ماشاءَ رَكَّبك} [الانفطار7 ـ 8] .
ويتابع :
„إ نّ المؤمن يرى يد الله المُبدعة في كل ما يشاهده في هذا الكون البديع ويبصر جمال الله في جمال ما خلق وصوّر، يرى فيه {صُنعَ الله الذي أتقنَ كُلّ شئ } [النمل ]33 ، {الذي أحسنَ كُلَّ شئٍ خلقه} [السجدة ]7 . وبهذا يحب المؤمن الجمال في كل مظاهر الوجود من حوله، لأنه أثر جمال الله جل وعلا . وهو يحب الجمال كذلك،لأن “ الجميل “ اسم من أسمائه تعالى الحُسنى وصفة من صفاته العلا . وهو يحب الجمال ايضاً لأن ربّه جميل يحب الجمال“ .
وهناك آيات كثيرة أخرى تدل على نفس المعنى والمضمون يمكن الرجوع إليها .
ويقول الدكتور عماد الدين خليل (نفس المرجع السابق):
„عندما دعا القرآن الكريم الناس إلى التأمل في الطبيعة ، لم تكن دعوته هذه تنصب على الجانب التجريبي العملي من أجل استغلال كنوز الطبيعة وامكاناتها فحسب، وهو ما يهدف العلم إليه، بل رافق هذه الدعوة توجيه إلى الجانب الانفعالي الجمالي من أجل تنمية وتهذيب الإحساس البشري ورفعه إلى الدرجة التي يستحقها الإنسان باعتباره مخلوقاً متذوقاً حساساً ، فالقرآن الكريم دعوته مزدوجة : التأمل العلمي، والحدس الجمالي، فهو يخاطب الإنسان بإ سلوبه الفني المعجز الذي يعرف كيف يُحرك كل مكونات الإنسان „.
ويقول الشهيد سيد قطب (كتاب مقومات التصور الإسلامي) :
„وهو كون جميل باهر،لا يقف التناسق والتوافق فيه عند حدود الدقة والانتظام والضبط ، ولكن التوافق والتناسق فيه يتجهان الى الكمال والجمال والحسن والزينة .. والمنهج القرآني يُوجه أنظار البشر ومشاعرهم إلى مافي الكون حولهم من هذه البدائع،إلى جانب مايُوجههم الى إدراك ما فيه من خير ونعمة ومصلحة وكفاية لحاجاتهم .إن عنصر الجمال مقصود قصداً في بناء الكون،وفي ظواهره وفي الحياة المبثوثة فيه،وإيقاظ حاسّة الجمال في البشر مقصود كذلك قصداً في المنهج القرآني، وفي التربية الإسلامية بهذا المنهج ..إن هذا الإنسان مخلوق فائق على الحيوان، فمطالبه الأساسية ليست هي مجرد الكفاية الحيوانية من الطعام والشراب والجنس ـ كما تقول الماركسية ـ فمن مطالبه الأساسية كذلك أن يستمتع بالجمال في شتى صوره . جمال المناظر وجمال المشاعر . من أجل هذا تتكّفل عقيدته الصحيحة الرفيعة في الإسلام، أن توقظه الى الجمال في الكون وفي الحياة المبثوثة فيه، وإلى بدائع صنع الله في الكون والحياة . فالله سبحانه جعل الجمال عنصراً من عناصربناء الكون والحياة، والكمال في صنعته الباهرة يُحقق هذا الجمال .. إن المنهج القرآني يوجه أنظار البشر الى „المنفعة “ الحاصلة لهم من خلقة هذا الكون وطبيعته، وإلى دلالة هذا الخلق على خالقه .. يقول لهم : {هُوَ الذي جعلَ الشَّمسَ ضِياءً والقمرَ نُوراً وقدَّرهُ مَنازِلَ لتعلمُوا عددَ السِّنينَ والحِسابَ ما خلقَ اللهُ ذلكَ إلا بالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لقومٍ يعلمون} [ يونس 5 ]ويقول تعالى : {وهُوَ الذي جَعلَ لكُمُ النُّجُومَ لِتهتدوا بها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحرِ قد فصَّلنا الآياتِ لِقومٍ يعلمُون} [الأنعام 97} ،ويقول تعالى : {ومِن رحمتهِ جعلَ لكُمُ الّليلَ والنَّهارَ لِتسكُنُوا فيهِ ولِتبتغُوا من فضلِهِ ولعلَّكُم تشكرون} [القصص 73 ] ،وقال تعالى :“ {وهُوَ الذي جَعلَ لكُمُ اللّيلَ لِباساً والنَّومَ سُباتاً وجَعلَ النَّهارَ نُشُورا*وهُوَ الذي أرسلَ الرّياحَ بُشرا بينَ يَدي رَحمتِهِ وأنزلنا من السَّماءِ ماءً طَهُورا * لِنُحيي بهِ بَلدةً ميتاً ونُسقِيَهُ ممَّا خَلقنا أنعاماً وأَناسيَّ كثيرا} [الفرقان 47 ـ 49] ،وقال تعالى: {اللهُ الذي يُرسِلُ الرِّياحَ فَتُثيرُ سَحاباً فَيَبسُطُهُ في السَّماءِ كيفَ يشاءُ ويجعلُهُ كِسَفاً فترى الوَدقَ يخرجُ من خِلالِهِ فإذا أصابَ بهِ من يشاءُ من عبادِهِ إذا هُم يستبشرون * وإن كانُوا من قَبلِ أن يُنَّزلَ عليهم من قَبلهِ لَمُبلسين * فانظُر الى آثارِ رَحمةِ الله كيفَ يُحي الأرضَ بعد موتِها إنَّ ذلكَ لَمُحي الموتى وهُوَ على كُلِّ شئٍ قدير} [الروم 48ـ 50] .
ويتابع رحمه الله :
„وإلى هنا فالتوجيه هو إلى المنفعة والمصلحة في حدود الحاجة والضرورة ..ولكن المنهج القرآني يتجاوز بالإنسان حدود المنفعة والضرورة ، فيوجه نظره ومشاعره الى الكمال والجمال والتناسق والتوافق والحس والزينة، والمنظر والبهجة .. هذه اللفتات التي يتميز بها الإنسان على الحيوان، ويرتفع ويترقى ويرفرف وينطلق .. يقول له : {الذي خَلقَ سَبعَ سماواتٍ طِباقاً ماترى في خَلقِ الرَّحمنِ من تَفاوتٍ فارجِعِ البَصرَ هل ترى من فُطُور * ثُمَّ ارجِعِ البَصرَ كَرَّتينِ ينقلب إليكَ البَصَرُ خاسئاً وهو حسير * ولقد زَينَّا السَّماءَ الدُّنيا بِمصابيحَ وجعلناها رُجُوماً للشِّياطينِ وأَعتدنا لهُم عذابَ السَّعير} [الملك 3 ـ 5 ].
فيوجه نظره الى مافي بناء الكون كله من توافق وتناسق وكمال وجمال وزينة تبلغ ذلك الحد الباهر،الذي يرجع البصر منه حسيراً، لا يجد نقصاً ولا يجد ثغرة ولا يملك التطلع الى شئ وراءه . بل لايملك استيعابه .. وهو تعبير دقيق عن حالة واقعة، فالجمال الكوني حين يتطلع الإنسان إلى السماء، يبهر النظر الإنساني بحيث لا يشبع منه، وبحيث لايستوعبه حسّه كذلك . إنها حالة العجز عن استيعاب كل هذا الجمال الفائض الباهر . كذلك يوجه الحسّ الإنساني إلى جمال الحركة اللطيف في بعض مشاهد الكون : {ألَم تَرَ إلى رَبِّكَ كيفَ مَدَّ الظِّلَّ ولو شاءَ لَجعلَه ُسَاكناً ثُمَّ جَعلنا الشَّمسَ عليهِ دليلا * ثُمَّ قَبضناهُ إلينا قَبضاً يسيرا}“ [الفرقان 45 ـ 46] . وجمال الظلال، وجمال الحركة الوئيدة للظل، لون فائق من ألوان الجمال اللطيفة لايدركه الا الحسّ المرهف اللطيف . والى هذا المستوى المرفرف يتجه المنهج القرآني بالحسّ الإنساني في تصويره لحقيقة الكون من حوله .كما يُوجه الى مشهد الليل ومشهد النهار ، بمثل هذه اللمسة المبدعة {والّليلِ إذا عَسعسَ * والصُّبحِ إذا تنفَّسَ} [التكوير 17 ـ18 ] ، وفي {والفَجرِ *وليالٍ عَشرِ * والشَّفعِ والوَترِ * والّليلِ إذا يَسْر}ِ الفجر[ 1 ـ4] ، فإذا الليل والصبح كائنان تدّب فيهما الحياة : الليل يعسعس ـ أو يسري ـ والصبح يتنفس . ويُريه النجوم وهي تغيب وتتوارى كما لو كانت عرائس أو غزلانا تخنس وتختبئ في كناسها : {فلا أُقسِمُ بالخُنَّسِ * الجَوارِ الكُنَّس} [التكوير 15 ـ 16] ،وهي لمسات جمالية يعجز البيان البشري أن يزيدها عرضا أو إيقاعا .. ويهدف المنهج القرآني الى رفع الإنسان إليها .وإطلاق مشاعره تجاهها، وهو يحدثه عن „حقيقة الكون “ من حوله ، ليتملى مافيه من جمال،إلى جانب ما فيه من منفعة له ومصلحة ، وإلى جانب مافيه من ضبط ودقة . ويوجهه الى تنوع الألوان وجمال هذا التنوع وتوزعه بين الجوامد والأحياء سواء: {ألم تَرَ أنَّ اللهَ أنزلَ من السَّماءِ ماءً فأخرجنا بهِ ثَمراتٍ مُختلفاً ألوانُها ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُختلفٌ ألوانُهَا وغَرابيبُ سُودٌ* ومِنَ النَّاسِ والدَّوابِ والأنعامِ مُختلفٌ ألوانُهُ كذلكَ إنَّما يَخشى اللهَ من عِبادهِ العلماءُ إنَّ اللهَ عزيزٌ غفورٌ } [ فاطر 27_28 ]، وهي لفتة مُوحية الى جمال الالوان وتنوعها وتوزعها بين الجوامد والأحياء سواء،وبالمثل يُوجهه الى الجمال في الأحياء ـ إلى جانب المنفعة المادية وزائدا على المنفعة المادية ـ لتلبية الحاجة الانسانية الى الجمال،ولإيقاظ مشاعره،وإطلاقها من قيد الضرورة والحاجة ،في اتجاه الجمال والمتعة .. يحدثه عن الجمال في الحيوان الى جانب المنفعة : {والأنعامَ خَلقَها لكُم فيها دِفءٌ ومَنافعُ ومنها تأكُلون * ولكُم فيها جَمالٌ حِينَ تُريحونَ وحِينَ تسرحونَ * وتَحملُ أثقالَكُم إلى بلدٍ لم تكونُوا بالغيهِ إلّا بِشِقِّ الأنفُسِ إنَّ ربَّكُم لرءوفٌ رحيم * والخيلَ والبِغالَ والحَميرَ لتركبُوها وزينةً ويَخلقُ ما لا تعلمون} [النحل 5 ـ 8]. ويحدثه عن الجمال في الزروع والثمار : {وهُوَ الذي أنزلَ من السَّماءِ ماءً فأخرجنَا بهِ نباتَ كُلِّ شئٍ فأخرجنَا منهُ خَضِراً نُخرجُ منهُ حَبَّاً مُتراكباً ومنَ النَّخلِ مِن طَلعِهَا قِنوانٌ دانيةٌ وجنّاتٍ من أعنابٍ والزَّيتونَ والرُّمانَ مُشتبِهاً وغيرَ مُتشابهٍ انظُروا إلى ثمرهِ إذا أثمرَ وينعِهِ إنَّ في ذلكُم لآياتٍ لقومٍ يؤمنون} [الأنعام99 ] . فالتوجيه هنا إلى النظر والاستمتاع بجمال الثمار وازدهائها وينعها،لا إلى طعومها ولا إلى أكلها ! كما يوجههم الى تملَّى بهجتها في قوله : { والأرضَ مَدَدناها وألقينا فيها رواسيَ وأنبتنا فيها من كُلِّ زوجٍ بهيج} [ق 7 ].
ويتابع رحمه الله : “ إنه كون جميل ذلك الكون الظاهر المشهود . وكون أجمل ذلك الكون المغيب الموعود،وكلاهما يتسع له تصور المسلم للكون، كما يصفه له خالق هذا الكون، الذي جملّه وزيّنه ، لأنه هو سبحانه يحب الجمال ويجعله عنصرا أساسيا في الخلق، يرفع الإنسان إلى مستوى تأمله وتمليه، ويوقظ فطرته ومشاعره إلى مجاليه،كما يوقظها لتدبر الدقة والنظام والتوافق والتناسق سواء“ .
ويقول الدكتور توفيق الحكيم (كتاب تحت شمس الفكر ص 35):
„إن الفلكيون العظام في القرن السادس والسابع عشر مثل كوبرنيكوس وغاليليو وكبلر،وغيرهم كانوا ينظرون إلى الكواكب لا بعين العقل وحده ، بل بعين القلب أيضاً ، كانت السماء والنجوم في نظرهم مخلوقات حية ، كانوا يحسون في كتلة النجوم، وفي هذا الكون بأكمله، الروح الخالقة، ويد المبدع الأعظم .. ويتابع :“ ما أروع هذه العبارة من كبلر : كل الخليقة ليست إلا سيمفونية عجيبة، في مجال الأجسام والأحياء .. كل شئ متماسك، مرتبط بعرى متبادلة لا تنفصم ، كل شئ يكون كلاً متناسقاً .. إن الله قد خلقنا على صورته، وأعطانا الأساس بالتناسق .. كل مايوجد حيّ متحرك ، كل كوكب، وكل نجم إن هو إلا حيوان ذو نفس،إن روح النجوم هي سر حركتها، وسبب ذلك النظام الذي تسير عليه الظواهر الطبيعية “
ويتابع توفيق الحكيم :“ أولئك رجال ساروا في بيداء العقل دون أن ينسوا دليل القلب،أُولئك هم العلماء العظام „.
ويقول توفيق الحكيم أيضاً(الرسالة العدد288):
„الشمس باعثة الحياة على الأرض.إنها تشرف علينا من مكان معين بمقدار.فإذا اقتربت منا أنملة هلكنا حرقاً،وإذا ابتعدت عنا أنملة متنا برداً.إن يد الحكمة الأزلية قد وضعتها في الموضع الذي لابد لها فيه من أن ترسل إلينا الدفء والخير والسلام.
ما أدق هندسة الكون!اللهم إني أعود إلى برجي وأنا شديد الإيمان بك،قريب الفهم لك،مدرك بعض الإدراك لمشيئتك في خلق الإنسان،مطمئن كل الاطمئنان إلى مراميك في إنشاء حواسنا الآدمية على هذا الضعف.إن ما اعتدنا أن نسميه ضعفاً وقصوراً في إدراكنا حقيقة الأشياء ليس إلا السياج الذي يحمي سعادتنا البشرية فإذا خرجنا عن نطاق هذا السياج فقد انقلبنا مخلوقات أخرى لا تتصل بالأرض ولا بجمالها ولا عواطفها.
اللهم إنك مع قصورنا قد صنعتنا على خير حال،ومع جهلنا قد هيأت لنا أحسن مآل“.
3 ـ نظرة استخلاف وتسخير :
لقد استخلف الله تعالى الإنسان على الأرض وجعله خليفة :
{وإذ قالَ رَبُّكَ للملائكةِ إنّي جَاعلٌ في الأرضِ خليفة} [البقرة 30]،{وهُوَ الذي جَعلَكُم خلائفَ الأرضِ} [الأنعام165 ]،{ولقد مَكَّناكُم في الأرضِ وجَعلنا لكُم فيها مَعايشَ قليلاً ما تشكرون} [الأعراف 10]،
{ولقد كَرَّمنا بني أدمَ وحملناهُم في البَرِّ والبَحرِ ورزقناهُم من الطَّيباتِ وفضَّلناهُم على كثيرٍ ممَّن خلقنا تفضيلا} [الإسراء 70]،{وعدَ اللهُ الذينَ أمنوا مِنكُم وعملوا الصالحاتِ لَيَستخلِفَنَّهُم في الأرضِ كَما استخلفَ الذينَ من قَبلِهم ولَيُمَكِّننَّ لهُم دِينَهُم الذي ارتضى لهُم ولَيُبَدِّلنّهُم من بعدِ خَوفهم أمناً يَعبُدُونني لا يُشركونَ بي شيئا ومن كفرَ بعدَ ذلكَ فأُولئكَ هُمُ الفاسقُون} “ [النور55 ].
يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله(مشاهد يوم القيامة ص11):
„الكون كله بقواه الهائلة التي تفوق قدرة الإنسان ملايين المرات،والتي تستطيع أن تهلكه في لحظة واحدة..الكون كله بتلك القوى الهائلة الموجودة فيه مسخر لخدمة الإنسان..الشمس تعطي أشعتها له ولا تستطيع أن تعصي..والهواء يعطيه التنفس،ولا يستطيع أن يرفض..والبحار تعطيه الأمطار ولا تستطيع أن تقول لا..والأرض تعطيه كل خيراتها..فلا هي تقدر أن تمنع الزرع،ولا أن توقف الثمار عن الوجود..وهكذا نرى أن كل ما في الكون مسخر لخدمة الإنسان..الإنسان على إطلاقه…مؤمنه وكافره…عاصيه والمطيع“.
ويقول العلامة الدكتور القرضاوي في مقال (مظاهر التكريم الإلهي للإنسان مجلة الوعي الإسلامي العدد 130 شوال 1395 هجري):
„لقد أعلن الإسلام كرامة الإنسان، فاعتبره خليفة الله في الأرض، وهي منزلة اشرأبَّت إليها أعناق الملائكةِ، وتشَّوفت إليها أنفسهم، فلم يُعطوها، ومنحها الله للإنسان : {وإذ قالَ رَبُّكَ للملائكةِ إنّي جَاعلٌ في الأرضِ خليفةً قالوا أتَجعلُ فيها من يُفسِدُ فيها ويَسفِكُ الدماءَ ونحنُ نُسَبِّحُ بِحمدِكَ ونُقَدِّسُ لك قال إنّي أعلمُ مالاتعلمون* وعلَّمَ آدمَ الأسماءَ كُلَّها ثُمَّ عرضُهم على الملائكةِ فقالَ أنبئُوني بأسماءِ هَؤلاءِ إنْ كُنتُم صادقبن * قالوا سُبحانكَ لاعِلمَ لنا إلا ماعلّمتنا إنَّكَ أنتَ العليمُ الحكيم* قالَ يا آدمُ أنبئهُم بأسمائهم فلمَّا أنبأهُم بأسمائهم قالَ ألم أقُلْ لكم إنَي أعلمُ غَيبَ السَّمواتِ والأرضِ وأعلمُ ما تُبدُونَ وما كُنتُم تكتمون} [البقرة 30 ـ 33 ].
لقد كرَّم الله تعالى الإنسان بالخلافة في الأرض، وهيأه لها بالعقل والعلم الذي تفوَّق به على الملائكة .
ويتابع الشيخ القرضاوي حفظه الله:
“ وكان من تكريم الله للإنسان في نظرالإسلام أنه جعل الكون كله في خدمته،وسخَّر لمنفعته العوالم كلها : السماء والأرض الشمس والقمروالنجوم، والليل والنهار،الماء واليابس،البحاروالأنهار،والنبات والحيوان والجماد، كلّها مُسخَّرة لمصلحة الإنسان وسعادة الإنسان، كرامة من الله له، ونعمة منه عليه“ .انتهى كلام القرضاوي .
وقد سخر الله تعالى للإنسان كل مقومات البيئة ومكوناتها،وسخر له ظواهر الكون الطبيعية ، ليستفيد منها وينتفع بها .
إن البيئة كلّها بأرضها وسمائها، وهوائها وجمادها، نباتها وحيواناتها ، مايلج في الأرض، وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ، كل ذلك خلقه الحقّ تبارك وتعالى مُسخرَّاًومذللَّاً للإنسان، فهي خُلقت له، ومن أجله، وقد استخلفه الله عليها .
{ألم تَروا أنَّ اللهَ سَخَّرَ لكُم مافي السَّمواتِ وما في الأرضِ وأسبغَ عليكُم نِعَمهُ ظاهرةً وباطنةً} [لقمان20]،{وسَخَّرَ لكُم مافي السَّمواتِ وما في الأرضِ جميعاً منهُ إنَّ في ذلكَ لآياتٍ لقومٍ يتفكَّرون} [الجاثية 13]،{اللهُ الذي خلقَ السَّمواتِ والأرضَ وأنزلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فأخرجَ بهِ منَ الثَّمراتِ رِزقاً لكُم وسخَّرَ لكُمُ الفُلكَ لتجريَ في البَحرِ بأمرهِ وسخَّرَ لكُمُ الأنهار* وسخَّرَ لكُمُ الشَّمسَ والقمرَ دائبينِ وسخَّرَ لكُمُ الليلَ والنهار} [إبراهيم 32 ـ33 ]،
{وإلى ثَمودَ أخاهُم صالحاً قالَ ياقومِ اعبدُوا اللهَ مالكُم من إلهٍ غيرُهُ هُوَ أنشأكُم من الأرضِ واستعمرَكُم فيها فاستغفرُوهُ ثُمَّ تُوبوا إليهِ إنَّ ربّي قَريبٌ مُجيب} [هود 61 ].
وجاء في الحديث الشريف :“ إن الدنيا حلوة خضرة والله تعالى مستخلفكم فيها “ [رواه مسلم والنسائي ].
يقول الشيخ القرضاوي (المقال السابق):
„وتسخير الكون للإنسان يتضَّمن معنيين كبيرين :
أولهما : أنَّ الطاقات الكونية مهيأة ومبذولة للإنسان،فعليه أن يبذل جهده ويُعمل فكره في فتح مغاليقها ، واكتشاف مخبوئها ، ليستخدمها فيما يعود عليه بالخير والسعادة .
والثاني : أنَّ الإنسان هو واسطة العقد في هذا العالم ،فلا يجوز أن يؤله شيئاً فيه أو يتعبَّد له، رغباً أورهباً، والذين عبدوا بعض مظاهر الطبيعة أو القوى الكونية في العالم العلوي أو السفلي، قلبوا الحقائق وحولّوا الإنسان من سيد سُخِّر له الكون الى عبدٍ ذليل، يسجدُ لنجم أو شجرة أو بقرة أو حجر من الأحجار“ . انتهى كلام القرضاوي .
سخر الله للإنسان الشمس، وبأشعتها وحرارتها يحصل الإنسان سنوياً حوالي أربعمئة ألف كيلو متر مكعب من الماء {وجعلنا من الماء كل شئ حي}، وبأشعة الشمس التي يرسلها الله بشكل موزون يكون الدفء، والتطهير، وحياة النبات والحيوان وكل الكائنات، ولو تجاوزت درجة معينة أو نقصت عنها لكان الخراب والتدمير .
وسخر الله للإنسان الأرض، بما فيها من أحياء كالنبات والحيوان، والتي هي غذاء له وكساء وركوب وله فيها منافع أخرى، وسخر له مافي الأرض من جماد كالجبال التي هي أوتاد تثبت هذه البسيطة ليعيش عليها مرتاحاً مستقراً، وسخر له البحار والأنهار يستخرج منها طعاماً طيباً وحلية للزينة، وسهل له ركوبها من خلال الفلك والسفن .
يقول الشهيد سيد قطب (الظلال ج1 ص56 ):
“ وإذن فقد وهب هذا الكائن الجديد ـ سيدنا أدم ـ من الطاقات الكامنة والاستعدادات المذخورة كفاء ما في هذه الارض من قوى وطاقات وكنوز وخامات، ووهب من القوى الخفية ما يحقق المشيئة الإلهية، وإذن فهنالك وحدة أو تناسق بين النواميس التي تحكم الارض وتحكم الكون كله، والنواميس التي تحكم هذا المخلوق وقواه وطاقاته ،كي لا يقع التصادم بين هذه النواميس وتلك وكي لا تتحطم طاقة الإنسان على صخرة الكون الضخمة، وإذن فهي منزلة عظيمة، منزلة هذا الإنسان، في نظام الوجود على هذه الأرض الفسيحة وهو التكريم الذي شاءه له خالقه الكريم „.
والاستخلاف شرعاً يعني أن الإنسان „وصي „على هذه البيئة لا مالك لها، وأنه „مستخلفٌ“ على إدارتها، واستثمارها، وإعمارها، وأمين عليها .
والاستخلاف يعني أن يتبع المخلوق أوامر خالق البيئة ومالكها الحقيقي.
والاستخلاف يعني أنه „أمين „ على هذه الخلافة،أي يتصرف فيها تصرف الأمين المستأمن، فالأرض أرض الله، والعباد عباد الله، وهو يتصرّف حسب هذه الأمانة الموكلة له بشروط حددَّها الله سبحانه وتعالى ومنها حسن استغلالها وصيانتها والمحافظة عليها من أي تدمير أو انحراف.
والاستخلاف يعني „عمارة الارض “ {هُوَ أنشأكُم منَ الأرضِ واستعمَرَكُم فيها} [ هود61 ] ، والاستعمار هنا هو تعمير الأرض،فعمارة الأرض مشيئة أزلية .
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:“لا يغرس المسلم غرساً ولا يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شىء إلا كانت له صدقة„[رواه مسلم عن جابر].وقال صلى الله عليه وسلم:“من أحيا أرضاً ميتة فهي له„[رواه الترمذي عن جابر وقال حديث حسن صحيح].
إن عمارة الأرض مستمرة لاتنقطع ولاتتوقف إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
يقول الأستاذ محمد قطب رحمه الله(قبسات من الرسول ص16):