الحقُّ أحقُّ أن يُتَبّع (2/3)
- ١ الحقُّ أحقُّ أن يُتَبّع
- ٢ الحقُّ أحقُّ أن يُتَبّع
- ٣ الحقُّ أحقُّ أن يُتَبّع
يقول الأستاذ الحبيب عصام العطار حفظه الله :
„بناء الإنسان المسلم نفسه لا يتم بطرفة عين،ولا يكون بالأمنيات وأحلام اليقظة،ولكنه يحتاج إلى الباعث القوي والإرادة الصارمة،والجهد المخلص الذي لا يفتر ولا ينقطع،وإلى علم بغايته ومهمته في بلاده وعالمه وعصره،وبصرٍ بمتطلبات الحاضر والمستقبل وحسن تنظيم للوقت والجهد،واستفادة من أفضل ما توصّل إليه العلم والفكر من وسائل،وما يعطيه الواقع الراهن من إمكانات،والمثابرة على ذلك كله إلى نهاية الحياة“.
أما أن نغيّر الواقع الفاسد ونحن لم نغيّر أنفسنا بعد،ونأمل أن نقيم دولة الإسلام على الأرض ونحن لم نرّسخ أركانها في النفوس،وأما أن نضع النظريات ونرفع الشعارات ونحن نقتلها ونرجمها بممارستنا العملية فإننا نلحق الضرر بها وبإسلامنا على المدى القريب والبعيد.
لنقف ونتدّبر ملياً دعاء سيدنا إبراهيم عليه افضل الصلاة والسلام في سورة البقرة:
{ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم}[البقرة 129]،وبعد عدّة آيات في نفس السورة يأتي البيان الإلهي العظيم المعجز ليضع الأولويات:
{كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويُزكيكم ويُعلمكم الكتاب والحكمة ويُعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} [البقرة 151]، حيث كان الترتيب مشابهاً للآية الأولى عدا أنّه قدّم التزكيّة على التعليم والحكمة… وقد تكرر نفس الأمر في الآية 164 من سورة آل عمران:
{يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة}،ووردت نفس الآية في سورة الجمعة:
{يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} [الجمعة 2]،مما يدل على الأهمية الكبرى في تزكيّة النفوس وتطهيرها وإعدادها،والذي يجب أن يُقدّم على كل شئ آخر.
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في „الظلال“:
„ولكن الله أرسل رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم يُطّهرُ أرواحهم من لوثة الشرك،ودَنس الجاهلية،ورجس التصورات التي تثقل الروح الإنساني،ويُطّهرهم من لوثة الشهوات والنزوات فلا ترتكس أرواحهم في الحمأة،ويُطّهرُ مجتمعهم من الرياء والسحت والغش والسلب والنهب وهي كلها دنس يلّوث الأرواح والمشاعر ويُلّطخ المجتمع والحياة،ويُطّهر حياتهم من الظلم والبغي،وينشر العدل النظيف الصريح،ويُطّهرهم من سائر اللوثات التي تُلّطخ وجه الجاهلية في كل مكان من حولهم“.
إنّ عدم الإهتمام الكافي والإلمام الوافي بإعداد النفوس وتزكيتها وتوعيتها يمكن أن تنجم عنه مشاكل خطيرة وأعباء ثقيلة،تلحق افدح الضرر بالحركة التي ينتمي إليها هؤلاء الأفراد،وبالحركات الإسلامية الأخرى،وكذلك الأمر بالنسبة لسائر المسلمين،ومن هذه الأخطار نذكر على سبيل المثال لا الحصر:
1ـ إنّ قلة العلم والوعي والدراية ستخلق للحركة وعلى مدار السنين مشكلات لا تُحصر ولا تنتهي،وخاصة عندما تتضارب مصالح هؤلاء الأفراد وأهواؤهم مع ماتراه الحركة،وغالباً ما ينتهي الأمر بعد شهور أو سنوات من المناقشات العقيمة والجلسات الطويلة إلى الإنشقاق والتحزُّب وما يسبقه وما يلحقه من تبادل أبشع الإتهامات وأحقر العبارات وأتفه الإفتراءات.
يقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله:
„ما أكثر الإنتهازيين الذين يؤيدونك ويُمجدونك بمقدار ما يستغلونك ويستخدمونك لتحقيق مصالحهم الخاصة على حساب دينك ونزاهتك،ومصلحة الإسلام والمسلمين،فإن أبيت عليهم ذلك أو وجدوا مصالحهم عند سواك تخلّوا عنك وتنّكروا لك أوانقلبوا عليك بمختلف المبررات الكاذبة والأعذار الخادعة“.
2ـ أنهم سيلحقون أفدح الضرر بالطاقات المنتجة المعطاءة في هذه الحركة،وخاصة إذا كان لهم قصب السبق والرأي النافذ، وعندما تشعر هذه الطاقات المنتجة أنها تسبح في بحرلا ساحل له من الخلافات السطحية،وأنها تغوص في لُجّة بحر عميق لا قرار له بحثاً عن الجذور المريضة بقصد إصلاحها أو إقتلاعها،وعندما تشعر أن نتاج عملها بعد سنين هو حصاد الهشيم وقبض الريح،وأن الجهل والغفلة والسطحية وحب الظهور،وعبادة الميكروفونات،قد ملك زمام الأمور أو جُلّها،عندها ستقف،وتتأمل، وتفكّر،وتبحث عن البدائل، وتتحّرى أي القوافل تكون فيها من الإبل بمنزلة الرواحل.
3ـ انهم سيكونون حجر عثرة،وعقبة كؤود في التقاء الحركات الإسلامية وتعاونها فيما بينها،لأنها عقولٌ مُقفلة غلب عليها الكيد، ونزع بها لؤم الطبع شرّ منزع، تسعى إلى تحقيق مصالحها وأهوائها ورياستها،ولو على حساب الإسلام ومصلحة المسلمين.
4ـ أنهم قد يُستغلون وبكل سهولة من قبل أعداء الإسلام،ويستخدمونهم رأس حربة في مهاجمة الإسلام والمسلمين،وكيف لا وهم يتصدّرون المجالس بأسماء العلماء وإن كانوا بأفعالهم قد يتجاوزون أظلم الجُهّال،وخاصة عند مواجهة الشدائد والمُغريات والتحديات.
5ـ أنهم قد يتصدّون للفتوى وإطلاق الأحكام،وهم ليسوا أهلاً لها،ولا أبناء بجدتها،مُعرّضين انفسهم لأشدّ العقوبات من الله عزّ وجلّ بذنب يُعتبر من أكبر الكبائر وهو القول على الله بغير علم: {قل إنّما حرّم ربيَ الفواحشَ ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحقّ وأن تشركوا بالله مالم يُنّزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون}[ الأعراف 33]، كما إنهم يُعرضون المسلمين لأفدّح الأضرار واسوأ العواقب بسبب هذه الفتاوى الباطلة الظالمة التي تُستغل من قبل أعدائه ومحاربيه.يقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله: „إنكم لستم أغيرَ من الله على دينه ولا أحكم من الله في وضع الأشياء مواضعها من شريعة الله، فلا تتنطّعوا ولا تَغلوا في دينكم غير الحقّ،ولا تسيئوا بمواقفكم الجاهلة أو المُغالية إلى الإسلام والمسلمين“ .
ولعلّ من أخطر هذه الفتاوى التي يلجأ إليها هؤلاء الجُهّال المتنطعين المُغالين الذين يظنون أنهم أعبَدّ العُبّاد،وأصلح المصلحين، هو استسهال تكفير المسلمين ونعتهم بأبشع النعوت والأوصاف من الضلال والجاهلية والنفاق والرّدة،والدعوة إلى الإنعزال عنهم ومحاربتهم، وإلى استخدام العنف معهم، وقد قيل: „إن مقاتل المرء تبدو متى عالج عملاً ليس منه بسبيل“ . يقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله: „يجب أن تبدأ بالدعوة والإقناع والتعليم والتربية، وتوفير ما يُستطاع من الشروط المساعدة على التزام الإسلام قبل أن ترفع السيف في وجه من لا يلتزمون بالإسلام،أما الذين يبتدئون بالسيف فهم ـ في الغالب ـ لا يفهمون الإسلام ولا ينطلقون من الإسلام،ولا يخدمون قضيته ولا يحققون به لأمتهم وبلادهم وللإنسانية كلها ما يريده لهم ويقدمه إليهم من الخير“ .
6ـ انهم بتصرفاتهم الخاطئة الجاهلة، وبسبب قصور الرؤية لديهم،وعمى البصيرة في قلوبهم قد يرتكبون من الأخطاء ما يُّسّهل على أعداء المسلمين ـ وما أكثرهم ـ ضربهم وضرب الحركات الإسلامية الأخرى المخلصة،وضرب سائر المسلمين،ومحاولة ما يُسمونه“تجفيف المنابع“ والتي لا تعني أكثر من ضرب أي مسلم يحاول أن يُطبّق الإسلام في ذاته ومجتمعه. يقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله: „يا شباب الإسلام لا تعطوا الفرصة بأخطائكم وقصوررؤيتكم وخبرتكم لأعداء المسلمين لضربكم وتصفيتكم واتخاذكم أو اتخاذ بعض أعمالكم ذريعة لضرب الإسلام والمسلمين المخلصين العاملين،ومحاولات القضاء على البعث الإسلامي قبل أن يكتمل ويأخذ مداه،ولا تُعطوا الفرصة لأعداء الإسلام لإستدراجكم أو دفعكم إلى أعمال ومواقف تُسهّل لهم ما يريدون“ .
نعم قد تكون المقالة مؤلمة ومُرّة،ولكن لابدّ من النقد الإيجابي البّناء الذي يقع على مواضع القوّة فيُنّميها ويُزكّيها،وعلى مواضع الضعف فيمحوها أو يُقلّل منها ،ويعصم من السقوط والإسفاف.
اللّهُمَّ أرِنا الحقّ حقاً وارزُقنا إتبّاعه،وأرِنا الباطلَ باطلاً وارزُقنا اجتنابه،اللَّهُمَّ الهمنا رُشدنا وسَدّد خطانا على طريق الألفة والمحبة والخير .
4ـ اتّباع الهوى:
هناك أناسٌ بانَ لهم الحقّ فبانوا عنه،وظهرت لهم دلائله فتظاهروا عليها!!استيقنته أنفسهم وجحدته أهواؤهم،وأدركته مداركهم ولفظته مشاعرهم،وأبصرته بصائرهم وتعامت عنه أبصارهم.أدركوا أنَ فيه البرء والشفاء وتنّكبوا سبيله وتبرؤوا منه كلّ البراء.أناس تجمع نفوسهم بين المكابرة والغرور من جهة،ومابين الضعف واتباع الهوى من جهة أخرى،المكابرة التي تصد عن اتباع الحق،والضعف الذي لا تستطيع فيه النفس مواجهة الحق{يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يُساقون إلى الموت وهم ينظرون} [الأنفال 6].
والدعوة إلى الحق قد تجد قبولاً عند بعض الناس،ولكنها غالباً ما تجد صدوداً عند الغالبية منهم،{بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون} [المؤمنون 70]،وقد تجد لدى قلةٍ منهم أذاناً صاغية، ولكنها عند الأكثرية أذاناً غير واعية،وقد تُلاقى بالإندفاع والحماس عند قسم منهم، ولكن في المقابل تُلاقى بالنفور والإبتعاد والهروب عند القسم الأعظم منهم،{فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حُمُرٌ مستنفرة فرت من قسورة}[المدثر50].
والآيات في القرآن الكريم كثيرة تتكلم عن اتباع الهوى وعدم الرضوخ للحق والاستجابة له،يقول تعالى:{بل اتّبعَ الذين ظلموا أهواءَهُم بغير علمٍ فمن يهدي من أضلَّ الله ومالهم من ناصرين}[الروم29]، ويقول تعالى:{فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنّما يتّبعون أهواءهم ومن أضلُّ ممّن اتّبعَ هواهُ بغير هدىً من الله إنّ الله لايهدي القوم الظالمين}[القصص50]،ويقول تعالى:{أفَمن كانَ على بيّنةٍ من رَبّهِ كمن زُيّنَ لهُ سُوءُ عملهِ واتّبعوا أهواءَهُم}[محمد14]،ويقول تعالى:{ومنهم من يستمعُ إليكَ حتى إذا خرجوا من عندكَ قالوا للذين اُوتوا العلم ماذا قال أنفاً أولئكَ الذين طبعَ الله على قلوبهم واتّبعوا أهواءَهم}[محمد 17].
يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ( نهج البلاغة): “ إنما بَدءُ وقوعِ الفتن أهواءٌ تُتبَع،وأحكامٌ تُبتدَع،يُخالفُ فيها كتابُ الله،ويتولى عليها رجالٌ رجالاً،على غير دين الله، فلو أنّ الباطلَ خلصَ من مزاجِ الحق لم يَخْفَ على المرتادين(طالبي الحقيقة)،ولو أنّ الحقَّ خلصَ من لَبْسِ الباطل انقطعت عنه ألسنُ المعاندين،ولكن يؤخذُ من هذا ضِغث،ومن هذا ضغث، فيمزجان! فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه وينجو{الذين سبقت لهم منّا الحسنى}.[الأنبياء 101].
( الضغث: قبضة من حشيش مختلط فيها الرطب باليابس)
إنَّ الحقَّ واضح جلي،والحُجّة دامغة قوية،والبراهين ظاهرة ساطعة،ولكنها نفوس مريضة جاحدة مُكابرة،تحكمها أهواء ومطامع آسرة،عرفت الحقّ يقيناً وثبوتاً،ورفضته جحوداً وتكذيباً وشِقاقاً،أو بغياً وحسداً ونفاقاً، طمعاً في متاع زائل أو رهبة من طاغوت زائف.
يقول الأستاذ محمد أديب صالح رحمه الله(على الطريق ص406)“:
„ولقد نعى على أولئك الذين ركبوا رؤوسهم وتسلحوا بسلاح المماراة والجدل وعدم الإنصياع إلى الحق الذي قام على الدليل ونهضت به الحجة عِناداً وإصراراً على الباطل الذي ليس لهم به علم فقال سبحانه: {ولو نزلنا عليك الكتاب في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفرواإن هذا إلا سحر مبين ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فَظلّوا فيه يعرجون لقالوا إنما سُكّرت ابصارنا بل نحن قوم مسحورون} [الأنعام 7ـ 8] ،وهم قوم مكابرون معاندون يجادلون من أجل الجدال،ويُمارون حُباً بالمراء،تأبى عليهم كبرياؤهم أن يسمعوا النصيحة،ويأبى عليهم عنادهم ان يرجعوا عن الخطيئة،وهم يطالبون الدعاة بالمزيد من الخوارق والمعجزات،لا طلباً للحقيقة وللوصول إلى الغاية النبيلة،وإنما هي نفوس مريضة قد لَجّت في العناد،ووضع بينها وبين قبول الحق حجاب{وقالوا لن نُؤمن لك حتى تَفجُرَ لنا من الأرض ينبوعاً * أو تكون لك جنَّةٌ من نخيلٍ وعنب فتُفَجِرَّ الأنهارَ خلالها تفجيراً *أو تُسقِطَ السماءَ كما زعمتَ علينا كِسَفاً أو تأتيَ بالله والملائكةِ قبيلا * أو يكونَ لك بيتٌ من زُخرُفٍ أو تَرقى في السماء ولن نؤمن لِرُقيِّكَ حتى تُنزِّلَ علينا كتاباً نقرؤُهُ قل سبحانَ ربي هل كنتُ إلا بشراً رسولا} الإسراء[ 90ـ 93].
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله :
„هذه الآيات الكثيرة العدد،الكاشفة عن الحق،حتى ليبصره كل من له عينان،ومع هذا قالوا عنها إنها سحر مبين،قالوا ذلك جحوداً ومكابرة،لأنهم لا يريدون الإيمان ولا يطلبون البرهان،استعلاءً على الحق وظلماً له ولأنفسهم بهذا الإستعلاء الذميم“.
يقول شاعر المعرّة:
وأهل كُلِّ جدال يُمسكون بهِ إذا رأوا نور حق ظاهر جحدوا
ومن علامات أصحاب الهوى وعبيدالدنيا،أن الهوى يضرب على قلوبهم راناً،وعلى عقولهم حجاباً،وعلى أذانهم وقراً،وعلى أبصارهم غشاوةً،يحول بينهم وبين فهم ما يلقى عليهم،فلا يعون خطاباً،ولا ينصتون إلى نصيحة{ومنهم من يستمعُ إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتّبعوا أهواءهم} [محمد 16].
يقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله:
„الحق يستعصي على الهوى،فمن ملكه الحق ملك القدرة على أهوائه ورغباته،والباطل ينقاد للهوى فمن ملكه الباطل غدا أذلَّ الناس لأهوائه ورغباته“،ويقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله : „إن الذي يسايرُ الناس في الباطل لينالَ ولاءَ الناس وتأييد الناس هو في حقيقته عبد حقير وإن ارتدى ثياب القادة والزعماء“.
ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه(مشاهد يوم القيامة ص77):
„من علامات يوم القيامة الصغرى:ضياع الحق،أو كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:“إعجابُ كل ذي رأي برأيه“،(هو جزء من حديث شريف عن أبي ثعلبة رضي الله عنه وحسنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري وهو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“إذا رأيت شُحاً مطاعاً،وهوىًُ متبعاً،وإعجاب كل ذي رأي برأيه،فدع عنك أمر العامة،وعليك بخاصة نفسك)، وإعجاب الناس بآرائهم هو بداية الخروج عن الحق إلى هوى النفس…وكل واحد يقول: هذا رأي ولابد أن يتبع… ويحاول بشتى الطرق أن يزين هذا الرأي،ولو بالباطل،وأن يجمع الأدلة عليه،ولو كذباً.فإذا رأى الحق فإنه ينسى أن الرجوع إلى الحق فضيلة،ويرفض أن يهزم،وأن يؤخذ بغير رأيه..فكأن الناس قد وضعوا أنفسهم فوق الحق…بينما الحق هو الذي كان يجب أن يسود المجتمع،وأن يخضع له الناس.ولكن الدنيا كلها تتفنن في الخداع،ويصبح كل صاحب رأي يحاول أن يحقق غايته بأي طريق ـ بالضلال والإخلال ـ وهكذا يختل ميزان الدنيا لأنه مقام على الحق… ويصبح الحق ضائعاً لاصاحب له،لأن كل صاحب رأي معتز برأيه، بصرف النظر عن الحق..وهذا مانجده الآن في الدنيا، فالناس تحاول أن تفعل أشياء وتخلد اسماءها.. أو ليقال إنها فعلت ..دون أن يكلف إنسان جهده في أن يسأل نفسه أين الحق وأين الباطل من كل مايجري؟.“.
ويقول الأستاذ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني(الأخلاق الإسلامية ج1 ص781):
„أما أهواء النفس وشهواتها فهي من دون العقل الإيماني حمقاء رعناء جاهلة تندفع اندفاعاً بهمياً أعشى،وهي في أغلب حالاتها تميل إلى اغتنام اللذات العاجلة،ولو كان من ورائها مضار وآلام كثيرة آجلة، وتميل إلى زخرف الحياة الدنيا وزينتها وتفاخرها، ولو كان في ذلك سخط الله ومعصيته.فمن طبع أهواء النفوس أنها تؤثر العاجلة وتذر الآخرة،مالم يضبطها ضابط من العقل الصحيح الراجح،المقرون بالإرادة الحازمة،أو ضابط من الإيمان الراسخ والدين المهيمن على النفس،والمتغلغل في أعماق القلب والوجدان.لذلك كان اتباع الأهواء والشهوات من الأسباب المضلة المبعدة عن صراط الله المستقيم،والمفضية بالإنسان إلى مواقع تهلكته“.
ولعلَّ من أبرز الأمثلة على هذا الصنف من الناس قصة الوليد بن المغيرة المخزومي،والتي نذكرها بإ يجاز نقلاً عن „الظلال“ للشهيد سيد قطب رحمه الله: „جاء الوليد بن المغيرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن،فكأنّه رقّ له،فبلغ ذلك أبا جهل بن هشام،فأتاه فقال له: أي عم! إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً. قال: لم؟ قال: يعُطونكه، فإنك أتيت محمداً تتعرّض لما قِبَلَه ـ يريد بخبث أن يثير كبرياءه من الناحية التي يعرف أن الوليد اشدّ بها اعتزازاً ـ قال: قد علمت قريش أني اكثرها مالاً!قال: فقل فيه قولاً يعلم قومك أنك منكر لما قال،وأنك كاره له!قال: فماذا أقول فيه؟! فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني ولا أعلم برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن!والله ما يشبه الذي يقوله شيئاً من هذا،والله إنَ لقوله الذي يقوله لحلاوة،وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو وما يعلى “ ،وفي رواية أخرى „إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة،وإنّ أعلاه لمثمر وإنّ أسفله لمغدق،وإنه ليعلو وما يعلى عليه“،قال: والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أفكر فيه. فلما فكّر قال: إن هذا إلا سحر يؤثر عن غيره . فنزلت الآيات:
{ذرني ومن خلقت وحيدا*وجعلت له مالاً ممدودا*وبنين شهودا*ومهّدتُ له تمهيدا*ثم يطمع أن أزيد*كلا إنّه كان لآياتنا عنيدا*سأرهقه صَعودا*إنّه فكّرَ وقدّر*فقُتِلَ كيف قدّر*ثم قُتِلَ كيف قدّر*ثم نظر*ثم عبس وبسر*ثم أدبر واستكبر*فقال إن هذا إلا سحرٌ يؤثر*إن هذا إلا قول البشر* سأ صليه سقر}[ سورة المدثر11ـ 26].
وفي رواية أخرى أن قريشاً قالت: لئن صبا الوليد،لتصبون قريش كلها! فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه! ثم دخل عليه،وأنه قال بعد تفكير طويل: إنه سحر يؤثر. أما ترون أنه يُفرِّق بين المرء وأهله وولده ومواليه؟“
ومثال آخر قريب من هذا كان بطله فرعون هذه الأمة: ابو جهل عمرو بن هشام.جاء في „الروض الأنف“: „دخل الأخنس بن شريق وأتى أبا جهل فد خل عليه بيته،فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟فقال: ما ذا سمعت،تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف،أطعموا فأطعمنا،وحملوا فحملنا،وأعطوا فأعطينا،حتى إذا تحاذينا الركب وكنا كفرسي رهان،قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء. فمتى ندرك مثل هذه؟ والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه“ .
نعم، إنّها نفوسٌ تعامت أبصارها عن رؤية الحقّ وهو أسطع من نور الشمس في أوجّ الهاجرة وصَّمت آذانها عن سماع نداء الحقّ وهو أقوى من قصف الرعد وعصف العاصفة،إنّها نفوس أنكرت الحقّ لا عن عدم اقتناع به،ولا عن شبهة فيه،ولا بسبب نقص أدلته،أو عدم وضوح حجّته،وإنما انكرته ظلماً وعدواناً واستكباراً وعُلّواً.
قال تعالى :
{فلمّا جاءتهُم آياتُنا مُبصرةً قالوا هذا سحرٌ مبين*وجَحدوا بها واستيقَنتها أنفُسُهُم ظُلماً وعُلوّاً فانظر كيف كان عاقبةُ المفسدين}[النمل 13 ـ 14]، وقال تعالى:{بل جاءهم بالحقِّ وأكثرهم للحقِّ كار هون} [المؤمنون 70]، وقال تعالى:
{ويلٌ لكلِّ افاكٍ اثيم* يسمع آيات الله تُتلى عليه ثمَّ يُصرُّ مستكبراً كأنْ لم يسمعها فَبَشِّرهُ بعذابٍ أليم}[الجاثية 7 ـ 8] .
يقول الإمام علي رضي الله عنه: „أخاف عليكم اثنتين:إتّباع الهوى،وطول الأمل،وإتباع الهوى يصد عن الحق،وطول الأمل يُنسي الآخرة“، ويقول عبد الله بن المبارك رحمه الله وهو أحد سادة التابعين: „إن العلماء ورثة الأنبياء فإذا كانوا على طمع فبمن يُقتدى“.
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في “ الظلال“:
„هذه الآيات الكثيرة العدد،الكاشفة عن الحقّ،حتى ليبصره كل من له عينان،ومع هذا قالوا عنها إنها سحر مبين،قالوا ذلك جحوداً ومكابرة،لأنهم لا يريدون الإيمان ولا يطلبون البرهان،واستعلاءً على الحق وظلماً له ولأنفسهم بهذا الاستعلاء الذميم،وكذلك كان كبراء قريش يستقبلون القرآن،ويستيقنون أنه الحق،ولكنهم يجحدونه ويجحدون دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله الواحد، ذلك أنهم كانوا يريدون الإبقاء على ديانتهم وعقائدهم لما وراءها من أوضاع تسندهم ومغانم تتوافد عليهم،وهي تقوم على تلك العقائد الباطلة التي يحسّون خطر الدعوة الإسلامية عليها،ويحسّونها تتزلزل تحت اقدامهم وترتجّ في ضمائرهم،ومطارق الحقّ المبين تدفع الباطل الواهي المريب،وكذلك الحق لا يجحده الجاحدون لأنهم لا يعرفونه،بل لأنهم يعرفونه يجحدونه وقد استيقنته نفوسهم،لأنهم يحسّون الخطر على وجودهم،أو الخطر على أوضاعهم،أو الخطر على مصالحهم ومغانمهم،فيقفون في وجهه مكابرين وهو واضح مبين“ .
وهناك أناس يعرفون الحقّ ولا يتبعونه،لا خوفاً على مصلحة ولا طمعاً في منصب،ولكنه الحسد وإتباع الهوى ولعلّ قصة أمية بن أبي الصلت الذي“ آمن بشعره وكفر بقلبه “ ما يلقي الضوء على أمثال هؤلاء الناس (انقلها بإيجاز من دائرة سفير للمعارف الإسلامية المجموعة 27 ـ 28 ص2105):
„هو شاعر جاهلي أدرك الإسلام ولم يسلم،وقد عرف في شعره بنزعته الدينية،وكان كثير التردد على الأديرة والبِيَع والكنائس، ويذكر الرواة أنه كان يطمع في النبوة،وكان يُهيئ نفسه لها،فلما بلغه بعثُ النبي صلى الله عليه وسلم كفر به وحسده وقال: „إنما كنت أرجو أن أكونه“ . وراح يؤّلب المشركين عليه خاصة بعد وقعة بدر،وقد رثى فيها قتلى المشركين بقصيدة نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن روايتها،وقد ذكر بعض المفسرين أنه المقصود بقوله تعالى:
{واتلُ عليهم نبأ الذي آتيناهُ آياتنا فانسلخَ منها فأتبعهُ الشيطانُ فكان من الغاوين*ولو شئنا لرفعناه بها ولكنّه أخلدَ إلى الأرض واتّبعَ هواه}[ الأعراف 175 ـ 176].
والمعنى أن الله سبحانه وتعالى ألهم ابن أبي الصلت كراهية الشرك والقى في نفسه طلب الحق،ويسّر له قراءة كتب الأنبياء، وحَبّبَ إليه الحنيفية، فلما انفتح له باب الهدى وأشرق عليه نور الدعوة الإسلامية،كابر وحسد وأعرض عن الإسلام. وقد رويت في ملابسات موته حكايات غريبة أشبه بالأساطير ولكنها تجمع في النهاية على إدانته لعدم قبوله الهداية التي كان منها قاب قوسين أو أدنى“.
وقِسْ على الوليد بن المغيرة وأبي جهل وأمية بن أبي الصلت، الكثير من صناديد قريش الذين كفروا بالإسلام وجحدوا دعوة الحق،وقِسْ عليهم الكثير الكثير من أحبار يهود ورهبان النصارى الذين أدركوا الحق وأنكروه،واتبعوا الهوى وانقادوا له،يقول تعالى:
{ولمّا جاءهم كتابٌ من عند الله مُصدِقٌ لما معهم وكانوا من قبلُ يستفتحونَ على الذين كفروا فلمّا جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنةُ الله على الكافرين} [البقرة 89].
يقول الأستاذ محمد الغزالي رحمه الله(جدد حياتك ص220):
„منذ أربعة عشر قرناً ظهر محمد بن عبد الله في العرب،وكان أصحاب الرياسات المُبجلّة من الأحباروالرهبان قد أحسّوا نبأه، والتقوا به،ليسوتثقوا من صدق دعوته وصحة رسالته،ولم يحتج الأمر إلى طول تمحيص،فسرعان ما أيقن القوم أنهم أمام رسول من رب العالمين،ويجب أن يؤمنوا به وأن ينضموا إليه،بيد أنهم طووا أنفسهم على هذه الحقيقة وكرهوا عن تجاهل لا عن جهل أن يذكروها بَلْهَ أن ينشروها“ {الذين أتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} [البقرة 146]، ويتابع رحمه الله“ولست أعرف منظراً أشوهَ ولاأقبح من كاهنٍ أو واعظٍ يتحدث عن الله بلسانه ومن وراء أحاديثه الفضفاضة ووظيفته الدينية نفسٌ ترتع فيها جراثيم الأنانية الصغيرة،والتطلع الخسيس {ودَّ كثيرٌ من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ماتبين لهم الحق} [البقرة 102]، ويتابع“والغريب إن الأحبار والرهبان مضوا في معركة الحقد ـ لا الحق ـ إلى نهاية الشوط فألبّوا أتباعهم الأغرار ضد الدين الجديد ونبيه،وأشاعوا حوله قالة السوء،وأثاروا بموقعهم حروباً طاحنة ما كان أغنى الدنيا عنها لو تطهرت النفوس من هذه الغيرة الشخصية السيئة“ انتهى كلام الشيخ الغزالي.
نعم، لم يكتفوا بعدم الدخول والقبول في الدين الحق،واتبعوا أهواؤهم وركبتهم الضلالة والحسد،ولم يكتفوا بأن كفروا واستمروا في كفرهم وشركهم،بل ظلوا يصدون غيرهم عن سبيل الله ودعوة الحق،كالذي يقف في الطريق يمنع الناس من السير فيه،كقطاع الطرق وأزلام الفساد الذين يقفون يمنعون الناس من السير في الطريق المستقيم،ويمنعونهم من ارتياد المساجد ويهددونهم بكل أسباب التهديد فهذا صد عن سبيل الله. كما قال سيدنا شعيب صلى الله عليه وسلم وذكر ذلك في القرآن الكريم:{ولاتقعدوا بكلِّ صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عِوجاً وأنتم شهداء}[آل عمران 99].
إن داء الحسد هو من أكبر المعيقات ومن أكثر المثبطات لدخول دعوة الحق والإيمان بها،عرفنا ذلك قديماً،ونراه حديثاً، وسيواكبنا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها،سنة الله في خلقه،فمنهم يعلم أن الحق بيّن واضح ولكن ظلمة الحسد في هذه الأنفس الداكنة،واسوداد سويداء قلوبهم بهذه الآفة المنكرة البغيضة تجعلهم يبتعدون عن الحق وهم يعلمون أنه حق ويتجنبون قبوله والإيمان به وإن كانت نفوسهم قد استيقنته ولكن جحدته قلوبهم.
يقول الأستاذ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني(الأخلاق الإسلامية ج1 ص813):
„وكان داء الحسد من أكبر العوامل التي جعلت اليهود ينكرون الحق الذي جاء به عيسى عليه السلام،ولذلك حاولوا التخلص منه، لولا أن نجاه الله فرفعه إليه،وألقى شبهه على من دلّ عليه.
وكان داء الحسد من أكبر العوامل التي جعلت اليهود أنفسهم ينكرون الحق الذي جاء به محمد صلوات الله عليه،وبالحسد تآمروا عليه وعلى دعوته في حياته،ثم تابعوا تآمرهم على الإسلام في جميع عصور التاريخ الإسلامي.
لقد حسدوا محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان من العرب،ولم يكن من بني إسرائيل،وقد اصطفاه الله فأنزل عليه خاتمة رسالات السماء وأشملها وأعمّها،وكانوا يعلمون من أنباء كتبهم وبشائرها أن رسولاً سيأتي ويستعلن به دين الله من جبال فاران(وهي جبال مكة) فلما جاءهم ماعرفوا حسدوه،فركبوا مركب الجريمة الكبرى،فكفروا به، فلعنة الله على الكافرين.
كان يهود المدينة يقولون للأوس والخزرج قبل ظهور أمر الرسول صلى الله عليه وسلم:إن نبياً مبعوث الآن،قد أظلّ زمانه،سنتبعه، ونقتلكم معه قتل عادٍ وإرم،وكانوا يسألون الله ان يفتح عليهم به،فلما جاءهم،وهاجر إلى المدينة،وعرفوا صدقه، حسدوه إذ لم يكن من بني إسرائيل،فدفعهم حسدهم إلى الكفر برسالته ومناصبته العداوة، قال تعالى:{ولمّا جاءَهُم كتابٌ من عندِ الله مُصَدِقٌ لما معهم وكانوا من قبلُ يستفتحونَ على الذين كفروا فلمّا جاءهم ماعرفوا كفروا به فلعنةُ الله على الكافرين*بئسما اشتروا بهِ أنفسهم أن يكفروا بما انزلَ الله بغياً أن ينزل الله من فضلهِ على من يشاءُ من عباده فباءوا بغضبٍ على غضب وللكافرين عذابٌ مهين}[البقرة 89 ـ 90].وقال تعالى:{أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيمَ الكتابَ والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيما}[النساء 54].وقال تعالى:{ودَّ كثيرٌ من أهلِ الكتابِ لو يردُّونكم من بعد إيمانكم كُفاراً حَسداً من عند أنفسهم من بعدِ ماتبيّن لهمُ الحق}[البقرة 109].
ويتابع الشيخ حبنكة(نفس المرجع ص785):“وقد يكون جحود الحق ورفض اتباعه والعمل به ناشئاً عن الحقد.
والحقد هو العداوة الدفينة في القلب،والعداوة هي كراهية يصاحبها رغبة بالانتقام من الشخص المكروه إلى حد إفنائه وإلغائه من الوجود.
ومن مرادفات الحقد تقريباً: كلمة الغل، فالغل هو العداوة المتغلغلة في القلب.ومن مرادفاته أيضاً: الضغن،والشحناء،فهي جميعاً كلمات تدور حول معنى واحد أو معانٍ متقاربة،ترجع بوجه عام إلى معنى العداوة،مع بعض فروق في الدلالات“.انتهى كلام الشيخ حبنكة.
وجاء في صحيح البخاري في كتاب „بدء الوحي“ في حديث أبي سفيان ان هرقل لما بلغه أمر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ووصلته رسالة النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه فيها إلى الإسلام قائلاً له:“بسم الله الرحمن الرحيم،من محمد بن عبد الله ورسوله،إلى هرقل عظيم الروم،سلام على من اتبع الهدى،أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام،أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين،فإن توليت فإنّ عليك إثم الأريسيين ـ ودعاه إلى آية في سورة آل عمران:{قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولانشرك بهِ شيئاً ولايتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله}[آل عمران 64]،وكان هرقل رجلاً عاقلاً، أحبّ أن يستوثق من صدق الرسالة التي بعث بها إليه محمد، وقال:هاتوا لي ناساً من العرب،فجاءوا له بأبي سفيان،وكان في رحلة تجارية في ذلك الوقت.جاءوا به، فظل يسأله عن النبي أسئلة في غاية الدقة،وأبو سفيان يجيب،ويخشى أن يكذب فيؤثر عنه الكذب.فقال هرقل: هذا هو النبي الذي بشرنا به المسيح،ولو خلصت إليه لغسلت عن قدميه.
ثم جمع عظماء قومه ثم قال لهم: „يا معشر الروم:هل لكم في الفلاح والرشد،وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصة حُمُر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت،فلما رأى هرقل نفرتهم وآيس من الإيمان قال: ردوهم عليّ. وقال: إني قلت مقالتي آنفاً أختبر بها شدّتكم على دينكم، فقد رأيت“.
نعم ،بعد أن اقتنع هرقل بصدق الرسالة والنبوة،وبدلاً من أن يتبع الدين الجديد ويكسب الأجر مرتين،غلبه حُبِّ ملكه على الدخول في الإسلام،وبقي يحارب الإسلام إلى أن هزمه الإسلام، وبدلاً من أن يموت على الحق وينل أجر أهل الحق والصراط المستقيم مات على الباطل فكان ثوابه أن حشر مع أهل الباطل والضلال.
نعم، إنه إتباع الهوى ومحض الحسد لأهله،ونبذ الهدى ومجافاة أهله،وعندما يركب الهوى النفوس،وتنقاد له العقول، فلا ينفع برهان ساطع ولا يفيد دليل قاطع،وكما يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات صاحب مجلة الرسالة: „وما جدوى اللسان العربي في السمع الأعجم،وما عناء القلم الأجوف في الفؤاد المصمت“ .
يقول المفكر الإسلامي العظيم عباس محمود العقاد رحمه الله (عبقرية الصديق ص 74):
„يمنع الإنسان أن يصغي إلى دعوة العقائد الجديدة موانع شتى من أفات العقل والخلق والبيئة،تجتمع وتتفرق،ويبتلى الرجل الواحد بها جميعاً،وقد يبتلى بمانع واحد منها فيحول بينه وبين الإصغاء والإجابة.
يمنعه أن يجيب الدعوة إلى المصلحين غطرسة،أو سيادة مهددة،أو مصلحة في بقاء القديم ومحاربة الجديد،أو ذهن مغلق لا يتفتح للفهم والتفكير، أو مغامسة للشهوات تحبب إليه أن يستنيم إلى العرف الذي يبيحها ويعزف عن الهداية التي تحظرها أو تقف في سبيلها،أو تعصب غضوب للعقيدة التي درج عليها أو شعور بقوة سلطان تلك العقيدة في أبناء قومه،سواء منهم المتعصبون لها والقابلون لها على المجاراة والمداراة،أو جبن ينهاه أن يخرج على المألوف ويتصدى لسخط الساخطين وإن تبين طريق الإستقامة والسداد،أو إيغال في الشيخوخة يصد الإنسان عن كل تغيير ويميل به إلى كل تواكل ومتابعة وتقليد،أو حداثة سن تجعله تابعاً لغيره في الرأي والخليقة وتجعل له شرة(نشاط وحدة) تحجبه عن التروية والمراجعة،أو ذلة مطبوعة تلحقه بمن أذله وبسط سلطانه عليه.
فالغطرسة:خلة تأبى على صاحبها أن يستمع إلى قول أو يصيخ إلى دعوة أو يتنزل إلى متابعة إنسان،ترفعاً عن الإصغاء قبل أن يهديه الإصغاء إلى موافقة أو إنكار.
والسيادة المهددة: توحي إلى صاحبها كراهة التجديد لأنه يحس بالبداهة أن صاحب الجديد أولى منه بالسيادة إن شاع ماجدده بين الناس فتبطل سيادته ببطلان القديم الذي قامت عليه،وقيام الجديد الذي نسخه وعفاه.
والمصلحة: في حالة من الحالات المستقرة تجعل الرجل محباً لتلك الحالة حبه للمنفعة،كارهاً لتبديلها كراهته للخسارة،ميالاً إلى محاربة الدعوة الجديدة قبل أن يبحث فيها ويتعرف وجوه الخير الذي قد يصيبه منها.
والذهن المغلق:يجهل ما يقال،ويعادي ما يجهل،وينفر من كل ما يشق عليه،وأول ما يشق عليه أن يفهم شيئاً على وجهه السوي، أو يتهيأ للفهم بأية حال.
ومغامسة الشهوات:تبغض إلى المرء سلوانها والإقلاع عنها،وتقرن عنده دعوات الإصلاح والإستقامة بشؤم التنغيص والتكدير، فيتبرم بها وينزعج لهان كما ينزعج النائم المستغرق أيقظته من نومة لذيذة قد استراح لها.
والتعصب الغضوب: لما اعتقده المرء يثيره أن تمس عقيدته كما يثور لحماية الحوزة أو الذود عن الأباء والأجداد،لأنه يحسب عقيدته ملكاً له ولأبائه يرد عنها من يهجم عليها،كما يرد صاحب البيت من يهجم عليه،والعقيدة إذا كانت قوية السلطان غلبت عزتها على عزة العقل والفؤاد،فأصر عليها من كان خليقاً أن يعافها ويعرف عيبها لو دعي إلى تركها وهي تتداعى وتتزعزع وتؤذن بالزوال.
والجبن:يخيف صاحبه أن يجهر بالحق ويبتعد به عن طريق المخافة،فلا يدنو إلى الصوت الذي عسى ان يقوده إلى الإصغاء فالإيمان فالجهر بما يضير.
والشيخوخة: عدو لكل طارق، والحداثة بين طيش يدعو إلى التمرد وطاعة تدعو إلى متابعة الأولياء،والذلة حجاب بين الذليل ونفسه يحجبه وراء من أذله، فلا تصل إليه الدعوة إلا من تلك الطريق.(انتهى كلام العقاد.)
إنّ الغطرسة والكبر والعجب بالنفس من أشدّ أفات النفس التي تمنع صاحبها من قبول الحق والإذعان له والخضوع إليه.
يقول الأستاذ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني(الأخلاق الإسلامية ج1 ص718):