الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

الدين والنظافة — الصحة والعبادات

الصحة البدنيّة بين الطبّ والإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم

الصحة البدنية بين الطبّ والإسلام

الدين والنظافة 

الصحة والعبادات: يعود الفضل الأسبق في نشر التعاليم الصحيّة وتطبيقاتها العملية إلى الديانات السماويّة من لدن أدم عليه السلام الذي علّمهُ الله تعالى الأسماء كُلّها وحتى خاتم النبيين محمد عليه صلوات الله وسلامه وعلى إخوته الأنبياء أجمعين . لقد جاءت التعاليم الربانيّة والرسالات السماويّة بتحريم الفواحش والخبائث وما يعود بالضررعلى سلامة الإنسان وصحّته، وأمرت بالنظافة والطهارة وما يجلب الخير للإنسان ويحفظ عليه صِحّته وعافيته في دنياه . والإسلام هو الدين الوحيد الذي يجعل النظافة والطهارة جزءاً هاماً ورئيسياً من العبادة بل إنّها من أُصول الدين نفسه،فأول خطوة للدخول في الإسلام بعد الشهادتين هي الغُسل وأخر مرحلة يغادر بها الإنسان الحياة الفانية إلى الحياة الخالدة أن يُغسَلَ أيضاً ـ مالم يكن شهيداً ـ وما بينهما فإنّه لا صلاة بدون وضوء،ولا جنابة بدون اغتسال . والطهارة والنظافة من أركان الدين الرئيسية وإذا كانت أولى آيات القرآن الكريم نزولاً تحضّ على العلم والقراءة،وهي قوله تعالى{اقرأ باسم ربك الذي خلق}[العلق 1] فإنّ مابعدها مباشرةً يحضّ على الطهارة والنظافة بقوله تعالى :{وثيابكَ فطّهر}[المدثر 4]. يقول الشيخ العلامة محمد الغزالي رحمه الله(خلق المسلم ـ تحت عنوان النظافة والتجمل والصحة ـ ص183): “على المسلم في كل ساعة من عمره أن يسعى نحو الكمال،وأن يحث المسير إلى الارتقاء المادي والنفسي،فإن مستقبله عند الله مرتبط بالمرحلة التي يبلغها في تقدمه،إن أدركه الموت وهو في القمة كان من أصحاب الفردوس الأعلى،وإن أدركه وهو مقتصد ينقل خطاه في السفوح القريبة كان بحسبه أن ينجو.وإن أدركه وقد رجع القهقرى وضل الغاية تخطفته زبانية العذاب الأليم،ومن كان في هذه أعمى حشر يوم العرض أعمى،ومن كان قذراً بعث كذلك. وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرجل الحريص على نقاوة بدنه ووضاءة وجهه ونظافة أعضائه يبعث على حاله تلك، وضئ الوجه،أغرّ الجبين،نقي البدن والأعضاء. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم زار المقابر،فقال:“السلام عليكم دار قوم مؤمنين،وإنا إن شاء الله بكم عن قريب لاحقون.وددت أنا قد رأينا إخواننا،قالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي،وإخواننا الذين لم يأتوا بعد،قالوا كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ قال: أرأيت لو أن رجلاً له خيل غرّ محجلة بين ظهري خيل دهم بهم،ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله،قال: فإنهم يأتون غرّاً محجلين من الوضوء”[رواه مسلم]. ويتابع الغزالي رحمه الله: “إن صحة الأجسام وجمالها ونضرتها من الأمور التي وجه الإسلام إليها عناية فائقة،واعتبرها من صميم رسالته،ولن يكون الشخص راجحاً في ميزان الإسلام،محترم الجانب إلا إذا اعهد جسمه بالتنظيف والتهذيب،وكان في مطعمه ومشربه وهيئته الخاصة،بعيداً عن الأدران المكدرة والأحوال المنفرة،وليست صحة الجسد وطهارته صلاحاً مادياً فقط ،بل إن أثرها عميق في تزكية النفس،وتمكين الإنسان من النهوض بأعباء الحياة. وما أحوج أعباء الحياة إلى الجسم الجَلِد والبدن القوي الصبور”. إنّ كثيراً من التعاليم والأوامر وردت في الإسلام بشكل فروض وسنن، ومنها ماهو داخل في صلب العبادة،أو مشروط بصحتها ، ومنها ماورد بشكل قواعد صحية عامة. يقول الأستاذ محمد الغزالي رحمه الله(خلق المسلم ص184): “كرم الإسلام البدن،فجعل طهارته التامة أساساً لابد منه لكل صلاة وجعل الصلاة واجبة خمس مرات في اليوم،وكلف المسلم أن يغسل جسمه كله غسلاً جيداً في أحيان كثيرة تلابسه غالباً، وتلك هي الطهارة الكاملة،وفي الأحوال المعتادة اكتفى بغسل الأعضاء والأطراف التي تتعرض لغبار الجو،ومعالجة شتى الأشغال،أو التي يكثر الجسم إفرازاته منها:{يا أيها الذينَ آمنوا إذا قُمتُمْ إلى الصلاةِ فاغسلوا وجُوهَكُم وأيدِيَكُم إلى المرافقِ وامسحوا برؤوسكم وأرجُلَكُم إلى الكعبين وإن كنتم جُنباً فاطّهروا..}[المائدة 6]. والطريقة التي شرعها الإسلام لإبقاء الجسم نظيفاً في كل وقت تقوم على ربط الغسل الواجب بأحوال الطبيعة المادية في الإنسان.فلو كان الإنسان روحاً فقط ما احتاج إلى متابعة الغسل والتنقية والتطهير.أما وهو مستقر في هذا الغلاف المادي المتكون من تربة الأرض،تلك الأرض التي يحيا فوقها،ويتغذى من نباتها وحيوانها،ويترك فضلات معدته فيها،ويثوى آخر الأمر في ثراها  ـ أما وهو كذلك، فقد ناط الإسلام الوضوء المفروض بأعراض هذه الطبيعة المادية،وبكل ما ينشأ عن دورة الطعام في الجسم من نفايات وغازات”. يقول الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي (ـ موقع القرضاوي ـ): “اعتاد مصنفوا الفقه الإسلامي من قديم أن يبدأوا كتبهم بباب الطهارة،أو كتاب الطهارة،وذلك باعتبارأنهم يبدأون بفقه العبادات قبل فقه المعاملات بناء على أن أعظم الحقوق على المخلوق هو حقّ خالقه عزَّ وجَلَ،وهو حقُّ عبادته وحده لاشريك له،وهذه العبادة هي الغاية الأولى التي لأجلها خلق الله المكلفين من عباده، كما قال تعالى:{وما خلقت الجنَّ والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات 56] ،ثم تأتي حقوق عباده،لهذا كان الحديث عن العبادة أولاً ثمّ إنّ أولى العبادات وأعظمها هي الصلاة عمود الدين،وإنّ أول شروط الصلاة هو الطهارة . ويتابع الشيخ القرضاوي:”والطهارة معناها في لغة العرب: النظافة،وفي اصطلاح الفقهاء :نظافة من نوع خاص،فيها معنى التعبد لله تعالى فهي من الأعمال التي يحبها الله من خلقه،كما قال تعالى في الثناء على صنف من الرجال:{فيه رجال يحبون أن يتطّهروا والله يحب المطهرين} [التوبة 108] ،وقال تعالى في شأن النساء الحُيض:{ولا تقربوهنَّ حتى يطهرن فإذا تطهرنّ فأتوهنَّ من حيث أمركم الله إن الله يحبُّ التوابين ويحبُّ المتطهرين}[لبقرة222] . وقال صلى الله عليه وسلم : “الطَّهورُ شطرُ الإيمان“[ رواه مسلم من حديث أبي مالك الأشعري وهو من أحاديث الأربعين النووية الشهيرة ]. ويتابع الشيخ القرضاوي: “وقد يراد بالطهور أو الطهارة: الطهارة الحسّية التي تدرك بالبصر،وقد يراد بها الطهارة المعنوية التي تدرك بالبصيرة ويقابلها النجاسة وهي  أيضاً حسّية تُزال بالماء والمُطّهرات الحسّية،ومعنوية لا تُزال إلا بالإيمان والتوبة، كنجاسة الشرك والمعاصي  كما قال تعالى:{إنّما المشركون نجس} [التوبة 28] . والمراد بالطهارة في مجالنا هذا : الطهارة الحسّية التي تستخدم الماء والمطهرات الحسّية لتحقيق أثرها .ولهذا جعلت الطهارة مقدمة للصلاة،ومفتاحاً لبابها،فمفتاح الجنّة: الصلاة،ومفتاح الصلاة: الطهور.وفي الحديث الصحيح “لايقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول” [رواه مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما] . (والغلول:الأخذ من المال العام بغير حق  فهو ضرب من الخيانة،فمن تصدّق به لم يقبل منه). واشتراط الطهارة في الصلاة موافق للحكمة وللفطرة،فالناس لا يقابلون رؤساءهم وكبراؤهم إلا على أحسن حال،فكيف بلقاء ربِّ الناس،ملك الناس،إله الناس؟ والطهارة نوعان: طهارة من الخَبث،وطهارة من الحَدَث . والطهارة من الخَبث تعني: التَطّهر من نجاسة عَينية حِسّية تصيب الأبدان والأمكنة ولها طعم ولون ورائحة . والطهارة من الحّدّث فتعني: التطهّر من نجاسة حكمية،أي لا يوجد لها في الخارج شئ حسّي  تبصره العين،أو تلمسه اليدّ، أو يشّمه الأنف،أو يذوقه اللسان، بل هي أمر حكم الشرع به ـ   يوجب الوضوء إذا كان حدثاً أصغر ،أو الغُسل إذا كان حدثاً أكبر ـ  وقد تميّز الإسلام بالحرص على التطهروالتطهير،حسّاً ومعنى، وكان من أوائل ما نزل من القرآن {وثيابك فطهر} [المدثر4 ] بل زاد على ذلك التزين والتجمل،فكان من أوامر القرآن المكي {يابني آدم خذوا زينتكم عند كُلِّ مسجد} [الأعراف 31] ،وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم”إنَّ الله جميل يحبّ الجمال”[ رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ]. ولم يهتم دين بالطهارة والنظافة عموماً كما اهتمّ دين الإسلام،فاهتمّ بنظافة الإنسان ونظافة البيت ونظافة الطريق ونظافة المسجد، وغير ذلك  حتى شاع بين المسلمين دون غيرهم: النظافة من الإيمان،في حين كان بعض رجال الأديان في العصور الوسطى ـ كالرهبان في الغرب ـ يتقرّبون إلى الله بالقذارة والبعد عن استخدام الماء،حتى قال أحدهم: “يرحم الله القديس فلاناً،لقد عاش خمسين سنة ولم يغسل رجليه!!!وقال آخر : “لقد كان من قبلنا يعيش أحدهم طول عمره لايَبلُّ  اطرافه بالماء ولكنا أصبحنا في زمن يدخل فيه الناس الحمامات!!! كما ذكر ذلك العلامة أبو الحسن الندوي في كتابه”ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين”  انتهى كلام الدكتور يوسف القرضاوي . إنَّ كثيراً من العبادات المفروضة والمسنونة يؤدي بالإضافة إلى الثمرات الروحية والإجتماعية فإنّه يؤدي أيضاً إلى فوائد صحيّة  فالطهارة مثلاً هي نظافة ووقاية فُرضت لأداء كثير من العبادات كالصلاة والطواف ومسّ القرآن، وغيرها من العبادات ورأس العبادات في الإسلام أي الصلاة لاتقبل إلا بوضوء،والماء ضروري لوضوء الإنسان واغتساله ونظافة بدنه قال تعالى {ويُنزّل عليكم من السماء ماءً ليطهركم به}[ الأنفال 11] ،وهو أيضاً ضروري لنظافة مسكنه وحوائجه،وكذلك للنظافة العامة يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم“لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدثَ حتى يتوضأ”.[رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه وصححه الألباني] ولا يُكتفى بطهارة البدن من الحدَث بل لابدّ من طهارة البدن والثوب والمكان معاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الطَهور شطر الإيمان ،والحمد لله تملأ الميزان،وسبحان الله والحمد لله تملآن  مابين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان،والصبر ضياء،والقرآن حجةٌ لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائعٌ نفسه، فمُعتقُها أو مُوبقها”[صحيح الجامع عن أبي مالك الاشعري رضي الله عنه]. ومن السّنة النبويّة إسباغ الوضوء أي إتمامه وإفاضة الماء بشكل خاص في الرسغين والكاحلين، قال أبي هريرة رضي الله عنه وكان يمرُّ والناس يتوضئون من المطهرة،أسبغوا الوضوء،فإن أبا القاسم صلى الله عليه وسلم قال”ويلٌ للأعقاب من النار“[صحيح البخاري] ،ويقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف الذي رواه الشيخان:“إنّ أُمتي يُدعون يوم القيامة غرَّاً محجلين من أثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يُطيل غرّته فليفعل” (الغرّة والتحجيل : بياض في وجه الفرس وقوائمه وهذا يحسّنه ويزينه، فاستعاره للإنسان وجعل أثر الوضوء في الوجه واليدين والقدمين كالبياض الذي عند الفرس) وقال صلى الله عليه وسلم: “لايحافظُ على الوضوء إلا مؤمنٌ”[ رواه الدارمي وابن حبان عن ثوبان رضي الله عنه]. والغسل هو فرض من الجنابة لقوله تعالى:{وإن كُنتم جُنُباً فاطَّهروا} [المائدة 6].وقد سُنَّ الغسل في مناسبات عديدة ومنهاغسل يوم الجمعة”من أتى يوم الجمعة فليغتسل”[متفق عليه عن ابن عمر رضي الله عنهما]،كما يُستحب غسل العيدين،والغسل عند الإحرام للحجّ والعمرة ولصلاة الكسوف،والاعتكاف،وعند تغير رائحة البدن،وحضور المجالس. جاء في الحديث النبوي الشريف الذي أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه :“حقُّ الله على كُلِّ مُسلمٍ أن يغتسل في كُلِّ سبعةِ أيامٍ: يغسلُ رأسَهُ وجسده”. يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي ـ موقع القرضاوي ـ : ” إنَّ الإسلام شرّع صلاة الجمعة والجماعة في المساجد،وفيها تتجمع أعداد كبيرة،ولأوقات قد تطول،ولاسيما في الجمعة،وقد حرص الإسلام على أن يكون الناس في حالة من الطهارة والنظافة والزينة بحيث لا يؤذي بعضهم بعضاً بقذارته أو بسوء رائحته،ولهذا أوجّب الغسل أو سَنّه،وقال  صلى الله عليه وسلم : “من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا،أو ليعتزل مسجدنا”[صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه ]وقال صلى الله عليه وسلم ” من أكل من هاتين  الشجرتين الخبيثتين ـ يعني الثوم والبصل ـ فلا يقربنّ مسجدنا،فإن كنتم لا بدّ آكليهما فأميتوهما طبخاً”.[المصدر نخب الأفكار وإسناده صحيح] وعن عمرو بن عبسة قال: قال رسول الله صلى الله  :” ما منكم رجل يقرب وضؤه فيتمضمض ويستنشق فينتثر إلا خرّت خطايا وجهه وفِيه وخياشيمه،ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله إلا خَرَت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء،ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرّت خطايا يديه من أنامله مع الماء ،ثم يمسح رأسه إلا خرّت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء،ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرّت خطايا رجليه من أنامله مع الماء “ [أخرجه مسلم] . يقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله في  كتابه”وحي القلم: “فإذا قمت إلى وضوئك فأيقن في نفسك،واعزم في خاطرك على أنَّ في هذا الماء سرّاً روحانياً من أسرار الغيب والحياة،وإنّه رمز للسماء عندك وأنك إنّما تتطهر به من ظلمات نفسك التي امتدت على أطرافك،ثمَّ سَمِّ الله تعالى مفيضاً اسمه القادر الكريم على الماء وعلى نفسك معاً، ثمَّ تمثل أنك غسلت يديك مما فيهما ومما تتعاطاه بهما من أعمال الدنيا وأنك أخذ فيهما من السماء لوجهك وأعضائك وقرّر عند نفسك أنّ الوضوء ليس شيئاً إلا مَسحة سماوية تسبغها على كل أطرافك ليشعر بها جسمك وعقلك،وأنك بهذه المسحة السماوية تستقبل الله في صلاتك سماوياً لا أرضياً،فإذا أنت استشعرت هذا وعملت عليه وصار عادة لك فإنّ الوضوء حينئذ ينزل النفس منزل الدواء كلّما اغتمّمت أو تكرهت أو تسخطّت أو غشيك حزن أو عرض لك وسواس،فما تتوضأ على تلك النيّة إلا غسلت الحياة وغسلت الساعة التي أنت فيها من الحياة،وترى الماء تحسبه هدوءاً ليناً لين الرضى،وإذا هو ينساب في شعورك وفي أحوالك جميعاً ويتابع الرافعي رحمه الله:”وإذا الوضوء في أضعف معانيه هو ما علمنا من أنه الطهارة والنظافة، أما في أقوى معانيه فهو خاصة من السماء فيها التقديس والتزكية،وغسل الوقت الإنساني مما يخالطه كلما مرت ساعات وابتداؤه للروح كالنبات الأخضر ناضراً مطلولاً مترطباً بالماء “. ويقول الاستاذ عبد الله الخياط : “عندما عُني الإسلام بإصلاح العقائد وتطهيرها وتنقيتها من شوائب الشرك والبدع والمعاصي،عالج الجانب الحسّي في المسلم فوجهه إلى العناية بتطهير المظهر ليكون المسلم نظيفاً في مظهره كما هو نظيف في مخبره،فعندما أمر الله سبحانه الرسول صلى الله عليه وسلم تعظيم الرب جل وعلا بالتوحيد أردف ذلك بتطهير الثياب قائلاً : {يا أيُّها المدثر* قُمْ فأنذر *وربَّك فكبر* وثيابك فطهر}،وعندما فرض سبحانه الصلاة شرع لها الوضوء قبلها وهو طهارة من الحدث ونظافة من القذر، ثم في جميع الأغسال التي أوجبها الشرع كغسل الجنابة،والغسل من الحيض والنفاس،أو ندب إليها كالغسل عند الإحرام،والغسل للوقوف بعرفة، وفي ذلك كله مظهر بارز للتطهير، وكذلك الحضّ على الغسل يوم الجمعة، ولبس أحسن الثياب، بل ندب الرسول  صلى الله عليه وسلم إلى اتخاذ ثوبين للجمعة سِوى ثوبي المهنة كما صحَّ عنه أنه قال  :” ما على أحدكم  إن وجد سَعةً  أن يتخذ  ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته”[صحيح ابن ماجة عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وصححه الألباني] ويقول الاستاذ أحمد أمين في كتاب “فيض الخاطر (الجزء الأول ص 85): “لو جرى الأمر على المعقول لكان المسلم من أنظف الناس في العالم فقد ربطت صلواته الخمس بالوضوء،وفرض عليه الاستحمام في أوقات، وكان أول باب من أبواب الفقه باب الطهارة، ويتابع:”وأغتبط إذ أسمع وصف ابن سعيد لمسلمي الأندلس فيقول فيهم : “إنّهم أشدّ خلق الله اعتناء بنظافة ما يلبسون وما يفرشون وغير ذلك مما يتعلق بهم،وفيهم من لايكون عنده إلا ما يقوته يومه فيطويه صائماً ويبتاع صابوناً يغسل به ثيابه ولا يظهر على حالة تنبو عنها العين “. ويقول الأستاذ محمد الغزالي: ” ولاشك أنّ المسلمين أيام ازدهار حضارتهم كانوا أطهر اهل الأرض أبداناً وثياباً،وأنّ استخدامهم للمياه في الأغسال المتنوعة جعل انسانيتهم أرقى،أما غيرهم من الأوروبيين فكانوا دونهم مكانة وكرامة، وقد حرص البعض في هذا العصرعلى استكمال أسباب النظافة، ونحن لا نوازن بين عادات وعادات، وإنّما نتعرف على مطالب ديننا وننشئ العادات التي تنسجم معها، ويتابع رحمه الله: “وأما مانراه اليوم من ابتعاد المسلمين وللأسف عن الطهارة والنظافة فيعود إلى عدّة عوامل ومنها الجهل بالشريعة، ومنها الفقر وقلة موارد المياه،ومنها انتشار الكثير من العادات السيئة في بعض المجتمعات والتي لا علاقة لها بالإسلام،وللأسف لقد تغير الحال في المجتمعات الإسلامية والتي تخلّت عن كثير من تعاليم الإسلام،وتخلّت عن روح الإسلام، ولجأت إلى الكثير من العادات التي لاتمت للإسلم بصلة، وبعد ان كان يضرب المثل في المسلمين في النظافة والطهارة، أصبحت وللأسف الشديد الكثير من المدن الإسلامية رمزاً للقذارة والوساخة”. ويقول الأستاذ أحمد أمين  ـ نفس المرجع السابق من فيض الخاطر ـ : “ويؤلمني أشدّ الألم ماذكره ابن سعيد نفسه ـ الذي تكلم عن نظافة أهل الأندلس ـ وقد زار القاهرة وركب فيها حماراً إلى الفسطاط إذ يقول فأثار الحمار من الغبارالأسود ما أعمى عيني ودّنّس ثيابي وعانيت ما كرهت وقلت : لقيت بمصر أشدَّ البوار                        ركوب الحمار وكحل الغبار ألم من منظر الفسطاط ،وقال إنه رأى شوارعها غير مستقيمة ورأى حول أبوابها من التراب الأسود والأزبال ما يقبض نفس النظيف ويغض طرف الطريف، رأى البياعين يبيعون في مسجد عمرو بن العاص والناس يأكلون فيه ورأى في زوايا المسجد العنكبوت قد عظم نسجه في السقوف والأركان والحيطان ورأى حيطانه مكتوباً عليها بالفحم والحمرة بخطوط قبيحة مختلفة، ويتابع أحمد أمين: “يظن الناس أنّ النظافة غالية وأنها مرتبطة بالغنى، وهذا خطأ  بيّن فكم من غني قذرومن فقير نظيف، والأمر يتوقف على تعوّدا لنظافة أكثر مما يتوقف على المال فليس النظافة ان تلبس أغلى اللباس،وأن تأكل أفخم الطعام، وإنّما النظافة أن تلبس نظيفاً ولو كان أحقر الثياب، وأن تأكل نظيفاً ولو كان أحقر الطعام ،ويتابع أحمد أمين:”وقد تفشّت وللأسف الكثير من العادات السيئة التي لاتمت للإسلام والتي أصبحت ملازمة لكثير من المسلمين وهي عادات مُقزّزة وكريهة “. ويقول الأستاذ الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله في كتابه(مع الناس ص104): “ومثلها الرجل النظيف الذي لا يستطيع أن يتحمل الوسخ في فمه ولا في أذنه،ولا أن ينتظر حتى ينفرد بنفسه فلا تزال إصبعه تدور في أنفه وفي أذنه وهو في المجلس الحافل ينكش أسنانه بعوده،وربما فعل أشنع من ذلك فنكشها بظفره ثم مسحه بالمقعد أو أخذ جريدة أو ورقة فطواها ونظّف أسنانه بطرفها “. إنّ هذا يبين اهتمام الإسلام بالطهارة والنظافة،وهو كما ذكرنا أمر لا يُدانيه فيه أي دين سماوي أو وضعي قديم أو حديث ،وإنّ مطالعة بعض الكتب والمقالات التي تتحدث عن أوروبا في العصور الوسطى يُظهر لنا أن مفهوم النظافة كان غائباً عنها ولسنوات طويلة حتى أنه انتشر فيها في تلك العصور ما يُسمى ظاهرة”الخوف من الماء“.يقول أحد الكتاب الألمان في كتاب له أن الكاتب المشهور “بلزاك”وفي عام 1873 م اعتزل في منزله لكتابة إحدى رواياته ،وكان يعمل ليلاً ونهاراً فيأكل قليلاً ولا يغسل نفسه ،وأنه بعد شهر كامل أخرج روايته المُسماة “الأنثى الفائقة”،ولأول مرة وبعد فترة طويلة قال عليّ أن أخذ الآن حَماماً!! ويتابع هذاالكاتب فيقول “لقد كان الخوف من الماء ظاهرة ملموسة في أوروبا حتى مطالع القرن التاسع عشر،وكان الكثيرون يُفضّلون أن تُلامس البودرة والعطور أجسامهم على أن تلامسها قطرات الماء!!ويتابع الكاتب:”لقد كانت تصدر عن الملك هنري الرابع ملك فرنسا روائح كريهة مُنفرّة كرائحة الجيفة النتنة لابتعاده عن الماء، وكذلك لودفيغ الثالث عشر الذي كان يقول أفعل ما فعل أبي وكان لا يلامس جسده الماء وكانت تصدر عنه روائح كريهة “. يقول الداعية أبو الحسن الندوي في مقالته”طبيعة الحضارة الغربية وتاريخها”: “ظلَّ تعذيب الجسم مثلاً كاملاً في الدين والأخلاق في أوروبا العصورالوسطى إلى قرنين من الزمن ،وكانوا يعدّون طهارة الجسم مُنافية لنقاء الروح، ويتأثمون عن غسل الأعضاء وأزهد الناس عندهم واتقاهم، أبعدهم عن الطهارة، وأوغلهم في النجاسات والدنس”! وبهذ كله يجعل الإسلام مسألة النظافة مسألة عقيدة وسلوك ملزم للمسلم في كل شؤون حياته، وإنّ ابتعاد المسلمين عن جوهر وروح الإسلام جعلهم يتراجعون عن قيادة ركب الحضارة وأن يكونوا في ذيله وفي مؤخرة الأمم ،يقول الكاتب الأيرلندي جورج برناردشو في كتابه “حيرة طبيب:””عندما ابتدأت بريطانيا في استعمار العالم الإسلامي فإنّها أجبرت بعض سكان بعض الجزر من المسلمين على ترك الإسلام، فما أن نجحت في ذلك حتى بدأت الأوبئة الفتاكة تظهر بينهم لإبتعادهم عن تعاليم النظافة في الدين”.