الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

الحقُّ أحقُّ أن يُتَبّع (3/3)

„يرجع الكبر في جذوره النفسية إلى الشعور المغرور بالاستعلاء الذاتي على الأقران والنظراء،وعلى المكانة التي يجد المستكبر نفسه فيها داخل مجتمعه،ويرجع إلى الرغبة بإشعار الأخرين بالامتياز عليهم،ولو لم يكن لهذا الامتياز وجود في الواقع فهو انتفاخ بغير حق،وتطاول بغير حق، وتعالٍ بغير حق، وتصغير للآخرين بغير حق،أو تصغير مالَهُم بغير حق.ويرجع أيضاً إلى الرغبة الجامحة في عدم الخضوع لأحد، ويقترن بهذه الرغبة الشعور الجاهل المغرور بالاستغناء الذاتي.

وقد عرف الرسول صلى الله عليه وسلم الكبر بأبرز مظاهره في السلوك، روى مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“لايدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر“ فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“إن الله تعالى جميل يحب الجمال،الكبر بطر الحق وغمط الناس“.

فعرّف الرسول صلى الله عليه وسلم الكبر بأنه بطر الحق وغمط الناس.

ويتلخص بطر الحق بأنه جحود الحق مع استهانة به واستعلاء عليه،إرضاء للنفس الأنانية المستكبرة،التي تريد الاستئثار بالمجد والكبرياء في الأرض،وتستعلي عن اتباع غيرها وطاعته،مهما كان الحق والخير في جانبه،وتستعلي عن الرجوع إلى الحق وإن تبين لها خطؤها، عناداً وإصراراً على الباطل،وترى أنها أكبر من أن تستجيب لدعوة الحق من غيرها،وأكبر من أن يخفى عنها أمرٌ ويعلمه آخرون.

وأما الغمط: فهو الاحتقار،والازدراء،والاستصغار،وعدم مقابلة الإحسان بالشكر.

إن الكبر من أقبح الانحرافات الخلقية وأسوئها،وأته قد يدفع بصاحبه إلى جحود خالقه والاستكبار على طاعته،ولذلك شدد الإسلام في تحريمه والتحذير منه،وشدّد اللائمة على المستكبرين،وأوعدهم بالعقاب الشديد، كما رغب بالتواضع وحث عليه،ومجّد المتواضعين وأثنى عليهم،ووعدهم بالثواب الجزيل.

روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى اله عليه وسلم:“يقول الله تعالى:“الكبرياء ردائي والعظمة إزاري،فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار„.

وروى البخاري ومسلم عن حارثة بن وهب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“ألا أخبركم بأهل النار؟كل عتلٍّ جوّاظٍ مستكبر„.(العتل: هو الجافي شديد الخصومة بالباطل.الجواظ:الجموع المنوع، أو هو المختال المتكبر، أو هو الفاجر).

ومن الامثلة عن المستكبرين الذين صرفهم كبرهم عن إتباع الحق:

1 ـ لقد كان تمرد إبليس عن طاعة ربه،من آثار خلُق الكبر في نفسه،يقول تعالى:{وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين}[البقرة 34].

2 ـ وكان السبب الأعظم في كفر فرعون وجنوده استكبارهم في الارض بغير الحق،يقول تعالى:{واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لايرجعون}[القصص 39]، ويقول تعالى:{ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملائه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين}[يونس 75].

3 ـ وكذلك الأمر بالنسبة لقوم ثمود مع نبيهم صالح،وأهل مدين مع النبي شعيب،وقوم عاد مع النبي هود،وقوم نوح،وبنو إسرائيل مع نبيهم موسى.

4 ـ وفي الملة الآخرة والرسالة الخاتمة، نجد أمثلة كثيرة وشواهد متعددة من الذين استنكفوا عن اتباع الحق والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم بدافع الكبر في نفوسهم.ومنهم الوليد بن المغيرة وغيره من كفار قريش.(انتهى كلام الاستاذ حبنكة.)

وأصحاب الهوى يختلفون بإختلاف آلهتهم التي يعبدونها من دون الله،فمنهم من يكون معبوده المنصب والسلطة كما هو حال فرعون وهامان وكثير من أصحاب السلطة في كل العصور،ومنهم من يكون معبوده المال والشهرة كمثل قارون فرعون،وما أكثر هؤلاء القوارين على كرِّ الدهور،ومنهم من يكون معبوده الشهرة الكاذبة والمناصب العليا كما هو حال الكثير من علماء السوء وأقلام الزنا وكثير من كتاب وشعراء السرايا والقصور،وهم كما يقول الأستاذ الدكتور حسن هويدي رحمه الله (الوجود الحق): „أناس منهومون،شرهون،مستكثرون،تحكّمت فيهم العاطفة المستبدة،وطغت عليهم الشهوة العارمة،وهم متفاوتون في الرجوع عن الباطل بمقدار تفاوتهم في التهالك على الشهوة، فإن كانت الشهوة جامحة والهوى مستحكماً والأسباب متوفرة، كانت معالجتهم غاية في الصعوبة وندر أن يستجيبوا لداعي الحق{فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنَّما يتَّبعونَ أهواءهُم ومن أضَلُّ مِمّن اتّبع هواهُ بغير هدىً من الله} [القصص50].

وإتباع الهوى والمماراة في الحق واللجوج في الباطل،والتكذيب والشقاق تمنع اصحابها من الإتصال العلوي والسّمو الروحاني، وتقربهم من حمأة الأرض،بل تجعلهم أشدّ التصاقاً بها والأخذ بصفاتها،وتجعلهم أقرب إلى الشيطان،بل هم أخلص أعوانه وأوليائه،إنهم ينسلخون عن الحق انسلاخاً،كما ينسلخ الجلد عن العظم،فلا يفيد رتق أو إصلاح أو ترميم،بل هو الشقاء بعينه يزداد بازدياد الغواية،وهو البلاء بعينه يقوى ويشتدّ كلما طال البعد عن الله وازداد القرب من الشيطان يقول تعالى:

{واتلُ عليهم نبا الذي اتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين*ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتّبع هواه}[الأعراف 175 ـ 176]

والأدهى من ذلك والأنكى انّ الشيطان يُزّين لأتباعه واوليائه من عبيد الهوى،أعداء الحق وأنصار الظلام،يزين لهم أعمالهم ويُحسّنها في نفوسهم ويجعلهم يرتكبون ابشع الأعمال وأفظع الجرائم من غير أن يتأثروا بما اقترفوا أو يندموا على ما فعلوا يقول تعالى:{أفَمَنْ كان على بَينةٍ من ربهِ كَمَنْ زُيِّنَ لهُ سُوءُ عملهِ واتّبعوا أهواءَهُم}„[ محمد 14]

ومردّ هذا كله إلى أنهم قد عُطِّلت الحواس لديهم،وضُرِبَ بينهم وبين الحقّ بحجاب، وأحاطت بقلوبهم أكنّة من الظلمات،وران على قلوبهم، ففقدوا القدرة على التفكير والإدراك والتدبير.

{أفرأيتَ من اتخذَ إلههُ هواهُ وأضلّهُ الله على علمٍ وختمَ على سمعه وقلبهِ وجعل على بصره غشاوةً فمن يهديه من بعدِ الله افلا تَذكّرون}“ [الجاثية 45]،{ومن أضلُّ ممن اتّبعَ هواه بغير هدىً من الله إنَّ الله لا يهدي القوم الظالمين} [القصص 28].

وفي لحظات العسرة ومواقف الشدّة تعود هذه النفس الشقية الضالة إلى ذاتها وتُقرُّ بما كذبته،وتتبرأ ممن اتبعته،ولكن هيهات هيهات إذا كانت ساعة الشدّة هي ساعة الموت والحشرجة!!

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في كتابه „مقومات التصور الإسلامي“ :

“ ولكن هذه الفطرة تنتفض وتنفض عنها الركام وتلتجئ إلى الألوهية الواحدة العميقة في كيانها وذلك في مواقف معينة تبلغ فيها الشدة أو تبلغ فيها الروعة ذروتها“، ويتابع رحمه الله “ والقرآن الكريم يُصّور النفس البشرية المنحرفة حين تتعرى فطرتها أمام الهول الذي يجاوز طاقتها،ويهز اعماقها وينفض عنها الركام،ويردها إلى الرؤية الصحيحة والإستقامة  القاصدة

„{وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعونُ وجنودُهُ بغياً وعَدواً حتى إذا أدركهُ الغرقُ قال آمنتُ أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وانا من المسلمين* آلآنَ وقد عصيتَ قبلُ وكنتَ من المفسدين}“ [يونس 90].

.سئل ابراهيم ابن عيينة : أي الناس أطول ندماً؟فقال: اما في الدنيا فصانع المعروف إلى من لا يشكره،وأما عند الموت فعالم مفرط“.

وهناك طائفة من عبيد الطاغوت والهوى،قد تصدّوا للحكم والفتوى،تتكرر قصصهم في كل عصر وفي كل مِصر،عُرفوا بأنهم زبانية السلطان وخدم كل قصر،تصدّروا المجالس والمحافل،وأفتوا في الصغائر والكبائر،قد نهلوا من ينابيع العلم نهلاً،وعبّوا من شراب المعرفة عبّاً،جمعوا علم العلماء،وحكم الحكماء،ولكنهم جروا مع الحقّ مجرى السفهاء،عرفوا الحقّ وأنكروه،بل ربما هاجموه وحاربوه،باعوا دينهم بدنيا غيرهم،وحكموا للظالم وأدانوا المظلوم،وسجدوا للحاكم وجلدوا المحكوم،عبدوا الطاغوت وانساقوا لرغباته،وخضعوا له وطلبوا مرضاته، أكلوا من طعامه،وضربوا بسيف سلطانه،واتخذوا العلم وسيلة لتحريف الآيات،وتأويل  الكلمات،من أجل إرضاء السادات،لينالوا منهم الفتات،يتهافتون تهافت الذباب على فتات موائد الطعام، ويتماوتون تماوت الكلاب في إرضاء أصحاب السلطان،ويتنافسون تنافس الذئاب في نهش لحوم النعاج والخرفان… خالط الهوى قلوبهم،وجرى مجرى الدم في عروقهم، فتشّربته عقولهم، ونطقت به أفواههم ،وصدرت عنه جوارحهم.

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في „الظلال“

:“ما أكثر الذين يُعطون علم دين الله ثم لا يهتدون به،إنما يتخذون هذا العلم وسيلة لتحريف الكلم عن مواضعه وإتباع الهوى، هواهم وهوى المُتسّلطين الذين يملكون لهم في وهمهم عَرَض الحياة الدنيا،وكم من عالم دين رأيناه يعلم حقيقة دين الله ثم يزيغ عنها ويُعلن غيرها،ويستخدم علمه في التحريفات المقصودة،والفتاوى المطلوبة لسلطان الأرض الزائل،يحاول أن يثبّت بها هذا السلطان المعتدي على سلطان الله وحُرماته في الأرض جميعاً“

نعم، إنَّ إتباع الهوى وإيثار الدنيا الفانية على الأخرة الباقية من أهم أسباب الإنحراف عن الحقّ والإندفاع  نحو الباطل، وإن الهوى هو اساس البلوى،وهو المُعمي عن رؤية الحقّ والمُصّمُ عن سماعه.

يقول الإمام العظيم ابن القيّم رضي الله عنه في كتابه“الفوائد“ :

„كلُّ من آثرَ الدنيا من أهل العلم واستحبّها، فلا بد أن يقول على الله غير الحق في فتواه وحكمه،لأن أحكام الربّ سبحانه كثيراً ما تأتي على خلاف اغراض الناس،ولا سيما أهل الرياسة والذين يتبعون الشهوات،فإنها لا تتم لهم أغراضهم إلا بمخالفة الحق ودفعه كثيراً،فإذا كان العالم والحاكم مُحبينِ للرياسة مُتبعينِ للشهوات،لم يتم لهما ذلك إلا بدفع ما يضاده الحق،ولا سيما إذا قامت له شبهة، قتتفق الشبهة والشهوة ويثور الهوى، فيخفى الصواب،ويطمس وجه الحق. وإن كان الحق ظاهراً لا خفاء به ولا شبهة فيه أقدم على مخالفته، وقال: لي مخرج بالتوبة، وفي هؤلاء وأشباههم قال تعالى:{فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات}[مريم59]، وقال تعالى:{فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عَرَضَ هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرضٌ مثلُه يأخذوه ألم يؤخذْ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحقَّ ودرسوا ما فيه والدارُ الآخرة خيرٌ للذين يتقون أفلا تعقلون} [الأعراف 169].انتهى كلام ابن القيم رحمه الله.

إنّ خطورة أمثال هؤلاء من علماء السوء خطورة مضاعفة،ولذلك كان عقابهم الرّباني مضاعفاً أيضاً:

إنّهم عرفوا الحقّ وأنكروه،بل ربما حاربوه،والعجب العُجاب أنهم قد يساعدون أصحاب الدركات على النيل من أصحاب المراتب والدرجات ،يقول الله تعالى:{الم ترَ إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجِبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا*أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعنِ الله فلن تجد له نصيرا}.[النساء 51 ـ 52].

2ـ إنهم عرفوا الحقّ وحكموا بغيره وأوجدوا لأنفسهم الفتاوى، وتلاعبوا بالنصوص والمبادئ،وحرّفوا الكلمات، ولوّوا أعناق الآيات، بما يُحقق مصالحهم ويجري مع أهوائهم. يقول الشيخ العالم العامل المجاهد مصطفى السباعي رحمه الله في كتابه“هكذا علمتني الحياة“ :

„فأقدر الناس على التلاعب بالقانون أعلمهم بنصوصه ومبادئه،وأجرأ الناس على تجاوز حدود الأخلاق أعلمهم بفلسفتها ونظرياتها،وأكثر الناس وقوعاً في الإثم أكثرهم إحاطة بنصوص الشرع وحيل الفقهاء،وأشدّ الناس تكالباً على الدنيا أكثرهم ترغيباً عنها وترهيباً بها،وبذلك انقلبّ الواء داءً، والطبيب مريضاً“.

3ـ إنّهم قد ضلّوا وأَضلّوا،لانهم بهم يُقتدى،وبا جتهاداتهم يُحتذى،وتُسمع منهم الفتوى،وهم على زيغ وضلال،يُزيّفون تعاليم الدين، ويُعطون أعداءه الفرصة والحجّة لمحاربته والنيل منه والتهجم على أتباعه المخلصين. يقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله: „مصيبة الدين في جميع عصوره بفئتين: فئة أساءت فهمه،وفئة أتقنت استغلاله، تلك ضَلّلت المؤمنين،وهذه أعطت الجاحدين حجّة عليه“.

روى الإمام أحمد وغيره عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه  عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:„إنّ أخوفَ ما أخاف على أمتي كلُّ منافقٍ عليم اللسان“.

ويقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله:

„إن الجاهل الذي ينحرف فيتابع هواه وهو يعترف أنه مخطئ افضل ألف مرة من العالم الذي يلتمس لإنحرافه المبررات ويُلبس أهواءه أقنعة زائفة من الدين والمصلحة،والدين والمصلحة من ذلك براء“.

نعم، تعساً للعلم الذي لا ينفع حامله،وتعساً للعقل الذي يُودي بصاحبه،وتعساً لعلماء السوء الذين يبيعون كلمات الله بثمن بخس زهيد فخسروا الدنيا والآخرة،فهم في الدنيا مُحتقرون وإن اعتلوا أعلى المناصب والمراكز،وهم في الآخرة في الدرك الأسفل من الجحيم: أتعس المنازل،وكان في مقدورهم أن يكونوا سعداء في الدارين ولكنّهم اختاروا وارادوا شقاوة الحالين.

يقول الإمام العظيم ابن القيّم رحمه الله في كتابه „الفوائد“ في قوله تعالى: {واتلُ عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطانُ فكان من الغاوين*ولو شئنا لرفعناه بها ولكنّه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثلُه كمثل الكلب إن تحملْ عليه يلهثْ أو تتركه يلهث}[الأعراف 175 ـ176]، يقول هذا العالم الجليل العظيم: „فهذا مثال عالم السوء الذي يعمل بخلاف علمه،وتأمّل ما تضمنته هذه الآية من ذَمّه وذلك من وجوه:

!ـ أنه ضلّ بعد العلم واختار الكفر على الإيمان عمداً لا جهلا.

2ـ أنه فارق الإيمان مفارقة من لايعود إليه أبدً،فإنه انسلخ من الآيات بالجملة كما تنسلخ الحية من قشرها،ولو بقي معه منه شئ لم ينسلخ منها.

3ـ أن الشيطان أدركه ولحقه بحيث ظفر به وافترسه،ولهذا قال فأتبعه الشيطان ولم يقل تبعه، فإن في معنى أتبعه: أدركه ولحقه،وهو ابلغ من تبعه لفظا ومعنى.

4ـ أنه غوى بعد الرشد،والغي: الضلال في العلم والقصد،وهو اخص بفساد القصد والعمل،كما أن الضلال أخص بفساد العلم والاعتقاد،فإذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر،وإن اقترنا فالفرق ما ذُكر.

5ـ أنه سبحانه لم يشأ أن يرفعه بالعلم فكان سبب هلاكه،لأنه لم يرتفع به فصار وبالاً عليه،فلو لم يكن عالماً كان خيراً له وأخف لعذابه.

6ـ أنه سبحانه أخبر عن خِسّةِ هِمّتهِ وأنه اختار الأسفل والأدنى على الأشرف والأعلى.

7ـ أن اختياره للأدنى لم يكن عن خاطر وحديث نفس،ولكنه عن إخلاد إلى الأرض وميل بِكليّته إلى ما هناك. وأصل الإخلاد: اللزوم على الدوام. كأنه قيل: لزم الميل إلى الأرض.

8ـ أنه رغب عن هداه واتبع هواه،فجعل هواه إماماً له يقتدي به ويتبعه.

9ـ أنه شَبهّهُ بالكلب الذي هو أخَسّ الحيوانات هِمّة،وأسقطها نفساً،وأبخلها وأشدّها كَلَبا،ولهذا سمي كَلْبا

10ـ أنه شَبّه لهثه على الدنيا وعدم صبره عنها وجزعه لفقدها وحرصه على تحصيلها بلهث الكلب في حالتي تركه والحمل عليه بالطرد وهكذا،هذا إن ترك فهو لهثان على الدنيا،وإن وعظ وزُجر فهو كذلك،فاللهث لا يفارقه في كل حال كلهث الكلب“ (انتهى كلام ابن القيم رحمه الله.)

ويقول الإمام محمد رشيد رضا رحمه الله حول هذه الآيات الكريمة من سورة الأعراف(مجلة المنار العدد 450 الموافق العاشر من تموز عام 1926):

„هذا مثل ضربه الله تعالى للمكذبين بآيات الله المنزلة على رسوله صلى الله عليه وسلم على ما أيدها به من الآيات العقلية والكونية،وهو مثل من آتاه الله آياته فكان عالماً بها حافظاً لقواعدها وأحكامها،قادراً على بيانها والجدل بها،ولكنه لم يؤت العمل مع العلم،بل كان عمله مخالفاً لعلمه تمام المخالفة،فسلبها لأن العلم الذي لايعمل به لايلبث أن يزول فاشبه الحية التي تنسلخ من جلدها وتخرج منه وتتركه على الارض،أو كان في التباين بين علمه وعمله كالمنسلخ من العلم التارك له كالثوب الخلق يلقيه صاحبه والثعبان يتجرد من جلده حتى لاتبقى له به صلة عل حد.وكما قال الشاعر:

خلقوا وما خلقوا لمكرمة             فكأنهم خلقوا وما خلقوا

رزقوا وما رزقوا سماح يد          فكأنهم رزقوا وما رزقوا

فحاصل معنى المثل أن المكذبين بآيات الله تعالى المنزلة على رسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه على إيضاحها بالحجج والدلائل كالعالم الذي حرم ثمرة الانتفاع من علمه لأن كلا منهما لم ينظر في ألآيات نظر تأمل واعتبار وإخلاص“.

ولقد توّعد الله سبحانه وتعالى أمثال هؤلاء من علماء السوء بأشدّ العقاب والنَكال واللعنة وأشدّ العذاب، قال تعالى:{ياداود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحقِّ ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب}[ص 38]، وقال تعالى:{فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين}[البقرة 89]  وقال تعالى:{فويل للذين يكتبون الكتاب بايديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون}[البقرة  79].

وفي النهاية أنشر مقالا كتبته في مجلة الرائد التي كانت تصدر في ألمانيا قبل عشرات السنين(الرائد العدد 185)

والمقال بعنوان:

„حسبنا ما وجدنا عليه  آباءنا“

هناك اناس قد ألغوا عقولهم،وعطلوا مداركهم وأفهامهم،وسدُّوا منافذ قلوبهم وأبصارهم،اختاروا عبودية العقل والضمير للآباء والأجداد،ورفضوا نداء العقل وصدق الإحساس،وخضعوا لإستعباد الواقع المألوف،والعرف المعروف،وإن كان يسلب الإنسان أهم خصائصه ومقوماته،وخاصة حرية التفكير والتدبر.يعيشون مع أفكار توارثها الأعقاب عن الأسلاف،والأحفاد عن الأجداد،وكأنها وحي سماوي مُنزل!! يعيشونها بضمير ميت وعقل معطل!!.

هم أناس اتخذوا آباءهم أرباباً لهم،وجعلوا من مشايخهم وزعمائهم أنبياء لهم،يقتدون ويهتدون بهم،ويسلكون مسالكهم،وإذا دخلوا جحر ضب دخلوه وراءهم، يسيرون في الركب،يسوقه الأمير،كما يسوق الراعي قطعان الحملان والبعير.

لا يفكرون…ولا يُحَضون على التفكير… بل أُريد لهم عدم التفكير!!

إذا قيل لهم اسكتوا!! تراهم كالجبال الراسيات أو كالصخور القاسيات،الصلبة الصلدة!!

وإذا قيل لهم تحركوا!! تحركوا وإن كان خبط عشواء في دياجير العتمة والظلماء.

ولقد صوّر لنا القرآن الكريم صورة هؤلاء الناس الذين تقمصوا عبادة أراء الآباء والأجداد،وهؤلاء موجودون في كل زمان ومكان،وإن كانت شخصية المعبود تختلف من مكان لآخر،فقد تكون شخصية زعيم،أو شيخ طائفة،أو أمير جماعة،وقد تكون متمثلة في صورة كتاب أو دستور أو منهج أو قانون.

يقول الله تعالى: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون} [المائدة 104].

ويقول عز وجل : {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير}[ لقمان 21].

يقول الشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني(الأخلاق الإسلامية ج1 ص820):

„وغريزة التقليد هي في الأصل غريزة حسنة نافعة،يكتسب بها الناشئ من بيئته كثيراً من المعارف والمهارات والعادات والأخلاق الحسنة،التي توصل إليها الناس بعد تجارب القرون الكثيرة الأولى.لكن المفروض في الإنسان السوي الذكي العاقل المبدع أن لايجمُد عند حدود التقليد،وإلا وقفت الإنسانية عن التقدم والارتقاء إلى ما هو أكمل وأفضل وأحسن،وأن لايمسك بمذهب التقليد كلّما اكتشف أنّ مايقلده أمر باطل،أو أن غيره أفضل منه وأحسن.فالإرادة الإنسانية يجب أن تكون تابعة للحق الذي يقضي به منطق العقل وتجارب العلم، ولما هو أفضل وأحسن وأكمل في منطق العقل وتجارب العلم أيضاً“.

يقول سيد قطب رحمه الله في “ الظلال“ :

„فهذا هو سندهم الوحيد،وهذا هو دليلهم العجيب،التقليد الجامد المتحجر الذي لا يقوم على علم ولا يعتمد على تفكير،التقليد الذي يريد الإسلام أن يحررهم منه،وأن يطلق عقولهم لتتدبر،ويشيع فيها اليقظة والحركة والنور،فيأبوا هم الإنطلاق من إسار الماضي المنحرف ويتمسكوا بالأغلال والقيود“.

نعم، لقد واجههم الدعاة بالبينات الواضحة،والأدلة الظاهرة،والبراهين الساطعة،ولكنها عقدة التمسك برواسب الماضي،وتقاليد لا تقوم إلا على الوهم،وتقديم آراء الآباء والشيوخ والأكابر على النصوص الصحيحة الثابتة،إنه الاتّباع لمجرد الاتّباع ومحض التقليد،وإنه العناد والمماطلة والمكابرة:

{قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا} [البقرة 170]،{قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا} [المائدة 104]،{ قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين} [الأنبياء 53]،{بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون}[ الشعراء 74]،{قالوا بل نتبع  ما وجدنا عليه آباءنا}[ لقمان 21]

وهم لا يكتفون بالتمسك بما وجدوا عليه آباءهم،ورفض الأدلة الواضحة،بل وعدم الإيمان بالحق الواضح المبين،بل يجادلون لتشويه صورته والافتراء عليه.{وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا للحقِّ لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين} [سبأ 43]

والأنكى من هذا والأدهى أنهم لم يكتفوا بالتمسك بهذه الرواسب العفنة والتقاليد البالية،ومهاجمة الحق والافتراء عليه،بل إنهم يتجاوزون ذلك إلى التسابق فيما بينهم والتهافت على التشبث بهذه الرواسب والتمسك بهذه التقاليد{إنهم ألفوا آباءهم ضالين* فهم على آثارهم يُهرعون} [الصافات 69 ـ 70]

إنهم يطيرون عجلين في إتباع خطى الآباء واقتفاء آثارهم والاهتداء بهديهم غير ناظرين ولا متحققين،ولا يركنون إلى شرع الله وما أنزل على رسله،ولا يقبلون البينات،بل يختارون ما اختاره الآباء،ويعبدون ما وجدوا عليه الأجداد،فهم عبيد للأهواء والآباء،وإن كان هؤلاء الآباء لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون{أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون} [المائدة 102]، {أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون} [البقرة 170]

ولا يقتصر الأمر لدى هؤلاء الناس على مجرد التقليد،وعبادة الأهواء والآباء، ومهاجمة الحق والافتراء عليه،بل إنهم ايضاً يفعلون المنكر ويرتكبون الفواحش ويصرون عليها،وعِلتهم في ذلك أن آباءهم كانوا يرتكبونها ويفعلونها{وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا} [الأعراف 28]،ويتزعم ركب هؤلاء المقلدين المنحرفين،نفسياً وفكرياً،والمتحجرين عقلياً،ويمشي في مقدمتهم ويرفع لواءهم وينصر آراءهم ويدافع عن جهلهم وحماقاتهم وسخافاتهم،أمراؤهم وأغنياؤهم ومترفوهم، ولم لا؟ ولهم المصلحة الكبرى والمنفعة العظمى أن تبقى الأمور على حالها،وأن تكون لهم القيادة والريادة{وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون* قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون}[الزخرف 22ـ 23].

نعم، إنها عقول جُبلت بالجهل والغفلة،وقلوب خُتم عليها بالجمود والهمود،ونفوس تستعذب الإتصال بالماضي وما فيه من خرافات وضلالات،وتستثقل الحديث عن الحاضر وما فيه من آيات ودلالات،وتتبرم بكل الحقائق والبراهين،وتتمنى أن تمشي في جحودها ونكرانها،وأن لا تثقل فكرها،وتشغل حسّها،بالتحري عن المزيف من الصادق،أو الغث من السمين.

إنها صورة نعيشها في كل زمان ومكان،فلكل زمان جاهليته،ولكل جاهلية أتباع،وسمات هؤلاء الأتباع واحدة مشتركة في كل زمان عاشوا فيه،وفي كل مكان وجدوا فيه، تعرفهم من خلال هذه السمات، وأهمها: بلادة الشعو،وتحجر التفكي،وتعطيل الحواس، وقساوة القلب. إن قلب هؤلاء مقفل مصمت،لا ينفذ إليه الضياء،ولا يتجاوزه أرقُّ الشعاع، قد ضربت عليه أسوار كثاف،وحجب سماك، وأكنّة غلاظ،فلا يصل إليه رقيق النسيم،ولا يصدر عنه شعاع رحمة.وهو إلى كل هذا وذاك قاس صلب،لا تبلغ منه المعاول،ولا تفعل فيه المطارق،فهو كالحجارة أو أشد قسوة،ومع هذه الصلابة والصلادة والإصمات،وما وضع عليه من أكنّة وما ستر به من حجب وأسوار،فإن هذا القلب قد وضع عليه أيضاً قفل،بل عدّة أقفال،من أجل الإغراق في المماطلة والمكابرة والعناد،{أم على قلوب أقفالها}[محمد 47]، ولذلك وصفهم الله تعالى بعد أن ذكرنا هذه الصفات بأبشع الأوصاف وأقسى النعوت،فقال عز وجل {أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون}[ الأعراف 179]، ويقول تعالى{ إن هم كالأنعام بل هم اضل سبيلاً}[الفرقان 24].

إنه تقريع ما بعده تقريع لهؤلاء المعتقدين بلا دليل،وتوبيخ ما أشدّه من توبيخ لهؤلاء المتبعين الضالين،وتبكيت ما أشدّه من تبكيت لهؤلاء الخابطين في عشواء العماية،السادرين في الغواية.

يقول سيد قطب رحمه الله في „الظلال“ „والذين يغفلون عما حولهم من آيات الله في الكون وفي الحياة،والذين يغفلون عما يمر بهم من الأحداث والغير،فلا يرون فيها يد الله،أولئك كالأنعام بل هم أضل،فللأنعام استعدادات فطرية تهديها،أما الجن والإنس فقد زودوا بالقلب الواعي والعين المبصرة،والأذن الملتقطة،فإذا لم يفتحوا قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم ليدركوا إذا مروا بالحياة غافلين لا تلتقط قلوبهم معانيها وغاياتها،ولا تلتقط اعينهم مشاهدها ودلالاتها،ولا تلتقط آذانهم إيقاعاتها وإيحاءاتها،فإنهم يكونون أضل من الأنعام الموكولة إلى استعدادتها الفطرية الهادية“، ويتابع رحمه الله : „وما يفرق الإنسان عن البهيمة إلا الاستعداد للتدبر والإدراك والتكيف وفق ما يتدبر ويدرك الحقائق عن بصيرة وقصد وإرادة واقتناع، بل إن الإنسان حين يتجرد من خصائصه هذه يكون أحطّ من البهيمة،لأن البهيمة تهتدي بما أودعها الله من استعداد، فتؤدي وظائفها أداءً كاملاً صحيحاً، بينما يهمل الإنسان ما أودعه الله من خصائص ولا ينتفع بها كما تنتفع البهيمة“

نعم، إن المقلد عن جهل عبد،رضي طواعية العبودية لما تعارف عليه الآباء والأجداد من غير أن يستعمل عقله وحواسه في معرفة الغثّ من السمينن والخطأ من الصواب،والإنسان العاقل لا يهب عقله وكينونته لسواه، وإن ساواه أو علاه،والإنسان العاقل يرفض أن ينزل بنفسه إلى مرتبة أحطّ من مرتبة البهائم،بل يحاول أن يرتقي بنفسه وأن يستعمل عقله وأن يحترم ذاته، وأنهي حديثي بقول لأحد علماء الأمة  المصلحين وهو الأستاذ الشيخ العلّامة محمد عبده رحمه الله يقول في رسالة التوحيد:“أنحى الإسلام على التقليد،وحمل عليه حملة، فبددت فيالقه المتغلبة على النفوس،واقتلعت أصوله الراسخة في المدارك،ونسفت ما كان له من دعائم وأركان في عقائد الأمم.

صاح بالعقل صيحة أزعجته من سباته،وهبت به من نومة طال عليه الغيب فيها،كلما نفد إليه شعاع من نور الحق خلصت إليه هينمة من سدنة هياكل الوهم: نم فإن الليل حالك،والطريق وعرة،والغاية بعيدة،والراحلة كليلة،والأزواد قليلة“ ويتابع رحمه الله:“صرف القلوب عن التعلق بما كان عليه الآباء،وما توارثه عنهم الأبناء،وسجل الحمق والسفاهة على الآخذين بأقوال السابقين، ونبّه على أن السبق في الزمان ليس آية من آيات العرفان“ويتابع رحمه الله :“ عاب أرباب الأديان في اقتفاء أثر آبائهم، ووقوفهم عند ما اختطته لهم سير أسلافهم،فأطلق بهذا سلطان العقل من كل ما كان قيّده،وخلصه من كل تقليد كان استعبده،وردّه إلى مملكته،يقضي فيها بحكمه وحكمته“ ويتابع:“ جاء الإسلام يخاطب العقل،ويستصرخ الفهم واللب،ويشركه مع العواطف والإحساس في إرشاد الإنسان إلى سعادته الدنيوية والأخروية“ .