الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

الحقُّ أحقُّ أن يُتَبّع (1/3)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحقُّ أحقُّ أن يُتَبّع

من المتفق عليه عند علماء المسلمين أنّ القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه،وأن الله تعالى قد حفظه لنا وأبعد عنه يدّ التحريف والتأويل، ومن المتفق عليه أيضاً عند أئمّة المسلمين أن رسل الله جميعاً معصومون من الخطأ، وينقلون رسالات الله كما أنزلها عليهم من غير إضافة أو نقصان،أو تعديل أو تحريف قال تعالى: {سنقرئك فلا تنسى إلا ماشاء الله} [الأعلى 6] وقال تعالى:{وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى}[ النجم 3ـ4]، وقال تعالى:{ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل* لأخذنا منه باليمين* ثم لقطعنا منه الوتين} [الحاقة 44ـ46].

وكذلك فإنّ الخطأ قد رُفعَ عن الأمّة المحمدّية في الذي حصل عليه اتفاق وإجماع من الأئمة المسلمين، يقول شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى(ج20ص164):

„فدين الله مبني على اتبّاع كتاب الله،وسُّنة نبيه،وما اتفقت عليه الأمة،فهذه الثلاثة هي المعصومة،وما تنازعت فيه الأمة ردّوه إلى الله والرسول“.

أما غير الرسل من الناس فليس معصوماً من الخطأ،أو النسيان، يؤخذُ من قوله،ويُردّ عليه ويقبل منه الصواب ويترك الخطأ ،يُتَمّم منه النقصان،ويُعدّل المَيلان.

وقد بلغ من حرص الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين على بيان هذا الأمر مالا يترك مجالاً للشك،أو الريبة أو عدم اليقين،فها هو أوّل الخلفاء الراشدين أبو بكر الصديق رضي الله عنه في أول خطبة يخطبها في الناس بعد انتخابه خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: „إن أحسنت فأعينوني، وإن اسأت فقوموني“،ويقول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: „ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلاً،إن أمن آمن،وإن كفر كفر،فإن كنتم مقتدين فبالميت،فإنّ الحيّ لايؤمن عليه الفتنة“ .وسأل رجل ابن عباس رضي الله عنهما عن مسألة فأ جابه فيها بحديث، فقال الرجل:قال أبو بكر وعمر، فقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون :قال أبو بكر وعمر!!

وقد نبّهَ أئمة المذاهب الأربعة إلى أهمية هذا الموضوع وخطورته، وبيّنوا أنهم بشر يخطئون ويصيبون في اجتهادهم، ونبّهوا أتباعهم ومن جاء بعدهم إلى أن كل مايتعارض من أقوالهم وأفعالهم مع كتاب الله تعالى وسنّة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فعلى الناس ترك الأخذ به وعدم العمل به.يقول الإمام مالك رضي الله عنه: „إنّما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيى، فكل ماوافق الكتاب والسنّة فخذوه،وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه“.

وقال الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه:“هذا رأيي، وهذا أحسن ما رأيت،فمن جاء برأي خير منه قبلناه“.

وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: „لقد ألّفت هذه الكتب ولم آلو فيها ـ أي لم أقصّر في بحث ولا جهد ـ ولا بد أن يوجد فيها الخطأ، لأن الله تعالى يقول: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً}[النساء 82]، فما وجدتم في كتبي هذه مما يخالف الكتاب والسنة فقد رجعت عنه“ .

يقول الأستاذ ناجي الطنطاوي (كلمات نافعة ص69):

„الاعتراف بالحق فضيلة،ولكنه صعبٌ على النفس،لأن الإنسان معجبٌ برأيه،فيس من السهل عليه أن يتراجع عنه ولا أن يقر بخطئه،إلا إذا كان على مستوى رفيعٍ من العلم والخلق،ونحن نرى كثيراً من الناس يتعصب أحدهم لرأيه ويرمي من يخالفه فيه بالجهل،والخطأ ولا يقبل فيه جدالاً ولا نقاشاً،وليس هذا من الإنصاف في شيءٍ بل هو عنادٌ وجهلٌ وإصرارٌ على الخطأ،وإن النقاش الهادئ المبني على الروية والحكمة هو الطريق السليم الذي يؤدي إلى معرفة الحق وإلى التمييز بين الآراء الصائبة السليمة،والآراء المنحرفة الخاطئة.

وقد يسهل على المرء أن ينصف من هو أكبر منه سناً احتراماً لسنه،ولكن لايسهل عليه أن ينصف قرينه لأن النفس مطبوعةٌ على التحاسد بين الزملاء والأقران،وأشد من ذلك صعوبةً أن ينصف المرء من هو أصغر منه سناً وأن يعترف له بصواب رأيه،مع أن الأدب الإسلامي يوجب على المؤمن أن يعترف بخطئه إذا ظهر له صواب الرأي المخالف ولو كان صاحب الرأي المخالف أقل منه علماً وأصغر منه سناً،وليس في ذلك غضاضةٌ على النفس بل هو فضيلةٌ كبرى.

ونحن نعرف قصة عمر رضي الله عنه في موضوع تحديد المهور حين قال وهو على المنبر:امرأةٌ أصابت ورجلٌ أخطأ،ولم ينقص هذا الكلام من قدر عمر بل زاده رفعةً وفضلاً،ويروى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه تكلم في مسألةٍ فقال له أحد الحاضرين ليس الأمر كذلك يا أمير المؤمنين ولكنه كذا وكذا،ففكر عليٌّ قليلاً ثم قال:أصبتَ وأخطأتُ وفوق كل ذي علمٍ عليم“.

يقول الشاعر ابن الحُقَيق:

إني إذا مالت دواعي الهوى               وأنصت السامع للقائل

واعتلج الناس بآرائهم                     نقضي بحكم عادل فاصل

لا نجعل الباطل حقاً ولا                  نرضى بدون الحق للباطل

يقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله(فيض الخاطر ج7 ص67):

„يدعو هذا الشعر إلى أن الأهواء إذا اختلفت،والأراء إذا اشتبكت وتضاربت،يجب على الإنسان ألا يتجنب المعركة ولايفرّ من الميدان،ولكن يبتعد عن الأهواء كلها،ويدرس الآراء كلها في دقة وإمعان،حتى يعرف صحيحها من باطلها،ولاينخدع بزيفها،فإذا تبين له وجه الصواب أعلنه وأعلن التمسك بهنفقضى بالرأي الذي يراه صواباً وعدلاً وقاله قولاً فصلا لا لبس فيه ولا إبهام ولا غموض ولا التواء.ثم هو لايكتفي بالقول،فما القول إذا لم يدعم بالعمل؟فلا يقر قراره حتى يكون الحق ويحل محل الباطل،ثم لا يكتفي بأنصاف الحلول،فإما الحق كله أو لاشيء غيرهنفذلك قوله“ولانرضى بدون الحق للباطل“.

وقال شاعر آخر وقد دعاه عبد الملك بن مروان لقتال ابن الزبير فأبى:

فلست بقاتل رجلاً يصلي               على سلطان آخر من قريش

له سلطانه وعليَّ إثمي                    معاذ الله من سفه وطيش

يقول الأستاذ أحمد أمين معقباً(نفس المرجع السابق):

„فهو يريد أن يقول إنه لايحب أن يقاتل من أجل انتصار شخص على شخص،ولاسيما أن المقاتِل مسلما والمقاتَل مسلما،وهو قول إذا ترجم إلى أقوالنا المعاصرة قيل إنه لاينصر حزباً ولايقاتل حزباً من أجل زعماء هذا وزعماء ذاك،مادام الزعماء كلهم أبناء أمة واحدة،فالقتال في مثل هذا الموقف ليس قتالاً للحق ولكنه قتال للزعيم.وأنا أربا بنفسي أن أقاتل لزعيم له الغنم وعليَّ الإثم،والقتال إن كانت نتيجته غنم شخص أيا كان،وخسارتي أيا كانت النتيجة،سفه وطيش“.

ويقول سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى:{بل كذَّبوا بالحقِّ لمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ في أمرٍ مريجٍ}[ق 5].

:“إن الحق هو النقطة الثابتة التي يقف عليها من يؤمن بالحق فلا تتزعزع قدماه،ولا تضطرب خطاه،لأن الأرض ثابتة تحت قدميه لاتتزلزل ولا تخسف ولا تغوص.وكل ما حوله ـ عدا الحق الثابت ـ مضطرب مائج مزعزع مريج لا ثبات له ولا استقرار،ولا صلابة ولا احتمال.فمن تجاوز نقطة الحق الثابتة،زلت قدماه في ذلك المضطرب المريج،وفقد الثبات والاستقرار،والطمأنينة والقرار،فهو أبداً في أمر مريج لا يستقر على حال!ومن يفارق الحق تتقاذفه الأهواء،وتتناوشه الهواجس،وتتخاطفه الهواتف،وتمزقه الحيرة،وتقلقه الشكوك.ويضطرب سعيه هنا وهناك،وتتأرجح مواقفه إلى اليمين وإلى الشمال،وهو لا يلوذ من حيرته بركن ركين،ولا بملجأ أمين فهو في أمر مريج“.

وبعد أن عرضنا لكلِّ هذه الأمثلة، وبيّنا ما يناسبها من الأدّلة،نجد وللأسف أن هناك أناس ينظرون إلى مشايخهم وعلمائهم نظرة التقديس والتعظيم والمعصومية،يرفعون كلامهم إلى مستوى كلام الخالق عزّ وجلّ،ويتبّعون أوامرهم، ويقتدون بهداهم من غير نقدٍ ولا تصويب بل هم مستسلمون لهم استسلاماً كاملاً،منقادون لهم انقياداً تاماً، هم في نظر هؤلاء المريدين مبّرؤون من كلِّ عيب، وفوق كلِّ نقد،الحقّ ما يخرج من أفواهم،والقول ما قالته ألسنتهم،والسُّنة الصحيحة قد تجلّت في أعمالهم، يُكّفرون من خطأّهم،ويحاربون من اجترأ على انتقادهم.

إنّ هذا الانحراف الشديد في التفكير الذي أُبتلي به وللأسف بعض المسلمين له أسباب عديدة،وينجم  عنه أثار سلبية، وإن أهم اسباب هذا الانحراف:

1ـ سوء التوجيه

2ـ العصبية الحزبية والتقليد الأعمى

3ـ عدم الإلمام الكافي بعلوم الدين وتعاليمه

4 ـ اتباع الهوى

أولاً: سوء التوجيه:

إنّ بعض العلماء  والمشايخ يحيطون أنفسهم بهالة من التقديس والتعظيم،ويظنون أنهم حازوا قصب السبق،فيمن سبق وممن لحق،وأن الناس قد ساروا بسيرتهم شرقاً وغرباً،وغَوراً ونجداً،ويوجهون الأتباع والمريدين توجيهاً بحيث يظن معه المريد أو يعتقد تمام الإعتقاد، بانّ ما يصفه له الشيخ بعقله فهو له قدوة،وما يفعله يصير له حجّة،وأن الشيخ يُحسّن ما شاء فيَحسُن،ويُقبِّحُ ما شاء فيَقبُح،انتهى العلم إليه فلا يؤخذ إلا من علمه،ووصل غاية الإحسان فيقتدى بسيرته،وأن عنده ما يشفي عِلّته،وينقع غِلّته، والويل كل الويل لمن يتعرّض له،والثبور مابعده ثبور لمن لا يهتدي به.

وقد يتغاضى هؤلاء الأتباع والمريدون عن كلِّ شئ،ويغفرون كلّ شئ،إلا إذا تعرّضَ عالمهم أو شيخهم لنقدٍ أو تصويبٍ أوتصحيح أو تجريح فإنّهم عندئذٍ يواجهون المُنتقِد ـ ولو كان على حقّ ـ بكل أنواع الشتم والسباب والهجاء،ولَرُبما وصل بهم الأمر إلى الضرب والإيذاء،وقد يُتعَرَّضُ للذّات الإلهية ـ معاذ الله ـ في بعض المجالس من قبل بعض الفُسّاق أو العُصاة أو الكفرة،فيسكتون ولا يرتكسون،ولكنّهُم قد ينقلبون أسوداً أو نسوراً،ينهشون اللحم،ويدّقون العظم،ويسحقون الخصم،عندما يتعرّضُ أحدهم لذات الشيخ أو مكانته العلمية،ولقد سمعت من أستاذ عظيم قصة لها مغزاها البعيد،يتحدّث بها عن أولئك المُتعصّبين عن عمىً لمشايخهم،وموجزها أنه تنازع أحد هؤلاء المتعصّبين يوماً مع آخر متأثر بفكر دخيل،فسبّ هذا الآخر الله عزّ وجلّ فسكت المتعصّب،فعاد ثانية وسبّ الرسول صلى الله عليه وسلم فسكت المتعصّب ثانية،فعاد  ثالثة وسبّ شيخه وهنا استشا ط المريد غضباً،وقال والشرر يتطاير من عينيه: سَببت الله فسكت،وسَببت الرسول فسكت،أما أن تتطاول وتتعدّى وتسب شيخي فهذا ما لا أرضاه أبداً ! ! نعوذ بالله من هذا الانحراف الفظيع، وسوء التوجيه الشنيع.

نعم، إنه من الإنحراف الكبير أن نجعل لكلام الناس صفة عصمة كتاب الله،ونعتبر كلامهم وأحكامهم كأنّها نصوص قرآنية أو نبوية شريفة.

يقول الأستاذ الحبيب عصام العطار حفظه الله:

„أن نرفع كلام المخلوق إلى مستوى كلام الخالق في التسليم والتعظيم والطاعة المطلقة شرك نبرأ إلى الله منه،وسخف نربأ بأنفسنا عن الإنحطاط إليه،مهما بلغ أصحاب هذا الكلام في أنفسنا واستأهلوا عندنا من المحبة والثقة والتقدير“ .

ويقول الأستاذ عمر عبيد حسنة في كتاب“ نظرات في مسيرة العمل الإسلامي“ :

„هناك حقيقة على غاية من الأهمية،كانت ولا تزال مَعلمة من معالم التفكير الإسلامي والثقافة الإسلامية،وكانت دائماً ملازمة للحياة الإسلامية ليصحّ التصّور وينضبط السلوك،وهي أنه لا يجوز أن يُعتمد أحد كائناً من كان معياراً للحقّ،أو أن يُظن أنه أعلى من أن يناله أحد بالنقد أو يجد فيه مأخذاً،كما أنه لا يجوز لأحد أن يخضع لآخر عقلياً أو فكرياً إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي قال الله فيه: {لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة}.[الأحزاب 21].

وإذا رجعنا إلى السيرة النبوية الشريفة،واخبار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وهم خير القرون فإننا نلمس هذا التحفظ الكبير لديهم عند اجتهادهم في أمر ما،أو عند إصدارهم أحكاماً أو فتاوى معينة، بحيث انهم لا يربطونها بحكم الله إذا كان هذا الإجتهاد شخصياً،لم يجدوا فيه نصاً واضحاً من الكتاب والسنة،جاء في كتاب „أعلام الموقعين“ للإمام العظيم ابن قيّم الجوزية رضي الله عنه: „نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أميره ـ بريدة ـ أن يُنزل عدوه إذا حاصرهم على  حكم الله وقال:“ فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا،ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك“، ويُعّقب الإمام ابن القيّم على ذلك ويقول رحمه الله: „فتأمل كيف فرّق بين حكم الله وحكم الأمير المجتهد“،وقريب من هذا قصة الفاروق عمر رضي الله عنه،لما كتب الكاتب بين يديه حكماً حَكم به،فقال الكاتب:هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر،فقال له: لا تقل هكذا،ولكن قل هذا ما رأى أمير المؤمنين عمر“.

نعم،يجب على العلماء والدعاة وأمراء الجماعات أن يبيّنوا لأتباعهم ومريديهم أنهم بشر يُصيبون ويُخطئون،وأن الحكم الذي يصدر عنهم با جتهادهم،إن لم يعتمد على نص ثابت قطعي الدلالة من القرآن والسنة،فإنه يحتمل الخطأ والصواب،وأنه ليس كما يقول البعض“حكم الله“ و“شرع الله“ „وأمر الله“بل إنه اجتهاد قابل للتصويب أو التعديل،وأنه لا يوجد إنسان مبرأ من كل عيب وفوق كل نقد.

يقول الأستاذ الحبيب عصام العطار حفظه الله:

„انظروا إلى أقوالنا وأعمالنا بعين واعية ناقدة،فتداركوا النقص،وصحّحوا الخطأ،فذلك حقّ لله وللناس وضرورة للسلامة والتقدم، وهو أفضل هدية وأكرم يد تسدونها إلينا في الحياة وبعد الممات“ .

ويقول الداعية بديع الزمان سعيد النورسي لأتباعه:“إياكم أن تربطوا الحقّ الذي أدعوكم إليه بشخصي المذنب الفاني،ولكن عليكم أن تبادروا فتربطوه بينبوعه المقدس: كتاب الله وسنة نبيه… ولتعلموا أنني إنسان غير معصوم قد يظهر مني ذنب أو يبدر مني إنحراف،فيتشوه مظهر الحق الذي ربطتموه بي بذلك الذنب والإنحراف،فإما أن أكون بذلك قدوة للناس في الإنحراف وارتكاب الآثام أو صارفاً لهم عن الحقّ بما شوهه واختلط به من انحرافي وأثامي“ .

إنّ داهية الدواهي وثالثة الآثافي والفاقرة مابعدها جابرة ومن أكبر الجرائم في حقّ الإسلام والمسلمين أن نحبس الإسلام في فهم رجل واحد،يمكن أن يصيب أو يخطئ،ويمكن أن يقوى وأن يضعف،ويمكن ان ينحرف بعد استقامة،وأن تميل به الأهواء وتنحرف به عن طريق السلامة،أو تغلبه الشهوات،أو تصرعه اللذّات،أو يصبح أسيراً للشبهات،وإنه من الجرم ايضاً ان يتحوّل تقديس الفكرة والمبدأ إلى تقديس الأشخاص،ويصبح الإنسان الذي نقدّسه هو مقياس الحقّ،وهذا ينطبق على رجال كل زمان ، وفي كل عصر وفي كل مِصر،وعلى مرِّ العصور وكرِّ الدهور، فوق كل أرض،وتحت كلِّ سماء.

ثانياً ـ العصبية الحزبيّة والتقليد الأعمى:

إنّها وأيم الله قا صمة الظهرالتي لاقيام معها،وفاقرة الفواقر التي لاداء بعدها،وثالثة الاثافي التي لامصيبة بعدها،وإنها من أخطر مايواجه الحركات والجماعات الإسلامية قديماً وحديثاً،ولا ننسى ما أدّت إليه في سوالف العصور،وعلى كرِّ الدهو،من افتراق المسلمين،وتشّتت جموعهم،واختلافهم،بل أيضاً احترابهم واقتتالهم.

وإذا حاولنا معرفة أسباب هذه العصبيّة الحزبيّة نجده غالباً في اتّباع الهوى الذي يتحكّم بالعقول،على مستوى القادة والأتباع،وهذا هو السبب الأرجح،وقد نجده أحياناً بسبب الجهل أو الغفلة،على مستوى القادة أو الأتباع،وهذا الأقلّ رجوحاً.ولعلّي لا أبالغ ولا أُغالي إذا قلت:إنّ من أهمّ العوامل التي تُذكّي  هذه العصبيات النّتنة،والتحزبات العفنّة،سوء التوجيه الذي نشاهده في بعض الحركات أو المجموعات الإسلامية،وخاصة زرع بعض الأفكار والمعتقدات في أذهان أتباعها ومريديها،والتي تجعل من هؤلاء الأتباع متشدّدين ومحاربين لإخوانهم في الحركات الأخرى،وخاصة عندما يسمعون على مدار أطراف الليل وأطياف النهار أمثال هذه الشعارات: „الحركة الأم“،و“الجماعات المنشّقة“،و“الخروج على الجماعة“و“الحركات الطفيلية“…وعندما ينصتون للإتهامات والإفتراءات توجّه وبدون حقّ ضد قادة بعض الجماعات الأخرى ورجالاتها،وليس لهم ما يؤيد افتراءاتهم ويدعم كذبهم غير دعواهم المجرّدة وسوء ظنونهم النّكرة!!.

وحتى لا نظلم كلّ القيادات والجماعات،فإنّ السبب قد يكمن أحياناً في أتباعهم وجنودهم،فقد يكون القائد أو الأمير على درجة عالية من الوعي والعلم والإخلاص والتقوى،ولكنّ بعض أتباعه قد لا يكونون على مثل هذا المستوى المطلوب،ونحن نقرأ ونسمع عن أئمّة المذاهب الأربعة رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين،وكيف كان كلّ منهم ينظر إلى الآخر نظرة التقدير والإحترام والمحبّة،وكيف ينهل بعضهم من مَعين علم الآخرين،وكيف يقتدي به في صلاته ويكون أحياناً إماماً له أو مأموماً،ولكننا ايضاً سمعنا وشفنا وعايشنا وللأسف بعض أتباع  هذه المذاهب،وكيف كانوا يُذكون الخلافات ويُشعلون نار العداوات حيث استوغرت الصدور وسرت إليها الأحقاد وعشعشت الضغائن في القلوب والأكباد،وقويت الآثرة،وتحكّمت في الأفراد،وتسلّطت على سيرهم وتفكيرهم،وحتى وصلنا إلى هذا الزمان الذي رأينا فيه بأُمِّ أعيننا كيف تصلى الفرائض ثلاث مرات في بعض المساجد،فلكلِّ طائفة إمام،ولكلِّ إمام صلاته،وكأنّ الصلاة لا تجوز إلا بإمام هذا المذهب !!وهذا غيض من فيض لا يُذكر لما قد يحدث أحياناً بين أتباع بعض الجماعات من المصادمات باللسان وأحياناً التصادم بالسنان!!.

نعم، إنّ بعض الأتباع والمريدين غالوا في حُبّهم وأحاطوا جماعتهم وقيادتهم بهالة من التقديس والتعظيم،وأنزلوهم منازل النبّوة، وجعلوا لهم العصمة،وجردّوهم من كلِّ هفوة او زلة أو كبوة،وفي الوقت ذاته فإنّ هذه المحبّة المفرطة والطاعة العمياء التي تُعمي وتُصّم جعلتهم ينظرون إلى غيرهم من الجماعات والقيادات نظرات ملؤها الإزدراء والإحتقار،فلا يرون فيهم إلا كل نقيصة،ولا يتوسّمون فيهم إلا كل معيبة.

يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله في „اقتضاء الصراط المستقيم“ :

„كثير من المنتسبين إلى طائفة العلم أو الدين أو إلى رئيس مُعظّم عندهم فإنهم لا يقبلون من الدين ـ لا فقهاً ولارواية ـ إلا ما جاءت به طائفتهم“ .

ويقول الأستاذ الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله(أخلاقنا الاجتماعية ص34):

„إذا انتقلنا إلى ميدان العلم والتشريع،رأينا الإفراط في الحب والكره نال من كبار أئمة التشريع واللغة والأدب في عصرهم وما بعده،حتى شوّه سمعتهم وشغل الناس بالأباطيل التي أثيرت من حولهم.فكم شغل الناس في أمرأبي حنيفة الفقيه العظيم الخالد مابين معجب به ومزر عليه.حتى وضع الجاهلون من محبيه أحاديث مكذوبة على الرسول في مدحه والثناء عليه،بينما جرده الجاعلون من مبغضيه من كل فضيلة ودين،فإذا هو في زعمهم ينكر الحديث،ويكذب الرسول،ويقول ما يبرأ منه كل مسلم..وكم شغل الناس بعد ذلك بالخلافات المذهبية بين الحنفية والشافعية،وبين الشافعية والحنابلة،وبين أهل الحديث وأهل الرأي،مما ملأ المئات من الكتب والأسفار التي لو كتب عشرها فيما يفيد المسلمين يومئذ لغيّر مجرى التاريخ ودفع كثيرأ من النكبات والكوارث.

وابن تيمية ألم يذهب ضحية المفرطين في حبه والمفرطين في كرهه؟حتى رموه بالكفر والزندقة وزجوه في غياهب السجون،وحملوه على التوبة مما بهتوه من كفر وزندقة،وهو الإمام العظيم الذي لم يكن ـ بعد عصر أئمة الاجتهاد ـ من يدانيه دقة نظر وصدق إيمان وحسن فهم لدين الله وشريعته.

وهل ننسى الشيخ محمد عبده ومواقف الجامدين والجاهلين منه في حياته وبعد وفاته،حتى جردوه من فضيلة الصدق والإخلاص والخوف من الله،ورموه بكل كبيرة تحط من قدره في أعين الجماهير؟

ويتابع الشيخ السباعي رحمه الله:“وهكذا ضاعت مبادئ الإصلاح وقيم العلماء وكرامات المخلصين،وجهود المصلحين،في غمار هذه العداوات المشتجرة التي جعل منها الإفراط في البغض أو الحب،مقابر للمروءات والكرامات،واسلحة تهدم في كيان الوطن من حيث يتربص به أعداؤه الدوائر،ولو صدق قول كل فريق في الآخرين وحكم كل صحيفة على من تهاجمه،واتهام كل حزب لمن يعاديه، لكان معنى ذلك أن أمتنا كلها بأحزابها وزعمائها ورجالها وعلمائها خائنة مأجورة مفسدة لاتستحق الحياة ولا احترام أهل الحياة…فما أشد شماتة الأعداء بنا في عالم يتربص بنا السوء ويتتبع منا العثرات والغفلات“.

ويقول الدكتور طه حسين: „وكذلك يعجز الأحياء أن ينصف بعضهم بعضاً لأن شهوات الرضا والسخط وعواطف الحب والبغض واهواء التعصب والتحزّب تفسد عليهم أعمالهم فتدفعهم راضين أو كارهين إلى الغلّو أحياناً وإلى التقصير حيناً“(مجموعة طه حسين ج12 ص 482).

ويقول الشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني(الأخلاق الإسلامية ج1 ص820):

„وكثيراً مايكون جحود الحق ورفض اتباعه والعمل به ناشئاً عن التقليد الأعمى والتعصب الذميم لقوم أو قادة ملتزمين جانب الباطل.وينشأ عن التقليد الأعمى ظلمات في النفس تحجب البصيرة عن رؤية نور الحق،فلاغ يرى المقلِّد إلا عمل من يقلده، ورأي من يقلده،والسبل التي يسير فيها من يقلّده،كالأعمى الغبي الذي يقوده في الطريق قائد يثق هو به،فهو يتبعه ولو قاده أو ساقه إلى هلاكه.

ويتولد التقليد الأعمى من ضعف الثقة بالنفس مضافاً إليه عامل الثقة العمياء بالشخص المتبوع،أو الجماعة أو القوم المتبوعين، وهذه الثقة  تأتي من دافع المحبة،أو من دافع الهوى،أو من قناعة غير مستندة إلى أسس عقلية وعلمية صحيحة،أو من دافع الأنانية في التابع حينما يكون المتبوع من أصوله،أو من قومه،أو من بيئته،أو من ساكني وطنه“.

ومن الإطالة ولغو القول أن نحاول إثبات ما فرغ الناس من إثباته: من أن هذه العصبيّة الحزبيّة وما تؤدي إليه من ظهور النزعة الفردية والأنانية لدى بعض الجماعات والأفراد،وما ينجم عنها من تحويل التقديس للفكرة والمبدأ إلى تقديس الأشخاص أو الجماعات،وبحيث يصبح الشخص أو الجماعة هم  مقياس الحقّ،أضف إلى ذلك أنها تمنع التعاون المشترك بين المسلمين بجماعاتهم المختلفة،وهذا أمر شرعي ضروري لا بد منه،وليت الأمر يقف عند هذا الحدّ، بل قد يتعدّاه إلى الإفتراق والإفتئات والإحتزاب والإحتراب والإقتتال!!

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في „الفتاوى“:

„من نصبّ شخصاً كائناً من كان فوالى وعادى على موافقته في القول والفعل فهو من الذين{فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً}[الروم 32]،ويقول رحمه الله:“وليس لأحد أن ينصب شخصاً يدعو إلى طريقته ويوالي ويعاد  عليها غير النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينصب لهم  كلاماً يوالي ويعادي عليه غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة،بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصاً أو كلاماً يفرّقون به بين الأمة ويوالون به على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون“.

ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(المنار العدد406):

„يقول تعالى:{إنّ الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً لستَ منهم في شئٍ إنّما أمرهم إلى الله ثمَّ ينبئهم بما كانوا يفعلون}[الأنعام 159]، يقول: ذهب بعض مفسري السلف إلى أن الآية نزلت في أهل الكتاب إذ فرقوا دين إبراهيم وموسى وعيسى فجعلوه أدياناً مختلفة وكل منها مذاهب تتعصب لها شيع مختلفة ويتعادون ويتقاتلون فيه،وذهب آخرون إلى أنها في أهل البدع والفرق الإسلامية التي مزقت وحدة الإسلام بما استحدثت من النحل والمذاهب،وكل من القولين حق والصواب هو الجمع بينهما“.

إنّ علاج هذا الداء،أعني: العصبية والحزبية،الذي استعصى على الحكماء،والذي لم ينفع فيه الدواء،أن تضع الجماعات والحركات الإسلامية قادة وجنوداً،هذه المبادئ الغالية الثمينة نُصب أعينها،وأن لا تفرّط بواحدة منها إن كانت تخشى الله ووعيده،وإن كانت تطلب بإخلاص نصره ووعده بالنصر والتمكين:

1ـ إنّ الشيخ أو القائد أو الإمام أو الجماعة أو الحركة هم واسطة لا غاية،والواسطة لا تحرز من الأهميّة إلا بمقدار انسجامها واتفاقها مع الغاية التي هي الأصل.

2ـ إنّ حُبّ الجماعة أو القائد أو الأمير يجب أن لا يشغل الإنسان أو ينسيه الرابطة الحقيقية وهي رابطة الإخوّة في الدين .

3ـ إنّ الولاء الحقيقي والتبعية الحقيقية هي للإسلام ولكل المسلمين الصادقين في كلِّ مكان.

4ـ إنّ الأصل هو التعاون بين الجميع بدون عصبية أو حزبية،وهو أوجب الواجبات،لأنَّ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

5ـ إنّ الإخوة هي أخوة بالإسلام نفسه،وليست الأخوة محصورة بين أفراد حركة من الحركات أو جماعة من الجماعات فحسب، بل تشمل المسلمين جميعاً في حدود ما يسمح به الإسلام.

(هذه النقاط ذكرتها بإيجاز نقلاً عن محاضرات وكلمات للأستاذ الحبيب عصام العطار حفظه الله)

نعم، عندما تتحقق هذه النقاط تطبيقاً وسلوكاً فإنّ الحركات والجماعات الإسلامية تلتقي متعارفة لا مُتناكرة،مؤتلفة لا مختلفة، ومتعاونة لا مُتقاطعة،قد زالت بينها الفروق، وأُلغيت بينها الحجب،وصبغتها دعوة الإسلام بصبغة واحدة.

ثالثا:التقصير في تزكيّة النفوس وتوعيّتها:

وهذه هي ثالثة الأثافي،التي سارت بذكرها الشوارد والقوافي،وهي من المشاكل الكبرى التي كانت ولا تزال تعاني منها بعض الحركات أو الجماعات الإسلامية،حيث أنها جهلاً أو غفلةً لا تسعى إلى تربية أفرادها على القواعد الأساسية للإسلام،وصرف اهتمامهم إلى المنبع الشافي والمَعين الصافي:القرآن والسنة،وتوجيههم إلى دراسة فقه الدين فيما يتعلق بالعبادات والمعاملات والأخلاق والفروق ما بين الأصول والفروع،والفرائض والنوافل والأوليات والثانويات…وهذا مافعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاصة في العهد المكي،حيث بقي سنوات عديدة يُعلّم أصحابه الكرام هذه الأمور جميعاً،قولاً وعملاً،سُنةً واقتداءً،حتى تسربت إلى نفوسهم وخالطت دماء عروقهم،وتشّربتها عقولهم،ووعيتها مداركهم،يقول سهل بن هارون: „فإنَ تقديم النافلة مع الإبطاء في أداء الفريضة شاهد على وهن العقيدة،وتقصير الرؤية،ومُضر بالتدبير،ومُخلّ بالإختيار،عوضاً عن فساد المروءة ولزوم النقيصة“(أمراء البيان لمحمد كرد علي ص 152).

وأما ما نراه اليوم من بعض الحركات والجماعات الإسلامية  ـ وللأسف الشديد ـ أنها تُعلّم أفرادها منذ نعومة أظفارهم „الحركية“ وبدون وجود قاعدة إسلامية راسخة صلبة لديهم،على وجوه الأختلاف بين الحركات،وأصول الخلاف بين الجماعات،والتصدّي للحاكم والمؤسسات،وإشغال النفوس والأوقات بإعداد الدراسات المستفيضة التي تتناول بعض الأمور أمثال الحكم والحاكمية والحكام،والخلافة،والمبايعة، والتكفير،والخروج عن الجماعة،والجماعات الضالة والفرق الناجية،والجاهلية في المجتمع المعاصر… بينما ليس لدى أفرادها أدنى المعلومات وأقلّ المعرفة بأمور الدين والدنيا،وفقه العقيدة والعبادات والمعاملات والأخلاق، وقواعد التحريم والتحليل… وهذا ينعكس سلباً على أفراد هذه الجماعات فكراً وسلوكاً وشعوراً وتعاملاً،وخاصة في علاقاتهم مع الجماعات الأخرى وباقي المسلمين.

يقول الأستاذ محمد الغزالي رحمه الله :

„هجر المسلمون القرآن إلى الأحاديث،ثم هجروا الأحاديث إلى أقوال الأئمة،ثم هجروا أقوال الأئمة إلى أسلوب المقلدين،ثم هجروا أسلوب المقلدين وتزمتهم إلى الجُهّال وتخبطهم،وكان تطور الفكر الإسلامي على هذا النحو وبالاً على الإسلام وأهله“.

والأمر أخطر مما يتصوره الإنسان،وهذا الكلام يؤيده وللأسف الواقع العملي والمعايشة الحركية والممارسة الدعوية،ولقد سمعت من أحد الإخوة الثقات عن إحدى الجلسات،أقيمت على مدار ثلاث صلوات،ولم تُقم فيها الصلاة!!وكان مدار الحديث الذي استمر عدّة ساعات،بين كؤوس الشاي والمكسرات والمرطبات،عن استبدال أنظمة الحكم الفاسدة،والواقع الظالم القائم،ووسائل تغيير هذه الأوضاع الفاسدة والنظم القائمة !!!

وإن انسَ فلن أنسى إحدى الجلسات التي جمعتني قبل عدّة سنوات وإخوة أخرين مع أحد العناصر البارزة والمسؤولة في إحدى الحركات الإسلامية، وبعد أن افتتح مدير الجلسة ب“بسم الله الرحمن الرحيم“ وقبل الشروع بقراءة القرآن،أخذ هذا الأخ المسؤول بالتطاول والأفتراء على أحد الدعاة المجاهدين المخلصين،وألحق به أبشع الإفتراءات،وأشنع الإتهامات،واتهم أفراد جماعته بالضلال والنفاق..وبعد أن هدأت الأمور وسكنت النفوس،وأطفئت النيران بعد الغليان،وجاء دوره في قرآءة القرآن أخذ يتتعتع به ويشهد الله أنه كانت تُصَحح له معظم الكلمات!! أقول: إعراباً ونحواً لا تجويداً!!

إنّ البناء السليم لا يقوم ولا يثبت إلا على قواعد متينة وأسس راسخة،مهما كان البنيان ظاهرياً شامخاً متطاولاً في الفضاء،فإنه إذا لم يُبنَ على أسس متينة وقواعد صلبة فإنه عرضة للسقوط والإنهيار عند أوّل هزة أو أبسط زلزلة،وهذا شأن الحركات الإسلامية التي تعتمد في سياستها ومناهجها على التجميع العددي للأفراد من غير نظر إلى العامل النوعي والكيفي،وإن النمو العددي على حساب العامل النوعي ضرر كبير للحركة ولغيرها،وإن الكَم غير السليم وغير الواعي هو شلل للحركة وتعطيل للطاقات المنتجة فيها،وإنّ الكَم الواسع غير السليم والذي تسعى إليه بعض الجماعات بقصد التزيين العددي إنما هو قلائد من حديد وفولاذ تجذب للأسفل،وتمنع النظر للأعلى والأمام،وتشكل عبئاً على سير الحركة وتطورها،وعلى العكس تماماً فإنّ العدد النوعي السليم الواعي والمُهيأ تربية وتزكية وتوعية ـ وإن كان قليلاً ـ فإنه بإمكانياته وطاقاته وإخلاصه ورؤيته الصحيحة للمستقبل قادر على تحريك طاقات المسلمين الآخرين وتفجير مكنونات القدرة والطاقة لديهم،ورُبَّ شخص واحد قادر على تحريك الآلاف من الناس،ورُبَّ آلاف من الأشخاص لا يستطيعون تحريك حجر من مكانه.

يقول الأستاذ الحبيب عصام العطار حفظه الله:

„حجم الأشياء الحقيقي إنما هو حجمها في النفوس والأفكار…فرُبّ حادث واحد له في ألوف الأشخاص ألوف الأحجام والآثار“ .

نعم، إن إعداد الأفراد وتربيتهم وتزكية نفوسهم وتوعيتهم هو المطلب الرئيسي الذي يجب على قيادات العمل الإسلامي أن تضعه نُصبَ أعينها،وإنّ إعداد القاعدة الراسخة الصلبة والمتينة هو الأساس الصحيح لقيام أي بناء سليم،ويجب ألا نستعجل الأمور،وأن نتجنّب حرق المراحل،واستعجال النتائج،وقد كان لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة وقدوة رائعة،حيث بقي حوالي ثلاثة عشر عاماً في مكة المكرّمة وهو يكافح ويناضل ويسعى من أجل هذا الهدف العظيم بكلِّ صبرٍ وحكمةٍ وتؤدة،وعندما هاجر إلى المدينة المنورّة لم يكن عدد الصحابة من المهاجرين يتجاوز بضع مئات،ولكنهم استطاعوا في خلال أقلّ من ربع قرن من الزمان أن يفتحوا العالم من أقصاه إلى أقصاه.