الصحة النفسية — القواعد العلاجية وإعجاز الطب النفسي
الصحة النفسية بين الطبّ والإسلام
- ١ الصحة النفسية — التعريف والقواعد الوقائية: الإيمان والتوكل
- ٢ الصحة النفسية — النهي عن الغضب والحسد والحزن
- ٣ الصحة النفسية — القواعد العلاجية وإعجاز الطب النفسي
1 ـ اللجوء إلى الله
وذلك بالإيمان القوي بالله وأحكامه والرضا بما كتبه الله واليقين القوي بأنه لايريد لعبده المسلم إلا الخير في الدارين،والعمل بما يرضيه ذكراً ودعاءً وعبادة وصلاة وترتيلاً للقرآن والصبر على البلاء واحتسابه عند الله. الإيمان القوي:وتقوى الله، والتوحيد الخالص لله عز وجل،يقول تعالى:{الذين آمنوا ولم يَلبسُوا إيمانَهُم بظلمٍ أولئكَ لهمُ الأمنُ وهم مُهتدون}[الأنعام 82]. (والظلم هنا: الشرك). يقول الإمام العظيم ابن القيم رحمه الله: من أعظم أسباب شرح الصدر: 1 ـ التوحيد:وعلى حسب كماله وقوته وزيادته يكون انشراح صدر صاحبه.قال الله تعالى:{أفمن شرحَ الله صدرَهُ للإسلامِ فهو على نورٍ من ربه}[الزمر22]،وقال تعالى:{فمن يُردِ الله أن يهديهُ يشرح صدرَهُ للإسلام ومن يُردْ أن يُضله يجعل صدرهُ ضيقاً حَرجاً كأنما يصَّعَّدُ في السماء}[الأنعام 125]. فالهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر،والشرك والضلال من أعظم أسباب ضيق الصدر وانحراجه. 2 ـ ومنها:النور الذي يقذفه الله في قلب العبد ـ وهو نور الإيمان ـ فإنه يشرح الصدر ويوسعه،ويفرح القلب،فإذا فقد هذا النور من قلب العبد ضاق وحرج،وصار في أضيق سجن وأصعبه. وقد روى الترمذي في “جامعه” عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:”إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح.قالوا:وما علامة ذلك يا رسول الله؟ قال:الإنابة إلى دار الخلود،والتجافي عن دار الغرور،والاستعداد للموت قبل نزوله”.فيصيب العبد من انشراح صدره بحسب نصيبه من هذا النور. 3 ـ ومنها:العلم ،فإنه يشرح الصدر ويوسعه حتى يكون أوسع من الدنيا،والجهل يورثه الضيق والحصر والحبس. 4 ـ ومنها:الإنابة:إلى الله سبحانه وتعالى ومحبته بكل القلب،والإقبال عليه،والتنعم بعبادته،فلا شىء أشرح لصدر العبد من ذلك.وللمحبة تأثير عجيب في انشراح الصدر،وطيب النفس،ونعيم القلب،لا يعرفه إلا من له حس به،وكلما كانت المحبة أقوى وأشد،كان الصدر أفسح وأشرح،ولا يضيق إلا عند رؤية البطالين الفارغين من هذا الشأن،فرؤيتهم قذى عينه،ومخالطتهم حمى روحه. ومن أعظم أسباب ضيق الصدر الإعراض عن الله تعالى،وتعلق القلب بغيره،والغفلة عن ذكره،ومحبة سواه،فإن من أحب شيئاً غير الله عذب به،وسجن قلبه في محبة ذلك الغير،فما في الأرض أشقى منه، ولا أكسف بالا،ولا أنكد عيشاً،ولا أتعب قلباً.فهما محبتان:محبة هي جنة الدنيا،وسرور النفس،ولذة القلب،ونعيم الروح وغذاؤها ودواؤها،بل حياتها وقرة عينها،وهي محبة الله وحده بكل القلب،وانجذاب قوى الميل والإرادة والمحبة كلها إليه. ومحبة هي عذاب الروح،وهمّ النفس،وسجن القلب،وضيق الصدر،وهي سبب الألم والنكد والعناء،وهي محبة ما سواه سبحانه. 5 ـ ومن أسباب شرح الصدر:دوام ذكر الله. 6 ـ ومنها الإحسان إلى الخلق ونفعهم بما يمكنه من المال والجاه،والنفع بالبدن. 7 ـ ومنها، بل من أعظمها:إخراج دغل القلب وهو من الصفات المذمومة التي توجب ضيقه وعذابه،وتحول بينه وبين حصول البرء”. ويقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله في مقال بعنوان “الإيمان سبيل الإطمئنان”: “لما كنت في رحلة المشرق،وامتدت بي تسعة أشهر تباعاً كنت أفكر في بناتي هل عرّاهن شئ؟ هل أصابتهن مصيبة؟ ثم أقول لنفسي:يانفس ويحك،هل كنت تخافين لو كان معهنّ أخ يحنو عليهنّ أو جد يحفظهنّ،فكيف تخافين والحافظ هو الله، ولو كنت معهن هل أملك لهنّ شيئاً إن قدر الله الضرّ عليهنّ؟ فلا ألبث أن أشعر بالاطمئنان. ودهمني مرة همّ مقيم مقعد،وجعلت أفكر في طريق الخلاص،وأضرب الأخماس بالأسداس، ولا أزال مع ذلك مشفقاً مما يأتي به الغد،ثم قلت: ما أجهلني إذ أحسب أني أنا المدبر لأمري وأحمل همّ غدي على ظهري، ومن كان يدبر أمري لما كنت طفلاً رضيعاً ملقى على الأرض كالوسادة لا أعي ولا أنطق ولا أستطيع أن أحمي نفسي من العقرب إن دبّت إلي، والنار إن شبت إلى جنبي،أو البعوضة إن طنت حولي؟ومن رعاني قبل ذلك جنيناً، وبعد ذلك صبياً؟ أفيتخلى الله الآن عني؟ ورأيت كأن الهمّ ثقل كان على كتفي وألقى عني، ونمت مطمئناً”. ويقول الشيخ علي الطنطاوي أيضاً(البواكير ): “أما والله لو عرف هؤلاء “المجددون” أي لذة يشعر بها المؤمن إذ يلتجىء إلى الله أو يقف خاشعاً بين يديه لباعوا دنياهم كلها بصلاة واحدة،إنهم يصبحون وقد أضحى النهار،فيغسل أحدهم وجهه ويديه ثم يتناول طعامه ويذهب إلى عمله،حتى إذا كان المساء انصرف إلى مقهى ساء هواؤه وفسد جوّه وقبح مشهده،فقضى فيه ثلثاً من ليله ثم فارقه وهو تَعب محطم إلى الفراش!ويصبح المؤمن قبل الفجر أو بعده بقليل،فيشهد جمال الطبيعة التي خطّت سطورها في صفحة الكون يد الله،فيمتلىء قلبه تعظيماً لله فيقف فيصلي خاشعاً خاضعاً،ثم يشهد بزوغ الشمس ويرقب أشعتها الذهبية إذ تتساقط على الأشجار والبُنى والبطاح،ثم يتناول طعامه بادئاً باسم الله خاتماً بحمد الله،ويذهب إلى عمله…أيّفرق بين صباح هذا وصباح ذاك،وأي جزاء يصيب به الله هؤلاء أكثر من حرمانهم هذه اللذة التي تتقطع دونها الأعناق؟ ويصاب الملحد بالمصيبة فتضيق به الدنيا،فلا يجد مخلصاً له إلا الإنتحار أو الفرار،ويصاب المؤمن فيقول:”إنا لله وإنا إليه راجعون،اللهم أنت وهبت وأنت أخذت،فلا حول ولا قوة إلا بك”،ثم يدعها لله فيبدله الله خيراً منها ويرزقه الصبر على فقدها. ألا إن السعادة والهناءة في هذه الحياة الدنيا لا تأتي إلا من طريق الإيمان،ولا يعرف الإيمان إلا من ذاق لذته وخالطت قلبه حلاوته،وأما من طمس الله على قلبه وضرب على فؤاده فلا يشتمّ ريحه ولايدرك له مغزى”. ويقول الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله: “إن العقيدة في الله وعدله ورحمته،وفي العوض والجزاء عنده في دار الخلود،تهب الإنسان الصحة النفسية والقوة الروحية،فتشيع في كيانه البهجة،ويغمر روحه التفاؤل،وتتسع في عينه دائرة الوجود، وينظر إلى الحياة بمنظار مشرق،ويهون عليه مايلقى ومايكابد في حياته القصيرة الفانية،ويجد من العزاء والرجاء والسكينة مالايقوم مقامه ولايغنى عنه علم ولافلسفة ولا مال ولا ولد ولاملك المشرق والمغرب.ورضي الله عن عمر إذ قال:” ما أصبت بمصيبة إلا كان لله علي فيها ثلاث نعم: الأولى:أن الله عونها علي فلم يصبني بأعظم وهو قادر على ذلك. والثانية :أن الله جعلها في دنياي ولم يجعلها في ديني وهو قادر على ذلك. والثالثة:أنه يأجرني بها يوم القيامة. ويتابع الشيخ القرضاوي حفظه الله: ”أما الذي يعيش في دنياه بغير دين،بغير إيمان،يرجع إليه في أموره كلها وبخاصة إذا ادلهمت الخطوب،وتتابعت الكروب،والتبست على الناس المسالك والدروب،يستفتيه فيفتيه، ويسأله فيجيبه، ويستعينه فيعينه،ويمنحه المدد الذي لايغلب،والعون الذي لاينقطع،الذي يعيش بغير هذا الإيمان يعيش مضطرب النفس،متحير الفكر،مبلبل الإتجاه،ممزّق الكيان.ولهذا نرى الذين يعيشون بغير عقيدة راسخة يتعرضون أكثر من غيرهم للقلق النفسي،والتوتر العصبي، والإضطراب الذهني، وهم ينهارون بسرعة إذا صدمتهم نكبات الحياة،فإما انتحروا انتحاراً سريعاً ،وإما عاشوا مرضى النفوس، أمواتاً كالأحياء”! قد حارب الدينَ خوفاً من زواجره كأنَّ بين الورى والدين عدوانا إنّي ليأخذني من أمره عَجبٌ أكُلّما زادَ علماً زادَ كفرانا؟ وكُلّما انقادت الدنيا وصار له زُمامها انقاد للآثام طغيانا إذا ارتدى المرءُ ما في الأرض من بُرُدٍ وعاف للدين بُرداً عاد عريانا هو الحياة التي ما غادرت جسداً إلا اغتدى الميتُ أحيا منهُ وجدانا (ايليا أبو ماضي) ويقول الشيخ العلامة يوسف القرضاوي حفظه الله(الإيمان والحياة ص167): “وفي الجانب الآخر نجد الإيمان والأمل متلازمين،فالمؤمن أوسع الناس أملاً،وأكثرهم تفاؤلاً واستبشاراً وأبعدهم عن التشاؤم والتبرم والضجر،إذ الإيمان معناه الإعتقاد بقوة عليا تدبر هذا الكون لايخفى عليها شئ،ولاتعجز عن شئ،الإعتقاد بقوة غير محصورة،ورحمة غير متناهية،وكرم غير محدود،الإعتقاد بإله قدير رحيم،يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء،يمنح الجزيل،ويغفر الذنوب،ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات،إله هو أرحم بعباده من الوالدة بولدها،وأبرّ بخلقه من أنفسهم. إنه يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسئ الليل. إنه يفرح بتوبة عبده أشدّ من فرحة الضال إذا وجد،والغائب إذا وفد،والظمآن إذا ورد. ويتابع الشيخ القرضاوي: “المؤمن الذي يعتصم بهذا الإله البر الرحيم،العزيز الكريم،الغفور الودود،ذي العرش المجيد،الفعال لما يريد،يعيش على أمل لاحدّ له،ورجاء لاتنفصم عراه.إنه دائماً متفائل،ينظر إلى الحياة بوجه ضاحك،ويستقبل أحداثها بثغر باسم،لابوجه عبوس قمطرير. ويتابع:”إن الماديين يقفون عند السنن المعتادة،والأسباب الظاهرة،لايطمعون في شئ وراءها،أما المؤمنون فيعلون على ظواهر الأسباب،وينفذون إلى سر الوجود،إلى الله خالق الأسباب والمسببات،الذي عنده من الأسباب الباطنة مايخفى على إدراك عباده،فلماذا لاتتجه قلوبهم إليه حين تدّلهم الأزمات،وتستحكم الحلقات ويضيق على أعناقهم الخناق؟ إنهم يجدون فيه الملاذ في الشدّة،والأنس في الوحشة،والنصير في القلة.يتجه إليه المريض الذي استعصى مرضه على الأطباء،ويدعوه آملاً الشفاء.ويتجه إليه المكروب يسأله الصبر والرضا،والخلف من كل فائت،والعوض من كل مفقود.ويتجه إليه المظلوم آملاً يوماً قريباً ينتصر فيه على ظالمه.فليس بين دعوة المظلوم وبين الله حجاب.ويتجه إليه المحروم من الأولاد سائلاً أن يرزقه ذرية طيبة.وكل واحد من هؤلاء آمل في أن يجاب إلى ماطلب،ويحقق له ما ارتجى. فما ذلك على قدرة الله ببعيد وما ذلك على الله بعزيز”. يقول الله تعالى:{والَّذينَ آمنوا وعملوا الصّالحاتِ وآمنوا بما نُزِّلَ على محمدٍ وهوَ الحقُّ من رَّبِّهم كفَّرَ عنهُم سيئاتِهم وأصلحَ بالَهُم}[محمد 2]. يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال: ”وإصلاح البال نعمة كبرى تلي نعمة الإيمان في القدر والقيمة والأثر.والتعبير يُلقي ظلال الطمأنينة والراحة والثقة والرضى والسلام،وماذا بعد هذا من نعمة أو متاع؟ألا إنه الافق المشرق الوضىء الرّفاف”. ويقول تعالى:{فمن يؤمنُ بِرَبِّهِ فلا يخافُ بَخساً ولا رَهقاً}[الجن 13]. يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال: ”وهي ثقة المطمئن إلى عدل الله،وإلى قدرته،ثم إلى طبيعة الإيمان وحقيقته…فالله سبحانه عادل.لن يبخس المؤمن حقّه،ولن يرهقه بما فوق طاقته،والله سبحانه قادر فسيحمي عبده المؤمن من البخس وهو نقص الاستحقاق إطلاقاً،ومن الرهق وهو الجهد والمشقة فوق الطاقة.ومن ذا الذي يملك أن يبخس المؤمن أو يرهقه وهو في حماية الله ورعايته؟ولقد يقع للمؤمن حرمان من بعض أعراض هذه الحياة الدنيا،ولكن هذا ليس هو البخس،فالعوض عما يحرمه منها يمنع عنه البخس،وقد يصيبه الأذى من قوى الأرض،لكن هذا ليس هو الرهق،لأن ربه يدركه بطاقة تحتمل الألم وتفيد منه وتكبر به.وصلته بربه تهوِّن عليه المشقة فتمحضها لخير في الدنيا والآخرة. المؤمن إذن في أمان نفسي من البخس والرهق.وهذا الأمان يولد الطمأنينة والراحة طوال فترة العافية،فلا يعيش في قلق وتوجس.حتى إذا كانت الضراء لم يهلع ولم يجزع،ولم تغلق على نفسه المنافذ…إنما يعدّ الضراء ابتلاء من ربه يصبر له فيؤجر.ويرجو فرج الله منها فيؤجر.وهو في الحالين لم يخف بخساً ولا رهقاً.ولم يكابد بخساً ولا رهقاً”. ويقول تعالى:{وما يستوي الأعمى والبصير*ولا الظُّلماتُ ولا النُّورُ}[فاطر 19 ـ 20]. يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال: ”وبين طبيعة الكفر وطبيعة كل من العمى والظلمة والحرور والموت صلة.كما أن هناك صلة بين طبيعة الإيمان وطبيعة كل من النور والبصر والظل والحياة. إن الإيمان نور،نور في القلب ونور في الجوارح،ونور في الحواس.نور يكشف حقائق الأشياء والقيم والأحداث وما بينها من ارتباطات ونسب وأبعاد.فالمؤمن ينظر بهذا النور،نور الله.فيرى تلك الحقائق،ويتفاعل معها،ولا يخبط في طريقه ولا يلطش في خطواته. والإيمان بصر يرى.يرى رؤية حقيقية صادقة غير مهزوزة ولا مخلخلة.ويمضي بصاحبه في الطريق على نور وعلى ثقة وفي اطمئنان. والإيمان ظل ظليل تستر وجه النفس ويرتاح له القلب،ظل من هاجرة الشك والقلق والحيرة في التيه المظلم بلا دليل! والإيمان حياة.حياة في القلوب والمشاعر.حياة في القصد والإتجاه. كما أن الإيمان حركة بانية،مثمرة،قاصدة.لا خمود فيها ولا همود.ولا عبث فيها ولا ضياع. والكفر عمى.عمى في طبيعة القلب،وعمى عن رؤية دلائل الحق.وعمى عن رؤية حقيقة الوجود.وحقيقة الارتباطات فيه.وحقيقة القيم والأشخاص والأحداث والأشياء. والكفر ظلمة أو ظلمات.فعندما يبعد الناس عن نور الإيمان يقعون في ظلمات من شتى الأنواع والأشكال.ظلمات تعز فيها الرؤية الصحيحة لشىء من الأشياء. والكفر هاجرة . حرور.تلفح القلب فيه لوافح الحيرة والقلق وعدم الاستقرار على هدف،وعدم الاطمئنان إلى نشأة أو مصير.ثم تنتهي إلى حر جهنم ولفحة العذاب هناك. والكفر موت. موت في الضمير.وانقطاع عن مصدر الحياة الأصيل.وانفصال عن الطريق الواصل.وعجز عن الانفعال والاستجابة الآخذين من النبع الحقيقي،المؤثرين في سير الحياة”. ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله(أمريكا التي عرفت) الرسالة العدد957): “أمريكا…تلك المساحات الشاسعة من الأرض بين الأطلنطي والباسيفيكي.تلك الموارد التي لا تنضب من المواد والخامات،ومن القوى والرجال .تلك المصانع الضخمة التي لم تعرف لها الحضارة نظيراً.ذلك النتاج الهائل الذي يعيا به العدو الإحصاء،تلك المعاهد والمعامل والمتاحف المبثوثة في كل مكان.عبقرية الإدارة والتنظيم التي تثير العجب والإعجاب.ذلك الرخاء السابغ كأحلام الجنة الموعودة.ذلك الجمال الساحر في الطبيعة والوجود والأجسام ،تلك اللذائذ الحرة المطلقة من كل قيد أو عرف.تلك الأحلام المجسمة في حيز من الزمان والمكان… أمريكا هذه كلها…ما الذي تساويه في ميزان القيم الإنسانية؟وما الذي أضافته إلى رصيد البشرية من هذه القيم،أو يبدو أنها ستضيفه إليه في نهاية المطاف؟ لقد قابلوا الطبيعة بسلاح العلم وقوة العضل ،فلم تثر فيهم إلا قوة الذهن الجاف،وقوة الحس العارم،ولم تفتح لهم منافذ الروح والقلب والشعور،كما فتحتها في روح البشرية الأولى،التي احتفظت بالكثير منها في عصر العلم،وأضافت به إلى رصيدها من القيم الإنسانية الباقية على الزمان. وحين تغلق البشرية على نفسها منافذ الإيمان بالدين،والإيمان بالقيم الروحية جميعاً،لا يبقى هنالك متصرف لنشاطها إلا في العلم التطبيقي والعمل،وإلا في لذة الحس والمتاع”. ويقول الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله: “إذا ابتلي العبد ببلية تحرك أولاً في نفسه بنفسه،فإن لم يتخلص منها استعان بغيره من الخلق كالسلاطين وأرباب المناصب وأبناء الدنيا،وأصحاب الأموال،وأهل الطب في الأمراض والأوجاع،فإن لم يجد في ذلك خَلاصه،رجع حينئذ إلى ربه بالدعاء والتضرع والثناء. فمادام يجد عند نفسه نصرة لم يرجع إلى الخلق،ثم مادام يجد عند الخلق نصرة لم يرجع إلى الخالق، ثم إذا لم يجد عند الخالق نصرة،استطرح بين يديه مديماً للسؤال والدعاء والتضرع والثناء، والإفتقار مع الخوف منه والرجاء.ثم يعجزه الخالق عز وجل عن الدعاء ولم يجبه، حتى ينقطع عن جميع الأسباب، فحينئذ ينفد فيه القدر، ويفعل الفعل، فلايرى إلا فعل الحق عز وجل فيصير موقناً موحداً ضرورة، ويقطع أن لافاعل عن الحقيقة إلا الله، ولامحرك ولامسكن إلا الله،ولاخير ولاشر، ولاضرر ولانفع، ولاعطاء ولامنع، ولافتح ولاغلق،ولا موت ولاحياة، ولاعز ولاذل،ولاغنى ولافقر، إلا بيد الله،فيصير حينئذ كالطفل الرضيع في يد الظئر، والميت الغسيل في يد الغاسل،والكرة في صولجان الفارس،فلا يرى غير مولاه ،ولايسمع ولايعقل من غيره”. ويقول الشيخ عبد الله الخياط : “إن ثقة المؤمن بربه،ويقينه بأنه المتولي لأموره،وأنه مصدر كل خير وكاشف كل ضر،لاتتركه نهباً للوساوس والأوهام، ولو عضّه الفقر أو نزل به الضر،فيقنط من رحمة الله وييأس من فرجه،بل على العكس تزيد من يقينه، فيتضرع إلى الله أن يكشف عنه. إن إحساس المؤمن بحفظ الله له،وأنه يستمع إليه إذا شكا،ويجيبه إذا ناداه،ويأخذ بيده إذا كبا، ويمده إذا ضعف، ويعينه إذا احتاج،يملأ النفس سكينة وراحة، ويخلق فيها القوة والعزم والثقة بالله والرضا عنه”. ويقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله: “الرضا نعمة روحية جزيلة،هيهات أن يصل إليه شاك بالله أو مرتاب في جزاء الآخرة،إنما يصل إليها من قوي إيمانه بالله، وحسُن اتصاله به،وقد خاطب الله رسوله بقوله:{فاصبر على مايقولون وسَبّح بحمد ربِّكَ قبلَ طلوعَ الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبّح وأطراف النهار لعلّكَ ترضى}[طه 130]، وأثنى الله على عباده المؤمنين بقوله:{ رَضيَ اللهُ عنهم ورَضوا عنه}[المائدة 119]. المؤمن راض عن نفسه،عن وجوده ومكانه في الكون،لأنه يعلم أنه ليس ضارة ضائعة، ولاكماً مهملاً، ولاشيئاً تافهاً، بل هو قبس من نور الله ونفخة من روح الله،وخليفته في أرضه. وهو راض عن ربه، لأنه آمن بكماله وجماله،وأيقن بعدله ورحمته،واطمئن إلى علمه وحكمته،أحاط سبحانه بكل شئ علما،وأحصى كل شئ عددا،ووسع كل شئ رحمة ،لم يخلق شيئاً لهوا،لم يخلق شيئاً سُدى،له الملك وله الحمد،نعمه عليه لاتُعد، وفضله عليه لايُحد، فما به من نعمة فمن الله، وما أصابه من حسنة فمن الله،وما أصابه من سيئة فمن نفسه…يُردد المؤمن هذا الثناء الذي ردّده من قبل أبونا إبراهيم خليل الرحمن:{الذي خلقني فهو يهدين*والذي هو يطعمني ويَسقين*وإذا مرضت فهو يشفين*والذي يُميتني ثمّ يُحيين*والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين}[الشعراء 78 ـ 82]. المؤمن مُوقن تمام اليقين أن تدبير الله تعالى له أفضل من تدبيره لنفسه،ورحمته تعالى به أفضل من رحمة أبويه به،ينظر في الأنفس والآفاق فيرى آثار برّه تعالى ورحمته، ينادي ربه:{بيدكَ الخير إنّكَ على كلِّ شئٍ قدير}[آل عمران 26]،”الخير كلّه في يديك، والشر ليس إليك“[جزء من حديث رواه مسلم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه]، وما يظنه الناس شراً في الوجود ليس هو شراً في الحقيقة، وإذا كان لابد من تسميته شراً فإنما هو شرّ جزئي مغمور في جانب الخيرالكلي العام،وهذا الشر الجزئي اقتضاه التكافل بين أجزاء هذا الوجود”.2ـ الأعمال الصالحة :
والطاعة المتجددة الدائمة،يقول تعالى:{من عملَ صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ فلنُحيّينهُ حياةً طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ماكانوا يعملون}[النحل 97]. فالحياة الطيبة في الدنيا هي السعادة والإطمئنان،وكما يقول ابراهيم بن أدهم رحمه الله:”والله إننا لفي نعمة لو يعلم بها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف”. يقول الشيخ ابن عاشور صاحب تفسير التحرير والتنوير في قوله تعالى:{والذين آمنوا وعملوا الصالحات وأمنوا بما نزل على محمد وهو الحقّ من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم}[محمد2]، يقول: “البال: يطلق على القلب أي العقل ومايخطر للمرء من التفكير.وإصلاح البال يجمع الأمور كلها ،فالتوحيد أصل صلاح بال المؤمن ومنه تنبعث القوى المقاومة للأخطاء والأوهام التي تلبس بها أهل الشرك وحكاها عنهم القرآن في مواضع كثيرة، والمعنى أقام أنظارهم وعقولهم فلايفكرون إلا صالحاً ولايتدبرون إلا ناجحاً.وجاء في تفسير آخر: بالهم: أصلح أحوالهم وشؤونهم وخواطرهم لأن البال يطلق لغة على الحال والشأن والخاطر”.3ـ ذكر الله تعالى:
يقول تعالى:{الذين آمنوا وتطمئنُ قُلوبُهم بذكرِ الله ألا بذكرِ الله تطمئنُ القلوب}[الرعد28]. يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله (في المنار العدد452): “وللذكر المحض فوائد كثيرة في تغذية الإيمان ومراقبة الله تعالى وحبه والخشوع له والرغبة فيما عنده واحتقار مصائب الدنيا وقلة المبالاة والتألم لما يفوت المؤمن من نعيمها،ولذلك ورد في الحديث الصحيح:”من نزل به غم أو كرب أو أمر مهم فليقل:لا إله إلا الله العظيم الحليم،لا إله إلا الله رب العرش العظيم،لا إله إلا الله ربّ السموات والأرض وربّ العرش الكريم“[رواه الشيخان والترمذي والنسائي]”. ويقول الشيخ العلامة محمد الغزالي رحمه الله(مقال بعنوان:ذكر الله مرقأة المسلم إلى الإصلاح): “وذكر الله تعالى من أشرف العبادات وأنفس ما يجري على اللسان من كلمات،وأزكى ما يمر بالخاطر من صور،وما يثبت في القلوب من معان،وهو مفتاح الصلة المباشرة بالله الكبير المتعال،ما إن يشرق معناه في نفسه وتتحرك به شفتاه حتى يذكره الله ببره ولطفه،ويصحبه بتأييده وعونه. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”إن الله عز وجل يقول:أنا مع عبدي إما ذكرني وتحركت بي شفتاه”[رواه ابن حبان وصححه الألباني].وفي الآية الكريمة:{فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون}[البقرة 152]. وقد تنافس الصالحون في ذكر الله،وربطوا أفئدتهم وأذهانهم به،لم يتوهوا عنه في زحام الحياة،ولم يفتنهم عن ذكره نعمة،أو تشغلهم محنة،وقد رأوه طريقاً سريعة التوصيل إلى مقام الإحسان،والأنس بمشاهدة الله عما تزخر به الحياة من فتون ومجون،وسعى وعبث،وعزلة واختلاط،وقصور وانطلاق. ويقول الأستاذ عبد الوهاب خلاف العلامة الفقيه رحمه الله(مجلة كنوز الفرقان العدد 3و4 يناير 1950) تحت عنوان ” ألابذكر الله تطمئن القلوب“: “سعادة الإنسان في هذه الحياة في اطمئنان قلبه،وراحة باله، واستقرار خواطره،وقد أرشد الله عباده في كلمة موجزة حكيمة إلى الوسيلة التي تحقق لهم هذه السعادة وتقيهم من عذاب القلق والاضطراب، وآلام الجزع والهلع، وشقاء الشك والارتياب، فقال جلّ ثناؤه وهو أصدق القائلين:{ألا بذكر الله تطمئنُ القلوب}[الرعد28]. وذكر الله الذي تطمئن به القلوب،ليس هو مجرد ترديد اللسان لإسم من أسمائه،أو صفة من صفاته،وإنما هو تذكير ألوهيته وعظمته، واستشعار رأفته ورحمته، وقهره وعزته، واستحضار حكمته في سننه،وعدالته في قضائه. فمن راض نفسه على أن يتذكر ربه في جميع حالاته: في سرائه وضرائه،وفي شدته ورضائه،وفي صحته وسقمه، وفي طاعته ومعصيته، أسند كل أمر إلى مصدره واطمأن إلى حكمة الله فيما نزل به، فسّكن قلبه، واستراح من الهمّ والحزن على مافاته،ومن الزّهو والبطر بما جاءه، وأمِن متاعب القلق والاضطراب. ـ فإذا أبتلي بفقد عزيز عليه، أو بكارثة نزلت به،وتذكر ربه وأن كل ماكان وما يكون،إنما هو مقتضى إرادته ونفاذ لحكمه،وإنه لارادّ لما أراده، ولامعقب لحكمه، واطمأن قلبه، وسكن إلى ماقضى به ربه،وسلم واستسلم،ولم يجد في صدره حرجاً مما أراد الله،ولا اعتراضاً على ماحكم به الله، وفي هذا الاطمئنان عزاء وسلوان،ورضا وراحة بال. قال تعالى:{ما أصابَ من مصيبةٍ في الأرضِ ولا في أنفسكم إلا في كتابٍ من قبلِ أن نبرأها إن ذلك على الله يسير} [الحديد22]. ـ وإذا خسر التاجر في تجارته،أو خاب العامل في سعيه،أو رسب الطالب في امتحانه، أو فات الإنسان أي خير كان يرجوه،وتذكّر ربه،وأنه لن يصيب أحداً إلا ماكتبه الله له،وإن يرده بخير فلا رادّ لفضله،اطمأن قلبه إلى أن مافاته لم يكن له،وإلى أنه لو كان له مافاته،وفي هذا راحة من الاسترسال في الهم والحزن ووقاية من السخط واليأس. قال تعالى:{مايفتحِ اللهُ للناسِ من رحمةٍ فلا مُمسكَ لها ومايُمسك فلا مُرسلَ له}[فاطر2]. ـ وإذا أوتى الإنسان نعمة وزاده الله بسطة في الرزق والعلم،أو العافية أو الثراء أو الجاه، وتذكّر ربه، وأن هذا الذي ينعم فيه ـ إنما هو من فضل الله عليه وإحسانه إليه ـ اطمأن قلبه إلى رحمة الله وكرمه،وانطلق لسانه بحمده وشكره، وشكر النعمة يزيد المنعم كرماً وإحساناً. قال تعالى:{لئن شكرتُم لأزِيدَنكم ولئِن كفرتُم إنّ عذابي لشديد}[إبراهيم 7]. ـ وإذا وفق الإنسان إلى طاعة ربه والعمل بما يرضيه،وتقرّب إليه وتذكر ربه،وأنه لايضيع أجر من أحسن عملاً،وأنه يجزي العامل على نيته،وأنه ينظر إلى القلوب والسرائر،لا إلى الصور والمظاهر،أخلص في عمله،ووجّه وَجههُ لمن يهديه ويجزيه. قال صلى الله عليه وسلم:”إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ مانوى“. ـ وإذا وقع الإنسان في خطيئة أو اقترف إثماً وتذكّر ربه،وأنه غافر الذنب وقابل التوبة لم ييأس من رحمة الله،ووجد السبيل ممهدة للتوبة والإنابة، ورجاء العفو والمغفرة. قال تعالى:{والذينَ إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفرُ الذنوبَ إلا الله}[آل عمران 135]. فتذكر الله وصفاته وآيات رحمته وقدرته،يحيى الضمير،وتستيقظ حاسة الخير،وتسكن النفس إلى الحقائق،وبهذا يطمئن القلب وتهون الشدة، ويستق الإنسان معونة ربه وتوفيقه. عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”مثل الذي يذكر ربه والذي لايذكر مثل الحيّ والميت“[رواه البخاري]. روى البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”يقول الله عز وجل:”أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني“.[جزء من حديث شريف رواه أبو هريرة رضي الله عنه] ومن هذا نتبين الحكمة في أن الله أعد المغفرة والأجر العظيم، للذاكرين الله كثيراً والذاكرات. وعدّ أولى الألباب الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم،وعدَّ ذكر الله أكبر من الصلاة في النهي عن الفحشاء والمنكر:{إنَّ الصلاةَ تنهى عن الفحشاءِ والمُنكر ولذِكرُ الله أكبر}[العنكبوت 45]. وتتبين الحكمة في أن الله سبحانه توعدّ الغافلين عن ذكره، ونهى عن طاعتهم وإتباعهم، وأمر باجتنابهم والإعراض عنهم فقال عز شأنه:{ولاتُطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواهُ وكان أمرهُ فُرُطا}[الكهف28]، وقال سبحانه:{فأعرِض عن من تولّى عن ذكرنا ولم يُرِد إلا الحياةَ الدنيا} [النجم29]، وقال جل ثناؤه:{ومن يَعْشُ عن ذِكرِ الرحمن نُقيّض له شيطاناً فهو له قرين}[الزخرف36]. ذلك لأن الغافل عن ذكر ربه لايستشعر آياته وصفاته في محنة ولانعمة ولافي طاعة ولامعصية يشقى حتى في النعمة ويضل حتى في الطاعة. فإن أصابته محنة لم يجد ملجأ ولامفزعا وتضيق الدنيا في وجهه وتتراكم خواطر الشر والسوء في عقله،ويستولي عليه اليأس والقنوط، مصداق قول الله سبحانه:{ ومن أعرضَ عن ذكري فإنّ لهُ معيشةً ضنكاً}[طه124]. وإذا نالهُ خير استقبله بالأشر والبطر،والزهو والغرور،وفي غفلة عن ذكر الله يستخدم نعم الله لمعصيته،ولهذا يعرض النعمة للزوال، وفي الأثر يقول:”إذا رأيتم الله يعطي العبد مايحب وهو مقيم على معصيته، فإن ذلك منه استدراج، ثم تلا قوله تعالى:{فلما نَسوا ماذُكروا به فتحنا عليهم أبوابَ كلِّ شئٍ حتى إذا فَرحوا بما اُوتوا أخذناهم بغتةً فإذا هم مُبلسون}[الأنعام44] (اي آسفون حزينون). وإذا وفق إلى طاعته اغتر بظاهر عمله، ونسي أن لن يدخل أحد الجنة بعمله، إلا أن يتغمده الله برحمته، ويتقبل عمله بقبول حسن وإذا وقع في معصية استمرأ العصيان وأصرّ على مافعل،وران على قلبه ماكسبه. فمن أراد الله له الخير، وفقّه إلى أن يكون على ذكر ربه في كل حالاته،فيحيا ضميره، ويطمئن قلبه،وتستيقظ حاسة الخير فيه، ومن أراد الله به السوء أغفل قلبه عن ذكره، فاستسلم لهواجسه، واستحوذت عليه وساوسه وشكوكه،وكان أمره فُرطاً ـ أي بعيداً عن الصواب ـ غير واقف عند الحدّ الذي حده ربه{من يهدِ الله فهوَ المُهتدِ ومن يُضلل فلن تجدَ لهُ ولياً مرشداً}[الكهف 17]. انتهى كلام الشيخ رحمه الله. وعن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”مثلُ الذي يَذكرُ ربَّهُ والذي لا يذكرُ ربّهُ،مثلُ الحيِّ والميت”[متفق عليه]. ويقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي (الرسالة العدد79): “بين الوقت والوقت من اليوم تدق ساعة الإسلام بهذا الرنين:الله أكبر الله أكبر،كما تدق الساعة في موضع ليتكلم الوقتُ برنينها. الله أكبر.بين ساعاتٍ وساعاتٍ من اليوم ترسل الحياة في هذه الكلمة نداءها تهتف:أيها المؤمن،إن كنت أصبتَ في الساعات التي مضت،فاجتهد للساعات التي تتلو،وإن كنت أخطأت،فكفر،وامح ساعة بساعة،الزمن يمحو الزمن،والعمل يغير العمل،ودقيقة باقية في العمر هي أملٌ كبير في رحمة الله. بين ساعات وساعات،يتناول المؤمن ميزان نفسه حين يسمع:الله أكبر…ليعرف الصحة والمرض من نيته،كما يضع الطبيب لمريضه بين ساعات وساعاتٍ ميزان الحرارة. بين ساعات وساعات من اليوم يعرض كل مؤمن حسابه،فيقوم بين يدي الله ويرفعه إليه.وكيف يكون من لا يزال ينتظر طول عمره بين ساعات وساعات الله أكبر. بين الوقت والوقت من النهار والليل تدوي كلمة الروح:الله أكبر.ويحييها الناسك الله أكبر. لا تضطربوا هذا هو النظام،لا تنحرفوا،هذا هو النهج.لا تتراجعوا هذا هو النداء.لن يكبر عليكم شىء ما دامت كلمتكم :الله أكبر. جاء في موقع الشبكة الإسلامية مقال بعنوان”مثل الذاكر والغافل”: “في هذا الحديث الشريف بيان لفضل الذكر،إذ به تظهر الحياة على الذاكرين،لما يُضفيه عليهم من النور،وما يصل إليهم من الأجر،كما أن التاركين للذكر وإن كان فيهم حياة، فلا اعتبار لها،بل هم أشبه بالأموات،إذ لا يشعرون بما يشعر به الأحياء المشفولون بطاعة الله سبحانه. والمراد بالذكر الإتيان بالألفاظ التي ورد الترغيب في قولها والإكثار منها،مثل التسبيح والتحميد والحوقلة والبسملة والحسبلة والاستغفار،والدعاء بخيري الدنيا والآخرة،كما أن الذكر يطلق على المواظبة على العمل بما أمر الله تعالى به،كتلاوة القرآن وقراءة الحديث ومدارسة العلم والصلاة النافلة. كما أن الذكر أنواع:منه الذكر باللسان،والذكر بالقلب،والذكر بالجوارح. والمراد بذكر اللسان:كل الألفاظ الدالة عليه من التحميد والتسبيح والتمجيد. والذكر بالقلب:يكون بالتفكر في أسرار المخلوقات والكون. والذكر بالجوارح:يكون باستغراقها في الطاعات التي أمر الله تعالى بها. ويكفي الذاكر فضيلة أن الله تعالى يذكره،قال تعالى:{فاذكروني أذكركم}[البقرة 152]،ففي الآية بيان لشرف الذكر والذاكرين.وكما جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:”يقول الله تعالى:أنا عندَ ظنِّ عبدي بي،وأنا معهُ إذا ذكرني،فإن ذكرني في نفسه ذكرتهُ في نفسي،وإن ذكرني في ملأ ذكرتهُ في ملأٍ خيرٍ منهم،وإن تقرّبَ إلي شبراً تقرّبتُ إليه ذراعاً،وإن تقرّبَ إلي ذراعاً تقرّبتُ إليهِ باعاً،وإن أتاني يمشي أتيتهُ هَرولةً”[رواه البخاري]. وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله فوائد عديدة للذكر،منها:أن حياة المسلم في ذكره لربه،إذ بالذكر يزهو وجه المسلم،وتحصل له النضارة والجمال،ويزول همه،ويشعر بالسعادة والفرح والسرور.4ـ قراءة القرآن:
يقول تعالى:{ونُنزّلُ من القرآنِ ماهو شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين}[الإسراء 82]. وقال تعالى:{ يا أيُّها الناسُ قد جاءتكُم موعظةٌ من ربكم وشفاءٌ لما في الصدور وهدى ورحمةٌ للمؤمنين}[يونس57]، {قل هو للذين أمنوا هُدى وشفاء} [فصلت44]. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله(كتاب الداء والدواء ص14): يقول تعالى:{ وننزل من القرآن ماهو شفاء ورحمةٌ للمؤمنين}[الإسراء 82]. و”من” هنا لبيان الجنس لا للتبعيض:فإن القرآن كله شفاء، فهو شفاء للقلوب من الجهل والشك والريب، فلم ينزل الله سبحانه وتعالى من السماء شفاء قط أعم ولا أنفع ولا أعظم ولا أنجع في إزالة الداء من القرآن”. ويمكن الرجوع إلى الموضوع بالتفصيل في مقال”إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا”.وموضوع “التداوي بين الطب والإسلام” في الموقع.5ـ الدعاء والتسبيح:
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله(كتاب الداء والدواء ص15 ـ 16): “وكذلك الدعاء،فإنه من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب،ولكن قد يتخلّف أثره عنه،إما لضعفه في نفسه ـ بأن يكون دعاء لايحبه الله لما فيه من العدوان ـ وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وقت الدعاء، فيكون بمنزلة القوس الرخو جداً،فإن السهم يخرج منه خروجاً ضعيفاً،وإما لحصول المانع من الإجابة: من أكل الحرام،ورين الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة والشهوة واللهو وغلبتها عليه. وجاء في مستدرك الحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:”ادعوا الله وأنتم موقنونَ بالإجابة،واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ”.[قال الألباني حديث حسن] إن الدعاء قد يكون وقائياً كما ذكرنا في الدعاء الذي يقي من الحزن والغم والهم،وكذلك الدعاء يكون علاجياً عندما يضيق الصدر ويعتمل الحزن في الصدر ويسيطر عليه وعندها فإن اللجوء إلى الدعاء يعتبر من المنجيات وانظر إلى قوله تعالى مخاطباً خير الأنبياء والرسل عندما ضاق صدره لعدم استجابة الكفار لدعوته:{ولقد نعلمُ أنّك يضيقُ صدرُكَ بما يقولون* فَسَبِّح بحمدِ رَبِّكَ وكُن منَ الساجدين *واعبدْ ربَّكَ حتَّى يأتيكَ اليقين}.[الحجر 97 ـ 99]. وانظر إلى الرسول العظيم الكريم عندما خرج إلى الطائف ولاقى من أهلها الخذلان والسخرية ورماه أطفالها بالحجارة حتى أدمت قدماه الطاهرتان،فماذا كان طريق الشفاء لهذه النفس الصابرة المؤمنة المتوكلة،كان اللجوء إلى الله خالق الأسباب والمسببات، والدعاء والتوجه إليه بقلب ملؤه الإيمان والاطمئنان إلى حكم الله وحكمته،والرضوخ عن ثقة ويقين بمشيئته،يتوجه الكريم إلى الرب العظيم قائلاً داعياً: “اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين ،أنت رب المستضعفين، وأنت ربي. إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكّته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحل عليّ سخطك. لك العتبى حتى ترضى ولاحول ولاقوة إلا بك“. يقول الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله(الإيمان والحياة ص129): “أي طمأنينة ألقيت في قلب محمد رسول الإسلام يوم عاد من الطائف دامي القدمين، مجروح الفؤاد،من سوء مالقي من القوم،فما كان منه إلا أن رفع يديه إلى السماء يقرع أبوابها بهذه الكلمات الحيّة النابضة التي دعا بها محمد ربه. فكانت على قلبه برداً وسلاماً”. وجاء في سيرة ابن اسحق عن عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه وأخزى أباه:”لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ذهب عكرمة فاراً منها،فلما ركب البحر ليذهب إلى الحبشة اضطربت بهم السفينة فقال أهلها:ياقوم، اخلصوا لربكم الدعاء لايُنجي هاهنا إلا هو. فقال عكرمة: والله لئن كان لايُنجي في البحر غيره فإنه لايُنجي في البر أيضاً غيره، اللهم لك عليّ عهد لئن خرجت لأذهبن فلأضعن يدي في يد محمد فلأجدنه رؤوفاً رحيما. فكان كذلك. يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله: “وباب الاطمئنان،والطريق إلى بلوغ حلاوة الإيمان هو الدعاء،ادع الله دائماً، واسأله ماجلّ ودقّ من حاجتك،فإن الدعاء في ذاته عبادة،وليس المدار فيه على اللفظ البليغ،والعبارات الجامعة،وما يدعو به الخطباء على المنابر،يريدون إعجاب الناس بحفظهم وبيانهم،أكثر مما يريدون الإجابة،فإن هؤلاء كمن يتكلم كلاماً طويلاً في الهاتف،وشريط الهاتف مقطوع،بل المدار على حضور القلب،واضطرار الداعي، وتحقق الإخلاص،وربّ كلمة عامية خافتة مع الإخلاص والاضطرار أقرب إلى الإجابة من كل الأدعية المأثورة تلقى من طرف اللسان”. ويقول الأستاذ محمد الغزالي رحمه الله (كتاب جدّد حياتك ص18): “إن صوت الحق يهتف في كل مكان ليهتدي الحائرون ويتجدد البالُون. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه، ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول:هل من سائلٍ فيُعطى؟ هل من داعٍ فيُستجاب له؟هل من مستفغر فيُغفر له؟ ..حتى ينفجر الصبح”[رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه]. وفي رواية:” أقرب مايكونُ العبدُ من ربّه،وهو ساجدٌ، فأكثروا الدعاء “[صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه]،وفي حديث آخر:”أقرب ما يكون الربُّ من العبد في جوفِ الليل الآخر فإن استطعتَ أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكُن”[أخرجه الترمذي والنسائي عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه وهو حديث حسن صحيح] إنها لحظة إدبار الليل وإقبال النهار، وعلى أطلال الماضي القريب أو البعيد يمكنك أن تنهض لتبني مستقبلك. ولا تؤودنّك كثرة الخطايا، فلو كانت ركاماً أسود كزبد البحر مابالى الله عزّ وجلّ بالتعفية عليها إن أنت اتجهت إليه قصداً وانطلقت إليه ركضاً. إن الكُنود القديم لايجوز أن يكون عائقاً أمام أوبة صادقة{قل ياعباديَ الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمةِ الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم*وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له}[الزمر53 ـ 54]. وفي حديث قدسي عن الله عز وجل:”يا ابن آدم إنك مادعوتني ورجوتني غفرت لك على ماكان منك ولا أبالي.يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عَنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي.يا ابن آدم لو أتيتني بقِراب الأرض خطايا ثم لقيتني لاتشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة”[رواه الترمذي]. وهذا الحديث وأمثاله جُرعة تُحيي الأمل في الإرادة المخدّرة،وتُنهض العزيمة الغافية وهي خجلى لتستأنف السير إلى الله، ولتجدد حياتها بعد ماضٍ ملتوٍ مستكين. ويتابع الشيخ الغزالي: “لا أدري لماذا لايطير العباد إلى ربهم على أجنحة من الشوق بدل أن يُساقوا إليه بسياط من الرهبة؟ إن الجهل بالله وبدينه هو عِلّة هذا الشعور البارد،أو هذا الشعور النافر ـ بالتعبير الصحيح ـ مع أن البشر لن يجدوا أبرّ بهم ولا أحنى عليهم من الله عز وجل. ومع هذا الضلال الذي خبطوا فيه فإن منادي الإيمان يهتف بهم أن عودوا إلى بارئكم. إن فرحته بعودتكم إليه فوق كل وصف. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لله أفرحُ بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دَويّة مُهلكة، معه راحلته،عليها طعامه وشرابه،فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته!! فطلبها، حتى إذا اشتدّ عليه الحرُّ والعطش، أو ماشاء الله، قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت.. فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ فإذا راحلته عنده عليها زاده وشرابه، فالله أشدّث فرحاً بتوبة المؤمن من هذا براحلته“[رواه البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه]. ويتابع الشيخ الغزالي: ”إن أنبل الناس عِرقاً وأطهرهم نفساً قلما يجد فؤاداً يتلّهف على لقائه بمثل هذا الحنين. فكيف بخطاء أسرف على نفسه وأساء إلى غيره؟إنه لو وجد استقبالاً يستر عليه مامضى لكان بحسبه ذلك الأمان المبذول ليستريح ويشكر.أما أن يفاجأ بهذه الفرحة، وذلك الاستبشار،فذاك مايثير الدهشة.لكن الله أبرُّ بالناس وأسرُّ بأوبة العائدين إليه مما يظن القاصرون!!وطبيعيُّ أن تكون هذه التوبة نُقلة كاملة من حياة إلى حياة،وفاصلاً قائما بين عهدين متمايزين، كما يفصل الصبح بين الظلام والضياء. إن هذه العودة الظافرة التي يفرح الله بها هي انتصار الإنسان على أسباب الضعف والخمول،وسحقه لجراثيم الوضاعة والمعصية، وانطلاقه من قيود الهوى والجحود، ثم استقراره في مرحلة أخرى من الإيمان والإحسان،والنضج والاهتداء”. ويقول الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله(الإيمان والحياة ص299): “أي سكينة يشعر بها المؤمن حين يلجأ إلى ربه في ساعة العسرة ويوم الشدة،فيدعوه بما دعا به محمد صلى الله عليه وسلم من قبل:”اللهم ربّ السموات السبع، وربّ العرش العظيم.ربنا ورب كل شئ، فالق الحب والنوى.منزل التوراة والإنجيل والقرآن. أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها. أنت الأول فليس قبلك شئ. وأنت الآخر فليس بعدك شئ.وأنت الظاهر فليس فوقك شئ. وأنت الباطن فليس دونك شئ.اقض عني الدين واغنني من الفقر“[رواه مسلم]. (يمكن الرجوع إلى الموضوع وبتفصيل أكبر في الموقع”الدعاء مخ العبادة”)6ـ اللجوء إلى الإستغفار:
جاء في موسوعة السفير للمعارف الإسلامية: الإستغفار في اللغة: مصدر للفعل “استغفر”أي طلب المغفرة والستر.ومن أسماء الله تعالى:الغفور، والغفّار، والغافر.وقد ورد لفظ”استغفار” وبعض مشتقاته في القرآن الكريم مرات عديدة، منها قوله تعالى:{وماكانَ استغفارُ إبراهيمَ لأبيهِ إلا عن موعدةٍ وعدها إياه}[التوبة114]، وقوله تعالى:{وماكان اللهُ لِيعذّبَهُم وأنتَ فيهم وما كان الله مُعَذِّبَهُم وهم يستغفرون}[الأنفال33]. والاستغفار من أرفع أنواع الذكر لله سبحانه،وله فضل عظيم، وقد أمر الله تعالى به كثيراً في كتابه العزيز وحثّ عليه،وأثنى على أهله،ومن ذلك قوله نعالى:{واستغفر لذنبكَ وسَبّح بحمدِ رَبِّكَ بالعَشيِّ والإبكار}[غافر55]، وقوله تعالى:{واستغفر الله إنَّ الله كانَ غفوراً رحيماً}[النساء 106]، وقوله تعالى في صفة المؤمنين:{الصابرينَ والصادقينَ والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار}[آل عمران17].وقوله تعالى:{وبالأسحار هم يستغفرون}[الذاريات 18]. وقد داوم النبي صلى الله عليه وسلم على “الاستغفار”، وحث عليه في أحاديث كثيرة، منها: مارواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:”والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة“[رواه البخاري]. وللإستغفار فوائد جمّة وآثار عظيمة،فهو يجلب سعة الرزق،وتفريج الكرب،وتكثير الولد، قال الله تعالى على لسان نبيه نوح عليه السلام:{فقلتُ استغفروا رَبّكم إنّهُ كانَ غفَّاراً*يُرسلِ السّماءَ عليكُم مِدراراً*ويُمدِدكُم بأموالٍ وبنينَ ويجعل لكُم جناتٍ ويجعل لكُم أنهاراً}[نوح 10 ـ 12]. ومن أعظم آثاره: أنه سبيل مغفرة الذنوب ورضوان الله تعالى عن المستغفر وإدخاله الجنة، ففيما روى أنس ابن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول”قال الله تعالى:يا ابن آدم،إنك مادعوتني ورجوتني غفرت لك على ماكان فيك ولا أبالي.يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي،يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لاتشرك بي شيئاً، لأتيتك بقرابها مغفرة“[رواه الترمذي]. ويستحب أن يكون “الاستغفار” بالصيغ الواردة في القرآن الكريم والحديث الشريف. ومن ذلك ماورد في قوله تعالى:{رَبّنا ظلمنا أنفُسَنا وإن لم تغفر لنا وتَرحمنا لَنَكُونَنَّ من الخاسرين}[الاعراف23]، وقوله تعالى:{رَبّنا اغفر لي ولوالديَّ وللمؤمنينَ يومَ يقومُ الحِساب}[إبراهيم41]. ومما ورد في السنة الشريفة ماجاء في حديث شداد ابن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”سيد الاستغفار، أن يقول العبد:”اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت،خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ماصنعت ،أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لايغفر الذنوب إلا أنت“[رواه البخاري]. ومنها أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم:”من قال:”أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحيُّ القيوم وأتوب إليه، غُفر له،وإن كان فرّ من الزحف“[رواه أبو داود عن زيد بن حارثة رضي الله عنه وجاء في الترغيب والترهيب للمنذري:إسناده جيد متصل]. يقول الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله: “يقول تعالى:{وسابقوا إلى مغفرةٍ من ربكم وجنّة عرضها كَعرض السماء والأرض }[الحديد 21]،طلب الله السباق إلى المغفرة،قبل السباق إلى الجنة،وهذا يدل أن كل إنسان له ذنوبه وسيئاته وخطاياه ،فهو في حاجة إلى المغفرة،لا يزعم أحد أنه ملك مطهر أو نبي معصوم،أنت خلقت من الطين، والطين لا يخلو من الكدر،وأنت ابن آدم،وآدم نفسه وقع في الخطيئة،فليس بعيداً أن يخطىء أبناؤه،ولذا قال صلى الله عليه وسلم:”كلُّ بني آدم خطّاء”وما دام ابن آدم خطاء،فهو في حاجة إلى المغفرة،ولذلك قبل أن تطلب الجنة،اطلب المغفرة…تطهر أولاً…التخلية قبل التحلية. بل إن الأنبياء أنفسهم طلبوا المغفرة،كل الأنبياء طلبوا من الله المغفرة. سيدنا نوح عليه السلام قال:{ربِّ اغفر لي ولوالديَّ ولمن دخل بيتيَ مؤمناً وللمؤمنينَ والمؤمناتِ ولا تزدِ الظالمينَ إلا تبارا}[نوح 28]. سيدنا إبراهيم عليه السلام قال:{ربّنا اغفر لي ولوالديَّ وللمؤمنينَ يومَ يقومُ الحساب}[إبراهيم 41]. سيدنا موسى عليه السلام قال:{ربِّ اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتكَ وأنتَ أرحمُ الراحمين}[الأعراف 151]. سيدنا سليمان عليه السلام قال:{ربِّ اغفر لي وهبْ لي مُلكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعدي إنّكَ أنتَ الوهاب}[ص35]. كل الأنبياء طلبوا المغفرة من الله تبارك وتعالى،وأشدّهم طلباً للمغفرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم،الذي رويت عنه صيغ عديدة في طلب المغفرة من الله عز وجل،ومنها ما سُمي سيد الاستغفار،والذي يستحب أن يقوله الإنسان في الصباح وفي المساء.. وكان الصحابة رضوان الله عليهم يقولون:كنا نعدّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مئة مرة يقول:”ربِّ اغفر لي،وتب علي،إنك أنت التواب الغفور”. وليس هناك إنسان يستغني عن الاستغفار،كل الناس يحتاجون إلى الاستغفار،حتى أن الله تعالى ذكر قوّام الليل،وهم المتقون،فقال تعالى:{إنَّ المتقينَ في جناتٍ وعيون*آخذينَ ما آتاهم ربهم إنّهم كانوا قبل ذلكَ محسنين*كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون*وبالأسحار هم يستغفرون}[الذاريات 51 ـ 18].يعني معظم الليل قوام متعبدون،وفي آخر الليل يقولون:يا رب اغفر لنا،وكأنهم كانوا في معصية،وليسوا في طاعة،وهذا هو شعورهم بالحاجة إلى الاستغفار. وكل الناس بحاجة إلى مغفرة الله عز وجل،ولذلك علينا أن نستغفر الله،والإستغفار باللسان المصحوب بالقلب،فلا يكفي أن نقول:رب اغفر لي،رب اغفر لي،وفي نيتك الإصرار على المعصية،فهذا كأنك مستهزىء بالله عز وجل،”من استغفر وهو مصر على المعصية،فهو كالمستهزىء بربه”،والله تعالى يقول:{والذينَ إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفرُ الذنوبَ إلا الله ولم يُصروا على ما فعلوا وهم يعلمون}[آل عمران 135].أما مجرد لوك اللسان بكلمات الاستغفار دون حضور قلب،فهو أشبه ما قالته السيدة رابعة العدوية رحمها الله:استغفار يحتاج إلى استغفار. يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله في قوله تعالى:{الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار}[آل عمران 17].يقول رحمه الله: “والمستغفرين بالأسحار” يجب أن نأخذ هذا الوصف بعد مجىء الأوصاف الأخرى في النفس البشرية.البداية هي إقرارهم بالإيمان،ودعاؤهم الحق سبحانه أن يغفر لهم وقد طلبوا الوقاية من عذاب النار،وصبروا،وصدقوا،وقنتوا في العبادة،وأنفقوا في سبيل الله،إن كل هذه الأوصاف تبرىء ذمتهم من أنهم مقصرون في حقوق إلههم لذلك فهم يأتون حال السكون بالليل،ويستغفرون الله. إما أن يستغفر العبد لأنه قد فرطت منه هفوة في ذنب،وإما أن يستغفر لأنه لم يزد فيما يفعله من أمور الطاعة.وكلمة(بالأسحار) توضح لنا لحظات من اليوم يكون الإنسان فيها محل الكسل والراحة،إن الذي سوف يصحو في السحر لابد أن يكون قد اكتفى من الراحة،ولم يكن قد أخذ منه كد الحياة كل النهار،ثم إن بعضهم يأخذه لهو الحياة ليلا. وهذا هو وجه الخيبة لما يحدث في زماننا.إن كد الحياة ـ إن أخذ ـ يأخذ نهارا،وبعد ذلك يأخذنا لهو الحياة ليلا،مما نشاهده من لهو الحديث،ولهو السهرات،وبعد ذلك يأتي الإنسان لينام متأخرا،فكيف نطلب من هذا الإنسان أن يصحو في السحر؟إن الذي يصحو في السحر هو من أخذ حظه في الراحة،فبعد أن جاء من كد العمل نام نوما هادئاً،ويصحو بعد ذلك في السحر ليذكر ربه،في الوقت الذي نام فيه غيره من الناس،لماذا؟لأن الحق سبحانه وتعالى في لحظة سكون الليل يوزع رحمته،وعندما يصحو إنسان في السحر ويدعو الله ويستغفره فإنه يأخذ من رحمة الله النازلة.وعندما يأخذ هذا العبد من رحمة الله النازلة في ذلك الوقت،فمعنى هذا أنه سيأخذ الكثير من رحمة الله.وإياك أن تقول:لو صحونا جميعاً في الأسحار لنفدت الرحمة والعطاء (لا) لأن الله قد قال:{ما عندكم ينفَد وما عند الله باقٍ}[النحل 96]”. وجاء في تفسير الظلال لسيد قطب رحمه الله : {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون*وبالأسحار هم يستغفرون}،يقول رحمه الله: “فهم الأيقاظ في جنح الليل والناس نيام،المتوجهون إلى ربهم بالإستغفار والإسترحام لا يطعمون الكرى إلا قليلا،ولا يهجعون في ليلهم إلا يسيرا.يأنسون بربهم في جوف الليل فتتجافى جنوبهم عن المضاجع،ويخف بهم التطلع فلا يثقلهم المنام. جاء في موقع صيد الفوائد(مقال وبالأسحار هم يستغفرون): “إن سجود المحراب…واستغفار الأسحار..ودموع المناجاة بالليل…سيماء يحتكرها الخواص من المؤمنين…ولئن توهم الدنيوي جنته في الدنيا…في الدينار والدرهم،والنساء والقصر المنيف…فإن جنة المؤمن في محرابه….نعم يا محب…وبالأسحار هم يستغفرون…في آخر ساعات الليل…وفي الثلث الأخير منه بالتحديد… لأهل الإيمان…وعباد الرحمن…وأهل الصيام والقيام…موعد مع ربهم ..الواحد الديان الرحمن الرحيم…شعارهم فيه “وبالأسحار هم يستغفرون”و”المستغفرون بالأسحار”. يقول الحسن البصري رحمه الله:”مدّوا الصلاة إلى السحر ثم جلسوا يستغفرون”.وكان ابن عمر رضي الله عنهما يصلي ثم يقول لمولاه نافع:”يا نافع:هل جاء السحر؟فإذا قال نعم،أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح”.ويقول الفضيل بن عياض:”بكاء النهار يمحو ذنوب العلانية،وبكاء الليل يمحو ذنوب السر”.وكان أيوب السختياني يقوم الليل كله ويخفي ذلك…فإذا كان عند الصباح رفع صوته كأنه قام تلك الساعة… السحر وقت غافلات الغافلين..والوساد العريض للنائمين…يتعرض فيه أرباب العزائم للنفحات الرحمانية،والألطاف الإلهية،والمنح الربانية…حينئذ تكون العبادة أشق وأخلص،والنية أدق وأمحص..المستغفرون بالأسحار نجاتهم في مناجاتهم،وصلتهم في صلاتهم”.7ـ الصبر على الابتلاء:
إن المؤمن يعلم ويدرك أن الدنيا دار ابتلاء وامتحان،وأنها جُبلت على الآلام والمصاعب والأوصاب ،فهو يستقبل كل ذلك بما أودعه الله في صدره وقلبه من إيمان ويقين بنفس صابرة محتسبة،طمعاً في رحمة الله وفي ما أعدّه لعباده الصالحين من جنات النعيم حيث لامرض ولاوصب ولا ابتلاء. يقول تعالى:{لقد خلقنا الإنسان في كبد}[البلد 4]، وقال عز وجل:{ونبلوكم بالشر والخير فتنة}[الأنبياء 35]، وقال:{ ولَنبلونَّكُم بشئٍ من الخوفِ والجُوعِ ونقصٍ من الأموالِ والأنفُسِ والثمراتِ وبَشِّرِ الصابرينَ* الذينَ إذا أصابتهُم مُصيبةٌ قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون* أولئكَ عليهم صلواتٌ من ربهم ورحمةٌ وأولئك هُمُ المهتدون} [البقرة 155ـ157]. وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:”مايصيبُ المُسلمَ، من نَصبٍ ولا وَصبٍ، ولاهَمٍ ولاحُزنٍ ولا أذىً ولاغمٍّ، حتى الشوكةِ يُشاكُها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه“.[صحيح البخاري] ويقول تعالى:{فإنّ مع العسر يُسرا* إنّ مع العسر يسرا}[الإنشراح5 ـ 6]، فهذه الآيات الكريمة تبين بشكل صريح وواضح وبدون أدنى شك أنه مهما طال البلاء واستطال الداء فإن اليسر قادم وإنه لايمكن للعسر أن يغلب يسرين.فكم من نعمة في طيِّ نقمة وكم من منحة في ثنايا محنة،وكم من ليالٍ حالكات طوال أتبعها ايام مشرقات تحمل بشائر الخير، وشآبيب الرحمة. ويمكن الرجوع إلى الموضوع بشكل مفصل من خلال “سنة الابتلاء”.وموضوع”إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب”.8ـ العبادات: وخاصة منها الصلاة:
الصلاة: هي صلة العبد بربه حيث يقف الإنسان في خشوع وتضرع بين يدي مولاه الرحمن الرحيم، القادر المتحكم في أمور الحياة،خالق الأسباب والمسببات،الرازق المانع المعطي،فارج الكرب مزيل الهم.يدعوه ويتضرع إليه ويسأله رحمته وتيسير أموره… إن الصلاة ووقوف العبد الصالح وبكل خشوع بين يدي ربه،بكل جوارحه وحواسه، وهو يناجيه ويدعوه تعطي الإنسان دفقاً روحياً ،وزخماً معنوياً ،وصفاءً نفسياً،لايمكن أن يصفه إلا من عاش هذه اللحظات الرائعة، حيث تسكب في قلبه الطمأنينة وتبعث في نفسه الحرّة السكينة،ولذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث الشريف:” إذا حَزَبهُ أمر صلى“[رواه أبو داود عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وإسناده حسن]، وكان يقول لبلال الحبشي رضي الله عنه”يا بلالُ أقم الصلاة، أرحنا بها[رواه أبو داود عن سالم بن أبي الجعد وصححه الألباني].وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:”وجعلت قرّة عيني في الصلاة“[رواه النسائي واللفظ له،وأحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه وصححه الألباني]. يقول الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد رحمه الله(عبقرية محمد): “وكان محمد صلى الله عليه وسلم “إذا حزبه أمر صلى“.كذلك إذا حزب الأمر نفساً،رجعت إلى من تحب،فخف وقرها(حملها)،وانفرج كربها،وآنست بعد وحشة،واهتدت بعد حيرة. ومتى وجدت النفس”فرحة اللقاء” في الصلاة،فلا اجهاد فيها لجسد ولا تضييق فيها لوقت،بل فيها الترويح في الجهد،والتنفيس عن الضيق،ولا سيما إذا كانت النفس من سعة الأفق بحيث تحيى ما تحيى من ليلها ونهارها في الصلاة والعبادة ثم تؤدي عملها،وتفكر تفكيرها،ولا يحسب أحد يعرفها أنها تنقطع بالصلاة والعبادة عن حق من حقوق حياتها،أو عن حق من حقوق بني الإنسان”. كما أن القرآن الكريم قد بيّن دور الصلاة في معالجة النفس القلقة الجزعة وخاصة لمن أقام الصلاة بشكل دائم وأداها بخشوع. يقول تعالى:{ إنّ الإنسانَ خُلِقَ هلوعاً* إذا مسّهُ الشرُّ جزوعاً*وإذا مسّهُ الخيرُ منوعاً* إلاّ المصلينَ* الذينَ هم على صلاتهم دائمون*[المعارج 19 ـ 23]. وفي الحديث الشريف عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”الطّهور شطر الإيمان،والحمد لله تملأ الميزان،وسبحان الله والحمد لله تملأن ـ أو تملأ ـ مابين السموات والأرض،والصلاة نور، والصدقة برهان،والصبر ضياء،والقرآن حجة لك أو عليك. كلُّ الناس يغدو فبائع نفسه: فمعتقها أو موبقها“[رواه مسلم]. فالصلاة نور: أي هدى ورشاد،وهي نور لأصحابها يوم القيامة،وهي نور وهدى للمصلين في حياتهم وسلوكهم. يقول الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله(رسائل الإمام ص73): “إن منزلة الصلاة من الإسلام منزلة الرأس من الجسد،فهي عماده ودعامته وركنه وشعيرته ومظهره الخالد وآيته الباقية،وهي مع ذلك قرة العين وراحة الضمير وأنس النفس وبهجة القلب والصلة بين العبد والرب،والمرفأة تصعد برقيها أرواح المحبين إلى أعلى عليين فتنعم بالأنس وترتع في رياض القدس وتجتمع لها أسباب السعادة من عالمي الغيب والشهادة.وتلك بارقة تسطع في نفس من قدح زنادها،وحلاوة يستشعرها من تذوق شهدها،وهل رأيت بربك أعذب وأحلى وأروع وأجلى من مظهر ذلك الخاشع الراكع الساجد القانت آناء الليل يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه وقد نامت العيون وهدأت الجفون واطمأنت الجنوب في المضاجع وخلا كل حبيب بحبيبه ونادى منادي العارفين من المحبين: سهر العيون لغير وجهك ضائع وبكاؤهن لغير فقدك باطل آه يا أخي،إن موقفاً واحداً من هذه المواقف أنفع للقلب وأفعل في النفس وأزكى للروح من ألف عظة قولية وألف رواية تمثيلية وألف محاضرة كلامية، وجرّب ترَ،ولأمر ما كان ذلك في لسان القرآن آية الإحسان{إنهم كانوا قبل ذلك محسنين كانوا قليلاً من الليل مايهجعون وبالأسحار هم يستغفرون}[الذاريات 18]. ولأمر ما كان أجر هؤلاء سنيا خفيا{فلاتعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون}[السجدة 17]، ألم يكن عملهم خفياً كذلك،وهل تصلح الخلوات في حضرة الرقباء؟وهل يلذ لمحب في غير خلوة نجاء؟وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ولقد حدثوا أن أبا القاسم الجنيد رؤي بعد وفاته فقيل له:مافعل الله بك؟ فقال: طاحت الإشارات وفنيت العبارات وغابت العلوم وضاعت الرسوم وما نفعنا إلا رُكيعات كنا نركعها في جوف الليل. لاتستغرب ـ أيها القارئ الكريم ـ فما نفع القلبَ خير من خلوة يدخل بها ميدان فكره،وما تزكت النفس بأفضل من ركعات خاشعات تجلو القلوب وتقشع صدأ الذنوب وتغسل درن العيوب وتقذف في القلب نور الإيمان وتثلج الصدر ببرد اليقين”. قال تعالى:{تتجافى جُنوبهم عن المضاجع يدعون ربّهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم يُنفقون}[السجدة 16]. يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله: “التجافي:يعني الترك،لكن الترك قد يكون معه شوق ويصاحبه ألم،كما تودع حبيباً وتتركه وأنت غير زاهد فيه ولا قالٍ له،أما الجفوة فترك فيه كراهية للمتروك،فهؤلاء المؤمنون الذين يتركون مضاجعهم كأن جنوبهم تكره المضجع وتجفوه،لأنها تتركه إلى لذة أبقى وأعظم هي لذة الاتصال بالله ومناجاته. والمضاجع هي آخر مرحلة من اليقظة،ولم تأتِ إلا بعد عدة مراحل من التعب،ومع ذلك شوق المؤمنين إلى ربهم ورغبتهم في الوقوف بين يديه سبحانه يُنسيهم هذه الراحة،ويزهدهم فيها،فيجفونها ليقفوا بين يدي الله”. ويقول سيد قطب رحمه الله في الظلال: ”وهي صورة وضيئة للأرواح المؤمنة،اللطيفة،الشفيفة الحساسة المرتجفة من خشية الله وتقواه،المتجهة إلى ربها بالطاعة المتطلعة إليه بالرجاء،في غير ما استعلاء ولا استكبار.هذه الأرواح هي التي تؤمن بآيات الله ،وتتلقاها بالحس المتوفز والقلب المستيقظ والضمير المستنير. إنهم يقومون لصلاة الليل،صلاة العشاء الآخرة.الوتر.ويتهجدون بالصلاة ودعاء الله.ولكن التعبير القرآني يعبر عن هذا القيام بطريقة أخرى”تتجافى جنوبهم عن المضاجع“.فيرسم صورة المضاجع في الليل تدعو الجنوب إلى الرقاد والراحة والتذاذ المنام.ولكن هذه الجنوب لا تستجيب وإن كانت تبذل جهداً في مقاومة دعوة المضاجع المشتهاة.لأن لها شغلاً عن المضاجع اللينة والرقاد اللذيذ.شغلاً بربها.شغلاً بالوقوف في حضرته.وبالتوجه إليه في خشية وفي طمع يتنازعها الخوف والرجاء.الخوف من عذاب الله والرجاء في رحمته.والخوف من غضبه والطمع في رضاه.والخوف من معصيته والطمع في توفيقه”. ويقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله(الرسالة العدد93): “ولهذا سمي الدينُ(بالإسلام)،لأنه إسلام النفس إلى واجبها،أي إلى الحقيقة من الحياة الاجتماعية،كأن المسلم ينكر ذاته فيسلمها إلى الإنسانية تصرفها وتعتملها في كمالها ومعاليها،فلا حظ له من نفسه يمسكها على شهواته ومنافعه،ولكن للإنسانية بها الحظ. وما الإسلام في جملته إلا هذا المبدأ:مبدأ إنكار الذات و(إسلامها)طائعة على المنشط والمكره لفروضها وواجباتها،وكلما نكصت إلى منزعها الحيواني،أسلمها صاحبها إلى وازعها الإلهي.وهو أبداً يروضها على هذه الحركة مادام حيا،فينتزعها كل يوم من أوهام دنياها ليضعها مابين يدي حقيقتها الإلهية:يروضها على ذلك كل يوم وليلة خمس مرات مسماة في اللغة خمس صلوات،لايكون الإسلام إسلاماً بغيرها،فلا غرو كانت الصلاة بهذا المعنى كما وصفها النبي صلى الله عليه وسلم:هي عماد الدين. بين ساعات وساعات في كل مطلع شمس من حياة المسلم صلاة،أي إسلام النفس إلى الإرادة الاجتماعية الشاملة القائمة على الطاعة للفرض الإلهي،وإنكار لمعانيها الذاتية الفانية التي هي مادة الشر في الأرض،وإقرارها لحظات في حيز الخير المحض البعيد عن الدنيا وشهواتها وآثامها ومنكراتها.ومعنى ذلك كله طرقاً تتشتت فيها الأرواح وتتبعثر،حتى تضل روح الأخ عن روح أخيه فتنكرها ولاتعرفها. بالانصراف إلى الصلاة وجمع النية عليها،يستشعر المسلم أنه حطم الحدود الأرضية المحيطة بنفسه من الزمان والمكان،وخرج منها إلى روحانية لايحد فيها إلا بالله وحده. وبالقيام في الصلاة،يحقق المسلم لذاته معنى إفراغ الفكر السامي على الجسم كله ليمتزج بجلال الكون ووقاره،كأنه كائن منتصب مع الكائنات يسبح بحمده. وبالتولي شطر القبلة سمتها الذي لا يتغير على اختلاف أوضاع الأرض،يعرف المسلم حقيقة الرمز للمركز الثابت في روحانية الحياة،فيحمل قلبه معنى الاطمئنان والاستقرار على جاذبية الدنيا وقلقها. وبالركوع والسجود بين يدي الله،يشعر المسلم نفسه معنى السمو والرفعة على كل ماعدا الخالق من وجود الكون. وبالجلسة في الصلاة وقراءة التحيات الطيبات،يكون المسلم جالساً فوق الدنيا يحمد الله ويسلم على نبيه وملائكته ويشهد ويدعو. وبالتسليم الذي يخرج به من الصلاة يقبل المسلم على الدنيا وأهلها إقبالاً جديداً من جهتي السلام والرحمة. هي لحظات من الحياة كل يوم في غير أشياء هذه الدنيا،لكبح الشهوات وتقييدها بين وقت وآخر بسلاسلها وأغلالها من حركات الصلاة،ولتمزيق الفناء خمس مرات كل يوم عن النفس،فيرى المسلم من وراءه حقيقة الخلود،فتشعر الروح أنها تنمو وتتسع.وهي خمس صلوات،هي كذلك خمس مرات يفرغ فيها القلب مما امتلأ به من الدنيا،فما أدق وأبدع وأصدق قوله صلى الله عليه وسلم:“جعلت قرةُ عيني في الصلاة”. ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الظلال في قوله تعالى من سورة المعارج{إلا المصلين* الذين هم على صلاتهم دائمون}[المعارج22 ـ 23]: “والصلاة فوق أنها ركن الإسلام وعلامة الإيمان، هي وسيلة الاتصال بالله والإستمداد من ذلك الرصيد. ومظهر العبودية الخالصة التي يتجرد فيها مقام الربوبية ومقام العبودية في صورة معينة.وصفة الدوام التي يخصصها بها هنا:”الذين هم على صلاتهم دائمون“..تعطي صفة الاستقرار والاستطراد، فهي صلاة لايقطعها الترك والإهمال والكسل وهي صلة بالله مستمرة غير منقطعة..وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عمل شيئاً من العبادة أثبته ـ أي داوم عليه ـ وكان يقول:”وإن أحبّ الأعمال إلى الله تعالى مادام وإن قل“[أخرجه الستة عن السيدة عائشة رضي الله عنها]… لملاحظة صفة الاطمئنان والاستقرار والثبات على الاتصال بالله،كما ينبغي من الاحترام لهذا الاتصال فليس هو لعبة توصل أو تقطع، حسب المزاج! ويتابع: {والذين هم على صلاتهم يحافظون}[المعارج34]، وهي صفة غير صفة الدوام التي ذكرت. وهي تتحقق بالمحافظة على الصلاة في مواعيدها، وفي فرائضها، وفي سننها،وفي هيئتها،وفي الروح التي تؤدى بها. فلا يضيعونها إهمالاً وكسلا.ولايضيعونها بعدم إقامتها على وجهها..”. ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى:{يا أيُّها المُزَّملُ* قُمِ الليلَ إلا قليلاً}[المزمل 1 ـ 2]،يقول رحمه الله: “وإن قيام الليل والناس نيام،والانقطاع عن غبش الحياة اليومية وسفاسفها،والاتصال بالله،وتلقي فيضه ونوره،والأنس بالوحدة معه والخلوة إليه،وترتيل القرآن والكون ساكن،وكأنما هو يتنزل من الملأ الأعلى وتتجاوب به أرجاء الوجود،في لحظة الترتيل بلا لفظ بشري ولا عبارة ،واستقبال إشعاعاته وإيحاءاته وإيقاعاته في الليل الساجي.إن هذا كله هو الزاد لاحتمال القول الثقيل،والعبء الباهظ والجهد المرير الذي ينتظر الرسول وينتظر من يدعو بهذه الدعوة في كل جيل.وينير القلب في الطريق الشاق الطويل،ويعصمه عن وسوسة الشيطان،وعن التيه في الظلمات الحافة بهذا الطريق المنير. {إنَّ ناشئةَ الليلِ هيَ أشدُّ وطأ وأقومُ قيلاً}[المزمل6]. “ناشئة الليل” هي ما ينشأ منه بعد العشاء،والآية تقول:”هي أشد وطاً” أي أجهد للبدن،و”أقوم قيلاً” أي أثبت في الخير(كما يقول مجاهد)فإن مغالبة هتاف النوم وجاذبية الفراش،بعد كدّ النهار،أشد وطأ وأجهد للبدن،ولكنها إعلان لسيطرة الروح،واستجابة لدعوة الله،وإيثار للانس به،ومن ثم فإنها أقوم قيلاً،لأن للذكر فيها حلاوته،وللصلاة فيها خشوعها،وللمناجاة فيها شفافيتها.وإنها لتسكب في القلب أنساً وراحةً وشفافية ونوراً،قد لايجدها في صلاة النهار وذكره…والله الذي خلق هذا القلب يعلم مداخله وأوتاره،ويعلم ما يتسرب إليه وما يوقع عليه،وأي الأوقات يكون فيها أكثر تفتحاً واستعداداً وتهيؤأً،وأي الأسباب أعلق به وأشد تأثيراً فيه”. يقول تعالى:{واذكُرِ اسمَ رَبِّكَ بُكرةً وأصيلاً*ومن الليلِ فاسجُدْ لهُ وسَبّحهُ ليلاً طويلاً}[الإنسان 25 ـ 26]. يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال: ”هذا هو الزاد.اذكر اسم ربك في الصباح والمساء،واسجد له بالليل وسبحه طويلا…إنه الاتصال بالمصدر الذي نزّل عليك القرآن،وكلّفك الدعوة،هو ينبوع القوة ومصدر الزاد والمدد…الاتصال به ذكراً وعبادةً ودعاءً وتسبيحاً.ليلاً طويلاً…فالطريق طويل، والعبء ثقيل.ولا بد من الزاد الكثير والمدد الكبير.وهو هناك، حيث يلتقي العبد بربه في خلوة،وفي مناجاة،وفي تطلع وفي أنس،تفيض منه الراحة على التعب والضنى وتفيض منه القوة على الضعف والقلة.وحيث تنفض الروح عنها صغائر المشاعر والشواغل،وترى عظمة التكليف،وضخامة الأمانة،فتستصغر ما لاقت وما تلاقي من أشواك الطريق”. يقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله(الرسالة العدد288): “إن غاية الحياة تتحقق كلها في الصلاة.فالصلاة اتصال بالله،واستعداد لحياة الخلود.ثم إنها لذّة لا تعدلها إذا أقيمت على وجهها لذّة من لذائذ الدنيا،ولذلك عدّها النبي صلى الله عليه وسلم حين عدّد اللذائذ:الطيب والنساء والصلاة،ليدل الناس على أنها من جنسها،وأنها راحة للنفس ومتعة،وليست تكليفاً شاقاً،ولا (مهمة )صعبة،وليست الصلاة ركوعاً وسجوداً،ورياضة فإن ذلك جسمها،والجسم لا يقوم إلا بالروح،فإذا خلت منها الصلاة كانت صلاة ميتة،لا تنهى عن فحشاء ولا منكر،ولا تشعر بلذة.أما روح الصلاة فهي أنك إذا طهرت أعضاءك بالماء،طهرت نفسك بالتوبة،وذلك هو الوضوء الحق،وإذا قمت إلى الصلاة وقلت:الله أكبر،خرجت من دنياك،وارتفعت عنها كمن يرتفع في طيارة،حتى تراها ـ كما هي في الحقيقة ـ ذرة صغيرة تافهة..ولم تخش عدواً،ولا شغلك حب حبيب ولا ملأ نفسك همّ ولا غمّ،ولا لذة ولا متعة،لأنك تتوجه إلى الله،والله أكبر من ذلك كله ،وبيده كل شيء،فأنت كمن يتصل بالوزير أو الحاكم المطلق،(ولله المثل الأعلى)فهل يفكر بين يديه بحاجة له عند موظف صغير،ويشتغل بذلك عن حديث الحاكم أو الوزير؟”. ويقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله(من مقال نشر له في الرابع من رمضان عام 1379هجري الموافق الأول من آذار عام 1960م): وبعد، فإن من دأبي كلما ازدحمت عليَّ المتاعب،وركبتني الهموم،وضاق صدري،وانقبض قلبي،أن أمشي حتى أجد مسجداً خالياً،فأدخله فأصلي ركعتين،وأقعد،أشعر بسكون المسجد من حولي،وبجلال الحق من فوقي،حتى أجد الطمأنينة والرضا،كأني نجوت من البحر الهائج إلى الجزيرة الآمنة،وتركت الصحراء المحرقة إلى الواحة الظليلة،وكأن ما كنت فيه من المشكلات،وما كان في صدري من الهموم،قد ذهب كله ،لما دخلت حمى الله وصرت في بيته واعتصمت به من الناس وشرورهم،ومن نفسي وسوئها،ومن الشيطان ووسواسه.” ويقول الشيخ علي الطنطاوي أيضاً (الرسالة العدد59): “يتوضأ،ثم يستقبل(الحرم) وينسى كل شيء إلا (الحرم)،ثم يخشى أن يشغله الحرم عن الصلاة،والصلاة انقطاع الدنيا الفانية،واتصال بجلال الله الباقي،فيرفع يديه ويقول:الله أكبر،ويدخل في الصلاة فينسى كل شيء،إلا الله الذي يقوم بين يديه. ويستقبله إذا زال النهار،وقامت الدنيا على قدم وساق،تدعو أبناءها وعبادها،إلى ما أعدت لهم من اللهو واللعب،فاستبقوا إليع،واقتتلوا عليه….معرضاً عن نداء الدنيا،مجيباً داعي الله،فيقوم بين يدي رب العالمين،مولياً وجهه شطر المسجد الحرام،تاركاً وراء ظهره الدنيا وما فيها! ويستقبله إذا أخذت نفسه حظها من طعامها وشرابها وراحتها وقنعت من الدنيا بما نالت منها ـ وما الدنيا إلا ما يملأ بطناً،ويكسو جسماً،ويريح نفساً…يستقبله حامداً شاكراً. (الحمد لله رب العالمين،الرحمن الرحيم،مالك يوم الدين،(يوم لا ينفع مال ولا بنون،إلا من أتى الله بقلب سليم)إياك نعبد وإياك نستعين(لا نعبد غيرك،ولا نخشى سواك،ولا نرجو النفع إلا منكنولا نخاف الضر ممن دونك.أنت الضار وأنت النافع،وأنت المعطي،وأنت المانع،لا معطي لما منعت ،ولا مانع لما أعطيت ،ولا يجير عليك من نبي ولا ولي،ولا يشفع عندك إلا بإذنك ملك ولا رسول). ويستقبله إذا أطفىء المصباح الأعظم،وغطى الليل بسواده الفاحم على بهاء الدنيا وجمال الأصيل،فلا تشغله الرياض والجنان ،ولا الورود والثمار،عن واد غير ذي زرع،عند بيت الله المحرم. ويستقبله إذا عمّ الظلام ونام الكون،وأقبل على الفراش يسلم روحه إلى خالقها.لا يدري أتعود أم تبقى في عالم الخلود.فيكون(الحرم)آخر ما يقبل عليه ويذكره من هذه الدنيا”. ويقول الشيخ علي الطنطاوي(البواكير ـ الصلاة وأسرارها): “ولو أقمنا الصلاة على وجهها وفهمناها على حقيقتها لنهتنا عن الفحشاء والمنكر وأصلحت لنا أمرنا كله.وأيّ منكر يُقدم عليه من لايغيب عن الله طرفة عين،ومن يقف خاشعاً خمس مرات كل يوم بين يدي رب العالمين الذي يعلم السرّ والخفي؟يفكر في عظمته وجلاله،فيتضاءل العالم في عينيه حتى يصبح ـ بجانب ما يفكر فيه ـ كالحلم من الحقيقة والفناء من البقاء،فلا يرى إلا الله الحي الباقي،فيسأله أن يارب{اهدنا الصراط المستقيم}ووفقنا إلى اطريق السويّ{صراط الذين أنعمت عليهم}فوفقتهم وهديتهم،فيجيب الله دعاءه ويمنحه ماطاب،لأنه قال:ادعوني ،ووعدنا بالاستجابة. أي مسلم يذوق حلاوة الصلاة ثم يتأخر لحظة واحدة عن إجابة داعي الله إذ ينادي”حيّ على الصلاة،حيَّ على الفلاح” ولايدع عمله وشغله مهما عظم وكبر؟وماذا يضرّه تركه وهو ذاهب ليجيب داعي الله،والله قادر على أن يمنحه بدلاً عنه عشرة أمثاله؟ومن ترك شيئاً لله عوضه ىالله خيراً منه. لو كنا نصلي الصلاة التي أمر بها ربنا إذن ما بقي فينا ـ والله ـ ضعيف ولا فقير ولا بائس. والله لو كنا نبتدر باب المسجد حين نسمع الأذان مابقي فينا من يُخلف الوعد أو يكذب إذا قال،لأننا نكون اقوياء الإرادة حافظين للمواعيد.ولو كنا نسبغ الوضوء لكل صلاة ونأتي بسننها ونوافلها ما بقي فينا مريض ولا واهن القوى،لأنها تقوّي أجسامنا وتشحذ أدمغتنا،وتثبتنا وتشد من أزرنا.ولو كنا ندرك الحكمة من صلاة الجماعة ونتذاكر في شؤون المسلمين وأحوالهم وما وقع لهم وعليهم،مانزلت بنا هذه النكبات التي نضجّ اليوم بالشكوى منها ولا نطيق لها دفعاً. الصلاة مِلاك الإسلام وعموده،فحافظوا عليها وأقيموها لأول أوقاتها،لا تؤخروها،واخشعوا فيها واطمئنوا،واذكروا أنكم واقفون بين يدي خالقكم الذي يعلم سركم ونجواكم”. ويقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله(البواكير ـ مقال:الصلاة)ـ نشر عام 1931: “الصلاة رياضة،ولكنها رياضة للنفس الخالدة لا لهذا الجسد الفاني،هي اتصال بالله وانقطاع عن هذا العالم،وإن المصلي لايزال يرى الدنيا تتضاءل في عينيه وتصغر حتى لايبقى لها من أثر،فلا يفكر إلا في الله جلّ وعزّ،مؤمناً بأنه ليس في الوجود من يقدر على نفعه وضرّه إلا هو،ويستقر هذا الإيمان في نفسه ثم يفيض على لسانه فيقول:”لا إله إلا الله”،أي لا موجود غيره يؤثّر في هذا الكون،فلأرجعنَّ إليه ولأقفنّ ببابه وعند أمره ونهيه،فإذا فعلت أغناني وأرضاني وأبلغني من كل شيء ما أريد. هذه هي الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر،فلا يُقدم عليهما من يعلم أن الله مطّلع عليه وأنه سيقف عما قليل بين يديه،وأنه إن سأل عباده ولم يسأله كان كالذي يدخل على الملك فلا يسأله حاجته ثم يخرج فيتوسل إلى خادمه ويطلبها منه،ولا يقدر عليها هذا إلا بأمر سيده! لقد اختلفوا في عقاب تارك الصلاة،ولكن أكبر عقاب له هو حرمانه من هذه اللذة العظيمة،لذة الإيمان والاطمئنان التي لا توصف ولا تُدرك بوصف. المصلي جريء شجاع،لا يرهب مخلوقاً ولا يطمع فيه لأنه يسمع صوت الخالق يدعوه أن سلني أُجبك،واطلب مني أُعطِك،وادعني أستجِب لك.أفتدع الله وتقصد العبد الضعيف؟ المصلي إنسان كامل رقيق الشعور حي العاطفة،لأنه يفيق كل يوم سَحَراً،والليل خاشع ساكن،والكون صامت هادىء لا يُسمع فيه إلا صدى صوت المؤذن العذب،فيرى جمال الطبيعة ويشهد ساعة التجلي والنور،في حين أن تارك الصلاة يغط في نومه غطيط البَكر! المصلي صادق المواعيد قوي الإرادة،لأنه يريد النهوض،فيدع فراشه الوثير وما فيه من راحة ودفء ثم يعمد من فوره إلى الماء البارد،في حين أن تارك الصلاة يريد أن يقوم،فلا يزال يتمطّى كالكلاب ويقوم ويقعد كمن به مَسّ،فغذا ترك السرير استقبل الأريكة،وإذا قام عن الأريكة ابتدر الكرسي! الصلاة ليست ركوعاً وسجوداً وقياماً وقعوداً،بل إن هذا كله بمثابة الجسد منها،أما روحها فهي الخشوع،فمن لم يخشع في صلاته كان كمن يرفع إلى الله جسداً ميتاً،ولا خشوع لمن عقله في بيته أو دكانه،وفي تجارته أو ولده. وصلى الله على محمد،لقد كانت قرّة عينه في الصلاة”. ويقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله(نور وهداية ـ بين يدي الله): “وعادت النفس تقول:إن غاية الحياة تتحقق كلها في الصلاة،فالصلاة اتصال بالله واستعداد لحياة الخلود،ثم إنها لذة لا تعدلها ـ إذا أقيمت على وجهها ـ لذّةٌ من لذائذ الدنيا،وهي راحة للنفس ومتعة وليست تكليفاً شاقاً ولا”مهمة” صعبة. وليست الصلاة ركوعاً وسجوداً ورياضة،فإن ذلك جسمها.والجسم لا يقوم إلا بالروح،فإذا خلت منها الصلاة كانت صلاة ميتة لا تنهى عن فحشاء ولا منكر ولا تُشعر بلذة.أما روح الصلاة فهي أنك إذا طهّرت أعضاءك بالماء طهّرت نفسك بالتوبة،وذلك هو الوضوء الحق.وإذا قمت إلى الصلاة وقلت”الله أكبر” خرجتَ من دنياك وارتفعت عنها كمن يرتفع في طيارة حتى تراها ـ كما هي في الحقيقة ـ ذرة صغيرة تافهة،ولم تخشَ عدواً،ولا شغلك حبُّ حبيب ولا ملأ نفسك همّ ولا غمَ ولا لالذة ولا متعة،لأنك تتوجه إلى الله،والله أكبر من ذلك كله وبيده كل شىء،فأنت كمن يتصل بالوزير أو الحاكم المطلق(ولله المثل الأعلى)،فهل يفكر بين يديه بحاجة له عند موظف صغير ويشتغل بذلك عن حديث الحاكم أو الوزير؟ فالصلاة تحقيق لغاية الحياة وحياةُ لحظات في”الحياة الأخرى”.وهي اللذة التي لا تقدر لغات البشر على وصفها،ولكن الناس يرون منها بُروقاً خاطفة في ساعة من ساعات السحر،ولحظة من لحظات العبادة،أو سكرة من سكرات الحب،أو عندما يسمعون نغمة أو يقرؤون شعراً.هذه اللحظات هي التي تدلنا على ذلك العالم،هي أشعة ضئيلة من ذلك النور الباهر،تُذيق النفسَ حلاوة الآخرة في الدنيا لتسعى لها وترغب فيها”. ويقول الأستاذ محب الدين الخطيب رحمه الله: “الصلاة وصفها الله عز وجل بأنها{تنهى عن الفحشاء والمنكر}[العنكبوت 45]،وأن تكبير الله في إحرامها،وفي أركانها يُصّغر أمر الدنيا كلها في نفس المصلي،حتى يرى أنها لا تساوي بخزائنها وكنوزها ارتكاب جريمة تتغير بها هذه الصفة الإلهية للصلاة،فالمصلي الذي يعلم أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر يستحي من الله،وهو يعلن عن عظمته بجملة:الله أكبر،وأن يكون هو الذي ينقض صفة صلاته بما يستبيحه من بعض مخازي الفحشاء والمنكر،وأكثرها شيوعاً الكذب والغش والغيبة والنميمة. بل يستحي من ربه،وهو بين يديه يخاطبه،طالباً منه أن يهديه الصراط المستقيم،ثم لا يكاد ينفتل من صلاته حتى يخرج بشىء من أقواله أو أفعاله عن الصراط المستقيم!”. وجاء في مجلة المنار للشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(العدد 242): “رأينا من سنة القرآن أن يختم كل حكم أو عدة أحكام بذكر الله تعالى والأمر بتقواه والتذكير بعلمه بحال العبد وبما أعد له من الجزاء على عمله،وفي هذا ما فيه من نفخ روح الدين في الأعمال وإشرابها حقيقة الإخلاص.ولكن هذا التذكير القولي بما يبعث على إقامة تلك الأحكام على وجهها قد يغفل عن تدبره ويغيب عن الذهن تذكره بانهماك الناس في معايشهم واشتغالهم بما يكافحون من شدائد الدنيا أو ما يلذ لهم من نعيمها.ولهذه الضروب من المكافحات والفنون من التمتع باللذات،سلطان قاهر على النفس،وحاكم مسخر للعقل والحس،يتنكب بالمرء سبيل الهدى،حتى تتفرق به سبل الهوى،فمن ثم كان المكلف محتاجاً في تأديب الشهوات الحيوانية،إلى مُذكر يذكره بمكانته الروحانية،التي هي كمال حقيقته الإنسانية،وهذا المُذكر هو الصلاة فهي التي تخلع الإنسان من تلك الشواغل التي لا بد له منها،وتوجهه إلى ربه جلّ وعلا،فتكثر له مراقبته،حتى تعلو بذلك همته،وتزكو نفسه فتترفع عن البغي والعدوان،وتتنزه عن دناءة الفسق والعصيان،ويُحبب إليها العدل والإحسان،بل ترتقي في معارج الفضل إلى مستوى الامتنان،فتكون جديرة بإقامة تلك الحدود،وزيادة ما يحب الله تعالى من الكرم والجود،ذلك أن الصلاة تنهى بإقامتها على وجهها عن الفحشاء والمنكر،ولذكر الله فيها أعظم من جميع المؤثرات وأكبر،فإذا كان الإنسان قد خلق هلوعاً،إذا مسه الشر جزوعاً،وإذا مسه الخير منوعاً،فقد استثنى الله من هذا الحكم الكلي المصلين،إذا كانوا على الصلاة الحقيقة محافظين،لهذا قال:{حافظوا على الصلواتِ والصلاةِ الوسطى وقوموا لله قانتين}.[البقرة 238] ويتابع رحمه الله: “المحافظ على هذه الصلاة الفضلى ينتهي عن الفحشاء والمنكر فلا يرضى لنفسه أن يكون حلساً من أحلاس بيوت القمار ومعاهد اللهو والفسق،المحافظ على هذه الصلاة لا يمنع الماعون بل يبذل معونته ورفده لمن يراه مستحقاً لهما،المحافظ على هذه الصلاة لا يخلف ولا يلوي في حق غيره عليه وأن حقاً فرضه على نفسه أو التزامه براً بغيره كالاشتراك في الجمعيات الخيرية،المحافظ على هذه الصلاة لا يضيع حقوق أهله وعياله،ويحتقر الباطل وجنده،فلا يرضى لنفسه ولا لأمته،بالذل والهوان ولا يغتر بأهل البغي والعدوان،المحافظ على هذه الصلاة لا تجزعه النوائب،ولا تفل غرار عزمه المصائب،ولا تبطره النعم ولا تقطع رجاءه النقم،ولا تعبث به الخرافات والأوهام،ولا تطير به رياح الأماني والأحلام ،فهو الإنسان الكامل الذي يؤمن شره،ويُرجى في الناس خيره”. ويقول الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله(الإيمان والحياة ص127): “ومن أسباب السكينة النفسية التي حرمها الماديون،ونعم بها المؤمنون،مايناجي به المؤمن ربه كل يوم من صلاة ودعاء. فالصلاة لحظات ارتقاء روحي يفرغ المرء فيها من شواغله في دنياه،ليقف بين يدي ربه ومولاه ويثني عليه بما هو أهله، ويفضي إليه بذات نفسه،داعياً راغباً ضارعاً.وفي الاتصال بالله العلي الكبير قوة للنفس،ومدد للعزيمة، وطمأنينة للروح. لهذا جعل الله الصلاة سلاحاً للمؤمن يستعين بها في معركة الحياة، ويواجه بها كوارثها وآلامها، قال تعالى:{يا أيها الذين أمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين}[البقرة 153]، وكان محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حَزَّ به أمر فزع إلى الصلاة ولم تكن صلاته مجرد شكل أو رسم يؤدى،وإنما كانت استغراقاً في مناجاة الله،حتى أنه كان إذا حان وقتها قال لمؤذنه بلال في لهفة المتشوق واشتياق الملهوف:”أرحنا بها يابلال“..وكان يقول:”جعلت قرة عيني في الصلاة“. ويقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(جدد حياتك ص 197): “هل ندع نفوس الناس تنساب في فجاج الحياة وحدها، وتتوغّل في متاهاتها،دون مولى يرعاها، ودون نصير يعضدها؟ إن الإنسان مهما ادّعى القوة ضعيف. ومهما انفرد بنفسه فسوف تكتنفه الوحشة والحَيرة. ومهما أكثر المسارب والمتشعبات التي يصل المرء إليها ثم لايدري: أيها يأخذ؟ وأيها يترك؟ وهو إن ضلّ الطريق يوماً في معضلة واجهته فقد يظل يتعسّف السير أياماً أو أعواماً من غير أن يبلغ غاية يستقر عندها. لأنه يضرب ابتداءً على غير هدى؟! ما أفقرنا إلى من يلهمنا الصواب، ويهدينا إلى الحق كلما اشتبهت علينا الأمور. والإنسان مُعرّضٌ للآلام من كل ناحية فيه، إنه كمدينة مفتوحة يمكن أن تُدّك في أي وقت، ومن أي جهة. والمرء إذا نظر إلى بدنه وجد أن كل ذرّة فيه يمكن أن تكون منفذاً لمرض عضال يبعثه على الأنين العالي. وإذا نظر إلى شأنه كله وجد أنّ أي أمرٍ من أموره يمكن أن ينقلب عليه ليجرّ وراءه الشقاء الطويل. ما أفقرنا إلى استدامة النعمة، واتقاء النقمة،والاسترواح في الحياة إلى مايجعل الله في الحياة من يُسر وبركة وسكينة!! إن هذا كله هو ماتكفله الصلاة للمؤمن. إن الإسلام نظّم وقفات كريمة يناجي الإنسان فيها ربّه عدة مرات في اليوم الواحد.في هذه الوقفات يكلم الإنسان ربه، فيعترف أولاً بحمده ومجده،ثم يسأله بعد ذلك هداية تحفُّ النعمة ويجانبها السخط.في هذه الوقفات يقف الإنسان أمام ربه يستعينه ويسترضيه. يقف أمام ذي العلم الشامل ليكمّل قصور معرفته.وأمام ذي القدرة الهائلة ليكّمل مايعجز عنه حتماً لضعف قواه. يقول الله تعالى ـ في حديث قدسي ـ :”قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين.فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال: حمدني عبدي.وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى عليّ عبدي.وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجّدني عبدي.وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال الله: هذا عهد بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل.فإذا قال:اهدِنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم، قال اله: لعبدي ما سأل“.[رواه أحمد]. إن الركض في ميادين الحياة بقدر مايجّلل البدن بالغبار والعرق يجعل المرء ـ إثر كل شَوط طويل ـ يحتاج إلى ساعة يلمّ فيها شَعَثه، ويعيد النظافة والنظام إلى ماتعكّر وانتكث من شأنه كله. وليست الصلاة إلا لحظات لاسترجاع هذا الكمال المفقود أو المنشود. ويتابع:” فلاعجب إذا شرع الله الصلاة للناس كيما تنجيهم من هذا السعير بين الحين والحين. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إن لله مَلَكاً ينادي عند كل صلاة: يابني آدم،قُوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها فأطفئوها“.[رواه الطبراني وجاء في صحيح الترغيب حديث حسن لغيره]. ويتابع الغزالي:”الصلاة تَسَامٍ يرفع المرء إلى السماء كلّما أخلد إلى الأرض، ويصله بالله كلّما قطعته عنه أسباب الغفلة والذهول. ويتابع رحمه الله:” والصلاة في الإسلام تعني شيئين، أحدهما خاص، والآخر عام. أحدهما هذه الوجبات الروحية الموّزعة على آناء الليل وأطراف النهار متضمنة أفعالاً شتى من قراءة، وتسابيح، وخشوع، وتنزيه، وركوع، وسجود، وقيام، وقعود، وفق مارسم لها الشارع من صور وهيئات. وهذه الصلاة ركن في الإسلام لايُعفى مؤمن من أدائها، وهي لقلبه ويقينه كالغذاء لجسمه.فمن حافظ عليها صحّ دينه، ورَبا إيمانه، وترّشح لغفران الله ورضوانه.ومن تهاون بها مع علمه بحقها وثمرتها تعرّض للضياع والهَلَكة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”خمس صلوات افترضهنّ الله عز وجل، من أحسن وضوءهنّ وصلاهنّ لوقتهنَ وأتم ركوعهنّ وخشوعهنّ كان له على الله عهدٌ أن يغفر له.ومن لم يفعل فليس له على الله عهد، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه“.[أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه وهو حديث صحيح]. أما من أهملها عن جحد واستهانة فهو أقل من أن ينسب إلى إيمان أو يحترم له دين. وقد تعني الصلاة الدعاء المطلق.كلما ساورت الإنسان حاجةً، أو أقلقه همّ،أو هدّده مرض،أو أزعجته أزمة هرع إلى الله يستنجد به ويسأله الرحمة والعافية.والإسلام مشحون بمئات الأدعية المفصّلة كلها بين يدي الإنسان،ليجأر بها إلى الله كلما جاش بفؤاده شعور.والجميل أن الله يحبّ من عبده أن يطلب منه مايبتغي، وأن يسأله من فضله كيف شاء.بل إنّ الله يحذّر الإنسان من الاكتفاء بقواه الخاصة.فإنّ هذا القصور يحرم صاحبه بركات العناية العليا،ويسجنه طول حياته في حدود ضعفه وجهله.وفي الحديث القدسي: “ياعبادي كلُّكم ضالٌ إلاّ من هديته،فاستهدوني أهدكم. ياعبادي كلّكم جائع إلا من أطعمته،فاستطعموني أطعمكم. ياعبادي كلّكم عارٍ إلاّ من كسوته،فاستكسوني أكسُكُم. ياعبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً،فاستغفروني أغفر لكم”.[رواه مسلم عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه]. أرأيت هذا الإلحاح في ردِّ الإنسان التائه إلى ربه ليتزّود منه، ويستقوي به، ويعتمد عليه؟إنه مايحرم من هذا الخير المبذول إلاّ شقي مسكين”. وأما الصيام فإن له فوائده الجسمية والنفسية ويمكن الرجوع إلى موضوع “رمضان حزين يا أمة الحق” حيث عولج الموضوع بشكل مفصل.2 ـ التكافل والتضامن بين المسلمين
إن الدنيا وماتحمله بين ثنيات أيامها وأعطاف لياليها من كرب ومحن تجعل العبد المؤمن في حيرة من أمره،وقد تكون من الشدّة والحدّة بحيث تجعل الحليم حيرانا.ولكن مما يخفّف منها ويقلل من متاعبها وعذاباتها هو تضافر الأخوة المؤمنين ومساعدتهم من وقع في هذه الكروب والآلام والهموم بمختلف أشكالها وألوانها،ومحاولة إخراجهم منها وعدم تركهم وحدهم يتجرّعون الغصص ويغصون بالآلام،بل يقفون مع المتألم المصاب يشدون من أزره،ويعينونه على مانال به من حمله وثقله. يقول تعالى:{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}[التوبة 71].وقال تعالى:{وألفَ بين قلوبهم لو أنفقت مافي الأرض جميعاً ما ألفتَ بين قلوبهم ولكنَ الله ألفَ بينهم}[الأنفال 63].وقال تعالى:{إنما المؤمنون إخوة}[الحجرات10]. وقال صلى الله عليه وسلم:”مثلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد،إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”.[متفق عليه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه]. وقال صلى الله عليه وسلم:”المؤمن للمؤمن كالبنيان،يشدُّ بعضه بعضا”.[متفق عليه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة.ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة. والله في عون العبد ماكان العبد في عون أخيه“[رواه مسلم وأبو داود]. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”المسلمون تتكافا دماؤهم ويسعى بذّمتهم أدناهم ويجير عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم. يردُّ مشدُّهم على مُضعفهم ومتسّريهم على قاعدهم، لايقتل مؤمن بكافر، ولاذو عهد في عهده“. [أخرجه أبو داود] (المشدّ: الذي تكون دوابه شديدة قوية، والمضعف: دوابه ضعيفة، أي أن القوي يساعد الضعيف. المتسري: الذي يخرج في السرية). وجاء في حديث الوحي مايبين الصفات الحميدة والخصلات الجميلة التي كان يتحلى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة والنبوة.حيث جاء في حديث الوحي أنه عندما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها وأرضاها فقال:زملوني زملوني!فزملوه حتى ذهب عنه الرَّوع،فقال لخديجة ـ وأخبرها الخبر ـ :لقد خشيتُ على نفسي قالت خديجة:كلا،والله ما يخزيك الله أبداً،إنكَ لَتصِلُ الرَّحم وتَحمِلُ الكَلَّ،وتَكسِبُ المعدوم،وتَقري الضيف،وتُعينُ على نوائب الحق”. يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد136 بتاريخ الثالث من حزيران عام 1901): “لقد رفع الله تعالى في القرآن ذكر أهل البر والإحسان،وجعل بذل المال في سبيله آية الإيمان،وإمساكه آية الكفر والخسران،اقرأ إن شئت قوله تعالى:{أرأيتَ الذي يكُذِّبُ بالدِّينِ*فذلكَ الّذي يدُعُ اليتيمَ*ولا يحضُّ على طعامِ المسكين}[الماعون 1 ـ 3]،وقوله جلّ علاه{وويلٌ للمشركينَ*الّذينَ لا يُؤتونَ الزَّكاة وهم بالآخرةِ هم كافرونَ}[فصلت 6 ـ 7]،وارجع إلى سورة الحجرات،واتل ماورد في الأعراب من الآيات،فقد بينت حقيقة المؤمنين،بعد إنكار دعوى الإيمان على أولئك المسلمين،وذلك قوله تعالى:{إنّما المؤمنونَ الّذينَ آمنوا باللهِ ورسولهِ ثمَّ لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفُسهم في سبيل الله أولئكَ همُ الصّادقونَ}[الحجرات 15].وناهيك بما ورد من الوعيد الشديد لمن يكنز المال،ووعد المتصدقين بمضاعفة الأعمال،وبعدما جعل الشرع في ألأموال المسلمين وكسبهم من حرث ونسل وتجارة ذلك الحق المعلوم.وفرض عليهم القيام بالنفقات الضرورية على من يعجز عن كسب يذهب بضرورته،ويسد من خلته،سواء كان من الذميين،وما هذا الإلزام بالبذل،إلا لتزكية النفس من رذيلة البخل،وتعويدها على الجود، مما يسمح به الوجود”. ويقول الشيخ الدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله(المختار من كنوز السنة النبوية ص29): “أقسمت السيدة خديجة على ذلك استناداً إلى ماعرفته من شريف خصاله التي يجمعها:نصرة الحق ومعونة الخلق.وقد قيل:“صنائع المعروف تقي مصارع السوء”. “إنك لَتصلُ الرَّحم”:أي القرابة،وصلة الرحم:تكون بالإحسان إلى الأقارب بالمال وغيره من أنواع البرِّ مَنْ وَصلها وصلَهُ الله ومن قطعها قطعه الله . “وتحمل الكلَّ:أي العاجز الذي لا يستقلُّ بنفسه،بل يحتاج إلى عائل يعوله كاليتيم والضعيف. “وتَكسب المعدوم”:أي تنال من المكارم ومعالي الأمور ما لايناه غيرك،لأنك سبّاقٌ إلى المكرمات،منقطع النظير فيها،أو تنال من الحظوظ في الأرزاق بالتجارة،وسَداد الرأي فيها ما لايناه غيرك،لأنك ميمون الطّلعة،مبارك الغُدوة والرَّوحة. “وتقري الضيف”:أي تقدم له قِراه وهو مايلزم لضيافته. وقد بيّنت السيدة خديجة في هذه الجمل الأربع شمول بِرِّه عليه السلام للقريب والبعيد والعاجز والقادر والمحروم والواجد. “وتعين على نوائب الحق”:أي تساعد من نابته نائبةٌ تستحق المعاونة،أي يُقضي الحق بمعونته فيها.وهذه الجملة بعمومها تشمل ما ذُكر ومالم يُذكر من خصال البرِّ بالناس،كأنها قالت:وهلمَّ جرّا…ثم لا يخفى وجه التقييد بالحق،ففيه احترازٌ من عصبية الجاهلية التي لا يبالي المرءُ فيها بممالأة المستجير ظالماً أو مظلوماً،محقاً أو مبطلاً. ويقول الأستاذ الشيخ محمد رشيد رضا (مجلة المنار العدد 214 بتاريخ 26 إيلول عام 1904): يقول تعالى:{ليسَ البِرَّ أن تولوا وجُوهَكُم قِبَلَ المشرقِ والمغربِ ولكنَّ البِرَّ من آمنَ بالله واليومِ الآخرِ والملائكةِ والكتابِ والنبيّينَ وآتى المالَ على حُبّهِ ذوي القُربى واليتامى والمساكينَ وابنَ السّبيلِ والسّائلينَ وفي الرّقابِ وأقامَ الصلاة وآتى الزكاةَ والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرينَ في البأساءِ والضّرّاءِ وحينَ البأس أولئكَ الذين صدقوا وأولئكَ همُ المُتّقون}[البقرة 177]. يقول الشيخ رحمه الله: ”ثم ذكر الله تعالى بعد بيان أصول الإيمان أصول الأعمال الصالحة التي هي ثمرته وبدأ بأقواها دلالة عليه فقال{وآتى المال على حبه}أي وبذل المال لأجل حبه تعالى أو على حبه إياه أي المال.قال الأستاذ الإمام(يعني الشيخ محمد عبده) وهذا الإيتاء غير إيتاء الزكاة الآتي وهو ركن من أركان البر وواجب كالزكاة وذلك حيث تعرض الحاجة إلى البذل في غير وقت أداء الزكاة بأن يرى الواجد مضطراً بعد أداء الزكاة أو قبل تمام الحول.وهو لا يشترط فيه نصاب معين بل هو على حسب الاستطاعة فإذا كان لايملك إلا رغيفاً ورأى مضطراً إليه في حال استغنائه عنه بأن لم يكن محتاجاً إليه لنفسه أو لمن تجب عليه نفقته وجب عليه بذله.وليس المضطر وحده هو الذي له الحق في ذلك بل أمر الله تعالى المؤمن أن يعطي من غير الزكاة{ذوي القربى} وهم أحق الناس بالبر والصلة فإن الإنسان إذا احتاج وفي أقاربه غني فإن نفسه تتوجه إليه بعاطفة الرحم،ومن المغروز في الفطرة أن الإنسان يألم لفاقة ذوي رحمه وعدمهم أشد مما يألم لفاقة غيرهم،فإنه يهون بهوانهم،ويعتز بعزتهم،فمن قطع الرحم ورضي بأن ينعم وذوو قرباه بائسون، فهو برئ من الفطرة والدين، وبعيد من الخير والبر،ومن كان أقرب رحماً كان حقه آكد،وصلته أفضل،{واليتامى} فإنهم لموت كافلهم تتعلق كفالتهم وكفايتهم بأهل الوجد واليسار من المسلمين كيلا تسوء حالهم وتفسد تربيتهم فيكونوا مصاباً على أنفسهم وعلى الناس،{والمساكين} فإنهم لما قعد بهم العجز عن كسب ما يكفيهم وسكنت قلوبهم للرضى بالقليل، عن مد كف الذليل،وجبت مساعدتهم ومواساتهم على المستطيع،{وابن السبيل}المنقطع في السفر لا يتصل بأهل ولا قرابة حتى كأن السبيل أبوه وأمه ورحمه وأهله وهذا التعبير بمكان من اللطف لا يرتقي إليه سواه.وفي الأمر بمواساته وإعانته في سفره ترغيب من الشرع في السياحة والضرب في الأرض.{والسائلين} الذين تدفعهم الحاجة العارضة إلى تكفف الناس ، والسؤال محرم شرعاً إلا لضرورة يجب على السائل ألا يتعداها.{وفي الرقاب} أي في تحريرها وعتقها . وفي جعل هذا النوع من البذل حقاً واجباً في أموال المسلمين دليل على رغبة الشريعة في فك الرقاب واعتبارها أن الإنسان خلق ليكون حراً إلا في أحوال عارضة تقضي المصلحة العامة فيها أن يكون الأسير رقيقاً. ويتابع الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله: ”ومشروعية البذل لهذه الأصناف من غير مال الزكاة لاتتقيد بزمن ولا بامتلاك نصاب محدود ولا يكون المبذول مقداراً معيناً ، وإنما هو أمر مطلق بالإحسان موكول إلى أريحية المعطي وحالة المعطى”. يقول تعالى:{والّذينَ جاءُوا من بَعدِهمْ يقولونَ رَبَّنا اغفِرْ لنا ولإخوانِنا الّذينَ سَبقونا بالإيمانِ ولا تجعلْ في قُلوبنا غِلاً للّذينَ آمنوا رَبَّنا إنَّكَ رؤوفٌ رحيمٌ}[الحشر 10]. يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال: ”هؤلاء الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار سمة نفوسهم أنها تتوجه إلى ربها في طلب المغفرة،لا لذاتها ولكن كذلك لسلفها الذين سبقوا بالإيمان،وفي طلب براءة القلب من الغل للذين آمنوا على وجه الإطلاق،ممن يربطهم معهم رباط الإيمان،مع الشعور برأفة الله،ورحمته ودعائه بهذه الرحمة،وتلك الرافة”ربنا إنك رؤوف رحيم”. وتتجلى من وراء تلك النصوص طبيعة هذه الأمة المسلمة وصورتها الوضيئة في هذا الوجود.تتجلى الآصرة القوية الوثيقة التي تربط أول هذه الأمة بآخرها،وآخرها بأولهانفي تضامن وتكافل وتواد وتعاطف.وشعور بوشيجة القربى العميقة التي تتخطى الزمان والمكان والجنس والنسب،وتنفرد وحدها في القلوب،تحرك المشاعر خلال القرون الطويلة،فيذكر المؤمن أخاه المؤمن بعد القرون المتطاولة،كما يذكر أخاه الحي،أو أشد في إعزاز وكرامة وحب.ويحسب السلف حساب الخلف.ويمضي الخلف على آثار السلف،صفاً واحداً وكتيبة واحدة على مدار الزمان واختلاف الأوطان،تحت راية الله تغذ السير صعداً إاى الأفق الكريم ،متطلعة إلى ربها الواحد الرؤوف الرحيم” ويقول الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله(مقال :إيجاب التكافل الاجتماعي): إن الإسلام لم يترك الناس للفاقة والضياع،بل كفل لهم المعيشة الملائمة بالطرق الآتية: ـ نفقات الأقارب: “أوجب الإسلام على القريب الموسر أن ينفق على قريبه المحتاج،صلة لرحمه،وأداءً لحقه،كما قال تعالى:{وآتِ ذا القُربى حقّهُ والمسكينَ وابنِ السبيل}[الإسراء 26].ومن لم يقم بهذا الواجب من نفسه لقريبه،ألزمه القضاء الإسلامي بذلك.وللفقهاء تفصيل كثير في شروط النفقة ومقاديرها،ولمن تجب وعلى من تجب،ويمكن الرجوع إليها في أبواب النفقات من كتب الفقه. ـ فريضة الزكاة: وهي الفريضة المالية الاجتماعية،التي تعد الركن الثالث من أركان الإسلام،ومبانيه العظام،من منعها بخلاً بها عزر،وأخذت منه قهراً،وإن كان ذا شوكة قوتل عليها،حتى يؤديها، ـ وإن أنكر وجوبها ـ ولم يكن حديث عهد بالإسلام ـ حكم بردته،وخرج من دين الإسلام. وهي ليست هبة يتفضل بها الغني على الفقير،بل هي حق معلوم،تقوم الدولة على جبايته،وصرفه على مستحقيه،بواسطة موظفي الزكاة.ـ العاملين عليها ـ ولهذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم الزكاة بقوله:”تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم“[جزء من حديث في صحيح مسلم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه]،فهي ضريبة تؤخذ،وليست تطوعاً يوهب. والزكاة تجب في كل مال نامٍ أو معد للنماء،بلغ نصاباً،وحال عليه الحول،وسلم من الدين،وذلك في سائمة الأنعام والنقود،وعروض التجارة. الحقوق الأخرى في المال: وإذا لم تف الزكاة،ولا سائر الموارد الأخرى،بضمان العيش للفقراء،فعلى الموسرين في المجتمع أن يقوموا بكفايتهم،فليس بمؤمن من بات شبعان وجاره جائع،وليس بمؤمن من لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه،فإن قاموا بذلك مختارين،بدافع الإيمان والتقوى فهذا خير وأبقى،كما حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن الأشعريين فقال:”إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو،أو قلّ طعام عيالهم في المدينة،جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد،ثم اقتسموا بينهم في إناء واحد بالسوية،فهم مني وأنا منهم“[متفق عليه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه]. وإذا لم يقم الناس من تلقاء أنفسهم برعاية فقرائهم،فعلى الإمام أن يفرض على الأغنياء ما يقوم بكفاية الفقراء.وقد قال عثمان بن عفان رضي الله عنه:”إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”. ـ الصدقات المستحبة: ولا يقتصر الإسلام في تقرير التكافل على القوانين الملزمة،ولا الحقوق الواجبة،بل يربي المسلم على البذل وإن لم يطلب منه،والإنفاق وإن لم يجب عليه،ويهون عليه المال والدنيا،ويحذر من الشح والبخل،ويحبب إليه النفقة في السراء والضراء،بالليل والنهار،سراً وعلانية،ويعده بالخلف والفضل في الدنيا،والمثوبة عند الله في الآخرة:{الشّيطانُ يعدكُمُ الفقرَ ويأمرُكم بالفحشاءِ واللهُ يعدكم مغفرةً منهُ وفضلاً والله واسعٌ عليمٌ}[البقرة 268]،وقال تعالى:{وما أنفقتم من شىءٍ فهو يُخلفهُ وهو خيرُ الرّازقينَ}[سبأ 39]،وقال تعالى:{الّذينَ يُنفقونَ أموالهم بالليل والنَّهارِ سراً وعلانيةً فلهم أجرُهم عندَ ربّهم ولا خوفٌ عليهم ولاهم يحزنونَ}[البقرة 274]. ـ الوقف الخيري والصدقة الجارية: ومن أعظم ما رغب فيه الإسلام:الصدقة الجارية(أي الدائمة بعد موت المتصدق)،كما يتضح ذلك في نظام الوقف الخيري،وهو الذي يخرج فيه المال من ملك الأفراد،لتجد ثمراته ومنافعه على جهة من جهات الخير،ابتغاء مثوبة الله تعالى.وقد أشار الرسول صلى الله عليه وسلم على عمر الفاروق بوقف ماله بخيبر،ولم يكن أحد من الصحابة ذا مقدرة إلا وقف. التكافل بين الأجيال: ومعناه:ألا يستأثر جيل بخيرات الأرض المذخورة والمنشورة،ويحلب درّها،حتى لا يترك في ضرعها قطرة لمن بعده. وهذا ما جعل الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأبى تقسيم سواد العراق على الفاتحين،وهو ثروة هائلة يستمتع بها جيل الفتح،ولا تجد الأجيال القادمة الدافعة عن حرمات الأمة،وبيضة الملّة،ما يصرفون عنه،لإعداد عدتهم،وقضاء حوائجهم.ولهذا كان عمر يقول لمعارضيه:أتريدون أن يأتي آخر الناس وليس لهم شىء؟. ويقول العلامة الدكتور يوسف القرضاوي في مقال آخر(موقع القرضاوي): “ومن هنا كان في تعاليم الإسلام وشرائعه وأحكامه مكان عظيم لتحقيق الكفاية للفقراء والمساكين. فرض الله للفقراء والمساكين الزكاة،وهي الركن الثالث في الإسلام،كما جعل أدائها دليلاً على الإيمان،وجعل منعها دليلاً على الكفر:{وويلٌ للمشركينَ الذين لا يؤتون الزكاةَ وهم بالآخرةِ هم كافرون}[فصلت 7]. ولم يكتف بهذه الزكاة…زكاة الأموال فحسب،بل انتهز كل فرصة،وتصيّد كل حيلة،ليجود الغني على الفقير،وليعطف الواجد على المسكين والمحروم. إذا ظاهر الرجل من امرأته قال لها:أنت عليَّ كظهر أمي .فإن الإسلام يُحرّمها عليه حتى يحرّر رقبة،فإن لم يستطع فيصوم شهرين متتابعين،فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً. وكذلك من جامع امرأته في نهار رمضان عليه هذه الكفارة. ومن حلف يميناً بالله،ثم حنثَ فيها ولم يفِ بيمينه،كانت كفارته إطعام عشرة مساكين،أو كسوتهم، أو تحرير رقبة،فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. فليست كفارة الحنث في اليمين الصيام ـ كما يظن كثير من الناس ـ إنما الصيام لمن عجز،أما كفارة اليمين فإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم. وهكذا ينتهز الإسلام كل فرصة لإطعام المساكين،ويجعل إطعامهم واجباً،ومن ترك المسكين يجوع ويعرى،وهو قادر على إطعامه وكسوته،فقد استوجب النار،فإن الله حدثنا عن المجرمين في سقر…في النار…فقال عز وجل:{كلُّ نفسٍ بما كسبت رهينة*إلا أصحابَ اليمين*في جنّاتٍ يتساءلون*عن المجرمينَ ما سلككم في سقر*قالوا لم نكُ من المصلينَ*ولم نكُ نُطعمُ المسكينَ}[المدثر 38 ـ 44]. فترك الصلاة والقسوة على المساكين والمحرومين،أردتهم في النار وبئس القرار. ولم يكتف الإسلام بذلك،بل جعل النار نصيباً لمن ترك إطعام المسكين…ومن لم يحض على إطعام المسكين…أي أن كل إنسان عليه واجبان نحو المسكين: الواجب الأول:أن يُطعمه ويكسوه،ويرعى ضروراته وحاجاته ما قدر على ذلك.. والواجب الثاني: أن يحض غيره،ويحثه على إطعامه وعلى رعايته. فإذا لم يفعل فليس من المؤمنين…ولا يستحق أن يكون من المُصدّقين بالدين،فلو صدّق بالدين،بالحساب والجزاء عند الله،لحثّ على إطعام المسكين.اقرأ قوله تعالى:{أرأيتَ الذي يُكذّبُ بالدين*فذلكَ الذي يدُعُّ اليتيم*ولا يحضُّ على طعام المسكين}[الماعون 1 ـ 3]. ويُحدثنا الله عن أصحاب الشمال ممّن يؤتى كتابه بشماله فيقول:{يا ليتني لم أُوتَ كتابيه*ولم أدرِ ما حسابيه*يا ليتها كانت القاضيه*ما أغنى عني ماليه*هلكَ عني سلطانيه}[الحاقة 25 ـ 29]. ثم يحكم الله عليه حكماً عدلاً،فيقول لملائكته وزبانية جهنم:{خذوهُ فغلّوهُ*ثمَّ الجحيمَ صَلوه*ثمَّ في سلسلةٍ ذرعها سبعون ذِراعاً فاسلكوه*إنّهُ كان لا يؤمنُ بالله العظيم*ولا يحضُّ على طعامِ المسكين}[الحاقة 30 ـ 34]. هذه هي عناية الإسلام بالفقراء،والمساكين،وبالضعفاء من الناس،قبل أن تعرف الدنيا المبادىء المُستوردة من هنا وهناك. ثم أكدَّ الإسلام هذه العناية حين فرض زكاة الفطر،فرضها على كل مسلم،وسُميت زكاة الفطر لأنها تجب بالفطر من رمضان…حينما تغرب شمس آخر يوم من رمضان،يحين وقت أداء هذه الزكاة…الدورية السنوية،وهي ليست زكاة متعلقة بالأموال،كزكاة الزروع والثمار،أو زكاة الحيوانات أو التجارة،أو كزكاة الأموال المُدخرة…وهكذا…بل هي زكاة تتعلق بالرؤوس…وهي ضريبة أشخاص…هي فريضة على كل رأس مسلم. فرضت طهرة للصائمين من اللغو والرفث،وطعمة للمساكين،كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. .لا تدع المسكين مهما بلغ فقره ومهما اشتدت حاجته يمد يده لسؤال الناس في يوم العيد …يوم المسرات والأفراح. على المسلمين أن يُشركوا إخوانهم الفقراء في مسرات هذا اليوم،ولهذا وجبت هذه الزكاة،تُعطى للفقير قبل أن يسأل،وقبل أن يُريق ماء وجهه،وقبل أن يمدّ يده”. ويقول الشيخ العلامة محمود شلتوت رحمه الله(مجلة الأزهر العدد 213 بتاريخ شوال 1381 هجري): “نظم الإسلام التكافل الاجتماعي بين أفراد الأمة،ولم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا وتناولها بما يُرسي قواعدها،ويقرر أصولها وفروعها. فقد جاء الإسلام وقلوب الناس فارغة من معاني الرحمة والتعاون،لا يحمل قادرهم كلّهم،ولا يساعد موسرهم معسرهم،بل يأكل قويّهم ضعيفهم،ويستغل غنيهم فقيرهم،دون أن يكون للقادر أو الغني ميزة إلا أنه ذو عافية أو مال،ولا ذنب للعاجز أو الفقير سوى أن ظروف حياته لم تهيىء له الصحة الكاملة،أو موارد الغنى الكافية،وسبل الكسب الطيب. جاء الإسلام والناس على هذا الوضع السيء فأفرغ جهده في القضاء على منابع الشر،وأخذ بمبادئه الحكيمة يزيل الحوادث التي قطعت ما بين الناس من صلات التراحم والتعاون والإحسان،وأخذ يبني المجتمع بناءً واحداً متماسك اللبنات متضام الوحدات. وقد واجه الإسلام علاج هذا الوضع السىء من ناحيتي: أولاً:من الناحية الإيجابية: ـ وضع تشاريع التكافل الاجتماعي ـ طالب كل فرد من أفراد المجتمع بالعمل على تحصيل رزقه الذي يكفي حاجته،ويوفر له حياة نفسية كريمة هادئة. ـ أشعر الأغنياء الذين آتاهم الله من ماله أن هذا المال وإن كان معقوداً في ملكيته بأسمائهم،إلا أنَّ حقّ الانتفاع به مشترك بينهم وبين إخوانهم الفقراء الذين يكونون المجتمع معهم،كما هو مشترك بينهم وبين المصالح العامة التي تحتاج إليها الجماعة ي راحتها واستقلالها وإدارة شؤونها والدفاع عن حرمتها وكيانها. ثانياً:من الناحية السلبية: حرّم الربا والرشوة والشح والبخل،ونهى عن الإسراف والترف والتبذير،وحذر من الضن بحق الفقير والمسكين”. ويقول الشيخ العلامة يوسف القرضاوي حفظه الله:يقول تعالى:{إنّهُ كان لا يؤمنُ بالله العظيم*ولا يحضُّ على طعام المسكين}[الحاقة 33 ـ 34]،فالجانب الرباني:{إنه كان لا يؤمن بالله العظيم}،والجانب الإنساني:{ولا يحضُّ على طعام المسكين}،ولهذا كان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول لأمرأته:إن لله سلسلة لم تزل تغلي فيها مراجل النار،منذ خلق الله جهنم إلى يوم القيامة،تلقى في أعناق الناس،وقد نجانا الله من نصفها بإيماننا بالله العظيم،فحضّي على طعام المسكين يا أم الدرداء. ولا يوجد دين يجعل الحضّ على طعام المسكين،من أصول الدين،يعني من أجله يدخل الرجل النار،ويوضع في هذه السلسلة،لأنه لم يكن يحض على طعام المسكين.(يقصد قوله تعالى في سورة الحاقة:{خذوهُ فغلُّوهُ*ثمَّ الجحيمَ صلُّوه*ثمَّ في سلسلةٍ ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه}[الحاقة 30 ـ 32]). ولهذا فالمطلوب من الإنسان:أن يطعم المسكين إذا قدر عليه،وأن يحض الآخرين على طعام المسكين،سواء أطعمه هو أم لم يطعمه. فكل إنسان عليه فريضة إذا،وهي أن يدعو الناس إلى رعاية المساكين،وكلمة طعام،هي كناية عن الإقامة بجميع مطالبه،فهل يجوز أن تطعمه ثم تتركه مشرداً بلا سكن،أو تطعمه ثم تتركه عارياً،تطعمه وتتركه مريضاً وهو بحاجة إلى الدواء،وهذه كناية عن رعاية ضروراته،وحاجاته،فالحض على طعام المسكين من الأصول.ولهذا ذمَّ القرآن المجتمع الجاهلي بقوله:{كلا بل لا تُكرمون اليتيم*ولا تحاضون على طعام المسكين}[الفجر 17 ـ 18]،اليتيم ضائع فيكم،والمسكين لا يحض بعضكم بعضاً على إطعامه. ويقول الشيخ عبد القادر المغربي رحمه الله (أحد أعداد مجلة الحديقة لمحب الدين الخطيبـ مقال بعنوان الزكاة الشرعية): “مهما ارتقى نوع الإنسان وتوفرت لدى آحاده وسائل السعادة والهناء،لابد أن يبقى بعض أولئك الآحاد مقصرين عن بقية إخوانهم في تحصيل أسباب الهناء ومقومات السعادة،ومهما اهتم العقلاء والمصلحون في التسوية بين أفراد النوع في ذلك،كان اهتمامهم عبثاً،لأن في هذه التسوية مقاومة لطبيعة الكائنات التي فطرها الخالق تعالى على التباين.ولكن إذا كان من سنن الله وحكمته أن يبقى أفراد من البشر غير مساوين للآخرين في الحظوظ ووسائل السعادة،وفي الثروة والنشب،فليس معنى هذا أن يُنبذ أولئك الأفراد،ويُغضى عنهم،ويُترك السعي في تخفيف بؤسهم وجلب الخير إليهم،وإلا كنا كذاك الذي كان يُسرح سائمته السمينة في الأرض الممرعة ذات الماء والكلأ،ويطرد الأخرى العجفاء إلى القفر حيث لا ماء ولا شجر،ويعتذر عن فعلته هذه بأنه لا يُسعد ما أشقى الله ،ولا يشقي ما أسعد الله! هذه الطبقة البائسة من بني البشر هي موضوع عناية الله،وإن معظم اهتمام الوحي والأنبياء وعقلاء البشر موجهة إليها،وربما كانت روح الدين أو الغرض الأصلي منه تعزية الفقير وتسليته عما فقده من حظوظ الدنيا،بما سيكون له في الآخرة،ولم تكتف الديانة الإسلامية بذلك،وبأن تقول للغني تمتع بغناك،وللفقير اصبر على فقرك وبلواك،بل شرعت لهما من الأحكام،ما يأخذ بحجزهما عن النزاع والخصام،فهي قد أثبتت للأول حق الملكية وحق التصرف فيما يملك من دون مشارك أو منازع،ونهت الثاني أن يمد عينيه إلى ما في أيدي الغني،وأن يتعرض له بالسؤال،وعلمته أن يترفع عن هذه الخطة،وأن يُكرم نفسه،ويستعمل ما آتاه الله من المواهب والقوى في تحصيل ما يتوق إليه،من مائدة النعم الإلهية المبسوطة بين يديه،فإذا سعى أولئك البائسون وكدحوا ولم يوفقوا،هل نبقى على كلمتنا الأولى من أن الأول سيدٌ في غناه،والآخرُ عبدٌ لفقره وبلواه؟ هنا يتغير وجه المسألة،ولا يعود يكتفي الدين بذلك،بل يلزم الأغنياء أن يُشركوا الفقراء في أموالهم،وسمى تلك الشركة”زكاة”،وحدد أصولها ورسم خطتها بما لم يدع مجالاً لقائل. فجعل للفقير حقاً في قدر معين من مال الغني ،وهو ربع العشرة،فمن كان لديه أربعون ألفاً كان للفقراء منها في آخر السنة ألف واحدة.وجعل ذلك فرضاً عينيّاً على الغني لاهوادة فيه،ولا تدنو حيلة منه. بهذه الألف يواسي الغني كلوم الفقير،ويقدع طمعه وتطلعه الذي هو منبعث الشرور والعدوان،وهذا القدر ـ كما ترى ـ زهيد،ومع هذا لم يدع الشرع حث الفقير على السعي والكسب،وألّا يكون عالة على الغني،بل علّمه أن اليد العليا خير من اليد السفلى،ونبهه إلى أن الأخذ إنما يجوز له إذا كان بحيث لا يتمكن معه من السعي وتحصيل تكاليف معيشته،وأداء هذه الألف يحمل الغني على الجد والعمل،وترك البطالة والكسل،خشية أن تذهب الزكاة بماله رويداً رويداً،فهو يسعى إلى تثميره،حتى إذا أخرج منه ألفاً في السنة أضاف إليه آلافاً من باب الاكتساب وتقليب المال في صنوف المتاجر. ففي إخراج هذه الألف دواء للحالة الاجتماعية،ففي إخراجها تهدئة قلب الفقير،فلا يعود يضطرب ويغلي فيه الحقد وحب الانتقام والعدوان،وتحريك ليد الغني فلا يميل إلى البطالة فالترف فالفسوق. ويقول الاستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله(عبقرية محمد): “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرص الناس على جبر القلوب،وتطبيب الخواطر،وتوخي المؤاساة، واجتناب الإساءة،يتفقد أصحابه كباراً وصغاراً ويسأل عنهم،ويتحدث إلى ذوي الأقدار،وعامة الناس،فلايحسب صغيرهم أن أحداً أكرم عليه منه ،ويتحدث إليه من شاء فلايقطع عليه حديثه،وإن طال،وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس،ومن جالسه صابره حتى يكون هو المنصرف ،وما أخذ أحد بيده فأرسلها حتى يكون الآخذ هو الذي يرسلها.ومن سننه التي اتبعها وأوصى بإتباعها،أن يجيب دعوة من دعاه،ولايرد دعوة عبد ولاخادم ولا أمة ولافقير، يبدأ من لقيه بالسلام ويمر بالصبيان فيقرئهم سلامه، وربما خفف صلاته إذا جاءه أحد وهو يصلي ليسأله عن حاجته ويلقاه بالتحية”. ويقول الاستاذ محمد عبد الله دراز رحمه الله في كتابه”الدين”: “إن الخدمة الجليلة التي تؤديها الأديان للجماعة،لاتقف عند تهذيب السلوك،وتصحيح المعاملة وتطبيق قواعد العدل،ومقاومة الفوضى والفساد فحسب،بل إن لها وظيفة إيجابية أعمق أثراً في كيان الجماعة. ذلك أنها تربط بين قلوب معتنقيها برباط من المحبة والتراحم،لايعدله رباط آخر من الجنس أو اللغة أوالجوار أوالمصالح المشتركة.بل إن هذه العلائق مجتمعة مهما يكن أثرها الظاهري من كفّ الأذى، وبذل المعروف المتبادل،تظل روابط سطحية تضم الأفراد،كما تضم الأعواد في ضغث،ولاتزال تتخللها الفجوات والثغرات والحواجز النفسية، حتى تشدها رابطة الإخوة في العقيدة والمشاركة في المثل العليا، فهناك تعود الكثرة وحدة،وتصبح النفوس كالمرايا المتقابلة،تنعكس صور بعضها في بعض،بل كثيراً ماتستغني هذه الوحدة الروحية عن سائر الوحدات الأخرى،فتنعقد بها أقوى الوشائج وأدومها، بين أفراد اختلفت أجناسهم، وتبا ينت لهجاتهم، وتباعدت ديارهم،وتفاوتت مصالحهم،وكثيراً مانرى في الدول التي تقوم على قاعدة المصالح المشتركة في الوطن بين ملل مختلفة تضطر إلى الاستنجاد بما في هذه الأديان كلها من مبدأ التعاون على الخير والتناصر على دفع عدوان المغيرين”. ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في مقال له بعنوان”نظام التكافل الاجتماعي في الإسلام” يقول رحمه الله: “لقد تعودنا حين نذكر(التكافل الاجتماعي) ونتحدث عن دور العقيدة الدينية فيه،أن تخطر ببالنا كلمات الإحسان،والصدقة والبر،وعلى الأكثر كلمة: الزكاة. أريد أن أقرر أن هذه الكلمات، وماوراءها من مدلولات وماتلقيه حولها من صور وظلال،لاتمثل حقيقة الدور الذي تقوم به عقيدة كالعقيدة الإسلامية في ميدان التكافل الاجتماعي. إن التكافل الاجتماعي في الإسلام نظام كامل،نظام لكل ماتحمله هذه الكلمة من معنى هذا النظام قد تدخل في عناصره مدلولات الإحسان والصدقة والبر والزكاة وما إليها،ولكنها هي بذاتها لاتدل على حقيقته،لأن حقيقته أوسع منها جميعا.إن هذه المدلولات هي بعض وسائل ذلك النظام، ولكنها ليست هو لأن الوسيلة غير الماهية. إن نظام التكافل الاجتماعي في الإسلام لايعني مجرد المساعدات المالية ـ أيا كانت صورتها ـ كما تعني مثلا كلمات الضمان الاجتماعي فالمساعدات المالية هي نوع واحد من المساعدات التي يعينها التكافل في الإسلام.ثم إنها هي وغيرها من المساعدات الأخرى ليست صلب النظام، إنما هي وسائل لتحقيقه. والآن نجئ إلى بيان حقيقة نظام التكافل الاجتماعي كما عناه الإسلام. لقد عني الإسلام بالتكافل الاجتماعي أن يكون نظاماً لتربية روح الفرد وضميره وشخصيته وسلوكه الإجتماعي،وأن يكون نظاماً لتكوين الأسرة وتنظيمها وتكافلها،وأن يكون نظاماً للعلاقات الإجتماعية بما في ذلك العلاقات التي تربط الفرد بالدولة، وأن يكون في النهاية نظاماً للمعاملات المالية، والعلاقات الاقتصادية التي تسود المجتمع الإسلامي”. والبرُ عندكَ ذِمة وفريضة لا منة ممنونة وجباءُ جاءت فوَحدّت الزكاةُ سبيلهُ حتى التقى الكرماءُ والبخلاءُ أنصفتَ أهلَ الفقر من أهل الغنى فالكلُّ في حقِّ الحياة سواءُ فلو أنَّ إنساناً تخيّرَ مِلة ما اختارَ إلا دينَكَ الفقراءُ (شوقي) ويقول سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى:{وآتِ ذا القربى حقّهُ والمسكين وابن السبيل ولا تُبذر تبذيراً}[الإسراء 26]: “والقرآن يجعل لذي القربى والمسكين وابن السبيل حقاً في الأعناق يوفى بالإنفاق.فليس هو تفضلاً من أحد على أحد إنما هو الحق الذي فرضه الله،ووصله بعبادته وتوحيده،الحق الذي يؤديه المكلف فُبرىء ذمته،ويصل المودة بينه وبين من يعطيه،وإن هو إلا مؤد ما عليه لله. وينهى القرآن عن التبذير.والتبذير كما يفسره ابن مسعود وابن عباس الإنفاق في غير حق.قال مجاهد:لو أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذراً،ولو أنفق مُدّاً في غير حقّ كان مبذراً.فليست هي الكثرة والقلة في الإنفاق.إنما هو موضع الإنفاق.ومن ثم كان المبذرون إخوان الشياطين،لأنهم ينفقون في الباطل،وينفقون في الشر وينفقون في المعصية. فإذا لم يجد إنسان ما يؤدي به حق ذوي القربى والمساكين وابن السبيل واستحيا أن يواجههم،وتوجه إلى الله يرجو أن يرزقه ويرزقهم،فليعدهم إلى ميسرة،وليقل لهم قولاً ليناً،فلا يضيق بهم صدره،ولا يسكت ويدعهم،فيحسوا بالضيق في سكوته،ففي القول الميسور عوض وأمل وتجمل”. ويقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(خلق المسلم ص206): “إن الأثرة الغالبة آفة الإنسان وغول فضائله.إذا سيطرت نزعتها على امرئ محقت خيره ونمت شره،وحصرته في نطاق ضيق خسيس لايعرف فيه إلا شخصه، ولايهتاج بالفرح أو الحزن إلا لما يمسه من خير أو شر.وقد حارب الإسلام هذه الأثرة الظالمة بالإخوة العادلة، وأفهم الإنسان أن الحياة ليست له وحده. وأنها لا تصلح به وحده، فليعلم أن هناك أناساً مثلهنإن ذكر حقه عايهم ومصلحته عندهم فليذكر حقوقهم عليه ومصالحهم عنده ،وتذكر ذلك يخلع المرء من أثرته الصغيرة، ويحمله على الشعور بغيره حين يشعر بنفسه ،فلايتزيد ولايفتات. من حق أخيك عليك أن تكره مضرته، وأن تبادر إلى دفعها،فإن مسّه ما يتأذى به شاركته الألم،وأحسست معه بالحزن،أما أن تكون ميت العاطفة قليل الاكتراث، لأن المصيبة وقعت بعيداً عنك فالأمر لايعنيك فهذا تصرف لئيم.وهو مبتوت الصلة بمشاعر الأخوة الغامرة التي تمزج بين نفوس المسلمين فتجعل الرجل يتأوه للالم ينزل بأخيه.والتألم الحق هو الذي يدفعك دفعاً إلى كشف ضوائق إخوانك،فلا تهدأ حتى تزول غمتها وتدبر ظلمتها. فإذا نجحت في ذلك استنار وجهك واستراح ضميرك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”المسلم أخو المسلم لايظلمه ولايسلمه. ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته.ومن فرّج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة. ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة“.[رواه مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما] إن أعباء الدنيا جسام ،والمتاعب تنزل بالناس كما يهطل المطر فيغمر الخصب والجدب.والإنسان وحده أضعف من أن يقف طويلاً تجاه هذه الشدائد.ولئن وقف إنه لباذل من الجهد ما كان في غنى عنه لو أن إخوانه هرعوا لنجدته وظاهروه في إنجاح قصده ،وقد قيل:”المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه”. ويقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله(الرسالة العدد 765): “فتشوا حولكم عن هذه الطفولة المحرومة وهذه النفوس المعذبة،ثم أولوها الإحسان،وليست قيمة الإحسان بكثرة المال ،إن المال ينفع الفقير ولكنه لا ينزع من قلبه النقمة على الحياة،ولا يستل منها بغض الأغنياء ولا يملؤها بالحب.إن الذي يفعل هذا كله هو العطف،وأن تشعر الفقير بأنه مثلك،وأن تعيد إليه كرامته وعزّة نفسه.ورُبّ تحية صادقة تلقيها على سائل تكون أحبّ إليه من درهم،ودرهم تعطيه فقيراً وأنت تصافحه يكون آثر عنده من دينار تدفعه إليه متكبراً مترفعاً،يدك تمتد إليه بالمال،ووجهك يجرعه كأس الإذلال..إن كل غني يستطيع أن يتصدق بالكثير،ولكن غنى القلب بالإنسانية والنبل والحب،هو وحده الذي يستطيع أن يتصدق،مع المال،بالعاطفة المنعشة…فلا تضنوا على الفقراء بإنسانيتكم،ولا تبخلوا عليها بعطاء قلوبكم،وذكروهم أنهم لا يزالون معدودين من البشر،وأنهم مثلكم لأب واحد ولأمنلآدم وحواء،وأنهم لم ينحدروا إلى دركة الدواب والبهائم. ذكروهم بهذه الحقيقة التي طالما نسيتموها أنتم،ونسوها هم أنفسهم.ولم لا ينسونها وهم يعيشون كما تعيش البهائم:ينامون مثلها على الأقذار،في الأكواخ والحقول،وفي الأزقة المعتمة،وفي الخرائب المهجورة،ويأكلون مثلها من فضلات الناس،ويشربون مثلها من البرك الآسنة،والأنهار العكرة،ولم ينالوا تعليماً يرفعهم عنها ولا مدنية تميزهم منها،يسهرون في عصر الكهرباء على السرج والقناديل،ويركبون في عهد الطيران على العربات التي تجرها الحمير،ويسكنون في الأكواخ على التراب في زمان ناطحات السحاب،ومن تشبه منهم بالناس المتحضرين،لم يكد يصل إلى مثل حضارة الغنسانية الأولى،يحلق مثل (الناس) ولكنه يقعد على الأرض،على رصيف الشارع،وبيده مرآة مكسورة يرى فيها وجهه،والصابون القذر يغطيه،وموسى الحلاق المفلولة تجري فيه،والدم ينبثق من نواحيه،ثم تمر على هذا الوجه البشري ممسحة لا ترضونها أنتم والله لمسح أحذيتكم.ويركبون مثلما يركب الناس،ولكن على عربات الكارو،والعشرة على متر مربع من الخشب،محمول على دولابين من الحديد يسحبه حيوان هزيل،والعربة ترتج بهم،فترقص معدهم ،وتزلزل أمعاءهم،ثم لا تصل بهم إلى نهاية الميل الواحد إلا بعد ساعة.ولهم قهوات،ولكن قهواتهم اصطبلات فيها ركائز تسمى مناضد أمامها عيدان تدعى كراسي.ولهم مطاعم ولكن مطاعمهم يقدم فيها المرض في طباق قذرة… فتداركوهم قبل أن يكفروا بالإنسان ،فينقلبوا حرباً عليه ليس معها أمان.أشعروهم أنه لا يزال في الدنيا فضل وعدل ونبل. إذا شئتم أن تذوقوا أجمل لذائذ الدنيا،وأحلى افراح القلوب،فجودوا بالحب وبالعواطف كما تجودون بالمال.”. ويقول الدكتور عبد الوهاب عزام رحمه الله(الرسالة العدد397): “أمر القرآن الكريم بالرحمة العامة والإحسان الشامل،الرحمة التي تنال القريب والبعيد والإنسان والحيوان،والإحسان الذي يعم الناس جميعاً ويشمل كل فعل وكل قول… ثم خص ضروباً من الناس فوكد الأمر بالإحسان إليهم وكرر الوصية بالبرّ بهم،ومن هؤلاء ضعاف الناس من الفقراء واليتامى إذ كانوا أحوج إلى العطف،وأجدر بالبر،وأولى بالإحسان. وممن وكد القرآن الأمر ببرهم والإحسان إليهم،ذوو القرابة لأن القريب أعرف بقريبه وأدنى إليه،ولأن الغحسان العام يبدأ بالقرابة ثم يتسع فيعم،ولأن مودة القرابة تمكن الأواصر بينهم وتشيع المحبة فيهمنوتقربهم إلى التعاون.ومن هذه المودة في القربى تستحكم روابط الأسرنومن الأسر تتألف الأمة متينة الأساس محكمة البناء.فمودة القربى دُربة على المودة العامة،وتمهيد للإحسان الشامل.والقطيعة بين الأقرباء فساد وإن صغر كبير،وشر وإن قل مستطير. لذلك وكد كتاب الله الأمر بمودة ذوي القرابة وصلة الأرحام ولاسيما الوالدين. عظم القرآن صلة الأرحام إذ قرن تقواها بتقوى الله تعالى فقال:{واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا}[النساء 1].وأمر بتوفية القرابة حقها إذ قال:{وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل}[الإسراء26]. وقرن قطع الأرحام بالإفساد في الأرض إذ قال:{فهل عَسَيتُمْ إن تَوَلَّيتُمْ أن تُفسدوا في الأرضِ وتُقَطِّعوا أرحامكم}[محمد 22]. وقد جاء في حديث الرسول صلوات الله عليه وسلامه:”إنّ الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت:هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم،أما ترضين أن أصِل من وصلك،وأقطع من قطعك؟قالت: بلى،قال:فذلك لك”،ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:اقرؤوا إن شئتم:{فهل عسيتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم*أولئك الذين لعنهم الله فأصمَّهم وأعمى أبصارهم}[محمد 22 ـ 23][حديث متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه].وفي حديث آخر أن رجلاً قال:يارسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة،فقال القوم:ماله ماله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أرَبٌ ما لهُ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:”تعبد الله لا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم ذرها قال كأنه كان على راحلته”[متفق عليه عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه].وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”لا يدخل الجنة قاطع”قال سفيان في روايته:يعني قاطع رحم[متفق عليه عن أبي محمد جُبير بن مُطعم رضي الله عنه]”. يقول تعالى:{فآتِ ذا القُربى حقَّهُ والمسكينَ وابنِ السبيلِ ذلكَ خيرٌ للّذينَ يريدونَ وجهَ الله وأولئكَ همُ المفلحونَ}[الروم38]. يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال: ”ومادامَ المال مال الله،أعطاه رزقاً لبعض عباده،فالله صاحب المال الأول قد قرر قسماً منه لفئات من عباده,يؤديها إليهم من يضع يده على ذلك المال،ومن ثم سماها حقاً.ويذكر هنا من هذه الفئات”ذا القربى والمسكين وابن السبيل”..ولم تكن الزكاة بعد قد حددت ولا مستحقوها قد حصروا.ولكن المبدأ كان قد تقرر.مبدأ أن المال مال الله،بما أنه هو الرازق به ،وأن لفئات المحتاجين حقاً فيه مقرراً لهم من صاحب المال الحقيقي،يصل إليهم عن طريق واضع اليد على هذا المال. وهذا هو أساس النظرية الإسلامية في المال.وإلى هذا الاساس ترجع جميع التفريعات في النظرية الاقتصادية للإسلام.فما دام المال مال الله،فهو خاضع إذن لكل ما يقرره الله بشأنه بوصفه المالك الاول،سواء في طريقة تملكه أو في طريقة تنميته،أو في طريقة إنفاقه.وليس واضع اليد حرأً في أن يفعل به ما يشاء”. ويقول الأستاذ عبد الرحمن عزام(الرسالة العدد705): “وكتاب الله وحياة رسوله صلى الله عليه وسلم يفيضان بفضل الإنفاق في سبيل الله،واتخاذ الدنيا مطية للآخرة.ولم يكتف صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم بأن تكون دعوته موجهة بكل قوتها للبر بالفقراء والمساكين والضعفاء والمصابين والمعوزيننبل جعل البر بهم حقاً مفروضاً لا سبيل إلى المماطلة فيه،حتى أن العرب لما ارتدت عن دفع الزكاة عقب وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ،ونصح الخليفة الأول بأن يداريهم،وقد تفاقم الشر،قال رضي الله عنه:”والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه”.اي أنه يوجه كل قوى الدولة لقتال قوم يمنعون حق الفقير فيما قيمته حبل يعقل به بعير”. يقول الشيخ الطاهر بن عاشور في تفسير التحرير والتنوير في قوله تعالى:{وفي أموالهم حقٌّ للسائل والمحروم}[الذاريات 19]. “وحق السائل والمحروم:هو النصيب الذي يعطونه إياهما،أطلق عليه لفظ الحق، إما لأن الله أوجب على المسلمين الصدقة بما تيّسر قبل أن يفرض عليهم الزكاة فإن الزكاة فرضت بعد الهجرة فصارت الصدقة حقاً للسائل والمحروم أو لأنهم ألزموا ذلك أنفسهم حتى صار كالحق للسائل والمحروم. والسائل:الفقير المظهر فقره فهو يسال الناس، والمحروم:الفقير الذي لا يُعطى الصدقة لظن الناس أنه غير محتاج من تعففه عن إظهار الفقر، وهو الصنف الذي قال الله تعالى في شانهم:{يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف}[البقرة 273]” وقال النبي صلى الله عليه وسلم:”ليس المسكين الذي يطوف على الناس، تردُّهُ اللقمة واللقمتان، و التمرةُ والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنىً يغنيه،ولا يُفطن به فيتُصدَّق عليه،ولا يقوم فيسأل الناس“[رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه]. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان،ولا اللقمة واللقمتان،وإنما المسكين الذي يتعفف”[رواه الشيخان] وإطلاق اسم المحروم ليس حقيقة لأنه لم يسأل الناس ويحرموه ولكن لما كان مآل أمره إلى مايؤول إليه أمر المحروم أطلق عليه لفظ المحروم تشبيهاً به في أنه لا تصل إليه ممكنات الرزق بعد قربها منه فكأنه ناله حرمان. والمقصود من هذه الاستعارة ترقيق النفوس وحثّ الناس على البحث عنه ليضعوا صدقاتهم في موضع يحب الله وضعها فيه ونظيرها في سورة المعارج”. ويقول تعالى:{والّذينَ في أموالِهمْ حقٌّ معلومٌ*للسائلِ والمحرومِ}[المعارج 24 ـ 25]. يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال: ”وهي الزكاة على وجه التخصيص والصدقات المعلومة القدر.وهي حق في أموال المؤمنين..أو لعل المعنى أشمل من هذا وأكبر.وهو أنهم يجعلون في أموالهم نصيباً معلوماً يشعرون أنه حق للسائل والمحروم.وفي هذا تخلص من الشح واستعلاء على الحرص.كما أن فيه شعوراً بواجب الواجد تجاه المحروم،في هذه الأمة المتضامنة المتكافلة… والسائل الذي يسأل والمحروم الذي لا يسأل ولا يعبر عن حاجته فيحرم. أو لعله الذي نزلت به النوازل فحرم وعف عن السؤال.والشعور بأن للمحتاجين والمحرومين حقاً في الأموال هو شعور بفضل الله من جهة،وبآصرة الإنسانية من جهة،فوق مافيه من تحرر شعوره من ربقة الحرص والشح.وهو في الوقت ذاته ضمانة اجتماعية لتكافل الأمة كلها وتعاونها.فهي فريضة ذات دلالات شتى،في عالم الضمير وعالم الواقع سواء.وذكرها هنا فوق أنه يرسم خطاً في ملامح النفس المؤمنة فهو حلقة من حلقات العلاج للشح والحرص في السورة”. يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(الرسالة العدد 449 بتاريخ التاسع من شباط عام 1942م): “عالج الإسلام الفقر علاج من يعلم أنه أصل كل داء ومصدر كل شر.وقد أوشك هذا العلاج أن يكون بعد توحيد الله أرفع أركان الإسلام شأناً،وأكثر أوامره ذكراً،وأوفر مقاصده عناية.ولو رحت تستقصي مانزل من الآيات وورد من الأحاديث في الصدقات والبر،لحسبت أن رسالة الإسلام لم يبعث الله بها محمداً صلى الله عليه وسلم آخر الدهر إلا لتنقذ الإنسانية من غوائل الفقر وجرائر الجوع.وحسبك أن تعلم أن آي الصيام في الكتاب أربع ،وآي الحج بضع عشرة،وآي الصلاة لاتبلغ الثلاثين،أما آي الزكاة والصدقات فإنها تُربي على الخمسين. ويتابع رحمه الله:”ولم يقف الإسلام في علاج الفقر عند فرض الزكاة،وإنما شرع للبر في العبادات والمعاملات موارد لا يأسن لها مَعين ولاينقطع عنها رافد: يحنث الرجل في يمينه فيكفر بإطعام عشرة مساكين من أوسط مايطعم أهله،أو كسوتهم،أو تحرير رقبة. ويقسم ألا يفعل شيئاً،ثم يرى أن فعله خير من تركه فيكفر بإطعام المساكين ثم يفعله. ويظاهر من زوجه ثم يبدو له أن يعود،فيطعم ستين مسكيناً أو يحرر رقبة. ويرمي فيقتل نفساً من غير عمد،فيطعم أو يعتق فضلاً عن أداء الدية. ويعجز عن صوم رمضان،لسقم أو هَرم ،فيفطر ويطعم كل يوم مسكيناً. ويفطر عامداً في رمضان من غير علة،فيطعم ستين فقيراً أو يفك رقبة. ويخل الحاج بشرط من شروط الحج فيكفر بذبح يقدمه للمساكين. ويتجرد عن المخيط فإذا لبس شيئاً منه لزمته الفدية. ويُرزق الرجل غلاماً فيعُق عنه بذبيحة يطعمها الفقراء. ويقبل عيد الصوم أو عيد الحج فيجب على الأغنياء أن يرفهوا عن الفقراء بزكاة الفطر أو بلحوم الأضاحي. وينذر المسلم لله نذراً فيوجب الدين عليه أن يفي به براً بالفقراء وعوناً للمساكين. ويعجز الرجل عن تكاليف العيش فيوجب الدين على من يرثه بعد موته أن ينفق عليه! فينفق الابن على الأب،والأب عن الابن،والأخ على الأخنوالزوج على الزوج،عملاً بالقاعدة الإسلامية الحكيمة:الغُرم بالغُنم.ولقد رأى الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه يهودياً لايقدر على شيء،فوقف به ثم قال له:ما أنصفناك أيها الذمي!أخذنا منك الجزية في قوتك،فيجب أن لا نضيعك في ضعفك .ثم أجرى عليه من بيت المال مايمسك نفسه. وجاءت الشريعة بالوصية لمن حضره الموت:يوصي بثلث ماله لوجوه البر فضلاً عن الوصية للوالدين والأقربين. ونوهت السّنة بالصدقة الجارية،فكان بركة من بركات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على المرضى والزّمنى وذوي الخصاصة وأبناء السبيل وطلاب العلم وحجاج البيت،بما يوقف عليهم أولو الفضل والسعة من المستشفيات والملاجئ والخانات والزوايا والأربطة والمدارس والمساجد والمكاتب. كل أولئك إلى ماجاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من الحث على الإنفاق في سبيل الله،والترغيب فيما عند الله من حسن المثوبة،بفنون من القول الرائع والتشبيه المحكم. كذلك عالج الإسلام الفقر من طريق آخر غير طريق الزكاة والصدقات والكفارة:عالجه من طريق الكسر من حدة الشهوة،والكف من سَورة الطموح،والغضّ من إشراف الطمع ،فرغّب الغنى في الزهد،وأمر الواجد بالقناعة،ومدح الفقير بالتعفف. ذلك ما عالج به الإسلام داء الفقر الذي أعيا الإنسانية منذ الدهر الأول.وهو على إحاطته وبساطته ونجوعه ينهض وحده دليلاً على أفن الذين يقولون إن دستور القرآن لا يأتلف مع المدنية،وشريعة نابليون أصلح للناس من شريعة الله ،ونظام ماركس أجدى على العالم من نظام محمد. فلو أن كل مسلم أدى حق الله في ماله،ثم استفاد لأريحية طبعه وكرم نفسه ،فأعطى من فضل،وواسى من كفاف،وآثر من قلة،ثم قيض الله لهذا كله من ولاة الأمر من يجمعه على أكمل حال،ويدبره على أفضل وجه،ويوزعه على أعدل قسمة،لكان ذلك عَسِيّاً أن يُقر السلام في الأرض،ويُشيع الوئام في الناس،فتهدا ضلوع الحاقد،وترقأ دموع البائس،ويسكن جوف الفقير،ويذهب خوف الغني ،ويتذوق الناس في ظلال الرخاء،سعادة الأرض ونعيم السماء”. قد نجا المُنعمُ الجوادث من الموتِ بفضلِ الزكاة والإنعامِ وعلمنا أنَّ الزكاةَ سبيلُ الله قبلَ الصلاة قبل الصيام خصّها الله في الكتابِ بذكرٍ فهي ركنٌ الأركان في الإسلام بدأت مبدأ اليقين وظلّتْ لحياة الشعوب خير قوام لو وفى بالزكاة من جَمعَ الدنيا وأهوى على اقتناءِ الحطام ما شكا الجوعَ معدِمٌ أو تصدّى لركوبِ الشرورِ والآثام راكباً رأسه طريداً شريداً لا يُبالي بشرعةٍ أو ذمام سائلاً عن وصيةِ الله فيه آخذاً قوتهُ بحدِّ الحسام (حافظ ابراهيم) ويقول شاعر النيل حافظ إبراهيم أيضاً: خير الصنائع في الأنام صنيعة تنبو بحاملها عن الإذلال وإذا النوال أتى ولم يهرق له ماء الوجوه فذاك خير نوال من جاد من بعد السؤال فإنه وهو الجواد يعدُّ في البخال لله درُّ الساهرين على الألى سهروا من الأوجاع والأوجال القائمينَ بخير ما جاءت به مدنية الأديان والأجيال فتسابقوا الخيرات فهي أمامكم ميدان سبق للجواد النال والمحسنون لهم على إحسانهم يوم الإثابةِ عشرة الأمثال وجزاءُ ربِّ المحسنينَ يجلّ عن عدّ وعن وزن وعن مكيال يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(مجلة الرسالة العدد 289 بتاريخ 16 كانون الثاني عام 1939): “يا صاحب السعادة،لمَ ترضى أن أكون صاحب الشقاء؟أنا وأنت نبعتان من دوحة آدم نمتا في ثرى النيل،ولكن مغرسك لحسن حظك كان أقرب إلى الماء،ومغرسي لسوء حظي كان أقرب إلى الصحراء، فشبعت أنت وارتويت،على قدر ما هزلت أنا وذويت،لأن الماء والغذاء يطلبانك وأنت ضاجع وادع،وأنا أطلبهما بالكدح والمتح فما أنال غير الجفاف أو النطاف.! لقد ضمن الله لك حق الملك لصلح الدنيا،ولكنه فرض عليك بإزاء ذلك الزكاة تحقيفاً لهذا الصلاح.فإذا خشيت أن تمتد عيني إلى مالك بالحسد والشهوة،ويدي إلى نفسك بالعنف والقسوة،فاكسر نظرتي وحدّتي عنك بأداء ما جعل الله لي عندك،وإلا كان من الإنصاف في رأيي على الأقل أن يكون اعترافي بالحق لك،معادلاً لأعترافك بالواجب عليك”. يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(الرسالة العدد 292 بتاريخ السادس من شباط عام 1939): “من أجل ذلك كان تنظيم العلاقة بين القوة والضعف،والغنى والفقر،عملاً من أعمال الله وحده،يرفّه عليه النفوس،ويرفع به الإنسانية،ويجّمل به الحياة.فإذا حاربنا الفاقة بسلاح الاقتصاد المحض كسِّ النظم،وتوسيع الموارد،وتوزيع العمل،وأغفلنا أثر الحظوظ والميول والأحوال والأمراض في حياة المرء،قتلنا الفقر بقتل الفقير،كما يقتل الطبيب المرض بقتل المريض.إنما يُحارب الفقير بسلاح الدين ليس غير.وسلاح الدين في مجاهدة البؤس أنه يجعل للفقير في مال الغني حقاً معلوماً لا يصح إسلامه إلا باعتقاده وأدائه،وأنه يقوي الإنسانية في الإنسان حتى يشعر بالأخوة لكل مسكين،وبالرحمة لكل بائس. الدين هو الطب الوحيد لأدواء المجتمع،فإذا غرستموه في قلوب النشء،وقويتموه في نفوس الشباب،جعل من الأمة أسرة متماسكة البناء،متضامنة الأعضاء،يعين سعيدها الشقي،ويحمل قادرها العاجز،حتى يقطعوا مراحل الحياة رافهين لا يمسّهم نصب،ولا تجافي بينهم عداوة. مَنْ غير الله يستطيع أن يرقق هذه الكبد الغليظة في هذا الغني المبطان الذي غلا في الكبر ولجّ في الهوى،ودلّل نفسه على ذل الناس، وأمسك رزق الله في خزائنه فلا يطلقه إلا لشهوة أو نزوة؟ من غير الله يستطيع أن يقلب العَبر على عيني هذا المغرور فيريه بالشكل والمرض والهمم أن الراحة في النفس ألذّ منها في الجسم،وأن الجمال في الرحمة أسمى منه في الجبروت،وأن السعادة في الإعطاء أعظم منها في الأخذ،وأن خير ما في الدنيا هو ما انتقل معه إلى الآخرة؟ هيهات أن يكون في الأرض إيمان مادام في الأرض فقر.فإن أسباب الفقر ممدودة من الطمع والشحّ والأثرة،وهذه الخلال السوء لا تطمئن عليها نفسٌ مؤمنة.وإن من ضلال الإفهام أو الأقلام أن نعالج الفقر على أنه من ندرة العمل في البلد أو قلّة الخير في الدنيا،فإن العمل ميسور للقادر،ورزق الله موفور للحي.فهل يفكر أولو الأمر أن يعالجوا الفقر كما عالجه الله به فيجبوا الزكاة وينظموا الإحسان؟إنهم إن يفعلوا ذلك لا يجدوا في البيوت عائلاً،ولا في الطريق سائلاً،ولا في السجون قاتلاً،ولا في المواخير ساقطة”. ويقول الشيخ محمد محمد المدني (كتاب المجتمع الإسلامي كما تنظمه سورة النساء): يقول تعالى:{واعبدوا الله ولاتشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجُنب والصاحبِ بالجنب وابنِ السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لايحب من كان مختالاً فخوراً}[النساء 36]. “وقد أجملت هذه الآيات ما أمرت به في شأن هذا التضامن والتراحم في كلمة جامعة هي كلمة”الإحسان” فقالت:”وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى…”الخ. والإحسان مرتبة فوق العدل، فإذا تعاملت مع الناس فأخذت منهم حقك وأعطيتهم حقوقهم،فقد جريت على سنة العدل والمبادلة بالحق،ولكن إذا تجاوزت هذه المنزلة إلى ما هو فوقها من الرفق والإيثار،فقدمت لله ولإخوانك في المجتمع بعض حقك راضياً لتنفع به من هو في حاجة إليه أو تقبلت منهم اقل مما لك لهذا الغرض الشريف، فأنت تجري على سنة”الإحسان” والله يأمر بالعدل والإحسان. للإنسان مع والديه نوع من المعاملة أساسه التكريم والرعاية،وحسن الأدب،ورد الجميل،ومكافأة العاطفة بالعاطفة،والصبر على ما عسى أن يكون لهما من متاعب وأخطاء أو إساءات،فهذا هو الإحسان بالوالدين. وللإنسان مع ذوي قرباه نوع آخر من المعاملة والمجاملة يقوم على أساس من الصلة والبر والمودة والتجاوز والغفران، فهذا نوع ىخر من الإحسان. وللإنسان نوع من المعاملة مع اليتامى يقوم على أساس من الرحمة واللطف ورقة القلب،وإدراك أن هذا اليتيم قد فقد من يحبه،ويمنحه الود صافياً،ويستعذب العذاب في سبيله،وأنه أصبح وحيداص في حياته يعاني آلام هذا اليتم،ويرى الأبناء من حوله يعانقون آباءهم ولايرى له أباً يعانقه،فبهذا يرحمه،ويحبه ويجعل رحمته إياه وحبه في مظهر كريم لايجرحه،ولايسيئ إلى عاطفته، ولايشعره بأن هذا يفعل معه من أجل أنه يتيم. والذي يقال في القريب،وفي اليتيم،يقال مثله وعلى هداه، في المسكين، وفي الجار ذي القربىن وفي الجار الجنب،وفي الصاحب بالجنب،وفي ابن السبيل،وفيما ملكت الأيمان،كل له أسلوب يجب أن يعامل عليه،وكل له حقوق يجب أن ترعى،وأن تتحقق برعايتها صورة التضامن الإجتماعي كاملة واضحة جميلة”. ويقول الشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني(الأخلاق الإسلامية ج2 ص628): “في الحديث الشريف الذي رواه مسلم”من نفس عن مؤمن كربة….” والتنفيس في اللغة يأتي بمعنى التفريج والتوسعة،وكأن هذا المصدر مأخوذ من النَّفْس التي يضغط فيها الهم والغم والحزن،فالتنفيس عنها هو إخراج ما يضغط في داخلها من ذلك،بتوسعة وتفريج، أو مأخوذ من النَّفَس وهو الذي يتنسمه الإنسان فيستروح به،ويخلص به من حالة الضيق المادي الذي يصيبه إذا هو لم ياخذ منه جديداً ولم يطرد منه محترقاً، ثم جرى نقل هذا المعنى المادي على سبيل الاستعارة إلى المعاني النفسية. والكَرْب في اللغة الحزن والغمّ الذي ياخذ بالنفس، ويضغط فيها ضغطاً مؤلماً،والاسم منه الكُرْبة، وجمعها كُرَب. والكُرَب الضاغطات في الانفس المؤلمات لها، لاتستريح الأنفس منها إلا بالتنفيس. ويتابع الشيخ حبنكة:”وهنا يأتي دور مساعدة المؤمن لأخيه المؤمن،بتنفيس الكُرب عنه إذا هي حلّت به،أو حلّ به شئٌ منها.وبغية مساعدته ينظر في سبب الكربة:فإذا كانت كربته من جهة فقره وحاجته ساعده حتى يسدّ حاجته،ويرفع عنه ضرورته،سواء أكان ذلك من ماله، أو من مساعيه الحسنة،بدعوة ذوي الإحسان إلى البذل له والتوسعة عليه.وإذا كانت كربته بسبب حاجته إلى قرض حسن يدفع به ضرورة ملحّة أقرضه.وإذا كانت كربته بسبب مصيبة حلّت فيه واساه وعزّاه حتى تنفرج عنه الكربة.وإذا كانت كربته بسبب حاجته إلى شفاعة حسنة شفع له….. ويتابع الشيخ حبنكة الميداني: “والموضوع الثاني في الحديث الشريف”ومن يسر على معسر…” والتيسير هو التسهيل والمسامحة، ويكون التيسير على المعسر من وجوه شتى. منها التيسير على المدين إذا حلّ أجل الدين ولم يجد عنده مايفي به دينه،يقول تعالى:{وإن كانَ ذو عُسرةٍ فَنظرةٌ إلى مَيسرةٍ وأن تصدقوا خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون} [البقرة 280]. فأمر بالنظرة إلى الميسرة، والنظرة هي الانتظار، ووجه إلى ماهو خير منها وهو التجاوز والمسامحة، وسمّى ذلك صدقة،لأنه من قبيل الصدقة الخفية. ومن التيسير على المعسر التيسير في المبايعات، وذلك بالتساهل معه إذا لم يكن لديه مايفي بثمن السلعة،أو بتأجيل بقية ثمنها…. والموضوع الثالث في الحديث”ومن ستر مسلماً..” فمن أخلاق المسلم أن يستر أخاه ولايفضحه ،مالم يجاهر في معصيته أمام الناس،ومالم تكن معصيته مما يتعلق بها حقٌّ من حقوق الناس،أو حقٌّ من الحقوق العامة، أو تفضي إلى الإضرار بمصالح المسلمين الكبرى. والموضوع الرابع:”والله في عون العبد..”فمعاونة المسلم لأخيه المسلم فضيلة خلقية يقترن بها دائماً عون من الله له مكافأة له على عمله.انتهى كلام الشيخ حبنكة. وإن كرب الدنيا متعددة الألوان والأشكال فمنها تخفيف العبء على المعسرين ومن أقلقتهم وأرقتهم الديون، فالدين ذلة في النهار وهمّ في الليل،ولذلك حضّ الله تعالى ورسوله على معاونة المعسرين المديونين الذين لايملكون دفع ديونهم عند قرب وقت تسديدها، يقول تعالى:{وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة}[البقرة 280]، والأفضل من انتظار المعسر وتأجيل دفع ديونه ابراء ذمته وإحلاله من الدين الذي عجز عن تسديده و أن يتصدّق الإنسان عليه ويعفيه منه:{وأن تصدّقوا خير لكم إن كنتم تعلمون}[البقرة280]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”من أنظر معسراً أو وضع له ـ أي تنازل له عن جزء من الدين ـ أظله الله يوم القيامة يوم لاظل إلا ظله“. ومن علامات التكافل والتعاضد بين المسلمين أن يستر المسلم على من وقع في معصية ولم يجاهر بها لعلّه يتوب ويندم وقد ستره الله . ذهب رجل إلى أمير المؤمنين عمر الفاروق رضي الله عنه وقال له أنه رأى فلاناً قارف إثماً لم يبلغ به الحد.فقال له: هلا سترت عليه ورجوت له التوبة. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” من ستر أخيه ستره الله في الدنيا والآخرة”. ثم قال: إذا رأى مسلم أخاه زلّ زلة فسددوه وأدعوا أن يتوب الله عليه، ولاتكوناً عوناً عليه للشيطان. ومن مظاهر التكافل والتعاون الإجتماعي إطعام الجائع وعيادة المريض وفك العاني.يقول تعالى:{ويُطعمونَ الطَّعامَ على حُبّهِ مِسكيناً ويتيماً وأسيراٍ* إنَّما نُطعِمُكُم لوجهِ الله لانريدُ منكُم جَزاءً ولاشُكوراً}[الإنسان 8 ـ 9]. يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال: ”وهي تصور شعور البر والعطف والخير ممثلاً في إطعام الطعام،مع حبّهِ بسبب الحاجة إليه.فمثل هذه القلوب لا يقال عنها:إنها تحب الطعام الذي تُطعمه للضعاف المحاويج على اختلاف أنواعهم.إلا أن تكون في حاجة إلى هذا الطعام.ولكنها تؤثر به المحاويج… وهذه اللفتة تشي بقسوة البيئة في مكة بين المشركين،وأنها كانت لا تفضي بشىء للمحاويج الضعاف،وإن كانت تبذل في مجالات المفاخرة بالشىء الكثير.فأما الأبرار من عباد الله فكانوا واحة ظليلة في هذه الهاجرة الشحيحة.وكانوا يطعمون الطعام بـريحيّة نفس،ورحمة قلب،وخلوص نيّة.واتجاه إلى الله بالعمل،يحكيه السياق من حالهم،ومن منطوق قلوبهم… “إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولاشكورا”. فهي الرحمة الفائضة من القلوب الرقيقة الرفيقة،تتجه إلى الله تطلب رضاه ،ولا تبتغي جزاء من الخلق ولا شكرا،ولا تقصد بها استعلاء على المحتاجين ولا خيلاء”.كما تقي بها يوماً عبوساً شديد العبوس،تتوقعه وتخشاه وتتقيه بهذا الوقاء.وقد دلّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول:”اتق النار ولو بشق تمرة”[أخرجه الشيخان عن عدي بن حاتم]. وقد كان إطعام الطعام هكذا مباشرة هو وسيلة التعبير عن هذه العاطفة النبيلة الكريمة،ووسيلة الإشباع لحاجات المحاويج،ولكن صور الإحسان ووسائله قد تتغير بحسب البيئات والظروف،فلا تظل في هذه الصورة البدائية المباشرة.إلا أن الذي يجب الاحتفاظ به هو حساسية القلوب،وحيوية العاطفة،والرغبة في الخير ابتغاء وجه الله،والتجرد من البواعث الأرضية من جزاء أو شكر أو نفع من منافع الحياة”. في الحديث الشريف الذي رواه الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم أي الإسلام خير؟قال:”تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف” قال تعالى:{ماسلككم في سقر* قالوا لم نك من المصلين* ولم نك نطعم المسكين}[المدثر42 ـ 44]. وقال صلى الله عليه وسلم:”ليس بمؤمن من بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع وهو يعلم”[رواه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وقال الألباني حديث صحيح].وقال صلى الله عليه وسلم:”إن الأشعريين ـ قبيلة من اليمن ـ إذا أرملوا في الغزو أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم بالسوية فهم مني وأنا منهم“. [متفق عليه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه]. (أي افتقروا وأصابهم الجدب والقحط). وقال صلى الله عليه وسلم:”أيما مؤمن أطعم مؤمناً على جوع أطعمه الله يوم القيامة من ثمار الجنة،وأيما مؤمن سقى مؤمناً على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم، وأيما مؤمن كسا مؤمناً عن عري كساه الله من حلل الجنة“.[رواه أبو سعيد الخدري وقال المنذري في الترغيب والترهيب إسناده صحيح أو حسن]. وقال صلى الله عليه وسلم:”من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لاظهر له، ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لازاد له“[رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه]. وقال صلى الله عليه وسلم:”أفشوا السلام وأطعموا الطعام“.فإن إفشاء السلام يورث المودة والمحبة بين المسلمين، وهو تحية أهل الجنة{تحيتهم يوم يلقونه سلام}،{والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم}. وعيادة المريض إيناساً له ومواساة وليشعر أنه في مرضه وابتلائه ليس وحيداً، وذلك يشد من عزمه ويعجل في شفائه. قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إذا دخلتم على المريض فنفّسوا له في الأجل فإن ذلك لايرد شيئاً“[قال الألباني حديث ضعيف] (ويمكن الرجوع إلى هذا الموضوع بالتفصيل في موضوع عيادة المريض وسننه وأحكامه). كما أنه من التضامن والتعاون الاجتماعي أن تخفف عن المصاب والمبتلى والمكروب وأن تسهل عليه الأمور ولاتعسّر عليه وأن تجعله يركب مركب التفاؤل لإن هذا يشيع الراحة النفسية في قلبه ويساعده على تجاوز محنته . يقول صلى الله عليه وسلم:”يسروا ولاتعسروا، وبشروا ولاتنفروا“.[صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه]. ومن مظاهر التكافل الاجتماعي رعاية الأيتام ومدّ يد العون والمساعدة إليهم وإعطائهم حقوقهم ورعايتهم. يقول تعالى:{أو إطعامٌ في يومٍ ذي مسغبة*يتيماً ذا مقربة* أو مسكيناً ذا متربة}[البلد14 ـ 16]،ويقول تعالى:{كلا بل لاتكرمون اليتيم* ولاتحاضون على طعام المسكين}[الفجر 17 ـ 18]،ويقول تعالى:{وإذا حضر أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولاً معروفاً}[النساء 8]، ويقول تعالى:{أرأيتَ الذي يكذب بالدين* فذلكَ الذي يدُعُّ اليتيم* ولايحضُّ على طعام المسكين}[الماعون 1 ـ 3] وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة:، وأشار بالسبابة والوسطى.[متفق عليه]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله ـ وأحسبه قال ـ وكالقائم الذي لايفتر وكالصائم الذي لايفطر“.[متفق عليه]. يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد230): “نعم إن آيات الوصية في اليتامى كثيرة ومنها مانزل في مكة كقوله تعالى:{ولاتقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن}[الإسراء 34]وقوله تعالى:{فأما اليتيم فلا تقهر}[الضحى9]وقوله تعالى{فذلك الذي يدع اليتيم}[الماعون 2]جعل دَعَ اليتيم وهو دفعه وزجره بعنف أول آيات التكذيب بالدين.وأجمع ماورد في ذلك وآكده في آيات سورة النساء وهي سورة مدنية. ويتابع رحمه الله:”وهذا الذي هدانا إليه الكتاب العزيز في شأن اليتامى من معاملتهم كالإخوان مبني على ما أودع الفطرة السليمة من الحب والإخلاص للاقربين وقد طرأ الفساد على هذه الرابطة النسبية في بلاد كثيرة بما افسدت السياسة في الأمة فصار الأخ يطمع في مال أخيه،ويحفر له من المهاوي مالعله يقع فيه”. إنّ الإسلام حضّ على مساعدة الأرملة التي لديها أيتاماً لاعائل لهم، ولاتستطيع الكسب فتنفق عليهم،وعن الشيخ الكبير الذي وهن منه العظم وليس لديه مال يستعين به في هرمه، أو ولد بار يسعفه في شيخوخته،وإعانة العامل الذي كسدت صناعته،والعاجز الذي أفقدته عن الكسب زمانته، وصاحب المورد الضئيل الذي لايقوم مورده بسدّ نفقات من يعوله، كل أولئك ومن على شاكلتهم في حاجة إلى التخفيف من متاعبهم ومد يد العون لهم على الدوام. أما المسلم الذي يعيش لنفسه ويترك أخاه يقطع الطريق وحده، وتلم به المحن فلا يمده بعون،ويستباح ماله وعرضه، فلا يظاهره أو يثأر له، وكأنه لايعنيه ذلك في قليل أو كثير، ذلكم هو المسلم الأناني، والأنانية علّة التفرقة، وعامل العزلة. وما ضعف المسلمون وهانوا على أنفسهم واستخذوا لأعدائهم إلا بعد أن دبّ إليهم داءالأنانية وأصبح كل فرد في كل مجتمع يعيش لنفسه ويسعى لمصلحته الخاصة،ولو كانت على حساب أخيه ومضرته، ويضع يده في يد عدوه ويخذله وهو أحوج مايكون لنصرته، وتلك هي الهزيمة المنكرة. والمسلمون كما يصفهم الرسول الله صلى الله عليه وسلم” مثل المؤمنين في توادهم،وتراحمهم،وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”[أخرجه الشيخان عن النعمان بن بشير رضي الله عنه] ،وقال فيهم الله عز وجل:{والذين إذا أصابهم البغيّ هم ينتصرون}[الشورى39]، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:”لاتكونوا إمعةً ـ أي لارأي لكم ـ تقولون: إن أحسن الناس أحسنّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطّنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساؤا فلا تظلموا“[سنن الترمذي عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وهو حديث حسن غريب]، وقال تعالى:{ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}[الحشر 9]. يقول الأستاذ مصطفى لطفي المنفلوطي(الأعمال الكاملة المجلد الأول ص54 تحت عنوان الرحمة): “ايها الرجل السعيد: كن رحيماً، اشعر قلبك الرحمة،ليكن قلبك الرحمة بعينها. ليتك تبكي كلما وقع نظرك على محزون أو مفؤؤد فتبتسم سروراً ببكائك…واغتباطاً بدموعك، لأن الدموع التي تنحدر على خديك في مثل هذا الموقف إنما هي سطور من نور..تسجل لك في تلك الصحيفة البيضاء: إنك إنسان. إن السماء تبكي بدموع الغمام…ويخفق قلبها بلمعان البرق…وتصرخ بهدير الرعد،وإن الأرض تئن بحفيف الريح.. وتضج بأمواج البحر، وما بكاء السماء ولا أنين الأرض إلا رحمة بالإنسان… ونحن ابناء الطبيعة فلنجارها في بكائها وأنينها. إن اليد التي تصون الدموع،أفضل من اليد التي تريق الدماء،والتي تشرح الصدور، أشرف من التي تبقر البطون،فالمحسن أفضل من القائد وأشرف من المجاهد،وكم بين من يحيي الميت، ومن يميت الحي. لو تراحم الناس لما كان بينهم جائع ولامغبون ولامهضوم..ولأقفرت الجفون من المدامع… ولاطمأنت الجنوب في المضاجع، ولمحت الرحمة الشقاء من المجتمع كما يمحو لسان الصبح مداد الظلام. أيها الإنسان .ارحم الأرملة التي مات عنها زوجها، ولم يترك لها غير صبية صغار، ودموع غزار،ارحمها قبل أن ينال اليأس منها ويعبث الهم بقلبها فتؤثر الموت على الحياة. ارحم الزوجة أم ولدك وقعيدة بيتك ومرآة نفسك وخادمة فراشك لأنها ضعيفة، ولأن الله قد وكل امرها إليك،وما كان لك أن تكذب ثقته بك. ارحم ولدك وأحسن القيام على جسمه ونفسه فإنك ألا تفعل قتلته أو أشقيته فكنت أظلم الظالمين. ارحم الجاهل لاتتحين فرصة عجزه عن الانتصاف لنفسه فتجمع عليه بين الجهل والظلم،ولاتتخذ عقله متجراً تربح فيه ليكون من الخاسرين. ارحم الحيوان لأنه يحس كما تحس ويتألم كما تتالم ويبكي بغير دموع،ويتوجع ولايكاد يبين… أيها السعداء أحسنوا إلى البائسين والفقراء، وامسحوا دموع الأشقياء،وارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”. إن التكافل والتلاحم والتراحم بين أفراد المجتمع الواحد يجعل من هذا المجتمع عنواناً للسعادة والاطمئنان، ويجعل أفراده الذين اجتمعوا على الأخوة البشرية أخوة الدين والإنسانية. عيّن أبو بكر الصديق رضي الله عنه عمر بن الخطاب قاضياً على المدينة، فمكث عمر سنة لم يفتتح جلسة،ولم يختصم إليه اثنان،وطلب من أبي بكر إعفاءه من القضاء. فقال أبو بكر: أمن مشقة القضاء تطلب الإعفاء ياعمر؟ فقال له عمر:لا ياخليفة رسول الله،ولكن لاحاجة بي عند قوم مؤمنين’عرف كل منهم ماله من حق فلم يطلب أكثر منه، وماعليه من واجب فلم يقصر عن أدائه، أحب كل منهم لأخيه مايحب لنفسه. إذا غاب أحدهم تفقدوه، وإذا مرض عادوه، وإذا افتقر أعانوه، وإذا احتاج ساعدوه، وإذا أصيب واسوه، دينهم النصيحة، وخلقهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففيم يختصمون؟.3 ـ الترويح عن النفس والمزاح والدعابة
المزاح لغة: هو الدعابة،ونقيض الجد.كما قال ابن منظور. أما المزاح شرعاً: فقد عرّفه الزبيدي بقوله: هو المباسطة إلى الغير على جهة التلطف والإستعطاف دون أذية(ليخرج بذلك الاستهزاء والسخرية). إن المسلم الذي يضم إلى الجد روح الدعابة ومفاكهة الحديث وعذوبة المنطق وطرافة الحكمة،لاشك أنه يملك القلوب بجاذبية حديثه ويأسر النفوس بلطيف معشره وكريم مداعبته.فالمزاح سنة،وقد فعله الرسول صلى الله عليه وسلم واًصحابه الذين تربوا في مدرسته.فقد كانوا يتمازحون فيما بينهم ولكن إذا جدّ الجدّ كانوا هم الرجال. إن القلوب تملّ كما تملّ الأبدان،ولهذا فإن المزاح الصادق المشروع فيه تطييب القلب وتوثيق المحبة والإلفة وتجديد النشاط. يقول الشيخ العلامة يوسف القرضاوي حفظه الله(موقع القرضاوي ـ مقال بعنوان:من معاني العيد): “الإسلام دين واقعي لا يحلّق في أجواء الخيال والمثالية الواهمة،ولكنه يقف مع الإنسان على أرض الحقيقة والواقع.ولا يعامل الناس كأنهم ملائكة ولكنه يعاملهم بشراً يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق. لذلك لم يفرض على الناس ـ ولم يفترض فيهم ـ أن يكون كل كلامهم ذكراَ،وكل صمتهم فكراً،وكل سماعهم قرآناً،وكل فراغهم في المسجد.وإنما اعترف بهم وبفطرتهم وغرائزهم التي خلقهم الله عليها،وقد خلقهم سبحانه يفرحون ويمرحون ويضحكون ويلعبون،كما خلقهم يأكلون ويشربون. ولقد بلغ السمو الروحي ببعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مبلغاً ظنوا معه أن الجدّ الصارم،والتعبد الدائم لا بد أن يكون ديدنهم،وأن عليهم أن يديروا ظهورهم لكل متع الحياة،وطيبات الدنيا،فلا يلهون ولا يلعبون،بل تظل أبصارهم وأفكارهم متجهة إلى الآخرة ومعانيها بعيدة عن الحياة ولهوها. ولنستمع إلى حديث هذا الصحابي الجليل حنظلة الأسيدي ـ وكان من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ قال يحدثنا عن نفسه: لقيني أبو بكر وقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة قال: سبحان الله ما تقول؟ قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكّرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين،فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم،عافسنا(لاعبنا) الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيراً. قال أبو بكر:فوالله إنا لنلقى مثل هذا. قال حنظلة:فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: نافق حنظلة يا رسول الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:وماذاك؟ قلت يا رسول الله لانكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين،فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات،ونسينا كثيراً. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”والذي نفسي بيده:إنكم لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر،لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم،ولكن يا حنظلة،ساعة وساعة،وكررهذه الكلمة ـ ساعة وساعة ثلاث مرات”.[صحيح الترمذي عن حنظلة بن الربيع الكاتب الأسدي] يقول عظيم الإسلام الأستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله(الموسوعة الجزء16 ص333): “ماالضحك؟ولماذا نضحك؟وما الضحك بشئ واحد..ومانضحك لسبب واحد..وما نفكر في الضحك على نحو واحد..ولكنها الكلمة التي لاغنى عنها،ونحن نضحك لأسباب كثيرة،ولسنا نضحك لسبب فرد لايتعدد،ويوشك أن يكون لكل حالة من حالات ضحكتها التي تصدر عنها ولاتصدر عن حالة غيرها، كأنما هي لغة كاملة على أسلوبها في التعبير. ويتابع العقاد:”هناك ضحك السرور والرضى،وهناك ضحك السخرية والازدراء،وهناك ضحك المزاح والطرب،وهناك ضحك الشماتة والعداوة،وهناك ضحك العجب والإعجاب،وهناك ضحك العطف والمودة،وهناك ضحك المفاجأة والدهشة، وهناك ضحك المقرور وضحك المشنوج وضحك السذاجة وضحك البلاهة، ومايختاره الضاحك وما ينبعث منه على غير اضطرار.بل ربما كان لكل مضحكة من هذه المضحكات ألوان لاتتشابه في جميع الأحوال.فالضاحك المسرور قد يكون سروره زهواً بنفسه واحتقاراً لغيره،وقد يكون سروره فرحاً بغيره، لازهو فيه بالنفس ولا احتقار للآخرين”. ويقول العقاد(نفس المرجع ص395 تحت عنوان الضحك في الكتب الدينية): “جاءت الإشارة إلى الضحك في القرآن الكريم مرة في قصة ابراهيم ومرة في قصة سليمان عليهما السلام. ففي قصة ابراهيم يقول تعالى:{فلما رأى أيدِيَهُم لاتصِلُ إليهِ نَكرهُم وأوجسَ منهُم خيفةً قالوا لاتخف إنّا أُرسلنا إلى قوم لوط*وامرأتُهُ قائمةٌ فضحكت فبشَّرناها بإسحاقَ ومن وراءِ إسحاقَ يعقوب *قالت ياويلتى ألِدُ وأنا عجوزٌ وهذا بعلي شيخاً إنَّ هذا لشئٌ عجيب}.[هود70 ـ 72]. فهنا خوف فاطمئنان فبشرى مفاجئة على غير انتظار،فتعجّبٌ لاتملك سارة أن تجهر فتقول:إن هذا لشئ عجيب.. ويتابع العقاد:”كل عوامل الضحك النفسية التي ظهرت للباحثين النفسيين في تفسيراتهم تعرضها هذه الآية الكريمة على نسقها المتتابع فتأتي بالضحك حيث يأتي الضحك مطرداً في مواضعه المختلفة من تحول الشعور طمأنينة بعد خوف،ومعرفة بعد نكران،وبشارة بما ليس في الحسبان من الولادة بعد سن اليأس وخيبة الأمل في الذرية زمناً طويلاً تعتلج فيه النفس بأشتات من دواعي الحزن والعزاء والغيرة والتسليم.ولاتغني هنا كلمة”سُرّت أو كلمة استبشرت أو فرحت” في مكان كلمة ضحكت.فإن الضحك هو الأثر الملائم لهذه الحالة التي تشابكت فأصبحت في قرارة النفس حالات متناقضات. وجاء في القرآن الكريم عن قصة سليمان عليه السلام:{حتى إذا أتَوا على وادِ النّملِ قالت نملةٌ يا أيُّها النّملُ ادخُلوا مَسَاكِنَكُم لايَحطِمنّكُم سليمانُ وجنودُهُ وهم لايشعرون* فتبسّمَ ضاحكاً من قولِها وقالَ رَبِّ أوزِعني أن أشكُرَ نعمتَكَ التي أنعمتَ عليَّ وعلى والديّ وأن أعملَ صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتكَ في عبادِكَ الصالحين}.[النمل 18 ـ 19]. فها هنا عوامل الضحك على سجيتها ماثلة في نقائضها الدقيقة ومصاحباتها التي تقترن بها على حسب المناسبة دون غيرها، وهي مناسبة مخالفة في بعض أجزائها لمناسبة الضحك في قصة إبراهيم عليه السلام.هنا الفارق الشاسع بين ضآلة النمل وبين ضخامة الملك الذي أوتيه سليمان..وهنا رضى سليمان بما تفيضه نعمة الملك العريض في نفسه من السعة ولايفهم عنها ماتقول.وهنا رضى سليمان بما تفيضه نعمة الملك العريض في نفسه من السعة والغبطة وتلهمه من الشكر والخشوع، وكل ذلك من حيث لاينتظر:من نملة ضئيلة تخشى أن تُحطم هي وواديها ولايشعر بهم سليمان العظيم. وورد الضحك في آيات متفرقة بمعنى السخرية والاستهزاء، فجاء في سورة المطففين:{إنَّ الذين أجرمُوا كانوا من الذين آمنوا يضحكون* وإذا مَرُّوا بهم يتغامزون* وإذا انقلبوا إلى أهلِهمُ انقلبوا فكهين* وإذا رأوهُم قالوا إنَّ هؤلاءِ لضالون* وما أُرسِلوا عليهم حافظين *فاليومَ الذين آمنوا من الكفارِ يضحكون* على الأرائك ينظرون* هل ثُوّبَ الكفارُ ماكانوا يفعلون}.[المطففين29 ـ 36]. فالضحك هنا مقترن بالتغامز الخفي كأنما يحسب المستهزئون أنهم يستغفلون المؤمنين الذين يمرون بهم فيسخرون منهم بالتغامز بينهم،ويضحكون إذا التفت إليهم المؤمنون على حين فجأة فلايملكون إخفاء العبث والسخرية، كما يحدث دائماً بين المتغامزين إذا انكشفوا وامتنع عليهم الكتمان والتمادي في الاستهزاء من وراء الأنظار.والضحك الأخير يأتي حين لم يكن في الحسبان،لأن الكفار كانوا يضحكون فإذا بهم قد انقلب عليهم الأمر فهم أضحوكة للضاحكين، وهؤلاء وادعون على الأرائك ينظرون. وجاء في سورة الزخرف:{ولقد أرسَلنا موسى بآياتنا إلى فرعونَ وملأه فقال إنّي رسولُ ربِّ العالمين* فلمّا جاءَهُم بآياتِنا إذا هم منه يضحكون}.[الزخرف 46 ـ 47]. وضحك المفاجأة هنا واضح من طلب الآيات ثم إخلاف ظن موسى عليه السلام لأنهم عبثوا به وهو ينتظر منهم بعد مجيئهم بالآيات أن يؤمنوا فإذا هم يفاجئونه بما لم ينتظر من إصرارهم على الكفران. وفي سورة النجم عن نوح عليه السلام:{وقومَ نوحٍ من قبلُ إنّهُم كانوا هم أظلمَ وأطغى* والمؤتفكةَ أهوى* فغشّاها ماغشّى* فبأيِّ آلاءِ ربِّكَ تتمارى* هذا نذيرٌمن النُّذُرِ الأُولى* أزِفتِ الآزفة* ليسَ لها من دُونِ الله كاشفة *أفَمِن هذا الحديث تعجبون *وتضحكونَ ولاتبكون* وأنتم سامدون* فاسجُدوا لله واعُبدوا}[النجم52 ـ 62]. ففي هذه الآيات يحسب الرسول أنه يأتيهم بما يبكيهم فلايحسون داعية للبكاء ويستغربون فينتقل بهم الاستغراب من أحاديث الرسول عن نذير الآزفة المطبقة إلى الأمان الذي يتصورونه ولايحسون غيره.وبين هذين النقيضين المتباعدين يتعجب القوم ويضحكون: موقف لاوسط فيه بين البكاء والضحك. فإما أن يحس السامع نذير الآزفة فيبكي أو يستغربها ويستبعدها فيضحك تعجباً من كلام القائل واطمئنانه إلى الأمان الذي يقال لهم أنهم مهددون فيه. والضحك من البلاء الذي لايحسه السامع ويحس نقيضه كالضحك من البلاء الذي يحسه ويحس أنه ناج منه، وقد تكرر ذكر الضحك بهذا المعنى فجاء في سورة التوبة عن المخلفين الذين فرحوا بمقعدهم عن القتال:{فرِحَ المُخَلّفونَ بِمقعَدهِم خِلافَ رسولِ الله وكرِهوا أن يُجاهدوا بأموالِهم وأنفُسِهم في سبيل الله وقالوا لاتَنفروا في الحرِّ قل نارُ جهنَّمَ أشدُّ حرّاً لو كانوا يفقهون* فليضحَكُوا قليلاً وليَبكُوا كثيراً جزاءً بما كانوا يكسبون}.[التوبة 81 ـ 82]. وهذا الضحك ايضاً مقرون بالسماع عن الخطر مع الشعور بالأمان،فهو كما تقدم كالشعور بالخطر حيث يغلب اليقين بامتناعه أو يمتنع بعد نذير لايخيف”.انتهى كلام العقاد. ويقول الاستاذ أحمد امين رحمه الله(فيض الخاطر ج2 ص197 تحت عنوان فن السرور): “نعمة كبرى أن يمنح الإنسان القدرة على السرور،يستمتع به إن كانت أسبابه، ويخلقها إن لم تكن. يخطئ من يظن أن أسباب السرور كلها في الظروف الخارجية،فيشترط ليُسَرّ مالاً وبنين وصحة، فالسرور يعتمد على النفس أكثر مما يعتمد على الظروف،وفي الناس من يشقى في النعيم ومنهم من ينعم في الشقاء،وفي الناس من لايستطيع أن يشتري ضحكة عميقة بكل ماله وهو كثير،وفيهم من يستطيع أن يشتري ضحكات عالية عميقة واسعة بأتفه الأثمان، وبلاثمن”. ويقول الدكتور محمد فائز الحاج علي في كتابه الصحة النفسية: “يشعر الإنسان بانفعال الفرح أو السرور إذا نال ماتمناه،وحصل مايجب ان يحصل عليه من مال، أو نفوذ، أو نجاح، أو علم، أو إيمان وتقوى. فالفرح أمر نسبي يتوقف على أهداف الإنسان في الحياة. فمن كان هدفه في الحياة جمع المال، والحصول على القوة والنفوذ وغير ذلك من متاع الحياة الدنيا، كان نجاحه في تحقيق هذه الأهداف باعثاً على فرحه وسروره ،ومن كان هدفه في حياته التمسك بالإيمان والتقوى والعمل الصالح لكي يحصل على السعادة في الحياة الآخرى، كان مصدر أمنه وطمأنينته وسروره. وقد ذكر القرآن هذين النوعين من الفرح، فذكر فرح الكفار بمتاع الحياة الدنيا،يقول تعالى:{وفرحوا بالحياةِ الدّنيا وما الحياةُ الدُّنيا في الآخرةِ إلاّ متاعٌ}[الرعد26]. وذكر القرآن ايضاً فرح المؤمنين بما أنزل إليهم من آيات القرآن الذي يهديهم إلى الحق،والذي فيه شفاء لهم ورحمة وهدى.يقول تعالى:{يا أيها الناسُ قد جاءتكم موعظةٌ من ربكم وشفاءٌ لما في الصدور وهدىً ورحمةٌ للمؤمنين*قل بفضل الله وبرحمته فبذلكَ فليفرحوا هو خيرٌ مما يجمعون}[يونس57 ـ 58]. ويتابع:”ومن كان متاع الحياة الدنيا هو مصدر فرحه وسروره، وهو شأن معظم الناس، فإنه لاينعم في الواقع بالحياة السعيدة المطمئنة المستقرة.وذلك لأنه إذا ما أنعم الله عليه بنعمة الصحة وسعة الرزق ووفرة المال شعر بالفرح والسعادة،وشغله متاع الدنيا ونعمتها عن ذكر الله تعالى وشكره.وإذا ما أصابه ضرر أو بلاء، وفقد بعض النعم التي كان يتمتع بها، تملكه اليأس، وجحد النعم الأخرى التي لايزال ينعم بها. وهكذا يعيش مثل هذا الإنسان في اضطراب مستمر،وفي تقلب دائم بين الشعور بالسعادة، والشعور باليأس.يقول تعالى:{ولئن أذقنا الإنسانَ منّا رحمةً ثمَّ نزعناها منهُ إنّهُ لَيؤوسٌ كفور*ولئن أذقناهُ نعماءَ بعد ضراءَ مسّتهُ ليقولنَّ ذهبَ السيئاتُ عني إنّهُ لفرحٌ فخور}[هود9 ـ 10]. أما من كان مصدر فرحه وسروره هو تمسكه بالإيمان والتقوى والعمل الصالح واتباع منهج الله في حياته فهو يشعر في الواقع بالسعادة الحقيقية المستقرة الدائمة. يقول تعالى:{من عملَ صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ فَلنحيينهُ حياةً طيبةً ولنجزينهم أجرهم بأحسن ماكانوا يعملون}[النحل96]. ويصف القرآن أيضاً السرور الذي يشعر به المؤمن يوم الحساب حينما ينجيه الله تعالى من شر ذلك اليوم ويدخله برحمته في جنة النعيم{ فوقاهم الله شرَّ ذلك اليوم ولقاهُم نَضرةً وسُروراً}[الإنسان11]”. ويقول الأستاذ الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله[موقع القرضاوي مقال بعنوان مزاح النبي]: “بعض الناس تكونت لديه فكرة: أن الدين يحرم على الإنسان الضحك والمزاح والتنكيت والمداعبة،ويفرض عليه الجدّ والصرامة في كل أحواله.ويؤيدون هذا الاعتقاد بأمرين: الأول:موقف كثير من المتدينين،أو المتحمسين للدين،حيث لايرى أحدهم إلا مقطب الجبين، عبوس الوجه،متجهماً عند اللقاء،خشناً في الكلام،فظاً في المعاملة مع الناس،وخصوصاً غيرالمتدينين. والثاني:بعض النصوص، التي قرأوها أوسمعوها من بعض الوعاظ والخطباء ففهموا منها أن الإسلام لايرحب بالضحك والفرح والمزاح،مثل حديث”لاتكثر من الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب“.وحديث:”ويل للذي يحدث الحديث ليضحك به القوم، فيكذب، ويل له، ويل له“[رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، كما حسنه الألباني في غاية المرام]. ويتابع الشيخ القرضاوي :”وحسب قراءتي ومعلوماتي عن الإسلام ـ وهي محدودة ـ أعتقد أن هذا ظلم للإسلام الذي جاء بالاعتدال في كل شئ.الإسلام دين الفطرة ولايتصور منه أن يصادر نزوع الإنسان الفطري إلى الضحك والإنبساط بل هو على العكس يرحب بكل مايجعل الحياة باسمة طيبة، ويحب للمسلم أن تكون شخصيته متفائلة باشّة، ويكره الشخصية المكتئبة المتطيرة،التي لاتنظر إلى الحياة والناس إلا من خلال منظار قاتم أسود.وأسوة المسلمين في ذلك هو: رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان برغم همومه الكثيرة والمتنوعة يمزح ولايقول إلا حقاً،ويحيا مع الصحابة حياة فطرية عادية،يشاركهم في ضحكهم ولعبهم ومزاحهم، كما يشاركهم في آلامهم وأحزانهم ومصائبهم.يقول زيد بن ثابت رضي الله عنه وقد طلب إليه أن يحدثهم عن حال رسول اله صلى الله عليه وسلم فقال:كنت جاره،فكان إذا نزل عليه الوحي بعث إلي فكتبته له، فكان إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا،وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا،وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا،وقال: فكل هذا أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم” [رواه الطبراني بإسناد حسن كما في مجمع الزوائد]. وقد رأيناه في بيته صلى الله عليه وسلم يمازح زوجاته ويداعبهن، ويستمع إلى أقاصيصهن، كما في حديث أم زرع الشهير في صحيح البخاري. وكما رأينا في تسابقه مع عائشة رضي الله عنها،حيث سبقته مرة، وبعد مدة تسابقا فسبقها، فقال لها: هذه بتلك. وقد روي أنه وطأ ظهره لسبطيه الحسن والحسين،في طفولتهما ليركبا،ويستمتعا دون تزمت ولاتحرج، وقد دخل عليه أحد الصحابة ورأى هذا المشهد فقال: نعم المركب ركبتما، فقال عليه الصلاة والسلام:”ونعم الفارسان هما”. ورأيناه يمزح مع تلك العجوز التي جاءت تقول له: ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال لها:”يا أم فلان، إن الجنة لايدخلها عجوز”! فبكت المرأة حيث أخذت الكلام على ظاهره، فأفهمها :أنها حين تدخل الجنة لن تدخلها عجوزاً بل شابة حسناء.وتلا عليها قول الله تعالى في نساء الجنة:{إنا أنشأناهن إنشاء* فجعلناهن أبكارا*عرباً أترابا}[الواقعة35 ـ 37]والحديث أخرجه الترمذي والبيهقي وحسنه الألباني. وقال أنس رضي الله عنه:كان لأبي طلحة ابن يقال له أبو عمير، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيهم ويقول:” يا أبا عمير مافعل النغير؟”[متفق عليه]. (والنغير هو فرخ العصفور). وكان صلى الله عليه وسلم يحب إشاعة السرور والبهجة في حياة الناس،وخصوصاً في المناسبات مثل الأعياد والأعراس.ولما أنكر أبو بكر الصديق رضي الله عنه غناء الجاريتين يوم العيد في بيته وانتهرهما، قال له” دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد” وفي بعض الروايات:” حتى يعلم يهود أن في ديننا فسحة“. وقد أذن للحبشة أن يلعبوا بحرابهم في مسجده عليه الصلاة والسلام في أحد أيام الأعياد ،ووكان يحرضهم ويقول:”دونكم يابني أرفدة“.وأتاح لعائشة رضي الله عنها أن تنظر إليهم من خلفه، وهم يلعبون ويرقصون، ولم ير في ذلك بأساً ولاحرجا. واستنكر يوماً أن تزف فتاة إلى زوجها زفافاً صامتاً،لم يصحبه لهو ولاغناء، وقال:”هلا كان معها لهو؟فإن الأنصار يعجبهم اللهو، أو الغزل“. وفي بعض الروايات:”هلا بعثتم معها من تغني وتقول:أ تيناكم اتيناكم…فحيونا نحييكم“. وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان في خير قرون الأمة يضحكون ويمزحون،اقتداءً بنبيهم صلى الله عليه وسلم واهتداء بهديه. حتى إن رجلاً مثل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ على ماعرف عنه من الصرامة والشدة ـ يروى أنه مازح جارية له، فقال لها:خلقني خالق الكرام، وخلقك خالق اللئام! فلما رآها ابتأست من هذا القول، قال لها مبيناً:وهل خالق الكرام واللئام إلا الله عز وجل؟. ويتابع الشيخ القرضاوي:”ولاريب أن هناك من الحكماء والأدباء والشعراء من ذم المزاح، وحذر من سوء عاقبته، ونظر إلى جانب الخطر والضرر فيه وأغفل الجوانب الأخرى.ولكن ماجاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحق أن يتبع، وهو يمثل التوازن والاعتدال.وقد قال لحنظلة حين فزع من تغير حاله في بيته عن حاله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم واتهم نفسه بالنفاق:”ياحنظلة لو دمتم على الحال التي تكونون عليها عندي لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولكن ياحنظلة ساعة وساعة”، وهذه هي الفطرة، وهذا هو العدل. ويتابع الشيخ القرضاوي:”وبهذا يكون موقف أولئك النفر من المتدينين أو المتحمسين للدين،وعبوسهم وتجهمهم لايمثل حقيقة الدين في شئ، ولايتفق مع هدي الرسول الكريم وأصحابه وإنما يرجع إلى سوء فهمهم للإسلام، أو لطبيعتهم الشخصية، أو لظروف نشأتهم وتربيتهم.وعلى كل حال، لايجهل مسلم أن الإسلام لايؤخذ من سلوك فرد أو مجموعة من الناس، يخطئون ويصيبون. والإسلام حجة عليهم، وليسوا هم حجة على الإسلام، إنما يؤخذ الإسلام من القرآن والسنة الثابتة. إن قوله تعالى على لسان قوم قارون له ناصحين:{لاتفرح إن الله لايحب الفرحين} لايفهم منه ذم الفرح بإطلاق،بل الفرح المراد هنا ـ كما يدل السياق ـ هو فرح الأشر والبطر والغرور والانتفاخ الذي ينسي صاحبه فضل الله عليه،وينسب كل فضل إلى نفسه،فهو فرح بغير الحق، كذلك الذي ذم به القرآن المشركين حين قال لهم بعد دخولهم النار:{ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون}[غافر 75].وهو أشبه بفرح الذين سألهم النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود عن شئ فكتموه إياه، وأخبروه بغيره،وخرجوا من عنده فرحين بما صنعوا من الكتمان والكذب ولم يكتفوا بذلك، بل طلبوا الحمد على أنهم سئلوا فأجابوا بالحقيقة وفيهم نزل قوله تعالى:{لاتحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب اليم}[آل عمران188].ومثل ذلك الذين غرّهم علمهم المادي، فوقفوا عنده، ورفضوا ماجاء به الوحي، وفيهم جاء قول الله تعالى:{فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ماكانوا به يستهزئون}[غافر83]. وقوله صلى الله عليه وسلم “لاتُكثروا الضّحك، فإنَّ كثرةَ الضَّحك تُميت القلب“[صحيح ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه وصححه الألباني].فالحديث واضح الدلالة على أن المنهي عنه ليس مجرد الضحك،بل كثرته، وكل شئ خرج عن حده انقلب إلى ضده.وأما وصفه صلى الله عليه وسلم”بأنه متواصل الأحزان”. فالحديث ضعيف، والضعيف لاتقوم به حجة.ويعارضه الحديث الصحيح الذي رواه البخاري، أنه كان صلى الله عليه وسلم“يستعيذ بالله من الهم والحزن“. ويتابع الشيخ القرضاوي:”ومن هنا نقول: إن الضحك والمرح والمزاح أمر مشروع في الإسلام، كما دلت على ذلك النصوص القولية، والمواقف العملية للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم. وما ذلك إلا لحاجة الفطرة الإنسانية إلى شئ من الترويح يخفف عنها لأواء الحياة وقسوتها، وتشعب همومها وأعبائها.وفي هذا قال الإمام علي رضي الله عنه”إن القلوب تمل كما تمل الأبدان فابتغوا لها طرائف الحكمة”.وقال: “روحوا القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلب إذا أكره عمي”. كما أن هذا الضرب من اللهو والترفيه يقوم بمهمة التنشيط للنفس،حتى تستطيع مواصلة السير والمضي في طريق العمل الطويل،كما يريح الإنسان دابته في السفر،حتى لاتنقطع به.وفي هذا يقول أبو الدرداء رضي الله عنه”إني لأستجم نفسي بالشئ من اللهو ليكون أقوى لها على الحق”. فمشروعية الضحك والمرح والمزاح لاشك فيها في الأصل، ولكنها مقيدة بقيود وشروط لابد أن تراعى: أولها: ألا يكون الكذب والاختلاق أداة الإضحاك للناس،كما يفعل بعض الناس في أول إبريل ـ نيسان ـ فيما يسمونه”كذبة إبريل”. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:”ويلٌ للذي يُحدِّث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب، ويلٌ له، ويلٌ له، “[أخرجه أبو داود والترمذي واللفظ له والنسائي وأحمد عن معاوية بن حيدة القشيري وقال الألباني حديث حسن]. وقد كان صلى الله عليه وسلم يمزح ولايقول إلا حقاً. ثانياً:ألايشتمل على تحقير لإنسان آخر، أو استهزاء به وسخرية منه، إلا إذا أذن بذلك ورضي.قال تعالى:{يا أيها الذين آمنوا لايسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولانساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن ولاتلمزوا أنفسكم ولاتنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان}[الحجرات11].وجاء في الحديث الصحيح:”بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم“[رواه مسلمٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه]. وذكرت عائشة رضي الله عنها أمام النبي صلى الله عليه وسلم إحدى ضرائرها، فوصفتها بالقصر تعيبها به، فقال:”ياعائشة، لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته“.وقالت: وحكيت له إنساناً ـ أي قلدته في حركته أو صوته أو نحو ذلك ـ فقال: “ما أحب أني حكيت إنساناً وأن لي كذا وكذا“.[رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح]. ثالثاً: ألا يترتب عليه تفزيع وترويع لمسلم. فقد روى أبو داود عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم فقام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه، ففزع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”لايحل لرجل أن يروع مسلماً“.[صحيح أبي داود عن عبد الرحمن بن أبي ليلى] رابعاً: ألا يهزل في موضع الجد، ولايضحك في مجال يستوجب البكاء، فلكل شئ أوانه، ولكل أمر مكانه، ولكل مقام مقال.والحكمة وضع الشئ في موضعه المناسب. وفي الحديث الشريف:”ثلاث جدُّهن جدُّ، وهَزلهنَّ جِدُّ: النكاح والطلاق والرجعة”[صحيح أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه] وقد عاب الله تعالى على المشركين أنهم كانوا يضحكون عند سماع القرآن وكان أولى بهم أن يبكوا، فقال تعالى:{أفمن هذا الحديث تعجبون*وتضحكون ولاتبكون*وأنتم سامدون}[النجم59 ـ 61]. وعاب على المنافقين فرحهم وضحكهم لتخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وافتعالهم الأعذار الكاذبة للقعود مع الخوالف، فقال تعالى:{فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لاتنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون*فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً جزاءً بما كانوا يكسبون}[التوبة81 ـ 82]. خامساً:أن يكون ذلك بقدر معقول،وفي حدود الاعتدال والتوازن،الذي تقبله الفطرة السليمة، ويرضاه العقل الرشيد، ويلائم المجتمع الإيجابي العامل.والإسلام يكره الغلو والإسراف في كل شئ، ولو في العبادة، فكيف باللهو والمرح؟!ولهذا كان التوجيه النبوي:”ولاتكثر من الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب” فالنهي عنه هو الإكثار والمبالغة. وقد ورد عن علي رضي الله عنه قوله:”أعط الكلام من المزح، بمقدار ماتعطي الطعام من الملح”. والمبالغة هي التي يخشى من ورائها الإلهاء عن الأعباء، أو تجريئ السفهاء، أو إغضاب الأصدقاء، فالمبالغة في المزاح كالمماراة،كلتاهما تؤدي إلى إيغار الصدور. وخير الأمور هو الوسط دائماً وهو نهج الإسلام وخصيصته الكبرى، ومناط فضل أمته على غيرها.وهو الصراط المستقيم الذي ندعو الله أن يهدينا إليه، ويثبتنا في الأقوال والآراء والأعمال والمواقف، اللهم آمين. انتهى كلام الشيخ القرضاوي. يقول الاستاذ عباس محمود العقاد في كتاب عبقرية محمد: ”من سعة النفس أن ينهض الرجل بعظائم الأمور،بل بأعظمها جداً ووقاراً:وهو إقامة الأديان، وإصلاح الأمم،وتحويل مجرى التاريخ ثم يطيب نفساً للفكاهة، ويطيب عطفاً على المتفكهين، ويشركهم فيما يشغلهم من طرائف الفراغ.فقد نجد صرامة تستغرق بعض النفوس فلا تتسع لهذا الجانب اللطيف من جوانب الحياة، ولكن النفوس لاتستغرق هذا الاستغراق إلا دلت على شئ من ضيق الحظيرة(أي الخير)ونقص المزايا وإن نهضت بالعظيم من الأعمال.فاستراحة محمد صلى الله عليه وسلم إلى الفكاهة:هي مقياس تلك الآفاق النفسية الواسعة التي شملت كل ناحية من نواحي العاطفة الإنسانية، وهي المقياس الذي يبدي من العظمة مايبديه الجد في أعظم الأعمال. ويتابع العقاد:”وكان محمد صلى الله عليه وسلم يتفكه ويمزح،كما كان يستريح إلى الفكاهة والمزاح،وكان دأبه في ذلك كدأبه في جميع مزاياه:يعطي كل مزية حقها،ولايأخذ لها من حق غيرها،أو يعطي الفكاهة حقها،ولاينقص بذلك من حق الصدق والمروءة. وإذا مزح محمد صلى الله عليه وسلم فإنما كان يعطي الرضى والبشاشة حقهما، ولايأخذ لهما من حق الصدق والمروءة..فكان مزاحه آية من آيات النبوة، لأنه كان كذلك آية من آيات الإنسانية، ولم يكن بالنقيض الذي يستغرب من نبي كريم”. ويقول الأستاذ عصام العطار في كتاب التلميذ الناشئ والشيخ الحكيم: “إن الإسلام دين الحياة كل الحياة،والناس كل الناس، فهم يستطيعون أن يعيشوا به حياة طبيعية غنيّة سليمة،ويستجيبوا به استجابة كاملة لكل حاجاتهم الإنسانية المشروعة، بما في ذلك حاجتهم أحياناً إلى بعض المزاح المهذب،يستعينون به على الجدّ، ويجدّدون به مافَتَر من النشاط،ويستمتعون به أيضاً متعة بريئة دون أن يتجاوزوا به الحدود.وهذا القدر البرئ المشروع من المزاح يُحمد ولا يُذم عقلاً ولاشرعاً. ألم تسمع قول أبي تمام الطائي: الجِدُّ شِيمَتُهُ وفيه فكاهةٌ سُحُجٌ ولاجِدٌ لمن لم يلعبِ والسجح هو اللين. ويتابع الأستاذ العطار:”وما أحوجنا إلى أن يكون المسلم سُجُحاً، من غير ضعفٍ ولاتفريطٍ ـ في أسرته مع زوجه وأطفاله، وفي مجتمعه مع إخوانه وأصحابه، ومع سائر الناس، فإذا كان مايقتضي الصلابة في أي وقت أو ظرف كان أصلب على الخطوب من الخطوب، وعلى عوِج الزمان من الزمان كما يقول أبو تمام أيضاً في نفس القصيدة: صُلْبٌ إذا اعوّجَ الزمانُ ولم يكنْ لِيُلينَ صُلْبَ الخَطبِ من لم يَصْلُبِ أقوال وأمثال في الترويح عن النفس: علي رضي الله عنه:”أجموا هذه القلوب(أريحوها) والتمسوا لها طرف الحكمة،فإنها تمل كما تمل الأبدان. والنفس مؤثرة للهوى،آخذة بالهوينى، جانحة إلى اللهو، أمارة بالسوء، مستوطنة للعجز، طالبة للراحة، نافرة عن العمل، فإن أكرهتها أنضيتها(أتعبتها وأبليتها) ،وإن أهملتها أرديتها”. عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:” إن للقلوب شهوة وإقبالاً،وإن للقلوب فترة وإدبارا، فاغتنموها عند شهوتها وإقبالها، ودعوها عند فترتها وإدبارها”. وقال ايضاً:”أريحوا القلوب، فإن القلب إذا أُكره عَمي”. الحسن البصري:”حادثوا هذه القلوب، فإنها سريعة الدثور، واقدعوا(ازجروا) هذه الأنفس فإنها طُلَعة(كثيرة التطلع)، ذلكم إلا تزعوها(تزجروها) تنزع بكم إلى شر غاية”. في صحف إبراهيم عليه السلام:”وعلى العاقل أن يكون له ثلاث ساعات: ساعةٌ يناجي فيها ربه، وساعةٌ يحاسب بها نفسه،وساعةٌ يخلّي فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحلّ ويَجمل، فإن هذه الساعة عونٌ له على سائر الساعات(بهجة المجالس ج1 ص116) أحدهم: “لاينبغي للعاقل أن يخلي نفسه من أربع:عدة لمعاده،وصلاح لمعاشه، وفكر يقف به على مايصلحه من فساده، ولذة في غير محرم يستعين بها على الحالات الثلاث”. وجاء في الأدب الصغير لإبن المقفع:”وعلى العاقل، مالم يكن مغلوباً على نفسه، أن لايشغله شَغَلٌ عن أربع ساعاتٍ:ساعةٍ يرفعُ فيها حاجته إلى ربه،وساعةٍ يحاسبُ فيها نفسه، وساعةٍ يُفضي فيها إلى إخوانه وثقاته الذين يَصدقونهُ عن عيوبه وينصحونه في أمره،وساعةٍ يُخلي فيها بين نفسه وبين لذّتها مما يَحلُّ ويَجمُل،فإن هذه الساعة عَونٌ على الساعات الأخر، وإن استجمام(راحة) القلوب وتوديعها(تركها وادعة مطمئنة) زيادةُ قوّةٍ لها وفَضلُ بُلغة(مايكفي من العيش ولايفضل منه)”. قال عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز لأبيه يوماً: يا أبت إنك تنام نوم القائلة وذو الحاجة على بابك غير نائم. فقال: “يابني إن نفسي مطيتي فإن حملت عليها فوق الجهد قطعتها”. عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:”تحدثوا بكتاب الله تعالى، وتجالسوا عليه، وإذا مَللِتم فحديثٌ من أحاديث الرجال حسنٌ جميل”(بهجة المجالس ج1 ص116).4 ـ الإبتعاد عن بؤر التوتر والإنفعال السلبي والخوف
جاء في مجموعة دائرة سفير للمعارف الإسلامية: الإنفعال في اللغة: التأثر بالشئ انبساطاً وانقباضاً،وهو مصدر للفعل”انفعل”. والإنفعال في علم النفس: حالة وجدانية شعورية تنشأ عن إعاقة السلوك أو التفكير المعتاد،وتشمل الفرد كله وتؤثِّرـ وفقاً لشدتها ـ في كل سلوكه وتعبيراته الظاهرة، وخبراته الشعورية، ووظائفه الفسيولوجية، ومن صوره:الخوف والغضب والسرور. وتُصنف الانفعالات بحسب مصدرها والموقف الذي تظهر فيه إلى فئات أربع: الفئة الأولى: وهي الانفعالات التي تُسثار من خلال مؤثرات حسيّة مباشرة، وتضم ثلاثة أنواع: ـ الشعور باللذة، وينتج عن مصدر تنبيه ملائم. ـ والشعور بالألم وينتج عن مصدر تنبيه مؤذٍ. ـ والشعور بالتقزّز وينتج عن مصدر تنبيه كريه وكل هذه الانفعالات أساسية لازمة لبقاء الكائن الحي. والفئة الثانية: وتُستثار من خلال التقدير المعرفي للمواقف،أو مصدر التنبيه، ومن أمثلتها: ـ الشعور بالسرور والسعادة، للإقتراب مما يحبّ،أو لإنقطاع ضرر. ـ والشعور بالحزن والأسى، لفقدان شئ مما يحب أو لحدوث شئ ضار. والشعور بالغضب،نتيجة وجود عقبة أمام السلوك الذي يحقق الهدف. ـ والشعور بالدهشة، نتيجة الظهور المفاجئ لموضوع محّبب غير متوقع ـ والشعور بالخوف، نتيجة توقع حدوث مكروه أو خطر، مما يمكّن الكائن الحي من الهروب من مصدر الخطر أو التهديد. والفئة الثالثة: انفعالات معقدة تنتج عن شعور الشخص تجاه المواقف الاجتماعية، وتتمثل في الشعور بالفخر، أو الشعور بالخزي، أو الشعور بالذنب. والفئة الرابعة: انفعالات ناتجة عن علاقات الفرد مع الآخرين، وتشمل الشعور بالحب، والشعور بالكراهية. وقد جاء ذكر انفعالي الخوف والحزن في القرآن الكريم في وصف انفعالات الإنسان عند الموت،وهو خوفه مما يحدث له بعد الموت من مكروه، ويكون حزيناً على حرمانه من رعاية من يعولهم ومودتهم، وحيال هذين الانفعالين يُطمئن الله العباد الصالحين، فيقول تعالى:{تتنزّلُ عليهم الملائكةُ ألا تخافوا ولاتحزنوا وأبشروا بالجنّةِ التي كنتم تُوعدون*نحنُ أوليأؤُكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة}[فصلت30 ـ 31]، ويقول تعالى أيضاً:{لِكيلا تاسوا على مافاتكم ولاتفرحوا بما آتاكم}[الحديد23]. ويمكن التمييز بين الانفعالات وفقاً لعدد من الخصائص، منها: ـ الطابع الوجداني الذي يتراوح بين السرور والكدر،وتعنى بصفة عامَّة التوجه إلى الموقف بإقبالٍ أو نفور. ـ الشدّة أو “الحدّة” التي تتراوح الاستثارة تبعاً لها بين الارتفاع والتوسط والانخفاض. ـ الاستمرار أو المدّة،فمن الانفعالات ما يستغرق مدّة زمنية طويلة، ومنها ما لايمكن أن يكون كذلك بطبعه، كالألم، حيث إنه ربما يفضي إلى القضاء على الإنسان، ومنها مايستنفد طاقته استنفاداً، كالخوف والغضب، وذلك إذا طالت فترته الزمنية،وقد يؤدي إلى إصابته بالأمراض النفسية والجسمية. ـ البساطة والتعقيد:وتنقسم الانفعالات على أساسها إلى”انفعال بسيط” كالسرور أو الحب، و”انفعال مركب” من عدة انفعالات إيجابية مثل السرور مع الفخر والحب، و”انفعال مركب” من أكثر من “انفعال متعارض ممتزج” كالحب مع الخوف والقلق. وقد يصعب في النوع الثاني أن يتم إدراك”الانفعال” الغالب على هذا المزيج. وتتم دراسة الانفعال من خلال جوانب ثلاثة رئيسية، هي: 1ـ الجانب الفسيولوجي المتمثل في التغيرات الجسمية الفسيولوجية، التي تنتج عن تنشيط أجزاء الجهاز العصبي، وإمداده الجسم بالطاقة التي تساعده على مواجهة الطوارئ، ومن هذه التغيرات: ـ زيادة سرعة ضربات القلب. ـ وارتفاع ضغط الدم ـ ونقصان اللعاب ـ وزيادة كمية العرق وتختلف درجة هذه التغيرات بحسب درجة الموقف،فالخوف في حال الحرب غير الخوف من ضياع أموال قليلة. وقد يعكس ردّ الفعل المتمثل في التغير الفسيولوجي حالة اضطراب لدى من ينفعل بالموقف، فقد يكون”الانفعال” سوياً كالخوف،استجابة لمثير مخيف، وقد يكون”انفعالاً”يعكس الاضطراب كالاستجابة لمثير لايخيف عادة. 2 ـ الجانب الإدراكي المعرفي، وهو تفسير للموقف الانفعالي يترتب على المعرفة والاعتقاد،فمثلاً غذا رأيت رجلاً يعلّشق طفلاً من رجليه ويضربه على ظهره فإنك قد تغضب، ولكنك إذا علمت أن هذا الطفل قد بلع قطعة نقود معدنية، وأن الرجل يحاول إنقاذه فإنك ستهدأ، أي أن التدبر المعرفي يحدد “درجة الانفعال”. ومنه ما يخفف”درجة الانفعال”، كالفرق بين ركوب سيارة تنحدر بسرعةٍ غلى هُوّة،وأن تكون هذه السيارة من لعب الملاهي. 3 ـ والجانب التعبيري: ومنه جانب خاصّ بفئة أو طائفة من الناس كإخراج اللسان عند الّهش لدى أهل الصين، ومنه ماهو عامّ كبعض النماذج السابقة. وقد أكدت البحوث النفسية وجود علاقة بين”درجة الانفعال”ودرجة الأداء العقلي والأداء الإبداعي، فالانفعال الشديد أو المنخفض يترتب عليهما ضعف الاداء العقلي،أما “الانفعال المعتدل”فهو التربة الصالحة للإبداع وعمل العقل. وللإنفعال وظائف مهمة في حياة الإنسان والحيوانن”فانفعال الخوف”يدفعنا إلى تجنب الأخطار، و”انفعال الغضب” يدفعنا إلى الدفاع عن النفس والجهاد وغيرهما،و”انفعال الحب” يُعدّ أساس التآلف بين الناس وانجذاب بعضهم إلى بعضهم الآخر، وغير ذلك. وأما الأمن والخوف: جاء أيضاً في مجموعة السفير: الأمن في اللغة:اطمئنان النفس وسكونها، وهو مصدر للفعل”أمِنَ”. يقال:أمِنَ، أي اطمأن، وهو مقابل الخوف. وقد وردت كلمة الأمن في القرآن الكريم في مثل قوله تعالى:{وإذا جاءهم أمرٌ من الأمنِ أو الخوفِ أذاعوا به}[النساء 83]. كما ورد في السنة المطهرة،ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:”من كظم غيظاً وهو قادرٌ على أن ينفذه دعاهُ الله سبحانه على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيّره الله من الحور ما شاء[سنن أبي داود عن معاذ بن أنس رضي الله عنه وقال الألباني حديث حسن]. والأمن إحدى ثمرات الإيمان والعمل الصالح. قال تعالى:{وعدَ الله الذينَ آمنوا منكم وعملوا الصالحاتِ ليستخلفنهم في الأرضِ كما استخلفَ الذينَ من قبلهم ولَيُمكننَّ لهم دِينَهُم الذي ارتضى لهم ولَيُبدِّلنّهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لايشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هُمُ الفاسقون}[النور55]. ومقابل الأمن: الخوف. وقد جعل الله تعالى الخوف والجوع نقمة يسلّطها على الكافرين والجاحدين.قال تعالى:{وضرب الله مثلاً قريةً كانت آمنةً مطمئنةً يأتيها رزقها رَغَداً من كلِّ مكان فكفرت بانعم الله فأذاقها الله لِباسَ الجوع والخوف بما كانوا يصنعون} [النحل 112].5ـ تجنب القلق
يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(كتاب جدّد حياتك ص23): “من أخطاء الإنسان أن ينوء في حاضره بأعباء مستقبله الطويل.والمرء حين يؤمل ينطلق تفكيره في خط لانهاية له،وما أسرع الوساوس والأوهام إلى اعتراض هذا التفكير المُرسل،ثم تحويله هموماً جاثمة،وهواجس مقبضة. لماذا تخامرك الريبة ويخالجك القلق؟!عِشْ في حدود يومك فذاك أجدر بك، وأصلح لك.والعيش في حدود اليوم يتسق مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم:”من أصبح منكم آمناً في سِربه، مُعافىً في جسده، عندَه قوتُ يومه، فكأنّما حِيزت له الدنيا “.[رواه الترمذي عن عبيد الله بن محصن وقال الالباني حديث حسن]. إنك تملك العالم كله يوم تجمع هذه العناصر كلها في يديك فاحذر أن تحقرها؟ إن الأمان والعافية وكفاية يوم واحد قوى تُتيح للعقل النيّر أن يفكر في هدوء واستقامة تفكيراً قد يُغيّر به مجرى التاريخ كلِّه، بَلْهَ حياة فرد واحد. إن هذه النعم المُيسّرة ضمان كبير لصاحبها كي يقطع من الزمن فترة كاملة الإنتاج، مطّردة السير، مُراحة من العوائق والمثبطات. والحق أن استعجال الضوائق التي لم يحن موعدها حمق كبير، وغالباً مايكون ذلك تجسيداً لأوهام خلقها التشاؤم،ولو كان المرء مصيباً فيما يتوقع فإن إفساد الحاضر بشؤون المستقبل خطأ صرف،والواجب أن يستفتح الإنسان يومه وكأن اليوم عالم مستقل بما يحويه من زمان ومكان. كان الخليل إبراهيم عليه السلام إذا طلع عليه الصباح يدعو:”اللهم هذا خلق جديد فافتحه عليَّ بطاعتك،واختمه لي بمغفرتك ورضوانك وارزقني فيه حسنة تقبلها مني وزكِّها وضعِّفها لي،وما عملت من سيئة فاغفره لي،إنك غفور رحيم ودود كريم“.[الإحياء].وكان يقول :“من دعا بهذا الدعاء إذا أصبح فقد أدّى شكر يومه“. وسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلفتنا إلى صحة هذه الطريقة في تجزئة الحياة، واستقبال كل جزء منها بنفس محتشدة وعزم جديد. فهو إذا أصبح يقول:”أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله ، لاشريك له، لا إله إلا هو وإليه النشور“.[أخرجه الترمذي]. وبعض الناس يستهين بما أولاه الله من سلامة وطمأنينة في نفسه وأهله،وقد يزدري هذه الآلاء العظيمة،ويضخم آثار الحرمان من حظوظ الثروة والتمكين.وهذه الاستهانة غَمط للواقع ومَتلفة للدين والدنيا. روي أن رجلاً سأل عبد الله بن عمرو بن العاص:ألست من فقراء المهاجرين؟فقال له عبد الله:ألكَ امرأة تأوي إليها؟قال:نعم. قال: ألكَ مسكن تسكنه؟قال: نعم.قال: فأنت من الأغنياء..قال: فإن لي خادماً. قال: فانتَ من الملوك[رواه مسلم]. إنّ الاكتفاء الذاتي، وحسن استغلال مافي اليدين ونبذ الاتكال على المُنى هي نواة العظمة النفسية وسر الانتصار على الظروف المُعنتة. والذين لايشكون الحرمان ـ لأنهم أُوتوا الكثير ـ قلّما ينتفعون بما أوتوا إذا هم فقدوا الطاقة النفسية على استغلال مامعهم والإفادة مما حولهم.هذه حقيقة يؤكدها النبي الكريم مطلع كل صباح فيقول:”مامن يومٍ يُصبحُ العبادُ فيه،إلا ملكان ينزلان،فيقول أحدهما:اللهم أعطِ منفقاً خلَفاً،ويقول الآخر: اللهم أعطِ مُمسكاً تلفا”[صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه] ويتابع الشيخ الغزالي:”على أن العيش في حدود اليوم لايعني تجاهل المستقبل،أو ترك الإعداد له،فإن اهتمام المرء بغده وتفكيره فيه حَصافة وعقل.وهناك فارق بين اإاهتمام بالمستقبل والإغتمام به،بين الاستعداد له والاستغراق فيه ،بين التيقظ في استغلال اليوم الحاضر وبين التوجّس المربك المحيّر مما قد يفد به الغد. إن الدين في حظره للإسراف وحبه للاقتصاد إنما يؤمن الإنسان على مستقبله،بالأخذ من صحته لمرضه،ومن شبابه لهرمه،ومن سِلمه لحربه. أتدري كيف يُسرق عمر المرء منه؟يذهل عن يومه في ارتقاب غده،ولايزال كذلك حتى ينقضي أجله،ويده صِفر من أي خير؟ ويتابع الغزالي:”في هؤلاء الذين ضيّعوا أعمارهم سُدىً،وتركوا الأيام تفلت من أيديهم لُقىً، يقول الله تعالى:{يوم تقوم الساعةُ يُقسمُ المجرمون مالبثوا غير ساعةٍ}[الروم55]، ويقول تعالى:{كأنّهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشيّة أو ضحاها}[النازعات46]”. هؤلاء الناس المساكين الذين يتوقعون الهمّ قبل حدوثه ويتأهبون للموت قبل مجيئه، يعيشون أيامهم سوداء كالحة مخافة أن تمر عليهم أيام مقبلة مظلمة،خسروا حاضرهم وهدموا مستقبلهم.ومن هؤلاء من يحاول تفادي هذه الأوهام والهواجس بالتكالب على الدنيا والركض المتواصل في تحضير مكاسبها والحصول على مغانمها فيقع فريسة العطشان الصادي الذي أراد أن يروي ظمأه وعطشه بالارتواء من ماء البحر المالح كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً! نعم،إن المدنية الحديثة وما جلبته من بعض المنافع المادية لبني البشر إلا أنها بالمقابل جلبت لهم مايسمى “أمراض المدنية الحديثة”وهذا سببه كله ما أصاب الناس من “السعار”،فهم لايبرحون يتأرجحون في معيشتهم بين عمل دائب،وهَمٍّ ناصب،وطمع شره،وتنافس دنيء بله،وعداوة راصدة،وضغائن قائمة،وحسد مقيم،وصراع مستديم….واستبحرت المدنية المادية فخفت بين ضجيجها الآلي،وصخبها الجاري،خفت صوت الضمير،وهلك في عبابها المزبد وموجها المتلاطم سلام النفس والهدوء والصفاء المنير،وعاد الناس فيها كأوابد الوحش وضواري الغاب لا يقودهم إلا غريزة الآثرة،ولا يحكمهم إلا قانون الاستعلاء”. ويقول الشيخ الغزالي رحمه الله (جدّد حياتك ص37): “الخبراء بحياة الغرب يشكون من مرارة الكفاح الدائر في أرجائه للحصول على المال والمكاثرة به. فالأفراد والجماعات منطلقون في سباق رهيب لإحراز أكبر حظّ مستطاع من حُطام الدنيا.وقواهم البدنية والنفسية تدور كالآلة الدائبة وراء هذه الغاية،وقد احتشدت فيها جميع الخصائص الإنسانية الدنيا والعليا. إلا أن الآلات قد يُقطر عليها من الزيت مايُرّطب حدّة الاحتكاك في حركتها،ويمنع الشرر المتولد من إحراقها. أما أعصاب الناس في عراك المادة الرهيب فكثيراً ماتفقد هذا العنصر الملّطف،وتمضي مُستثارةً يستبد بها القلق والضيق حتى تشتعل فتأتي على الأخضر واليابس. وقد كتب “ديل كارنيجي” يصف مشاهد هذا السّعار المادي وماخلّفه في النفوس والجسوم من بلاء فقال:”عشت في نيويورك أكثرمن سبع وثلاثين سنة،فلم يحدث أن طرق أحد بابي ليحذرني من مرض يدعى”القلق”، هذا المرض الذي سبّب في الأعوام السبعة والثلاثين الماضية من الخسائر أكثر مما سببه الجدري بعشرة آلاف ضعف،نعم لم يطرق أحدٌ بابي ليحذرني أن شخصاً من كل عشرة أشخاص من سكان أمريكا معرّض للإصابة بانهيار عصبيٍّ مرجعه في أغلب الاحوال إلى القلق!!ويقرر الأطباء أن واحداً من كل عشرين أمريكياً سوف يقضي جانباً من حياته في مصحٍّ للامراض العقلية،ومن الحقائق المريرة أن واحداً من كل ستة شبان تقدموا للالتحاق بالخدمة العسكرية في خلال الحرب العالمية الأخيرة رُدّ على أعقابه لأنه يعاني مرضاً جسمياً أو نقصاً عقلياً. ويتابع الشيخ الغزالي:”على ضوء هذه الصيحات المحزونة نحب أن نذكر بعض أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في ذمّ هذا التكالب والترهيب من عقباه،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”من جعل الهمَّ همّاً واحداً كفاه الله همَّ دنياه. ومن تَشعّبتهُ الهموم لم يُبالِ الله في أيّ أودية الدنيا هَلك“[رواه الحاكم]. هذا اللون من التوجيه النبوي يقصد به بثّ السكينة في الأفئدة،واستئصال جراثيم الطمع والتوجع التي تُطيل لُغُوبَ الإنسان وراء الدنيا وتحسِّره على مايفوته منها،وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:”من كانت الآخرة همّه جعل الله غِناه في قلبه،وجمع له شَمله،وأتته الدنيا وهي راغمة.ومن كانت الدنيا همّه جعل الله فقره بين عينيه، وفرّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ماقُدِّر له“[رواه الترمذي].ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إرضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس“[رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه]”. يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(الرسالة العدد 362 بتاريخ العاشر من حزيران عام 1940): “يقول الأغرار من الناس إن السرعة الخاطفة عبقرية هذا العصر ومزيته.فمن لم يجرِ مرَّ على ظهره المتأخر وغيّر في وجهه المتقدم.وواجب السرعة أن تعمل ولا تستريح،وتفكر ولا تتأمل،وتأكل ولا تتذوق،وتنام ولا تحلم،وتموت ولا تمرض.ونحن نقول لهم إن السرعة ليست عبقرية ولا مزية،وإنما هي مسّ من الجنون اصاب العالم منذ اخترعت الآلة.ذلك أن الآلة مخلوق أرضي جهزه العلم بعشرات الأعضاء ليس بينها اللسان ولا القلب ولا العقل ولا الروح، فهي تلد ولا ترأم ما تلد،وتعمل ولا تضمن ما تعمل،وهي تكون للشر كما تكون للخير،وتنتج للموت كما تنتج للحياة.وطبيعة الآلة سرعة الحركة ووفرة الانتاج،فلم تكد تسيطر على مجاري العمل في أقطار الأرض حتى دفعت العالم دفعاً عنيفاً إلى الاستهلاك والإهتلاك والتسابق والتنافس،والاصطراع والكدح،فهو دأب لا يفتر،ونصب لا يستروح،ونهم لا يشبع ،وعراك لا ينقطع.ولئن سألت المتبجحين بعصر السرعة على العُصر الخوالي كيف يجد الجسم راحته في هذا الاضطراب الدائم،وأين يلتمس القلب سعادته في هذا الجحيم المستعر،لا تسمع منهم غير جواب أشعب حين اجرى الصبيان إلى الوليمة خادعاً بالحيلة،ثم جرى معهم مخدوعاً بالوهم! هذه هي الحرب التي عرفها العالم منذ خلق الله آدم وإبليس قد انقلبت في عصر السرعة آلية لا تعتمد على فضائل النفس ولا على خصائص الروح،وإنما تعتمد على سرعة الدواليب في الطيارة والسيارة والدبابة والدراجة والغواصة والبارجة.فأصبح الفرق بين الآلة والسيف في حصد الأرواح كالفرق بين الماكينة والمنجل في حصد الحنطة!”. ويقول الأستاذ الدكتور عبد الوهاب عزام رحمه الله(الرسالة العدد 117 بتاريخ 30 إيلول عام 1935): “المدنية الأوربية،على خيراتها وما أجدت على الناس من علمها ورفاهيتها،مدنية مادية دعائمها المعادن والأحجار،يصاغ قلبها من الذهب والحديد وأشباههما،ويغذى بالفحم والنفط وأخواتهما،وتدور بهما دواليب المصانع والمغازل والمناسج.قد استحكمت فيها الآلات،وأتقنت الصناعات حتى أغنت عن الإنسان أدواتها،ونافسه عتادها،فثارت العداوة بين الآلات وصانعيها وعمالها ومالكيها. طبع إنسان هذا العصر آلياً دائراً لا يألف الاستقرار ولا يعرف السلام،ولا تتمكن في قلبه المحبة،ولا تستقر في سريرته الشفقة.واستكلبت هذه الآلات على غذائها،وتنافست في أقواتها،وأحس كل أنها القوة لا العدل،والغلبة لا الإنصاف، فنفخوا في الأمم روح العصبية،وغرور العنجهية،وزعم كل قبيل أن أوله خير الأولين، وأنه سيد الحاضرين،وأن بنيه سادة الآتين،وأن الأرض كلها له،وأن الويل لمن جادله”. يقول الأستاذ ناجي الطنطاوي رحمه الله(كلمات نافعة ص429): “وهذه الحياة بزخرفها ومتاعها وزينتها لاتدوم لأحدٍ وهي لاتستحق أن نحصر تفكيرنا فيها ولا أن نعمل لها وحدها،بل علينا أن نأخذ منها مايكفينا كالمسافر الذي يأخذ من الزاد مايبلغه المحل، لانه سوف يقضي أياماً معدودةً في الطريق إلى أن يصل إلى البلد الذي يقصده كي يستقر فيه. والنفس مفطورةٌ على الطمع فلايكفيها شئٌ وكلما نالت نصيباً من الدنيا طلبت المزيد،وقد ورد:”منهومان لايشبعان طالب علمٍ وطالب مال“[حديث ضعيف].وجاء في الحديث الشريف:”لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً ،ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب“.[صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه] أما هؤلاء الذين يعيشون للمادة وحدها ولايفكرون في صباحهم ومسائهم إلا بأمور التجارة والأعمال والحسابات،ولايتركون ساعةً من يومهم لتغذية أرواحهم بالمواعظ الرقيقة وتنمية عقولهم بالعلوم النافعة فإنهم سوف يندمون حين يبلغون الشوط الأخير من حياتهم ويستلم ورثتهم أموالهم من بعدهم ويحاسبون في الآخرة على كل قرشٍ منها”. وهناك أناس يعيشون قلقاً مستمراً يخافون المرض قبل حدوثه،ويموتون من الموت خوف حدوثه هم في هَمٍّ دائم، وغمٍّ ملازم،يتوقعون أسوأ العواقب والنتائج لصدمات بسيطة وحوادث تافهة تحيط بهم أو تقع فيما حولهم . يقول الأستاذ محمد الغزالي رحمه الله (جدد حياتك ص28): “إذا دهمتك شدة تخاف منها على كيانك كلّه،فما عساك تصنع؟. تدع الرّوع ينهب فؤادك،والعواصف الجائحة ترمي بك في مكان سحيق؟أم تقف مطمئناً وتحاول أن تتلّمس بين هذه الضوائق مأمناً يهديك إليه الفكر الصائب؟ ويتابع:” وقد يتوقع الإنسان بعض النوازل المخوّفة،ويستبد به القلق في انتظارها،وكأنما هي الموت أو أشد. وربما لم يهنأ له طعام،ولا ارتسم على فمه ابتسام من تفكيره المشدود إلى مايتوقع.والناس من خوف الفقر في فقر، ومن خوف الذل في ذل!! وهذا خطأ بالغ. فالمؤمن الراشد يفترض أن أسوأ مايقلقه قد وقع بالفعل،ثم ينتزع مما تبقى له ـ بعد هذا الافتراض ـ عناصر حياة تكفي،أو معاني عزاء تشفي. إن الإنسان يتخوّف فقدان ما ألف،أو وقوع مايفدح حمله، وكلا الأمرين ـ بعد حدوثه ـ يُستقبل دون عناء جسيم”. ويتابع الغزالي:”والتحسّر على الماضي الفاشل،والبكاء المجهد على ماوقع فيه من آلام وهزائم هو ـ في نظر الإسلام ـ بعض مظاهر الكفر بالله والسخط على قدره. ومنطق الإيمان يوجب نسيان هذه المصائب جملة،واستئناف حياة أدنى إلى الرجاء وأحفل بالعمل والإقدام.وفي هذا يقول الله عز وجل:{يا أيها الذين آمنوا لاتكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غُزىً لو كانوا عندنا ما ماتوا وماقُتلوا ليجعل الله ذلك حسرةً في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بماتعملون بصير}[آل عمران156]. ويتابع الشيخ الغزالي:”والإيمان الحق يجعل الرجل صُلب العود،لايميل مع كل ريح،ولاينحني مع أي خَلّة”. إن القلق الدائم الذي يصاحب الكثير من الناس والذين ابتعدوا عن الدين والإيمان يجعلهم يعيشون حياة شقاء وبلاء،وحياة ضنك ونكد وهم في تفكير دائم ومستمر بما تحمله الأيام القادمة من أمراض ونكبات وكوارث تزلزل عليهم معيشتهم وتراهم في بركان داخلي يستعر بالنيران التي تحرق الأفئدة والعقول، وتمنعهم من برد اليقين وحرارة ودفء الدين. وعلى النقيض من ذلك نجد هناك أناساً يعيشون تجارب الماضي الفاشلة، ومرارات الأيام السالفة،يتجرعون الألم عند الذكرى،ويغصون بالحرق عند التذكر،يعيشون مابين “لو” و”ليت” لايبتعدون عنهما تشاطرهم يقظة الحاضر والصحو، وتهجم عليهم في النوم وعند الغفو. يقول الأستاذ العلامة محمد الغزالي رحمه الله(جدد حياتك ص75): “إحساس المؤمن بأنّ زمام العالم لن يفلت من يد الله يقذف بمقادير كبيرة من الطمأنينة في فؤاده. والحقُّ أنه لامعنى لتوتر الأعصاب واشتداد القلق بإزاء أمور تخرج عن نطاق إرادتنا. أما إذا فرغت نفسه من الله، ونظر إلى الأحداث كأنها موج يتدّفع مدّاً وجَزراً،يغرق فيها من يغرق،وينجو من ينجو،فإنه يحيا بفؤادٍ هواء،تلعب به الأحداث والظنون. إن كثيراً من الناس يجهلون هذه الحقيقة أو يجحدونها،ويباشرون أعمالهم وهم يحملون بين جوانبهم هموماً مقيمة، ومشاعر عقيمة.وهم لايجزعون من أحزان تصيبهم فحسب، بل يجزعون من أحزان يتوقعونها،ويفترضون أن المستقبل قد يرميهم يها. وكم يجمح بهم الخيال فيملأ حياتهم بأشباح الموت والدمار،ويوهمهم أنهم بين الحين والحين معرّضون لهجوم من هنا وغدر من هناك!!. ويقول الأستاذ الغزالي رحمه الله(جدد حياتك ص109): “أما العودة إلى الأمس القريب أو البعيد لنجدّد حزناً،أو ننكأ جرحاً، أو ندور حول مأساة حزّت في نفوسنا لنقول:”ليت”، و”لو”، فإن هذا مايكرهه الإسلام وينفّر من التردي فيه، بل إنّ هذا كان ديدن الحيارى والمترددين من المنافقين ومرضى القلوب:{يُخفُونَ في أنفُسِهِم مالايُبدونَ لكَ يَقولونَ لو كانَ لنا من الأمرِ شئٌ ماقُتلنا ها هنا قل لو كُنتُم في بُيوتِكُم لبرزَ الذين كُتِبَ عليهمُ القتلُ إلى مضاجِعِهم}[آل عمران 154]،{الذينَ قالوا لإخَوانِهِم وقعدُوا لو أطاعُونا ماقُتِلُوا قل فادرأوا عن أنفُسِكُمُ الموتَ إن كُنتُم صادقين}[آل عمران 168]”. ويقول الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله(الإيمان والحياة ص130): “وإن من أهم عوامل القلق الذي يفقد الإنسان سكينة النفس وأمنها ورضاها هو تحسره على الماضي وسخطه على الحاضر،وخوفه من المستقبل. إن بعض الناس تنزل به النازلة من مصائب الدهر،فيظل فيها شهوراً وأعواماً،يجترّ آلامها ويستعيد ذكرياتها القاتمة،متحسراً تارة،متمنياً أخرى. شعاره:ليتني فعلت،وليتني تركت، لو أني فعلت كذا لكان كذا، وقديماً قال الشاعر: ليت شعري، وأين مني “ليت”؟ إن “ليتاً” وإن “لواً” ..عناء وأبعد الناس عن الإستسلام لمثل هذه المشاعر الأليمة،والأفكار الداجية هو المؤمن الذي قوي يقينه بربه،وآمن بقضائه وقدره،فلايسلم نفسه فريسة للماضي وأحداثه،بل يعتقد أنه أمر قضاه الله كان لابد أن ينفذ،وما أصابه من قضاء الله لايقابل بغير الرضا والتسليم. إنه لايقول:”لو أني فعلت كذا لكان كذا،ولكن يقول: قدّر الله وماشاء فعل، فإن “لو” تفتح عمل الشيطان“كما علمه الرسول صلى الله عليه وسلم[الحديث رواه مسلم]. إنه يوقن أن قدر الله نافذ لامحالة،فلم السخط؟ ولم الضيق والتبرم؟والله تعالى يقول:{ما أصابَ من مُصيبةٍ في الأرضِ ولا في أنفُسِكُم إلا في كتابٍ من قبل أن نبرأها إنَّ ذلكَ على الله يسير*لكيلا تأسَو على مافاتَكُم ولاتفرحوا بما آتاكُم والله لايُحبُّ كُلَّ مُختالٍ فخور}[الحديد22 ـ 23]. إن شعار المؤمن دائماً”قدّر الله وماشاء فعل”، الحمد لله على كل حال” وبهذا لايأسى على مافات،ولايحيا في خضم أليم من الذكريات،وحسبه أنه يتلو قوله تعالى:{ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شئ عليم}[التغابن 11]. ويقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله(الرسالة العدد758): “وإن متع الدنيا أوهام،من لم ينلها تشوّق إليها وحسد عليه،ومن نالها ملّها وتمنى غيرها:المتزوج يتمنى العزوبة،والعزب يشتهي الزواج،والمقيم يرجو السفر والمسافر يطلب المعاد،والريفي يحن إلى المدينة والمدني يتشهى الريف،ونحن كلنا أطفال…تشتري للطفل اللعبة النفيسة فيفرح بها،ويهش لها،ثم يلقيها ويطلب غيرها،ولو كان دونها ثم أن الآمال لا تنتهي…فمن أعطى المليون ابتغى المليونين،ومن رفع في الوظيفة درجة طلب درجتين فلا يزال في شقاءين شقاء بالحاضر الذي لا يقنع به وبالآتي الذي لا يصل إليه..”. الشاعر أحمد زكي أبو شادي(الرسالة العدد56): عييت من قلقي فيما وجدت له وفي المعاني لكوني أو لأحلامي أسائلُ الدهر عنها وهو مضطرب مثلي،وأصحب كالمبهوت أعوامي وأنتحي عن وجودي شبه منعدم في الصمت،والصمت آمالي وآلامي في حيرة وكأني عالمٌ يئست منه الحياة فعافت روحي الدامي أبكي وأضحك في نفسي فإن بها من التناقض إيساري وإعدامي ما بين ضدين قد عاشت وليس لها من شاغل غير معنى عيشها السامي تصدرت لهموم الناس تسعدهم وعوقبت بين أحبابٍ وأخصامِ6ـ اغتنام الوقت وشغل الفراغ وتجنب السأم والملل
في الحديث الشريف:”نعمتان مغبون فيهما الكثير من الناس:الصحة والفراغ“.[رواه البخاري والترمذي وابن ماجة والحاكم وأحمد عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما]. ويقول أبو العتاهية: إنَّ الشبابَ والفراغَ والجِدَه مُفسِدة للمرء أيَّ مفسده يقول الكاتب الكبير عباس محمود العقاد رحمه الله(المجموعة الكاملة المجلد 22 ص136): “أوقات العمل تملكنا.ولكننا نحن الذين نملك أوقات الفراغ ونتصرف فيها كما نريد،فهي من أجل هذا ميزان قدرتنا على التصرف وميزان معرفتنا بقيمة الوقت كله،وليست قيمة الوقت إلا قيمة الحياة..فالذي يعرف قيمة وقته يعرف قيمة حياته،ويستحق أن يحيا وأن يملك هذه الثروة التي لا تساويها ثروة الذهب،لأن مالك وقته يملك كل شيء ويصبح في حياته سيد الأحرار. إن أفرغ الناس هو الذي لا يستطيع أن يملأ ساعات فراغه،وعندنا في الشرق كثيرون،بل كثيرون جداً،من هؤلاء الفارغين:على القهوات وعلى أفاريز الطرقات،في الصباح وفي المساء،خلال أيام الصيف وخلال الشتاء.. في كل وقت وكل موسم وكل مكان ألوف من الشبان الأقوياء والرجال الناضجين يقضون ساعات الفراغ في لعب النرد والورق أو في تعاطي الراح والدخان،أو في مراقبة الغادين والغاديات والرائحين والرائحات.ليس هذا وقتاً فارغاً لأنهم مشغولون فيه،وليس هذا وقتاً مملوءاً لأنهم يملأونه بما هو أفرغ من الفراغ.هذا ليس بوقت على الإطلاق.هذا عدم خارج من الزمان،خارج من الحياة. وليس معنى”وقت الفراغ” أنه الوقت الذي نستغني عنه ونبدده ونرمي به مع الهباء،ولكن وقت الفراغ هو الوقت الذي بقي لنا لنملكه ونملك أنفسنا فيه،بعد أن قضينا وقت العمل مملوكين مسخرين لما نزاوله من شواغل العيش وتكاليف الضرورة”. يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(خلق المسلم ص275): “كل مفقود عسى أن تسترجعه إلا الوقت،فهو إن ضاع لم يتعلق بعودته أمل،ولذلك كان الوقت أنفس مايملكه إنسان،وكان على العاقل أن يستقبل أيامه استقبال الضنين للثروة الرائعة،لا يفرط في قليلها بله كثيرها،ويجتهد أن يضع كل شئ،مهما ضؤل موضعه اللائق به. إن المسلم الحق يغالي بالوقت مغالاة شديدة،لأن الوقت عمره،فإذا سمح بضياعه،وترك العوادي تنهبه فهو ينتحر بهذا المسلك الطائش. الإسلام دين يعرف قيمة الوقت،ويقدر خطورة الزمن، ويؤكد الحكمة الغالية”الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك”. ويجعل من دلائل الإيمان وأمارات التقى أن يعي المسلم هذه الحقيقة ويسير على هداها. وقد وزع الإسلام عباداته الكبرى على أجزاء اليوم وفصول العام. فالصلوات الخمس تكتنف اليوم كله.وأوقاتها تطرد مع سيره.{فَسبحانَ الله حينَ تُمسونَ وحينَ تصبحونَ ولهُ الحمدُ في السموات والأرض وعَشياً وحينَ تظهرون}[الروم8]. إن عمرك رأس مالك الضخم.ولسوف تُسأل عن إنفاقك منه،وتصرفك فيه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”لاتزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسألَ عن عمره فيم أفناه،وعن علمه فيم فعل،وعن مالهِ من أين اكتسبه وفيم أنفقه،وعن جسمه فيم أبلاه”[صحيح الترمذي عن أبو برزة الأسلمي نضلة بن عبيد] والإسلام نظر إلى قيمة الوقت في كثير من أوامره ونواهيه. فعندما جعل الإعراض عن اللغو من معالم الإيمان،كان حكيماً في محاربة طوائف المتبطلين الذين ينادي بعضهم بعضاً: تعال نقتل الوقت بشئ من التسلية!!وما درى الحمقى أن هذا لعب بالعمر،وأن قتل الوقت على هذا النحو إهلاك للفرد،وإضاعة للجماعة. ومن المؤسف أن العوام لايبالون بإضاعة أوقاتهم سدى،ويضمون إلى هذه الجريمة السطو على أوقات غيرهم لإراقتها على التراب،وإنهم ليقتحمون على رجال الأعمال خلواتهم الجادة ليشغلوهم بالشئون التافهة”. ويقول الأستاذ العلامة الشيخ محمد لطفي الصباغ حفظه الله(قضايا في الدين والحياة والمجتمع ص283): “والفراغ نعمة عظمى لأن الشغل المستمر يوهن الجسم،ويحجب المرء عن مصادر الثقافة ويحول بينه وبين ارتقاء الروح، ويمنعه من التأمل في الكون،والحياة،وسنن الله في خلقه،ويحرمه الراحة والتمتع بمباهج الحياة وزينتها،ويمنعه من الإستكثار من الطاعات والقربات،ولايمكنه من مساعدة الآخرين ،فلايغيث ملهوفاً،ولايفعل معروفاً،ولاينصر مستجيراً، ولايدعو إلى الله،ولايأمر بالمعروف ولاينهى عن المنكر،بل لايمكنه من بناء بيته،فلايجد الوقت لتربية أولاده على مايريد.ومن هنا كان الفراغ نعمة كبرى لمن يكرمه الله،فإذا وجد الفراغ كان شكره أن يملأه بما يعود عليه وعلى أبناء أمته بالخير والثواب. ويتابع الدكتور الصباغ:”المرء في سباق مع الأجل وظروف الحياة الصعبة،والعمر يمرُّ سريعاً، ولذا فقد وردت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة تأمر بالمسارعة إلى الخير والمسابقة إلى الطاعة،لأن الإنسان لايشعر بنفسه إلا وقد وخطه الشيب، وتخطى مرحلة الشباب،واقترب من نهاية رحلة الحياة. قال تعالى:{وسارِعُوا إلى مغفرةٍ من ربِّكُم وجَنَّةٍ عَرضُها السَّمواتُ والأرضُ أعِدَّت للمُتَّقين * الذينَ يُنفقونَ في السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ والكاظمينَ الغيظَ واللهُ يُحِبُّ المُحسنين*والذينَ إذا فَعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفُسَهُم ذكروا اللهَ فاستغفروا لِذُنُوبِهم ومن يَغفِرُ الذُّنوبَ إلا اللهُ ولم يُصِرُّوا على مافعلوا وهم يعلمون}[آل عمران 133ـ 135]، وقال تعالى:{وسابقوا إلى مغفرةٍ من رَبِّكم وجنةٍ عرضها السماء والأرض أعدِّت للذين آمنوا بالله ورسله} [الحديد21]. فالله سبحانه يأمرنا بالمسارعة إلى المغفرة والجنة والمسابقة إليها قبل أن يحال بيننا وبينها،ولاينبغي أن تغرّنا الحياة الدنيا،فقد جاء قبل هذه الآية قوله سبحانه:{اعلمُوا أنّما الحياةُ الدُّنيا لَعِبٌ ولَهوٌ وزِينةٌ وتفاخرُ بَينَكُم وتكاثرٌ في الأموالِ والأولادِ كَمَثَلِ غَيثٍ أعجبَ الكُفَّارَ نباتُهُ ثُمَّ يهيجُ فتراهُ مُصفَرّاً ثُمَّ يكونُ حُطاماً وفي الآخرةِ عذابٌ شَديدٌ ومغفرةٌ من الله ورضوانٌ وما الحياةُ الدُّنيا إلا متاعُ الغُرور} [الحديد20]. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك،وصحتك قبل سقمك،وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك،وحياتك قبل موتك“[رواه الحاكم والبيهقي وهو حديث صحيح]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”بادروا بالأعمال سبعاً: هل تنتظرون إلا فقراً منسيا، أوغنى مطغياً،أو مرضاً مفسداً،أو هرماً مفنداً،أو موتاً مجهزاً،أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر“[رواه الترمذي، وفي سنده محرز وهو واه ولكن معناه صحيح رائع وتشهد له أدلة كثيرة ثابتة كما يقول الشيخ الصباغ]. ويتابع الدكتور الصباغ:”إن نعم الله لاتحصى{وإن تعدوا نعمة الله لاتحصوها}[إبراهيم 34، والنحل 18]، ومن أجلّها الإيمان،وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ههنا النعمتين(الصحة والفراغ)، لأن المرء بهما يقوم بالواجبات والمستحبات،وذلك يعود نفعه عليه وعلى مجتمعه في الدنيا والآخرة. فإذا اجتمعت الصحة والفراغ لدى المسلم صاحب الهمة الذي يقدر هاتين النعمتين حق قدرهما استطاع أن يؤدي شكرهما وأن يبلغ رضوان الله. إن الصحة وحدها لاتكفي لإنجاز أعمال الخير وفعل القربات،إذا كان الإنسان مشغولاً بأعمال أخرى، والصحة هي التي تمكن صاحبها من العمل، والفراغ هو الذي يوفر الظرف الزماني الذي يتم العمل فيه. كثير من المسلمين في العالم الإسلامي اليوم يبددون أوقاتهم ويضيعونها فيما لا طائل تحته،تراهم يتسكعون في الطرقات،ويجلسون في القهوات، ويتحلقون حول أجهزة التلفزيون والمذياع،ويلعبون الورق وقد يقامرون ويعبثون، وغيرهم في جد دؤوب، واستفادة من الوقت والصحة. فكيف لايكونون مغبونين؟ ويتابع:”والصحة والفراغ رأس مال المسلم، وينبغي أن يعني المسلم الموفق برأس المال ويحافظ عليه، ويوظفه فيما يعود عليه بالربح الوفير.وابتغاؤه الربح يقتضيه بأن يستفيد من صحته وفراغه، فيؤدي الواجبات، ويجتنب المحرمات،ويستكثر من القربات. فمن فعل ذلك حافظ على رأس المال وحصل على الربح الكثير، وكان موفقاً في تجارته التي يظهر ربحها في الآخرة{يوم تجد كلُّ نفسٍ ماعملت من خيرٍ محضرا}[آل عمران30] فَسُرَّ بالنعيم الأبدي في الجنة.ومن غلب عليه الكسل فلم يعمل الصالحات، واستعان بصحته على معصية الله، وشغل فراغه باقتراف المحرمات،وانقاد إلى الهوى المهلك، والنفس الأمارة بالسوء، والشيطان الغرور،أضاع رأس المال،وخسر الخسارة العظمى، وهناك يدعو ثبوراً ويسحب على وجهه في النار،وإنه لمغبون حقاً،فالمغبون من باع بضاعته بثمن بخس يقلّ عن رأس المال فكيف بمن أضاع رأس المال كله”؟. ويقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(جدّد حياتك ص63): “في أحضان البطالة تولد آلاف الرذائل،وتختمر جراثيم التلاشي والفناء. إذا كان العمل رسالة الأحياء فإن العاطلين موتى.وإذا كانت دنيانا هذه غِراساً لحياة تعقبها، فإن الفارغين أحرّى الناس أن يحشروا مُفلسين لاحصاد لهم إلا البوار والخسران. أجل …فكم من سليم الجسم ممدود الوقت يضطرب في هذه الحياة بلا أمل يحدوه، ولاعمل يشغله،ولارسالة يخلص لها ويصرف عمره لإنجاحها. ويتابع:”ومن أصدق مارواه الشافعي في أسس التربية هذه الكلمة الرائعة:”إذا لم تشغل نفسك بالحق شغلتك بالباطل”. وهذا صحيح، فإنّ النفس لاتهدأ. إذا لم تَدُر في حركة سريعة من مشروعات الخير والجهاد والانتاج المنظم لم تلبث أن تنهبها الأفكار الطائشة، وأن تَلُفّها في دوامة من التُرّهات والمهازل. وأفضل ماتصون به حياة إنسان أن ترسم له منهاجاً يستغرق أوقاته،ولاتترك فرصة للشيطان أن يتطرّق إليه بوسوسة أو إضلال. وتوزع التكاليف الشرعية في الإسلام منظور فيه إلى هذه الحقيقة،ألاّ يُترك للنفس فراغ يمتلئ بالباطل،لأنه لم يمتلئ من قبل بالحق. ويتابع:”إن الحق إذا استنفد مالدى الإنسان من طاقة مختزنة لم يجد الباطل بقية يستمد منها.وإذا استولى على قلبه ولبّه فلا مجال لوساوس اللهو وهواجس الريبة”. ويقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه(في سبيل الإصلاح ص110): “ومن هذه الأخلاق أننا لانعرف قيمة الوقت،وأنا نضيع أوقاتنا سدى،ونذهب أعمارنا عبثاً لانعرف لها قيمة وهي أثمن مانملك.وإذا كان فينا من يحسن الاستفادة من وقته ،وينفقه في علم وأدب أو شئ مما ينفع الناس ،لم يعدم من الثقلاء من يضيع عليه وقته،ويسرق عمره ولا يتوهم أنه أساء…”. الشيخ أسامة الخياط: ويقول “فالفراغ نعمة من نعم الله على عباده، وهو خلو الوقت من الشواغل، وخلو القلب من متاعب الحياة ومشاكلها ومن كل مايتنغّص به العيش، وتتكدر به الحياة.فإذا منّ الله على العبد بالراحة فعليه شكر هذه النعمة، وأن يصرّف أوقات الفراغ في الأصحّ والأمثل والأنفع له ولمجتمعه، وأن ينفق الوقت في إصلاح شأنه، وما يعلو به قدره.أما من يقطع الوقت لهواً ولعباً وإسفافاً، ويشغل أوقات الفراغ بالعبث والمجون والتهريج، وركن إلى القبيح وتعلّق بالأدنى، أو في العكوف على كتب الأساطير والقصص نسيجة الخيال أو القصص الخليعة وأحاديث الغرام التي تستثير الغرائز الكامنة وتحرض على الرزيلة، كل أولئك من اشتغل بالخسيس الأدنى، وأضاع الوقت الثمين سدى، وغبن غبناً فاحشاً،كان ممن عظمت مسؤوليته أمام مسدي النعمة. وأقبح من هذا الفريق مسلكاً وأسوأ عاقبةً وأكثر غبناً من قطع الفراغ في القيل والقال، والتحبب لفلان على فلان طمعاً في جر مغنم لنفسه، أو لضعته وهوان نفسيته،أو مشى بالنميمة وأذاع الأراجيف، وروّج للأخبار الكاذبة، وإشاعة الفاحشة، واشتغل بالمهاترات الفاضحة، والهمز واللمز والسخرية، والنيل من المسلمين والتشهير بهم”. ويقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله(فيض الخاطر ج1 ص184 بعنوان الراحة في التغيير): “خلق الإنسان ملولا،يمل النعيم إذا طال، ويمل الشقاء إذا طال، يمل الحَرّ إذا دام، ويمل البرد إذا دام، ويمل الأكل الشهي اللذيذ إذا استمر عليه، ويمل الأكل الخسيس إذا استمر عليه. أخطأ الناس فظنوا أن الراحة معناها الانغماس في الكسل والإضراب عن العمل،والتمدد على سرير مريح، أو الاتكاء على كرسي مُجنّح أو نحو ذلك. ما أصعب الحياة الراتبة وأشقها على النفس! إنها تميت القلب وتبعث على الخمود،ولابد لعلاجها من التجديد،وليس التجديد إلا نوعاً من التغيير. ويتابع:”وأقدر الناس في هذه الحياة من استطاع ان يتغلب على السأم والملل بالتغيير المناسب في نفسه وفي غيره.وكثير من شرور هذا العالم سببه الملل،فكسل التلميذ وانصرافه عن الدرس نوع من الملل ،وخمول الموظف وقعوده عن الجد في العمل نوع من الملل،والخمود السياسي والفكري والاجتماعي نوع من الملل، والرغبة في الانتحار نوع من الملل،وكثيراً ما يكون الميل إلى الكيوف والإدمان عليها نوعاً من الملل،وكثيراً مايكون الشقاق العائلي وشقاء المنزل والمشادة بين الزوجين أحياناً والأبوين وأولادهما أحياناً نوعاً من الملل،إلى كثير من أمثال ذلك،وكلها أمراض صعبة التشخيص صعبة العلاج،تحتاج إلى نوع من الطب النفسي أدق من طب الأجسام، وتحتاج إلى بهارة في علم النفس لاتقل أهمية عن المهارة في علوم الطب”.النفس الإنسانية وأحوالها في القرآن الكريم والسنّة النبوية
جاء في القرآن الكريم وصف للشخصية الإنسانية وسماتها المختلفة وبجميع حالاتها الإنفعالية وماتحمله في ثناياها من مشاعر الخير والشر،والتواضع والتكبر،والحلم والغضب، والإيثار والأثرة،والرحمة والقسوة…وهي أنماط عامة وشائعة نراها في المجتمعات القديمة والمعاصرة وفي كل الأوقات والعصور والدهور. إن الإنسان خلق من ماء وطين وبالتالي تتمثل فيه بعض الصفات الحيوانية التي تنزع به إلى الأرض،كما أن الله نفخ فيه من روحه،فهو أيضاً يحمل بعض الصفات الملائكية التي تنزع به إلى السمو والسناء. ويحدث هنا صراع بين مكوني تركيب الإنسان وهذا الصراع ومدى تأثيره على النفس الإنسانية يعطينا نموذجاً مختلفاً ومتعدداً لهذه النفس الإنسانية وماتحمله من سمات وصفات. وهذا الصراع يتجلى بشكل خاص في الآيات القرآنية:{فأما من طغى* وآثر الحياة الدنيا* فإنّ الجحيم هي المأوى* وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى* فإنّ الجنة هي المأوى}[النازعات 37 ـ 41]، وقوله تعالى:{وهديناه النّجدين}[البلد10]،وقوله تعالى:{إنا هديناهُ السبيل إما شاكراً وإما كفورا}[الإنسان3] وغيرها من الآيات الكريمة. يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في كتابه مقومات التصور الإسلامي: “إن القرآن يعرض أنماطاً من نماذج النفوس البشرية على نطاق واسع يشمل كل أنماط النفوس البشرية في أصالتها الفطرية،وفي حالاتها المنحرفة كذلك.في هداها وفي ضلالها، في رشدها وفي غيها،في استقامتها وفي إعراضها،في قوتها وفي ضعفها،في سرها وفي علانيتها،في فرديتها وفي جماعيتها.وفي شتّى صورها وأشكالها وأوضاعها وأحوالها.يعرض ذلك كله في حيّزٍ من التعبير يستحيل ـ لو لم يكن من عند الله ـ أن يسع هذا الحشد الكبير من الأنماط والنماذج،والأحوال والأطوار،وأن يصوره في دقة وعمق لايبلغهما الأسلوب البشري ولا في أضعاف هذا الحيز من التعبير. هذا المنهج لايعرض”النفس البشرية” في صورة مذهب. ولكنه يعرضها في صورة حقيقة.ويعرض الحقائق الكلية من خلال النماذج الفردية.كما أنه يعرض السُنة الثابتة من خلال الحديث العارض.إن عرض النفس في صورة “مذهب” ككلّ منهج مذهبي آخر ـ يجعل الكاتب يختار من الحقائق والملاحظات والوقائع والصور مايستقيم مع خطّ المذهب واتجاهه.ويميل إلى إغفال الحقائق والملاحظات والوقائع والصور التي تعارض خطه المذهبي ـ أو لا ينتظمها هذا الخط ـ أو تجريدها من أهميتها.ومن ثم تسقط جوانب شتى من الحقيقة الأساسية.وهذا هو المنهج البشري على الإطلاق! فأما المنهج القرآني فيعرض النفس الإنسانية كما هي في حقيقتها على النطاق الواسع الشامل،لأن العمود الأساسي في العرض هو حقيقة النفس الإنسانية في شتى حالاتها لامذهبٌ معين في النظر إليها”. ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله(التصوير الفني في القرآن ص216): “رسم القرآن في خلال تعبيره عن الأغراض الدينية المختلفة عشرات من “النماذج الإنسانية” في غير القصص. رسمها في سهولة ويسر واختصار، فما هي إلا جملة أو جملتان حتى يرتسم ” النموذج الإنساني” شاخصاً من خلال اللمسات،وينتفض مخلوقاً حياً خالد السمات. تارة تكون هذه النماذج صورة للجنس الإنساني كله،وتارة تكون صورة لأفراد منه مكرورين، وهي في كلتا الحالتين نماذج خالدة،لايخطئها الإنسان في كل مجتمع،وفي كل جيل. ولقد جاءت هذه الآيات لمناسبات خاصة،ولرسم نماذج شخصية واقعة. ولكن المعجزة الفنية في التصوير،جعلت هذه النماذج أبدية خالدة،تتخطى الزمان والمكان،وتتجاوز القرون والأجيال”. ويقول الأستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله(المجموعة الكاملة المجلد السابع ص389): “وقد ذكرت النفس في القرآن بجميع قواها التي يدرسها اليوم علماء النفس المتخصصون لهذه الدراسات في موضوعاتها الحديثة… فقوة الدوافع الغريزية تقابل النفس”الأمارة بالسوء”:{وما أُبرئ نفسي إنّ النفس لأمارةٌ بالسوء}[يوسف53] . وقوة النفس الواعية تقابل النفس الملهمة:{ونفسٍ وماسَوّاها* فألهَمَها فُجُورَها وتَقواها* قد افلحَ من زكَّاها* وقد خاب من دَسّاها}[الشمس7 ـ 10] . وقوة الضمير تقابل النفس اللوامة،وهي النفس التي يقع منها الحساب كما يقع عليها،وجاء ذكرها من أجل ذلك مقروناً بيوم القيامة:{لا أُقسِمُ بيومِ القيامة* ولا أُقسِمُ بالنّفسِ اللوّامة}[القيامة 1 ـ 2] ثم ذكرت موصوفة بالإبصار والعلم بمواقع الأعذار:{بلِ الإنسانُ على نَفسهِ بصيرة* ولو ألقى مَعاذيره}[القيامة 14 ـ 15]. وقوة الإيمان والثقة بالغيب تقابل النفس المطمئنة:{يا أيتها النَّفسُ المُطمئنّة* ارجعي إلى ربِّكِ رَاضيةً مرضية}[الفجر27 ـ 28]. ويتابع رحمه الله:”فحساب النفس من حساب الإنسان،ولكن الذات الإنسانية أعمّ من النفس ومن العقل ومن الروح حين تذكر كل منها على حدة،فإن الإنسان يحاسب نفسه لينهاها عن هواها،ولكن الروح من أمر الخالق الذي لايعلم الإنسان منه إلا ماعلمه الله،ويتوسط العقل بين القوتين فهو وازع الغريزة ومستلهم لهداية الروح. فالإنسان يعلو على نفسه بعقله،ويعلو على عقله بروحه،فيتصل من جانب النفس بقوى الغرائز الحيوانية ودوافع الحياة الجسدية،ويتصل من جانب الروح بعالم البقاء وسر الوجود وعلمه عند الله… وحق العقل أن يدرك ماوسعه من جانبه المحدود، ولكنه لايدرك الحقيقة كلها من جانبها المطلق إلا بإيمان وإلهام”. ويقول الشيخ العلامة محمد الغزالي رحمه الله(خلق المسلم ص23): “الإسلام ـ كسائر رسالات السماء ـ يعتمد في إصلاحه العام على تهذيب النفس الإنسانية قبل كل شئ،فهو يكرس جهوداً ضخمة للتغلغل في أعماقها وغرس تعاليمه في جوهرها حتى تستحيل جزءاً منها. وما خلدت رسالات النبيين وكونت حولها جماهير المؤمنين إلا لأن “النفس الإنسانية” كانت موضوع عملها ومحور نشاطها،فلم تكن تعاليمهم قشوراً ملصقة فتسقط في مضطرب الحياة المتحركة،ولا ألواناً مفتعلة.تبهتُ على مر الأيام. لا …لقد خلطوا مبادئهم بطوايا النفس،فأصبحت هذه المبادئ قوة تهيمن على وساوس الطبيعة البشرية وتتحكم في اتجاهاتها. إن الأديان لن تخرج عن طبيعتها في اعتبار النفس الصالحة هي البرنامج المفصل لكل إصلاح،والخلق القوي هو الضمان الخالد لكل حضارة.والنفس المختلة تثير الفوضى في أحكم النظم،وتستطيع النفاذ منه إلى أغراضها الدنيئة،والنفس الكريمة،ترقع الفتوق في الأحوال المختلة ويشرق نبلها من داخلها،فتحسن التصرف والمسير،وسط الأنواء والأعاصير.ومن هنا كان الإصلاح النفسي الدعامة الاولى لتغليب الخير في هذه الحياة.فإذا لم تصلح النفوس أظلمت الآفاق،وسادت الفتن حاضر الناس ومستقبلهم،ولذلك يقول تعالى:{إنَّ اللهَ لا يُغيّرُ ما بقومٍ حتى يُغيّروا ما بأنفسهم}[الرعد11]وقوله تعالى:{ذلك بأنَ الله لم يَكُ مُغيّرا نعمة أنعمها على قومً حتى يغيروا ما بأنفسهم}[الأنفال 53]. والإسلام ـ في علاجه للنفس ابتغاء إصلاحها ـ ينظر إليها من ناحيتين: أن فيها فطراً طيبة،تهفو إلى الخير،وتُسَرُّ إدراكه، وتأسى للشر وتحزن من ارتكابه.وترى في الحق امتداد وجودها وصحة حياتها.وأن فيها ـ إلى جوار ذلك ـ نزعات طائشة،تشرد بها عن سواء السبيل، وتزين لها فعل مايعود عليها بالضرر،ويُسِفُّ بها إلى منحدر سحيق.قال تعالى:{ونفسٍ وما سَوّاها*فألهَمهَا فُجُورَها وتَقواها*قد أفلحَ من زَكّاها* وقد خابَ من دسّاها}بالشمس 7 ـ 10]”.أهم هذه النماذج الإنسانية :
1 ـ النفس الحائرة التعيسة التي استهوتها الشياطين بالشرك بعد التوحيد : يقول تعالى:{قُل أندعو من دونِ الله مالا يَنفَعُنا ولا يضُرّنا ونُردُّ على أعقابِنا بعدَ إذ هدانا اللهُ كالذي استهوتهُ الشياطينُ في الأرضِ حيرانَ له أصحابٌ يدعونهُ إلى الهدى ائتنا قل إنّ هدى الله هوَ الهدى وأُمرنا لِنُسلمَ لِربِّ العالمين}[الأنعام 71]. يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله(التصوير الفني في القرآن ص44): “يريد أن يبرز الحيرة التي تنتاب من يشرك بعد التوحيد،ومن يتوزع قلبه بين الإله الواحد والآلهة المتعددين،ويتفرق إحساسه بين الهدى والضلال،فيرسم هذه الصورة المحسَّة المتخيلة،فتبرز صورة هذا المخلوق التعيس الذي استهوته الشياطين في الأرض(ولفظ الاستهواء لفظ مصوّر لمدلوله) وياليته يتبع هذا الاستهواء في اتجاهه،فتكون له راحةُ ذي القصد الموحد ـ ولو كان طريق الضلال ـ ولكن هناك من الجانب الآخر،إخوان له يدعونه إلى الهدى، وينادونه:”ائتنا”. وهو بين هذا الاستهواء وهذا الدعاء”حيران” موزع القلب،لايدري أي الفريقين يجيب،ولا اي الطريقين يسلك، فهو قائم هناك شاخص متلفت! ويقول الشهيد في تفسير الظلال معقباً على الآية السابقة من سورة الأنعام: “هذا الإيقاع القوي بحقيقة الألوهية وخصائصها،وباستنكار الشرك والعودة إليه بعد الهدى،وبمشهد الذي يرجع القهقرى مرتداً عن دين الله،وحيرته في التيه بلا اتجاه،وبتقرير أن هدى الله وحده هو الهدى.. ويتابع رحمه الله:”إنه مشهد حي شاخص متحرك للضلالة والحيرة التي تنتاب من يشرك بعد التوحيد،ومن يتوزع قلبه بين الإله الواحد، والآلهة المتعددة من العبيد!ويتفرق إحساسه بين الهدى والضلال، فيذهب في التيه… ويتابع رحمه الله:”ولقد كنت أتصور هذا المشهد وما يفيض به من عذاب الحيرة والتأرجح والقلقلة كلما قرأت هذا النص…ولكن مجرد تصور…حتى رأيت حالات حقيقية،يتمثل فيها هذا الموقف،ويفيض منها هذا العذاب…حالات ناس عرفوا دين الله وذاقوه ـ أياً كانت درجة هذه المعرفة وهذا التذوق ـ ثم ارتدوا عنه إلى عبادة الآلهة الزائفة،تحت قهر الخوف والطمع…ثم إذا هم في مثل هذا البؤس المرير…وعندئذ عرفت ماذا تعني هذه الحالة،وماذا يعني هذا التعبير! ويقول الشيخ الشعراوي رحمه الله: “واستهوته”:من مادة استفعل وتأتي دائماً للطلب.أي طلب الإخراج للشىء،فاستهوته طلبت هُويّه.أي جعلته يتقبل ماتريد واستولت عليه دون أن يكون لديه أي دليل أو حجة على صحة ما تدعوه إليه بأن صار عجينة تشكله الشياطين كما تشاء. “حيران”:وماهي الحيرة؟هي التردد بين أمر ومقابله.وعرفنا من قبل أن الحيرة في هذه الآية لمن اهتدى وسار خطوة للمنهج ثم رُدَّ على أعقابه ورجع،ولكن له أصحاب يدعونه إلى الهدى،فهو بين شيطان يستهويه،وأصحاب يدعونه للمنهج،لذلك يكون حيران:بين هاوية ونجاة،والشىء الذي يهوي لا استقرار له،وحين نرى على سبيل المثال حجراً يهوي للأرض نجده يدور،ولا اتجاه له.وهذه صورة معبرة،ويأتي له القول الفصل:{قل إن هدى الله هو الهدى}.”. 2 ـ الشخصية الحائرة التي ضلت عن علم ومعرفة: يقول تعالى:{واتلُ عليهم نبأ الذي آتيناهُ آياتنا فانسلخ منها،فأتبعهُ الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنهُ أخلد إلى الأرض واتّبع هواه فمثلهُ كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث}[الأعراف 175 ـ 176]. يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله(المرجع السابق ص44): “ويريد أن يكشف عن حال أولئك الذين يهيئ الله لهم المعرفة،فيفرون منها كأن لم تهيأ لهم أبداً،ثم يعيشون بعد ذلك هابطين،تطاردهم أنفسهم وأهواؤهم،بما علموا وبما جهلوا،فلاهم استراحوا بالغفلة،ولاهم استراحوا بالمعرفة،فيرسم لهم هذه الهيئة كما في الآية الكريمة، وفي الصورة تحقير وتقذيرـ وذلك غرض ديني لاشأن لنا به هنا ـ ولكنها من الوجهة الفنية صورة شاخصة،فيها الحركة الدائبة.وهي صورة معهودة،فهي في تثبيت المعنى المراد بها أشد وأقوى. وهكذا يلتقي الغرض الديني بالغرض الفني،كالشأن في جميع الصور التي يرسمها القرآن”. ويقول رحمه الله في “الظلال” معقباً عن الآيات الكريمة في سورة الأعراف: “إنه مشهد من المشاهد العجيبة،الجديدة كل الجدة على ذخيرة هذه اللغة من التصورات والتصويرات…إنسان يؤتيه الله آياته،ويخلع عليه من فضله،ويكسوه من علمه،ويعطيه الفرصة كاملة للهدى والاتصال والارتفاع…ولكن هاهو ذا ينسلخ من هذا كله انسلاخاً.ينسلخ كأنما الآيات أديم متلبس بلحمه،فهو ينسلخ منها بعنف وجهد ومشقة ،انسلاخ الحي من أديمه اللاصق بكيانه..أو ليست الكينونة البشرية متلبسة بالإيمان بالله تلبس الجلد بالكيان؟.. هاهو ذا ينسلخ من آيات الله،ويتجرد من الغطاء الواقي،والدرع الحامي،وينحرف عن الهدى ليتبع الهوى،ويهبط من الأفق المشرق فيلتصق بالطين المعتم،فيصبح غرضاً للشيطان لايقيه منه واق،ولايحميه منه حام،فيتبعه ويلزمه ويستحوذ عليه…ثم إذا نحن أولاء أمام مشهد مفزع بائس نكد…إذا نحن بهذا المخلوق،لاصقاً بالأرض،ملوثاً بالطين،ثم إذا هو مسخ في هيئة الكلب،يلهث إن طورد ويلهث إن لم يطارد…كل هذه المشاهد المتحركة تتابع وتتوالى، والخيال شاخص يتبعها في انفعال وانبهار وتأثر… فإذا انتهى إلى المشهد الأخيرمنها…مشهد اللهاث الذي لاينقطع… سمع التعليق المرهوب الموحي،على المشهد كله:{ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون* ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون} . ذلك مثلهم! فلقد كانت آيات الهدى وموحيات الإيمان متلبسة بفطرتهم وكيانهم وبالوجود كله من حولهم. ثم إذا هم ينسلخون منها انسلاخاً. ثم إذا هم أمساخ شائهو الكيان، هابطون عن مكان “الإنسان” إلى مكان الحيوان..مكان الكلب الذي يتمرغ في الطين..وكان لهم من الإيمان جناح يرفون به إلى عليين،وكانوا من فطرتهم الأولى في أحسن تقويم، فإذا هم ينحطون منها إلى أسفل سافلين!وهل أسوأ من هذا المثل مثلاً؟وهل أسوأ من الانسلاخ والتعري من الهدى؟ وهل أسوأ من الالتصاق بالأرض واتباع الهوى؟ وهل يظلم إنسان نفسه كما يظلمها من يصنع بها هكذا؟ من يعريها من الغطاء الواقي والدرع الحامي، ويدعها غرضاً للشيطان يلزمها ويركبها، ويهبط بها إلى عالم الحيوان اللاصق بالأرض،الحائر القلق،اللاهث لهاث الكلب أبداً!1! ويتابع رحمه الله:”ما أكثر الذين يعطون علم دين الله،ثم لايهتدون به،إنما يتخذون هذا العلم وسيلة لتحريف الكلم عن مواضعه. واتباع الهوى به..هواهم وهوى المتسلطين الذين يملكون لهم ـ في وهمهم ـ عرض الحياة الدنيا. وكم من عالم دين رأيناه يعلم حقيقة دين الله ثم يزيغ عنها..ويعلن غيرها. ويستخدم علمه في التحريفات المقصودة،والفتاوى المطلوبة لسلطان الأرض الزائل! يحاول أن يثبت بها هذا السلطان المعتدي على سلطان الله وحرماته في الأرض جميعا! إنه مثل لكل من آتاه الله من علم الله،فلم ينتفع بهذا العلم،ولم يستقم على طريق الإيمان،وانسلخ من نعمة الله. ليصبح تابعاً ذليلاً للشيطان.ولينتهي إلى المسخ في مرتبة الحيوان. ثم ماهذا اللهاث الذي لاينقطع؟ إنه ـ في حسّنا كما توحيه إيقاعات النبأ وتصوير مشاهده في القرآن ـ ذلك اللهاث وراء أعراض هذه الحياة الدنيا التي من أجلها ينسلخ الذين يؤتيهم الله آياته فينسلخون منها.ذلك اللهاث القلق الذي لايطمئن أبداً.والذي لايتركه صاحبه سواء وعظته أم لم تعظه،فهو منطلق فيه أبداً. والحياة البشرية ماتني تطلع علينا بهذا المثل في كل مكان وفي كل زمان وفي كل بيئة..حتى إنه لتمر فترات كثيرة، وما تكاد العين تقع على عالم إلا وهذا مثله. فهو مثل لاينقطع وروده ووجوده،وما هو بمحصور في قصة وقعت، وفي جيل من الزمان. ولقد رأينا من هؤلاء ـ والعياذ بالله ـ في زماننا هذا من كان كأنما يحرص على ظلم نفسه،أو كمن يعض بالنواجذ على مكان له في قعر جهنم يخشى أن ينازعه إياه أحد من المتسابقين معه في الحلبة! فهو مايني يقدم كل صباح مايثبت به مكانه هذا في جهنم! ومايني يلهث وراء هذا المقطع لهاثاً لاينقطع حتى يفارق هذه الحياة الدنيا! اللهم اعصمنا،وثبت أقدامنا، وأفرغ علينا صبراً،وتوفنا مسلمين”. ويقول الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله:”من الناس من يستهويه الشيطان وينسى من نفسه معنى الإنسان ويهوي به الحنين إلى طينته،فإذا زل سكن إلى زلته، ولم يستطع أن يفيق من غفلته،أو ينهض من كبوته، فتحق عليه الكلمة ويهلك مع الهالكين”. ويقول الشيخ الشعراوي رحمه الله: “وكلمة انسلخ دليل على أن الآيات محيطة بالإنسان إحاطة قوية لدرجة أنها تحتاج جبروت معصية لينسلخ الإنسان منها،لأن الأصل في السلخ إزاحة جلد الشاة عنها،فكأن ربنا يوضح أنه سبحانه وتعالى أعطى الإنسان الآيات فانسلخ منها،وهذا يعني أن الآيات تحيط بالإنسان كما يحيط الجلد بالجسم ليحفظ الكيان العام للإنسان. “آتيناه آياتنا“:وكان يجب ألا يغفل عنها،لأن الإتيان نعمة جاءت ليحافظ الإنسان عليها،لكن الإنسان انسلخ من الآيات. وإذا انسلخ من أتاه خبر الإيمان عن المنهج يقول الشيطان:إنه يصلح لأن يتبعني،وكأن الشيطان حين يجد واحداً فيه أمل،فهو يجري وراءه مخافة أن يرجع إلى ما أتاه الله من الكتاب الحامل للمنهج،ويزكي الشيطان في نفس هذا الإنسان مسألة الخروج عن منهج ربنا”. 3 ـ الشخصية المُتقلبة والمتزعزعة: يقول تعالى:{ومنَ النّاسِ من يعبدُ الله على حَرْفٍ فإن أصابَهُ خيرٌ اطمأنَّ بهِ وإن أصابتهُ فتنةٌ انقلبَ على وجههِ خَسرَ الدُّنيا والآخرة ذلكَ هوَ الخُسرانُ المبين}[الحج11]. وقوله تعالى:{ومن الناس من يقولُ آمنَّا بالله فإذا أُوذيَ في الله جعلَ فتنةَ النّاسِ كعذابِ الله ولئن جاءَ نَصرٌ من رّبكَ ليقُولُنّ إنّا كُنّا مَعكم أو ليسَ اللهُ بأعلمَ بما في صدورِ العالمين} [العنكبوت10]. يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله(المرجع السابق ص45): ” يريد الله عز وجل أن يوضح حالة تزعزع العقيدة،حيث لايستقر الإنسان على يقين،ولايحتمل مايصادفه من الشدائد بقلب راسخ،ولايجعل عقيدته في معزل عن ملابسات حياته،بعيدة عن ميزان الربح والخسارة. فيرسم لهذا التزعزع صورة تهتز وتترنح، وتوشك على الانهيار. ويتابع رحمه الله:”إن الخيال ليكاد يجسم هذا “الحرف” الذي يعبد الله عليه هذا البعض من الناس،وإنه ليكاد يتخيّل الاضطراب الحسي في وقفتهم،وهم يتأرجحون بين الثبات والانقلاب،وإن هذه الصورة لترسم حالة التزعزع بأوضح مما يؤديه وصف التزعزع،لأنها تنطبع في الحس،وتتصل منه بالنفس”. يقول الشهيد سيد قطب في الآية العاشرة من سورة العنكبوت(الظلال): “ذلك النموذج من الناس،يعلن كلمة الإيمان في الرخاء يحسبها خفيفة الحمل،هينة المؤونة،لاتكلف إلا نطقها باللسان،”فإذا أوذي في الله”بسبب الكلمة التي قالها وهو آمن معافى”جعل فتنة الناس كعذاب الله“فاستقبلها في جزع،واختلت في نفسه القيم، واهتزت في ضميره العقيدة،وتصور أن لاعذاب بعد هذا الأذى الذي يلقاه،حتى عذاب الله،وقال في نفسه:هاهو ذا عذاب شديد أليم ليس وراءه شئ.فعلام أصبر على الإيمان، وعذاب الله لايزيد على ما أنا فيه من عذاب؟وإن هو إلا الخلط بين أذى يقدر على مثله البشر، وعذاب الله الذي لايعرف أحد مداه. هذا موقف ذلك النموذج من الناس في استقبال الفتنة في ساعة الشدة.”ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم“. إنا كنا معكم..وذلك كان موقفهم في ساعة العسرة من التخاذل والتهافت والتهاوي،وسوء التصوير وخطأ التقدير. ولكن حين يجئ الرخاء تنبث الدعوى العريضة، وينتفش المنزوون المتخاذلون،ويستأسد الضعفاء المهزمون، فيقولون:”إنا كنا معكم”.”أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين”.أو ليس يعلم ماتنطوي عليه تلك الصدور، من صبر أوجزع،ومن إيمان أو نفاق، فمن الذي يخدعه هؤلاء وعلى من يموهون؟ ويتابع الشهيد رحمه الله:”ونقف لحظة أمام التعبير القرآني الدقيق وهو يكشف عن موضع الخطأ في هذا النموذج من الناس حين يقول:”جعل فتنة الناس كعذاب الله“. فليست الغلطة أن صبرهم قد ضعف عن احتمال العذاب،فمثل هذا يقع للمؤمنين الصادقين في بعض اللحظات ـ وللطاقة البشرية حدود ـ ولكنهم يظلون يفرقون تفرقة واضحة في تصورهم وشعورهم بين كل مايملكه البشر لهم من أذى وتنكيل،وبين عذاب الله العظيم، فبل يختلط في حسهم أبداً عالم الفناء الصغير وعالم الخلود الكبير،حتى في اللحظة التي يتجاوز عذاب الناس لهم مدى الطاقة وجهد الاحتمال…إن الله في حس المؤمن لايقوم له شئ،مهما تجاوز الأذى طاقته واحتماله… وهذا هو مفرق الطريق بين الإيمان في القلوب والنفاق”. ويقول الشهيد في الآية11 من سورة الحج (الظلال): “إن العقيدة هي الركيزة الثابتة في حياة المؤمن،تضطرب الدنيا من حوله فيثبت هو على هذه الركيزة وتتجاذبه الأحداث والدوافع فيتشبث هو بالصخرة التي لاتتزعزع،وتتهاوى من حوله الأسناد فيستند هو إلى القاعدة التي لاتحول ولاتزول. هذه قيمة العقيدة في حياة المؤمن.ومن ثم يجب أن يستوي عليها،متمكناً منها،واثقاً بها،لايتلجلج فيها،ولاينتظر عليها جزاء،فهي في ذاتها جزاء.ذلك أنها الحمى الذي يلجأ إليه،والسند الذي يستند عليه.أجل هي في ذاتها جزاء على تفتح القلب للنور،وطلبه للهدى،ومن ثم يهبه الله العقيدة ليأوي إليها،ويطمئن بها.هي في ذاتها جزاء يدرك المؤمن قيمته حين يرى الحيارى الشاردين من حوله،تتجاذبهم الرياح، وتتقاذفهم الزوابع،ويستبد بهم القلق.بينما هو بعقيدته مطمئن القلب، ثابت القدم،هادئ البال،موصول بالله ،مطمئن بهذا الاتصال. أما ذلك الصنف من الناس الذي يتحدث عنه السياق فيجعل العقيدة صفقة في سوق التجارة:”فإن أصابه خير اطمأن به” وقال: إن الإيمان خير.فها هو ذا يجلب النفع، ويدر الضرع،وينمي الزرع، ويربح التجارة، ويكفل الرواج”وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة”..خسر الدنيا بالبلاء الذي أصابه فلم يصبر عليه،ولم يتماسك له،ولم يرجع إلى الله فيه.وخسر الآخرة بانقلابه على وجهه،وانكفائه عن عقيدته،وانتكاسه عن الهدى الذي كان ميسراً له. والتعبير القرآني يصوره في عبادته لله”على حرف” غير متمكن من العقيدة،ولامُتثبت في العبادة.يصوره في حركة جسدية متأرجحة قابلة للسقوط عند الدفعة الأولى.ومن ثم ينقلب على وجهه عند مس الفتنة، ووقفته المتأرجحة تمهد من قبل لهذا الانقلاب! إن حساب الربح والخسارة يصلح للتجارة،ولكنه لايصلح للعقيدة.فالعقيدة حق يعتنق لذاته ،بانفعال القلب المتلقي للنور والهدى الذي لايملك إلا أن ينفعل بما يتلقى.والعقيدة تحمل جزاءها في ذاتها، بما فيها من طمأنينة وراحة ورضى، فهي لاتطلب جزاءها خارجاً عن ذاتها. والذي ينقلب على وجهه عند مس الفتنة يخسر الخسارة التي لاشبهة فيها ولاريب:”ذلك هو الخسران المبين”..يخسر الطمأنينة والثقة والهدوء والرضى.إلى جوار خسارة المال أو الولد،أو الصحة،أو أعراض الحياة الأخرى التي يفتن الله بها عباده،ويبتلي بها ثقتهم فيه،وصبرهم على بلائه،وإخلاصهم أنفسهم له،واستعدادهم لقبول قضائه وقدره…ويخسر الآخرة وما فيها من نعيم وقربى ورضوان. فياله من خسران! وإلى أين يتجه هذا الذي يعبد الله على حرف؟إلى أين يتجه بعيداً عن الله؟إنه”يدعو من دون الله مالايضره ومالاينفعه“… يدعو صنماً أو وثناً على طريقة الجاهلية الأولى،ويدعو شخصاً أو جهة أو مصلحة على طريق الجاهليات المتناثرة في كل زمان ومكان،كلما انحرف الناس عن الاتجاه إلى الله وحده،والسير على صراطه ونهجه.فما هذا كله؟إنه الضلال عن المتجه الوحيد الذي يجدي فيه الدعاء:”ذلك هو الضلال البعيد” المغرق في البعد عن الهدى والاهتداء…”يدعو لمن ضره اقرب من نفعه” من وثن أو شيطان،أو سند من بني الإنسان…وهذا كله لايملك ضراً ولانفعاً،وهو أقرب لأن ينشأ عنه الضر.وضره أقرب من نفعه. ضره في عالم الضمير بتوزيع القلب،وإثقاله بالوهم وإثقاله بالذل.وضره في عالم الواقع وكفى بما يعقبه في الآخرة من ضلال وخسران”لبئس المولى” ذلك الضعيف لاسلطان له في ضر أو نفع”ولبئس العشير” ذلك الذي ينشأ عنه الخسران.يستوي في ذلك المولى والعشير من الأصنام والأوثان،والمولى والعشير من بني الإنسان،ممن يتخذهم بعض الناس آلهة أو أشباه آلهة في كل زمان ومكان”! ويقول سيد قطب رحمه الله :يقول تعالى:{فأمّا الإنسانُ إذا ما ابتلاهُ رَبُّهُ فأكرَمهُ ونَعَّمهُ فيقولُ رَبّي أكرَمنِ*وأمّا إذا ما ابتلاهُ فقدَرَ عليهِ رِزقَهُ فيقولُ ربّي أهاننِ}[الفجر 15 ـ 16]،يقول رحمه الله: “فهذا هو تصورالإنسان لما يبتليه الله من أحوال،ومن بسط وقبض،ومن توسعة وتقتير،يبتليه بالنعمة والإكرام.بالمال أو المقام.فلا يدرك أنه الابتلاء تمهيداً للجزاء.إنما يحسب هذا الرزق وهذه المكانة دليلاً على استحقاقه عند الله للإكرام،وعلامة على اصطفاء الله له واختياره.فيعتبر البلاء جزاء والامتحان نتيجة!ويقيس الكرامة عند الله بعرض هذه الحياة! ويبتليه بالتضييق عليه في الرزق فيحسب الابتلاء جزاء كذلك،ويحسب الاختبار عقوبة،ويرى في ضيق الرزق مهانة عند الله،فلو لم يرد مهانته ما ضيّق عليه رزقه. وهو في كلتا الحالتين مخطىءفي التصور ومخطىء في التقدير.فبسط الرزق أو قبضه ابتلاء من الله لعبده ليظهر منه الشكر على النعمة أو البطر.ويظهر منه الصبر على المحنة أو الضجر.والجزاء على مايظهر منه بعد.وليس ما أعطي من عرض الدنيا أو منع هو الجزاء…وقيمة العبد عند الله لا تتعلق بما عنده من عرض الدنيا.ورضى الله أو سخطه لا يستدل عليه بالمنح والمنع في هذه الأرض،فهو يعطي الصالح والطالح،ويمنع الصالح والطالح.ولكن ماوراء هذا وذلك هو الذي عليه المعول.إنه يعطي ليبتلي ويمنع ليبتلي.والمعول عليه هو نتيجة الابتلاء”. 4 ـ الشخصية المكابرة والمعاندة: الكِبر لغة: قال ابن فارس:الكبر: العظمة،وكذلك الكبرياء. يقال ورثوا المجد كابراً عن كابر،أي كبيراً عن كبير في الشرف والعز. الكِبر شرعاً: عرّفه النبي صلى الله عليه وسلم، حيث جاء في الحديث الشريف عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”لايدخل الجنة من كان في قلبهِ مثقالُ ذرةٍ من كِبر. قال رجل:إنّ الرجل يحبُّ أن يكون ثوبه حسناً ونعلهُ حسنةً. قال: إن الله جميلٌ يحبُّ الجمال،الكِبرُ بَطرُ الحقِّ،وغَمطُ الناس“[رواه مسلم] (بطر الحق: أي جحود الحق مع الإستهانة به والإستعلاء عن قبوله،غمط الناس:هو الإحتقار والإزدراء والإستصغار). يقول الأستاذ محي الدين القضماني(كلمات ومواقف ص159): “والكبر من أمراض النفس الخطيرة والطباع البشعة،يدفع صاحبه إلى التعالي بالباطل حتى على خالقه سبحانه وإلى رفض أمره،كما فعل إبليس،وإلى حبّ التميز على الناس والترفع عليهم بغير حق،وسببه الحمق وفساد الجبلّة،وربما كان مصدره الشعور بالنقص،حيث يحاول صاحبه إخفاء عيبه بالإنتفاخ والإستكبار،فيفضح نفسه. وقد عرف الحديث الشريف الكبر بأنه بطر الحق وغمط الناس. وبطر الحق: جحوده والإستهانة به وعدم قبوله،كبطر النعمة،لأن الحق من أكبر النعم.والمتكبر يرفض الحق إذا صدر عن غيره،ظناً منه أن قبوله يخفض من قدره.مع أنه لو قبل الحق لأنتفع به وعلا قدره. وغمط الناس :احتقارهم وعدم الإعتراف بفضائلهم وحقوقهم وعدم شكرهم على إحسانهم.وكثيراً ما يدفع الكبر صاحبه إلى النيل من فضائل الناس وطمس محاسنهم بالكذب والبهتان والخصومة بالباطل. ويتابع رحمه الله:”فالكبر بلاء عظيم على صاحبه،لأنه يحمله على كثير من المخالفات الشرعية التي تثقله بالذنوب والخطايا،كالهمز واللمز والهزء والسخرية بالناس والبحث عن عيوبهم وغيبتهم،وكالتبختر والمرح في المشية وتصعير الخد والإعراض عن المتحدث،وجر الثوب خيلاء،والتقعر في الكلام والتشدق فيه،والتعصب للرأي ورفض الحق،والترفع عن مجالسة الفقراء والضعفاء”. يقول تعالى:{ولو فتحنا عليهم باباً من السّماءِ فظلُّوا فيه يعرُجُون* لقالوا إنّما سُكّرت أبصارُنا بل نحنُ قومٌ مسحورون}[الحجر 14 ـ 15]. وقوله تعالى:{ولو نزَّلنا عليك كتاباً في قرطاسٍ فلمسوهُ بأيديهم لقالَ الذين كَفروا إن هذا إلا سِحرٌ مبين}[الأنعام7]. يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الآيتين من سورة الحجر(الظلال): “ويكفي تصورهم يصعدون في السماء عن باب يفتح لهم فيها.يصعدون بأجسامهم،ويرون الباب المفتوح أمامهم،ويحسون حركة الصعود ويرون دلائلها.ثم هم بعد ذلك يكابرون فيقولون:لا.لا. ليست هذه حقيقة.إنما أحد سكّر أبصارنا وخدّرها فهي لاترى إنما تتخيل. سكّرَ أبصارنا وسحرنا ساحر،فكل مانراهُ وما نحسّه وما نتحركه تهيؤات مُسكّر مسحور! يكفي تصورهم على هذا النحو لتبدو المكابرة السمجة ويتجلى العناد المزري ويتأكد أن لا لا جدوى من الجدل مع هؤلاء.ويثبت أن ليس الذي ينقصهم هو دلائل لإيمان..وليس الذي يمنعهم أن الملائكة لاتنزل،فصعودهم هم أشد دلالة وألصق بهم من نزول الملائكة.إنما هم قوم مكابرون.مكابرون بلا حياء وبلا تحرج وبلا مبالاة بالحق الواضح المكشوف. إنه نموذج بشري للمكابرة والإستغلاق والإنطماس يرسمه التعبير،مثيراً لشعور الإشمئزاز والتحقير.وهذا النموذج ليس محلياً ولا وقتياً،ولا هو وليد بيئة معينة في زمان معين.إنه نموذج للإنسان حين تفسد فطرته،وتستغلق بصيرته،وتتعطل في كيانه أجهزة الإستقبال والتلقي،وينقطع عن الوجود الحي من حوله،وعن إيقاعاته وإيحاءاته. هذا النموذج يتمثّل في هذا الزمان في الملحدين وأصحاب المذاهب المادية التي يسمونها”المذاهب العلمية” وهي أبعد ما تكون عن العلم،بل أبعد ما تكون عن الإلهام والبصيرة”. ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الآية السابعة من سورة الأنعام(تفسير الظلال): “إنه ليس الذي يجعلهم يعرضون عن آيات الله،أن البرهان على صدقها ضعيف،أو غامض،أو تختلف فيه العقول.إنما الذي يجعلهم يقفون هذا الموقف هو المكابرة الغليظة والعناد الصفيق!وهو الإصرار مبدئياً على الرفض والإنكار وعدم اعتبار البرهان أو النظر إليه أصلاً!ولو أن الله ـ سبحانه ـ نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القرآن،لا عن طريق الوحي الذي لايرونه،ولكن في ورقة منظورة ملموسة محسوسة،ثم لمسوا هم هذه الورقة بأيديهم ـ لاسماعاً عن غيرهم، ولامجرد رؤية بعيونهم ـ ماسلموا بهذا الذي يرونه ويلمسونه،ولقالوا جازمين مؤكدين:”إن هذا إلا سحر مبين“. وهي صورة صفيقة،منكرة،تثير الإشمئزاز،وتستعدي من يراها عليها!صورة تثير النفس لتتقدم فتصفعها! حيث لامجال مع هذه الجبلات لحجة أو جدل أو دليل. وتصويرها على هذا النحو ـ وهي صورة تمثل حقيقة لنماذج مكرورة ـ يؤدي غرضين أو عدة أغراض:إنه يجسم للمعارضين أنفسهم حقيقة موقفهم الشائن الكريه البغيض،كالذي يرفع المرآة لصاحب الوجه الشائه والسحنة المنكرة،ليرى نفسه في هذه المرآة،ويخجل منها! وهو في الوقت ذاته يستجيش ضمائر المؤمنين تجاه إعراض المشركين وإنكار المنكرين، ويثبت قلوبهم على الحق،فلا تتأثر بالجو المحيط من التكذيب والإنكار والفتنة والإيذاء. كذلك هو يوحي بحلم الله الذي لايعجل على هؤلاء المعارضين المكذبين،وهم في مثل هذا العناد المنكر الصفيق. وكلها أسلحة وحركة في المعركة التي كانت تخوضها الجماعة المسلمة بهذا القرآن في مواجهة المشركين”. ويقول في الآيات من سورة الحجر(الظلال): “وليس الذي ينقصهم هو توافر دلائل الإيمان،فهم معاندون ومكابرون،مهما تأتهم من آية بينة فهم في عنادهم ومكابرتهم سادرون.وهنا يرسم السياق نموذجاً باهراً للمكابرة المرذولة والعناد البغيض: {ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون* لقالوا سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون}.. ويكفي تصورهم يصعدون في السماء من باب يفتح لهم. يصعدون بأجسامهم، ويرون الباب المفتوح أمامهم،ويحسون حركة الصعود ويرون دلائلها…ثم هم بعد ذلك يكابرون فيقولون:لا. لا. ليست هذه حقيقة. إنما أحد سكّر أبصارنا وخدّرها فهي لاترى إنما تتخيل:” سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون“. سكر أبصارنا مسكر وسحرنا ساحر، فكل مانراه ومانحسه ومانتحركه تهيؤات مسكّر مسحور! يكفي تصورهم على هذا النحو لتبدو المكابرة السمجة ويتجلى العناد المزري.ويتأكد أن لاجدوى من الجدل مع هؤلاء. ويثبت أن ليس الذي ينقصهم هو دلائل الإيمان.وليس الذي يمنعهم أن الملائكة لاتنزل.فصعودهم هم أشد دلالة وألصق بهم من نزول الملائكة. إنما هم قوم مكابرون. مكابرون بلاحياء وبل تحرج وبلا مبالاة بالحق الواضح المكشوف! إن أصحاب المذاهب المادية يلحدون في الله،ويجادلون في وجوده ـ سبحانه ـ وينكرون هذا الوجود..ثم يقيمون على أساس إنكار وجود الله، والزعم بأن هذا الكون موجود هكذا بذاته، بلا خالق، وبلا مدبر،وبلا موجّه..يقيمون على أساس هذا الزعم وذلك الإنكار مذاهب اجتماعية وسياسية واقتصادية و”أخلاقية” كذلك. ويزعمون أن هذه المذاهب القائمة على ذلك الأساس، والتي لاتنفصل عنه بحال…”علمية”…هي وحدها “العلمية”.! وعدم الشعور بوجود الله سبحانه،مع وجود تلك الشواهد والدلائل الكونية،هو دلالة لاتنكر على تعطل أجهزة الاستقبال والتلقي في تلك الجبلات النكدة. كما أن اللجاجة في هذا الإنكار لاتقل تبجحاً عن تبجح ذلك النموذج الذي ترسمه النصوص القرآنية السابقة. وإذا كانت هذه حقيقتهم، فإن ماينشئونه من مذاهب”علمية”!اجتماعية وسياسية واقتصادية،وما ينشئون من نظريات عن الكون والحياة والإنسان والحياة الإنسانية والتاريخ الإنساني،يجب أن ينظر إليها المسلم كما ينظر إلى كل تخبط، صادر عن أعمى،معطل الحواس الأخرى،محجوباً عن الرؤية وعن الحس وعن الإدراك جميعاً على الأقل فيما يتعلق بالحياة الإنسانية وتفسيرها وتنظيمها”. ويقول تعالى:{ويلٌ لِكُلِّ أفاكٍ أثيم*يسمعُ آيات الله تُتلى عليه ثُمَّ يُصِرُّ مستكبراً كأن لم يسمعها فَبشّرهُ بعذابٍ أليم}[الجاثية 7 ـ 8]. يقول الشهيد سيد قطب في الظلال: “وتصور هذه الآيات جانباً من استقبال المشركين لهذه الدعوة في مكة، وإصرارهم على باطلهم، واستكبارهم عن سماع كلمة الحق البين، ومكابرتهم في هذا الحق كأنه لم يطرق أذهانهم، وسوء أدبهم مع الله وكلامه.. “ويل لكل أفاك أثيم“.. والويل الهلاك.والأفاك الكذاب المارد على الكذب. والأثيم الكثير المقارفة للإثم.والتهديد شامل لكل من هذه صفته.وهو تهديد صادر من الله القوي القاهر الجبار.القادر على الهلاك والدمار.الصادق الوعد والوعيد والإنذار.فهو تهديد رعيب مفزع مرهوب. هذا الأفاك الأثيم. آية إفكه وعلامة إثمه،أنه يصر على الباطل ويستكبر عن الحق ويتعالى عن الخضوع لآيات الله، ولايتأدب بالأدب اللائق مع الله:”يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها“. ويقول صاحب المنار الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(العدد 524 الموافق للخامس من أذار عام 1935): “وهذا معنى يغفل عنه أكثرُ الناس أيضاً،ولذلك قرره القرآن كثيراً بأساليب بليغة،ومنها قوله تعالى{ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} [هود20]،ونكتة اختلاف التعبير فيه أن الإنسان يسمع الأصوات وإن لم يقصد سماعها ولم يصخ لها،فالمراد هنا أنهم لشدة كراهتهم أن يسمعوا آيات الله وحججه في كتابه ما كانوا يستطيعون إلقاء السمع له إذا تلي لئلا يسمعوه فيحوّلهم عما كانوا فيه كما يدل عليه قولهم{إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها}[الفرقان 42]ولو ألقوا السمع سماع فهم وتأمل،ولو سمعوا لما عقلوا وفقهوا كما قال تعالى عن قوم مدين:{قالوا ياشعيب مانفقه كثيراً مما تقول}[هود 91]، وكذلك ما كانوا يبصرون الآيات المرئية إذا هم نظروا دلائلها ومنها رؤية المصطفى صلى الله عليه وسلم ولذلك قال فيهم:{وتراهم ينظرون إليك وهم لايبصرون}[الأعراف 198]. وهذه الصورة البغيضة ولو أنها صورة فريق من المشركين في مكة،إلا أنها تتكرر في كل جاهلية،وتتكرر اليوم وغداً.فكم في الأرض،وبين من يقال إنهم مسلمون،من يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها،لأنها لاتوافق هواه،ولاتسير مع مألوفه،ولاتعاونه على باطله،ولاتقره على شره،ولاتتمشى له مع اتجاه!”. ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد303 الموافق الخامس من آب عام 1910): “يقول تعالى:{إن الله لايحب من كان مختالاً فخورا} [النساء 36]، والمختال هو المتكبر الذي يظهر على بدنه أثر من كبره في الحركات والأعمال،فيرى نفسه أعلى من نفوس الناس،وأنه يجب على غيره أن يتحمل من تيهه مالا يتحمله هو منه،فالمختال من تمكنت فيه نفسه ملكة الكبر وظهر أثرها في عمله وشمائله فهو شر من المتكبر غير المختال، والفخور هو المتكبر الذي يظهر أثر الكبر في قوله كما يظهر في فعل المختال فهو يذكر مايرى أنه ممتاز به على الناس تبجحاً بنفسه وتعريضاً باحتقار غيره. فالمختال الفخور مبغوض عند الله تعالى لأنه احتقر جميع الحقوق التي وضعها عز وجل وأوجبها للناس وعمي عن نعمه تعالى وعنايته بهم بل لا يجد هذا المتكبر في نفسه معنى عظمة الله وكبريائه لأنه لو وجدها لتأدب وشعر بضعفه وعجزه وصغاره فهو جاحد أو كالجاحد لصفات الألوهية التي لا تليق إلا بها ولا تكون بحق إلا لها”. ولعلّ إبليس اللعين هو أول من تميز بصفات الكبر والغرور والحسد،وقد جاءت آيات عديدة في القرآن الكريم تبرز هذه الصفات وأنه بسببها حقّت عليه لعنة الله وأُخرج من جنته. يقول تعالى:{ولقد خلقناكم ثمَّ صورناكم ثمّ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين*قال مامنعكَ ألا تسجدَ إذ أمرتك قال أنا خيرٌ منه خلقتني من نارٍ وخلقته من طين}.[الأعراف 11 ـ 12] يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله في أحد أعداد مجلة المنار: “إن جواب إبليس يتضمن ضروباً من الجهل الفاضح ما أوقع اللعين فيها إلا حسده وكبره فإنهما يعميان البصائر: الأول:الاعتراض على ربه وخالقه كما تضمنه جوابه ومثله في هذا كل من يعترض على كلام الله تعالى فيما لايوافق هواه،وهذا كفر لايقع مثله من مؤمن بالله وبكتابه فإن المؤمن إذا خفيت عليه حكمة الله في شئ من كلامه بحث عنها بالتفكر والبحث وسؤال العلماء والصبر إلى أن يهتدي إلى ما يطمئن به قلبه مكتفياً قبل ذلك بأن الله تعالى يعلم ما لايعلم من حكم شرعه،وفوائد أمره ونهيه. الثاني:الاحتجاج عليه بما يؤيد به اعتراضه والمؤمن المزعن لا يحتج على ربه بل يعلم أن الله الحجة البالغة. الثالث:جعل امتثال أمر الرب مشروطاً باستحسان العبد له وموافقته لرأيه وهواه،وهو رفض لطاعة الرب،وترفع عن مرتبة العبد،وتعال منه إلى وضع نفسه موضع الند،وهو في حكم الدين كفر،وفي العقل حماقة وجهل.فإن الرئيس لأي حكومة أو جيش أو جمعية أو شركة إذا كان لايطيعه المرؤوسون له إلا فيما يوافق أهواءهم وآراءهم لايلبث أمرهم أن يفسد بأن تختل الحكومة وتسقط،وينكسر الجيش ويهلك،وتنحل الشركة وتفلس،وهكذا يقال في كل مصلحة يقوم بإدارتها كثرة،يرجع نظامها إلى جهة واحدة،ويشارك إبليس في هذا الجهل كثيرون ممن يسمون أنفسهم مؤمنين،يتركون طاعة الله تعالى فيما امر به مما يخالف أهواءهم،ويحتجون على ترك الصيام مثلاً بأن لافائدة في الجوع والعطش،أو بأن الله غني عن صيامهم!! فهذه أصول الجهل والغباوة التي أوقع إبليس فيها حسده واستكباره عن طاعة الله بالسجود له.وأنت ترى أن أولياءه ونظرائه من شياطين الانس مرتكسون فيها كلها والعياذ بالله تعالى”. ويمثل هذه النفس العصابية المتسلطة والمتكبرة والمتجبرة على مستوى البشر فرعون موسى يقول تعالى:{ فكَذّبَ وعصى*ثُمَّ أدبرَ يسعى *فَحشرَ فنادى* فقال أنا رَبُّكُم الأعلى}[النازعات21 ـ 24]. وقوله تعالى:{ونادى فرعونُ في قومهِ قال ياقومِ أليسَ لي مُلكُ مِصرَ وهذهِ الانهارُ تجري من تحتي أفلا تبصرون* أم أنا خيرٌ من هذا الذي هو مَهينٌ ولايكادُ يُبين}[الزخرف 51 ـ 52]. ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد 394 بتاريخ 17 حزيران عام 1920): “يقول تعالى في كتابه العزيز{ولو أننا نزَّلنا إليهم الملائكةَ وكَلمهُمُ الموتى وحشرنا عليهم كُلَّ شيءٍ قُبُلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكنَّ أكثرهم يجهلون}.[الأنعام 111] ومعنى هذا أن سنة الله تعالى في الخلق مضت بأن يكون الشرير المتمرد العاتي عن الحق والمعروف أي الذي لا ينقاد لهما كبراً وعناداً وجموداً على ما تعود يكون عدواً للدعاة إليهما من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومن ورثتهم وناشري هدايتهم.وهكذا شأن كل ضدين يدعو أحدهما إلى خلاف ما عليه الآخر مما يتعلق بمنافعهم الاجتماعية،فإن كان أحدهما خيرا محقاً نسبت العداوة إلى الآخر الشرير المبطل لأنه هو الذي يسعى إلى إيذاء مخالفه بكل وسيلة يستطيعها لأنه مخالف وإن كان يعلم أنه يريد الخير له وليس كل مخالف مبطل عدواً يسعى جهده لإيذاء مخالفه المحق.وإنما يتصدى لذلك العتاة المستكبرون المحبون للشهرة والزعامة بالباطل والمترفون الذين يخافون على نعيمهم.فلم يكن كل كافر بالأنبياء عليهم السلام ناصباً نفسه لعداوتهم وإيذائهم وصد الناس عنهم بل أولئك العتاة المتمردون من الرؤساء والمترفين والقساة الذين ضربت أنفسهم بالعدوان والبغي وأولئك هم الشياطين المفسدون في الأرض سواء كانوا من جنس الإنس الظاهر أو من جنس الجن الخفي وحكمة عداوة الأشرار للأخيار هي ما يعبر عنه في عرف علماء الاجتماع البشري بسنة تنازع البقاء بين المتقابلات التي تقضي بالجهاد والتمحيص إلى ما يسمونه(سنة الانتخاب الطبيعي) أي انتصار الحق وبقاء الأمثل التي ورد بها المثل في قوله تعالى من سورة الرعد{أنزلَ من السَّماءِ ماءً فسالت أودية بقَدَرِها فاحتملَ السَّيلُ زبداً رابيا ومما يوقدونَ عليهِ في النارِ ابتغاءَ حِليةٍ أو متاعٍ زَبَدٌ مثلُهُ كذلكَ يضربُ الله الحقَّ والباطلَ فامّا الزَّبدُ فيذهبُ جُفاءً وأمّا ما ينفعُ النَّاسَ فيمكثُ في الأرض كذلكَ يضربُ الله الأمثال}[الرعد17]. ويقول الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله(مجلة المنار العدد 535 بتاريخ الأول من آب عام 1940م): “يقول تعالى في كتابه العزيز:{ويستعجلونكَ بالسيئةِ قبلَ الحسنةِ وقد خلتْ من قبلهم المَثُلاتُ وإنَّ ربّكَ لذو مغفرة للناسِ على ظُلمهم وإنَّ ربّكَ لشديدُ العقاب}[الرعد 6]. يقول رحمه الله:”يطلبون إليك أن يوقع الله بهم العذاب والعقوبة قبل النعمة والعافية وهذا خلق من أخلاق الجاحدين المعاندين في كل زمان ومكان استكباراً في الأرض وتعالياً بالباطل وبطراً على الحق،ولقد حكى الله عن قوم هود عليه السلام في سورة الأعراف:{قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آلهتنا فائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقبن}[الأعراف 70]. كما حكى عن قوم نوح في سورة هود عليه السلام:{قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين}]هود 32]،كما حكى ذلك عن كفار قريش في كثير من الآيات ففي سورة الأنفال:{وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو أتنا بعذاب أليم}[الأنفال 43]. ويتابع رحمه الله:”وهذا الخلق غريب حقاً في الإنسان فإن مقتضى العقل السليم الذي يتجلى به هذا الجنس البشري أن يطلب الهداية والعافية بدلاً من العذاب والنقمة،ولعل السر في ذلك أن الإنسان مفطور على نوع من التعالي والكبرياء يجعل قبوله للحق أمراً شديداً على نفسه لا يستطيعه إلا من ألهمه الله الرشد وهداه سواء السبيل. ووجهة العبرة فيما تقدم أن يتنبه الإنسان لقوة هذه الناحية في نفسه وفي ناموس الخليقة وأن يراقب نفسه مراقبة دقيقة،وأن يخضد فيها دائماً شوكة الكبرياء الكاذب والتأبي على الحق وأن يلح على الله في الدعاء أن يجعله من أهل الهداية والتوفيق الذين لا يجد الشيطان إلى نفوسهم سبيلا”. يقول الشهيد سيد قطب في الآيات الكريمة من سورة النازعات: “ويسارع السياق هنا إلى عرض قولة الطاغية الكافرة،مجملاً مشاهد سعيه وحشره للسحرة وتفصيلاتها.فقد أدبر يسعى في الكيد والمحاولة، فحشر السحرة والجماهير،ثم انطلقت منه الكلمة الوقحة المتطاولة،المليئة بالغرور والجهالة:”أنا ربكم الأعلى“. قالها الطاغية مخدوعاً بغفلة جماهيره،وإذعانها وانقيادها.فما يخدع الطغاة شئ ماتخدعهم الجماهير وذلتها وطاعتها وانقيادها.وما الطاغية إلا فرد لا يملك في الحقيقة قوة ولاسلطاناً. إنما هي الجماهير الغافلة الذلول،تمطي له ظهرها فيركب!وتمد له أعناقها فيجر! وتحني له رؤوسها فيستعلي!وتتنازل له عن حقها في العزة والكرامة فيطغى! والجماهير تفعل هذا مخدوعة من جهة وخائفة من جهة أخرى.وهذا الخوف لاينبعث إلا من الوهم.فالطاغية ـ وهو فرد ـ لايمكن أن يكون أقوى من الألوف والملايين،لو أنها شعرت بإنسانيتها وكرامتها وعزتها وحريتها.وكل فرد فيها هو كفء للطاغية من ناحية القوة ولكن الطاغية يخدعها فيوهمها أنه يملك لها شيئاً! وما يمكن أن يطغى فرد في أمة كريمة أبداً.وما يمكن أن يطغى فرد في أمة رشيدة أبداً.وما يمكن أن يطغى فرد في أمة تعرف ربها وتؤمن به وتأبى أن تتعبد لواحد من خلقه لايملك لها ضراً ولارشداً. فأما فرعون فوجد في قومه من الغفلة ومن الذلة ومن خواء القلب من الإيمان، ماجرؤ به على قول هذه الكلمة الكافرة الفاجرة:”أنا ربكم الأعلى“.. وما كان ليقولها أبداً لو وجد أمة واعية كريمة مؤمنة، تعرف أنه عبد ضعيف لايقدر على شئ.وإن يسلبه الذباب شيئاً لايستنقذ من الذباب شيئاً”. ويقول الشهيد سيد قطب في الآيات من سورة الزخرف: “ولكن الجماهير قد تؤخذ بالخوارق المعجزة،وقد يجد الحق سبيلاً إلى قلوبها المخدوعة. وهنا يبرز فرعون في سلطانه وجاهه،وفي زخرفه وزينته،يخلب عقول الجماهير الساذجة بمنطق سطحي،ولكنه يروج بين الجماهير المستعبدة في عهود الطغيان،المخدوعة بالأبهة والبريق:{ونادى فرعون في قومه قال ياقوم أليس لي ملك مصر}[الزخرف 51]. إن ملك مصر وهذه الأنهار التي تجري من تحت فرعون،أمر قريب مشهود للجماهير، يبهرها وتستخفها الإشارة إليه. فأما ملك السماوات والأرض ومابينهما ـ ومصر لاتساوي هباءة فيه ـ فهو أمر يحتاج إلى قلوب مؤمنة تحسه،وتعقد الموازنة بينه وبين ملك مصر الصغير الزهيد. والجماهير المستعبدة المستغفلة يغريها البريق الخادع القريب من عيونها،ولاتسمو قلوبها ولاعقولها إلى تدبر ذلك الملك الكوني العريض البعيد. ومن ثم عرف فرعون كيف يلعب بأوتار هذه القلوب ويستغفلها بالبريق القريب!{أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولايكاد يبين}[الزخرف 52]“. وهو يعني بالمهانة أن موسى ليس ملكاً ولا أميراً ولاصاحب سطوة ومال مشهود. أم لعله يشير بهذا إلى أنه من ذلك الشعب المستعبد المهين.شعب إسرائيل. أما قوله” ولايكاد يبين” فهو استغلال لما كان معروفاً عن موسى قبل خروجه من مصر من حبسة اللسان.وإلا فقد استجاب الله سؤاله حين دعاه”رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي“…وحلت عقدة لسانه فعلاً، وعاد يبين. ويتابع الشهيد:: {فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين}[الزخرف 54] واستخفاف الطغاة للجماهير أمر لاغرابة فيه،فهم يعزلون الجماهير أولاً عن كل سبل المعرفة،ويحجبون عنهم الحقائق حتى ينسوها،ولايعودوا يبحثوا عنها،ويلقون في روعهم مايشاءون من المؤثرات حتى تنطبع نفوسهم بهذه المؤثرات المصطنعة. ومن ثم يسهل استخفافهم بعد ذلك،ويلين قيادهم،فيذهبون بهم ذات اليمين وذات الشمال مطمئنين. ولايملك الطاغية أن يفعل بالجماهير هذه الفعلة إلا وهم فاسقون لايستقيمون على طريق،ولايمسكون بحبل الله،ولايزنوا بميزان الإيمان. فأما المؤمنون فيصعب خداعهم واستخفافهم واللعب بهم كالريشة في مهب الريح”. ويقول الأستاذ الدكتور محمد لطفي الصباغ( في كتابه الإنسان في القرآن الكريم ص303) يصف صاحب النفس المتكبرة والمصابة بالغرور والمتعالية عن الحق: “هناك أخلاق سلبية حذر هذا الدين العظيم أتباعه من الاتصاف بها وبيّن المخاطر الهائلة التي تلحق بالفرد والأمة من وجودها في الناس وجعل لمن يتجنبها الجزاء الأوفى.ومن أشنع هذه الأخلاق السلبية خلق العُجب والغرور. والغرور يكون بالعلم، ويكون بالرأي،ويكون بالقوة،ويكون بالجمال، ويكون بالنسب إلى قوم أو أرض أو طبقة،ويكون بالمال،ويكون بالجاه ويكون بالأنصار والأتباع. والغرور مرض قتال يحطم صاحبه إن عاجلاً وإن آجلاٍ،إنه كالسرطان لايكاد يحسّ من يُصاب به بالألم إلا في الوقت الذي يسبق وفاته.إنه يخزي صاحبه وهو يريد الرفعة،ويحرجه أشد الإحراج، وذلك عندما يجعله يبدو أمام الناس جاهلاً وهو يدّعي العلم،فيثير سخرية الناس به وازدراءهم له”. ويتابع الدكتور الصباغ: “وغالباً مايحمل الغرور صاحبه على الكيد للناس الذين يعرفون حقيقته ومهاجمتهم والإفتراء عليهم واتهامهم بشتى التهم. ومن أجل ذلك كان هذا النوع من الناس أسود القلب،تمتلئ جوانحه بالغلّ ويأكل قلبه الحقد.وقد ينتهي به الأمر إلى مرض يحسّ فيه أنه مضطهد اجتمع الناس على الإساءة إليه والتهوين من شأنه وطعنه فيما فاق به الأولين والآخرين. والغرور صنو الكبرياء ومقدمته. يبدأ العجب يسيطر على الإنسان فلا يمضي وقت طويل حتى يصبح أسير التكبر. ويتابع الأستاذ الصباغ:” ومن أنواع الغرور والعجب، العُجب بالعبادة..والتعالي على عباد الله بذلك،والعجب بهذا أغلبُ من العجب بالجمال والقوة والنسب وأنواع الغرور الأخرى،لأن الشيطان يزيّن للمغرور أنه في طريق التقوى سائر حتى يجعله من الهالكين”. يقول تعالى:{أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً}[فاطر 8]. يقول سيد قطب رحمه الله: ”هذا هو مفتاح الشر كله.أن يزين الشيطان للإنسان سوء عمله فيراه حسناً.أن يعجب بنفسه ولكل ما يصدر عنها.ألا يفتش في عمله ليرى مواضع الخطأ والنقص فيه.لأنه واثق من أنه لا يخطىء!متأكد أنه دائماً على صواب!معجب بكل ما يصدر منه!مفتون بكل ما يتعلق بذاته.لا يخطر على باله أن يراجع نفسه في شيء،ولا أن يحاسبها على أمر.وبطبيعة الحال لالا يطيق أن يراجعه أحد في عمل يعمله أو في رأي يراه.لأنه حسن في عين نفسه.مزين لنفسه وحسه.لا مجال فيه للنقد،ولا موضع فيه للنقصان. هذا هو البلاء الذي يصبه الشيطان على إنسان،وهذا هو المقود الذي يقوده منه إلى الضلال.فإلى البوار. إن الذي يكتب الله له الهدى والخير يضع في قلبه الحساسية والحذر والتلفت والحساب.فلا يأمن مكر الله.ولا يأمن تقلّب القلب.ولا يأمن الخطأ والزلل.ولا يأمن النقص والعجز.فهو دائم التفتيش في عمله.دائم الحساب لنفسه.دائم الحذر من الشيطان.دائم التطلع لعون الله.وهذا هو مفرق الطريق بين الهدى والضلال،وبين الفلاح والبوار”. 5 ـ شخصية الإنسان الجحود الكنود الكفور: إن الآيات الكريمة التي تتعرض لمواقف النفس الإنسانية وتردداتها بين السراء والضراء والسخط والرضا قد تربو على أربع وثلاثين آية في كتاب الله عز وجل.وفي هذه الآيات تعكس حالة ونفسية النفس الإنسانية في السراء والضراء: ففي السراء والنعم نجدها متصفة بالغرور والبطر والفرح والطغيان والنسيان والإبتعاد عن الله عز وجل إلا من رحم ربي من عباده المخلصين الصالحين الصابرين. وفي الضراء والبلاء: نجد فيها الرجوع إلى الله والإلحاح في الدعاء والبكاء المستمر وأحياناً يصل بها الأمر إلى اليأس الشديد والقنوط . يقول الأستاذ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني( في كتابه الأخلاق الإسلامية ج1 ص394): “من الصفات التي وصف الله بها الإنسان أنه جحود كنود كفور،إذا أصابته النعمة أعرض ونأى بجانبه،وكفر بأنعم الله عليه،وزعم أن ما أصابه من نعمة أو غنى كان بعلمه وسعيه ومهارته وحذقه وحسن تدبيره،وإذا مسه الضر كان يؤوساً متضجراً حزيناً،متسخطاً على ربه،زاعماً أن الله لم يعطه في الحياة مايستحق،شاكاً بعدل الله وحكمته،أو جاحداً لذلك.وإذا وقع في مأزق حرج،وأحاطت به المخاوف من كل جهة، لجأ إلى ربه يدعوه ويرجوه ويسأله أن ينجيه، ويعاهد ربه أن يكون له من الشاكرين إذا أنجاه وأنقذه مما هو فيه،فإذا استجاب الله له ورحمه وأنجاه نقض عهده،وأخذ يعلّل نجاته بالأسباب،ويمكر في آيات الله،وعاد إلى ماكان عليه من بغي في الأرض وإفساد”. والنصوص القرآنية التي جاء فيها وصف الإنسان بهذه الصفات كثيرة. ومن هذه الآيات الكريمة نذكر: {وإذا مَسّ الإنسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنيباً إليهِ ثُمَّ إذا خَوَّلهُ نِعمةً منهُ نَسيَ ماكانَ يَدعو إليهِ من قبل}[الزمر8]. يقول الشهيد سيد قطب في الظلال: “إن فطرة الإنسان تبرز عارية حين يمسه الضر،ويسقط عنها الركام،وتزول عنها الحجب،وتتكشف عنها الأوهام،فتتجه إلى ربها،وتنيب إليه وحده، وهي تدرك أنه لايكشف الضر غيره.وتعلم كذب ماتدعي من شركاء أو شفعاء. فإما حين يذهب الضر ويأتي الرخاء،ويخوله الله نعمة منه،ويرفع عنه البلاء.فإن هذا الإنسان الذي تعرت فطرته عند مس الضر يعود فيضع عليها الركام،وينسى تضرعه وإنابته وتوحيده لربه. وتطلعه إليه في المحنة وحده،حين لم يكن غيره يملك أن يدفع عنه محنته..ينسى هذا كله ويذهب يجعل لله أنداداً.إما آلهة يعبدها كما كان في جاهليته الأولى،وإما قيماً وأشخاصاً وأوضاعاً يجعل لها في نفسه شركة مع الله،كما يفعل في جاهلياته الكثيرة!فإذا هو يعبد شهواته وميوله ومطامعه ومخاوفه وماله وأولاده وحكامه وكبراءه كما يعبد الله أو أخلص عبادة،ويحبها كما يحب الله أو أشد حباً! والشرك ألوان.فيها الخفي الذي لايحسبه الناس شركاً، لأنه لايأخذ شكل الشرك المعروف وإنما هو من الشرك في الصميم. وتكون العاقبة هي الضلال عن سبيل الله. فسبيل الله واحد لايتعدد. وإفراده بالعبادة والتوجه والحب هو وحده الطريق إليه.والعقيدة في الله لاتحتمل شركة في القلب.لاتحتمل شركة من مال ولاولد ولاوطن ولا أرض ولاصديق ولاقريب،فأيما شركة قامت في القلب من هذا وأمثاله فهي اتخاذ أنداداً لله، وضلال عن سبيل الله، منه إلى النار بعد قليل من المتاع في هذه الأرض”. ويقول تعالى: { ولئن أذقنا الإنسانَ منّا رحمةً ثُمَّ نزعناها منهُ إنّهُ لَيؤوسٌ كفور*ولئن أذقناهُ نعماءَ بعد ضَرّاءَ مَسّتهُ لَيقُولنَّ ذَهبَ السيئاتُ عَنّي إنّهُ لَفرِحٌ فخوٌر}.[هود9 ـ 10]. يقول الشهيد سيد قطب في الظلال: “إنها صورة صادقة لهذا الإنسان العجول القاصر،الذي يعيش في لحظته الحاضرة،ويطغى عليه مايلابسه،فلايتذكر مامضى ولايفكر فيما يلي.فهو يؤوس من الخير،كفور بالنعمة بمجرد أن تنزع منه.مع أنها كانت هبة من الله له.وهو فرح بطر بمجرد أن يجاوز الشدة إلى الرخاء. لايحتمل في الشدة ويصبر ويؤمل في رحمة الله ويرجو فرجه، ولايقتصد في فرحه وفخره بالنعمة أو يحسب لزوالها حساباً. “إلا الذين صبروا“.. صبروا على النعمة كما صبروا على الشدة،فإن كثيراً من الناس يصبرون على الشدة تجلداً وإباء أن يظهر عليهم الضعف والخور، ولكن القلة هي التي تصبر على النعمة فلاتغتر ولاتبطر. ” وعملوا الصاحات“.في الحالين. في الشدة بالاحتمال والصبر،وفي النعمة بالشكر والبر. إن الإيمان الجاد المتمثل في العمل الصالح هو الذي يعصم النفس البشرية من اليأس الكافر في الشدة،كما يعصمها من البطر الفاجر في الرخاء.وهو الذي يقيم القلب البشري على سواء في البأساء والنعماء،ويربطه بالله في حاليه،فلايتهاوى ويتهافت تحت مطارق البأساء. ولايتنفج ويتعالى عندما تغمره النعماء.وكلا حالي المؤمن خير.وليس ذلك إلا للمؤمن كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقول تعالى: {وإذا أنعَمنا على الإنسانِ أعرضَ ونأَ بجانبهِ وإذا مَسّهُ الشَّرُّ كانَ يؤوساً}[الإسراء 83]. يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله: “والنعمة تطغى وتبطر مالم يذكر الإنسان واهبها فيحمد ويشكر،والشدة تيئس وتقنط مالم يتصل الإنسان بالله،فيرجو ويأمل،ويطمئن إلى رحمة الله وفضله،فيتفاءل ويستبشر. ومن هنا تتجلى قيمة الإيمان ومافيه من رحمة في السراء والضراء سواء”. يقول تعالى:{وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور}[لقمان]. يقول سيد قطب رحمه الله: ”فأمام مثل هذا الخطر،والموج يغشاهم كالظلل والفلك كالريشة الحائرة في الخضم الهائل….تتعرى النفوس من القوة الخادعة،وتتجرد من القدرة الموهومة،التي تحجب عنها في ساعات الرضاء حقيقة فطرتها،وتقطع مابين هذه الفطرة وخالقها.حتى إذا سقطت هذه الحوائل،وتعرّت الفطرة من كل ستار،استقامت إلى ربها،واتجهت إلى بارئها،وأخلصت له الدين،ونفت كل شريك،ونبذت كل دخيل،ودعوا الله مخلصين له الدين. “فلما نجاهم إلى البر فمنهم” مقتصد” لا يجرفه الأمن والرخاء إلى النسيان والاستهتار،إنما يظل ذاكراً شاكراً،وإن لم يوف حق الله في الذكر والشكر.فأقصى ما يبلغه ذاكر شاكر أن يكون مقتصداً في الأداء…ومنهم من يجحد وينكر آيات الله،بمجرد زوال الخطر وعودة الرخاء”وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور“.والختار:شديد الغدر،والكفور:الشديد الكفر،وهذه المبالغة تليق هنا بمن يجحد آيات الله بعد هذه المشاهد الكونية،ومنطق الفطرة الخالص الواضح المبين”. ويقول تعالى: {وإذا مَسَّ الإنسانَ الضُرُّ دعانا لِجنبهِ أو قاعداً أو قائماً فلما كشفنا عنهُ ضُرَّهُ مرَّ كأن لم يدعُنا إلى ضُرٍّ مَسّه كذلكَ زُيّنَ للمسرفينَ ماكانوا يعملون}[يونس12]. يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(المنار العدد509): “هذا بيان لغريزة الإنسان العامة وشأنه فيما يمسّه من الضر،فهو يقول أن الإنسان إذا أصابه من الضر مايشعر بشدة ألمه أو خطر من إشراف على غرق وغيره من أنواع التهلكة،أو شدة مسبغة،أو إعضال داء،دعانا ملحاً في كشفه عنه في كل حال يكون عليه:دعانا مضطجعاً لجنبه،أو قاعداً في بيته،أو قائماً على قدميه حائراً في أمره،فهو لاينسى حاجته إلى رحمة ربه،مادام يشعر بمسّ الضر ولذعه له،ويعلم من نفسه العجز عن النجاة منه،قدم من هذه الحالات الثلا ث مايكون الإنسان فيها أشد عجزاً وأقوى شعوراً بالحاجة إلى ربه فالتي تليها فالتي تليها،وثم حالة رابعة وهي سعيه لدفع الضر من طريق الأسباب فلم تذكر لأن الإنسان غير المؤمن قلما يتذكر ما أودع في فطرته من الإيمان بربه ذي السلطان الغيبي الذي هو فوق جميع الاسباب ويشعر بحاجته إلى اللجوء إليه، ودعائه والاستغاثة به،إلا عند عجزه عن الاسباب المسخرة له،والمشركون بالله تعالى أقل الناس تذكراً لذلك،لأنهم عند عجزهم عن الأسباب العامة المعلومة،يلجئون إلى مظنة الأسباب الموهومة، وهي المخلوقات المعبودة التي يعتقدون أن لها سلطاناً غيبياً فوق الأسباب من جنس سلطان الرب الخالق عز جل أما لذاتها وأما بما لها من المكانة عند الله، والمثل مضروب هنا لهؤلاء”. يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله: “إنها صورة مبدعة لنموذج بشري مكرور..وإن الإنسان ليظل مدفوعاً مع تيار الحياة، ويخطئ ويذنب ويطغى ويسرف،والصحة موفورة، والظروف مواتية. وليس ـ إلا من عصم الله ورحم ـ من يتذكر في إبان قوته وقدرته أن هناك ضعفاً وأن هناك عجزاً. وساعات الرخاء تُنسي، والإحساس بالغنى يُطغي…ثم يمسه الضر فإذا هو جزوع هلوع،وإذا هو كثير الدعاء،عريض الرجاء،ضيق بالشدة مستعجل للرخاء.فإذا استجيب الدعاء وكشف الضر انطلق لايعقب ولايفكر ولايتدبر. انطلق إلى ماكان فيه من قبل من اندفاع واستهتار. والسياق ينسق خطوات التعبير وإيقاعه مع الحالة النفسية التي يصورها، والنموذج البشري الذي يعرضه.فيصور منظر الضر في بطء وتلبث وتطويل:“دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً“…يعرض كل حالة وكل وضع وكل منظر، ليصور وقفة هذا الإنسان وقد توقف التيار الدافع في جسمه أو في ماله أو في قوته كما يتوقف التيار أمام السد،فيقف أو يرتد. حتى إذا رفع الحاجز”مر”كلمة واحدة تصور الاندفاع والمروق والانطلاق. “مر” لايتوقف.ليشكر، ولايلتفت ليتدبر، ولايتأمل ليعتبر:”مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه“.واندفع مع تيار الحياة دون كابح ولازاجر ولامبالاة. وبمثل هذه الطبيعة.طبيعة التذكر فقط عند الضر،حتى إذا ارتفع انطلق ومر.بمثل هذه الطبيعة استمر المسرفون في إسرافهم، لايحسون مافيه من تجاوز للحدود:”كذلك زين للمسرفين ماكانوا يعملون“. ويقول تعالى: {وإذا أنعمنَا على الإنسانِ أعرضَ ونأَ بجانبهِ وإذا مسّهُ الشّرُّ فذو دعاء عريض}.[فصلت 51]. يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله: “إنه رسم دقيق صادق للنفس البشرية،التي لاتهتدي بهدى الله،فتستقيم على طريق…رسم يصور تقلبها،وضعفها،ومراءها،وحبها للخير، وجحودها للنعمة،واغترارها بالسراء،وجزعها من الضراء…رسم دقيق عجيب. هذا الإنسان لايسأم من دعاء الخير. فهو ملح فيه، مكرر له،يطلب الخير لنفسه ولايمل طلبه.وإن مسه الشر. مجرد مس. فقد الأمل والرجاء،وظن أن لامخرج له ولافرج، وتقطعت به الأسباب، وضاق صدره وكبر همه، ويئس من رحمة الله وقنط من رعايته.ذلك أن ثقته بربه قليلة، ورباطه به ضعيف. وهذا الإنسان إذا أذاقه الله منه رحمة بعد ذلك الضر، استخفته النعمة فنسي الشكر،واستطاره الرخاء فغفل عن مصدره. وقال: هذا لي. نلته باستحقاقي وهو دائم علي!ونسي الآخرة واستبعد أن تكون،”وما أظن الساعة قائمة“…وانتفخ في عين نفسه فراح يتألى على الله، ويحسب لنفسه مقاماً عنده ليس له، وهو ينكر الآخرة فيكفر بالله.ومع هذا يظن أنه لو رجع إليه كانت له وجاهته عنده!”ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى“! وهو غرور…عندئذ يجئ التهديد في موضعه لهذا الغرور:”فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ“. وهذا الإنسان إذا أنعم الله عليه:استعظم وطغى. وأعرض ونأى بجانبه. فأما إذا مسه الشر فيتخاذل ويتهاوى،ويصغر ويتضاءل، ويتضرع ولايمل الضراعة.فهو ذو دعاء عريض! أية دقة،وأي تسجيل للصغيرة في نفس الإنسان والكبيرة!إنه خالقه الذي يصفه. خالقه الذي يعرف دروب نفسه. ويعرف أنها تظل تدور في هذه الدروب المنحنية،إلا أن تهتدي إلى الطريق المستقيم…فتستقيم..”. ويقول تعالى: {فإذا مَسَّ الإنسانَ ضُرٌّ دعانا ثُمَّ إذا خَولناهُ نعمةً منَّا قال إنّما أُوتِيتُهُ على علمٍ بل هي فتنةٌ ولكنَّ أكثرهُم لايعلمون}[الزمر 49]. يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله: “والآية تصور نموذجاً مكرراً للإنسان،مالم تهتد فطرته إلى الحق، وترجع إلى ربها الواحد،وتعرف الطريق إليه،فلاتضل عنه في السراء والضراء. إن الضر يسقط عن الفطرة ركام الأهواء والشهوات، ويعريها من العوامل المصطنعة التي تحجب عنها الحق الكامن فيها وفي ضمير هذا الوجود.فعندئذ ترى الله وتعرفه وتتجه إليه وحده.حتى إذا مرت الشدة وجاء الرخاء، نسي هذا الإنسان ماقاله في الضراء، وانحرفت فطرته بتأثير الأهواء.وقال عن النعمة والرزق والفضل:” إنما أوتيته على علم“… قالها قارون،وقالها كل مخدوع بعلم أو صنعة أو حيلة يعلل بها ما اتفق له من مال أو سلطان. غافلاً عن مصدر النعمة، وواهب العلم والقدرة،ومسبب الأسباب، ومقدر الأرزاق. “بل هي فتنة ولكن أكثرهم لايعلمون“. هي فتنة للاختبار والامتحان . ليتبين إن كان سيشكر أو سيكفر،وإن كان سيصلح بها أم يفسد، وإن كان سيعرف الطريق أم يجنح إلى الضلال”. وهناك آيات كثيرة وعديدة في القرآن الكريم تصور حالة هذه النفس وتقلباتها في البأساء والضراء،وفي الرخاء والسراء، وما يطرأ عليها من تذلل وتضرع في الحالة الأولى،ومن علو وغرور وجحود في الحالة الثانية كما في الآيات من سورة يونس: يقول تعالى:{هو الذي يُسَيِّركم في البَرِّ والبحرِ حتى إذا كُنتُم في الفُلك وجرينَ بهم بريحٍ طيِّبةٍ وفرحوا بها جاءتَها ريحٌ عاصِفٌ وجاءهُمُ الموجُ من كُلِّ مكانٍ وظنوا أنهم أُحيطَ بهم دَعوا اللهَ مُخلصينَ له الدِّينَ لئن أنجانا من هذه لَنكوُنَنَّ من الشاكرين* فلمّا أنجاهُم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحقِ يا أيُّها الناسُ إنّما بَغيُكم على أنفسكم متاعَ الحياةِ الدنيا ثُمَّ إلينا مرجِعُكم فننبئكم بما كنتم تعملون}.[يونس21 ـ23] يقول تعالى:{إنَّ الإنسانَ خُلِقَ هَلوعاً*إذا مسَّهُ الشَّرُ جَزوعاً*وإذا مسَّهُ الخيرُ منوعاً*إلا المصلين}[المعارج19 ـ 22]. يقول سيد قطب رحمه الله: “لكأنما كل كلمة لمسة من ريشة مبدعة تضع خطاً في ملامح هذا الإنسان.حتى إذا اكتملت الآيات الثلاث القصار المعدودة الكلمات نطقت الصورة ونبضت بالحياة.وانتفض من خلالها الإنسان بسماته وملامحه الثابتة. هلوعاً…جزوعاً عند مسّ الشر،يتألم للذعته،ويجزع لوقعه،ويحسب أنه دائم لا كاشف له.ويظن اللحظة الحاضرة سرمداً مضروباً عليه،ويحبس نفسه بأوهامه في قمقم من هذه اللحظة وما فيها من الشر الواقع به.فلا يتصور أن هناك فرجاً،ولا يتوقع من الله تغييراً.ومن ثم يأكله الجزع،ويمزقه الهلع.ذلك أنه لا يأوي إلى ركن ركين يشدّ من عزمه،ويعلق به رجاءه وأمله. منوعاً للخير إذا قدر عليه.يحسب أنه من كدّه وكسبه فيضن به على غيره،ويحتجنه لشخصه،ويصبح أسير ما ملك منه،مستعبداً للحرص عليه!ذلك أنه لايدرك حقيقة الرزق ودوره هو فيه.ولا يتطلع إلى خير منه عند ربه.وهو منقطع عنه خاوي القلب من الشعور به.فهو هلوع في الحالتين…هلوع من الشر. هلوع على الخير.وهي صورة بائسة،حين يخلو قلبه من الإيمان،ومن ثم يبدو الإيمان بالله مسألة ضخمة في حياة الإنسان.لا كلمة تقال باللسان،ولا شعائر تعبدية تقام.إنه حالة نفس ومنهج حياة،وتصور كامل للقيم والأحداث والأحوال.وحين يصبح القلب خاوياً من هذا المقوم فإنه يتأرجح ويهتز وتتناوبه الرياح كالريشة!ويبيت في قلق وخوف دائم،سواء أصابه الشر فجزع،أم أصابه الخير فمنع.فأما حين يعمره الإيمان فهو منه في طمأنينة وعافية،لأنه متصل بمصدر الأحداث ومدبر الأحوال،مطمئن إلى قدره شاعر برحمته،مقدر لابتلائه،متطلع دائماً إلى فرجة من الضيق،ويسره من العسر.متجه إليه بالخير،عالم أنه ينفق مما رزقه،وأنه مجزي على ما أنفق في سبيله،معوض عنه في الدنيا والآخرة.فالإيمان كسب في الدنيا يتحقق قبل جزاء الآخرة،ويتحقق بالراحة والطمأنينة والثبات والاستقرار طوال رحلة الدنيا”. يقول تعالى:{وإذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دعوا ربَّهُم مُنيبينَ إليهِ ثمَّ إذا أذاقهُم منهُ رَحمةً إذا فريقٌ منهُم بِربّهم يُشركونَ}[الروم 33]. يقول سيد قطب رحمه الله: ”إنها صورة للنفس البشرية التي لا تستمد من قيمة ثابتة،ولا تسير على نهج واضح.صورة لها وهي تتأرجح بين الانفعالات الطارئة والتصورات العارضة،والاندفاعات مع الأحداث والتيارات.فعند مسّ الضر يذكر الناس ربهم،ويلجأون إلى القوة التي لا عاصم إلا إياها،ولا نجاة إلا بالإنابة إليها.حتى إذا انكشفت الغمّة،وانفرجت الشدّة،وأذاقهم الله رحمة منه”إذا فريق منهم بربهم يشركون”…وهو الفريق الذي لا يستند إلى عقيدة صحيحة تهديه إلى نهج مستقيم.ذلك أن الرخاء يرفع عنهم الاضطرار الذي ألجأهم إلى الله،وينسيهم الشدة التي ردّتهم إليه،فيقودهم هذا إلى الكفر بما أتاهم الله من الهدى وما آتاهم من الرحمة،بدلاً من الشكر والاستقامة على الإنابة…”. ويقول تعالى:{وإذا أذقنا النَّاسَ رحمةً فرحوا بها وإن تُصبهم سيئةٌ بما قدَّمتْ أيديهم إذا هم يقنطونَ}[الروم 36]. يقول سيد قطب رحمه الله: ”وهي كذلك صورة للنفس التي لا ترتبط بخط ثابت تقيس إليه أمرها في جميع الأحوال،وميزان دقيق لا يضطرب مع التقلبات.والناس هنا مقصود بهم أولئك الذين لايرتبطون بذلك الخط ولا يزنون بهذا الميزان.فهم يفرحون بالرحمة فرح البطر الذي ينسيهم مصدرها وحكمتها،فيطيرون بها،ويستغرقون فيها،ولا يشكرون المنعم،ولا يستيقظون إلى ما في النعمة من امتحان وابتلاء.حتى إذا شاءت إرادة الله أن تأخذهم بعملهم فتذيقهم حالة”سيئة” عموا كذلك عن حكمة الله في الابتلاء بالشدة،وفقدوا كل رجاء في أن يكشف الله عنهم الغمّة،وقنطوا من رحمته ويئسوا من فرجه…وذلك شأن القلوب المنقطعة عن الله،التي لا تدرك حكمته،أولئك الذين لا يعلمون.يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا”. يقول تعالى:”{وإذا مسّكمُ الضرُّ في البحرِ ضلَّ من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفوراً}[الإسراء 67]. يقول سيد قطب رحمه الله: ”والسياق يعرض هذا المشهد،مشهد الفلك في البحر،نموذجاً للحظات الشدّة والحرج.لأن الشعور بيد الله في الخضم أقوى وأشدّ حساسية،ونقطة من الخشب أو المعدن تائهة في الخضم،تتقاذفها الأمواج والتيارات،والناس متشبثون بهذه النقطة في كف الرحمن. إنه مشهد يحسّ به من كابده،ويحس بالقلوب الخافقة الواجفة المتعلقة بكل هزّة وكل رجفة في الفلك صغيراً كان أو كبيراً حتى عابرات المحيط الجبارة التي تبدو في بعض اللحظات كالريشة في مهب الريح على ثبج الموج الجبار. التعبير يلمس القلوب لمسة قوية وهو يشعر الناس أن يد الله تزجي لهم الفلك في البحر وتدفعه ليبتغوا من فضله”إنه كان بكم رحيماً”فالرحمة هي أظهر ما تستشعره القلوب في هذا الأداء. ثم ينتقل بهم من الإزجاء الرخي للإضطراب العتي حين ينسى الركب في الفلك المتناوح بين الأمواج كل قوة وكل سند وكل مجير إلا الله،فيتجهون إليه وحده في لحظة الخطر لا يدعون احداً سواه”ضل من تدعون إلا إياه”.ولكن الإنسان هو الإنسان،فما أن تنجلي الغمرة،وتحس قدماه ثبات الارض من تحته حتى ينسى لحظة الشدة،فينسى الله وتتقاذفه الأهواء وتجرفه الشهوات،وتغطي على فطرته التي جلاها الخطر”فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا”إلا من اتصل قلبه بالله فأشرق واستنار”. يقول الأستاذ محمد لطفي الصباغ في كتابه (الإنسان في القرآن الكريم ص5): “وهو ـ أي الإنسان ـ مخلوق سريع التحول من طرف إلى طرف،فإذا عضّه الدهر بنابه، ومسّه الضرُّ خضع واستكان ولجأ إلى الله ودعاه ووحده،وإذا فرّج الله عنه،وجاءته النعمة بعد شدّة، استخفّه الفرح، ونسي ماكان يدعو إليه”. ويقول الأستاذ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني في كتاب (الأخلاق الإسلامية ج1 ص376): “من ظواهر السلوك الإنساني التي قررها القرآن أنه يطغى إذا رأى أنه استغنى،يقول تعالى:{كلا إنَّ الإنسانَ ليطغى*أن رآهُ استغنى}[العلق 6 ـ 7].وهذا الاستغناء يكون بالمال،ويكون بالقوة والسلطان، ويكون بالعلم ويكون بالصحة والعافية، ويكون بالأتباع والأنصار، ويكون بامتلاك كل مايُحتاج إليه.ويكون الاستغناء عن الشئ أيضاً بعدم الحاجة إليه أصلاً. ويتابع:”والاستغناء قد يكون حقيقياً، وهو لله تعالى وحده،فالله عز وجل هو الغني في ذاته بصفات الكمال، وهو المالك لكل شئ،وهو الغني في ذاته عن كل شئ من دونه. وقد يكون الاستغناء شعوراً نفسياً كاذباً يراه الإنسان لنفسه،وهو في حقيقة حاله فقير لربه ،محتاج إليه في كل مطلب من مطالبه،وقد جعله الله محتاجاً لأشياء كثيرة، والله وحده هو الذي يخلقها ويهيئها له، ضمن سننه في كونه،يقول تعالى:{يا أيها النّاسُ أنتُمُ الفقراءُ إلى الله واللهُ هو الغني الحميد*إن يشأ يُذهبكُم ويأتِ بخلقٍ جديد* وما ذلكَ على الله بعزيز}[فاطر15 ـ 17]. فشعور الإنسان بالاستغناء وهو غارق في الفقر إلى الله عز وجل شعور فاسد،مستند إلى وهم كاذب، وهذا الشعور لايكون لدى المؤمنين الصادقين المراقبين لربهم.فالدواء الذي يمنع عن الإنسان الطغيان هو الإيمان بالله واليوم الآخر،الذي يستبقي في قلبه ونفسه الشعور بالفقر الدائم إلى الله،ويصرف عنه الغرور بالنفس والشعور بالاستغناء”. 6 ـ الشخصية ذات الوجهين أو المنافق: يقول علماء اللغة:إنما سمي المنافق منافقاً لإظهاره غير ما يضمر،تشبيهاً باليربوع له جحر يقال له”النافقاء” وآخر يقال له”القاصعاء”وذلك أنه يخرق الأرض حتى إذا كان يبلغ ظاهر الأرض أرق التراب،فإذا رابه ريب دفع التراب برأسه فخرج.فظاهر جحره تراب،وباطنه حفر. وكذلك المنافق:ظاهره إيمان وباطنه كفر؟ يقول تعالى:{ومن النّاسِ من يُعجِبك قولهُ في الحياة الدُّنيا ويُشهدُ الله على مافي قلبهِ وهو ألدُّ الخصام* وإذا تولّى سَعى في الأرض لِيُفسدَ فيها ويُهلكَ الحرثَ والنسلَ والله لايحب الفساد} [البقرة 204 ـ 205]. يصور حالة نموذج من الناس ظاهرهم يُغري وباطنهم يؤذي. يقول الشيخ محمد رشيد رضا (مجلة المنار العدد 223): “معناه يعجبك قوله وأنت في هذه الحياة لأنك تأخذ بالظواهر وهو منافق اللسان يظهر خلاف مايضمر،ويقول مالايفعل،فهو يعتمد على خلابة لسانه،في غش معاشريه وأقرانه، يوهمهم أنه نصير للحق والفضيلة،خاذل للباطل والرذيلة،متق لله في السر والعلن،مجتنب الفواحش ما ظهر منها ومابطن،لايريد للناس إلا الخير،ولايسعى إلا في سبيل النفع،” ويشهد الله على ما في قلبه” أي يحلف بالله على ان مافي قلبه موافق لما يقول ويدعي”وهو ألد الخصام” أي وهو في نفسه أشد الناس مخاصمة وعداوة لمن يتودد إليهم أو هو أشد خصمائهم أي وهو قوي العارضة في الجدل لايعجزه أن يختلب الناس ويغشهم بما يظهر من الميل إليهم وإسعادهم في شؤونهم ومصالحهم. ويتابع رحمه الله:”فالأوصاف المحمودة التي يعتمد عليها ثلاثة:حسن القول بحيث يعجب السامع،وإشهاد الله تعالى على صدقه وحسن قصده،وقوة العارضة في الجدل التي يحج بها المنكر أو المعارض. ويتابع رحمه الله:”هذا الفريق من الناس يوجد في كل أمة وتختلف الخلابة اللسانية في الأمم باختلاف الأعصار ففي بعض الأزمنة لايتيسر للواحد أن يغش الأمة في مجموعها حتى ينكل بها تنكيلا وإن الجرائد في عصرنا هذا قد تكون طريقاً للغش العام كما تكون طريقاً للنصح العام وإنما يكون تلبيسها سهلاً على من يعجب العامة قولهم في الامم التي يغلب فيها الجهل لاسيما في طور الانتقال من حال إلى حال إذ تختلف ضروب الدعوة وطريق الإرشاد. “وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها” في تفسير التولي هنا قولان: أحدهما أن صاحب الدعوى القولية إذا أعرض عن مخاطبه وذهب إلى شأنه فإن سعيه يكون على ضد ما قال.يدعي الصلاح والإصلاح وحب الخير ثم هو يسعى في الأرض بالفساد ذلك أنه لاهم له إلا في الشهوات واللذات والحظوظ الخسيسة فهو يعادي لأجلها أهل الحق والفضيلة ويؤذيهم لأنه ألدّ خصم لهم للتناقض والتضاد في الغرائز والسجايا ويعادي ايضاً المزاحمين له فيها من أمثاله المفسدين فلا يكون له هم وراء التمتع وأسبابه إلا الكيد للناس ومحاولة الإيقاع بهم فهو يفسد باعتدائه على الأموال والاعراض”ويهلك الحرث والنسل” بما يكون من أثر إفساده باعتدائه وهو ذهاب ثمرات الحرث وهو الزرع والنسل وهو ماتناسل من الحيوان وكأنه إشارة إلى مكاسب أهل الحضارة وأهل البادية،وفي هذا عبرة كبرى للذين يقطعون الزرع ويقتلون البهائم بالسم وغيره انتقاما ممن يكرهونهم وهي جرائم فاشية . والقول الآخر أن المراد بالتولي أنه صار والياً له حكم ينفذ وعمل يستبد به وإفساده حينئذ يكون بالظلم مخرب العمران وآفة البلاد والعباد وإهلاكه الحرث والنسل يكون إما بسفك الدماء والمصادرة في الأموال وإما بقطع آمال العاملين من ثمرات أعمالهم وفوائد مكاسبهم ومن انقطع امله انقطع عمله إلا الضروري الذي به حفظ الدماء ولاحرث ولانسل إلا بالعمل. “وإذا قيل له اتق الله اخذته العزة بالإثم” أي أنه إذا أمر بمعروف أو نهي عن منكر يسرع إليه الغضب ويعظم عليه الأمر فتأخذه الكبرياء والأنفة،وتخطفه الحمية وطيش السفه،فيكون كالمأخوذ بالسحر،لايستقم له فكر، لأنه مصر على إفساده لايبغي عنه حولا،وعبر عن الكبرياء والحمية بالعزة للإشعار بوجه الشبهة للنفس الأمارة بالسوء وهو تخيلها النصح والإرشاد ذلة تنافي العزة المطلوبة”. انتهى كلام الشيخ رضا. ويقول تعالى:{الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتحٌ من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيبٌ قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين}[النساء 141]، ويقول تعالى في نموذج المنافق الضعيف الذي لايقوى على احتمال تبعة الرأي ولايسلم للحق وكل همه ألا يواجه بالبرهان:{وإذا ما أنزلت سورةٌ نظر بعضُهُم إلى بعضٍ هل يراكم من أحدٍ ثم انصرفوا}[التوبة 127]. ومن الناس من يجمع الخداع والغفلة،ويظن نفسه أريباً وحشو جلده تغفيل،وإنه ليعمل العمل يظنه يؤذي به غيره، وهو لايؤذي إلا نفسه:{ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وماهم بمؤمنين *يُخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون}.[البقرة 8 ـ 9]. ومنهم الذين يتباطأون عن البذل والتضحية في ساعة العسرة،فإذا أصيب الباذلون بالشر حمدوا لأنفسهم حصافتها،وإن أصابوا خيراً جزاء جهادهم ندم أصحابنا أو ودّوا لو كانوا بذلوا:{وإنّ منكم لمن ليبطئنَّ فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيداً *ولئن أصابكم فضلٌ من الله ليقولنّ كأن لم تكن بينكم وبينه مودةٌ ياليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيما}.[النساء 72ـ 73] إن شخصية الإنسان المنافق الذي أسلم بلسانه وكفر قلبه،هي شخصية تحمل الكثير من المشاعر المريضة العليلة فهي شخصية تتميز بالشك والتردد،والخوف من انكشاف أمرها،وضعف الثقة بالنفس…وهي تحاول من خلال صفاتها المريضة أن تواجه المجتمع حولها ببعض الأساليب والحيل لكيلا يتم انكشاف أمرها ومن تلك الوسائط الدفاعية والحيل التي تستعملها في ذلك نذكر: 1 ـ الإسقاط: فالإنسان المنافق يحاول إسقاط مايتميز به من صفات وعيوب ومثالب على غيره ،فهو في داخله يبطن العداء والحقد والفساد للمؤمنين حوله،وهو يتوهم في نفس الوقت أنهم يواجهونه بتلك الصفات، يقول تعالى:{وإذا رأيتهم تُعجبك أجسامُهُم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنّهم خُشُبٌ مُسنَّدةٌ يحسبون كل صيحةٍ عليهم هُمُ العدو فاحذرهم قاتَلهُمُ الله أنّى يؤفكون}[المنافقون 4]. 2ـ التبرير: فهم يحاولون أن يبرروا ويفسروا تصرفاتهم الخاطئة والمريبة بأنواع من التبريرات الخاطئة أي أنهم يواجهون أخطائهم بأخطاء أكبر منها،يقول تعالى:{وإذا قيل لهم لاتفسدوا في الأرض قالوا إنّما نحن مصلحون* ألاّ إنهم هم المفسدون ولكن لايشعرون}[البقرة 11ـ 12].ويقول تعالى:{وإذا قِيلَ لهم تَعالوا إلى ما أنزلَ الله وإلى الرسولِ رأيتَ المنافقينَ يصُدُّون عنكَ صُدوداً*فكيفَ إذا أصابتهم مصيبةٌ بما قدمت أيديهم ثُمَّ جاؤوكَ يحلفون بالله إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً*أولئكَ الذين يعلمُ الله مافي قلوبهم فأعرض عنهم وعِظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً}[النساء 61 ـ 63]. 3 ـ ذو الوجهين: إن الإنسان المنافق قد تجده كثيراً مايخفي سواد قلبه وظلمات فكره،وكراهية فؤاده،بوجه ضاحك وابتسامة مصطنعة وصداقة مزيفة… يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إن من شرّ الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه“[أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه]. يقول الأستاذ الدكتور محمد لطفي الصباغ في المنافقين وهؤلاء الأشخاص (كتاب الإنسان في القرآن الكريم): “إن من صفات المنافقين التي قررتها آيات سورة البقرة في مجال الإنكار والاستبشاع العنجهية الشرسة والاستكبار المتطاول.ومن صفات المنافقين البغيضة: الازدواجية في السلوك،واتخاذ أكثر من مظهر ووجه وموقف،والتآمر والمخادعة. قال تعالى:{وإذا لقوا الذين أمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنّما نحنُ مستهزئون}[البقرة 14].إن هذا الازدواج والتآمر سمةٌ تميز المنافقين في كل أحوالهم.. إنهم كاذبون..مخادعون..مستهزئون…ولقد فضحهم القرآن في أكثر من موضع “. قال ابن القيم في صفات المنافقين(مدارج السالكين): “لهم علامات يعرفون بها،مبينة في السنة والقرآن،بادية لمن تدبرها من أهل بصائر الإيمان.قام بهم ـ والله ـ الرياء. وهو أقبح مقام قامه الإنسان.وقعد بهم الكسل عما أمروا به من أوامر الرحمن،فأصبح الإخلاص عليهم ـ لذلك ـ ثقيلاً:{وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كُسالى يُراءونَ الناسَ ولايذكرونَ الله إلا قليلاً}[النساء 142].أحدهم كالشاة العائرة بين الغنمين،تيعر إلى هذه مرة وإلى هذه مرة،ولاتستقر مع إحدى الفئتين،فهم واقفون بين الجمعين،ينظرون أيهم أقوى وأعز قبيلاً:{مُذَبذبينَ بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يُضللِ الله فلن تجدَ لهُ سبيلاً}[النساء 143]. (الحديث الشريف:”مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة لاتدري أيهما تتبع“[أخرجه مسلم والنسائي وأحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما). يتربصون الدوائر بأهل السنة والقرآن،فإذا كان لهم فتح من الله قالوا:ألم نكن معكم، وأقسموا على ذلك بالله جَهد أيمانهم،وإن كان لأعداء الكتاب والسنة نصيب قالوا:ألم تعلموا أن عقد الإخاء بيننا محكم،وأن النسب بيننا قريب.يقول تعالى:{الذين يتربصونَ بكم فإن كانَ لكم فتحٌ من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرينَ نصيبٌ قالواألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكمُ بينكم يوم القيامة ولن يجعلَ اللهُ للكافرينَ على المؤمنينَ سبيلاً}[النساء141]. ويتابع:”تسبق يمين أحدهم كلامه من غير أن يُعترض عليه،لعلمه أن قلوب اهل الإيمان لاتطمئن إليه،فيتبرأ بيمينه من سوء الظن به،ويكشف مالديه،وكذلك أهل الريبة يكذبون ويحلفون، ليحسب السامع أنهم صادقون{اتخذوا ايمانهم جُنّةً فصدّوا عن سبيل اله إنّهم ساءَ ماكانوا يعملون}[المنافقون2].انتهى كلام ابن القيم. وكتب يوسف بن أسباط رحمه الله إلى حذيفة المرعشي كتاباً جاء فيه: “واعلم أن مما يوصف به منافقو هذه الأمة أنهم خالطوا أهل الدين بأبدانهم،وفارقوهم بأهوائهم،وخففوا مما سعوا من الحق،ولم ينتهوا عن خبيث فعالهم،إذ ذهبوا إليه فنازعوا في ظاهر أعمال البر بالمجامل والرياء،وتركوا باطن أعمال البر مع السلامة والتقى،كثرت أعمالهم بلا تصحيحنفحرمهم الله من الثمن الربيح”. ويقول الأستاذ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني(الأخلاق الإسلامية ج1 ص566) والشهيد سيد قطب في الظلال: “جاءت الآيات الكريمة في القرآن الكريم في تعريف وبيان طائفة المنافقين وصفاتهم وظواهرهم السلوكية: 1 ـ إنهم يقولون بألسنتهم ماليس في قلوبهم، فيقولون آمنا بالله وباليوم الآخر،وماهم بمؤمنين،إذ قلوبهم منكرة جاحدة،وليس كذبهم هذا في أمور صغيرة أو عادية،ولكنه كذب في الدين،كذب في العقيدة وفي إعلان منهج الحياة.يقول تعالى:{ ومن الناس من يقولُ آمنا بالله وباليومِ الآخرِ وماهم بمؤمنين}[البقرة8]. يقول سيد قطب رحمه الله: “لقد كانت هذه صورة واقعة في المدينة،ولكننا حين نتجاوز نطاق الزمان والمكان نجدها نموذجاً مكروراً في أجيال البشرية جميعاً.نجد هذا النوع من المنافقين من علية الناس الذين لايجدون في أنفسهم الشجاعة ليواجهوا الحق بالإيمان الصريح،أو يجدون في نفوسهم الجرأة ليواجهوا الحق بالإنكار الصريح.وهم في الوقت ذاته يتخذون لأنفسهم مكان المترفع على جماهير الناس،وعلى تصورهم للأمور!ومن ثم تميل إلى مواجهة هذه النصوص كما لو كانت مطلقة من مناسبتها التاريخية،موجهة إلى هذا الفريق من المنافقين في كل جيل. وإلى صميم النفس الإنسانية الثابت في كل جيل. إنهم يدّعون الإيمان بالله واليوم الآخر. وهم في الحقيقة ليسوا بمؤمنين.إنما هم منافقون لايجرؤون على الإنكار والتصريح بحقيقة شعورهم في مواجهة المؤمنين”. 2 ـ إنهم فيما يتظاهرون به من قول أو عمل يقصدون مخادعة الذين آمنوا،ليأمنوا جانبهم،وليأمنوا جانب أعدائهم،ويظفروا بالمغانم والمنافع من كلا الفريقين بحسب تصورهم. يقول تعالى:{يُخادعونَ الله والذين أمنوا ومايخدعون إلا أنفسهم ومايشعرون}[البقرة 9]. يقول سيد قطب رحمه الله: ”وهم يظنون في أنفسهم الذكاء والدهاء والقدرة على خداع هؤلاء البسطاء،ولكن القرآن يصف حقيقة فعلتهم،فهم لايخادعون المؤمنين،إنما يخادعون الله كذلك أو يحاولون. وفي هذا النص وأمثاله”يخادعون الله والذين أمنوا”…نقف أمام حقيقة كبيرة،وأمام تفضل من الله كريم…تلك الحقيقة هي التي يؤكدها القرآن دائماً ويقررها،وهي حقيقة الصلة بين الله والمؤمنين.إنه يجعل صفهم صفه،وأمرهم أمره.وشأنهم شأنه. يضمهم سبحانه إليه، ويأخذهم في كنفه،ويجعل عدوهم عدوه،وما يوجه إليهم من مكر موجهاً إليه سبحانه وهذا هو التفضل العلوي الكريم…التفضل الذي يرفع مقام المؤمنين وحقيقتهم إلى هذا المستوى السامق،والذي يوحي بأن حقيقة الإيمان في هذا الوجود هي أكبر وأكرم الحقائق،والذي يسكب في قلب المؤمن طمأنينة لاحد لها،وهو يرى الله جلّ شأنه يجعل قضيته هي قضيته،ومعركته هي معركته،وعدوه هو عدوه،ويأخذه في صفه،ويرفعه إلى جواره الكريم..فماذا يكون العبيد وكيدهم وخداعهم وأذاهم الصغير؟! وهو في ذات الوقت تهديد رعيب للذين يحاولون خداع المؤمنين والمكر بهم،وإيصال الأذى إليهم.تهديد لهم بأن معركتهم ليست مع المؤمنين وحدهم إنما هي مع الله القوي الجبار القهار.وأنهم إنما يحاربون الله حين يحاربون أولياءه،وإنما يتصدون لنقمة الله حين يحاولون هذه المحاولة اللئيمة. ونعود إلى هؤلاء الذين يخادعون الله والذين آمنوا ظانين في أنفسهم الذكاء والدهاء…ولكن ياللسخرية! ياللسخرية التي تنصب عليهم قبل أن تكتمل الآية”وما يخدعون إلا أنفسهم ومايشعرون“.إنهم من الغفلة بحيث لايخدعون إلا أنفسهم في غير شعور! إن الله بخداعهم عليم،والمؤمنون في كنف الله فهو حافظهم من هذا الخداع اللئيم. أما أولئك الأغفال فهم يخدعون أنفسهم ويغشونها.يخدعونها حين يظنون أنهم أربحوها وأكسبوها بهذا النفاق، ووقوها مغبة المصارحة بالكفر بين المؤمنين.وهم في الوقت ذاته يوردونها موارد التهلكة بالكفر الذي يضمرونه، والنفاق الذي يظهرونه،وينتهون بها إلى شر مصير!. ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد490 بتاريخ22 اكتوبر 1930م): يقول تعالى ومنهم منْ يَلمِزُكَ في الصدقاتِ فإن أُعطوا منها رضوا وإن لم يُعطوا منها إذا هم يسخطون}[التوبة 58]، يقول الشيخ معقباً على الآية: ”كان المنافقون يرتقبون الفرص للصد على النبي صلى الله عليه وسلم بالشبه التي يظنون أنها توقع الريب في قلوب ضعفاء الإيمان من الجانب الذي يوافق أهواءهم وقد كان منها قسمة الصدقات والغنائم. روى البخاري والنسائي ومصنفو التفسير المأثور عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يقسم قسماً إذ جاءه ذو الخويصرة التميمي فقال اعدل يا رسول الله، فقال:ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ائذن لي فأضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعه فإن له أصحاباً يحقر أحكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)قال أبو سعيد فنزلت فيهم{ومنهم من يلمزك….}. 3 ـ في قلوبهم مرض خلقي هو السبب في سلوكهم مسالك النفاق،وهذا المرض عرض طارئ وليس من أصل التكوين الفطري،ولذلك سماه الله مرضاً،وكذلك سائر الأمراض،ولدى البحث عن هذا المرض يتبين لنا ماسبق ذكره من الجبن،والطمع الشديد بالمنافع والمغانم الدنيوية،وخلق الجحود والكنود، وخلق الكذب. يقول تعالى:{في قلوبهم مرضٌ فزادهمُ الله مرضاً ولهم عذابٌ أليمٌ بما كانوا يكذبون}[البقرة 10]. ويقول سيد قطب رحمه الله: ”ولكن لماذا يحاول المنافقون هذه المحاولة؟ ولماذا يخادعون هذا الخداع؟…”في قلوبهم مرض“.في طبيعتهم آفة. في قلوبهم علة.وهذا مايحيد بهم عن الطريق الواضح المستقيم.ويجعلهم يستحقون من الله أن يزيدهم مما هم فيه”فزادهم الله مرضاً”… فالمرض ينشئ المرض،والانحراف يبدأ يسيراً،ثم تنفرج الزاوية في كل خطوة وتزداد. سنة لاتتخلف.سنة الله في الأشياء والأوضاع، وفي المشاعر والسلوك.فهم صائرون إذن إلى مصير معلوم.المصير الذي يستحقه من يخادعون الله والمؤمنين:”ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون“. 4 ـ ومن ظواهرهم السلوكية أنهم يفسدون في الأرض بأقوالهم وأعمالهم،فإذا قيل لهم: لاتفسدوا في الأرض،بهتوا الحقيقة بكل وقاحة،وجعلوا الباطل حقاً والحق باطلاً،دونما حياء ولاتلجلج، وقالوا :إنما نحن مصلحون، وأخذوا يبررون سلوكهم المنافق المفسد بأنه من الأعمال الإصلاحية. يقول تعالى:{ وإذا قيل لهم لاتفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون*ألا إنهم همُ المفسدونَ ولكن لايشعرون}[البقرة 11 ـ 12]. يقول سيد قطب رحمه الله: ”إنهم لايقفون عند حد الكذب والخداع،بل يضيفون إليهما السفه والإدعاء،لم يكتفوا بأن ينفوا عن أنفسهم الإفساد،بل تجاوزوه إلى التبجح والتبرير:”قالوا إنما نحن مصلحون“. والذين يفسدون أشنع الفساد، ويقولون: إنهم مصلحون،كثيرون جداً في كل زمان.يقولونها لأن الموازين مختلة في أيديهم. ومتى اختل ميزان الإخلاص والتجرد في النفس اختلت سائر الموازين والقيم.والذين لايخلصون سريرتهم لله يتعذر أن يشعروا بفساد أعمالهم،لأن ميزان الخير والشر والصلاح والفساد في نفوسهم يتأرجح مع الأهواء الذاتية،ولايثوب إلى قاعدة ربانية.ومن ثم يجئ التعقيب الحاسم والتقرير الصادق:”ألا إنهم هم المفسدون ولكن لايشعرون“. ويقول تعالى:{يوم يقول المنافقونَ والمنافقات ُ للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءَكم فالتمسوا نوراً فَضُرِبَ بينهم بِسُورٍ له باب باطنهُ فيه الرحمة وظاهرهُ من قِبلهِ العذاب*يُنادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنَّكم فَتنتم أنفسكم وتَرَبَّصتم وارتبتم وغرّتكم الأمانيُّ حتى جاءَ أمرُ الله وغرّكم بالله الغَرور}[الحديد13 ـ 14]. يقول سيد قطب رحمه الله: “وعلى الفور يفصل بين المؤمنين والمؤمنات والمنافقين والمنافقات.فهذا يوم الفصل إن كانوا في الدنيا مختلطين في الجماعة:”فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب”..ويبدو أنه سور يمنع الرؤية ولكنه لا يمنع الصوت.فهاهم أولاء المنافقون ينادون المؤمنين:”ألم نكن معكم؟”…فما بالنا نفترق عنكم؟ألم نكن معكم في الدنيا نعيش في صعيد واحد؟وقد بعثنا معكم هنا في صعيد واحد؟”قالوا:بلى” كان الأمر كذلك.”ولكنكم فتنتم أنفسكم”فصرفتموها عن الهدى.”وتربصتم”..فلم تعزموا ولم تختاروا الخيرة الحاسمة.”وارتبتم”..فلم يكن لكم من اليقين ماتعزمون به العزمة الأخيرة.”وغرتكم الأماني”الباطلة في أن تنجوا وتربحوا بالذبذبة وإمساك العصا من طرفيها!”حتى جاء أمر الله”..وانتهى الأمر.”وغركم بالله الغرور”..وهو الشيطان الذي كان يطمعكم ويمنيكم. 5 ـ ومن ظواهرهم السلوكية أنهم يزعمون لأنفسهم الذكاء ورجاحة العقل، وحسن التصرف في الأمور،للتخلص من المآزق الحرجة التي يواجهونها،ويرون أن المؤمنين الصادقين في إيمانهم سفهاء،ناقصوا العقل قليلو التفكير. يقول تعالى:{وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناسُ قالوا أنؤمنُ كما آمنَ السفهاء ألا إنهم همُ السفهاءُ ولكن لايعلمون}[البقرة 13]. وهذه الظاهرة ملاحظة في كل الذين لايكترثون بالدين،ولايقيمون له في نفوسهم وزناً،إنهم يتصورون أن المتدينين ضعفاء العقول ناقصو التفكير،تؤثر عليهم الأوهام وتستولي عليهم الخرافات. ولدى التمحيص نلاحظ ان الذين لايؤمنون يظل الشك والتخوف يملأ قلوبهم قلقاً واضطراباً، فهم السفهاء ناقصوا العقل،وإن كانوا في أعمال الخبث والمكر والكيد أذكياء،فذكاء المجرم لاقيمة له في ميزان العقل الصحيح، ومن أجل ذلك وصفهم الله بأنهم هم السفهاء لا المؤمنون.ولاتخفى نزعة العجب والكبر والاستعلاء والغرور بالنفس،واستنكار دعوتهم إلى الإيمان الصادق، في مقالتهم:”أنؤمن كما آمن السفهاء“؟!. يقول سيد قطب رحمه الله: “ومن صفتهم كذلك التطاول والتعالي على عامة الناس،ليكسبوا لأنفسهم مقاماً زائفاً في أعين الناس. وواضح أن الدعوة التي كانت موجهة إليهم في المدينة هي أن يؤمنوا الإيمان الخالص المستقيم المتجرد من الأهواء. إيمان المخلصين الذين دخلوا في السلم كافة، وأسلموا وجوههم لله،وفتحوا صدورهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوجههم فيستجيبون بكليتهم مخلصين متجردين…هؤلاء هم الناس الذين كان المنافقين يدعون ليؤمنوا مثلهم هذا الإيمان الخالص الواضح المستقيم. وواضح أنهم كانوا يأنفون من هذا الاستسلام للرسول صلى الله عليه وسلم ويرونه خاصاً بفقراء الناس غير لائق بالعلية ذوي المقام! ومن ثم قولتهم هذه:” أنؤمن كما آمن السفهاء”.. ومن ثم جاءهم الرد الحاسم، والتقرير الجازم:“ألا إنهم هم السفهاء ولكن لايعلمون”. ومتى علم السفيه أنه سفيه؟ ومتى استشعر المنحرف أنه بعيد عن المسلك القويم؟. 6 ـ ومن ظواهرهم السلوكية أن لهم أكثر من وجه،فلهم وجه يستعلنون به إذا لقوا الذين آمنوا،ولهم وجه آخر يتوارون به ولايظهرونه إلا إلى شياطينهم، أي: إلى إخوانهم الكافرين أمثالهم،إو إلى المسوسين لهم بأن يسلكوا مسلك النفاق من شياطين الإنس كاليهود،ويبررون لإخوانهم هذا التلون بأنهم يستهزئون بالمؤمنين،ويترصدون غراتهم،للإيقاع بهم،أو التخلي عنهم في أوقات الشدائد. يقول تعالى:{وإذا لقوا الذينَ أمنوا قالوا آمنا وإذا خَلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنّما نحن مستهزئون*الله يستهزئُ بهم ويَمدُّهم في طغيانهم يعمهون}[البقرة14 ـ 15]. يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله: “وبعض الناس يحسب اللؤم قوة،والمكر السئ براعة.وهو في حقيقته ضعف وخسة.فالقوي ليس لئيماً ولاخبيثاً،ولاخادعاً ولامتآمراً ولاغمازاً في الخفاء لمازا.وهؤلاء المنافقون الذين كانوا يجبنون عن المواجهة، ويتظاهرون بالإيمان عند لقاء المؤمنين،ليتقوا الأذى، وليتخذوا هذا الستار وسيلة للأذى…هؤلاء كانوا إذا خلوا إلى شياطينهم ـ وهم غالباً ـ اليهود الذين كانوا يجدون في هؤلاء المنافقين أداة لتمزيق الصف الإسلامي وتفتيته..هؤلاء المنافقون كانوا”إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون” ـ أي بالمؤمنين ـ بما نظهره من الإيمان والتصديق! وما يكاد القرآن يحكي فعلتهم هذه وقولتهم، حتى يصب عليهم من التهديد مايهد الرواسي:“الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون“. وما أبأس من يستهزئ به جبار السموات والأرض وما أشقاه!!وإن الخيال ليمتد إلى مشهد مفزع رعيب، وإلى مصير تقشعر من هوله القلوب. وهو يقرأ:”الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون”…فيدعهم يخبطون على غير هدى في طريق لايعرفون غايته،واليد الجبارة تتلقفهم في نهايته، كالفئران الهزيلة تتواثب في الفخ،غافلة عن المقبض المكين…وهذا هو الاستهزاء الرعيب،لا كاستهزائهم الهزيل الصغير”. 7 ـ ومن ظواهرهم السلوكية أنهم يتخذون أيمانهم الكاذبة جُنةً يقوون بها أنفسهم، ويسترون بها أعمالهم مخالفة لما أعلنوه من الإسلام،ويسترون بها جرائمهم ومايخفون من عداء وكراهية. يقول تعالى:{اتخذوا أيمانهم جُنّةً فصدوا عن سبيل الله إنّهم ساءَ ماكانوا يعملون}[المنافقون 2]. يقول سيد قطب رحمه الله: “وهي توحي بأنهم كانوا يحلفون الأيمان كلما انكشف أمرهم،أو عرف عنهم كيد أو تدبير،أو نقلت عنهم مقالة سوء في المسلمين.كانوا يحلفون ليتقوا مايترتب على افتضاح أمر من أمورهم،فيجعلون أيمانهم وقاية وجُنّة يحتمون وراءها،ليواصلوا كيدهم ودسهم وإغواءهم للمخدوعين فيهم.“فصدوا عن سبيل الله“..صدوا أنفسهم وصدوا غيرهم مستعينين بتلك الأيمان الكاذبة:”إنهم ساء ماكانوا يعملون“…وهل أسوأ من الكذب للخداع والتضليل!؟ ويقول تعالى:{ويحلفونَ بالله إنّهم لمنكم وماهم منكم ولكنهم قومٌ يفرَقون* لو يجدون ملجاً أو مغاراتٍ أو مُدَّخلاً لولّوا إليه وهم يجمحون}[التوبة 56ـ 57]. إنهم يحلفون، لأنهم يفرقون، أي: يخافون خوفاً شديداً من انكشاف نفاقهم،فلو يجدون ملجاً يلجأون إليه،أو مغارات يأوون إليها،أو مدّخلاً يتوارون فيه،لولّوا وهم يجمحون، أي: يسرعون في جموح كجموح الخيل. يقول سيد قطب رحمه الله: “ولقد كان أولئك المنافقون يدسون أنفسهم في الصف،لا عن إيمان واعتقاد،ولكن عن خوف وتقية،وعن طمع ورهب.ثم يحلفون أنهم من المسلمين،أسلموا اقتناعاً،وآمنوا اعتقاداً..فهذه السورة(التوبة) تفضحهم وتكشفهم على حقيقتهم،فهي الفاضحة التي تكشف رداء المداورة وتمزق ثوب النفاق. إنهم جبناء.والتعبير يرسم لهذا الجبن مشهداً ويجسمه في حركة.حركة النفس والقلب،يبرزها في حركة جسد وعيان:”لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلاً لولوا إليه وهم يجمحون“. فهم متطلعون ابداً إلى مخبأ يحتمون به،ويأمنون فيه. حصناً أو مغارة أو نفقاً.إنهم مذعورون مطاردون.يطاردهم الفزع الداخلي والجبن الروحي”. 8 ـومن صفات المنافقين أن النفاق فيهم قد يتحول من ممارسة غير صادرة عن خلق أصيل في النفس،إلى خُلق يتولد عنه انطماس البصيرة،والطبع على القلوب،حتى لاتجد المعارف الحقيقة والمذكرات بالله واليوم اآخر منافذ تنفذ منها إلى مواطن إدراكها،فهم لايفقهون مايسمعونه من دعوة إلى الحق والخير والهدى. يقول تعالى:{اتخذوا أيمانهم جُنّةً فصدوا عن سبيل الله إنهم ساءَ ما كانوا يعملون* ذلك بأنّهم آمنوا ثمّ كفروا فَطُبعَ على قلوبهم فهم لايفقهون}[المنافقون 2 ـ 3} يقول تعالى:{ألم ترَ إلى الذين تولَّوا قوماً غضبَ الله عليهم ما هُمْ منكم ولا منهم ويحلفونَ على الكذبِ وهم يعلمون*أعدَّ الله لهم عذاباً شديداً إنهم ساءَ ما كانوا يعملون*اتَّخذوا أيمانهم جُنَّةً فصدوا عن سبيل الله فلهم عذابٌ مهين}[المجادلة15 ـ 16[. يقول سيد قطب رحمه الله في تفسير آيات سورة المنافقون: “اتخذوا أيمانهم جنة”:وهي توحي بأنهم كانوا يحلفون الإيمان كلما انكشف أمرهم،أو عرف عنهم كيد أو تدبير،أو نقلت عنهم مقالة سوء في المسلمين.كانوا يحلفون ليتقوا ما يترتب على افتضاح أمر من أمورهم،فيجعلون أيمانهم وقاية وجنة يحتمون وراءها،ليواصلوا كيدهم ودسهم وإغواءهم للمخدوعين فيهم” ” فهم عرفوا الإيمان إذن،ولكنهم اختاروا العودة إلى الكفر. وما يعرف الإيمان ثم يعود إلى الكفر قلب فيه فقه،أو تذوق، أو حياة.وإلا فمن ذا الذي يذوق ويعرف،ويطلع على التصور الإيماني للوجود،وعلى التذوق الإيماني للحياة،ويتنفس في جو الإيمان الذكي، ويحيا في نور الإيمان الوضئ، ويتفيأ ظلال الإيمان الندية..ثم يعود إلى الكفر الكالح الميت الخاوي المجدب الكنود؟من ذا الذي يصنع هذا إلا المطموس الكنود الحقود،الذي لايفقه ولايحس ولايشعر بهذا الفارق البعيد!”فطبع على قلوبهم فهم لايفقهون“. ويقول رحمه الله في تفسير آيات سورة المجادلة:”وهذه الحملة القوية على المنافقين الذين يتولون قوماً غضب الله عليه ـ وهم اليهودـ تدل على أنهم كانوا يمعنون في الكيد للمسلمين،ويتآمرون مع ألد أعدائهم عليهم،كما تدل على أن سلطة الإسلام كانت قد عظمت،بحيث يخافها المنافقون،فيضطرون ـ عندما يواجههم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون بما يكشفه الله من تدبيراتهم ومؤامراتهم ـ إلى الحلف بالكذب لإنكار ما ينسب إليهم من مؤامرات وأقوال،وهم يعلمون أنهم كاذبون في هذه الأيمان.إنهم يتقون بأيمانهم ما يتووقعونه من مؤاخذتهم بما ينكشف من دسائسهم:”اتخذوا أيمانهم جنة” أي وقاية.وبذلك يستمرون في دسائسهم للصد عن سبيل الله!”.ويتابع:”ويصور مشهدهم يوم القيامة في وضع مزر مهين،وهم يحلفون لله كما كانوا يحلفون للناس:{يوم يبعثُهُمُ اللهُ جميعاً فيحلفونَ لهُ كما يحلفونَ لكم ويحسبونَ أنَّهم على شيءٍ ألا إنَّهمْ هُمُ الكاذبونَ}[المجادلة 18]…مما يشير إلى أن النفاق قد تأصل في كيانهم،حتى ليصاحبهم إلى يوم القيامة،وفي حضرة الله ذي الجلال،الذي يعلم خفايا القلوب وذوات الصدور”. 9 ـ ومن صفات المنافقين أن ظواهرهم قد تُعجب الناظرين،وأن أقوالهم ترضي السامعين. يقول تعالى:{وإذا رأيتهم تُعجبكَ أجسامُهُم وإن يقولوا تسمع لقولهم}[المنافقون4]. فهم يتصنعون الظواهر التي تخدع الأنظار،حتى تظن فيهم خيراً، ويعتنون بتحسين أجسامهم وتزيين أعمالهم مما يكسبهم وجاهة ومكانة بين الناس،فلاتدل أجسامهم ولامظاهرهم على أنهم منافقون أخباث.وإن يقولوا تسمع لقولهم،لأن لديهم القدرة على تنميق أقوالهم وتزيينها،فهم إذا تحدثوا استمالوا سامعيهم وأثّروا فيهم،وقد كان زعيم منافقي المدينة عبد الله بن أبي سلول رجلاً جسيماً فصيحاً. يقول سيد قطب رحمه الله: “فهم أجسام تعجب.لا أناسي تتجاوب!وماداموا صامتين فهم أجسام معجبة للعيون..فأما حين ينطقون فهم خواء من كل معنى ومن كل حس ومن كل خالجة…”تسمع لقولهم كأنهم خشب“… ولكنها ليست خشباً فحسب. إنما هي “خشب مسندة“.. لاحركة لها، ملطوعة بجانب الجدار! هذا الجمود الراكد يصورهم من ناحية فقر أرواحهم إن كانت لهم أرواح! 10 ـ ومن صفات المنافقين أنهم إذا حضروا مجالس العلم والموعظة والتذكير بالله حضروا بأجسامهم فقط، وعقولهم وقلوبهم في أودية أهوائهم وشهواتهم وأغراض دنياهم،فكأنهم في هذه المجالس الإسلامية الربانية خُشُبٌ مسندة. يقول تعالى:{وإذا رأيتهم تُعجبكَ أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنّهم خُشُبٌ مُسندّة}[المنافقون 4]. فحضورهم في هذه المجالس كحضور أعمدة من الخشب مسندة على الجدر حتى لاتسقط، فهي لاتفقه ولاتعي شيئاً مما يجري حولها،ولذلك كانوا يقولون إذا خرجوا من مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم”ماذا قال آنفاً؟”. يقول تعالى:{ومنهم من يستمعُ إليكَ حتى إذا خرجوا من عندكَ قالوا للذين أُوتوا العلم ماذا قال آنفاً أولئكَ الذين طبعَ الله على قلوبهم واتّبعوا أهواءَهُم}[محمد 16]. يقول سيد قطب رحمه الله: “وسؤالهم ذاك بعد استماعهم للرسول صلى الله عليه وسلم ـ والإستماع معناه السماع باهتمام ـ يدل على أنهم كانوا يتظاهرون تظاهراً بأنهم يلقون سمعهم وبالهم للرسول صلى الله عليه وسلم وقلوبهم لاهية غافلة.أو مطموسة مغلقة.كما أنه قد يدل من جانب آخر على الغمز الخفي اللئيم إذ يريدون أن يقولوا بسؤالهم هذا لأهل العلم:إن مايقوله محمد لايفهم، أو لايعني شيئاً يفهم.فهاهم أولاء مع استماعهم له، لايجدون له فحوى ولايمسكون منه بشئ! كذلك قد يعنون بهذا السؤال السخرية من احتفال أهل العلم بكل مايقوله محمد صلى الله عليه وسلم وحرصهم على استيعاب معانيه وحفظ ألفاظه ـ كما كان حال الصحابة رضوان الله عليهم مع كل كلمة يتلفظ بها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فهم يسألونهم أن يعيدوا ألفاظه التي سمعوها على سبيل السخرية الظاهرة أو الخفية…وكلها احتمالات تدل على اللؤم والخبث والانطماس والهوى الدفين”. ويقول الشيخ الطاهر بن عاشور في تفسير التحرير والتنويرفي الآية16 من سورة محمد: “والاستماع:أشد السمع وأقواه،أي يستمعون باهتمام يظهرون أنهم حريصون على وعي مايقوله الرسول صلى الله عليه وسلم وأنهم يُلقون إليه بالهم،وهذا من استعمال الفعل في معنى إظهاره لا في معنى حصوله. ومعنى “آنفاً”: وقتاً قريباً من زمن التكلم. وسياق الكلام يدل على ذم هذا السؤال لقوله عقبه”أولئك الذين طبع الله على قلوبهم” فهو سؤال يُنبئ عن مذمة سائليه،فإن كان سؤالهم حقيقة أنبأ عن قلة وعيهم لما يسمعونه من النبي صلى الله عليه وسلم فهم يستعيدونه من الذين علموه فلعل استعادتهم إياه لقصد أن يتدارسوه إذا خلوا مع إخوانهم ليختلقوا مغامر يهيئونها بينهم،أو أن يجيبوا من يسألهم من إخوانهم عما سمعوه في المجلس الذي كانوا فيه.ويجوز أن يكون السؤال على غير حقيقته ناوين به الاستهزاء يُظهرون للمؤمنين اهتمامهم باستعادة ماسمعوه ويقولون لإخوانهم:إنما نحن مستهزؤون، أو أن يكون سؤالهم تعريضاً بأنهم سمعوا كلاماً لا يستبين المراد منه لإدخال الشك في نفوس من يُحسون منهم الرغبة في حضور مجالس النبي صلى الله عليه وسلم تعريضاً لقلة جدوى حضورها”. 11ـ ومن صفات المنافقين أنهم في حالة مستمرة من الذعر والقلق والخوف من انكشاف خياناتهم،وفي حالة تخوف دائم من أن ينكشف كفرهم فيصدر النداء لقتالهم والنكاية بهم،لذلك فهم يحسبون كل صيحة مسلّطة عليهم. يقول تعالى:{يحسبون كُلّ صيحةٍ عليهم هُمُ العدوُّ فاحذرهم قاتلهم الله أنّى يؤفكون}[المنافقون 4]. يقول سيد قطب رحمه الله: “فهم يعرفون أنهم منافقون مستورون بستار رقيق من التظاهر والحلف والملق والالتواء. هم يخشون في كل لحظة أن يكون أمرهم قد افتضح وسترهم قد انكشف. والتعبير يرسمهم أبداً متلفتين حواليهم،يتوجسون من كل حركة ومن كل صوت ومن كل هاتف،يحسبونه يطلبهم،وقد عرف حقيقة أمرهم! وبينما هم خشب مسندة ملطوعة إذا كان الأمر أمر فقه وروح وشعور بإيقاعات الإيمان… إذا هم كالقصبة المرتجفة في مهب الريح إذا كان الأمر أمر خوف على الأنفس والأموال! وهم بهذا وذاك يمثلون العدو الأول للرسول صلى الله عليه وسلم وللمسلمين:”هم العدو فاحذرهم“…هم العدو الحقيقي. العدو الكامن داخل المعسكر،المختبئ في الصف.وهو أخطر من العدو الخارجي الصريح.”فاحذرهم”…“قاتلهم الله أنى يؤفكون“.. فالله مقاتلهم حيثما صرفوا وأنى توجهوا. والدعاء من الله حكم بمدلول هذا الدعاء،وقضاء نافذ لاراد له ولامعقب عليه..وهذا هو الذي كان في نهاية المطاف”. 12 ـ ومن صفاتهم أنهم لابد أن تصدر عنهم تصرفات قولية أو عملية تدل على نفاقهم،وأنهم في قلوبهم منكرون كافرون.وفيما يلي عرضة لطائفة من مواقفهم: ـ في غزوة أحد انخذلوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يستكملوا مسيرتهم،فدل ذلك على نفاقهم، وكان من عادة زعيمهم عبد الله بن أبي بن سلول قبل هذه الغزوة إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهو يخطب الناس قام عبد الله بن أبي فقال:أيها الناس هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم،أكرمكم الله وأعزّكم به، فانصروه وعزروه،واسمعوا له وأطيعوا، ثم يجلس. فلما كان منه ماكان من خذل فعليّ للرسول صلى الله عليه وسلم في أحد،وجاء يوم الجمعة،قام عبد الله بن أبي يفعل مثلما كان يفعل،فأسكته المسلمون وأخذوا بثيابه من نواحيه،وقالوا له: اجلس أي عدوّ الله،لست لذلك بأهل،فخرج مقهوراً ذليلاً يتخطى رقاب الناس،فلقيه رجل من الأنصار بباب المسجد، فقال له:ويلك ارجع يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: والله ما أبتغي أن يستغفر لي،فأنزل الله تعالى:{وإذا قيلَ لهم تعالوا يستفغر لكم رسولُ الله لوّوا رؤوسهم ورأيتهم يصدُّونَ وهم مستكبرون*سواءٌ عليهم استغفرتَ لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفرَ اللهُ لهم إنّ الله لايهدي القومَ الفاسقين} [المنافقون 6]. يقول سيد قطب رحمه الله: “فهم يفعلون الفعلة،ويطلقون القولة. فإذا عرفوا أنها بلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم جبنوا وتخاذلوا وراحوا يقسمون بالأيمان يتخذونها جنة. فإذا قال لهم قائل: تعالوا يستغفر لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم،وهم في أمن من مواجهته، لووا رؤوسهم ترفعاً واستكباراً! وهذه وتلك سمتان متلازمتان في النفس المنافقة.وإن كان هذا التصرف يجئ عادة ممن لهم مركز في قومهم ومقام.ولكنهم هم في ذوات أنفسهم أضعف من المواجهة،فهم يستكبرون ويصدون ويلوون رؤوسهم ماداموا في أمان من المواجهة. حتى إذا ووجهوا كان الجبن والتخاذل والأيمان! وهناك أمثلة كثيرة وعديدة. وقد كشف الله هذه الصفة من صفات المنافقين، وأوضح أنّ لهم علامات تميزهم، في تصرفاتهم،وفي ملامح وجوههم عند سماع شئ يكرهونه من أمور الدين،وفي لحن أقوالهم التي تنفلت من ألسنتهم دون أن يستطيعوا ضبطها وحجزها،وذلك لشدّة ضغط ماينفعل في قلوبهم ونفوسهم،مما يحاولون إخفاءه خشية انكشاف أمرهم. إنه لما نزلت آيات محكمات دُعي فيها المسلمون إلى القتال في سبيل الله،تألم منها المنافقون، وكرهوها،وصعب عليهم أن يجاهروا برفضها،لأن ذلك يكشف نفاقهم، فانفعلت نفوسهم انفعالات كراهية ظهرت في وجوههم وفي نظراتهم. يقول تعالى:{ويقولُ الذينَ أمنوا لولا نُزّلت سورةٌ فإذا أُنزلت سورةٌ مُحكمةٌ وذُكرَ فيها القتالُ رأيتَ الذين في قلوبهم مرضٌ ينظرون إليكَ نظرَ المغشي عليهِ من الموت فأولى لهم}[محمد 20]. (أي فويل لهم، وهلاك لهم). يقول سيد قطب رحمه الله: “وهذا وصف من أوصاف المنافقين…يفقدون تماسكهم،ويسقط عنهم ستار الرياء الذي يتسترون به،وينكشف جزعهم وضعف نفوسهم من مواجهة هذا التكليف،ويبدون في حالة تزري بالرجال يصورها التعبير القرآني المبدع صورة فريدة كأنها معروضة للأنظار،وهو تعبير لاتمكن محاكاته، ولاترجمته إلى أي عبارة أخرى. وهو يرسم الخوف إلى حد الهلع.والضعف إلى حد الرعشة.والتخاذل إلى حد الغشية! ويبقى بعد ذلك منفرداً حافلاً بالظلال، والحركة التي تشغف الخيال! وهي صورة خالدة لكل نفس خوارة لاتعتصم بإيمان، ولابفطرة صادقة، ولابحياء تتجمل به أمام الخطر.وهي هي طبيعة المرض والنفاق”! يقول سيد قطب رحمه الله( التصوير الفني في القرآن ص49): “يصور حالة فريق من الناس ضعيف العقيدة،ضعيف العزيمة،مستور الحال، لايتبين ضعفه في فترة الرخاء،فإذا جدّ الجدُّ، وجاء الشدُّ،ظهر هذا الضعف على أتمه..ويتابع:”ومنظر المغشي عليه من الموت معهود، فما هو إلا أن يذكر التعبير، حتى تبرز صورتهم في الضمير،مصحوبة بالسخرية والتحقير.ويتابع رحمه الله:”وقد يبرز هذا “النموذج” في حادثة مروية، فيتجاوز الحادثة الخاصة ويخلد نموذجاً عاماً:{ألم ترَ إلى الملأ من بني إسرائيل من بعدِ موسى إذ قالوا لنبيٍّ لهم ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله قال هل عَسيتم إن كتب عليكم القتالُ ألا تُقاتلوا قالوا ومالنا ألاّ نقاتل في سبيل الله وقد اُخرجنا من دِيارِنا وأبنائنا فلما كُتبَ عليه القتالُ تولّوا إلا قليلاً منهم} [البقرة]. ويتابع:” وفي هذا المثال يزيد على الضعف، تلك اللجاجة في أيام السلم، وإظهار الشجاعة والاستبسال، ثم الخور والجبن عندما تحين ساعة النضال. ويقول صاحب التحرير والتنوير الشيخ ابن عاشور رحمه الله في الآية 20 من سورة محمد: “ووجه الشبه ثبات الحدقة وعدم التحريك، أي ينظرون إليك نظر المتحير بحيث يتجه إلى صوب واحد ولايشتغل بالمرئيات لأنه في شاغل عن النظر،وإنما يوجهون أنظارهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم إذا كانوا بمجلسه حين نزول السورة، وكانوا يتظاهرون بالإقبال على تلقي ماينطق به من الوحي، فلما سمعوا ذكر القتال بهتوا، وفي معنى هذه الآية قوله تعالى:{رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يُغشى عليه من الموت}[الأحزاب]. وكثيراً مالايقتصر الأمر على حدود انفعالات تظهر أماراتها على الوجوه وفي نظرات الأعين، بل تتعدى ذلك إلى أقوال تحمل أمارات أقوى،وتصرفات عملية تحمل دلالات أبين وأوضح. يقول تعالى:{أم حسبَ الذينَ في قُلوُبهم مرضٌ أن لن يُخرجَ اللهُ أضغانَهُم*ولو نشاءُ لأريناكَهُم فَلَعَرفتهم بِسيماهم ولَتَعرفَنّهم في لحنِ القولِ واللهُ يعلمُ أعمالَكم}[محمد 29 ـ 30]. يقول سيد قطب رحمه الله: “ولقد كان المنافقون يعتمدون على إتقانهم فن النفاق،وعلى خفاء أمرهم في الغالب على المسلمين.فالقرآن يسفه ظنهم أن هذا الأمر سيظل خافياً،ويهددهم بكشف حالهم وإظهار أضغانهم وأحقادهم على المسلمين.ويقول لرسوله صلى الله عليه وسلم:”ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم“… اي لو نشاء لكشفنا لك عنهم بذواتهم واشخاصهم، حتى لترى أحدهم فتعرفه من ملامحه(وكان هذا قبل أن يكشف الله له عن نفر منهم بأسمائهم) ومع ذلك فإن لهجتهم ونبرات صوتهم،وإمالتهم للقول عن استقامته، وانحراف منطقهم في خطابك سيدلك على نفاقهم:”ولتعرفنهم في لحن القول“… 13 ـ ومن الظواهر السلوكية الدالة على نفاق المنافقين تركهم التحاكم إلى الله والرسول ،وتحاكمهم إلى الطاغوت، طمعاً بأن يكون حكم الطاغوت لمصلحتهم. يقول تعالى:{ألم ترَ إلى الذين يزعمونَ انّهم آمنوا بما أُنزلَ إليكَ وما أُنزلَ من قبلكَ يُريدونَ أن يتحاكموا إلى الطاغوتِ وقد أُمروا أن يكفروا بهِ ويُريدُ الشّيطانُ أن يُضلّهم ضلالاً بعيدا}[النساء60]. يقول سيد قطب رحمه الله: “إن الله يقول للأمة المسلمة إن الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ـ أي إلى غير شريعة الله ـ لايقبل منهم زعمهم أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول وما أنزل من قبله. فهو زعم كاذب. يكذبه أنهم يريدون أن يتحاكموا ألى الطاغوت.ويقول للأمة المسلمة: إن علامة النفاق أن يصدوا عن التحاكم إلى ما أنزل الله والتحاكم إلى رسول الله:{وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيتَ المنافقين يصدون عنك صدودا}[النساء61]. 14ـ ومن الظواهر السلوكية الدالة على نفاق المنافقين، متابعتهم الكافرين الصرحاء في الإندفاع وراء الأوهام والخرافات،واعتقادها،والترويج لها كأنها حقائق ثابتة،في حين أنهم يبدون تشككهم بالحقائق الواضحة البينة،ويتوقفون دون التسليم بها، تذرعاً بأن التحقيق العلمي وأصالة الرأي يستوجبان التريث والأناة،وعدم التسليم، قبل ثبوت الحقيقة ثبوتاً ملموساً محساً. وهم في هذا الموقف المتناقض يرفضون الحق ويؤمنون بالباطل،وما أكثر الخرافات التي تسيطر على عقولهم ونفوسهم!! ومن أمثلة هذه الظاهرة موقفهم من حادثة الجدب التي تعرّضت له المدينة بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إليها، ضمن نظام الأسباب الكونية العامة.وقد استغل اليهود هذه الحادثة وتابعهم المنافقون لما في قلوبهم من مرض،فأخذوا يتشاءمون ويتطيرون برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويزعمون أن ذلك قد كان بسبب مقدمه عليهم،وقد أشار القرآن الكريم إلى موقفهم هذا بقوله تعالى:{وإن تصبهم حسنةٌ يقولوا هذه من عند الله وإن تُصبهم سيئةٌ يقولوا هذه من عندك قل كلٌّ من عند الله فمالِ هؤلاء القوم لايكادون يفقهونَ حديثا*ما أصابكَ من حسنةٍ فمنَ الله وما أصابكَ من سيئةٍ فمن نفسك وأرسلناكَ للناسِ رسولاً وكفى بالله شهيدا}[النساء 78 ـ 79]. يقول سيد قطب رحمه الله: “إن الله هو الفاعل الأول، والفاعل الواحد،لكل مايقع في الكون،وما يقع للناس،ومايقع من الناس.فنسبة إنشاء الحسنة أو إنشاء السيئة، وإيقاعها بهم،للرسول صلى الله عليه وسلم وهو بشر منهم مخلوق مثلهم نسبة غير حقيقية، تدل على عدم فقههم لشئ ما في هذا الموضوع. إن الإنسان قد يتجه ويحاول تحقيق الخير، بالوسائل التي أرشد الله إلى أنها تحقق الخير.ولكن تحقق الخير فعلاً يتم بإرادة الله وقدره.لأنه ليست هناك قدرة ـ غير قدرة الله ـ تنشئ الأشياء والأحداث وتحقق مايقع في هذا الكون من وقائع.وإن الإنسان قد يتجه إلى تحقيق السوء، أو يفعل ما من شأنه إيقاع السموء. ولكن وقوع السوء فعلا، ووجوده أصلاً، لايتم إلا بقدرة الله وقدر الله.وفي الحالتين يكون وجود الحدث وتحققه من عند الله… 15 ـ ومن الظواهر السلوكية الدالة على نفاق المنافقين، أنهم إذا دُعوا إلى أمر فيه مخاطرة ما، ويتطلب مقداراً من الشجاعة والإقدام، جبنوا وتخاذلوا وتباطؤوا وتأخروا في المساهمة،ووقفوا يترقبوا النتائج بعيداً عن ساحة المعركة،فإذا كانت النتائج غير سارة تبجحوا بسداد رأيهم،وحسن تقديرهم للأمور،وأعلنوا فرحهم بنعمة التخلف عن تأدية الواجب،وإذا كانت النتائج سارةً للمؤمنين الذين استبسلوا وأقدموا وجاهدوا في سبيل الله، فنالوا مجد النصر ورزق الغنيمة، أخذت الندامة والحسرة تأكل قلوبهم، إذ فاتهم النصيب من الغنيمة التي أصابها المؤمنون المنتصرون. يقول تعالى:{وإنّ منكم لَمَن لَيُبَطئنَّ فإن أصابتكم مصيبةٌ قال قد أنعمَ اللهُ عليّ إذ لم أكن معهم شهيدا*ولئن أصابكم فضلٌ من الله ليقولنّ كأن لم تكن بينكم وبينهُ مودّةٌ ياليتني كنتُ معهم فأفوزَ فوزاً عظيما}[النساء 72 ـ 73]. يقول سيد قطب رحمه الله : “وخذوا حذركم لامن العدو الخارجي وحده،ولكن كذلك من المعوقين المبطئين المخذلين، سواء كانوا يبطئون أنفسهم ـ أي يقعدوا متثاقلين ـ أو يبطئون غيرهم معهم، وهو الذي يقع عادة من المخذّلين المثبطين! ولفظة”ليبطئن” مختارة هنا بكل مافيها من ثقل وتعثر، وإن اللسان ليتغثر في حروفها وجرسها،حتى يأتي على آخرها،وهو يشدها شداً، وإنها لتصور الحركة النفسية المصاحبة لها تصويراً كاملاً بهذا التعثر والتثاقل في جرسها.وذلك من بدائع التصوير الفني في القرآن، الذي يرسم حالة كاملة بلفظة واحدة. وكذلك يشي تركيب الجملة كلها”وإن منكم لمن ليبطئن“، بأن هؤلاء المبطئين ـ وهم معدودون من المسلمين ـ “منكم” يزاولون عملية التبطئة كاملة،ويصرون عليها إصراراً، ويجتهدون فيها اجتهاداً…وذلك بأسلوب التوكيد بشتى المؤكدات في الجملة! مما يوحي بشدة إصرار هذه المجموعة على التبطئة، وشدة أثرها في الصف المسلم،وشدة مايلقاه منها. ومن ثم يسلط السياق الأضواء الكاشفة عليهم، وعلى دخيلة نفوسهم،ويرسم حقيقتهم المنفرة،علىطريقة القرآن التصويرية العجيبة: فها هم أولاء، بكل بواعثهم، وبكل طبيعتهم وبكل أعمالهم وأقوالهم…هاهم أولاء مكشوفين للأعين، كما لو كانوا قد وضعوا تحت مجهر، يكشف النوايا والسرائر، ويكشف البواعث والدوافع. هاهم أولاء ـ كما كانوا على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ـ وكما يكونون في كل زمان وكل مكان. هاهم أولاء. ضعافاً منافقين ملتوين،صغار الاهتمامات أيضاً:لايعرفون غاية أعلى من صالحهم الشخصي المباشر، ولا أفقاً أعلى من ذواتهم المحدودة الصغيرة. فهم يديرون الدنيا كلها على محور واحد.وهم هم هذا المحور الذي لاينسونه لحظة! إنهم يبطئون ويتلكأون،ولايصارحون، ليمسكوا العصا من وسطها كما يقال! وتصورهم للربح والخسارة هو التصور الذي يليق بالمنافقين الضعاف الصغار:يتخلفون عن المعركة…فإن أصابت المجاهدين محنة، وابتلوا الابتلاء الذي يصيب المجاهدين ـ في بعض الأحايين ـ فرح المتخلفون، وحسبوا أن فرارهم من الجهاد، ونجاتهم من الابتلاء نعمة:”فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيدا“. إنهم لايخجلون ـ وهم يعدون هذه النجاة مع التخلف نعمة ـ أن ينسبوها لله. الله الذي خالفوا عن أمره فقعدوا! والنجاة في هذه الملابسة لاتكون من نعمة الله أبداً.فنعمة الله لاتنال بالمخالفة. ولو كان ظاهرها نجاة! إنها نعمة! ولكن عند الذين لايتعاملون مع الله.عند من لايدركون لماذا خلقهم الله. ولايعبدون الله بالطاعة والجهاد لتحقيق منهجه في الحياة. نعمة عند من لايتطلعون إلى آفاق أعلى من مواطئ الأقدام في هذه الأرض…نعمة عند من لايحسون أن البلاء ـ في سبيل الله وفي الجهاد لتحقيق منهج الله وإعلاء كلمة الله ـ هو فضل واختيار من الله، يختص به من يشاء من عباده،ليرفعهم في الحياة الدنيا على ضعفهم البشري،ويطلقهم من إسار الأرض يستشرفون حياة رفيعة، يملكونها ولاتملكهم،وليؤهلهم بهذا الانطلاق وذلك الارتفاع للقرب منه في الآخرة… في منازل الشهداء. فأما إذا كانت الأخرى…فانتصر المجاهدون، الذين خرجوا مستعدين لقبول كل مايأتيهم به الله…ونالهم فضل من الله بالنصر والغنيمة…ندم المتخلفون أن لم يكونوا شركاء في معركة رابحة! رابحة بحسب مفهومهم القريب الصغير للربح والخسارة! إنها أمنية الفوز الصغير بالغنيمة والإياب، هي التي يقولون عنها:”فوزاً عظيماً“والمؤمن لايكره الفوز بالإياب والغنيمة،بل مطلوب منه أن يرجوه من الله.والمؤمن لايتمنى وقوع البلاء بل مطلوب منه أن يسأل الله العافية..ولكن التصور الكلي للمؤمن غير هذا التصور، الذي يرسمه التعبير القرآني لهذه الفئة رسماً مستنكراً منفراً.. إن المؤمن لايتمنى البلاء بل يسأل الله العافية. ولكنه إذا ندب للجهاد خرج ـ غير متثاقل ـ خرج يسأل الله إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة… وكلاهما فضل من الله، وكلاهما فوز عظيم.فيقسم له الله الشهادة، فإذا هو راض بما قسم الله، أو فرح بمقام الشهادة عند الله.ويقسم له الله الغنيمة والإياب، فيشكر الله على فضله، ويفرح بنصر الله، لالمجرد النجاة! 16 ـ ومن الظواهر السلوكية الدالة على نفاق المنافقين،أنهم إذا ألجأتهم الظروف،فخرجوا مع المؤمنين إلى معركة من معارك القتال،وستروا بذلك نفاقهم، ثم أصابهم أذى في سبيل الله تضجروا وتذمروا،وإذا جاءهم نصر من الله تسابقوا إلى الظفر بالمغانم، مع أنهم لايعملون في الجهاد إلا أضعف الأعمال وعلى سبيل المراءة. يقول تعالى:{ومن الناسِ من يقولُ آمنا بالله فإذا أُوذيَ في الله جعلَ فتنةَ الناسِ كعذابِ الله ولئن جاءَ نصرٌ من ربّك لَيقولنَ إنّا كنا معكم أو ليسَ الله بأعلمَ بما في صدور العالمين*وليعلمنَّ الله الذين آمنوا وليعلمنّ المنافقين}[العنكبوت 10 ـ 11]. 17 ـ ومن الظواهر السلوكية الدالة على نفاق المنافقين، أنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين. يقول تعالى:{بَشّرِ المنافقين بأنّ لهم عذاباً أليما*الذين يتخذونَ الكافرينَ أولياءَ من دونِ المؤمنين أيبتغونَ عندهمُ العزّةَ فإنّ العزّةَ لله جميعا}[النساء 138 ـ 139]. يقول سيد قطب رحمه الله: “تبدأ الجملة بهذا التهكم الواضح في استعمال كلمة”بشر”مكان كلمة أنذر. وفي جعل العذاب الأليم الذي ينتظر المنافقين بشارة!ثم ببيان سبب هذا العذاب الأليم، وهو ولايتهم للكافرين دون المؤمنين،وسوء ظنهم بالله، وسوء تصورهم لمصدر العزة والقوة. والكافرون المذكورون هنا هم ـ على الأرجح ـ اليهود،الذين كان المنافقون يأوون إليهم،ويتخنسون عندهم،ويبيتون معهم للجماعة المسلمة شتى المكائد. والله جل جلاله يسأل في استنكار:لم يتخذون الكافرين أولياء وهم يزعمون الإيمان؟لم يضعون أنفسهم هذا الموضع،ويتخذون لأنفسهم هذا الموقف؟أهم يطلبون العزة والقوة عند الكافرين؟لقد استأثر الله عز وجل بالعزة، فلايجدها إلا من يتولاه،ويطلبها عنده، ويرتكن إلى حماه. وهكذا تكشف اللمسة الأولى عن طبيعة المنافقين، وصفتهم الأولى،وهي ولاية الكافرين دون المؤمنين، كما تكشف عن سوء تصورهم لحقيقة القوى،وعن تجرد الكافرين من العزة والقوة التي يطلبها عندهم أولئك المنافقون. وتقرر أن العزة لله وحده،فهي تطلب عنده وإلا فلاعزة ولاقوة عند الآخرين! 18 ـ ومن الظواهر السلوكية للمنافقين أنهم يتربصون بالمؤمنين تربص الصياد الذي ينتظر الغِرّات، وينتهز الفرص، فإذا كان النصر للمؤمنين قالوا لهم: ألم نكن معكم؟وإذا أصاب الكافرون من المؤمنين شيئاً قالوا للكافرين: ألم نُحط بكم حماية لكم ونمنعكم من المؤمنين؟فهم يعملون على الانتفاع من كلا الفريقين، واللعب على الحبلين، مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. يقول تعالى:{الذينَ يتربَّصونَ بكم فإن كان لكم فتحٌ قالوا ألم نكن معكم وإن كانَ للكافرينَ نصيبٌ قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكمُ بينكُم يومَ القيامةِ ولن يجعلَ اللهُ للكافرينَ على المؤمنينَ سبيلا}[النساء 141 ]. يقول سيد قطب رحمه الله: “وهي صورة منفرة.تبدأ بتقرير مايكنه المنافقون للجماعة المسلمة من الشر،ومايتربصون بها من الدوائر.وهم ـ مع ذلك ـ يتظاهرون بالمودة للمسلمين حين يكون لهم فتح من الله ونعمة فيقولون:حينئذ: “ألم نكن معكم“. ويعنون أنهم كانوا معهم في الموقعة ـ فقد كانوا يخرجون أحياناً يخذلون ويخلخلون الصفوف: ـ أو يعنون أنهم كانوا معهم بقلوبهم! وأنهم ناصروهم وحموا ظهورهم! “وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين“.يعنون أنهم آزروهم وناصروهم وحموا ظهورهم، وخذّلوا عنهم وخلخلوا الصفوف! وهكذا يتلوون كالديدان والثعابين.في قلوبهم السم. وعلى ألسنتهم الدهان! ولكنهم بعد ضعاف،صورتهم زرية شائهة تعافها نفوس المؤمنين…وهذه إحدى لمسات المنهج لنفوس المؤمنين. يقول تعالى:{إن تُصبكَ حسنةٌ تسؤهم وإن تصبكَ مصيبةٌ يقولوا قد أخذنا أمرَنا من قبلُ ويتولوا وهم فرحون}[التوبة 50]. يقول سيد قطب رحمه الله: “إنهم لايريدون بالرسول صلى الله عليه وسلم خيراً ولا بالمسلمين،وإنهم ليسوؤهم أن يجد الرسول والمسلمون خيراً.وإنهم ليفرحون لما يحل بالمسلمين من مصائب وماينزل بهم من مشقة. ذلك أنهم يأخذون بظواهر الأمور، ويحسبون البلاء شراً في كل حال،ويظنون أنهم يحققون لأنفسهم الخير بالتخلف والقعود. وقد خلت قلوبهم من التسليم لله،والرضى بقدره،واعتقاد الخير فيه.والمسلم الصادق يبذل جهده ويقدم لايخشى،اعتقاداً بأن مايصيبه من خير أو شر معقود بإرادة الله، وأن الله ناصر له ومعين:{قل لن يصيبنا إلا ماكتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون}[التوبة51] 19 ـ ومن الظواهر السلوكية للمنافقين،أنهم إذا قاموا إلى الصلاة مرآة للناس قاموا كسالى،وأنهم لايذكرون الله إلا قليلا. يقول تعالى:{وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولايذكرون الله إلا قليلا* مذبذبين بينَ ذلكَ لا إلى هؤلاءِ ولا إلى هؤلاءِ ومن يُضللِ الله فلن تجدَ لهُ سبيلا}[النساء 143ـ142]. يقول سيد قطب رحمه الله: “ثم يستمر السياق يرسم لهم صوراً زرية شائنة،لاتثير في قلوب المؤمنين إلا الاشمئزاز والاحتقار،فهم لايقومون إلى الصلاة بحرارة الشوق إلى لقاء الله،والوقوف بين يديه،والاتصال به،والاستمداد منه….إنما هم يقومون يراءون الناس.ومن ثم يقومون كسالى،كالذي يؤدي عملاً ثقيلاً، او يسخر سخرة شاقة! وكذلك هم لايذكرون الله إلا قليلاً. فهم لايتذكرون الله إنما يتذكرون الناس! وهم لايتوجهون إلى الله إنما هم يراءون الناس. وهي صورة كريهة ـ ولاشك ـ في حس المؤمنين. تثير في نفوسهم الاحتقار والاشمئزاز،ومن شأن هذا الشعور أن يباعد بينهم وبين المنافقين،وأن يوهن العلائق الشخصية والمصلحية… ويستمر السياق في رسم الصور الزرية المنفرة”مذبذبين بين ذلك….” وموقف الذبذبة،والأرجحة، والاهتزاز،وعدم الاستقرار والثبات في أحد الصفين: الصف المؤمن أو الصف الكافر… موقف لايثير إلا الاحتقار والاشمئزاز كذلك في نفوس المؤمنين. كما أنه يوحي بضعف المنافقين الذاتي.هذا الضعف الذي يجعلهم غير قادرين على اتخاذ موقف حاسم هنا أو هناك.. ولا على المصارحة برأي وعقيدة وموقف…مع هؤلاء أو هؤلاء..”. ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد329): “”وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى” أي متثاقلين لارغبة تبعثهم ولانشاط لأنهم لعدم إيمانهم لايرجون فيها ثواباً في الآخرة،ولايبتغون بها تربية ملكة مراقبة الله تعالى وحبه والإنس بذكره ومناجاته لتنتهي نفوسهم بذلك عن الفحشاء والمنكر،وتكون أهلاً لرضوان الله الأكبر،كما هو شأن المؤمنين الصادقين.وإنما هي عندهم كلفة مستثقلة فإذا كانوا بمعزل عن المؤمنين تركوها.وإذا كانوا معهم سايروهم بالقيام إليها،(يراءون إليها) بها،أي يبتغون بذلك أن يراهم الناس المؤمنون فيعدوهم منهم، فالكسل التثاقل عما ينبغي النشاط فيه،والمراءة أن يكون المرء الذي يرائيك بحيث تراه كما يراك فهو فعل مشاركة من الرؤية. ويتابع رحمه الله:”مذبذبين بين ذلك“.أي مضطربين مائلين تارة إلى المؤمنين وتارة إلى الكافرين، وقيل بين الكفر والإيمان.ويقوي الأول قوله”لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء” أي لايخلصون في الانتساب إلى واحد من الفريقين لأتهم يطلبون المنفعة، ولايدرون لمن تكون العاقبة، فهم يميلون إلى اليمين تارة وإلى الشمال أخرى،فمتى ظهرت الغلبة التامة لأحد الفريقين ادعوا أنهم منه”. 20 ـ ومن الظواهر السلوكية للمنافقين،أن موقفهم في مواطن الطمع موقف الطامع الشره الحسود،إن أعطوا رضوا، وإن لم يُعطوا سخطوا وتذمروا،وأخذوا ينحون باللائمة على القيادة،فيلمزونها بعدم العدل. يقول تعالى:{ومنهم من يَلمزُكَ في الصدقات فإن أُعطوا منها رَضوا وإن لم يُعطوا منها إذا هم يسخطون}[التوبة 58]. يقول سيد قطب رحمه الله: “من المنافقين من يغمزك بالقول،ويعيب عدالتك في توزيع الصدقات، ويدّعي أنك تحابي في قسمتها،وهم لايقولون ذلك غضباً للعدل،ولاحماسة للحق،ولاغيرة على الدين،إنما يقولونه لحساب ذواتهم وأطماعهم، وحماسة لمنفعتهم وأنانيتهم.”فإن أعطوا منها رضوا” ولم يبالوا الحق والعدل والدين!”وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون”! ويتابع رحمه الله:”وعلى آية حال فالنص القرآني يقرر أن القولة قولة فريق من المنافقين.يقولونها لاغيرة على الدين، ولكن غضباً على حظ أنفسهم، وغيظاً أن لم يكن لهم نصيب…وهي آية نفاقهم الصريحة، فما يشك في خلق الرسول صلى الله عليه وسلم مؤمن بهذا الدين، وهو المعروف حتى قبل الرسالة بأنه الصادق الأمين. 21 ـ ومن الظواهر السلوكية للمنافقين، أنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، على عكس طريقة المؤمنين تماماً. وأنهم بخلاء ،إذا دُعوا إلى البذل الواجب قبضوا أيديهم، وأمسكوا فلم ينفقوا. يقول تعالى:{المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إنّ المنافقين همُ الفاسقون}[التوبة67]. يقول سيد قطب رحمه الله: “المنافقون والمنافقات من طينة واحدة، وطبيعة واحدة.المنافقون في كل زمان وفي كل مكان.تختلف أفعالهم وأقوالهم،ولكنها ترجع إلى طبع واحد، وتنبع من معين واحد.سوء الطوية ولؤم السريرة،والغمز والدس،والضعف عن المواجهة،والجبن عن المصارحة. تلك سماتهم الأصيلة.أما سلوكهم فهو الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف،والبخل بالمال إلا أن يبذلوه رئاء الناس،وهم حين يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف يستخفون بهما،ويفعلون ذلك دساً وهمساً،وغمزاً ولمزاً،لأنهم لايجرؤون على الجهر إلا حين يأمنون.إنهم “نسوا الله” فلايحسبون إلا حساب الناس وحساب المصلحة، ولايخشون إلا الأقوياء من الناس يذلون لهم ويدارونهم”فنسيهم” الله فلاوزن لهم ولا اعتبار. وإنهم لكذلك في الدنيا بين الناس، وإنهم لكذلك في الآخرة عند الله”. ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد491): “هذا بيان عام لحال جميع المنافقين ذكرانهم وإناثهم، متشابهون فيه وصفاً وعملاً كأن منهم عين الآخر كما قيل: تلك العصا من هذه العصية هل تلد الحية إلا حية ثم بين هذا التشابه بقوله”يأمرون بالمنكر….” المنكر الشرعي ماينكره الشرع ويستقبحه،والمنكر العقلي والفطري ماتستنكره العقول الراجحة والفطر السليمة،لمنافاته للفضائل والمنافع الفردية والمصالح العامة،والشرع هو القسطاس المستقيم في ذلك كله،والمعروف مايقابل المنكر مقابلة التضاد، ومن المنكر الذي يأمر به بعضهم بعضا الكذب والخيانة وإخلاف الوعود والفجور والغدر بنقض العهود. قال صلى الله عليه وسلم:”أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهم كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها:إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف ،وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر“[رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن الثلاثة من حديث عبد الله بن عمرو]. 22 ـ ومن الظواهر السلوكية للمنافقين، الكذب في الوعد وفي العهد،والإخلاف فيهما ، ونقضهما بغير حق. يقول تعالى:{ومنهم من عاهدَ الله لئن آتانا من فضلهِ لَنصدّقنّ ولَنكوننَّ من الصالحين*فلما آتاهم من فضلهِ بخلوا بهِ وتولوا وهم معرضون}[التوبة76]. يقول سيد قطب رحمه الله: “من المنافقين من عاهد الله لئن أنعم الله عليه ورزقه،ليبذلن الصدقة،وليصلحن العمل.ولكن هذا العهد إنما كان في وقت فقره وعسرته. في وقت الرجاء والطمع.فلما أن استجاب الله له ورزقه من فضله نسي عهده،وتنكر لوعده وأدركه الشح والبخل فقبض يده، وتولى معرضاً عن الوفاء بما عاهد.فكان هذا النكث بالعهد مع الكذب على الله فيه سبباً في التمكين للنفاق في قلبه، والموت مع هذا النفاق، ولقاء الله به. والنفس البشرية ضعيفة شحيحة،إلا من عصم الله، ولاتطهر من هذا الشح إلا أن تعمر بالإيمان،وترتفع على ضرورات الأرض، وتنطلق من قيود الحرص على النفع القريب، لأنها تؤمل في خلف أعظم،وتؤمل في رضوان من الله أكبر. والقلب المؤمن يطمئن بالإيمان،فلايخشى الفقر بسبب الإنفاق، لأنه يثق بأن ماعند الناس ينفد وماعند الله باق.وهذا الاطمئنان يدفع به إلى إنفاق المال في سبيل الله تطوعاً ورضى وتطهراً،وهو آمن مغبته.فحتى لو فقد المال وافتقر منه،فإن له عوضاً أعظم عند الله. فأما حين يفقر القلب من الإيمان الصحيح،فالشح الفطري يهيج في نفسه كلما دعي إلى نفقة أو صدقة، والخوف من الفقر يتراءى له فيقعد به عن البذل. ثم يبقى سجين شحه وخوفه بلا أمن ولاقرار. والذي يعاهد الله ثم يخلف العهد،والذي يكذب على الله فلايفي بما وعد،لايسلم قلبه من النفاق:”آية المنافق ثلاث:إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان“[رواه الشيخان]. فلا جرم يعقب إخلاف العهد والكذب على الله نفاقاً دائماً في قلوب تلك الطائفة التي تشير إليها الآية:{فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ماوعدوه وبما كانوا يكذبون}[التوبة77]. 23 ـ ومن الظواهر السلوكية للمنافقين، لمز العاملين في أعمالهم، وتجريح مقاصدهم، ومن ذلك ازدراؤهم بذلَ المقلين، واتهامهم في نياتهم وغاياتهم،وانتقادهم بذل المكثرين، واتهامهم في نياتهم وغاياتهم، فلاينجو منهم مكثر في عطائه ولامقل. يقول تعالى:{الذين يَلمزونَ المُطّوعينَ من المؤمنينَ في الصدقات والذين لايجدونَ إلاّ جُهدَهم فيسخرونَ منهم سخرَ الله منهم ولهم عذابٌ أليم}[التوبة 79]. يقول سيد قطب رحمه الله: “والقصة المروية عن سبب نزول هذه الآية،تصور نظرة المنافقين المنحرفة لطبيعة الإنفاق في سبيل الله وبواعثه في النفوس. وهكذا تقولوا على المؤمنين الذين انبعثوا إلى الصدقة طواعية نفس،ورضا قلب،واطمئنان ضمير،ورغبة في المساهمة في الجهاد كل على قدر طاقته،وكل على غاية جهده.ذلك أنهم لايدركون بواعث هذا التطوع في النفوس المؤمنة. لايدركون حساسية الضمير التي لاتهدأ إلا بالبذل عن طيب حاطر.لايدركون المشاعر الرفرافة التي تنبعث انبعاثاً ذاتياً،لتلبي دواعي الإيمان والتضحية والمشاركة. من أجل هذا يقولون عن المكثر:إنه يبذل رياء،وعن المقل إنه يذكر بنفسه. يجرحون صاحب الكثير لأنه يبذل كثيراً،ويحتقرون صاحب القليل لأنه يبذل القليل.فلايسلم من تجريحهم وعيبهم أحد من الخيرين.ذلك وهم قاعدون متخلفون منقبضو الأيدي شحيحو النفس، لاينفقون إلا رياء،ولايدركون من بواعث النفوس إلا مثل هذا الباعث الصغير الحقير. 24 ـ ومن الظواهر السلوكية للمنافقين، تدبير المؤامرات ضد المسلمين، أو المشاركة فيها، أو الاستجابة لمدبريها.والمثال على ذلك قصة مسجد ضرار المعروفة . يقول تعالى:{والذين اتخذوا مسجداً ضِراراً وكُفراً وتفريقاً بينَ المؤمنين وإرصاداً لمن حاربَ الله ورسولَهُ من قبلُ ولَيحلِفُنَّ إن أردنا إلا الحسنى والله يشهدُ إنهم لكاذبون}[التوبة 107]. يقول سيد قطب رحمه الله: “وقصة مسجد الضرار قصة بارزة في غزوة تبوك،لذلك أفرد المنافقون الذين قاموا بها من سائر المنافقين، وخصص لهم حديث مستقل بعد انتهاء الاستعراض العام لطوائف الناس في المجتمع المسلم حينذاك. هذا المسجد ـ مسجد الضرار ـ الذي اتخذ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مكيدة للإسلام والمسلمين، لايراد به إلا الإضرار بالمسلمين،وإلا الكفر بالله،وإلا ستر المتآمرين على الجماعة المسلمة،الكائدين لها في الظلام، وإلا التعاون مع أعداء هذا الدين على الكيد له تحت ستار الدين. هذا المسجد مايزال يتخذ في صور شتى تلائم ارتقاء الوسائل الخبيثة التي يتخذها أعداء هذا الدين.تتخذ في صورة نشاط ظاهره للإسلام وباطنه لسحق الإسلام، أو تشويهه وتمويهه وتمييعه!وتتخذ في صورة أوضاع ترفع لافتة الدين عليها لتترس وراءها وهي ترمي هذا الدين! وتتخذ في صورة تشكيلات وتنظيمات وكتب وبحوث تتحدث عن الإسلام لتخدر القلقين الذين يرون الإسلام يذبح ويمحق، فتخدرهم هذه التشكيلات وتلك الكتب إلى أن الإسلام بخير لاخوف عليه ولاقلق! … وتتخذ في صور شتى كثيرة.. ومن أجل مساجد الضرار الكثيرة هذه يتحتم كشفها وإنزال اللافتات الخادعة عنها، وبيان حقيقتها للناس وما تخفيه وراءها. 25 ـ كما أنهم يشاركون في كل مايؤدي إلى أذية الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام والطعن في أخلاقهم الكريمة وسجاياهم الحميدة. وهذا ينطبق على كل زمان وفي كل مكان بأذية اصحاب الخيرات من الناس وإلحاق الضرر والأذية بهم. يقول تعالى:{ومنهمُ الذين يُؤذونَ النبيَّ ويقولون هو أُذُنٌ قل أُذُنُ خيرٍ لكم يؤمنُ بالله ويؤمنُ للمؤمنينَ ورحمةٌ للذين آمنوا منكم والذينَ يؤذونَ رسولَ الله لهم عذابٌ أليم}[التوبة 61]. يقول سيد قطب رحمه الله : “إنه سوء الأدب في حق الرسول صلى الله عليه وسلم،يبدو في صورة أخرى غير صورة اللمز في الصدقات. إنهم يجدون من النبي صلى الله عليه وسلم أدباً رفيعاً في الاستماع إلى الناس بإقبال وسماحة، ويعاملهم بظاهرهم حسب أصول شريعته،ويهش لهم ويفسح لهم صدره. فيسمون هذا الأدب العظيم بغير اسمه،ويصفونه بغير حقيقته، ويقولون عن النبي صلى الله عليه وسلم”هو أذن” أي سماع لكل قول، يجوز عليه الكذب والخداع والبراعة،ولايفطن إلى غش القول وزوره. من حلف له صدقه، ومن دس عليه قولاً قبله. يقولون هذا بعضهم لبعض تطميناً لأنفسهم أن يكشف النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة أمرهم،أو يفطن إلى نفاقهم. أو يقولونه طعناً على النبي صلى الله عليه وسلم في تصديقه للمؤمنين الخلص الذين ينقلون له مايطلعون عليه من شؤون المنافقين وأعمالهم وأقوالهم عن الرسول وعن المسلمين” ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد 491): ” هذا ضرب آخر من دلائل نفاق المنافقين وآثاره وهو إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالطعن في أخلاقه العظيمة،وشمائله الكريمة، كإيذاء أولئك الذين لمزوه في بعض أفعاله العادلة،وهي قسمة الصدقات، وناهيك بكفر من يصغرون ماعظمه رب العالمين بقوله للرسول صلى الله عليه وسلم: {وإنّكَ لعلى حُلقٍ عظيم}. ويتابع رحمه الله:”وأما قولهم(أذن) فهو من تسمية الشخص باسم الجارحة للمبالغة في وصفه وظيفتها وهو كثرة السمع لما يقال وتصديقه كأنه كله أذن سامعة كقولهم للجاسوس عين،ويطلق على لازمه وهو عدم الدقة في التمييز بين مايسمع، وتصديق مايعقل ومالا يعقل، فيراد به الذمّ بالغرارة وسرعة الانخداع.وهو من أكبر عيوب الملوك والرؤساء لما يترتب عليه من قبول الغش بالكذب والنميمة، وتقريب المنافقين ،وإبعاد الناصحين.وقد لقنه الله تعالى الرد عليهم بقوله”قل أذنُ خير لكم” أي نعم هو أذن ولكنه نعم الأذن،لأنه اذن خير لا كما تزعمون، هو لايقبل مما يسمعه إلا الحق وما وافق الشرع، وما فيه الخير والمصلحة للخلق، وليس بأذن في غير ذلك كسماع الباطل والكذب والغيبة والنميمة والجدل والمراء، فهو لايلقي سمعه لشئ من ذلك، وإذا سمعه من غير أن يستمع إليه لايقبله،ولايصدق مالايجوز تصديقه شرعاً أو عقلاً،كما هو شأن من يوصفون بهذا الوصف من الملوك والزعماء فيستعين المتملقون وأصحاب الأهواء به على السعاية عندهم،لإبعاد الناصحين المخلصين عنهم ،وعملهم على إيذاء من يبغون إيذاءه. 26:ومن الصفات التي يتصف بها المنافقون سوء الظن بالله. يقول تعالى:{ويُعَذِّبَ المنافقينَ والمنافقاتِ والمُشركينَ والمُشركاتِ الظَّانينَ بالله ظَنَّ السَّوءِ عليهمْ دائرةُ السَّوءِ وغضِبَ اللهُ عليهم ولَعنهُمْ وأعدَّ لهُم جهنَّمَ وساءت مصيراً}[الفتح 6]. يقول سيد قطب رحمه الله: “وقد جعل الله صفة المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات هي ظن السوء بالله.فالقلب المؤمن حسن الظن بربه،ويتوقع منه الخير دائماً،ويتوقع منه الخير في السراء والضراء.ويؤمن بأن الله يريد به الخير في الحالين.وسر ذلك أن قلبه موصول بالله.وفيض الخير من الله لا ينقطع أبداً،فمتى اتصل القلب به لمس هذه الحقيقة الأصيلة،وأحسها إحساس مباشرة وتذوق . فأما المنافقون والمشركون فهم مقطوعو الصلة بالله.ومن ثم لا يحسون تلك الحقيقة ولا يجدونها،فيسوء ظنهم بالله،وتتعلق قلوبهم بظواهر الأمور،ويبنون عليها أحكامهم.ويتوقعون الشر والسوء لأنفسهم وللؤمنين،كلما كانت ظواهر الأمور توحي بهذا،على غير ثقة بقدر الله وقدرته وتدبير الخفي اللطيف”. 27 ـ الشخصية المنافقة الناكرة للحق إن لم يكن منها: قال تعالى:{وإذا دُعُوا إلى الله ورسولهِ ليَحكُمَ بينهُم إذا فريقٌ منهم معرضون* وإن يَكُن لهُمُ الحقُّ يأتوا إليه مُذعنين}[النور 48 ـ 49]. يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله( التصوير الفني في القرآن ص218): “ومن الناس من يعتز بالحق إذا كان من عمله، فإذا جاء بالحق غيره، انقلب عليه، وتنكر له”. ويقول رحمه الله في الظلال: “لقد كان هؤلاء الذين يدعون الإيمان يخالفون مدلوله حين يدعون ليتحاكموا إلى رسول الله صاى الله عليه وسلم على شريعة الله التي جاء بها. فلقد كانوا يعلمون أن حكم الله ورسوله لايحيد عن الحق،ولاينحرف مع الهوى،ولايتأثر بالمودة والشنآن.وهذا الفريق من الناس لايريد الحق ولايطيق العدل. ومن ثم كانوا يعرضون عن التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأبون أن يجيئوا إليه.فأما إذا كانوا أصحاب حق في قضية فهم يسارعون إلى تحكيم رسول الله صلى الله عليه وسلم، راضين خاضعين، لأنهم واثقون أنه سيقضي لهم بحقهم،وفق شريعة الله، التي لاتظلم ولاتبخس الحقوق. هذا الفريق الذي كان يدعي الإيمان،ثم يسلك هذا السلوك الملتوي،إنما هو نموذج المنافقين في كل زمان ومكان. المنافقين الذين لايجرؤون على الجهر بكلمة الكفر،فيتظاهرون بالإسلام، ولكنهم لايرضون أن تقضي بينهم شريعة الله، ولا أن يحكم فيهم قانونه،فإذا دعوا إلى حكم الله ورسوله أبوا وأعرضوا وانتحلوا المعاذير“وما أولئك بالمؤمنين” فما يستقيم الإيمان وإباء حكم الله ورسوله،إلا أن تكون لهم مصلحة في أن يتحاكموا إلى شريعة الله أو يحكموا قانونه! ومن ثم يعقب على فعلتهم هذه بأسئلة تثبت مرض قلوبهم، وتتعجب من ريبتهم، وتستنكر تصرفهم الغريب{أفي قُلوبِهم مرضٌ أم ارتابوا أم يخافونَ أن يحيفَ اللهُ عليهم ورسولُهُ بل أولئكَ همُ الظالمون} [النور 50]. والسؤال الأول للإثبات.فمرض القلب جدير بأن ينشئ مثل هذا الأثر. وما ينحرف الإنسان هذا الانحراف وهو سليم الفطرة. إنما هو المرض الذي تختل به فطرته عن استقامتها، فلاتتذوق حقيقة الإيمان، ولاتسير على نهجه القويم. والسؤال الثاني للتعجب. فهل هم يشكون في حكم الله وهم يزعمون الإيمان؟هل هم يشكون في مجيئه من عند الله؟أو هم يشكون في صلاحيته لإقامة العدل؟على كلتا الحالتين فهذا ليس طريق المؤمنين! والسؤال الثالث للاستنكار والتعجب من أمرهم الغريب فهل هم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله؟وإنه لعجيب أن يقوم مثل هذا الخوف في نفس إنسان.فالله خالق الجميع ورب الجميع.فكيف يحيف في حكمه على أحد من خلقه لحساب احد من خلقه؟ إن حكم الله هو الحكم الوحيد المبرأ من مظنة الحيف.لأن الله هو العدل الذي لايظلم أحداً. وكل خلقه أمامه سواء، فلايظلم أحداً منهم لمصلحة أحد. وكل حكم غير حكمه هو مظنة الحيف.فالبشر لايملكون أنفسهم وهم يشرعون ويحكمون أن يميلوا إلى مصالحهم.أفراداً كانوا أم طبقة أم دولة. من أجل ذلك كان الذين لايرتضون حكم الله ورسوله هم الظالمون،الذين لايريدون للعدالة أن تستقر، ولايحبون للحق أن يسود”. 28ـ الشخصية التي لاتفعل شيئاً وتحب أن تحمد بما لم تفعل: يقول تعالى:{ لاتحسبنَّ الذينَ يفرحونَ بما أتوا ويُحبّونَ أن يُحمدوا بما لم يفعلوا فلاتحسبّهم بمفازةٍ من العذابِ ولهم عذابٌ أليم} [آل عمران 188]. يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(المنار العدد288): “كان الكلام في أهل الكتاب لتحذير المسلمين من مثل فعلهم في سياق الحض على الاستمساك بعروة الحق وحفظه والدعوة إليه إذ اخذ على أولئك الميثاق فقصروا فيه وتركوا العمل بالكتاب وتبيينه للناس واشتروا به ثمناً قليلاً فاستحقوا العقاب من الله تعالى.بعد هذا بين في هذه الآية حالاً آخر من أحوال الغابرين ليحذر المؤمنين منه لأنهم عرضة له وهو أنهم كانوا يفرحون بما أتوا من التأويل والتحريف للكتاب وكانوا يحبون أن يحمدوا بأنهم حفاظ الكتاب ومفسروه وعلماؤه ومبينوه والمقيمون له وهم لم يفعلوا شيئاً من ذلك وإنما فعلوا نقيضه إذ حولوه عن الهداية إلى مايوافق أهواء الحكام وأهواء سائر الناس يطلبون حمدهم.بين الله هذه الحال في أسلوب عجيب بين فيه حكماً آخر وهو أن هؤلاء الفرحين المحبين للمحمدة الباطلة قد اشتبه أمرهم على الناس فهم يحسبون أنهم أولياء الله وأنصار دينه وعلماء كتابه وأنهم أبعد الناس عن عذابه وأقربهم من رضوانه فبين الله كذب هذا الحسبان ونهى عنه وسجل عليهم العذاب. ويتابع رحمه الله:”إن هذه الآية على عمومها مبينة لشئ من الثمن الذي استبدلوه بكتاب الله وكونه بئس الثمن وهو أمران: أحدهما:فرحهم بما أتوه من الأعمال فرح غرور وخيلاء وفخر على أنه منه نبذ كتاب الله بترك العمل به وعدم تبيينه على وجهه إما بتحريفه عن مواضعه ليوافق أهواء الحكام أو أهواء الناس وإما بالسكوت عنه والأخذ بكلام العلماء السابقين تقليداً بغير حجة إلا إدعاء أنهم كانوا أعلم بالكتاب وأنهم إن خالفوا بعض نصوصه فلابد أن يكون عندهم دليل أوجب عليهم ذلك. وثانيهما:حب المدح والثناء بالباطل فإنهم يتبعون أهواء الحكام والناس في الدين ويحبون أن يحمدوا بانهم يبينون الحق لوجه الله لا تأخذهم فيه لومة لائم فإن الحاكم أو غير الحاكم إذا احتاج إلى عمل يرضي به هواه وشهوته مما يحظره عليه الدين فلجأ إلى العالم فعلمه حيلة شرعية يسلم بها من نقد الناقدين وذم المتدينين فلا شك أنه يحمد العالم ويطريه بانه العالم التقي المحقق، لا مكافأة له فقط بل يرى من مصلحته أن يعتقد الناس العلم والصلاح في مفتيه ليأخذوا كلامه بالقبول . ويتابع رحمه الله:”وقد علمنا من الثقات ان الحكام كانوا يتواطئون مع كبار شيوخ العلم وشيوخ الطريق المحترمين عند العامة على تعظيم كل فريق منهم للآخر فرؤساء الحكام يظهرون للعامة احترام العلماء والاعتقاد بولاية كبار شيوخ أهل الطريق فيقبلون أيديهم عند اللقاء وربما أهدوا إليهم بعض الهدايا والمشايخ من العلماء وأهل الطريق يظهرون للعامة احترام أولئك الحكام ويشهدون بقوة دينهم وشدة غيرتهم على الإسلام والمسلمين ووجوب طاعتهم في السر والجهر ـ يقولون ـ وإن ظلموا وجاروا لأنهم مسلطون من الله عز وجل!!!فهكذا كان الظالمون المستبدون ومازالوا يستفيدون من الدين بمساعدة رجاله ليتمتعوا بلذة الرياسة ونعيمها فيفرحون بما أتوا من ضروب المكايد السياسية والاجتماعية،والتأويلات الدينية، التي ترفع قدرهم، وتخضع العامة لهم،ويحبون أن يحمدوا دائماً بأنهم أنصار الدين وحماته،ومبينوا الشرع ودعاته،وإن نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، وتوجهوا إلى كتب أمثالهم وأشباههم ، وكانت الأمة لاتزداد كل يوم إلا شقاء بهم،حتى سبقتها الأمم كلها بسوء سياستهم، ولو أنهم أقاموا الكتاب كما أمروا بالبيان له والعمل به وإلزام الحكام بهديه لما عمّ الفسق والفجور وصارت الشعوب الإسلامية دون سائر الشعوب حتى ذهبت سلطتها وتقلص ظلها عن أكثر الممالك التي كانت خاضعة لها،وهي تتوقع نزول الخطر بالباقي وهو أقلها. ويتابع رحمه الله:”إن الفرح بالعمل من شأن المغرورين وليس المراد به هنا ارتياح نفس العامل وانبساطها لما يأتيه من العمل الذي يرى أنه محمود، وإنما هو فرح البطر والغرور الذي يتبعه الخيلاء والفخر.مع مايتبع ذلك من الوعيد بالعذاب والعقاب”. يقول سيد قطب رحمه الله: “وهذه الآية تصور نموذجاً من الناس يوجد على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ويوجد في كل جماعة.نموذج الرجال الذين يعجزون عن احتمال تبعة الرأي، وتكاليف العقيدة، فيقعدون متخلفين عن الكفاح.فإن غُلب المكافحون وهزموا رفعوا رؤوسهم وشمخوا بأنوفهم، ونسبوا إلى أنفسهم التعقل والحصافة والأناة…أما إذا انتصر المكافحون وغنموا، فإن أصحابنا هؤلاء يتظاهرون بأنهم كانوا من مؤيدي خطتهم،وينتحلون لأنفسهم يداً في النصر، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا! إنه نموذج من نماذج البشرية يقتات الجبن والادعاء. نموذج يرسمه التعبير القرآني في لمسة أو لمستين. فإذا ملامحه واضحة للعيان، وسماته خالدة في الزمان… وتلك طريقة القرآن”. 7ـ نموذج ضعف الهمة وقصر العزيمة وخلق الأعذار: يقول تعالى:{لو كانَ عَرَضاً قريباً وسَفَراً قاصداً لأتّبعوكَ ولكن بَعُدَت عليهم الشُّقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يُهلكون أنفسَهُم والله يعلم إنهم لكاذبون} [التوبة 42]. يقول سيد قطب رحمه الله: “لو كان الأمر عرض قريب من أعراض هذه الأرض،وأمر سفر قصير الأمد مأمون العاقبة لأتبعوك!ولكنها الشقة البعيدة التي تتقاصر دونها الهمم الساقطة والعزائم الضعيفة.ولكنه الجهد الخطر الذي تجزع منه الارواح الهزيلة والقلوب المنخوبة.ولكنه الأفق العالي الذي تتخاذل دونه النفوس الصغيرة والبنية المهزولة. فكثيرون هم أولئك الذين يتهاوون في الطريق الصاعد إلى الآفاق الكريمة.كثيرون أولئك الذين يجهدون لطول الطريق فيتخلفون عن الركب ويميلون إلى عرض تافه أو مطلب رخيص.كثيرون تعرفهم البشرية في كل زمان وفي كل مكان، فما هي قلة عارضة، إنما هي النموذج المكرور.وإنهم ليعيشون على حاشية الحياة،وإن خيل إليهم أنهم بلغوا منافع ونالوا مطالب، واجتنبوا أداء الثمن الغالي،فالثمن القليل لايشتري سوى التافه الرخيص! “وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم“.فهو الكذب المصاحب للضعف أبداً.وما يكذب إلا الضعفاء. أجل مايكذب إلا ضعيف ولو بدا في صورة الأقوياء الجبارين في بعض الأحايين.فالقوي يواجه والضعيف يداور.وما تتخلف هذه القاعدة في موقف من المواقف ولا في يوم من الأيام. “يهلكون أنفسهم”بهذا الحلف وبهذا الكذب، الذي يخيل إليهم أنه سبيل النجاة عند الناس،والله يعلم الحق، ويكشفه للناس،فيهلك الكاذب في الدنيا بكذبه،ويهلك في الآخرة يوم لايجدي النكران”. 8 ـ الشخصية المتشبثة بالحياة وبأي ثمن: يقول تعالى:{ ولتجدنّهُم أحرصَ النَّاسِ على حياةٍ ومن الذينَ أشركوا يودُّ أحدُهُم لو يُعَمّرُ ألفَ سنةٍ وماهوَ بِمزَحزحهِ من العذابِ أن يُعَمّرَ والله بصيرٌ بما يعملون}[ البقرة 96]. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول اله صلى الله عليه وسلم:”يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان: حبُّ المال، وطول العمر“.[رواه البخاري]. وفي رواية:”يهرم ابن آدم وتشبُّ منه اثنتان: الحرص على المال، والحرص على العمر“[رواه مسلم]. يقول سيد قطب رحمه الله في الآية 96 من سورة البقرة: “خصلة يصورها القرآن تفيض بالزراية وتنضح بالتحقير والمهانة:”ولتجدنهم أحرص الناس على حياة”.. أية حياة، لايهم أن تكون حياة كريمة ولاحياة مميزة على الإطلاق! حياة فقط! حياة بهذا التنكير والتحقير!حياة ديدان أو حشرات! حياة والسلام! يود أحدهم لو يعمر ألف سنة. ذلك أنهم لايرجون لقاء الله،ولايحسون أن لهم حياة غير هذه الحياة.وما أقصر الحياة الدنيا وما أضيقها حين تحس النفس الإنسانية أنها لاتتصل بحياة سواها، ولاتطمع في غير أنفاس وساعات على الأرض معدودة…إن الإيمان بالحياة الآخرة نعمة. نعمة يفيضها الإيمان على القلب.نعمة يهبها الله للفرد الفاني العاني.المحدود الأجل الواسع الأمل وما يغلق أحد على نفسه هذا المنفذ إلى الخلود،إلا وحقيقة الحياة في روحه ناقصة أو مطموسة. فالإيمان بالآخرة فوق أنه إيمان بعدل الله المطلق، وجزائه الأوفى هو ذاته دلالة على فيض النفس بالحيوية، وعلى امتلاء بالحياة لايقف عند حدود الأرض، إنما يتجاوزها إلى البقاء الطليق، الذي لايعلم إلا الله مداه،وإلى المرتقى السامي الذي يتجه صعداً إلى جوار الله”. 9ـ الشخصية المقلدة المتحجرة المتشبثة بالقديم رغم مثالبه: يقول تعالى:{وإذا قيل لهم اتّبعوا ما أنزلَ الله قالوا بل نتَّبعُ ما ألفينا عليهِ آباءَنا أو لو كان آباؤُهُم لايعقلون شيئاً ولايهتدون} [البقرة 170]. يقول سيد قطب رحمه الله: “وسواء كان هؤلاء الذين تعنيهم الآية هم المشركون الذين تكرر منهم هذا القول كلما دعوا إلى الإسلام،وإلى تلقي شرائعهم وشعائرهم منه،وهجر ما ألفوه في الجاهلية مما لايقره الإسلام. أو كانوا هم اليهود الذين كانوا يصرون على ماعندهم من مأثور آبائهم ويرفضون الاستجابة للدين الجديد جملة وتفصيلاً..سواء كانوا هؤلاء أم هؤلاء فالآية تندد بتلقي شئ من أمور العقيدة من غير الله،وتندد بالتقليد في هذا الشأن والنقل بلا تعقل ولا إدراك:”أو لو كان آباؤهم لايعقلون شيئاً ولايهتدون“. أو لو كان الأمر كذلك،يصرون على اتباع ماوجدوا عليه آباؤهم؟ فأي جمود هذا وأي تقليد؟ ومن ثم يرسم لهم صورة زرية تليق بهذا التقليد وهذا الجمود، صورة البهيمة السارحة التي لاتفقه مايقال لها،بل إذا صاح بها راعيها سمعت مجرد صوت لاتفقه ماذا يعني! بل هم أضل من هذه البهيمة، فالبهيمة ترى وتسمع وتصيح، وهم صم بكم عمي: {ومثل الذين كفروا كمثل الذي يَنعِقُ بما لايَسمعُ إلا دُعاءً ونداءً صُمٌّ بُكمٌ عُميٌ فهم لايعقلون}[البقرة 171]. صم بكم عمي.ولو كانت لهم آذان وألسنة وعيون.ماداموا لاينتفعون بها ولايهتدون. فكأنها لاتؤدي وظيفتها التي خلقت لها، وكأنهم إذن لم توهب لهم آذان وألسنة وعيون. هذا منتهى الزراية بمن يعطل تفكيره، ويغلق منافذ المعرفة والهداية،ويتلقى في أمر العقيدة والشريعة من غير الجهة التي ينبغي أن يتلقى منها أمر العقيدة والشريعة”. يقول تعالى:{وإذا قيلَ لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا}[لقمان]. يقول سيد قطب رحمه الله:”فهذا هو سندهم الوحيد،وهذا هو دليلهم العجيب.التقليد الجامد المتحجر الذي لا يقوم على علم ولا يعتمد على تفكير.التقليد الذي يريد الإسلام أن يحررهم منه،وأن يطلق عقولهم لتتدبر،ويشيع فيها اليقظة والحركة والنور،فيأبوا هم الانطلاق من إسار الماضي المنحرف،ويتمسكوا بالأغلال والقيود. إن الإسلام حرية في الضمير،وحركة في الشعور،وتطلع إلى النور،ومنهج جديد للحياة طليق من إسار التقليد والجمود .ومع ذلك كان يأباه ذلك الفريق من الناس،ويدفعون عن أرواحهم هداه،ويجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير…ومن ثم يسخر منهم ويتهكم عليهم،ويشير من طرف خفي إلى عاقبة هذا الموقف المريب”. ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد524): “التقليد: المراد منه إتباع بعض الناس لمن يعظمه أو يثق به أو يحسن به الظن فيما لايعرف أحق هو أم باطل، وخير هو أو شر، ومصلحة أم مفسدة، وأصل التقليد في اللغة تحلية المرأة بالقلادة أو الرجل بالسيف أو الهدي بما يعرف به(وهو بالفتح مايهديه مريد النسك إلى الحرم ومن الأنعام) وتقليده أن يعلق عليه جلدة أو غيرها ليعرف إنه هدي فلا يتعرض له،ومنه تقليد الولايات والمناصب، يقال: قلده السيف أو العمل فتقلّده،وقولهم قلدّ فلان الإمام الشافعي مثلاً معناه جعل رأيه وظنه الاجتهادي في الدين قلادة له، والأصل أن يقال تقلد مذهب الشافعي. وعرف الفقهاء التقليد بأنه العمل بقول من لايعرف دليله،وقد نهى الأئمة المعروفون الناس عن تقليدهم في دينهم، وقالوا لايجوز لأحد ان يتبع أحداً إلا فيما عرف دليله وظهر له أنه حق، فالعالم مبين للحكم لاشارع له، والتقليد بهذا المعنى شأن الطفل مع والديه والتلميذ مع أستاذه، وهو لايليق بالراشد المستقل. ويتابع رحمه الله:”ولما كان الإسلام دين الرشد والاستقلال أنكر على العقلاء البالغين المكلفين جمود التقليد على ما كان عليه آباؤهم من أمر دينهم ودنياهم لا لأجل أن يقلدوا آخرين من أهل عصرهم ويسنوا لمن بعدهم تقليدهم، بل ليكونوا مستقلين في طلب الحقائق من أدلتها، وعلّله بقوله تعالى:{أولو كان آباؤهم لايعلمون شيئاً ولايهتدون}، وقد جاءت آيات كثيرة من سورة هود تنهي عن هذا التقليد ومنها قوله تعالى على لسان ثمود:{قالوا ياصالحُ قد كنتَ فينا مَرجواً قبلَ هذا أتنهانا أن نعبُدَ مايعبدُ آباؤنا وإننا لفي شكٍ ممّا تدعونا إليهِ مُريب}[هود 62]، وعن مدين{قالوا ياشعيبُ أصلاتُكَ تأمُرُكَ أن نتركَ ما كان يعبدُ آباؤُنَا أو أن نفعلَ في أموالنا مانشاء}[هود 87]”. ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(المنار العدد 212): يقول تعالى:{ومثلُ الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لايسمع إلا دعاءً ونداءً صُمٌ بُكمٌ عُميٌ فهم لايعقلون}[البقرة 171]. “ومعنى المثل هنا كما قال سيبويه أن قصة هؤلاء وشأنهم كشأن الناعق بالغنم. والكفر جحود الحق والإعراض عن النظر في الدليل عليه عند الدعوة إليه وفرق بينه وبين الضلال فإن الضال من أخطأ طريق الحق مع طلبه أو جهله فلم يعرفه بنفسه ولابدلالة غيره.وأما الكافر فهو يرى الحق ويعرض عنه ويصرف نفسه عن دلائله وآياته فلا ينظر إليها فهو كالحيوان يرضى بأن لايكون له فهم ولا علم بل يقوده غيره ويصرفه كيف شاء فهو مع من قلدهم من الرؤساء كالغنم مع الراعي تقبل بدعائه وتنزجر بندائه، مسخرة لإرادته وقضائه،ولاتفهم لماذا دعا ولماذا زجر فدعوتها للرعي وللذبح سواء.وكذلك شأن كل من يسلم باعتقاد بلا دليل، ويقبل تكليفاً بغير فقه ولا تعليل،والآية صريحة في أن التقليد بغير عقل ولاهداية هو شأن الكافرين وأن المرء لايكون مؤمناً إلا إذا عقل دينه وعرفه بنفسه حتى اقتنع به فمن ربي على التسليم بغير عقل والعمل ولو صالحاً بغير فقه فهو غير مؤمن لأنه ليس القصد من الإيمان أن يذلل الإنسان للخير كما يذلل الحيوان،بل القصد منه أن يرتقي عقله ونفسه بالعلم والعرفان، فيعمل الخير لأنه يفقه أنه الخير النافع المرضي لله ويترك الشر لأنه يفهم سوء عاقبته، ودرجة مضرته ،ويكون فوق هذا على بصيرة وعقل في اعتقاده،فلا يأخذ بالتسليم لأجل آبائه وأجداده،ولذلك وصف الله الكافرين بعد تقرير المثل بقوله”صم”لايسمعون الحق سماع تدبر وفهم”بكم“لاينطقون به عن اعتقاد وعلم”عمي” لاينظرون في آيات الله وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق”فهم لايعقلون” كما يطلب من الإنسان،وإنما ينقادون لغيرهم كما هو شأن الحيوان”. ويقول الأستاذ محمد لطفي الصباغ حفظه الله(كتاب الإنسان في القرآن الكريم ص215): “من صفات الكافرين التي ذكرها القرآن اتّباع الآباء والأجداد دونما وعي ودونما تفكير،فهم إذا دعوا إلى الحق قالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون…إنهم أغلقوا منافذ النور والحق عن أبصارهم وقلوبهم وأسماعهم وقرروا ألاّ يغيروا من واقعهم الذي ألفوه شيئاً…فهم ألفوا آباءهم على حال…وهم عليه باقون{إنّا وجدنا أباءنا على أُمّةٍ وإنّا على آثارهم مقتدون* قل أولو جئتكم بأهدى ممّا وجدتم عليه أباءكم قالوا إنّا بما أُرسلتم بهِ كافرون}[الزخرف 32 ـ 24]. ويقول الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله(مقال من وصايا القرآن ـ موقع القرضاوي): “يقول تعالى:{ولا تقف ما ليسَ لك به علم*إنَّ السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا}[الإسراء 36 ـ 37]. في الآية الأولى،يعمل القرآن على تربية العقلية اللمية في المسلم،فهناك نوعان من العقليات: 1 ـ عقلية خرافية،تصدق الأوهام،وتجري وراء الأباطيل ،وتسمع كل ما يقال لها،وتتبع كل ناعق. وهذه عقلية يرفضها الإسلام. 2 ـ والعقلية الأخرى وهي التي يريدها الإسلام العقلية التي تتبع الدليل وتخضع للمنطق في العقليات،وتمشي وراء الملاحظة والتجربة في الماديات وتستعمل الأدوات التي وهبها الله إياها:السمع والبصر والفؤاد…فهذه أدوات المعرفة كما قال تعالى:{والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون}[النحل 78]. فمن هنا يجب أن يستعمل الإنسان سمعه،فبه تنتقل المعلومات من الناس بعضهم إلى بعض بطريق الرواية. والبصر،به تكون الملاحظة والتجربة،وعليها قام صرح العلوم الكونية. والفؤاد ـ أي العقل ـ به يستعمل الإنسان المنطق،ويستنتج النتائج من المقدمات. وهذه الأدوات،هي النوافذ التي يطل منها الإنسان على امور هذه الحياة،والكون،والشرع،وعلى خلق الله تعالى،وعلى نهيه وأمره. فلا يجوز إذن أن يعطلها ويهملها،ويتبع الظنون والأوهام أو يتبع الإشاعات واأباطيل.ولهذا جاء في آيات كثيرة من القرآن مثل هذا التذييل والتعقيب:{أفلا تسمعون},{أفلا تبصرون}،{أفلا تعقلون}. وفرق ما بين المؤمنين المهتدين،وبين الكافرين الضالين،إن الآخرين عطلوا أدوات المعرفة والهداية التي منحوها،فلم تعد تقوم بوظيفتها{لهم قلوبٌ لا يفقهونَ بها ولهم أعينٌ لا يُبصرونَ بها ولهم آذانٌ لا يسمعونَ بها أولئكَ كاالأنعامِ بل هم أضلُّ أولئكَ هُمُ الغافلونَ}[الأعراف 179] لهذا حذرت الآية من إهمال هذه القوى،فقال تعالى مخاطباً الإنسان:{ولا تقف رما ليس لك به علم}. أي لا تتبع ما ليس لك به علم،فتجري وراء الظنون،أو وراء الأوهام والخرافات…استعمل سمعك وبصرك وفؤادك..فإن الله سائلك عن هذه الأدوات:{إن السمعَ والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنهُ مسئولا} ويمكن الرجوع إلى الموضوع بتفصيل أكبر في موضوع إحقاق الحق. 10ـ الشخصية المجادلة بالحق والباطل: يقول تعالى:{ها أنتم هَؤلاءِ حَاجَجتُم فيما لكم به علمٌ فِلم تُحاجُّونَ فيما ليسَ لكم به علمٌ واللهُ يعلمُ وأنتم لاتعلمون}[آل عمران 66]. يقول سيد قطب رحمه الله: “وقد جادلوا في أمر عيسى عليه السلام، كما يبدو أنهم جادلوا في بعض الأحكام التشريعية حين دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم،ثم تولوا وهم معرضون…وكان هذا وذاك في دائرة مايعلمون من الأمر، أما أن يجادلوا فيما هو سابق على وجودهم،ووجود كتبهم ودياناتهم…فهو الأمر الذي لاسند له ولو كان سنداً شكلياً..فهو الجدل إذن لذات الجدل. وهو المراء الذي لايسير على منهج، وهو الغرض إذن والهوى…ومن كان هذا حاله فهو غير جدير بالثقة فيما يقول. بل هو غير جدير بالاستماع أصلاً لما يقول! ويقول تعالى:{ومن النّاسِ من يُجادلُ في الله بغير علمٍ ولاهُدىً ولاكتابٍ منير* ثانيَ عِطفهِ ليُضلَّ عن سبيل الله لهُ في الدّنيا خِزيٌ ونُذيقُهُ يومَ القيامةِ عذابَ الحريق} [الحج 8 ـ 9]. يقول سيد قطب رجمه الله: “والجدال في الله بعد تلك الدلائل يبدو غريباً مستنكراً. فكيف إذا كان جدالاً بغير علم.لايستند إلى دليل،ولايقوم على معرفة،ولايستمد من كتاب ينير القلب والعقل،ويوضح الحق، ويهدي إلى اليقين. والتعبير يرسم صورة لهذا الصنف من الناس. صورة فيها الكبر المتعجرف:”ثاني عطفه” مائلاً مزوراً بجنبه.فهو لايستند إلى حق فيعوض عن هذا بالعجرفة والكبر.”ليضل عن سبيل الله” فلايكتفي بأن يضل، إنما يحمل غيره على الضلال. هذا الكبر الضال المضل لابد أن يقمع،ولابد أن يحطم:“له في الدنيا خزي” فالخزي هو المقابل للكبر. والله لايدع المتكبرين المتعجرفين الضالين المضلين حتى يحطم تلك الكبرياء الزائفة وينكسها ولو بعد حين. إنما يمهلهم أحياناً ليكون الخزي أعظم،والتحقير أوقع. أما عذاب الآخرة فهو أشد وأوجع:”ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق”. ويمكن الرجوع إلى الموضوع بشكل مفصل في “معالم في طريق الدعوة إلى الله ـ وجادلهم بالتي هي أحسن ـ “. 11:النفس البخيلة الشحيحة: وصف الله الإنسان بأنه قتور في أصل فطرته، وبأن الشح حاضر في داخل نفسه،وهو شحيح بخيل على الخير وأهل الخير. وهذا الوصف في نوع الإنسان هو الوصف الغالب على أفراده. يقول تعالى:{قل لو أنتُم تملكونَ خزائنَ رحمةِ رَبّي إذاً لأمسكتُم خشيةَ الإنفاقِ وكان الإنسانُ قتوراً}[الإسراء100]. يقول سيد قطب رحمه الله: “وهي صورة بالغة للشح،فإن رحمة الله وسعت كل شئ، ولايخشى نفادها ولانقصها.ولكن نفوسهم الشحيحة تمنع هذه الرحمة وتبخل بها لو أنهم كانوا هم خزنتها!. ويقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(خلق المسلم ص144): “إن الإنسان مجبول على حب المال والحرص على اقتنائه، يضرب في مناكب الأرض وللأثرة في نفسه إيحاء شديد، أكثر تفكيره في نفسه وأقله في الآخرين.لو أنه أوتي مافي الأرض جميعاً،بل لو أنه امتلك خزائن الرحمة العليا لما طوعت له نفسه أن ينفق منها بسعة،ولقامت له من طبيعته الضيقة علل شتى تضع في يديه الأغلال.وقد عد الإسلام هذا الشعور من النزعات الخسيسة التي يجب أن تخاصم بعنف،وأن تقاوم دسائسها بيقظة ونشاط.وبين أن الفوز بخيري الدنيا والآخرة لايحرزه إلا من نجح في قمع دوافع البخل في نفسه حتى عودها التكرم والسخاء:{فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيراً لانفسكم ومن يُوقَ شُحّ نفسه فأولئك همُ المفلحون} [التغابن16] ويقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله(أخلاقنا الاجتماعية ص16): “وإذاً فالبخل مرض يقتل صاحبه ويدل على غفلة عمياء أو أنانية سوداء،ومن الناس من يبخل على نفسه فيحرمها أن تأكل أطيب الطعام وتلبس أجود الثياب، استكثاراً لما ينفق عليها من طعام ولباس ومتعة،وما أشبههم بمن يغلق نافذته عن نور الشمس، ويحبس رئتيه عن عليل الهواء،ولقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من هؤلاء رث الثياب فقال له:”الك مال؟” قال: نعم. قال: “من أي المال هو؟” قال: من الذهب والفضة والإبل والغنم، فقال عليه الصلاة والسلام:”إذا فلتر أثر نعمة الله عليك فإن الله يحب أن يرى اثر نعمته على عبده“[رواه الترمذي والحاكم]. وسر ذلك البخل والشح لدى هؤلاء كما يقول الشيخ السباعي رحمه الله أمران اثنان: أولهما: ضعف ثقتهم بوعد الله ومثوبته لمن يبذل من ماله في الخير طائعاً مختاراً، وإطاعتهم وسوسة الشيطان حين خوفهم من الفقر إذا أنفقوا، والعسر إذا بذلوا، وفي ذلك يقول الله تبارك وتعالى:{الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم}[البقرة 68]. وثانيهما: موت الشعور الاجتماعي في نفوسهم، واستيلاء الأنانية القاتلة في طباعهم، فهم يظنون أنهم خلقوا ليعيشوا وحدهم، وأنهم جمعوا المال بجهودهم وحدهم،وأنهم لايطالبون إلا بأنفسهم وذويهم،وأنهم يستطيعون أن يكونوا سعداء ولو عاش الناس من حولهم في جهد وبلاء..ونسي هؤلاء قول الرسول صلى الله عليه وسلم:”ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به“[رواه البزار والطبراني]. ويقول الكاتب الكبير عباس محمود العقاد رحمه الله(المجموعة الكاملة المجلد24 ص151): “وإنما البخل عاهة تحجب الفكر وتفسد الطبع وتفرد المرء عن الفطرة العامة من بين بني جنسه بفطرة منكوسة عوجاء.وتذره خلقاً عجيباً كلُّ حظه من الحياة أن يحرم نفسه حظوظ الحياة.يستغرق الوسع في طلب الوسيلة ثم لا هو يقنع بالوسيلة ولا هو يطلب بها الغاية.وليس البخل عاهة واحدة بل هو جملة عاهات ممثلة في هذه العاهة.فهو مزيج من الجبن الدنئ الذي يصور للمرء الخطر المستحيل كأنه قضاء حتم لا مرد له،ومن الخسة التي يتساوى عند صاحبها الفخر والعيب.وتلحق عنده مراغة الهوان بمقام السؤدد، ومن البلادة التي تميت فيه كل أريحية فلا تهتز في نفسه أمنية أو عاطفة تقوى على كسر قيود شحه وجبنه،وقد ظهرت هذه الخلال للناس قبل أن يتمدينوا بآلاف السنين ومقتوها فمقتوا البخل متفرقاً قبل أن يمقتوه مجتمعاً”. ويقول الشيخ محمد محمد المدني(المجتمع الإسلامي في سورة النساء): يقول تعالى:{ الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله}. فالبخل خلق يمنع صاحبه من العطاء،ويجعله قابضاً على مامعه،ممسكاً به،حريصاً عليه،ومن شأنه أن يفسد خلق صاحبه،وأن يجعله قاصراً عن التطاول والسمو إلى أية منزلة فاضلة،فهو أناني أثر منكمش ليست له في العادة ميول الأجتماعي،وإنما هو نفور من الناس، حريص على أن يظل منطوياً على نفسه،مشغولاً بجمع ماله،يخشى أن يتردد عليه الناس،أو يتردد عليهم،فيفجعوه في شئ من ماله الذي هو شقيق روحهنوقصارى همته. هذا صنف من الناس تبتلى به المجتمعات فيكون عليها وبالاً،ويكون على نفسه وبالاً،وخلقه هذا هو مظهر من مظاهر المجتمعات المفككة التي غلبت عليها المادية والمصالح الشخصية، فترى كل فرد من أفرادها لاهم له إلا أن يجمع ما استطاع من المال والمنافع،وأن يحجز ما استطاع لديه فلا يبذله ولايجود به، وكلما كثر امثال هؤلاء في المجتمع، عجل إليه الفساد والانحلال،ثم أدركه الفناء والزوال،وليس الزوال والفناء دائماً حسيين بمعنى الأنقراض وضياع الأشخاص ولكن قد يكون الزوال والفناء معنويين،فكم من أمم تعيش، وكم من مجتمعات تتحرك وتنشط،ولكنها في الواقع ميتة،قد أدركها من الموت الادبي ما هو أشد من الموت الحسي،وفي بعض الأمثال: الدمار ولا العار. ثم هذا الصنف عادة،وهو البخلاء المانعون،لايكتفون بان يبخلوا هم انفسهم،حتى يأمروا الناس بالبخل،وذلك لأنهم لايحبون أن يتقرر مبدأ العطاء والجود، حتى لايعود ذلك عليهم بما يخافون وحتى لايكون هناك سبيل إلى مطالبتهم، فهم يريدون البخل مبدأ متقرراً في المجتمع كما هو مبدأ متقرر عندهمنولهذا نرى القرآن الكريم لايكتفي بذم البخلاء،بل يذم أيضاً الذين يأمرون الناس بالبخل، كما نراه لا يكتفي بان يطلب غلى الناس أن يكونوا معطين أجواداً، ولكن يأمرهم أيضاً بان يحضوا غيرهم على الإعطاء والجود. وتراهم مع هذا يكتمون ما آتاهم الله من فضله،ويتظاهرون بأنهم فقراء أو مدينون،أو مثقلون بتكاليف الحياة، ولهم دائماً موقف الشكوى والتبرم وإنكار النعمة”. وقال تعالى:{وأُحضرتِ الأنفُسُ الشُّح} [النساء128]. يقول سيد قطب رحمه الله: “اي أن الشح حاضر دائماً في الأنفس. وهو دائماً قائم فيها.الشح بأنواعه. الشح بالمال. والشح بالمشاعر”.ويقول في موضع آخر من الظلال: ” والنفس البشرية ضعيفة شحيحة، إلا من عصم الله، ولاتطهر من هذا الشح إلا أن تعمر بالإيمان،وترتفع على ضرورات الأرض، وتنطلق من قيود الحرص على النفع القريب، لأنها تؤمل في خلف أعظم،وتؤمل في رضوان من الله أكبر. والقلب المؤمن يطمئن بالإيمان،فلايخشى الفقر بسبب الإنفاق، لأنه يثق بأن ماعند الناس ينفد وماعند الله باق.وهذا الاطمئنان يدفع به إلى إنفاق المال في سبيل الله تطوعاً ورضى وتطهراً،وهو آمن مغبته.فحتى لو فقد المال وافتقر منه،فإن له عوضاً أعظم عند الله. فأما حين يفقر القلب من الإيمان الصحيح،فالشح الفطري يهيج في نفسه كلما دعي إلى نفقة أو صدقة، والخوف من الفقر يتراءى له فيقعد به عن البذل. ثم يبقى سجين شحه وخوفه بلا أمن ولاقرار”. يقول تعالى:{ومن يُوقَ شُحَّ نفسهِ فأولئكَ همُ المفلحون}[الحشر9،والتغابن16] يقول سيد قطب رحمه الله: “فهذا الشح. شح النفس. هو المعوق عن كل خير. لأن الخير بذل في صورة من الصور. بذل في المال. وبذل في العاطفة. وبذل في الجهد.وبذل في الحياة عند الاقتضاء. وما يمكن أن يصنع الخير شحيح بهم دائماً أن يأخذ ولايهم مرة أن يعطي.ومن يوق شح نفسه،فقد وقي هذا المعوق عن الخير، فانطلق إليه معطياً باذلاً كريماً. وهذا هو الفلاح في حقيقة معناه” وقد توعدّ الله هؤلاء بأشد العقاب.يقول تعالى:{وأما من بخل واستغنى*وكذّبَ بالحسنى*فسنيسرهُ للعسرى* ومايُغني عنهُ مالُهُ إذا تردّى}[الليل 8 ـ 11]. يقول سيد قطب رحمه الله: “والذي يبخل بنفسه وماله ويستغني عن ربه وهداه،ويكذب بدعوته ودينه..يبلغ أقصى مايبلغه إنسان بنفسه من تعريضها للفساد.ويستحق أن يعسر الله عليه كل شئ، فييسره للعسرى! ويوفقه إلى كل وعورة!ويحرمه كل تيسير!ويجعل في كل خطوة من خطاه مشقة وحرجاً،ينحرف به عن طريق الرشاد.ويصعد به في طريق الشقاوة. وإن حسب أنه سائر في طريق الفلاح.وإنما هو يعثر فيتقي العثار بعثرة أخرى تبعده عن طريق الله،وتنأى به عن رضاه.فإذا تردى وسقط في نهاية العثرات والانحرافات لم يغن عنه ماله الذي بخل به،والذي استغنى به كذلك عن الله وهداه”. ويقول تعالى:{ولايحسبنَّ الذينَ يبخلونَ بما آتاهمُ اللهُ من فضلهِ هو خيراً لهم بل هو شرٌ لهم سيطوقونَ مابخلوا بهِ يوم القيامة}[آل عمران180]. يقول سيد قطب رحمه الله: “إن مدلول الآية عام.فهو يشمل اليهود الذين بخلوا بالوفاء بتعهداتهم،كما يشمل غيرهم ممن يبخلون بما آتاهم الله من فضله،ويحسبون أن هذا البخل خير لهم، يحفظ لهم أموالهم،فلا تذهب بالإنفاق. والنص القرآني ينهاهم عن هذا الحسبان الكاذب،ويقرر أن ماكنزوه سيطوقونه يوم القيامة ناراً..وهو تهديد مفزع..والتعبير يزيد هذا البخل شناعة حين يذكر أنهم”يبخلون بما آتاهم الله من فضله“..فهم لايبخلون بمال أصيل لهم.فقد جاءوا إلى هذه الحياة لايملكون شيئاً..ولا جلودهم…! فآتاهم الله من فضله فأغناهم..حتى إذا طلب إليهم أن ينفقوا”من فضله“شيئاً لم يذكروا فضل الله عليهم. وبخلوا بالقليل،وحسبوا أن في كنزه خيراً لهم.وهو شر فظيع.وهم بعد هذا كله ذاهبون وتاركوه وراءهم.فالله هو الوارث:”ولله ميراث السماوات والأرض“..فهذا الكنز إلى أمد قصير. ثم يعود كله إلى الله.ولايبقى لهم منه إلا القدر الذي أنفقوه ابتغاء مرضاته، فيبقى مدخراً لهم عنده،بدلاً من أن يطوقهم إياه يوم القيامة!”. 12ـ النفس القلقة الهلعة: يقول تعالى:{إنَّ الإنسانَ خُلِقَ هلوعاً* إذا مسّهُ الشّرٌ جزوعا* وإذا مسّهُ الخيرُ منوعا}[المعارج19 ـ 21]. يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال: “وصورة الإنسان ـ عند خواء قلبه من الإيمان ـكما يرسمها القرآن صورة عجيبة في صدقها ودقتها وتعبيرها الكامل عن الملامح الأصيلة في هذا المخلوق،والتي لايعصمه منها ولايرفعه عنها إلا العنصر الإيماني،الذي يصله بمصدر يجد عنده الطمانينة التي تمسك به من الجزع عند ملاقاة الشر،ومن الشح عند امتلاك الخير. ويتابع رحمه الله:”لكأنما كل كلمة لمسة من ريشة مبدعة تضع خطاً في ملامح هذا الإنسان.حتى إذا اكتملت الآيات الثلاث القصار المعدودة الكلمات نظقت الصورة ونبضت الحياة.وانتفض من خلالها الإنسان بسماته وملامحه الثابتة. هلوعاً..جزوعاً عند مس الشر، يتألم للذعته،ويجزع لوقعه،ويحسب أنه دائم لاكاشف له.ويظن اللحظة الحاضرة سرمداً مضروباً عليه،ويحبس نفسه بأوهامه في قمقم من هذه اللحظة ومافيها من الشر الواقع به.فلايتصور أن هناك فرجاً، ولايتوقع من الله تغييراً. ومن ثم يأكله الجزع،ويمزقه الهلع.ذلك أنه لايأوي إلى ركن ركين يشد من عزمه، ويعلق به رجاءه وأمله..منوعاً للخيرإذا قدر عليه.يحسب أنه من كده وكسبه فيضن به على غيره، ويحتجزه لشخصه،ويصبح أسير ماملك منه،مستعبداً للحرص عليه!ذلك أنه لايدرك حقيقة الرزق ودوره هو فيه.ولايتطلع إلى خير منه عند ربه وهو منقطع عنه خاوي القلب من الشعور به..فهو هلوع في الحالتين…هلوع من الشر. هلوع على الخير…وهي صورة بائسة للإنسان،حين يخلو قلبه من الإيمان. ومن ثم يبدو الإيمان بالله مسألة ضخمة في حياة الإنسان. لاكلمة تقال باللسان، ولاشعائر تعبدية تقام.إنه حالة نفس ومنهج حياة،وتصور كامل للقيم والأحداث والأحوال.وحين يصبح القلب خاوياً من هذا المقوم فإنه يتأرجح ويهتز وتتناوبه الرياح كالريشة!ويبيت في قلق وخوف دائم، سواء أصابه الشر فجزع ،أم أصابه الخير فمنع.فأما حين يعمره الإيمان فهو منه في طمأنينة وعافية،لأنه متصل بمصدر الأحداث ومدبر الأحوال مطمئن إلى قدره شاعر برحمته ،مقدر لإبتلائه، متطلع دائماً إلى فرجه من الضيق،ويسره من العسر.متجه إليه بالخير، عالم أنه ينفق من رزقه،وأنه مجزي على ما أنفق في سبيله،معوض عنه في الدنيا والآخرة..فالإيمان كسب في الدنيا يتحقق قبل جزاء الآخرة، يتحقق بالراحة والطمأنينة والثبات والاستقرار طوال رحلة الحياة الدنيا”. يقول الاستاذ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني (كتاب الأخلاق الإسلامية ج1 ص358): “وصف الله الإنسان بأنه خلق هلوعا،وفسّر القرآن معنى الهلع الموجود في فطرة الإنسان،بأنه إذا مسّه الشر كان جزوعا، وإذا مسّه الخير كان منوعا، واستثنى من هذا الوصف من كان مؤمناً بالله وبما جاء من عنده على لسان رسله، عابداً لربه،ذا صلة مستمرة بمراقبته،مبتعداً عما حرّم،قائماً بما فرض عليه. ولدى تحليل طيوف النفس لمعرفة جذور الهلع في داخلها، نستطيع أن نلاحظ أن الإنسان مفطور على حبّ ذاته، وحبّ مايلذّ له ويمتعه. وحبّ الإنسان لذاته يتفرع عنه حبّ البقاء،وحبّ السلامة،وحبّ الاستمتاع بما يستلذه أو يجد فيه متعة نفسه،أو تلبية غريزته،أو قضاء حاجته أو شهوته، ويتفرع عنه أيضاً حبّ الأشياء التي تخدم شيئاً ممّا يحبّ. وحين يعلم الإنسان أن مايحبّ مهدّد بالمخاطر من حوله يصيبه الحذر الشديد والخوف،وحين يمسّه الضرّ في شئٍ من ذلك يراه شراً،ويتفجر فيه الألم بسبب ذلك، وحينئذ يصطرع في ذاته مايحبّ لنفسه وماهو نازل به ممّا يكره،ثم يكون التعبير عن هذا الصراع العنيف في داخل ذاته بالجزع وإعلان التضجّر مما هو فيه،ويظهر ذلك الاضطراب والقلق والصياح الدّال على حالة النفس،والبكاء المرير،وحركات الأعضاء دون عقل ولااتزان،كالضرب واللطم والتمزيق والتكسير ونحو ذلك. من هذا التحليل تبينّت لنا جذور الجزع، أما جذور كون الإنسان منوعاً، فترجع فيما يظهر إلى أن الإنسان حينما يمتلك الأشياء التي يرى أنها تخدم مايحبّ لنفسه فلابد أن يكون حريصاً عليها،ومع شدة الحرص يأتي الإمساك والمنع الشديد، وبذلك يكون الإنسان منوعاً. ولقد فصّل القرآن العناصر التي تقي الإنسان من الهلع تفصيلاً كاملاً،وفيما يلي بيان لهذه العناصر: العنصر الأول: حسن الصلة بالله والتزام مراقبته، وذلك بالمداومة على الصلاة المستوفية لشروطها الفكرية والقلبية والنفسية والروحية والجسدية، وهو مادلّ عليه قول الله تعالى في الاستثناء:{إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون}. العنصر الثاني:حسن تأدية الحقوق المالية لأربابها، وقيام الإنسان بما يجب عليه تجاه الفقراء والمساكين وذوي الحاجات من المسلمين،وذلك في قوله تعالى:{والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم}. العنصر الثالث:التصديق بيوم الدين وما أعد الله فيه من جزاء، والخوف من عذاب الله يوم القيامة جزاءً للإنسان على مايجني من سيئات في الحياة الدنيا، يقول تعالى:{والذين يصدقون بيوم الدين والذين هم من عذاب ربهم مشفقون إن عذاب ربهم غير مأمون}. العنصر الرابع: حفظ الفروج من المعاصي والمحرمات التي نهى الله عنها،{والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ماملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين* فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك همُ العادون}. العنصر الخامس:رعاية الأمانات والعهود والوفاء بها، والبعد عن كل خيانة في الأمانة أو نكثٍ في العهد،{والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون}. العنصر السادس: القيام بالشهادات على الوجه الذي أمربه الله من صدق وتأدية للشهادة على وجهها، وبعد عن كل كتمان مضيّع للحقوق،{والذين هم بشهاداتهم قائمون} فمن استجمع هذه العناصر استطاع أن يتخلص من الهلع الذي يبعده عن كماله الإنساني، ويبعده عما خلق لأجله. 13: الإنسان عجول: يقول تعالى:{ويدعُ الإنسانُ بالشّرِّ دُعاءَهُ بالخيرِ وكان الإنسانُ عجولاً}[الإسراء11]. يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله: “ذلك أنه لايعرف مصائر الأمور وعواقبها.ولقد يفعل الفعل وهو شر، ويعجل به على نفسه وهو لايدري.أو يدري ولكنه لايقدر على كبح جماحه وضبط زمامه..فأين هذا من القرآن الثابت الهادئ الهادي؟إلا إنهما طريقان مختلفان:شتان شتان. هدى القرآن وهوى الإنسان”. ويقول تعالى:{خُلِقَ الإنسانُ من عجلٍ سأُريكم آياتي فلا تستعجلون}[الأنبياء37]. يقول سيد قطب رحمه الله: “فالعجلة في طبعه وتكوينه.وهو يمد ببصره دائماً إلى ماوراء اللحظة الحاضرة يريد ليتناوله بيده،ويريد ليحقق كل مايخطر له بمجرد أن يخطر بباله،ويريد أن يستحضر كل مايوعد به ولو كان في ذلك ضرره وإيذاؤه. ذلك إلا أن يتصل بإلهه فيثبت ويطمئن ،ويكل الأمر لله فلايتعجل قضاءه. والإيمان ثقة وصبر واطمئنان”. ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(المنار العدد 509): يقول تعالى:{ ولو يُعَجِّلُ اللهُ للنّاسِ الشّرَّ استعجالَهم بالخيرِ لقُضيَ إليهم أجلهُم فنذرُ الذين لايرجونَ لقاءَنا في طغيانهم يعمهون} يقول رحمه الله: “هذه الآية في بيان شأن من شوون البشر وغرائزهم فيما يعرض لهم في حياتهم الدنيا من خير وشر، ونفع وضر، وشعورهم فيه بالحاجة إلى الله تعالى واللجوء إلى دعائه لأنفسهم وعليها،واستعجالهم الأمور قبل أوانها، وهو تعريض بالمشركين وحجة على ما يأتون من شرك، وما ينكرون من أمر البعث. تعجل الشئ تقديمه على أوانه المضروب أو المقدر له أو الموعود به، والاستعجال به طلب التعجيل،والعجل من غرائز الإنسان القابلة للتأديب والتثقيف كي لاتطغى به فتورده الموارد. ويقول الشيخ رحمه الله في قوله تعالى”ويدعو الإنسان بالشر..”وقوله تعالى”خلق الإنسان من عجل…”فأما استعجاله بالخير والحسنة فلشدة حرصه على منافعه وقلة صبره عنها،وأما استعجاله بالضر والسيئة فلا يكون لذاته بل لسبب عارض كالغضب والجهل والعناد والاستهزاء والتعجيز،وقلما يكون مقصوداً بنفسه إلا للنجاة مما هو شر منه، كما يفعل اليائسون من الحياة،أو النجاة من ذل وخزي أو ألم لايطاق إذ يتقحمون المهالك أو يبخعون أنفسهم انتحاراً. ويتابع رحمه الله: قال تعالى:”ولو يعجل الله للناس الشر” الذي يستعجلونه به كاستعجال مشركي مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعذاب الذي أنذرهم نزوله بهم إجمالاً بما قصّه عليهم من سنة الله تعالى في أقوام الرسل المعاندين وهو عذاب الأستئصال،وفيما دونه من عذاب الدنيا كخزيهم والتنكيل بهم ونصره عليهم ،أو قيام الساعة،وعذاب الآخرة، وقد حكى الله تعالى كل ذلك عنهم كقوله{ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات}،{ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة}…وغيرها من الآيات، وكل هذه الضروب من الاستعجال كانوا يقصدون بها تعجيز الرسول صلى الله عليه وسلم مبالغة في التكذيب ، واستهزاء بالوعيد. وقوله تعالى”استعجالهم بالخير” معناه كاستعجالهم بالخير الذي يطلبونه لذاته بدعاء الله تعالى أو بمحاولة الأسباب التي يظنون أنها قد تأتي به قبل أوانه”لقضي إليهم أجلهم“. ولكن الله تعالى أرحم بهم من أنفسهم، وقد بعث رسوله محمداً خاتم النبيين رحمة للعالمين، بالهداية الدائمة إلى يوم الدين.فهو لايقضي إليهم أجلهم بإهلاكهم واستئصالهم، لأن هذا العذاب إذا نزل يكون عاماً بل يذرهم وما هم فيه إلى نهاية آجالهم وذلك قوله “فنذر الذين لايرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون” الطغيان مجاوزة الحد في الشر من كفر وظلم وعدوان.والمعنى فنترك الذين لايرجون لقاءنا فيما هم فيه من طغيان في الكفر والتكذيب، يترددون فيه متحيرين لايهتدون سبيلاً للخروج منه،حتى يأتي أمر الله تعالى” . ويقول الأستاذ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني (كتاب الأخلاق الإسلامية ج1 ص389): “العجلة تقع في طرف يقابله بُعدٌ آخر يقع فيه الإهمال والتخلف، والخير هو في مكان وسط بين البُعدين، فالقسمة ثلاثية لاثنائية.وطلب أمرٍ ما أو القيام بعمل ما، إن كان بمسابقة الزمن الملائم له ـ والذي يكون فيه أكمل وأفضل ـ فتلك هي العجلة، وإن كان بالتأخر عن الزمن الملائم له فذلك هو الإهمال والتخلف، وإن كان بموافقة الزمن الملائم في المطالب والأعمال فتلك هي الحكمة المطلوبة{ومن يؤت الحكمة فقد أُوتي خيراً كثيراً}. فليست كل سرعة عجلة،إذ من الأمور مايتطلب السرعة،وإلا فات أوانها وليس كل بطءٍ أناةً محمودة،فلربّما كانت الحكمة المحمودة في السرعة، ولربما كان البطء تخلفاً مذموماً. لكن الإنسان مفطور على حبّ استعجال الأشياء قبل أوانها، فهو مخلوق عجول،يبادر الأشياء قبل مواقيتها،ويحب العاجلة وإن كانت قليلة حقيرة،ويفضلها على الآجلة وإن كانت كثيرة جليلة، فكأن هذا الإنسان مخلوق من مادة العجل{خلق الإنسان من عجل}. وليس أصل فطرة العجلة من النقائص في تكوين الإنسان الفطري، لأنها تمثل في الإنسان عنصراً مهماً من حوافز الجدّ والعمل،بيد أن الإنسان العاقل المجرب قويّ الإرادة يستطيع أن يملك عجلته الفطرية بقوّة إرادته وراجح عقله وحكمته. وحب الإنسان للعاجلة ـ وهي الدنيا ـ وتركه للآخرة، هو أيضاً ثمرة غير حسنة من ثمرات إتباع الهوى:{كلا بل تحبونَ العاجلة* وتذرونَ الآخرة}[القيامة 20 ـ 21]. وتظهر العجلة عند الإنسان في كل أمرٍ من أموره التي تندفع إليها نفسه برغبةٍ ملّحة،حتى في دعائه ربه.إنّ قصر نظره وعدم تبصره بعواقب الأمور يجعلانه يتصور بعض الأشياء خيراً له، فيدعو الله بها،ظاناً أنها خير،مع أنها في حقيقة حالها شرٌّ له،فهو يدعو على نفسه بالشرّ حينما يدعو دعائه ظاناً أنه يدعو لها بالخير،{ويدعُ الإنسانُ بالشرِّ دُعاءَهُ بالخيرِ وكانَ الإنسانُ عجولا}[الإسراء11]. من ظواهر العجلة عند الإنسان:بعض الناس تشتدّ رغبتهم النفسية في أن يكونوا من ذوي الثراء الواسع،وتلحّ في نفوسهم هذه الرغبة إلحاحاً شديداً،ينتج عنه اندفاع إراديّ عنيف،مصحوب باضطراب وقلق وطموح. وتقف في وجوههم سنن الكون ونظمه الثابتة، أو تقف في وجوههم شرائع الحق والعدل،فيحاولون اختراقها وتجاوزها برعونة وطيش،أو بظلم وعدوان،فيتعثرون ويجرون لأنفسهم مصائب كثيرة بأوهامهم. إن إلحاح الرغبة، والاندفاع وراء الهوى بعجلة رعناء،يعمي البصيرة، فيجعل الإنسان يسير في حياته على غير هدى، كالذي يسير في الظلمات في أرض وعرة مليئة بالعقبات والعثرات.وأمثلة أخرى كثيرة في نواحي متعددة من الحياة”. 14ـ النفس الأمارة بالسوء: إن النفس الإنسانية ثلاثة أنفس: ـ فإن غلب خيرها على شرها وصار ذلك ديدنها وخلقها وطبعها فهي النفس المطمئنة. ـ وإن غلب شرها على خيرها وانقادت لأهوائها وشهواتها وتخلت عن صفات الخير والمحاسبة فهي النفس الأمارة بالسوء. ،ـ وإن تأرجحت بين الحسنات والسيئات ولكنها سرعان ماترجع إلى محاسبة ذاتها والتكفير عن ذنوبها والاستغفار لما وقعت به من أعمال السوء واتباع الهوى،تحاسب صاحبها وتوبخه على فعل الذنوب من الصغائر والكبائر، فهي النفس اللوامة.أي أنها كثيرة اللوم،فهي تخاف الله وتخشى عقابه،وقد أثنى عليها الله في كتابه العزيز:{ولا أقسم بالنفس اللوامة}[القيامة]. فالنفس الأمارة بالسوء: إنها النفس التي يتغلب فيها العنصر الحيواني”الطيني” على العنصر الروحي “الملائكي” في صراعهما مع بعض وتكون هذه النفس منقادة لأهوائها وتتحكم فيها الشهوات والأطماع والملذات.وهي النفس الحريصة على دفع صاحبها لارتكاب المعاصي وأعمال السوء والفجور،وتزيين الشهوات له والإيقاع به في بحر المهلكات والفسوق. هي النفس التي تقود صاحبها إلى الشهوات الفائرة،والنزعات الجائرة.والتي تقوده لكل قبيح ومكروه،وتوسوس له فعل المنكرات وتزيين له حب الشهوات ،وارتكاب الآثام والذنوب والمعاصي بدون أن ترتدع لدين أو عرف أو أخلاق. ومتى خضعت النفس الأمارة بالسوء لشياطين الإنس والجن وأصبحت من أتباع إبليس وتحالفت مع الشيطان ،استولى الهوى والخبث والحقد على قلب صاحبها وأصبح قلعة ضد الخير ودواعي النهى فلم يعد يدخلها نور ولا يخرج منها الشر.يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحاب هذه القلوب السوداء التي ران عليها الران :”أسودُ مزبادا مُجحياً لا يعرف معروفاً ولا ينكرُ منكراً إلا ما أُشرب من هواه“[رواه مسلم] {وما أبرئ نفسي إنَّ النَّفسَ لأمَّارةٌ بالسُّوءِ إلاَّ من رَحمَ ربي إنَّ ربي غَفورٌ رحيم}[يوسف 53]. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله(الداء والدواء ص212): “وقد ركّب الله سبحانه في الإنسان نفسين:نفساً أمارة ونفساً مطمئنة وهما متعاديتان،فكل ماخف على هذه ثقل على هذه،وكل ماالتذّت به هذه تألمت به الأخرى،فليس على النفس الأمارة أشقّ من العمل لله وإيثار رضاه على هواها،وليس لها أنفع منه،وليس على النفس المطمئنة أشق من العمل لغير الله وما جاء به داعي الهوى. وليس عليها شئ أضر منه. والمَلك مع هذه عن يمنة القلب والشيطان مع تلك عن يسرة القلب، والحروب مستمرة لاتضع أوزارها إلا أن يستوفى أجلها من الدنيا،والباطل كله يتحيز مع الشيطان والأمارة،والحق كله يتحيز مع المَلك والمطمئنة،والحرب دول وسجال والنصر مع الصبر،ومن صبر وصابر ورابط واتقى الله فله العاقبة في الدنيا والآخرة”. ويقول ابن القيم أيضاً رحمه الله:”وقد أخبرسيحانه وتعالى أنها أمارة بالسوء ولم يقل آمرة بالسء لكثرة ذلك منها،وأنه عادتها ودأبها إلا إذا رحمها الله وجعلها زاكية تأمر صاحبها بالخير،فذلك من رحمة الله لا منها،فإنها بذاتها أمارة بالسوء لأنها خلقت في الأصل جاهلة ظالمة،إلا من رحمه الله،والعدل والعلم طارىء عليها بإلهام ربها وفاطرها لها ذلك.فإذا لم يلهمها رشدها بقيت على ظلمها وجهلها،فلم تكن أمارة إلا بموجب الجهل والظلم،فلولا فضل الله ورحمته على المؤمنين مازكت منهم نفس واحدة. ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله:”والحق سبحانه وتعالى ساعة ينزل منهجه يجعل في كل نفس خلية إيمانية.والخلية الإيمانية تستيقظ مرة فتلتزم،وتفغل مرة فتنحرف،ثم يأتي الاستيقاظ بعد الإنحراف،فيكون الانتباه وهكذا توجد النفس اللوامة،تلك النفس التي تهمس للإنسان عند الفعل الخاطىء:إن الله لم يأمر بذلك.ويعود الإنسان إلى منهج الله تائباً ومستغفراً،فإن لم توجد النفس اللوامة صارت النفس أمارة بالسوء،وهي الت تتجه دائماً إلى الإنحراف،وحول النفس الواحدة توجد نفوس متعددة تحاول أن تقاوم وتقوم المعوج،وهي نفوس من البيئة والمجتمع،فمرة يكون الاعتدال والاتجاه إلى الصواب بعد الخطأ قادماً من ذات الإنسان أي من النفس اللوامة،ومرة لا توجد النفس اللوامة،بل تجد النفس الأمارة بالسوء،لكن المجتمع الذي حول هذا الإنسان لا يخلو من أن يكون فيه خلية من الخير تهديه إلى الصواب،أما إذا كانت كل الخلايا في المجتمع قد أصبحت أمارة بالسوء فمن الذي يعدلها ويصوبها؟ ويقول الأستاذ الشيخ محمد لطفي الصباغ رحمه الله (تذكرة للدعاة ص190): “إن النفس أمارة بالسوء…فخذوا حذركم. وما أكثر الناس الذين تصرعهم نفوسهم وأهواؤهم،ذلك لأنهم يُتبعون أنفسهم أهواءها،فما ترى الأنفس شيئاً إلا جروا يعملون على تحقيقه.والمخذول حقاً هو من أتبع نفسه هواها..لأن ذلك يهلكه ويورده الموارد، وهو عاجز لأن إرادته وعقله وفكره كل ذلك قد تلاشى أمام النفس والهوى”. أما النماذج الطيبة فنذكر منها: 1 ـ {الذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل}[آل عمران 173]. 2 ـ {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لايستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا}.[البقرة 273]. 3 ـ { إنّما المؤمنونَ الذين إذا ذُكرَ الله وجِلت قلوبهُم وإذا تُليت عليه آياتُهُ زادتهُم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون}.[الأنفال 2]. 4 ـ {وعبادُ الرّحمنِ الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما}.[الفرقان 63]. 5 ـ {ويُطعمون الطعامَ على حبِّه مِسكيناً ويتيماً واسيراً *إنما نطعمكم لوجه الله لانريد منكم جزاءً ولاشكورا}[الإنسان 8 ـ 9]. 6 ـ{ وبشر الصابرينَ الذين إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون}.[البقرة 156]. 7 ـ {يحبون من هاجر إليهم ولايجدون في صدورهم حاجةً مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}.[الحشر 9]. 8 ـ {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس}.[آل عمران 134] وهناك صفات عديدة أخرى ومتنوعة يصعب حصرها والإلمام بها جميعاً ولكن يمكن التركيز هنا على صفتين هامتين:النفس اللوامة، والنفس المطمئنة. 1ـ النفس اللوامة: وهي النفس التي يكون ضميرها في حالة استيقاظ وتنبه،وبحيث تحاسب ضعفها عند ضعفه واتّباعه الأهواء والشهوات والملذات،وبحيث يشعر بالذنب ويتجه إلى الله تعالى تائباً مستغفراً. وإن لوم الإنسان نفسه وندمه على ما اقترف من أفعال وسيئات من العوامل الهامة في تصحيح سيرته وحياته وإصلاح ما أفسدته النفس الأمارة بالسوء في لحظة الضعف، والعودة بها إلى النفس اللوامة التي تحاول إصلاح الخطأ والعودة به أسرع مايمكن إلى النفس المطمئنة المستقرة.{وأما من خاف مقامَ ربّهِ ونهى النفسَ عن الهوى* فإنّ الجنّةَ هي المأوى}[النازعات 40 ـ 41]. جاء في تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(العدد 527): “وقد أخذ علماء النفس وصفاتها من آيات القرآن أن أنفس البشر على ثلاث درجات: أدناها الأمارة بالسوء،وأعلاها النفس المطمئنة بذكر الله الراضية منه المرضية عنده،وبينهما النفس اللوامة،وهي التي تلوم صاحبها على كل ذنب وتقصير في طاعة الله ومعرفته، ومن التقصير في طاعته التقصير في حقوق عباده الشرعية ولاسيما أولي القربى والجيران والمحتاجين إلى البر،وكذا الحقوق العامة للملة والأمة”. ويقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله(نور وهداية ـ النفس الأمارة بالسوء والنفس اللوّامة): “إذا كنت شاباً وعرضت لك في الطريق فتاة فتّانة من هؤلاء الكاسيات العاريات المائلات المميلات،وسمعت صوتاً من داخلك يقول لك:انظر إليها،ما أجملها! وصوتاً يقول لك:لا،دعها،فإن لك النظرة الأولى التي لا بدّ منها وعليك ما بعدها.وإذا عُرض عليك مال حرام تحسّ صوتاً يدعوك إلى أخذه ويحرك طمعك إليه،وصوتاً يمنعك منه ويذكّرك حكم الله فيه. فالصوت الأول الداعي إلى المعصية التي فيها اللذة العاجلة هو صوت النفس الأمّارة بالسوء،والصوت الثاني الصارف عنها الداعي إلى الخير،هو صوت الضمير،صوت العقل. وربما اشتد الأول وعلا حتى ملأت أصداؤه كيانك كله ووجدته في كل شعبة من عصبك وفي كل قطرة من دمك،وخرج الثاني ضعيفاً خافتاً،وذلك إذا اشتدت الشهوة وتهيأت دواعي إشباعها بالزنا،أو إذا تمكن الغضب وأمكن التنفيس عنه بالبطش.واتّباع صوت الحق هنا أصعب،لا سيما للشاب الذي يعيش في بلاد الإفرنج حيث يسهل الزنا وتتيسر دواعيه وحيث يكثر الجمال المعروض والمتع المبذولة،ولذلك جعل الله ثواب من ينصرف عن المتعة المحرّمة بعد التمكن منها أعظم.وقد ورد أن من يتمكن من الزنا بامرأة وتتهيأ له أسبابه كلها،ثم ينصرف عنه خوفاً من الله،يكون يوم القيامة أحدَ السبعة الأصناف الذين يظلّهم الله بظل عرش الرحمن يومَ لا ظلّ إلا ظله. والله عز وجل وضع أمامنا طريقين:طريقاً ينتهي إلى الجنة وإلى النعيم الدائم،وطريقاً إلى جهنم وإلى العذاب الدائم,وأعطانا قوة نميز بها هذا من ذاك،قال تعالى:{وهديناه النجدين}[البلد 10]. ويتابع رحمه الله:”فالشيطان يوسوس لهذه النفس،وهي حليفته وناصرته،فتحاول أن تدفع بصاحبها إلى السير في طريق النار،ويقف الضمير يحذّر من اتّباعها وينبه إلى غشها ومكرها.فإذا ذكر العبد ربّه وتعوّذ به من الشيطان خنس الشيطان وهدأت النفس،وإن أعرض عن صوت الضمير واتّبع النفس وُضعت على قلبه نقطة سوداء،فإن عاد فتاب مُحيت،فإن عمل ذنباً آخر وُضعت نقطة أخرى،فإن تكررت الذنوب زادت النقط السوداء حتى يصير قلبه كله أسود،فلا تنفع معه حينئذ موعظة ولا يفيد نصح،ويصير من الذين قال الله عنهم:{كلا بل رانَ على قلوبهم ما كانوا يكسبون}[المطففين 14]. هذا هو الرّان أو الرّين،وهذه حال شبان هذه الايام من غير المتدينين الناشئين في طاعة الله،لا يسمعون موعظة ولا يرجون رحمة ربهم ولا يخافون عذابه.هذه هي النفس الأمّارة بالسوء. فإذا كان الإنسان في جهاد مع نفسه،تغلِبُ نفسه ضميره ثم تندم على ما وقع منها وتحاول أن تسلك سبيل الهدى،فتنجح مرة وتخيب مرة،فهي تكرر الذنب ولكنها لا تنسى الله ولا تترك التوبة،فهذه هي النفس التي سماها الله “النفس اللوّامة”. فإذا تغلبت على وسواس الشيطان ونقضت الحلف بينها وبينه وصارت متّبعة لصوت الضمير ماشية مع الشرع،كلما عرض لها الشيطان يزيّن لها المعصية استعاذت منه بالله واحتمت به،صارت نفساً مطمئنة وقيل لها:{يا أيتها النفسُ المُطمئنة* ارجعي إلى ربِّكِ راضيةً مرضيّةً* فادخلي في عبادي* وادخلي جنّتي}]الفجر 27 ـ 30]. فالنفس إن تركتها كانت سفيرة إبليس لديك وعونه عليك،وإن ألزمتها الموعظة الدائمة والندم على كل ذنب صارت نفساً لوّامة،وإن استمر ذلك منها حتى صار لها عادة لها،ابتعد الشيطان عنها فصارت نفساً مطمئنة. {ونفسٍ وما سوَّاها *فألهمها فجورَها وتقواها* قد أفلح من زكَّاها *وقد خابَ من دسَّاها}[الشمس 7 ـ 10]. يقول تعالى:{ولا أقسم بالنفس اللوامة}[القيامة2] يقول سيد قطب رحمه الله:”فأما النفس اللوامة ففي التفسيرات المأثورة أقوال متنوعة عنها.ونحن نختار قول الحسن البصري رحمه الله:”إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه ما أردت بكلمتي؟ما أردت بحديث نفسي؟وإن الفاجر يمضي قدماً ما يعاتب نفسه. فهذه النفس اللوامة المتيقظة التقية الخائفة المتوجسة التي تحاسب نفسها،وتتلفت حولها،وتتبين حقيقة هواها،وتحذر خداع ذاتها ،هي النفس الكريمة على الله،حتى ليذكرها مع القيامة.ثم هي الصورة المقابلة للنفس الفاجرة…نفس الإنسان الذي يريد أن يفجر ويمضي قدماً مع الفجور،والذي يكذب ويتولى ويذهب إلى أهله يتمطى دون حساب لنفسه ودون تلوم ولا تحرج ولا مبالاة”. ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله: “والذي يخاف مقام ربه لايقدم على معصية،فإذا أقدم عليها بحكم ضعفه البشري قاده خوف هذا المقام الجليل إلى الندم والاستغفار والتوبة.فظل في دائرة الطاعة.ونهي النفس عن الهوى هو نقطة الارتكاز في دائرة الطاعة.فالهوى هو الدافع القوي لكل طغيان،وكل تجاوز،وكل معصية.وهو أساس البلوى، وينبوع الشر، وقل أن يؤتى الإنسان إلا من قبل الهوى.فالجهل سهل علاجه. ولكن الهوى بعد العلم هو آفة النفس التي تحتاج إلى جهاد شاق طويل الأمد لعلاجها. والخوف من الله هو الحاجز الصلب أمام دفعات الهوى العنيفة.وقل أن يثبت غير هذا الحاجز أمام دفعات الهوى.ومن ثم يجمع بينهما السياق القرآني في آية واحدة.فالذي يتحدث هنا هو خالق هذه النفس العليم بدائها،الخبير بدوائها وهو وحده الذي يعلم دروبها ومنحنياتها،ويعلم أين تكمن أهواؤها وأدواؤها، وكيف تطارد في مكامنها ومخابئها! ولم يكلف الله الإنسان ألا يشتجر في نفسه الهوى. فهو سبحانه يعلم أن هذا خارج عن طاقته. ولكنه كلفه أن ينهاها ويكبحها ويمسك بزمامها.وأن يستعين في هذا بالخوف. الخوف من مقام ربه الجليل العظيم المهيب.وكتب له بهذا الجهاد الشاق،الجنة مثابة ومأوى:”فإن الجنة هي المأوى“..ذلك أن الله يعلم ضخامة هذا الجهاد،وقيمته كذلك في تهذيب النفس البشرية وتقويمها ورفعها إلى المقام الأسنى. إن الإنسان إنسان بهذا النهي،وبهذا الجهاد، وبهذا الارتفاع.وليس إنساناً بترك نفسه لهواها،وإطاعة جواذبه إلى دركها،بحجة أن هذا مركب في طبيعته.فالذي أودع نفسه الاستعداد لجيشان الهوى، هو الذي أودعها الاستعداد للإمساك بزمامه، ونهي النفس عنه، ورفعها عن جاذبيته، وجعل له الجنة جزاء ومأوى حين ينتصر ويرتفع ويرقى. وهنالك حرية إنسانية تليق بتكريم الله للإنسان.تلك هي حرية الانتصار على هوى النفس والانطلاق من أسر الشهوة، والتصرف بها في توازن تثبت معه حرية الاختيار والتقدير الإنساني.وهنالك حرية حيوانية، هي هزيمة الإنسان أمام هواه،وعبوديته لشهوته،وانفلات الزمام من إرادته.وهي حرية لايهتف بها إلا مخلوق مهزوم الإنسانية مستعبد يلبس عبوديته رداء زائفاً من الحرية! إن الأول هو الذي ارتفع وارتقى وتهيأ للحياة الرفيعة الطليقة في جنة المأوى. أما الآخر فهو الذي ارتكس وانتكس وتهيأ للحياة في درك الجحيم حيث تهدر إنسانيته، ويرتد شيئاً توقد به النار التي وقودها الناس ـ من هذا الصنف ـ والحجارة! وهذه وتلك هي المصير الطبيعي للارتكاس والارتقاء في ميزان هذا الدين الذي يزن حقيقة الأشياء”. يقول الأستاذ العلامة محمد الغزالي رحمه الله(عقيدة المسلم ص148): “ماذكرناه من تلازم الإيمان والعمل،لايعني أن الإيمان يقتضي العصمة فإن المؤمن قد يخطئ.ومايقع فيه المؤمن من خطأ أو خطيئة،لايسلخه من الدين. عندما يكون المرء وثيق الإيمان،كثير الطاعات،طويل المراقبة لله،فإن أخطاءه تقل لامحالة.وما قد ينزلق إليه من سيئات،يعتبر غريباً على حياته غرابة الشذوذ بالنسبة إلى القاعدة.وطبيعة الخطأ من رجل هذه حاله، تجعل لسيئته صفقة خاصة.فهو لايقصدها ولايستريح إليها، ولايستقر عليها. قد تزل قدم المؤمن وهو سائر في طريقه إلى الله،فَيَلمّ بعمل لاينبغي منه،ثم لايكاد يتورط فيه حتى ينزع عنه،وهو بادي الألم،عميق الحسرة.ولما كانت خليقة الإنسان مزدوجة. يلتقي فيها عنصران: أحدهما من السماء،والآخر من الأرض.فإن آثار هذا الاختلاط تبدو في سلوك الإنسان.وليس يستغرب على طبيعته أن تخلد إلى الأرض لحظة ما.ومن ثم جعل الله سبحانه وتعالى دائرة عفوه تتسع لهذه السقطات:{الذين يجتنبونَ كبائرَ الإثم والفواحشِ إلاّ الّلممَ إنّ ربّكَ واسع المغفرة}[النجم32]. وعلل هذا العفو الكريم بقوله:{هوَ أعلمُ بِكُم إذ أنشأكم من الأرض} [النجم32] . على أن هذه المزالق تعتري الإنسان وهو في طريقه إلى ربه،يؤدي واجبه، ويقيم حقوقه، ويتحرى رضوانه.وما يصاحب هذا اللمم من ألم، ومايسبقه من غفلة،ومايعقبه من دهشة وغصّة، ذلك كله يكشف سواده ويخفف عواقبه”. يقول الأستاذ محمد لطفي الصباغ (الإنسان في القرآن الكريم ص274): “النفس اللوامة هي النفس التي تلوم صاحبها على ترك الطاعات أو فعل المعاصي أو ترك المسارعة إلى فعل الخير وعمل البر.وكلمة”اللوامة” صيغة مبالغة، أي كثيرة اللوم،وقد أقسم الله بها تنويهاً بشأنها: { لا أقسم بيوم القيامة* ولا أقسم بالنفس اللوّامة}[القيامة 1 ـ 2]. إن الإنسان معرض للوقوع في الأغلاط والمخالفات. ومعرض للتقصير في القيام ببعض الطاعات. ومعرض للتسويف والبطء والتكاسل في القيام بفعل الخير.فإذا كان شئ من ذلك ذكر الإنسان المسلم هذا فلام نفسه وندم، وهذه الخطوة الأولى في تلافي التقصير، لأن في ذلك اللوم اعترافاً بالخطأ،وهذا يقود إلى موقف إيجابي.فإن كان الداعي إلى اللوم وقوعاً في معصية كفّ عن المعصية وأقلع عنها، واستغفر وتاب إلى ربه وأناب.وربما لم يكن الغلط معصية، بل قد يكون اجتهاداً في أمر لم يوفق المرء فيه إلى الصواب.وإن كان سبب اللوم تركاً لواجب،سارع إلى القيام بهذا الواجب مستغفراً تائباً.وإن كان تكاسلاً وتباطؤاً أقبل على العمل الصالح بهمة لاتعرف الكلل. إن النفس اللوامة هي الخطوة المتقدمة في النقد الذاتي ومحاولة تقويم الغلط في التصرف والمنهج”.انتهى كلام د . الصباغ. ولعلّ أول ندم شعر به الإنسان هو ماحدث لآدم وحواء عندما عصيا رب العالمين وأكلا من الشجرة التي نهاهما عن الاقتراب منها،وظهرت سوءاتهما،فشعرا بالندم بعد اللوم والتقريع من نفسيهما، وتوجها إلى الله بالتوبة والمغفرة، قول تعالى:{قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين}[الأعراف 23]. يقول الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله: “ومن الناس من إذا ضل وغوى،أو زل وهوى ذكر الله فأفاق وتنبهت عوامل الخير في نفسه فأناب، وأسرع بالتوبة يصل إليها ما أمر الله به أن يوصل ويغسل بها أدران الذنوب والآثام، ولقد علم الله من الإنسان ضعفه،فيّسر عليه السبيل وفتح له باب الإنابة على مصراعيه:{قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له}[الزمر 53 ـ 54].ويقول تعالى:{والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على مافعلوا وهم يعلمون} [ آل عمران 134 ـ 136 ]، ويقول تعالى:{ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون}[الأعراف 201]. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:”كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها“[رواه مسلم وأحمد والترمذي عن أبو مالك الاشعري رضي الله عنه]. ومهما عصى المسلم فهو بين توبة سريعة تطهره أو توبة مضمرة يستنيم إليها، ويرتبط بالإسلام على أساسها كما يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(عقيدة المسلم ص151). ويقول الاستاذ ناجي الطنطاوي (كلمات نافعة ص435): “قسم الإمام ابن القيم رحمه الله النفوس إلى ثلاثة أقسامٍ: مطمئنة ولوامةٌ وأمارةٌ. فالنفس المطمئنة ورد ذكرها في قوله تعالى في سورة الفجر:{يا أيتها النفس المطمئنة* ارجعي إلى ربكِ راضيةً مَرْضيَّة}[ الفجر 27 ـ 28]. والنفس اللوامة ورد ذكرها في سورة القيامة:{لا أُقسم بيوم القيامة *ولاأُقسم بالنفس اللوامة}[القيامة 1 ـ 2]. والنفس الأمارة في سورة يوسف:{وما أُبرئُ نفسي إنّ النفسَ لأمارةٌ بالسوء إلا من رحم ربي}[يوسف53]. وهذا التقسيم الذي أشار إليه الإمام ابن القيم رحمه الله يشير إلى أن النفس إذا تركت على هواها حرةً طليقة من غير زمام ولاقيدٍ بقيت على طبيعتها تأمر بالسوء وترغب صاحبها بالشهوات والملذات وتسوقه إلى ارتكاب ماحرم الله من المنكرات،مثل الدابة التي أطلقت من غير زمام يكبح جماحها فإنها تنطلق في الأرض وتؤذي الناس وتفسد كل مايعترض طريقها. أما المؤمن فإنه دائماً يلوم نفسه ويعاتبها على الشر الذي فعلته، وعلى الخير الذي لم تفعله،قال الحسن:إن النفس اللوامة هي نفس المؤمن لاتلقاه إلا وهو يحاسب نفسه: ماذا أردت بكلامي الذي تكلمت به؟ماذا أردت بأكلي؟. وقال مالك بن دينار: رحم الله عبداً قال لنفسه ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ثم زمها ثم خطمها ثم ألزمها كتاب الله عز وجلّ فكان لها قائداً. والنفس المطمئنة هي المؤمنة الموقنة بثواب الله الراضية بقضاء الله،المخلصة في عبادة الله المستأنسة بذكر الله المطيعة لأوامره والمجتنبة لنواهيه،الموقنة أن ما أخطأها لم يكن ليصيبها وأن ما أصابها لم يكن ليخطئها.والاطمئنان هو السكون والاستقرار فكأن النفس سكنت إلى طاعة ربها واستقرت في الأعمال التي تبلغها رضى خالقها”. 2ـ النفس المطمئنة: إنها النفس المخلصة لله تعالى التي تحتكم بأحكامه وتؤدي الفرائض الواجبة عليها وتنتهي عما حرّم الله وتجتنب معاصيه،ترجو رحمته،وتخشى عذابه،هي بين الرجاء والخشية، بحيث لايطغى أحدهما على الآخر. {يا أيَّتُها النَّفسُ المُطمئنَّة *ارجعي إلى ربكِ راضيةً مرّضية* فادخلي في عبادي* وادخلي جنّتي} [الفجر ـ 3027]. يقول سيد قطب رحمه الله: “هكذا في عطف وقرب:”يا أيتها” وفي روحانية وتكريم:”يا أيتها النفس”.. وفي ثناء وتطمين:”يا أيتها النفس المطمئنة“..وفي وسط الشد والوثاق، الانطلاق والرخاء:”ارجعي إلى ربك” ارجعي إلى مصدرك بعد غربة الأرض وفرقة المهد.ارجعي إلى ربك بما بينك وبينه من صلة ومعرفة ونسبة…”راضية مرضية” بهذه النداوة التي تفيض على الجو كله بالتعاطف وبالرضى…”فادخلي في عبادي“..المقربين المختارين لينالوا هذه القربى… “وادخلي جنتي“..في كنفي ورحمتي.. إنها عطفة تنسم فيها أرواح الجنة. منذ النداء الأول:”يا أيتها النفس المطمئنة”…المطمئنة إلى ربها. المطمئنة إلى طريقها. المطمئنة إلى قدر الله بها.المطمئنة في السراء والضراء، وفي البسط والقبض،وفي المنع والعطاء.المطمئنة فلا ترتاب. المطمئنة فلا تنحرف.والمطمئنة فلا تتلجلج في الطريق.والمطمئنة فلا ترتاع في يوم الهول الرعيب.. ثم تمضي الآيات تباعاً تغمر الجو كله بالأمن والرضى والطمأنينة،والموسيقى الرخية الندية حول المشهد ترف بالود والقربى والسكينة. ألا إنها الجنة بأنفاسها الرضية الندية، تطل من خلال هذه الآيات. وتتجلى عليها طلعة الرحمن الجليلى البهية”. وقال تعالى:{هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم}[الفتح4]. يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله: “والسكينة لفظ معبر مصور ذو ظلال،والسكينةحين ينزلها الله في قلب،تكون طمـأنينة وراحة،ويقيناً وثقة،ووقاراً وثباتاً،واستسلاماً ورضى. وقال تعالى:{لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم مافي قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً}[الفتح18]. يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله: “وإنني لأحاول اليوم من وراء ألف وأربعمائة عام أن أستشرف تلك اللحظة القدسية التي شهد فيها الوجود كله ذلك التبليغ العلوي الكريم من الله العلي العظيم إلى رسوله الأمين عن جماعة المؤمنين.أحاول أن أستشرف صفحة الوجود في تلك اللحظة وضميره المكنون،وهو يتجاوب جميعه بالقول الإلهي الكريم،عن أولئك الرجال القائمين إذ ذاك في بقعة معينة من هذا الوجود..وأحاول أن أستشعر بالذات شيئاً من حال أولئك السعداء الذين يسمعون بآذانهم، أنهم هم، بأشخاصهم وأعيانهم،يقول الله عنهم: لقد رضي الله عنهم. يالله! كيف تلقوا ـ أولئك السعداء ـ تلك اللحظة القدسية وذلك التبليغ الإلهي؟التبليغ الذي يشير إلى كل أحد،في ذات نفسه، ويقول له: أنت. أنت بذاتك. يبايعك الله. لقد رضي عنك. وأنت تبايع.تحت الشجرة! وعلم مافي نفسك. فأنزل السكينة عليك! إن الواحد منا ليقرأ أو يسمع:“الله ولي الذين آمنوا“..فيسعد. يقول في نفسه: ألست أطمع أن أكون داخلاً في هذا العموم؟ويقرأ أو يسمع:”إن الله مع الصابرين“.. فيطمئن. يقول في نفسه: ألست أرجو أن أكون من هؤلاء الصابرين؟وأولئك الرجال يسمعون ويبلغون. واحداً واحداً.أن الله يقصده بعينه وبذاته.ويبلغه: لقد رضي عنه! وعلم مافي نفسه. ورضي عما في نفسه! “فأنزل السكينة عليهم“..بهذا التعبير الذي يرسم السكينة نازلة في هينة وهدوء ووقارنتضفي على تلك القلوب الحارة المتحمسة المتأهبة المنفعلة، برداً وسلاماً وطمأنينة وارتياحاً”. ويقول الأستاذ محمد لطفي الصباغ في (الإنسان في القرآن الكريم ص)278: “يقول تعالى:{ يا أيتها النفسُ المطمئنة * ارجعي إلى ربِّكِ راضيةً مرّضيّة* فادخلي في عبادي* وادخلي جنّتي}[الفجر 27 ـ 30]. النفس المطمئنة تُنادى بهذا النداء العذب الذي يفيض عناية ورحمة..تُنادى لتتقلب في النعيم وتسبح في بحور نعم الله الجليلة الكثيرة..هذه النفس لم تكن مطمئنة إلا بعوامل كانت في هذا الدين القيم…وفي المجتمع الذي يقوم على أحكام هذا الدين. ويتابع:”هذه الموعظة القرآنية الفذّة تلامس شغاف القلب وتهزّ أعماق النفس الإنسانية، وذلك بما تعرض من مصير أولئك الذين يصدون عن سبيل الله، ولايقدمون لأنفسهم الخير الذي ينقذهم من عذاب الله الشديد . أما المسلم الطيب الصالح فإن نفسه نفس رضيّة مطمئنة…إنه لايتعرض لذاك العذاب،ولالذاك الوثاق، ولالذاك الندم والتحسر..إنه في نعمة الله يُسرّ ويُحبر”. يقول تعالى:{ألم يأنِ للَّذينَ آمنوا أن تخشعَ قُلوبُهُمْ لِذكرِ الله وما نَزَلَ من الحقِّ ولا يكونوا كالّذينَ أُوتوا الكتابَ من قبلُ فطالَ عليهمُ الأمدُ فقستْ قُلوبُهُم وكثيرٌ منهُم فاسقونَ}[الحديد 16] يقول سيد قطب رحمه الله:”إنه عتاب مؤثر من المولى الكريم الرحيم،واستبطاء للاستجابة الكاملة من تلك القلوب التي أفاض عليها من فضله،فبعث فيها الرسول يدعوها إلى الإيمان بربها،ونزّل عليه الآيات البينات ليخرجها من الظلمات إلى النور،وأراها من آياته في الكون والخلق ما يبصّر ويحّذر. عتاب فيه الود،وفيه الحضّ،وفيه الاستجاشة إلى الشعور بجلال الله،والخشوع لذكره،وتلقي مانزل من الحق بما يليق بجلال الحق من الروعةوالخشية والطاعة والاستسلام،مع رائحة التنديد والاستبطاء في السؤال”ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم”… وإلى جانب التحضيض والاستبطاء تحذير من عاقبة التباطؤ والتقاعس عن الاستجابة،وبيان لما يغشى القلوب من الصدأ حين يمتد بها الزمن بدون جلاء،وما تنتهي إليه من القسوة بعد اللين حين تغفل عن ذكر الله،وحين لا تخشع للحق”ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب….”وليس وراء قسوة القلوب إلا الفسق والخروج. إن هذا القلب البشري سريع التقلب،سريع النسيان.وهو يشف ويشرق فيقيض بالنور،ويرف كالشعاع،فإذا طال عليه الأمد بلا تذكير ولا تذكر تبلّد وقسا،وانطمست إشراقته،وأظلم وأعتم،فلا بد من تذكير هذا القلب حتى يذكر ويخشع،ولابد من الطرق عليه حتى يرقّ ويشفّ،ولابد من اليقظة الدائمة كي لا يصيبه التبلّد والقساوة.ولكن لا يأس من قلب خمد وجمد وقسا وتبلّد.فإنه يمكن أن تدبّ فيه الحياة،وأن يشرق فيه النور.وأن يخشع لذكر الله.فالله يُحيى الأرض بعد موتها،فتنبض بالحياة،وتمنح الأكل والثمار…وكذلك القلوب حين يشاء الله.وفي هذا القرآن ما يُحيى القلوب كما تحيا الارض،وما يمدها بالغذاء والري والدفء”.القلوب وأدوائها
جاء في دائرة المعارف الإسلامية”السفير”: أعمال القلوب: “مصطلح يستخدم لدى الكثير من الصوفية،وبعض الفقهاء،للدلالة على الأعمال الباطنة المتعلقة بالقلب،كالنيات، والعزائم،والأحوال،والمقامات. ويتكون هذا المصطلح من لفظتين: أعمال: جمع عمل،وهو في اللغة: كل فعل يكون من فاعله بقصدٍ وإرادة،وذلك بخلاف الفعل الذي قد ينسب إلى الجماد، والعمل يطلق على الأعمال الصالحة والسيئة،سواءً من أعمال القلوب، كالحبِّ والبغض،أم من أعمال الجوارح،كعمل يؤدي إلى الصالحات،أو مقارفة السيئات. وأما القلوب: فهي جمع قلب، وقلب كل شئ: وسطه ولبّه. وقلب الإنسان هو : عضو عضلي أجوف صنوبري الشكل، ويقع في الجانب الأيسر من الصدر. وليس هناك شك في أن القلب الذي كثر الحديث عنه في القرآن والسنة،واهتم به كثير من العلماء،وبخاصة الصوفية منهم.ليس هو هذا القلب الوظيفي الذي يقوم باستقبال الدم ودفعه إلى سائر أعضاء الجسم، وإنما هو ـ حسب قول بعضهم ـ :لطيفة ربانية لها بهذا القلب المادي تعلّق، وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان،ويسميها البعض الآخر”النفس الناطقة”. وقد قيل: إن قلب الإنسان قد سُمي بهذا الإسم،لكثرة تقلبه وتغيره،ولذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم:”يامُقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك“[الترمذي وأحمد وابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه ورجاله رجال مسلم في الصحيح]. وأعمال القلوب في اللغة: أفعال الإنسان الباطنة،والتي تقع منه بقصد وإرادة،فيكون منها ماهو حسن وماهو سئ، ويجازى المرء عليها بما تستحق من ثواب أو عقاب، قال تعالى:{من عمل سيئةً فلا يُجزى إلامثلها ومن عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ فأولئكَ يدخلونَ الجنّة يرزقونَ فيها بغيرِ حساب}[غافر40]. ولقد نبّه النبي صلى الله عليه وسلم على أهمية عمل القلب،وذلك في أحاديث كثيرة، منها، حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه وفيه قوله صلى الله عليه وسلم:”ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه،وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب“[أخرجه البخاري ومسلم]. كما يروى أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله:”لايستقيم إيمانُ عبدٍ حتى يستقيمَ قلبه” [مسند أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه وقال الألباني حديث حسن]. ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله في كتاب مفتاح دار السعادة: “القلب السليم الذي ينجو من عذاب الله هو القلب الذي قد سلم لعبودية ربه حياءً وخوفاً وطمعاً ورجاءً،ففني حبه عن حب ما سواه،وبخوفه على خوف ما سواه،وبرجائه عن رجاء ما سواه،وسلم لأمره، ولرسوله تصديقا وطاعة، واستسلم لقضائه وقدره، فلم يتهمه ولم ينازعه، ولم يتسخط لأقداره، فأسلم لربه انقياداً أو خضوعاً وذلاً وعبودية، وسلم جميع أحواله وأقواله وأعماله وأذواقه ظاهراً وباطناً لمشكاة رسوله صلى الله عليه وسلم”.ً الوظائف والصفات القلبية: 1 ـ وظائف معرفية: هناك آيات كثيرة في القرآن الكريم تدل على هذه الخاصية والصفة ومنها: {أفلا يتدبرون القرآنَ أم على قلوبٍ أقفالُها}[محمد 24]. {ولقد ذرأنا لجهنمَ كثيراً من الجنِّ والإنسِ لهم قلوبٌ لا يفقهون بها}[الأعراف 179]. {أفلم يسيروا في الأرضِ فتكونَ لهم قلوبٌ يعقلونَ بها أو آذانٌ يسمعونَ بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوبُ التي في الصدور}[الحج 46]. 2 ـ وظائف مشاعرية: يقول تعالى:{وجعلنا في قلوبِ الذينَ اتبعوهُ رأفةً ورحمة}[الحديد 27] {يا أيها النبيُّ قلْ لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفورٌ رحيم}[الأنفال 70] {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارةِ أو أشدُّ قسوة}[البقرة 74] {ويذهب غيظَ قلوبهم ويتوبُ الله على من يشاء والله عليمٌ حكيم}[التوبة 15]. 3 ـ وظائف روحية تعبدية: {ولكنَّ الله حبَّبَ إليكم الإيمانَ وزيَّنهُ في قلوبكم}[الحجرات 7] {ذلك ومن يُعظِّم شعائرَ الله فإنها من تقوى القلوب}[الحج 32] {ما أصابَ من مصيبةٍ إلا بإذنِ الله ومن يؤمنِ بالله يهدِ قلبه والله بكلِّ شىءٍ عليم}[التغابن 11] {ربّنا لا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدُنكَ رحمةً إنكَ أنتَ الوهاب}[آل عمران 8]. والناس في أعمال القلوب على ثلاث درجات،كما هم في أعمال الأبدان: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات. فالظالم لنفسه: العاصي بترك المأمور به،أو فعل المحظور. والمقتصد: المؤدي للواجبات،والتارك للمحرمات. والسابق بالخيرات: المتقرّب بما يقدر عليه من فعل الواجب والمستحب،والتارك للمحرّم والمكروه. فإذا صلح القلب ـ بما فيه من الإيمان ـ علماً وعملاً قلبياً، لزم ضرورة صلاح الجسد،بالقول الظاهر والعمل. وأعمال القلوب ـ واجبها ومستحبها ـ هي عبودية القلب لله،فمن عطلّها كما يقول ابن القيم رحمه الله فقد عطّل عبودية المَلِك، وإن قام بعبودية رعيته من الجوارح،والمقصود أن يكون مَلِك الأعضاء ـ وهو القلب ـ قائماً بعبوديته لله سبحانه هو ورعيّته”. يقول سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى:{ثُمَّ أورثنا الكتابَ الذينَ اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالمٌ لِنفسهِ ومنهم مُقتصدٌ ومنهم سابقٌ بالخيرات}[فاطر32]يقول رحمه الله: “فالفريق الأول ـ ولعله ذكر أولاُ لأنه الأكثر عدداً ـ “ظالم لنفسه” تربى سيئاته في العمل على حسناته.والفريق الثاني وسط”مقتصد” تتعادل سيئاته وحسناته. والفريق الثالث”سابق بالخيرات بإذن الله“، تربى حسناته على سيئاته…ولكن فضل الله شمل الثلاثة جميعاً. فكلهم انتهى إلى الجنة وإلى النعيم الموصوف في الآيات التالية. على تفاوت في الدرجات”. يقول الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله(مقال بعنوان:الذنوب زلازل القلوب): “يقول تعالى:{وذروا ظاهرَ الإثمِ وباطنَهُ إنَّ الذين يكسبون الإثمَ سَيجزونَ بما كانوا يقترفون}[الأنعام 120]. إن المعاصي الباطنة أشد خطراً من المعاصي الظاهرة(معاصي الجوارح:مثل الكذب والغيبة والنميمة والسخرية واليمين الفاجرة….)،كما أن طاعات القلوب أهم وأعظم من طاعات الجوارح،حتى إن أعمال الجوارح كلها لا تقبل إلا بعمل قلبي،وهو النيّة والإخلاص. ونقصد بمعاصي القلوب ما كانت آلته القلب:مثل الكبر،والعجب،والغرور،والرياء،والشح،وحب الدنيا،وحب المال والجاه،والحسد،والبغضاء،والغضب…ونحوها مما سماه الإمام الغزالي في الإحياء:المهلكات،أخذاً من الحديث الشريف:”ثلاث مهلكات:شح مطاع،وهوى متبع،وإعجاب المرء بنفسه”[رواه البزار والطبراني وحسنه الألباني]. وإنما اشتد خطر هذه المعاصي والذنوب لعدة أمور: أولها: أنها تتعلق بالقلب،والقلب هو حقيقة الإنسان،فليس الإنسان هو الغلاف الجسدي الطيني الذي يأكل ويشرب وينمو،بل هو الجوهرة التي تسكنه،والتي نسميها القلب أو الروح أو الفؤاد،أو ما شئت من الأسماء.وفي هذا قال عليه الصلاة والسلام:“ألا إن في الجسد لمضغة ،إذا صلحت صلح الجسد كله،وإذا فسدت فسد الجسد كله،ألا وهي القلب”[متفق عليه].وقال صلى الله عليه وسلم:”إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم،ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”[رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه]. وجعل القرآن أساس النجاة في الآخرة هو سلامة القلب،كما قال تعالى: على لسان إبراهيم عليه السلام{ولا تُخزني يومَ يُبعثونَ*يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ*إلا من أتى الله بقلبٍ سليمٍ}[الشعراء 87 ـ 89]. وسلامة القلب تعني:سلامته من الشرك جليه وخفيه،ومن النفاق أكبره ,اصغره،ومن الآفات الأخرى التي تلوثه،من الكبر والحسد والحقد وغيرها. وقال ابن القيم رحمه الله:”سلامته من خمسة أشياء:من الشرك الذي يناقض التوحيد،ومن البدعة التي تناقض السنّة،ومن الشهوة التي تخالف الأمر،ومن الغفلة التي تناقض الذكر،ومن الهوى الذي يناقض التجريد والإخلاص”. ثانيها: إن هذه الذنوب والآفات القلبية هي التي تدفع إلى معاصي الجوارح،فكل هذه المعاصي الظاهرة إنما يدفع إليها :اتّباع الهوى،أو حب الدنيا،أو الحسد،أو الكبر،أو حب المال والثروة،أو حب الجاه والشهرة…أو غير ذلك. حتى الكفر نفسه،كثيراً ما يدفع إليه الحسد كما حدث لليهود،فقد قال تعالى:{ودَّ كثيرٌ من أهلِ الكتابِ لو يردُّونكم من بعدِ إيمانكم كُفاراً حَسداً من عند أنفسهم من بعدِ ما تبيّنَ لهمُ الحقّ}[البقرة 109]. أو يدفع إليها الكبر والعلو في الأرض،كما قال تعالى عن فرعون وملئه ومواقفه من آيات موسى عليه السلام:{وجحدوا بها واستيقنتها أنفسُهُم ظلماً وعُلوَّاً فانظر كيفَ كان عاقبةُ المُفسدينَ}[النمل 14]. أو حب الدنيا وزينتها،كما رأينا في قصة هرقل ملك الروم،وكيف تبين له صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته،وصحّة نبوته،ثم لما هاج عليه القسس غلب حبه ملكه على اتباع الحق،فباء بإثمه وإثم رعيته. وإذا نظرت إلى من يقتل نفساً بغير حق وجدت وراءه دافعاً نفسياً أو قلبياً، حقد أو غضب،أو حب الدنيا،حتى إن أول جريمة في تاريخ البشرية كان سببها الحسد،وذلك في قصة ابني آدم عليه السلام:{إذ قرَّبا قُرباناً فَتُقبِّلَ من أحدهما ولم يُتقبَّلْ من الآخر قالَ لاقتُلنَّكَ قال إنما يتقبَّلُ الله من المُتقينَ}[المائدة27]إلى أن قال تعالى:{فطوَّعتْ لهُ نفسُهُ قتلَ أخيهِ فقتلهُ فأصبحَ من الخاسرينَ}[المائدة 30]. وكذلك كل من ارتكب معصية ظاهرة من شهادة زور أو نميمة أو غيبة أو غيرها،فلا بد أن وراء تلك المعاصي شهوة نفسية،وفي هذا جاء الحديث الشريف:”إياكم والشحَّ،فإنما هلك من كان قبلكم بالشح،أمرهم بالبخل فبخلوا،وأمرهم بالقطيعة فقطعوا،وأمرهم بالفجور ففجروا”[رواه أبو داود والحاكم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وهو حديث صحيح] ثالثها: إن المعاصي الظاهرة التي سببها ضعف الإنسان وغفلته سرعان ما يتوب منها،بخلاف المعاصي الباطنة التي سببها فساد القلوب،وتمكن الشر منها،فقلما يتوب صاحبها منها،ويرجع عنها.وهذا هو الفارق بين معصية آدم،ومعصية إبليس.معصية آدم كانت معصية جارحة حين أكل من الشجرة،ومعصية إبليس كانت معصية قلب،حين أبى واستكبر،وكان من الكافرين،معصية آدم كانت زلة عارضة نتيجة النسيان وضعف الإرادة،أما معصية إبليس فكانت غائرة متمكنة،ساكنة في أعماقه. رابعها: وهذه ثمرة للوجوه السابقة،وهو تشديد الشرع في الترهيب من معاصي القلوب،وآفات النفوس لشدة خطرها،كما في قوله عليه الصلاة والسلام:”لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر”[رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه]،وقوله صلى الله عليه وسلم:”دبّ إليكم داء الأمم من قبلكم:الحسد والبغضاء،والبغضاء هي الحالقة،لا أقول تحلق الشعر،ولكن تحلق الدين”[رواه البزار وأحمد عن الزبير بن العوام رضي الله عنه وصححه الألباني]. ويقول الأستاذ العلامة محمد لطفي الصباغ رحمه الله (تذكرة للدعاة ص 139): “أيها المؤمنون! اعتنوا بقلوبكم وتعهدوها،فإنها إن صلحت صلح الجسد كله،وإن الله لاينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم،فاحرصوا على أن تكون مبّرأة من سوء المقصد وعلى أن تكون معلقة بالله،وعندئذ ستنجو أعمالكم من الرياء والنفاق. والإسلام يولي القلب أهمية كبرى حتى أنه جعل الأعمال محكومة بالنيّات،ومن هنا كان الحديث”إنما الأعمال بالنيات” من الأحاديث التي تدور عليها أحكام الإسلام. ويكفي القلب شرفاً أنه مستقر الإيمان،قال تعالى:{ولَمّا يدخلِ الإيمانُ في قلوبِكُم}[الحجرات14]. وفيه يكون الحب لله والبغض لله،وفيه الفقه{لهم قلوبٌ لايفقهون بها}[الأعراف 179]. وفيه العقل{أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوبٌ يعقلون بها}[الحج46]. وفيه التدبر{أفلا يتدَبرون القرآنَ أم على قلوبٍ أقفالُها}[محمد 24]. والقلوب تقسو وتلين وتتذكر {ثمَّ قست قلوبُكم من بعد ذلك}[ البقرة 74]،{ثمَّ تلينُ جُلُودُهُم وقلوبُهُم إلى ذكر الله}[الزمر23]. وللقلب حالات: فهو يغفل ويستيقظ،ويمرض ويموت،ويغلظ ويرق، وينيب ويطمئن،ويقسو ويلين.. ويتابع الدكتور الصباغ: “لتلمس موعظة الله قلوبكم،ولتعملوا على إيقاظها وتذكيرها بالله وأيامه.عمّروها بالإيمان، واملؤوها بحب الله، حتى لايبقى فيها مكان لسواه.أسكنوا هذه القلوب خشية الله ومراقبته،حتى كأنكم في حضرته ترونه،فإن لم تكونوا ترونه فإنه يراكم. كونوا من أصحاب القلوب المرهفة،لتنفذ أشعة الهداية إلى سويدائها”.أمراض القلوب
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله(كتاب الداء والدواء ص9): “والقرآن الكريم تحدث عن أمراض القلوب وعللها، وعن شفائها،ودوائها.ولقد جاء لفظ “المرض ومشتقاته” في القرآن الكريم24 مرة، وقد يكون المرض جسمياً، وهو المذكور في قوله تعالى:{ولاعلى المريض حرج}[النور 61]، وقد يكون مرضاً قلبياً وهو الذي اهتم به القرآن وأنزلت آياته من أجل دوائه وشفائه،وفيه يقول تعالى:{ في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا}البقرة 10]، {وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم}.[التوبة 125] وجاء لفظ “الشفاء ومشتقاته في القرآن 6مرات.قال تعالى:{قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور}[يونس 57]… فهو شفاء لعلل الصدور،كالنفاق والشرك والشك والغل والحقد والحسد”. أسباب أمراض القلوب: ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد: “المرض نوعان: مرض القلوب ومرض الأبدان.وهما مذكوران في القرآن. ومرض القلوب نوعان: مرض شبهة وشك، ومرض شهوة وغي وكلاهما في القرآن الكريم. قال تعالى في مرض الشبهة: { في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً}[البقرة 10]، وقال تعالى:{وليقولَ الذين في قلوبهم مرضٌ والكافرونَ ماذا أراد الله بهذا مثلاً}[المدثر 31]، وقال تعالى:{ وإذا دُعوا إلى الله ورسولِه ليحكُمَ بينهم إذا فريقٌ منهم مُعرضون *وإن يكن لهم الحقُّ يأتوا إليه مُذعنين* أفي قلوبهم مرضٌ أم ارتابوا أم يخافونَ أن يحيفَ الله عليهم ورسولُهُ بل أولئك هم الظالمون}[النور48 ـ 50]. فهذا مرض الشبهات والشكوك. وأما مرض الشهوات: قال تعالى:{يانساءَ النبيِّ لستُنَّ كأحدٍ من النساءِ إن اتَّقيتُنَّ فلا تخضعنَ بالقولِ فيطمعَ الذي في قلبه مرض}[الأحزاب 32]وقوله تعالى:{فترى الذين في قلوبهم مرضٌ يُسارعونَ فيهم يقولونَ نخشى أن تُصيبنا دائرةٌ}[المائدة 52]”. انتهى كلام ابن القيم. الشيطان ووساوسه والخطرات: يقول الإمام ابن القيم رحمه الله(كتاب الداء والدواء ص208): “وأما الخطرات: فشأنها أصعب،فإنها مبدأ الخير والشر،ومنها تتولّد الإرادات والهمم والعزائم، فمن راعى خطراته ملك زمام نفسه وقهر هواه،ومن غلبته خطراته فهواه ونفسه له أغلب.ومن استهان بالخطرات قادته قهراً إلى الهلكات. ولاتزال الخطرات تتردد على القلب حتى تصير مُنىً باطلة{كَسَراب بِقيعة يحسبهُ الظمآنُ ماءً حتى إذا جاءَهُ لم يجدهُ شيئاً ووجد الله عنده فوفاهُ حسابهُ والله سريع الحساب}[النور39]. وأخسّ الناس هِمّة وأوضعهم نفساً من رضي من الحقائق بالأماني الكاذبة،واستجلبها لنفسه،وتحلّى بها،وهي لعمر الله رؤوس أموال المفلسين، ومتاجر البطالين،وهي قوت النفس الفارغة التي قد قنعت من الوصل بزورة الخيال،ومن الحقائق بكواذب الآمال. وهي أضر شئ على الإنسان،ويتولد منها العجز والكسل،وتولد التفريط والحسرة والندم،والمتمني لما فاتته مباشرة الحقيقة يجسمه حول صورتها في قلبه،وعانقها وضمها إليه،ففتح بوصال صورة وهمية خيالية صورّها فكره.وذلك لايجدي عليه شيئاً،وإنما مثله مثل الجائع والظمآن،يصور في وهمه صورة الطعام والشراب،وهو لايأكل ولايشرب. ويتابع ابن القيم: “واعلم أن ورود الخاطر لايضر،وإنما يضر استدعاؤه ومحادثته فالخاطر كالمار على الطريق ،فإن تركته مر وانصرف عنك ،وإن استدعيته سحرك بحديثه وغروره،وهو أخف شئ على النفس الفارغة الباطلة،وأثقل شئ على القلب والنفس الشريفة السماوية المطمئنة”. ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله: “واعلم أن الخطرات والوساوس تؤدي متعلقاتها إلى الفكر فيأخذها الفكر فيؤديها إلى التذكر،فيأخذها الذكر فيؤديها إلى الإرادة،فتأخذها الإرادة فتؤديها إلى الجوارح والعمل،فتستحكم فتصير عادة،فردها إلى مبادئها أسهل من قطعها بعد قوتها وتمامها.ومعلوم انه لم يعط الإنسان أمانة الخواطر ولا القوة على قطعها فإنها تهجم عليه هجوم النفس،إلا أن قوة الإيمان والعقل تعينه على قبول أحسنها ورضاه به ومساكنته له، وعلى دفع أقبحها وكراهته له ونفرته منه. كما قال الصحابة: يارسول الله إن أحدنا يجدُ في نفسه،يعرضُ بالشىء، لأن يكون حممةٌ(الفحمة وجمعها حمم) أحبَّ إليه من أن يتكلم به ، فقال: الله أكبر،الله أكبر،الله أكبر،الحمد لله الذي ردّ كيده إلى الوسوسة”[رواه أبو داود عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وقال الألباني حديث صحيح]،وفي رواية أخرى:جاء ناسُ من الصحابة فقالوا: يا رسول الله نجدُ في أنفسنا الشىء نعظّم أن نتكلم به ـ أو الكلام به ـ ما نحبُّ أن لنا،وأنا تكلمنا به،قال: أو قد وجدتموه؟قالوا: نعم! قال: ذاك صريح الإيمان”[أخرجه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه وقال الألباني حديث صحيح]. وفيه قولان: احدهما أن رده وكراهته صريح الإيمان. والثاني: أن وجوده وإلقاء الشيطان له في النفس صريح الإيمان،فإنه إنما ألقاه في النفس طلباً لمعارضة الإيمان وإزالته به. ويتابع ابن القيم رحمه الله: “وقد خلق الله سبحانه النفس شبيهة بالرحى الدائرة التي لاتسكن ولابد لها من شئ تطحنه،فإن وضع فيها حب طحنته،وإن وضع فيها تراب أو حصى طحنته. فالافكار والخواطر التي تجول في النفس هي بمنزلة الحَبّ الذي يوضع في الرحى، ولاتبقى تلك الرحى معطلة قط،بل لابد لها من شئ يوضع فيها، فمن الناس من تطحن رحاه حباً يخرج دقيقاً ينفع به نفسه وغيره،وأكثرهم يطحن رملاً وحصى وتبناً ونحو ذلك فإذا جاء وقت العجن والخبز تبين له حقيقة طحينه. فإذا دفعت الخاطر الوارد عليك اندفع عنك مابعده،وإن قبلته صار فكراً جوالاً فاستخدم الإرادة فتساعدت هي والفكرة على استخدام الجوارح ، فإن تعذر استخدامها رجعا إلى القلب بالتمني والشهوة وتوجهه إلى جهة المراد. ومن المعلوم أن اصلاح الخواطر أسهل من إصلاح الأفكار،وإصلاح الأفكار أسهل من إصلاح الإرادات وإصلاح الإرادات أسهل من تدارك فساد العمل،وتداركه أسهل من قطع العوائد، فأنفع الدواء أن تشغل نفسك بالفكر فيما يعنيك دون مالايعينك،فالفكر فيما لايعني باب كل شر،ومن فكر فيما لايعنيه فاته مايعنيه واشتغل عن أنفع الأشياء له بما لامنفعة له فيه. ويتابع رحمه الله: ”وإياك أن تمكن الشيطان من بيت أفكارك وإرادتك فإنه يفسدها عليك فساداً يصعب تداركه، ويلقي إليك أنواع الوساوس والأفكار المضرة،ويحول بينك وبين الفكر فيما ينفعك،وأنت الذي أعنته على نفسك بتمكينه من قلبك وخواطرك فملكّها عليك.وجماع إصلاح ذلك أن تشغل فكرك في باب العلوم والتصورات بمعرفة مايلزمك من التوحيد وحقوقه،وفي الموت ومابعده إلى دخول الجنة والنار.وفي آفات الأعمال وطرق التحرز منها”. يقول الشيخ محمد بن صالح العيثمين في مقال نشر له بمجلة المسلمون بتاريخ 29 نوفمبر 1986م بعنوان إشكالات ترد على قلب الشباب: “القلب الميت لاترد عليه الهواجس والوساوس المنافية للدين لأنه قلب ميت هالك لايريد الشيطان منه أكثر مما هو عليه،ولذلك قيل لإبن مسعود أو ابن عباس رضي الله عنهم أن اليهود يقولون أنهم لايوسوسون في صلاتهم أي لاتصيبهم الهواجس فقال صدقوا، ومايصنع الشيطان بقلب خراب.! أما إذا كان القلب حياً وفيه شئ من الإيمان فإن الشيطان يهاجمه مهاجمة لاهوادة فيها ولاركود فيقذف عليه من الوساوس المناقضة لدينه ماهو من أعظم المهلكات لو استسلم له العبد.حتى إنه يحاول أن يشككه في ربه وفي دينه وفي عقيدته فإن وجد في القلب ضعفاً وانهزاماً استولى عليه حتى يخرجه من الدين، وإن وجد في القلب قوة ومقاومة انهزم الشيطان مدبراً خاسئاً وهو حقير.ويتابع:”وقال صلى الله عليه وسلم :”يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا و كذا ؟حتى يقول له:من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك، فليستعذ بالله ولينته“[رواه البخاريو مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه] وفي حديث آخر فليقل” أمنت بالله ورسله“.ولقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفاء من وساوس الشيطان فيما يلي: الأول: الانتهاء عن هذه الوساوس بمعنى الإعراض عنها بالكلية وتناسيها حتى كأنها لم تكن والإشتغال عنها بالأفكار السليمة. الثاني: الاستعاذة بالله منها ومن الشيطان الرجيم.يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف:”قولوا الله أحد، الله الصمد، لم يلد، ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. ثم ليتُفل عن يساره ثلاثاً وليستعذ من الشيطان “[صحيح الجامع عن أبي هريرة رضي الله عنه]. الثالث: أن يقول آمنت بالله ورسله”. ويقول الشيخ العلامة محمد متولي الشعراوي رحمه الله: “هناك نوعان من الوسوسة:وسوسة الشيطان بالنسبة للإنسان…ووسوسة النفس له فكيف نفرق بينهما؟ نقول: إن الشيطان يريد الإنسان عاصياً على أي وجه…فلا يهمه نوع المعصية ولكن يهمه حدوثها.فإذا حاول أن يغري الإنسان بالمال الحرام،ولم يجد منه استجابة…أسرع يزين له المعصية مع النساء بارتكاب الزنا والفاحشة،فإذا فشل في ذلك…أسرع يزين له معصية الخمر ويحاول أن يغريه بها،فإن سدّ عليه كل منافذ المعصية…أسرع يحاول أن يفسد له الطاعة بأن يجعله مقلاً يتفاخر بالصدقة فيضيع ثوابها..أو إذا جاء موعد الصلاة فإنه يحاول أن يمنعه من أدائها. ويجب أن تعلم أن هذا الإغواء لا يأتي قسراً أو قهراً..فالشيطان ليس له سلطان القهر على الإنسان.ولكن إذا أذّن للصلاة ـ مثلاً ـ فإنه يغريه ألا يقوم إلى الصلاة،وإنما يؤجلها حتى ينتهي الفيلم الذي يشاهده في التلفزيون…فإذا انتهى الفيلم،يذكره بأعمال يؤديها..كأن يتصل بصديق له بالتليفون،أو يتناول العشاء أولاً..أو يقوم بزيارة كان قد نسيها،إلى غير ذلك من أفاعيل الشيطان. إذن فالشيطان لا يهمه نوع المعصية..ولكن يهمه أن تتم المعصية. أما وسوسة النفس…فهي أن تصر على نوع معين من المعصية…لا تريد غيره..أي أنها تلحّ على صاحبها أن يرتكب معصية بذاتها ويكررها…ولا تطالبه بمعصية أخرى”. يقول الدكتور محمد لطفي الصباغ حفظه الله: “ومن أعظم أبواب الشر ووسائل الفتنة التي تفسد القلب وتجعله معرضاً للمرض ثم الموت شيئان هما: الشيطان ووسواسه،والنفس وشهواتها. والمسلم مطالب بأن يكون واعياً لادعاءات النفس وحظوظها. فالشهوة، والغضب، والأثرة، والطمع..وكل ذلك وغيره من حظوظ النفس التي ينبغي على المسلم أن يحذر من استيلائها على قلبه،لأنها تقطعه عن الله عز وجل وتكون سبباً في هلاكه.وكذلك فإن عليه أن يكون واعياً لمداخل الشيطان يحذر من وسوسته. فالوسواس خاطرٌ مذموم يدعو إلى الشر، ومن الخذلان أن يكون القلب متهيئاً لقبول هذا الوسواس والشيطان سببه.{قل أعوذ برب الناس* ملك الناس* إله الناس* من شرِّ الوسواس الخناس* الذي يوسوس في صدور الناس* من الجنّةِ والناس}.[سورة الناس] ولقد حذرنا ربنا تبارك وتعالى من الشيطان فقال عزّ من قائل:{ يابني آدم لايفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لاترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لايؤمنون} [الاعراف 27]. إنه تحذير بصريح العبارة، وتذكير لنا بتاريخ أبينا آدم مع الشيطان الذي كان سبباً في خروجه من الجنة. إن هذه الآيات الكريمة وغيرها كثير،لتبين لنا أن المومن الذي يحرص على نقاء قلبه وصفائه يحذر من الشيطان ووساوسه،ويضع أمام وسائله الخطيرة الخبيثة حواجز متعددة: من أهمها ذكر الله. فذكر الله يطرد الشيطان ويحبط مخططاته وتدبيراته.قال تعالى:{وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم* إن الذين اتقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون}[الأعراف 200 ـ 201]. ومن أهم هذه الحواجز التي تحول بين الشيطان وبين قلب المؤمن تقرير العداوة المستحكمة القائمة بيننا وبين الشيطان والتي ذكرتها آيات كثيرة في كتاب الله منها قوله تعالى:{إن الشيطان للإنسان عدوٌّ مبين}[يوسف5]. ومنها قوله سبحانه:{وقُلْ لعبادي يَقولوا التي هيَ أحسنُ إنَّ الشيطانَ يَنزغُ بينَهُم إنَّ الشيطانَ كانَ للإنسانِ عدُوّاً مُبينا}[الإسراء 53]. ويتابع الدكتور الصباغ: “ومهما انصرف القلب إلى ذكر الله تعالى ارتحل الشيطان وضاق مجاله والتطارد بين جندي الملائكة والشياطين في معركة القلب دائم إلى أن ينفتح القلب لأحدهما،فيستوطن ويستمكن ويكون اجتياز الثاني اختلاسا.وأكثر القلوب قد فتحتها جنود الشياطين وتملكتها،فامتلأت بالوساوس الداعية إلى إيثار العاجلة،واطراح الآخرة،ومبدأ استيلائها اتباع الشهوات والهوى،ولايمكن فتحها بعد ذلك إلا بتخلية القلب عن قوت الشيطان وهو الهوى والشهوات وعمارته بذكر الله تعالى. إن القلب المريض ـ إن لم يتداركه صاحبه ـ ختم عليه وعندئذ يتسلط عليه الشيطان وتسيطر عليه الشهوات ويتصف بالقسوة”. ويقول الدكتور الأستاذ محمد لطفي الصباغ حفظه الله(خواطر في الدعوة إلى الله168ـ 178): “أما مرض القلوب فقلّ من يتنبّه له من الناس مع الأسف الشديد،مع أن القرآن الكريم ذكر مرض القلوب،في عدد من آياته،وذكر خطر هذا المرض،ونتائجه الوخيمة على الفرد والجماعة، في الدنيا والآخرة، وهاهي ذي آية تقرر بصريح العبارة أن يوم القيامة يومٌ لاينفع فيه مال ولابنون،إنما الذي ينفع المرء في ذلك اليوم أن يأتي الله بقلب سليم قال تعالى:{ولاتخزني يوم يبعثون*يوم لاينفغ مال ولابنون *إلا من أتى الله بقلب سليم}[الشعراء87 ـ 89]. أفليس من العجب العجاب أن يكون شأن سلامة القلب وصحته من الأمراض الفتاكة ويكون مع ذلك هذا الإعراض عن المداواة والمعالجة ممن تتعرض قلوبهم إلى مقدمات المرض. لقد ورد ذكر القلب في القرآن أكثر من مائة وثلاثين مرة.وأما في الحديث فما أكثر الأحاديث التي تعرضت للقلب وذكرت أنواعه وأمراضه وأدويته. ويتابع الدكتور الصباغ:”إن بيان خطر مرض القلوب، وضرورة علاجها أمرٌ جدير بالدعاة أن يهتموا به ويوضحوه. لقد نعى الله على اليهود قسوة قلوبهم فقال:{ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإنّ من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإنّ منها لما يشقق فيخرجُ منه الماء وإنّ منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون}[البقرة74]. فهل يجوز أن نتعامى نحن المسلمين عن حقيقة قلوبنا،ولانتعظ بما قصّ الله علينا من أنباء من تقدمنا من الامم. ويتابع:”إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب“كما يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول صاحب الإحياء الإمام وحجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله “فالقلب هو المهم والجوارح أتباع وخدم،وآلات يستخدمها القلب،ويستعملها استعمال المالك للعبد، واستخدام الراعي للرعية،والصانع للآلة.فالقلب هو المقبول عند الله، إذا سلم من غير الله،وهو المحجوب عن الله إذا صار مستغرقاً بغير الله وهو المطالب وهو المخاطب وهو المعاتب.وهو الذي يسعد بالقرب من الله، فيفلح إذا زكاه، وهو الذي يخيب ويشقى إذا دنسه ودّساه،وهو المطيع بالحقيقة لله تعالى،وإنما الذي ينتشر على الجوارح من العبادات أنواره، وهو العاصي المتمرد على الله، وإنما الساري إلى الأعضاء من الفواحش آثاره،وبإظلامه واستنارته تظهر محاسن الظاهر ومساويه، إذ كل إناء ينضح بما فيه.وهو الذي إذا عرفه الإنسان فقد عرف نفسه، وإذا عرف نفسه فقد عرف ربه وهو الذي إذا جهله الإنسان فقد جهل نفسه، وإذا جهل نفسه فقد جهل ربه ومن جهل قلبه فهو بغيره أجهل”. ويتابع الدكتور الصباغ: “إن القلب دعامة الحياة..وحياته حياة لصاحبه وموته موت له..ولئن كان ذلك صحيحاً من الناحية الطبية،إنه لكذلك من الناحية المعنوية والدينية.فعندما يكون القلب قلقاً قاسياً يعمّ الشقاء جوانب حياة الإنسان النفسية والمعنوية.وعندما يكون القلب مطمئناً ليناً يعم السرور والأنس جوانب الحياة المختلفة في الإنسان.فكيف لنا أن نصل إلى هذا المستوى الكريم المُسعد؟ إن كتاب الله عزّ وجلّ يبيّن لنا الطريق..فيقرر أنه ذكر الله. قال تعالى:{الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب}[الرعد28]. أجل إن ذكر الله تبارك وتعالى هو الذي يجعل القلوب آمنة مطمئنة سعيدة فرحة…إنها بذكر الله تجد راحتها وهناءتها، ولايمكن لها أن تحقق السعادة التامة إلا بأن تتصل بالله وتذكره: تذكره وتتصوّر عظمته وقدرته، وفضله ومننه،وتستحضر ما أعدّ من الثواب للمحسنين ومن العقاب للمسيئين. تذكر شرعه وضرورة التزامه وواجب الدعوة إليه..تذكر الله فتبدو لها الدنيا على حقيقتها..تبدو لها انها أهون من أن يعمل المرء لها وحدها ومن أجلها..تذكر الله وتتبين القصد من الخلق، وأنه عبادة الله تبارك وتعالى.. تذكر الله بالوعي وبالفقه وباللسان والقول. والطمأنينة راحةٌ تامةٌ وهدوء أعصابٍ واستقرار نفسٍ، وتهيئة للانتاج الفكري والمادي. وإذا ذكر الله جل جلاله على نحو ما أشرنا واطمأن القلب فاضت أنوار الحق على الوجه تلألؤاً وبشراٍ،وابتسامة وبشاشة، وعلى الجوارح خيراً ونفعاً وفضلاً،فلاترى عينه إلا مايرضي الله، ولايمكن أذنه إلا من سماع مايحب الله، ولاينطلق لسانه إلا بما شرع الله، ولاتمشي رجلاه إلا في مرضاة الله، ولاتمتد يداه بحركة إلا في طاعة الله. ويتابع الدكتور الصباغ: ” إن أمراض القلوب كثيرة متنوعة،وإن إهمالها وعدم تعهدها بالرعاية واتخاذ اسباب الوقاية يعرضها إلى التفاقم والهلاك، وبهلاكها يهلك أصحابها.وقد جاء الشرع بأحكام تربوية وتوجيهات اجتماعية تجعل قلب المسلم فيما لو عمل بمقتضاها سليماً من الخلل مُعافىً من الأدواء”. ويقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(عقيدة المسلم ص152): “وقد أبان الله عز وجل أنه مامن شخص يدّعي الإيمان إلا فُحصت نفسه بألوان التكاليف،وبُليت بمراتب شتى من الجهاد،جهاد الشبهات وجهاد الحياة والمبادئ.ولابد أن يختار الشخص هذا الامتحان، ليحكم بعدئذ بنجاحه أو سقوطه، ولن يترك الإنسان سدى.ولن يغلب العصاة ربهم بإيمان مزعوم وكفران مكتوم. والتكاليف التي شرع الله لعباده هي الطليعة الأولى للفتن التي تقتحم النفس،وتكشف دخائلها.ولن تزال هذه الفتن تسبر أغوار الإيمان، ومدى صلابته،ومدى استعداد صاحبه للنعيم أو الجحيم،أو لهما معاً،حتى يرجع الإنسان من حيث بدأ، إلى الله.{آلم* أحسب الناس أن يقولوا أمنا وهم لايفتنون*ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين}[العنكبوت 1 ـ 3]. ومصير المرء لايُحدد بمعصية واحدة ولاطاعة واحدة.فالأجل طويل والتكاليف متجددة، والأمر أعقد من أن نصدر بصدده حكماً عاماً. وفي الحديث الشريف:”تُعرضُ الفتنُ على القلوب كالحصير عُوداً عوداً،فأيُّ قلبٍ اُشربها ،نُكتَ فيه نُكتةً سوداء،وايُّ قلبٍ أنكرها، نُكتَ فيه نُكتةً بيضاء ،حتى تصير على قلبين:على أبيضَ مثل الصفا فلا تضره فتنة مادامت السموات والأرض،والآخرُ أسودُ مُرباداً كالكوز،مُجخياً لا يعرف معروفاً،ولا يُنكرُ منكراً،إلا ما أُشرب من هواه”[رواه مسلم عن حذيفة بن اليان رضي الله عنه]. وهذا الحديث يبين: ان المعاصي منازل ومزالق،يسلم بعضها إلى بعض وأن الإيمان يتأثر بما يعرض للقلب من أحوال. فهناك قلوب أقفرت منه تماماً بإدمان المعاصي واتباع الفتن. وهناك قلوب في طريقها إلى البوار لمّا تثقف بعد،ويوشك أن تضل. وهناك قلوب بين طريق الخير، وطريق الشر،تتأرجح ناحية اليمين أو الشمال. والحديث يشبه عرض الفتن على القلوب شيئاً فشيئاً،كعرض عيدان الحصير على الخيوط التي تنتظمها،شيئاً فشيئاً. وقسم القلوب عند عرضها عليها قسمين: قلب إذا عرضت عليه فتنة أشربها كما يشرب الإسفنج الماء، فتنكت فيه نكتة سوداء،فلايزال يشرب كل فتنة عرضت عليه حتى يسوّد ويتنكس،وهو معنى قوله”كالكوز مجخيا” أي منكوساً. فإذا اسود عرض له من هذه الآفات مرضان خطيران،يتأدّيان به إلى الهلاك:أحدهما:اشتباه المعروف عليه بالمنكر، فلا يعرف معروفاً ولاينكر منكراً.وربما استحكم فيه هذا المرض حتى يعتقد المعروف منكراً والمنكر معروفاً. والثاني:تحكيم هواه في ماجاء به الشارع، وانقياده لهذا الهوى،حيثما ترامى به. أما القلب الآخر،فهو أبيض أشرق فيه نور الإيمان،فإذا عرضت عليه الفتنة أنكرها وردّها، فازداد نوراً وإشراقاً. وفي أحوال الإيمان مع الفتن والمعاصي ورد ـ كذلك ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم:”إن العبد إذا أخطأ خطيئةً نُكتت في قلبه نُكتة سوداء، فإذا هو نَزع واستغفرَ وتاب سُقُل قلبه، وإن عاد زيدَ فيها حتى تعلو قلبه،وهو الرّان الذي ذكر الله كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون“.[صحيح الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه] وهو الرّان الذي قال الله فيه:{كلا بل رانَ على قلوبهم ماكانوا يكسبون*كلا إنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون* ثمّ إنهم لصالو الجحيم}[المطففين 14 ـ 16].انتهى كلام الغزالي. صفات القلوب المطمئنة المؤمنة: يقول الأستاذ الدكتور محمد لطفي الصباغ رحمه الله(المرجع السابق): “وإن للقلب مع ذكر الله وصفاً جاء في كتاب الله عز وجل في أكثر من سورة. ففي سورة الأنفال يقول ربنا عز وجل:{إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون}[الأنفال2]. وفي سورة الحج يقول تعالى:{وبشر المخبتين *الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون}[الحج 34 ـ 35] قال العلماء في تفسير آية الأنفال:”وهذه صفة المؤمن حق الإيمان الذي إذا ذكر الله وجل قلبه، أي خاف منه ففعل أوامره وترك زواجره”[تفسير ابن كثير]. وقال الأستاذ سيد قطب في الظلال في تفسير الآية من سورة الأنفال: “إنها الارتعاشة الوجدانية التي تنتاب القلب المؤمن حين يُذكّربا لله في أمر أو نهي،فيغشاه جلاله،وتنتفض فيه مخافته،ويتمثل عظمة الله ومهابته،إلى جانب تقصيره هو وذنبه،فينبعث إلى العمل والطاعة.والقلب المؤمن يجد في آيات هذا القرآن مايزيده إيماناً، وماينتهي به إلى الاطمئنان.إن هذا القرآن يتعامل مع القلب البشري بلا وساطة،ولايحول بينه وبينه شئ إلا الكفر،الذي يحجبه عن القلب، ويحجب القلب عنه، فإذا رفع هذا الحجاب بالإيمان وجد القلب حلاوة هذا القرآن، ووجد في إيقاعاته المتكررة زيادة في الإيمان،تبلغ إلى الاطمئنان..وكما أن إيقاعات القرآن على القلب المؤمن تزيده إيمانا، فإن القلب المؤمن هو الذي يدرك هذه الإيقاعات، التي تزيده إيمانا، لذلك يتكرر في القرآن تقرير هذه الحقيقة في أمثال قوله تعالى:{إن في ذلك لآيةً للمؤمنين}[الحجر 77]،{إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون}[النحل 79]. ويتابع الشيخ الدكتور الصباغ رحمه الله: “ويقول تعالى في سورة الزمر:{أفَمَن شَرحَ اللهُ صَدرهُ للإسلامِ فهوَ على نُورٍ من ربِّهِ فويلٌ للقاسيةِ قُلوبُهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين*الله نزّل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً تقشعرُّ منه جلودُ الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فماله من هاد}[الزمر 22 ـ 23]. “إن المؤمنين الذين يخشون ربهم إذا قرأوا آيات الله أو سمعوها اقشعرت جلودهم ثم لانت جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله.أما أولئك الضالون القاسية قلوبهم فهم أولئك الذين لاتتحرك قلوبهم ولا تهتز مشاعرهم عند ذكر الله وتلاوة آيات كتابه بل تشمئز وتنفر كما قال تعالى:{وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لايؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون}[الزمر 45]. ويتابع الشيخ الصباغ: “اذكروا الله ذكراً كثيراً وتدبروا قوله تعالى:{ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ومانزل من الحق ولايكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون}[الحديد16]. ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الآيات من سورة الزمر:”الله نزل أحسن الحديث..” “وهذه الآية تصور حقيقة القلوب التي تتلقى الإسلام فتنشره له وتندى به.وتصور حالها مع الله. حال الإنشراح والتفتح والنداوة والبشاشة،والإشراق والاستنارة.كما تصور حقيقة القلوب الأخرى في قساوتها وغلظتها وموتها وجفافها،وعتمتها وظلامها. ومن يشرح الله صدره للإسلام ويمد له من نوره، ليس قطعاً كالقاسية قلوبهم من ذكر الله. وشتان بين هؤلاء وهؤلاء”. ويقول سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى:{ربَّنا لا تُزغْ قُلُوبَنا بعدَ إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنكَ رحمةً إنّكَ أنتَ الوهاب}[آل عمران8] يقول رحمه الله: “هذا هو حال الراسخين في العلم مع ربهم،وهو الحال اللائق بالإيمان،المنبثق من الطمأنينة لقول الله ووعده،والثقة بكلمته وعهده،والمعرفة برحمته وفضله،والإشفاق مع هذا من قضائه المحكم وقدره المغيب ’والتقوى والحساسية واليقظة التي يفرضها الإيمان على قلوب أهله، فلا تغفل ولاتغتر ولا تنسى في ليل أو نهار…والقلب المؤمن يدرك قيمة الاهتداء بعد الضلال. قيمة الرؤية الواضحة بع الغبش. قيمة الاستقامة على الدرب بعد الحيرة. قيمة الطمأنينة للحق بعد الأرجحة.قيمة التحرر من العبودية للعبيد بالعبودية لله وحده.قيمة الاهتمامات الرفيعة الكبيرة بعد اللهو بالاهتمامات الصغيرة الحقيرة.ويدرك أن الله منحه بالإيمان كل هذا الزاد..ومن ثم يشفق من العودة إلى الضلال،كما يشفق السائر في الدرب المستقيم المنير أن يعود إلى التخبط في المنعرجات المظلمة.وكما يشفق من ذاق نداوة الظلال أن يعود إلى الهجير القائظ والشواظ! وفي بشاشة الإيمان حلاوة لايدركها إلا من ذاق جفاف الإلحاد وشقاوته المريرة.وفي طمأنينة الإيمان حلاوة لا يدركها إلا من ذاق شقوة الشرود والضلال!ومن ثم يتجه المؤمنون إلى ربهم بذلك الدعاء الخاشع”ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا“..وينادون رحمة الله التي أدركتهم مرة بالهدى بعد الضلال، ووهبتهم هذا العطاء الذي لايعدله عطاء”وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب” وهم بوحي إيمانهم يعرفون أنهم لايقدرون على شئ إلا بفضل الله ورحمته.وأنهم لا يملكون قلوبهم فهي في يد الله.. فيتجهون إليه بالدعاء أن يمدهم بالعون والنجاة. قلت يا أم سلمة رضي الله عنها ما كان أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان عندك؟قالت: كان أكثر دعائه:”يا مُقلّبَ القلوب ثبّت قلبي على دينك” قلت: فقلت :”يارسول الله ما أكثر دعاءك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك؟ قال: يا أم سلمة إنه ليس آدميُّ إلا وقلبهُ بين أصبعين من أصابع الله، فمن شاءَ أقامَ،ومن شاءَ أزاغ. فتلا معاذ ربّنا لا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا”.[صحيح الترمذي عن شهر بن حوشب رضي الله عنه وقال الالباني حديث صحيح] ويتابع سيد قطب رحمه الله:”ومتى استشعر القلب المؤمن وقع المشيئة على هذا النحو لم يكن أمامه إلا أن يلتصق بركن الله في حرارة.وأن يتشبث بحماه في إصرار، وأن يتجه إليه ويناشده رحمته وفضله،لاستبقاء الكنز الذي وهبه،والعطاء الذي أولاه”.أشكال وأوصاف أمراض القلوب
ـ القلب القاسي: وعلى العكس من القلب المطمئن الوجل المُخبت المُشرق بالإيمان،هناك على النقيض من ذلك القلب القاسي المظلم الذي لايعرف الرحمة ولايهزه الإحسان. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله(كتاب الفوائد ـ قسوة القلب وصفاؤه): “ما ضُرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب والبعد عن الله.خلقت النار لإذابة القلوب القاسية.أبعد القلوب من الله القلب القاسي.إذا قسا القلب قحطت العين.قسوة القلب من أربعة أشياء إذا جاوزت قدر الحاجة:الأكل والنوم والكلام والمخالطة.كما أن البدن إذا مرض لم ينفع فيه الطعام والشراب،فكذلك القلب إذا مرض بالشهوات لم تنجع فيه المواعظ. من أراد صفاء القلب فليؤثر الله على شهواته.القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقها بها.القلوب آنية الله في أرضه،فأحبها إليه أرقها وأصلبها وأصفاها.شغلوا قلوبهم بالدنيا،ولو شغلوها بالله والدار الآخرة لجالت في معاني كلامه وآياته المشهودة ورجعت إلى أصحابها بغرائب الحكم وطرف الفرائد.إذا غذى القلب بالتذكر وسقى بالتفكر ونقى من الدغل،رأى العجائب وألهم الحكمة.ليس كل من تحلّى بالمعرفة والحكمة وانتحلها كان من أهلها،بل أهل المعرفة والحكمة الذين أحيوا قلوبهم بقتل الهوى.وأما من قتل قلبه فأحيى الهوى،فالمعرفة والحكمة عارية على لسانه. خراب القلب من الأمن والغفلة،وعمارته من الخشية والذكر.من وطن قلبه عند ربه سكن واستراح ،ومن أرسله في الناس اضطرب واشتدّ به القلق. القلب يمرض كما يمرض البدن وشفاؤه في التوبة والحمية،ويصدأ كما تصدأ المرآة وجلاؤه بالذكر،ويعرى كما يعرى الجسم وزينته التقوى،ويجوع ويظمأ كما يجوع البدن ،وطعامه وشرابه المعرفة والمحبة والتوكل والإنابة والخدمة”. أهم أسباب فسوة القلوب: جاء في موقع الدرر السنية:من أهم أسباب قسوة القلب والغلظة والفظاظة: 1 ـ الغفلة عن ذكر الله وتدبر القرآن،والتأمل في آياته الكونية: قال تعالى:{ومن أعرضَ عن ذكري فإنَّ لهُ معيشةً ضَنكاً ونحشرهُ يومَ القيامة أعمى}[طه142]. وقال تعالى:{أفلم يسيروا في الأرضِ فتكونَ لهم قلوبٌ يعقلون بها أو آذانٌ يسمعون بها فإنها لاتعمى الأبصار ولكن تعمى القلوبُ التي في الصدور}[الحج 46] 2 ـ كثرة المعاصي: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إنّ المؤمن إذا أذنبَ كانت نكتة سوداء في قلبه،فإن تاب ونزع واستغفر،صقل قلبه،وإن زاد زادت،حتى يعلو قلبه ذاك الران الذي ذكر الله عز وجلّ في القرآن:{كلاّ بل رانَ على قلوبهم ماكانوا يكسبون}[المطففين14] قال المحاسبي:”اعلم أن الذنوب تورث الغفلة،والغفلة تورث القسوة،والقسوة تورث البعد من الله،والبعد من الله يورث النار،وإنّما يتفكر في هذا الأحياء،وأما الأموات فقد أماتوا أنفسهم بحب الدنيا”. وقال عبد الله بن المبارك رضي الله عنه: رأيت الذنوبَ تُميتُ القلوب وقد يُورث الذُّل إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها 3 ـ التفريط في الفرائض وانتهاك المحرمات: قال تعالى:{فبما نقضهم ميثاقهُمْ لعنّاهم وجعلنا قلوبَهُم قاسيةً}[المائدة 13]. وقال تعالى:فبما نفضهم ميثاقهم وكُفرهم بآياتِ الله وقتلهمُ الأنبياءَ بغيرِ حقّ وقولهم قلوبنا غُلفٌ بل طبعَ الله عليها بكفرهم فلا يؤمنونَ إلا قليلا}[النساء 155ٍ. 4 ـ الانشغال بالدنيا والإنهماك في طلبها والمنافسة عليها: لحديث أبي مسعود،عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه:”وإن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين حيث يطلع قرنا الشيطان ربيعة ومضر”. قال الخطابي:”إنما ذمهم لاشتغالهم بمعالجة ما هم فيه عن أمر دينهم،وذلك يفضي إلى قسوة القلب”. وقال ابن القيم رحمه الله:”شغلوا قلوبهم بالدنيا،ولو شغلوها بالله والدار الآخرة،لجالت في معاني كلامه وآياته المشهودة،ورجعت إلى أصحابها بغرائب الحكم وطرف الفوائد.إذا غذي القلب بالتذكر،وسقي بالتفكر،ونقى من الدغل،رأى العجائب وألهم الحكمة..إذا زهدت القلوب في موائد الدنيا،قعدت على موائد الآخرة بين أهل تلك الدعوة،وإذا رضيت بموائد الدنيا فاتتها تلك الموائد”. 5 ـ طول الأمل والتمني: قال المناوي:”طول الأمل غرور وخداع،إذ لا ساعة من ساعات العمر إلا ويمكن فيها انقضاء الأجل،فلا معنى لطول الأمل المورث قسوة القلب،وتسليط الشيطان وربما جرّ إلى الطغيان” (ملاحظة: يمكن الرجوع إلى الموضوع بالتفصيل في مقال:طول الأمل والغرور الكاذب في الموقع). 6 ـ التوسع المذموم في المباحات: فإن قسوة القلب من أربعة أشياء إذا جاوزت قدر الحاجة:الأكل،والنوم،والكلام،والمخالطة. قال أبو سعيد الخادمي:”وفي كثرة النوم ضياع العمر،وفوت التهجد،وبلادة الطبع،وقسوة القلب،وفي كثرة الطعام قسوة القلب”. وقال الفضيل بن عياض:”ثلاث خصال تقسي القلب:كثرة الأكل،وكثرة النوم،وكثرة الكلام”. وقال أبو سليمان الداراي:”إن النفس إذا جاعت وعطشت صفا القلب ورقّ،وإذا شبعت ورويت عمي القلب”. 7 ـ كثرة مخالطة الناس في غير مصلحة: قال المناوي:”مخالطة غير التقي،يخلّ بالدين،ويوقع في الشبه والمحظورات..إذ لا تخلو من فساد،إما بمتابعة في فعل،أو مسامحة في إغضاء عن منكر،فإن سلم من ذلك ـ ولا يكاد ـ فلا تخطئه فتنة الغير به”. وقال ابن القيم:”إن فضول المخالطة هي الداء العضال،الجالب لكل شر،وكم سلبت المخالطة والمعاشرة من نعمة،وكم زرعت من عداوة،وكم غرست في القلب من حزازات،تزول الجبال الراسيات،وهي في القلوب لا تزول،ففضول المخالطة فيه خسارة الدنيا والآخرة،وإنما ينبغي للعبد أن يأخذ من المخالطة بمقدار الحاجة”. 8 ـ عدم الرحمة بالخلق والإخسان إليهم: قال المناوي:”لأن الرحمة تتخطى إلى الإحسان إلى الغير،وكل من رحمته رقّ قلبك له فأحسنت إليه،ومن لم يعط حظه من الرحمة غلظ قلبه وصار فظاً،لا يرقُ لأحد ولا لنفسه،فالشديد يشدّ على نفسه ويعسر ويضيق،فهو من نفسه في تعب،والخلق منه في نصب،مكدوح الروح،مظلم الصدر،عابس الوجه،منكر الطلعة،ذاهباً بنفسه،تيهاً وعظمة،سمين الكلم،عظيم النفاق،قليل الذكر لله والدار الآخرة،فهو أهل لأن يسخط عليه،ويغاضبه ليعاقبه”. 9 ـ الكسل والفتور: وقد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكسل:”اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل” قال المنوي:”الكسل والفتور عن القيام بالطاعات الفرضية،والنفلية،الذي من ثمراته قسوة القلب” 10 ـ التعصب للرأي وكثرة الجدال: قال تعالى:{أفرأيتَ من اتّخذَ إلههُ هواهُ وأضلهُ الله على علمٍ وختمَ على سمعهِ وقلبهِ وجعلَ على بصرهِ غشاوةً فمن يهديه من بعدِ الله أفلا تذكرون}[الجاثية 23]. قال الإمام الشافعي رضي الله عنه:”المراء في العلم،يقسي القلب،ويورث الضغائن”. 11 ـ الإبتداع في الدين: قال تعالى:{فلما زاغوا أزاغَ الله قلوبهم والله لا يهدي القومَ الفاسقين}[الصف 5] 12 ـ ظلم الضعفاء 13 ـ أكل المال الحرام 14 ـ عدم التورع عن الشبهات 15 ـ كبر النفس واحتقار الآخرين. نتائج وعواقب قسوة القلوب: يقول الاستاذ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني (الأخلاق الإسلامية ج2 ص80) والشهيد سيد قطب في الظلال: “الخلق المناقض لخلق الرحمة يتمثل بقسوة القلب،وهو خلق ذميم قبيح ذو نتائج خطيرة على الفرد والمجتمع الإنساني والحياة كلها. قسوة القلب مرض من الأمراض الخلقية،يجفّف في داخل النفس الإنسانية عاطفة الإحساس بآلام الآخرين وحاجاتهم،ويشتدّ هذا المرض ويشتد معه الجفاف النفسي،حتى ينعدم الشعور بالواجب الفطري نحو الخالق المنعم،الذي متى شاء سلب النّعم كلّها،ومنها نعمة الحياة.وفي هذه الحالة من حالات الجفاف النفسي تمسي القلوب مثل الحجارة التي لاترشح بأي عطاء،أوأشدّ قسوة من الحجارة،لأنّ من الحجارة ماتتشقق قسوته الظاهرة فيندفع العطاء من باطنه الرخو ماءً عذباً نقياً،ولكن بعض الذين قست قلوبهم يجفّ من أغوارها كلّ أثر للفيض والعطاء. لقد ذمّ القرآن الذين قست قلوبهم من أهل الكتاب،وحذّر المؤمنين بالإسلام من أن يطول عليهم الأمد في المعاصي والغفلة عن ذكر الله فتقسو قلوبهم،وأنذر القاسية قلوبهم وخوّفهم من أن يحلّ بهم العذاب والهلاك. ويراد من قسوة القلب نضوب عاطفة الرحمة فيها،وتحجرها عن قبول دعوة الحقّ،فعلى المعنى الأول تكون قسوة القلب مناقضة لخلق الرحمة،وعلى المعنى الثاني تكون قسوة القلب مناقضة لخلق حب الحقّ. يقول تعالى في بني إسرائيل:{ثُمَّ قست قلوبُكم من بعد ذلك فهي كالحجارةِ أو أشدُّ قسوة وإنّ من الحجارةِ لما يتفجّرُ منهُ الأنهارُ وإنّ منها لما يشقّقُ فيخرجُ منهُ الماءُ وإنّ منها لما يهبطُ من خشيىة الله وما الله بغافلٍ عمّا تعملون}[البقرة74]. ويقول سيد قطب رحمه الله: “والحجارة التي يقيس قلوبهم إليها،فإذا قلوبهم منها أجدب وأقسى..هي حجارة لهم بها سابق عهد. فقد رأوا الحجر تتفجّر منه اثنتا عشرة عيناً،ورأوا الجبل يندّك حين تجلّى عليه الله وخرّ موسى صعقاً!ولكن قلوبهم لاتلين ولاتندى،ولاتنبض بخشية ولاتقوى. قلوب قاسية جاسية مجدبة كافرة..”. لقد بلغت قسوة قلوبهم مبلغاً جعلها لاتتفجر من مؤثرات داخلية فتفيض بعطاء،ولا تتشقق من مؤثرات خارجية تستثير فيها الرحمة فترشح بعطاء،ولاتتصدع لمؤثرات الخشية من الله فتخضع لله وتذلّ،فهي أشدّ قسوة من الحجارة. وكشف الله السبب الذي جعل ذريات بني إسرائيل تقسو قلوبهم،قال تعالى:{فبما نقضهم ميثاقَهُم لعنَّاهم وجعلنا قُلوبَهُم قاسيةً يُحرفونَ الكَلِمَ عن مواضعهِ ونسوا حظاً ممّا ذُكروا به ولاتزالُ تَطّلعُ على خائنةٍ منهم إلا قليلاً منهم فاعفُ عنهم واصفح إنّ الله يحبُ المحسنين}[المائدة 13]. فمعصيتهم لله تعالى،بنقضهم ميثاقهم، سبب لهم الطرد عن الله،وهذا الطرد أبعدهم عن مهابط رحمة الله مصدر كل الرحمات،فأمست قلوبهم جافة قاسية،لاترشح بعطاء ولاتلين بخير،ولاتخضع من خشية العزيز القهار. يقول سيد قطب رحمه الله: “وصدق الله. فهذه سمات يهود التي لاتفارقهم..لعنة تبدو على سيماهم،إذ تنضح بها جبلتهم الملعونة المطرودة من الهداية.وقسوة تبدو في ملامحهم الناضبة من بشاشة الرحمة، وفي تصرفاتهم الخالية من المشاعر الإنسانية، ومهما حاولوا ـ مكراً ـ أبداء اللين في القول عند الخوف وعند المصلحة،والنعومة في الملمس عند الكيد والوقيعة،فإن جفاف الملامح والسمات ينضح ويشي بجفاف القلوب والأفئدة… “. وكشف الله السبب الذي جعل أهل الكتاب عامة تقسو قلوبهم،قال تعالى:{ألم يأنِ للذينَ أمنوا أن تخشعَ قُلوبُهُم لذكرِ الله ومانزلَ من الحقِّ ولايكونوا كالذين أُتوا الكتابَ من قبلُ فطالَ عليهم الأمدُ فقست قلوبهم وكثيرٌ منهم فاسقون}[الحديد 16] وهذه سنة عامة من سنن الله في الخليقة،إن أيّة أمة يطول عليها الأمد وهي تتقلّب في بحبوحة نِعمِ الله على فسق ومعصية ونسيان لربها،تقسو قلوبها فلا تخشع لذكر الله ومانزل من الحق. إن حرارة الإيمان تستطيع أن تنضج القلوب فتلينها وترققها،إذا غذّاها وقود عبادة الله والعمل الصالح،والإكثار من ذكر الله وتدبر آلائه وآياته،ومراقبة عدله وفضله وسلطانه المهيمن على جميع خلقه،ومراقبة علمه ورحمته التي وسع بهما كل شئ،ومتى لانت القلوب ورقت بهذه العوامل الإيمانية والعملية المختلفة غدت كثيرة الخشوع،إذا لامسها ذكر الله استولى الخشوع عليها،واقشعرت من ورائها الجلود،وتدفقت معها الدموع،واستكانت النفس تحت عدة مؤثرات،أهمها الحب والخوف والطمع، فجللتها الخشية.ومتى وصلت القلوب إلى هذه المرتبة تدفقت منها الرحمة،واتجهت شطر مستحقيها بالعطاء والإحسان والإيثار،وسائر الفضائل السلوكية التي تعود إلى خلق الرحمة”. ويقول سيد قطب رحمه الله: “إنه عتاب مؤثر من المولى الكريم الرحيم،واستبطاء للاستجابة الكاملة من تلك القلوب التي أفاض عليها من فضله،فبعث فيها الرسول يدعوها إلى الإيمان بربها،ونزّل عليه الآيات البينات ليخرجها من الظلمات إلى النور،وأراها من آياته في الكون والخلق ما يُبصّر ويُحذّر. عتاب فيه الود،وفيه الحض،وفيه الاستجاشة إلى الشعور بجلال الله،والخشوع لذكره،وتلقي مانزل من الحق بما يليق بجلال الحق من الروعة والخشية والطاعة والاستسلام،مع رائحة التنديد والاستبطاء في السؤال:“ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق“.. وإلى جانب التحضيض والاستبطاء تحذير من عاقبة التباطؤ والتقاعس عن الاستجابة،وبيان لما يغشى القلوب من الصدأ حين يمتد بها الزمن بدون جلاء،وما تنتهي إليه من القسوة بعد اللين حين تغفل عن ذكر الله، وحين لاتخشع للحق:”ولايكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون“…وليس وراء قسوة القلوب إلا الفسق والخروج. إن هذا القلب البشري سريع التقلب،سريع النسيان. وهو يشفّ ويشرق فيفيض بالنور،ويرف كالشعاع،فإذا طال عليه الامد بلا تذكير ولاتذكر تبلّد وقسا،وانطمست إشراقته، وأظلم وأعتم!فلابد من تذكير هذا القلب حتى يذكر ويخشع،ولابد من الطرق عليه حتى يرق ويشف،ولابد من اليقظة الدائمة كي لايصيبه التبلد والقساوة. ولكن لا يأس من قلب خمد وجمد وقسا وتبلد.فإنه يمكن أن تدب فيه الحياة،وأن يشرق فيه النور،وأن يخشع لذكر الله.فالله يحيى الأرض بعد موتها،فتنبض بالحياة، وتزخر بالنبت والزهر،وتمنح الأكل والثمار..وكذلك القلوب حين يشاء الله:{اعلموا أن الله يُحيي الأرض بعد موتها}[الحديد 17] وفي هذا القرآن ما يحيى القلوب كما تحيا الأرض،وما يمدها بالغذاء والري والدفء:{قد بيّنا لكم الآيات لعلكم تعقلون}.[الحديد 17] وحين تشتد قسوة قلوب الأمم،يكون آخر علاج لإصلاحها أن تنزل بها الآلام والمصائب، لتردها إلى الله،فتلجأ إليه،وتتضرّع بانكسارٍ وذلّ لاستدرار رحمته. فإذا لم تليّنها وسيلة العلاج هذه،فقد انتهى دور ابتلائها، وجاء دور إهلاكها،ولكن يأتي إهلاكها وفق سنة الله بعد أن يفتح عليها أبواب كلّ شئ من أبواب الترف والنعمة،حتى إذا فرحت بما جاءها أتاها عذاب الله بغتة فإذا هي حزينة نادمة ساكنة ساكتة يائسة،يقول تعالى:{ولقد أرسلنا إلى أممٍ من قبلكَ فأخذناهُم بالباساء والضراء لعلّهم يتضرعون*فلولا إذ جاءَهُم بأسُنا تضرّعوا ولكن قست قُلُوبُهم وزيّنَ لهمُ الشيطانُ ماكانوا يعملون*فلما نسُوا ماذُكروا بهِ فتحنا عليهم أبوابَ كُلِّ شئٍ حتى إذا فرحوا بما أُوتوا أخذناهم بغتةً فإذا هم مبلسون*فَقُطعَ دابرُ القومِ الذينَ ظلموا والحمدُ لله ربِّ العالمين}[الأنعام 42 ـ 45]. يقول الأستاذ العظيم مصطفى صادق الرافعي رحمه الله(الرسالة العدد 83): “يقول الله تعالى:{ألم يأنِ للذين آمنوا أن تخشعَ قلوبُهم لذكر الله وما نزل من الحق}[الحديد 16] (ألم يان) هذه الكلمة حثٌّ،وإطماعٌ،وجدالٌ،وحجّة،وهي في الآية تصرخ أن خشوع القلب الذي تلك صفته هو كمال الدين للإيمان وأن وقت هذا الخشوع هو كمال العمر،وكيف يعرف المؤمن أنه(سيأنى) له أن يعيش ساعة أو ما دونها؟ إذن فالكلمة صارخةٌ تقول:الآن الآن قبل ألا يكون آن. أي:البدارَ البدارَ ما دمتَ في نفس من العمر،فإن لحظة بعد(الآن) لا يضمنها الحي.وإذا فني وقتُ الإنسان انتهى زمنُ عمله فبقي الأبد كله على ما هو،ومعنى هذا أن الأبد للمؤمن الذي يدرك الحقيقة إن هو إلا اللحظة الراهنة من عمره التي هي (الآن) ،انظر كيف تصنع به؟ ثم قال:(للذين آمنوا) وهذا كالنص على أن غير هؤلاء لا تخشع قلوبهم لذكر الله ولا للحق فلا تقوم بهم الفضيلة،ولا تستقيم بهم الشريعة،وعلمهم وجاهلهم سوء،لا يخشعان إلا للمادة،وكأن إنسانهم ترابي،لا يزال يضطرب على مر الليل والنهار بين طرفين من الحيوان:عيشه وموته،وما تقسو الحياة قسوتها على الناس إلا بهم،وما ترقّ رقتها إلا بالمؤمنين. وجعل الخشوع لقوب خاصة،إذ كان خشوع القلب غير خشوع الجسم،فهذا الأخير لا يكون خشوعاً،بل ذلاً،أو ضعة،أو رياءً،أو نفاقاً،أو ما كان.أما خشوع القلب فلن يكون إلا خالصاً مُخلصاً محض الإرادة. واشترط(القلب) كأنّه يقول:إنما القلب أساس المؤمن،وإن المؤمن ينبع من قلبه لا من غيره،متى كان هذا القلب خاشعاً لله وللحق.فإن لم يكن قلبه على تلك الحال،نبعَ منه الفاسق والظالم والطاغية وكل ذي شر.ما أشبه القلب تنفرع منه معاني الخٌُلق،بالحبة تنسرح منها الشجرة،فخذ نفسك من قلبك كما شئت،حلوا من حلو ومراً من مر. وخشوع القلب لله وللحق،معناه السمو فوق حبّ الذات وفوق الأثرة والمطامع الفاسدة،وهذا يضع للمؤمن قاعدة الحياة الصحيحة،ويجعلها في قانونين لا قانون واحد،ومتى خشع القلب لله وللحق عظمت فيه الصغائر من قوة إحساسه بها،فيراها كبيرة كبيرة وإن عمى الناس عنها،ويراها وهي بعيدةٌ منه بمثل عين العُقاب،يكون في لوح الجو ولا يغيب عن عينه ما في الثرى. وقد تخشع القلوب لبعض الأهواء خشوعاً هو شرٌّ من الطغيان والقسوة،فتقييد خشوع القلب (بذكر الله)هو في نفسه نفيٌّ لعبادة الهوى وعبادة الذات الإنسانية في شهواتها. والخشوع لما(نزل من الحق) هو في مناه نفيٌّ آخرٌ للكبرياء الإنسانية التي تفسد على المرء كل حقيقة،وتخرج به من كل قانون ،إذ تجعل الحقائق العامة محدودة بالإنسان وشهواته،لا بحدودها هي من الحقوق والفضائل”. يقول سيد قطب رحمه الله: “إنها المواجهة بنموذج من بأس الله سبحانه. نموذج من الواقع التاريخي.نموذج يعرض ويفسر كيف يتعرض الناس لبأس الله،وكيف تكون عاقبة تعرضهم له،وكيف يمنحهم الله الفرصة بعد الفرصة،ويسوق إليهم التنبيه بعد التنبيه،فإذا نسوا ما ذكروا به،ولم توجههم الشدّة إلى التوجه إلى الله والتضرع له،ولم توجههم النعمة إلى الشكر والحذر من الفتنة، كانت فطرتهم قد فسدت الفساد الذي لايرجى معه صلاح،وكانت حياتهم قد فسدت الفساد الذي لاتصلح معه للبقاء. فحّقت عليهم كلمة الله.ونزل بساحتهم الدمار الذي لاتجو منه ديار.. والله يقول الحق،ويعلم ماذا كان،ولماذا كان. ويقص على عبيده ـ رحمة منه وفضلاً ـ جانباً من أسرار سنته وقدره،ليأخذوا حذرهم ويتعظوا،وليدركوا كذلك ما وراء الواقع التاريخي من عوامل كامنة وأسباب ظاهرة،يفسرون بها هذا الواقع التاريخي تفسيراً كاملاً صحيحاً. وفي هذه الآيات تصوير وعرض لنموذج متكرر في أمم شتى.. أمم جاءتهم رسلهم. فكذبوا.فأخذهم الله بالبأساء والضراء. في أموالهم وفي أنفسهم.في أحوالهم وأوضاعهم.البأساء والضراء التي لاتبلغ أن تكون “عذاب الله” الذي تحدثت عنه الآية السابقة، وهو عذاب التدمير والاستئصال… لقد أخذهم الله بالبأساء والضراء ليرجعوا إلى أنفسهم،وينقبوا في ضمائرهم وفي واقعهم،لعلهم تحت وطأة الشدة يتضرعون إلى الله،ويتذلّلون له،وينزلون عن عنادهم واستكبارهم، ويدعون الله أن يرفع عنهم البلاء بقلوب مخلصة،فيرفع الله عنهم البلاء،ويفتح لهم أبواب الرحمة…ولكنهم لم يفعلوا ماكان حريّاً أن يفعلوا. لم يلجأوا إلى الله،ولم يرجعوا عن عنادهم،ولم ترد إليهم الشدة وعيهم، ولم تفتح بصيرتهم، ولم تلين قلوبهم. وكان الشيطان من ورائهم يزين لهم ماهم فيه من الضلال والعناد:”ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون“.. والقلب الذي لاترده الشدة إلى الله قلب تحجّر فلم تعد فيه نداوة تعصرها الشدة.ومات فلم تعد الشدة تثير فيه الإحساس!وتعطّلت أجهزة الاستقبال الفطرية فيه،فلم يعد يستشعر هذه الوخزة الموقظة،التي تنبه القلوب الحيّة للتلقي والاستجابة.والشدة ابتلاء من الله للعبد،فمن كان حياً أيقظته،وفتحت مغاليق قلبه،وردّته إلى ربه، وكانت رحمة له من الرحمة التي كتبها الله على نفسه..ومن كان ميتاً حسبت عليه، ولم تفده شيئاً،وإنما أسقطت عذره وحججه، وكانت عليه شقوة،وكانت موطئة للعذاب! ويتابع سيد قطب رحمه الله:”إن الرخاء ابتلاء آخر كابتلاء الشدة.وهو مرتبة أشد وأعلى من مرتبة الشدة!والله يبتلي بالرخاء كما يبتلي بالشدة.يبتلي الطائعين والعصاة سواء..بهذه وبذاك سواء..والمؤمن يبتلى بالشدة فيصبر،ويبتلى بالرخاء فيشكر. ويكون أمره كله خيراً..وفي الحديث الشريف:”عجباً لأمر المؤمن ،إن أمرهُ كلّه خير، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابته سرّاء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاء ،صبر فكان خيراً له“[رواه مسلم عن صهيب الرومي رضي الله عنه]. فأما هذه الأمم التي كذبت بالرسل، والتي يقص الله من أنبائها هنا. فإنهم لما نسوا ماذكروا به، وعلم الله سبحانه أنهم مهلكون،وابتلاهم بالبأساء والضراء فلم يتضرعوا…فأما هؤلاء فقد فتح عليهم أبواب كل شئ للإستدراج بعد الابتلاء..والتعبير القرآني”فتحنا عليهم أبواب كل شئ“..يصور الأرزاق والخيرات،والمتاع، والسلطان..متدفقة كالسيول،بلاحواجز ولاقيود!وهي مقبلة عليهم بلا عناء ولا كد ولا حتى محاولة! “حتى إذا فرحوا بما أوتوا“..وغمرتهم الخيرات والأرزاق المتدفقة،واستغرقوا في المتاع بها والفرح لها ـ بلا شكر ولاذكر ـ وخلت قلوبهم من الاختلاج بذكر المنعم ومن خشيته وتقواه، وانحصرت اهتماماتهم في لذائذ المتاع واستسلموا للشهوات،وخلت حياتهم من الاهتمامات الكبيرة كما هي عادة المستغرقين في اللهو والمتاع.وتبع ذلك فساد النظم والأوضاع،بعد فساد القلوب والأخلاق،وجر هذا وذلك إلى نتائجه الطبيعية من فساد الحياة كلها… عندئذ جاء موعد السنة التي لاتتبدل:”أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون“.. فكان أخذهم على غرّة،وهم في سهوة وسكرة. فإذا هم حائرون منقطعو الرجاء في النجاة عاجزون عن التفكير في أي اتجاه. وإذا هم مهلكون بجملتهم حتى آخر واحد منهم.“فقطع دابر القوم الذين ظلموا“..ودابر القوم هو آخر واحد منهم يدبرهم أي يجيئ على أدبارهم فإذا قطع هذا فأوائلهم أولى! “والحمد لله رب العالمين“..تعقيب على استئصال الظالمين(المشركين) بهذا الاستدراج الإلهي والكيد المتين..وهل يحمد الله على نعمة أجل من نعمة تطهير الأرض من الظالمين، أو على رحمة أجل من رحمته لعباده بهذا التطهير؟انتهى كلام الشهيد رحمه الله. ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(المنار العدد375 الموافق 22 شباط عام 1917): “والمعنى: قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين المكذبين أرأيتم أنتم أنفسكم كيف تكون حالكم ـ أو أخبروني عن رأيكم أو عن مبلغ عملكم في أنفسكم ـ إن أتاكم عذاب الله الذي نزل بمن كان من أقوام الرسل قبلكم،كالريح الصرصر العاتي،والصاعقة أو الرجفة القاضية، ومياه الطوفان المغرقة،وحرارة الظّلة المحرقة،أو أتتكم الساعة بمقدمات أهوالها، أو ما يلي البعث من خزيها ونكالها،أغير الله في هذه الحالة تدعون؟ أم إلى غيره فيها تجأرون؟ ويتابع رحمه الله:”أقسم الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه أرسل رسلاً قبله إلى أمم قبل أمته فكانوا أرسخ من قومه في الشرك ،وأشد منهم إصراراً على الظلم،فإن قومه يدعون الله تعالى وحده عند شدة الضيق وينسون ماتخذوه من دونه من الأولياء والأنداد،وأما تلك الأمم فلم تلن الشدائد قلوبهم. ولم تصلح ما أفسد الشيطان من فطرتهم. ويتابع:” ومعنى الآية: نقسم إننا قد أرسلنا رسلاً إلى أمم من قبلك فدعوهم إلى توحيدنا وعبادتنا فلم يستجيبوا لهم فأخذناهم أخذ ابتلاء واختبار بالبأساء والضراء ليكون ذلك معدا لهم لما يترتب عليه بحسب طباع البشر أخلاهم من التضرع والجؤار بالدعاء، إذ مضت سنتنا بجعل الشدائد مربية للناس،ترجع المغرورين عن غرورهم،وتكفّ الفجار عن فجورهم،وهي جديرة بأن ترجع أهل الأوهام،عن دعاء أمثالهم من البشر،دع مادونهم من الأصنام،ولكن من الناس من يصل إلى غاية من الشرك والفسق،لايزيلها بأس ولايزلزلها بؤس،فلا تنفع معهم العبر،ولا تؤثر فيهم الغير، وكان أولئك الأقوام منهم. ويتابع رحمه الله:”فهلا خاشعين لنا تائبين إلينا،عندما جاءهم البئيس من عذابنا،فرأوا بوادره ،وحذروا أواخره،لنكشفه عنهم،قبل أن يحيط بهم؟ ولكن قست قلوبهم فكانت أقسى من الحجر،إذ لم تؤثر فيها النذر،وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون من الكفر والمعاصي،بما يوسوس إليهم من تحسين الثبات على ما كان عليه أباؤهم وأجدادهم. “فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ” أي فلما أعرضوا عما أنذرهم ووعظهم به الرسل وتركوا الاهتداء به حتى نسوه أو جعلوه كالمنسي في عدم الإعتبار والإتعاظ لإصررهم على كفرهم،وجمودهم على تقليد من قبلهم ،بلوناهم بالحسنات بما فتحنا عليهم أبواب كل شئ من أنواع سعة الرزق ورخاء العيش وصحة الأجسام ،والأمن على الأنفس والأموال، فلم يتربوا بالنعم،ولا شكروا المنعم ،بل أفادتهم النعم فرحاً وبطراً، كما أفادتهم الشدائد قسوة وشراً. “حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون” أي أخذناهم بعذاب الإستئصال أخذ بغتة إذ فجأهم على غرّة من غير سبق أمارة ولا إمهال للاستعداد أو للهرب ،فإذا هم مبلسون أي متحسرون يائسون من النجاة. أو هالكون منقطعة حججهم،والإبلاس في اللغة:اليأس والقنوط من الخير والرحمة،والتحير والهشة، وانقطاع الحجة،والسكوت من الحزن أو الخوف والغم. ويتابع رحمه الله:”والآية تفيد أن البأساء والضراء، وما يقابلها من السراء والنعماء،مما يتربى ويتهذّب به الموفقون من الناس،وإلا كانت النعم،أشد وبالاً عليهم من النقم”. انتهى كلام الشيخ رشيد رضا. أما من قست قلوبهم قسوة بالغة،فهي لاتلين عند ذكر الله، فلاتخاف ولاتخشى،وتظل معرضة عن ذكر الله، ولايزيدها التذكير بالله إلا قسوة ونفرة، فأولئك الويل لهم،يقول تعالى:{أفمن شرحَ اللهُ صدرَهُ للإسلام فهوَ على نورٍ من ربّهِ فويلٌ للقاسيةِ قُلُوبهم من ذكرِ الله أولئك في ضلالٍ مبين}[الزمر 22]. الصفات الأخرى للقلوب المريضة: يقول الإمام ابن القيم رحمه الله(الداء والدواء ص100): “والمعاصي تضعف القلب، ومن عقوباتها:أنها تضعف سير القلب إلى الله والدار الآخرة،أو تعوقه أو توقفه وتقطعه عن السير،فلاتدعه يخطو إلى الله خطوة،هذا إن لم ترده عن وجهته إلى ورائه،فالذنب يحجب الوصل، ويقطع السائر، وينكس الطالب،والقلب إنما يسير إلى الله بقوته، فإذا مرض بالذنوب ضعفت تلك القوة التي تسيره،فإن زالت بالكلية انقطع عن الله انقطاعاً يبعد تداركه، والله المستعان. ويتابع:”فالذنب إما يميت القلب،أو يمرضه مرضاً مخوفاً،أو يضعف قوته،ولابد حتى ينتهي ضعفه إلى الأشياء الثمانية التي استعاذ منها النبي صلى الله عليه وسلم وهي:الهم ، والحزن، والعجز، والكسل، والجبن، والبخل، وضَلع الدين(ثقله وقهره)،وغلبة الرجال، وكل اثنين منها قرينان. فالهم والحزن قرينان:فإن المكروه الوارد على القلب إن كان من أمر مستقبل يتوقعه أحدث الهم،وإن كان من أمر ماض،قد وقع أحدث فيه الحزن. والعجز والكسل قرينان:فإن تخلف العبد عن أسباب الخير والفلاح،إن كان لعدم قدرته فهو العجز،وإن كان لعدم إرادته فهو الكسل. والجبن والبخل قرينان:فإن عدم النفع منه إن كان ببدنه فهو الجبن،وإن كان بماله فهو البخل. وضلع الدين وقهر الرجال قرينان:فإن استعلاء الغير عليه إن كان بحقّ فهو من ضلع الدين،وإن كان بباطل فهو قهر الرجال. ويتابع ابن القيم رحمه الله(نفس المرجع ص104): “ومن عقوبات المعاصي أنها تصرف القلب عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه،فلايزال مريضاً معلولاً لاينتفع بالأغذية التي بها حياته وصلاحه،فإن تأثير الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان،بل الذنوب أمراض القلوب وداؤها، ولادواء إلا تركها. وقد أجمع السائرون إلى الله أن القلوب لاتعطى مناها حتى تصل إلى مولاها،ولاتصل إلى مولاها حتى تكون صحيحة سليمة ولاتكون صحيحة سليمة حتى ينقلب داؤها فيصير نفس دوائها، ولايصح لها ذلك إلا بمخالفة هواها،فهواها مرضها،وشفاها مخالفته،فإن استحكم المرض قتل أو كاد. وكما أن من نهى نفسه عن الهوى كانت الجنة مأواه فكذا يكون قلبه في هذه الدار في جنة عاجلة، لايشبه نعيم أهلها نعيماً البته،بل التفاوت الذي بين النعيمين،كالتفاوت بين نعيم الدنيا والآخرة،وهذا أمر لايصدق به إلا من باشر قلبه هذا وهذا. ولاتحسب أن قوله تعالى:{إنَّ الأبرارَ لفي نعيمٍ*وإنّ الفجارَ لفي جحيم}[الانفطار 13 ـ 14] مقصور على نعيم الآخرة وجحيمها فقط بل في دورهم الثلاثة هم كذلك ـ أعني دار الدنيا، ودار البرزخ،ودار القرارـ فهؤلاء في نعيم، وهؤلاء في جحيم، وهل النعيم إلا نعيم القلب؟وأي عذاب أشدّ من الخوف والهم والحزن، وضيق الصدر، وإعراضه عن الله والدار الآخرة،وتعلقه بغير الله وانقطاعه عن الله،بكل واد منه شعبة؟ وكل من تعلق به وأحبه من دون الله فإنه يسومه سوء العذاب. فكل من أحب شيئاً غير الله عذب به ثلاث مرات في هذه الدار،فهو يعذب به قبل حصوله حتى يحصل،فإذا حصل عذب به حال حصوله بالخوف من سلبه وفواته،والتنغيص والتنكيد عليه،وأنواع من العذاب في هذه المعارضات،فإذا سلبه اشتد عليه عذابه فهذه ثلاثة أنواع من العذاب في هذه الدار. وأما في البرزخ: فعذاب يقارنه ألم الفراق الذي لايرجو عوده وألم فوات مافاته من النعيم العظيم باشتغاله بضده،وألم الحجاب عن الله،وألم الحسرة التي تقطّع الأكباد،فالهم والغم والحزن تعمل في نفوسهم نظير مايعمل الهوام والديدان في أبدانهم،بل عملها في النفوس دائم مستمر،حتى يردها الله إلى أجسادها، فحينئذ ينتقل العذاب إلى نوع هو أدهى وأمرّ فأين هذا من نعيم من يرقص قلبه طرباً وفرحاً وأنساً بربه،واشتياقاً إليه،وارتياحاً بحبه،وطمأنينة بذكره؟حتى يقول بعضهم في حال نزعه:واطرباه.ويقول الآخر: مساكين أهل الدنيا،خرجوا منها وماذاقوا لذيذ العيش فيها،وماذاقوا أطيب مافيها.ويقول الآخر: لو علم الملوك وأبناء الملوك مانحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف”. ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله(الداء والدواء ص160): بعض عقوبات المعاصي: 1 ـ الختم على القلب: ـ فمنها الختم على القلوب والأسماع، والغشاوة على الأبصار،والإقفال على القلوب،وجعل الأكنة عليها،والرين عليها والطبع،وتقليب الأفئدة،والأبصار، والحيلولة بين المرء وقلبه ،وإغفال القلب عن ذكر الرب، وإنساء الإنسان نفسه.وترك إرادة الله تطهير القلب،وجعل الصدر ضيقاً حرجاً كأنّما يصعّد في السماء،وصرف القلوب عن الحق،وزيادتها مرضاً على مرضها،وإركاسها وإنكاسها،بحيث تبقى منكوسة كما ذكر الإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه قال:”القلوب أربعة: فقلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن،وقلب أغلف فذلك قلب الكافر،وقلب منكوس: فذلك قلب المنافق، وقلب تمده مادتان:مادة إيمان، ومادة نفاق، وهو لما غلب عليه منهما“. ـ ومنها: التثبيط عن الطاعة،والإقعاد عنها. ـ ومنها: جعل القلب أصم لايسمع، أبكم لاينطق به،أعمى لايراه،فتصير النسبة بين القلب وبين الحق الذي لاينفعه غيره، كالنسبة بين أذن الأصم والأصوات وعين الأعمى والألوان،ولسان الأخرس والكلام.وبهذا يعلم أن العمى والصمم والبكم للقلب بالذات الحقيقة، وللجوارح بالعرض والتبعية{فإنها لاتعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}[الحج46]وليس المراد نفي العمى الحسّي عن البصر،كيف وقد قال تعالى:{ليس على الأعمى حرج} [النور61]، وقال:{ عبس وتولى*أن جاءهُ الأعمى}[عبس 1 ـ 2]، وإنما المراد العمى التام في الحقيقة عمى القلب، حتى إن عمى البصر بالنسبة إليه لاعمى،حتى إنه يصح نفيه بالنسبة إلى كماله وقوته،كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:“ليس الشديد بالصرعة ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب“. والمقصود: أن من عقوبات المعاصي جعل القلب أعمى أصم أبكم. يقول سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى:{فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}[الحج 46]يقول رحمه الله: “أفلم تكن لهم قلوب؟فإنهم يرون ولايدركون، ويسمعون ولا يعتبرون. ويمعن في تحديد مواضع القلوب”التي في الصدور” زيادة في التوكيد، وزيادة في إثبات العمى لتلك القلوب على وجه التحديد!ولو كانت هذه القلوب مبصرة لجاشت بالذكرى،وجاشت بالعبرة،وجنحت إلى الإيمان خشية العاقبة الماثلة في مصارع الغابرين،وهي حولهم كثير”. 2 ـ خسف القلب: ـ ومنها الخسف بالقلب كما يخسف بالمكان ومافيه.فيخسف به إلى أسفل السافلين، وصاحبه لايشعر،وعلامة الخسف به،أنه لايزال جوالاً حول السفليات والقاذورات والرذائل.كما أن القلب الذي رفعه الله وقربه إليه لايزال جوالاً حول العرش. ـ ومنها: البعدعن البر والخير ومعالي الأعمال والأقوال والأخلاق. يقول ابن القيم رحمه الله ورضي عنه(بدائع الفوائد): “متى رأيت القلب قد ترّحل عنه حب الله والاستعداد للقائه،وحلّ فيه حب المخلوق،والرضا بالحياة الدنيا،والطمأنينة بها،فاعلم أنه قد خسف به”. قال بعض السلف:”إن هذه القلوب جوالة، فمنها مايجول حول العرش،ومنها مايجول حول الجُشّ”. 3 ـ مسخ القلب: ـ ومنها :مسخ القلب،فيمسخ كما تمسخ الصورة.فيصير القلب على قلب الحيوان الذي شابهه في أخلاقه وأعماله وطبيعته،فمن القلوب مايمسخ على قلب خنزير لشدة شبه صاحبه به،ومنا مايمسخ على خلق قلب كلب أو حمار أو حية أو عقرب وغير ذلك.وهذا تأويل سفيان بن عيينة في قوله تعالى:{ومامن دابةٍ في الأرض ولاطائرٍ يطير بجناحيهِ إلا أمم أمثالكم} [الأنعام 38].قال: منهم مايكون على أخلاق السباع العادية،ومنهم مايكون على أخلاق الكلاب وأخلاق الخنازير وأخلاق الحمير،ومنهم من يتطوس في ثيابه كما يتطوس الطاووس في ريشه، ومنهم من يكون بليداً كالحمار،ومنهم من يؤثر على نفسه كالديك،ومنهم من يألف ويؤلف كالحمام، ومنهم الحقود كالجمل،ومنهم الذي هو خير كله كالغنم،ومنهم أشباه الثعالب التي تروغ كروغانها،وقد شبه الله تعالى أهل الجحيم والبغي بالحمر تارة،وبالكلب تارة،وبالأنعام تارة،وتقوى هذه المشابهة باطناً حتى تظهر في الصورة الظاهرة ظهوراً خفياً،يراه المتفرسون،وتظهر الأعمال ظهوراً يراه كل أحد، ولايزال يقوى حتى تستشنع الصورة،فتنقلب له الصورة بإذن الله ، وهو المسخ التام، فيقلب الله سبحانه وتعالى الصورة الظاهرة على صورة ذلك الحيوان، كما فعل باليهود وأشباههم، ويفعل بقوم من هذه الأمة يمسخهم قردة وخنازير. يقول شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية رحمه الله(الاستقامة): “وهذا الحسن والجمال الذي يكون عن الأعمال الصالحة في القلب يسري إلى الوجه،والقبح والشين الذي يكون عن الاعمال الفاسدة في القلب يسري إلى الوجه،كما تقدم.ثم إن ذلك يقوى بقوة الأعمال الصالحة والأعمال الفاسدة،فكلما كثر البر والتقوى قوى الحسن والجمال،وكلما قوى قوى الإثم والعدوان قوى القبح والشين.حتى ينسخ ذلك ما كان للصورة من حسن وقبح.فكم ممن لم تكن صورته حسنة ولكن من الأعمال الصالحة ما عظم به جماله وبهاؤه،حتى ظهر ذلك على صورته. ولهذا ظهر ذلك ظهوراً بيناً عند الإصرار على القبائح في آخر العمر عند قرب الموت،فنرى وجوه أهل السنة والطاعة كلما كبروا ازداد حسنها وبهاؤها،حتى يكون أحدهم في كبره أحسن وأجمل منه في صغره،ونجد وجوه أهل البدعة والمعصية كلما كبروا عظم قبحها وشينها،حتى لا يستطيع النظر إليها من كان منبهراً بها في حال الصغر لجمال صورتها. وهذا ظاهر لكل أحد فيمن يعظم بدعته وفجوره،مثل الرافضة وأهل المظالم والفواحش،فإن الرافضي كلما كبر قبح وجهه وعظم شينه،حتى يقوى شبهه بالخنزير،وربما مسخ خنزيراً وقرداً،كما قد تواتر ذلك عنهم. ومن هذا أن الذين قوي فيهم العدوان مسخهم الله قردة وخنازير من الأمم المتقدمة.وقد ثبت في الصحيح أنه سيكون في هذه الأمة أيضاً من يُمسخ قردة وخنازير،فإن العقوبات والمثوبات من جنس السيئات والحسنات. ويقول ابن القيم رحمه الله(مفتاح دار السعادة): “وتأمل حكمته تعالى في مسخ من مسخ من الأمم في صورٍ مختلفة مناسبة لتلك الجرائم،فإنها لما مُسخت قلوبهم وصارت على قلوب تلك الحيوانات وطباعها اقتضت الحكمة البالغة أن جُعلت صورهم على صورها لتتم المناسبة ويكمل الشبه،وهذا غاية الحكمة. 4 ـ نكس القلب: يقول ابن القيم رحمه الله(الداء والدواء): “ومنها: نكس القلب حتى يرى الباطل حقاً،والحق باطلاً،والمعروف منكراً والمنكر معروفاً، ويفسد ويرى أنه يصلح، ويصد عن سبيل الله وهو يرى أنه يدعو إليها،ويشتري الضلالة بالهدى، وهو يرى أنه على الهدى،ويتبع هواه وهو يزمع أنه مطيع لمولاه؟وكل هذا من عقوبات الذنوب الجارية على القلب”. 5 ـ حجب القلب عن الرب: يقول ابن القيم رحمه الله(الداء والدواء): “ومنها: حجاب القلب عن الرب في الدنيا،والحجاب الأكبر يوم القيامة، كما قال تعالى:{كلا بل رانَ على قلوبهم ما كانوا يكسبون* كلا إنّهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} [المطففين 14 ـ15]، فمنعتهم الذنوب أن يقطعوا المسافة بينهم وبين قلوبهم،فيصلوا إليها فيروا مايصلحها ويزكيها. ومايفسده ويشقيها، وأن يقطعوا المسافة بين قلوبهم وبين ربهم،فتصل القلوب إليه فتفوز بقربه وكرامته،وتقرّ به عيناً وتطيب به نفساً،بل كانت الذنوب حجاباً بينهم وبين ربهم وخالقهم”. يقول سيد قطب رحمه الله في تفسير الآيات من ىسورة المطففين: “بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون“أي غطى على قلوبهم ما كانوا يكسبونه من الإثم والمعصية. والقلب الذي يمرد على المعصية ينطمس ويظلم،ويرين عليه غطاء كثيف يحجب النور عنه ويحجبه عن النور،ويفقده الحساسية شيئاً فشيئاً حتى يتبلد ويموت..”. ويقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين: هناك عشرة حجب بين العبد وربه وهي: 1 ـ الحجاب الأول:الجهل بالله: من يجهل شيئاً لا يعرف قدره ولا قيمته،فالجاهل بالله غافل عن الله،والإنسان يشرف بقدر ما يعلم وهل هناك أشرف من العلم بالله فهو أشرف معلوم،كما قال الإمام الغزالي. ولذلك ينبغي على المسلم أن يزيل الجهل بالله بمعرفته من خلال أسمائه الحسنى وصفاته العلا،فتدرك عظمة الله وجلاله وما يستحقه من التعظيم والتوقير والإجلال كما قال تعالى:{وما قدروا الله حقّ قدره}[الأنعام 91]. فالتعرف على الله تعالى بأسمائه وصفاته وآلائه وإحسانه سبب لبلوغ المحبة،فالعبد كما يقول ابن القيم:”إذا عرف أن الله تعالى هو الخالق الذي خلقه وسواه وجمّل صورته،أحبه وازداد له حبياً سبحانه وتعالى،وإذا عرف أن الله سبحانه هو الرّزاق المدبر الحيّ القيّوم،القائم بتدبير الخلق وأرزاقهم وجميع أحوالهم،والذي لا قيام لأحوالهم إلا به سبحانه،ازداد له حباً وقُرباً،وإذا طالع العبد نِعم الله عليه وإحسانه إليه في كل نفسٍ من أنفاسه،أحبّ ربّه بلا ريب،فإن القلوب جُبلت على حبّ من أحسن إليها وبغض من أساء إليها،ولا أحد أعظم إحساناً من الله سبحانه،فإن إحسانه على عبده في كل نفسٍ ولحظة،وهو يتقلب في إحسانه في جميع أحواله،ولاسبيل له إلى ضبط أجناس هذا الإحسان،فضلاً عن أنواعه أو عن أفراده(طريق الهجرتين لابن القيم). 2 ـ الحجاب الثاني:البدعة: فمن ابتدع حُجب عن الله ببدعته،فتكون بدعته حجاباً بينه وبين الله حتى يتخلص منها،قال صلى الله عليه وسلم:”من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد”[متفق عليه]. 3 ـ الكبائر الباطنة: وهي المتعلقة بالقلب كالخيلاء،والفخر،والكبر،والحسد،والعُجب،والرياء، والغرور،هذه الكبائر الباطنة إذا وقعت في القلب ،كانت حجاباً بين قلب العبد وبين الرب،ذلك أن الطريق إلى الله إنما تقطع بالقلوب، ولا تقطع بالأقدام،والمعاصي القلبية قطّاع الطريق. يقول ابن القيم رحمه الله:”وقد تستولى النفس على العمل الصالح،فتصيره جنداً لها،فتصول به وتطغى،فترى العبد أطوع ما يكون،أزهد ما يكون،وهو عن الله أبعد ما يكون،فتأمل!!هل القلب الذي ترى فيه حسداً أو غلاً يخشع بين يدي الله؟ كلا لن يذوق طعم الخشوع،فلا يصل إلى الله إلا صاحب القلب السليم.قال تعالى:{إذ جاء ربّه بقلب سليم}[الصافات 84]. وقالوا القلب السليم هو الذي لا غش فيه ولا غل ولا حسد،كما في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم :أي الناس أفضل؟قال:”كل مخموم القلب،صدوق اللسان،قالوا:صدوق اللسان نعرفه،فما مخموم القلب؟قال: هو التقي النقي،لا إثم فيه ولا بغي،ولا غل ولا حسد”[رواه ابن ماجه وصحه الألباني]. 4 ـ الحجاب الرابع:حجاب أهل الكبائر الظاهرة أي الجوارح: ماهو تعريف الكبائر؟ قال الإمام الماوردي:الكبيرة ما وجبت فيه الحدود أو توجه إليها الوعيد. وهذا يشمل كل ماثبت في النصوص أنه كبيرة كالشرك،والقتل،والزنا،والسحر،وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات،وغير ذلك من الكبائر التي فيها عقوبات مقدرة،ويشمل أيضاً ماورد فيه الوعيد كالفرار من الزحف وأكل مال اليتيم وأكل الربا وعقوق الوالدين واليمين الغموس وشهادة الزور،ويشمل كل ذنب توعد صاحبه بانه لا يدخل الجنة،وما قيل فيه من فعله ليس منا،وما ورد من نفي الإيمان عن من ارتكبه. غير أنه لا صغيرة مع الإصرار،ولا كبيرة مع الاستغفار،والإصرار هو الثبات على المخالفة،والعزم على المعاودة. 5 ـ الحجاب الخامس:حجاب أهل الصغائر: إن الصغائر تعظم،وكم من صغيرة أدّت بصاحبها إلى سوء الخاتمة،والعياذ بالله،فالمؤمن هو المعظم لجنايته يرى ذنبه ـ مهما كان صغيراً ـ كبيراً لأنه يُراقب الله،كما أنه لا يحقرن من المعروف شيئاً لأنه يرى فيه منّة الله وفضله،فيظل بين هاتين المنزلتين حتى ينخلع من قلبه استغار الذنب واحتقار الطاعة،فيقبل على ربه الغفور الرحيم التواب المنان المنعم فيتوب إليه فينقشع عنه هذا الحجاب. 6 ـ حجاب الشرك: وهذا من أعظم الحجب وأغلظها وأكثفها،وقطعه وإزالته بتجريد التوحيد. 7 ـ الحجاب السابع:حجاب أهل الفضول والتوسع في المباحات: وقد ذكر أعلاه. 8 ـ الحجاب الثامن:حجاب أهل الغفلة عن الله: والغفلة تستحكم في القلب حين يفارق محبوبه جلّ وعلا،فيتبع المرء هواه،ويوالي الشيطان وينسى الله،قال تعالى:{ولا تُطعْ من أغفلنا قلبَهُ عن ذكرنا واتّبعَ هواهُ وكانَ أمرهُ فُرُطا}[الكهف 28] 9 ـ حجاب العادات والتقاليد والأعراف: والعادات والاعراف لها سلطانها على النفوس،وتمكنها من حياة الناس،يشق نزعهم عنها،ويصعب التخلص منها،والفطرة الإنسانية تميل إلى الأنس بما اعتادته،والركون إلى ما عرفته،فأعراف الناس وعاداتهم جزء من حياتهم،ورمز من رموز حضارتهم وثقافتهم،وقد أقرَ الشرع الأعراف الصالحة،أما الأعراف الفاسدة فإن الشرع ينهى عنها ويأباها. والقاعدة في ذلك أن كل ماتعارف عليه الناس واعتادوه وساروا عليه ولم يكن فيه حكم شرعي مقرّر فإنه يوزن بميزات المصلحة الشرعية بعيداً عن الأغراض والعصبيات،فإذا كانت العادة أو العرف يحقق للناس مصلحة راجحة أو يدفع عنهم مفسدة ظاهرة ولا يُخلّ بالمجتمع فهو عُرف مقبول وعادة نافذة،والإسلام أقرَ من الأعراف ما كان صالحاً نافعاً لا يعارض أحكام الشرع المطهر وأصلح بعض الأعراف وقومها. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله فيمن يستمسك بالعادات والأعراف ويقدمها على أحكام شرع الله وما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إنه يعرض لهم فساد في فِطرهم وظلمة في قلوبهم،وكدر في أفهامهم،ومَحق في عقولهم فيتربى عليها الصغير،ويهرم عليها الكبير”. 10 ـ حجاب العُجب بالعمل: أن يرى المرء عمله، فيكون عمله حجاباً بينه وبين الله،فإن رضا العبد بطاعته،دليل على حسن ظنه بنفسه،وجهله بحقيقة العبودية،وعدم علمه بما يستحقه الرب جلّ جلاله،فالرضا بالطاعة من رعونات النفس وحماقتها. 6 ـ المعيشة الضنك: ومنها: المعيشة الضنك في الدنيا وفي البرزخ والعذاب في الآخرة،قال تعالى:{ ومن أعرض عن ذكري فإنّ لهُ معيشةً ضَنكاً ونحشرهُ يوم القيامةِ أعمى}[طه 124]وفسرت المعيشة الضنك بعذاب القبر،ولاريب أنه من المعيشة الضنك. والآية تتناول ما هو أعمّ منه،وإن كانت نكرة في سياق الإثبات،فإن عمومها من حيث المعنى. فإنه سبحانه رتب المعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره،فالمعرض عنه له من ضنك المعيشة بحسب إعراضه، وإن تنعم في الدنيا بأصناف النعم.ففي قلبه من الوحشة والذل والحسرات التي تقطع القلوب،والأماني الباطلة والعذاب الحاضر مافيه.وإنما يواريه عنه سكرات الشهوات والعشق وحب الدنيا والرياسة،وإن لم ينضم إلى ذلك سكر الخمر،فسكر هذه الأمور أعظم من سكر الخمر،فإنه يفيق صاحبه ويصحو، وسكر الهوى وحب الدنيا لايصحو صاحبه إلا إذا كان صاحبه في عسكر الأموات،فالمعيشة الضنك لازمة لمن أعرض عن ذكر الله الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم في دنياه وفي البرزخ ويوم معاده.ولاتقرّ العين، ولايهدأ القلب، ولاتطمئن النفس إلا بإلهها ومعبودها الذي هو حق”. ويقول الأستاذ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني (كتاب الأخلاق الإسلامية وأسسها ج1 ص)265: “علمنا أن القلب دائرة من دوائر النفس، وأن مجموعة من خصائصها ووظائفها وأمراضها تتركز فيه.وهذه مفاهيم دلت عليها نصوص قرآنية كثيرة،والقلب هو مستقر الإيمان،والإيمان هو اعتراف داخلي إرادي بفكرة من الأفكار،وتسليم بها،واستمساك بما اشتملت عليه، وتوجيه للعواطف الملائمة لها في اتجاهها.وفكرة النفاق ودوافعه حينما تتأصل تصل إلى دائرة القلب،فتدخل فيه.ويتأثر القلب فيما يعتقده ويجزم به من أفكار، بما يُزيّنها في النفوس، أو تأتي الأفكار نفسها مزينة، تكون أسرع نفاذاً في دوائر النفس حتى تستقر داخل دائرة القلب.وتكون حالة القلب فيما يعتقده ويؤمن به على مستويين: الأول: مستوى المؤمن غير المطمئن. الثاني: وهو الأعمق، مستوى المؤمن المطمئن. دلّ على ذلك نصوص متعددة، منها ما أجاب إبراهيم عليه السلام ربّه، فيما حكاه الله بقوله في سورة البقرة:{ وإذ قالَ إبراهيمُ ربِّ أرني كيفَ تُحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن لِيطمئنَّ قلبي}[البقرة270]. وفي شأن المكره على إعلان الكفر قال الله تعالى:{ من كَفرَ بالله من بعدِ إيمانهِ إلا من أُكرِهَ وقلبهُ مطمئنٌ بالإيمان ولكن من شرح بالكفرِ صدراً فعليهم غَضبٌ من الله ولهم عَذابٌ عظيم}[النحل106]. وقد تحصل الطمأنينة عقب الإيمان دون حاجة إلى فاصل زمني،إذ تكون أدلة الإيمان قد بلغت من قلوب الذين أوتوا العلم مبلغ التأثير في العمق منذ مراحلها الأولى،قال تعالى:{وليعلمَ الذين أُوتوا العلمَ أنّهُ الحَقُّ من ربّكَ فيؤمنوا بهِ فَتُخبتَ لهُ قلوبُهُم وإنّ الله لهادِ الذين أمنوا إلى صِراطٍ مستقيم} [الحج54]. وفي بيان تعرض القلوب للارتياب والشك،قال تعالى:{لايستئذنكَ الذينَ يؤمنونَ بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليمٌ بالمتقين* إنّما يستئذنُكَ الذين لايؤمنونَ بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في رَيبهم يتردّدون}[التوبة 44 ـ 45]. وفي تعرض القلوب للزيغ عن الحق والهدى قال تعالى:{هو الذي أنزلَ عليكَ الكتابَ منهُ آياتٌ مُحكماتٌ هُنَّ أُمُّ الكتابِ واُخَرُ متشابهات فأمّا الذين في قلوبهم زَيغٌ فيتبعونَ ماتشابهَ منهُ ابتغاءَ الفتنةِ وابتغاءَ تأويلهِ وما يعلمُ تأويلَهُ إلا الله والراسخونَ في العلمِ يقولونَ أمنا به كلٌّ من عندِ ربّنا ومايذّكرُ إلا أُولوا الألباب}[آل عمران7].وقال تعالى في شأن من زاغ عن الحق من قوم موسى عليه السلام:{فلما زاغوا أزاغَ اللهُ قلوبَهُم والله لايهدي القومَ الفاسقين}[الصف 5]. وفي تعرض القلوب لمستويات ضعف البصيرة إلى عماها وانطماسها انطماساً كلياً، إلى أن تكون القلوب في مثل الأكنة،إلى أن يقفل عليها، إلى أن يختم على الأقفال ويُطبع عليها، إلى أن تكون بحكم الميتة الدفينة،وردت نصوص متعددة في القرآن الكريم: ـ ففي إصابة بصيرة القلب بالعشى، قال الله تعالى:{ومن يَعشَ عن ذكرِ الرّحمن نُقيّض له شيطاناً فهو لهُ قرين} [الزخرف43].فالعشى هذا هو عشى البصيرة،لأن الذكر الحقيقي للرحمن هو ذكر القلب قال تعالى:{ولاتُطع من أغفلنا قلبهُ عن ذِكرنا واتّبعَ هواهُ وكانَ أمرهُ فُرُطاً}[الكهف28]. ـ وفي إصابة بصيرة القلب بالعمى، حتى تكون منطمسة عن رؤية دلائل الحق والهدى، قال تعالى:{ أفلم يسيروا في الأرض فتكونَ لهم قلوبٌ يعقلونَ بها أو أذانٌ يسمعون بها فإنها لاتعمى الأبصار ولكن تعمى القلوبُ التي في الصدور}[الحج 46]. أي: ليس العمى المؤثر الجالب لشقاء الإنسان هو عمى الأبصار، ولكنه عمى البصائر في القلوب التي في الصدور، في مركز العمق من نفس الإنسان. ـ وفي تحول مشاعر القلوب عن الإحساس بأي مؤثر من مؤثرات الهداية ودعوات الحق والخير، قال تعالى في شأن طائفة من المنافقين:{وإذا ما أنزلت سورةٌ نظرَ بعضهم إلى بعضٍ هل يراكم من أحدٍ ثم انصرفوا صرفَ الله قلوبَهُم بأنهم قومٌ لايفقهون}[التوبة 127]. ـ وفي عزل القلوب عن الإحساس بأي مؤثر من مؤثرات الهداية ودعوات الحق والخير، فيما يشبه الأكنة ـ أي الأغطية ـ قال تعالى:{وجعلنا على قلوبه أكنةً أن يفقهوه وفي أذانهم وقراً وإذا ذكرتَ ربّكَ في القرآن وحدّهُ ولّوا على أدبارهم نُفوراً}[الإسراء 46]. ـ وتزيد الأغطية إلى أن تغلف بها القلوب تغليفاً كاملاً،حتى لاتكون مستعدة لكشف أغطيتها عنها،وهذا ماذكره اليهود عن قلوبهم،وأبانوا فيه عدم استعدادهم لقبول أية دعوة يأتيهم بها رسول من عند الله،وفي ذلك قال تعالى:{وقالوا قلوبُنا غُلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلاً مايؤمنون}[البقرة88]، وقال تعالى:{فبما نقضهم ميثاقَهم وكُفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياءَ بغيرِ حقٍّ وقولهم قلوبُنا غُلف بل طبع الله عليها بِكفرهم فلايؤمنونَ إلا قليلاً][النساء155]. وهذا هو الران الذي يجلل القلوب بما تكسبه من الذنوب الكثيرة، قال تعالى:{كلا بل رانَ على قلوبهم ما كانوا يكسبون}[المطففين 14]. (الحديث الشريف:”إن المؤمن إذا أذنب، كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صُقل قلبه، فإن زاد زادت، فذلك الران الذي ذكره الله في كتابه: كلا بل ران على قلوبهم ماكانوا يكسبون} [أخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه)] ـ وفي الإقفال على القلوب بعد عزلها عن الإحساس بمؤثرات الهداية ودعوات الحق والخير،قال الله تعالى في شأن المنافقين الذين في قلوبهم مرض:{أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالُها}[محمد24]. ـ وفي الختم على القلوب والطبع عليها إمعاناً في تثبيت العزل التام عن الإحساس بمؤثرات الهداية ودعوات الحق والخير، بعد حبسها في سجون الأهواء والشهوات ، قال تعالى:{افرأيتَ من اتخذَ إلههُ هواهُ وأضلّهُ اللهُ على علمٍ وختمَ على سمعهِ وقلبهِ وجعلَ على بصرهِ غشاوةً فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون}[الجاثية23]، وقال تعالى في الكافرين:{ختمَ اللهُ على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غِشاوةٌ ولهم عذابٌ عظيم}[البقرة 7].وأبان الله تعالى أن من سنته أن يطبع على قلوب الكافرين، وقلوب المعتدين، وقلوب الذين لايعلمون، قال تعالى:{كذلك يطبعُ الله على قلوبِ الكافرين}[الاعراف101]،وقال تعالى:{كذلك نطبعُ على قلوب المعتدين} [يونس74]،وقال تعالى:{كذلك يطبع الله على قلوب الذين لايعلمون}[الروم 59]. وقد تصل القلوب بعد الختم والطبع عليها إلى حالة تشبه فيها الميت الدفين. ويتابع الشيخ حبنكة: “وقد يصل إلى دائرة القلب وينفذ إلى داخلها، ما يكون قوياً شديداً من انفعالات النفس وعواطفها وأخلاقها، كالرعب، والوجل، والاشمئزاز، والغيظ، والغل، والحب ، والكراهية،والشجاعة، والجبن، والرأفة، والرحمة، والحسرة، والميل إلى الطاعة بالتوبة إلى الله، وغير ذلك. ـ ففي الرعب الذي يصل إلى عمق القلب قال الله تعالى:{سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعبَ بما أشركوا بالله مالم ينزل به سلطاناً ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين}[آل عمران151]. ـ وفي الوجل ـ وهو الخوف ـ قال تعالى:{إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم}[الأنفال2]. ـ وفي شدة الخوف الذي ترتفع فيه دائرة القلب من عمق الجسد حتى تبلغ الحناجر،قال تعالى:{وأنذرهم يوم الأزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين} [غافر 18]. وهي من شدة الخوف يومئذٍ تكون واجفة، أي شديدة الاضطراب كثيرة الاهتزاز من الخوف، يقول تعالى:{يوم ترجف الراجفة* تتبعها الرادفة* قلوبٌ يومئذٍ واجفة* أبصارها خاشعة}[النازعات 6 ـ 9]. ـ وفي الاشمئزاز يصف تعالى قلوب الذين لايؤمنون بالآخرة:{وإذا ذكر الله اشمأزت قلوبُ الذين لايؤمنونَ بالآخرة}[الزمر 45]. ـ وفي الغيظ، يقول تعالى:{قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويُخزهم وينصركم عليهم ويشفِ صدورَ قومٍ مؤمنين* ويُذهب غيظ قلوبهم ويتوبُ الله على من يشاء والله عليمٌ حكيم}[التوية 14 ـ 15]. ـ وفي الغلّ، يقول تعالى:{ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولاتجعل في قلوبنا غلاً للذين أمنوا ربنا إنك رؤوفٌ رحيم}[الحشر10]. وجاء في تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(العدد428 الموافق السادس من شباط عام 1924م): “ولايستعمل الطبع على القلوب إلا في الشر والمراد به أنها وصلت من الفساد إلى حالة لاتقبل معها خيراً كالهدى والإيمان والعلم النافع الذي هو فقه الأمور ولبابها،وإنما يحصل بالإصرار على الشرور والمعاصي استحلالاً واستحساناً لها،حتى لايعود في النفس موضع لغيرها،قال تعالى في اليهود:{فبما نَقضِهم مِيثاقَهُم وكُفرهم بآياتِ الله وقتلهِمُ الأنبياءَ بغير حقٍّ وقولِهِم قُلُوبُنا غُلف بل طبعَ اللهُ عليها بِكُفرهم فلايؤمنونَ إلا قليلا}[النساء155].أي إلا قليلاً منهم وهم الذين لم يطبع على قلوبهم.وقال تعالى في المنافقين:{وطُبِعَ على قُلُوبهم فهم لايفقهون}[التوبة87]. ويتابع:”{كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين}[الأعراف 101]أي مثل هذا الذي وصف من عناد هؤلاء وإصرارهم على ضلالهم،وعدم تأثير الدلالات والبينات في عقولهم،يكون الطبع على قلوب الذين صار الكفر صفة لازمة لهم ،بحسب سنة الله تعالى في أخلاق البشر وشؤونهم، وذلك بأن يأنسوا بالكفر وأعماله حتى تستحوذ أوهامه على أفكارهم ،ويملأ حب شهواته جوانب قلوبهم،ويصير وجداناً تقليدياً لهم،لايقبلون فيه بحثاً، ولايسمعون فيه نقداً،فيكون كالسكة التي طبعت في أثناء لين معدنها بصهره وإذابته ثم جمدت فلاتقبل نقشاً ولاشكلاً آخر”. وهناك مقال جميل للأستاذ أحمد أمين رحمه الله نشره في مجلة الرسالة العدد 17 بعنوان”القلب” يقول فيه: “ليس الإنسان جسماً بعضه القلب لكنه قلب غلافه الجسم.لقد قالوا:”إن المرء بأصغريه قلبه ولسانه” ولكنهم بقولهم قد رفعوا من شأن اللسان حتى قرنوه بالقلب،ووضعوا من قيمة القلب إذ قرنوه باللسان،وهل اللسان إلا حاك بكى لأحط حركات القلب وانفعالاته؟وكيف يعبر المحدث عن القديم؟أم كيف يحيط المحدود باللامحدود؟وأين يقع معجم اللغة من معجم العالم؟ إن القلب يقرأ مارسمه الله على السماء والأرض من أشعار،ولا يسمح منها للسان إلا بالقليل التافه،وما الشعر الملفوظ بجانب الشعر المحسوس؟ القلب لا يكذب أبداً واللسان لا يصدق إلا قليلاً،ولو فتشنا عن أعجب ماخلق الله من السماء وفي الأرض لن نجد أعجب ولا أروع ولا أدق ولا أجمل من قلب الإنسان،تصلح أوتاره فيفيض رحمة وشفقة وحباً وحناناً،ومعاني لطافاً وشعوراً رقيقاً،حتى يتجاوز في سموه الملائكة المقربين،وتفسد أوتاره فينضج قسوة وسوءاً حتى يهوى إلى أسفل سافلين. حوى على دقته كنه العالم! فما أدقه وأجلّه وما أصغره وأعظمه!يكبر،ولا نرى كبره،فيتضاءل أمامه كل كبير،وسيصغر ولا نرى صغره فيتعاظم عليه كل صغير. اتجد شكل القلب واختلفت معانيه،فقلب كالجوهر الكريم صفا لونه،وراق ماؤه،يتلقى الإشعاع ويعكسه وهو على أشد ما يكون ضوءاً ولمعاناً،وقلب كالصخر قوي متين،ينفع ولا يلمع،وقلب هواء،خفّ وزنه،وحال لونه،وقلب…وقلب…مما لايحصيها إلا خالقها،إن اتحدت عيون الناس وآذانهم ووجوههم ورؤوسهم نوعاً من الاتحاد فإن لكل إنسات قلباً وحده،ينبض بنوع من حب وكره،وقسوة وحنان،وإعظام واحتقار،ورفعة وانحطاط،لايشركهفيه قلب آخر وبهذا،وبهذا وحده اختلفت قيم الناس وتعددت مراتبهم. يموت القلب ثم يحيا،ويحيا ثم يموت،ويرتفع إلى الأوج،ويهبط إلى الحضيض،وبينما هو يسامي النجوم رفعة،إذا به قد لامس القاع ضعة،وهكذا يتذبذب في لحظة بين السماء والا{ض،والطول والعرض،وخير الناس من احتفظ برفعة قلبه،وسمو نفسه. هو إن شئت فردوس،وإن شئت جحيم،هو إن شئت ملك،وإن شئت شيطان،هو إن شئت نار تتقد بالحب: هل الوجدُ إلا أنَّ قلبيَ لو دنا من الجمرِ قيدَ الرُمحِ لاحترقَ الجمرُ (مجنون ليلى) هل الحُبُّ إلا عبرةٌ ثمَّ زفرةٌ وحرّ على الأحشاءِ ليسَ له بَردُ وفيضُ دُموعِ العينِ بالليلِ كلّما بدا عَلَمٌ من أرضكم لم يكن يبدو (قيس بن ذريح). وإن شئت سلا فكان برداً وسلاما: وقلتُ لقلبي حين لجّ بيَّ الهوى وكلّفني ما لا يُطيقُ من الحبِّ ألا أيها القلبُ الذي قادهُ الهوى أفِقْ لا أقرّ الله عينكَ من قلبِ (قيس بن ذريح) القلب مركز العاطفة،والرأس مركز العقل،وما العقل لولا العاطفة؟إن العقل أكثر ما ينفع للهدم،والقلب أكثر ما ينفع للبناء،إن القلب يؤمن،والعقل يلحد،والقلب يحب،والعقل يحذر. نصحتُكَ عِلما بالهوى والذي أرى مخالفتي فاختر لنفسكَ ما يحلو (ابن الفارض) القلب يؤسس العالم،والعقل يسكنه،والقلب يخلق الشىء،والعقل يغصبه،أليس أعظم بناة العالم قد امتازوا بكبر القلب،وصدق الشعور،وقوة الإرادة،أكثر مما امتازوا بسعة العقل وقوة الإدراك؟ القلب بنى البناء والعقل نقده،والقلب أحيا الشعور والعقل حدّه،إن من وجد كل شىء وفقد قلبه لم يجد شيئاً،وإن من جرد من قلبه لايعرف صداقة،ولا يدين بوطنية،ولايشعر بحنان،ولا ينطوي على إيمان. إن من سُلِبَ القلب فقد سُلب الفن والأدب،لأن الفن مناطه القلب،والعلم مناطه العقل،وقد سئل مصور ماهر كيف تمزج ألوانك؟فقال: أمزجها بدم قلبي.وكذلك الأدب الحق،هو ما كان ذوب القلب.” وفي مقال له آخر عن القلب في فيض الخاطر الجزء السادس: “خطر لي أن أكتب في القلب،فمددت يدي إلى “دائرة المعالرف البريطانية” وطالعت فيها مادة القلب،فرأيت فيضاً من الكلام في القلب وشكله،وكيفية بنائه الفسيولوجي وأجزائه،ووظيفة كل جزء،وحالته في الجنين وتطوره،ومقارنة القلوب في الحيوانات المختلفة،ثم ما يعتريها من أمراض…ثم قلت:لا يغنيني هذا شيئاً فيما أريد،فللأعضاء وظائف روحية غير الوظائف المادية،فإذا أردتَ البحث عن فصاحة اللسان أو ذكاء العقل أو طهارة القلب فلست واجداً شيئاً من ذلك في كتب المادة ـ كتب وظائف الأعضاء ـ إنما تجدها في كتب المعاني والروحانيات،وهذه أيضاً قلما تُعنى بتشريح العضو من ناحيته الروحية كما عنيت كتب الفسيولوجيا بتشريحه من الناحية المادية،لأن أمور الروح أعقد وأدق وأعسر.. في القرآن الكريم تردد القلب والفؤاد أكثر مما تردد العقل،ولا تكاد تقرأ مقطوعة صوفية أو أبياتاً غزلية إلا يطالعك القلب.وفي الأخلاق ربطت الشجاعة والجبن بالقلب.فقالوا في الشجاع:ثبت الجنان،جميع الفؤاد،رابط الجأش،قوي القلب.وقالوا في الجبان:مخلوع القلب،مهزوم الفؤاد.وباب الرحمة والقسوة يدور على القلب،فيقولون:منظر تتوجعله القلوب،وينفطر له القلب رحمة،وحالة تلين لها القلوب القاسية،ويتصدع لها فؤاد الجلمود.وفي عكس ذلك يقولون:إن له قلباً لايعرف اللين ولا تَلجه رحمة،وإن له قلباً أقسى من الحديد وأصلب من الجلمود.ويقولون للرجل العظيم:كبير القلب،وللرجل النذل:صغير القلب…الخ. ولو أنك شرحت القلب فسيولوجياً لم تجد فيه مايدل على شجاعة وجبن.ولا على رقة وقسوة،بل قد تجد قلب الجبان أحياناً أصبح مادياً من قلب الشجاع،ذلك لأنهم يقصدون بقولهم ووصفهم القلب الروحي لا القلب المادي.فما هو هذا القلب الروحي؟ يصح أن تعرفه بأنه مركز العواطف ـ من حب وكره وإعجاب وازدراء وميلونفور ورحمة وقسوة ألخ…وبعبارة أخرى”مجتمع العلاقات”،فكما أنه ـ مادياً ـ مركز الشرايين التي توزع الدم على كل أجزاء الجسم،كذلك هو مركز الصلات بين الفرد وغيره،وكما أنه مركز للدم الفاسد ينصلح فيه وللدم الصالح يوزعه،كذلك هو مركز للعواطف المختلفة يوحدّها،وهو أيضاً نقطة الاتصال بين العالمين اللذين يعيش فيهما الإنسان:عالم المادة وعالم الروح،فهو الجسر الذي يعبر عليه أحدهما إلى الآخر.لك أن تسمى هذا شعراً أو خيالاً،ولكنه هو الحقيقة ـ وعلى قدر هذه العلاقات ـ التي بين الإنسان والاشياء كمية وكيفية والتي مركزها القلب ـ نكون قيمة الإنسان وقيمة حياته. والغذاء الصالح لقلبنا هذا الروحي هو الحب،والحب الذي نقصده هو الحب بأوسع معانيه،حب الجمال الخِلقي،والجمال الطبيعي،والجمال الفني،وحب المعاني من نبل وسمو،وأخوة وإنسانية،وشأنه في ذلك شأن الطفل يُغذّى الغذاء الصالح لجسمه فينمو ويحيا،والغذاء الفاسد فيضعف وقد يموت. فالقلب الكبير في الشخص الكبير هو الذي غذى بالحب حتى نضج.ومن أجل هذا كان القلب عماد الدِّين،لأن الدين ليس إلا حباً،وعماد الغزل،وهو الحب،وعماد الرحمة لأنها حب الضعيف،وعماد الوطنية،لأنها من حب الأمة،وعماد الإنسانية،لأنها حب الإنسان مجرداً عن جنسه ودمه وقوميته.وهناك قلوب تتغذى بحب المنصب والجاه والمال والشهرة،ولكنها كلها غذاء لايوافق عناصر القلب الأساسية،غذاء تنقصه الفيتامينات الضرورية،فقد يكبر بها القلب،ولكنها ضخامة ورم،أو طبل أجوف،أو تمثال لقلب. والقلب عضو الرغبة،الرغبة في الحياة ووسائلها،هو ـ دائماً ـ ينادى:”أرغب””أريد”.ولكن القلوب تختلف قيمتها الروحية بحسب رغباتها،فقلب كقلب الطفل يرغب أن تكون كل الدنيا له،علاقته بها علاقة المالك بما ملك.وقد يكبر الرجل جسماً وتكبر مادة قلبه،ولكن لاتكبر روحانية هذا القلب فيكون أنانياً،يريد أن يسخر كل شىء لنفسه،أو يستبد بكل شىء لشخصه،أو يوجه كل شىء لفائدته!ولكن إذا كبرت روحانية القلب تعددت خيوط علاقاته،وعرف ماتستوجبه كل علاقة.علاقته بالأصدقاء،وبالبؤساء،وبالأمة،وبالإنسانية،فإذا قال قلبه أنا أريد فإنما يريد أن تكون هذه العلاقات المتعددة على أحسن وجه يوحي به الحب. إن القلب الماديّ يغذّي ويتغذّى،ويأخذ ويعطي،ويضحى لنفسه ولجسمه،وإذا فتر لحظة فترت الحياة.وإذا سكن لحظة سكنت الحياة.وهو ينشر نفوذه ويقدم خدماته للقريب من أجزاء الجسم والبعيد،للمعدة على قوّتها،وللشعرة على ضعفها،فالقلب الروحي لا يصح حتى يكون كذلك،فإذا قال أنا أرغب فإنما يرغب للعالم ولنفسه،وهو شديد الاتصال بما حوله ومَن حوله،اتصال انتفاع ونفع،واتصال استفادة للإفادة،دائب لا يمل،عامل لا يفتر حتى تفتر الحياة،ينبض بالحياة كلها كما ينبض قلبه المادي بالجسم كله،يتناغم مع العالم حوله كما يتناغم قلبه المادي مع جسمه،من قدمه إلى فرقه،فإذا تمنّى لنفسه فقط فالنزع الأخير. لقد ألّف القلب المادي الجسم كله ووحدّه بنبضاته،فليوحد القلب الروحي العالم كله في خلجاته وتموجاته،وقد مدّ القلب المادي شرايينه إلى الجسم كله،فإذا انسد شريان مات عضو،فليس من المعقول ألا يكون للقلب الروحي إلا شريان واحد يجري فيه الدم لشخصه.للقلب الروحي عين يبصر بها لأنه مركز الضوء في الحياة،يرى الجمال والقبح،زالفضيلة والرذيلة،والخير والشر.وفي أعماقه مصباح يضىء،ولكن لابد أن يُتعهد بالزيت وبالشعلة تضيئه وإلا انطفأ.وللقلوب عمى كعمى العيون،وصدق الله العظيم:{فإنّها لا تعمى الأبصارُ ولكن تعمى القلوبُ التي في الصدور}[الحج 46]. الإنسان هو القلب،والقلب هو الإنسان،والحي حيّ القلب،والميت ميت القلب. لا يعبأ القلب الروحي بالزمان والمكان كما تعبأ الأجسام،فالتحام الأجسام لا يكوّن صداقة،واقتراب الأبدان قد يكون مع العداء والخصام،ولكن قلباً يتصل بقلب يولّد الصداقة مهما تباعد الزمان والمكان. وإنه على صغره ليَسَع العالم على كبره،إنه ليسع السماء والأرض،والبر والبحر،ينبض بجمالها،ويتناغم بنغماتها،ويخفق لها،ويحيا بسكناها،وبمقدار سعته وضيقه يوزن الإنسان. صدقت العرب إذ سمته قلباً،واشتقت منه التقلّب،فهو دائمالتغير،يضيق ويتسع،ويرقى ويسفل،ويموت ويحيا،ويتشتت ثم يجتمع،ويلتئم بعد أن ينصدع،ويضىء ثم يظلم،ويظلم ثم يضىء،ويكون مرة جنّة ومرة ناراً،ومرة أرضاً ومرة سماء. يا للقلب!إن الناس ليرحلون ليروا العجائب وبين جنوبهم قلوب هي أعجب العجب.فلو سئلت عن أعجب شىء في السماء والأرض لقلت القلب.ولو قيل للأنبياء لا تذكروا القلب في تعاليمكم،وللشعراء لاتترنموا بالقلب في شعركم،وللفنانين لاتعرضول القلب في فنكم،وللموسيقيين لا تتناغموا مع القلب في موسيقاكم،لم يقولوا شيئاً،ولم يفعلوا شيئاً!أسلوب القرآن الكريم في علاج أدواء النفوس
يقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله( فيض الخاطر ج2 ص 202): “من المشاهد أن الناس يؤمنون أشدّ الإيمان بمرض أجسامهم،ولايؤمنون بمرض نفوسهم، فإذا شعر أحدهم بمرض جسمي أسرع إلى الطبيب يصف له أعراضه،ويستوصفه دواءه، وينفذ أوامره مهما دقت،ويبذل في ذلك الأموال مهما جلّت،ثم هو يمرض نفسياً فلا يأبه لذلك،ولايعيره عناية،ولايستشير طبيباً نفسياً،ولايعنى بدراسة الأعراض ومعرفة الأسباب، وقد يلح عليه مرض النفس ويصل به إلى اليأس،فلا يسعى لعلاج ولايجدّ في معرفة دواء، كأنَّ نفسه أهون عليه من جسمه،وروحه أتفه من بدنه. ويتابع:” وإني أعتقد أن آلام الناس من نفوسهم أكثر من آلامهم من جسومهم،وأضرار المجتمعات من مرضى النفوس تفوق أضرارها من مرضى الجسوم،وللنفس أمراض لاحصر لها،تختلف كاختلاف أمراض الجسم إلى مرض عين ومرض معدة ومرض أمعاء،فهناك حميات نفسية متعددة كحميات الأجسام،وهناك ميكروبات نفسية كالميكروبات المادية،وهناك عدوى تصيب النفوس كعدوى الأجسام، وهناك انفعالات تحرق النفس وتُضني البدن،إلى آخر ماهنالك”. وقد ذكر في القرآن الكريم بعض الوسائل والأدوات في علاج أمراض النفس والوقاية من تفاقمها واستفحالها،والموضوع شائق شائك،صعب الإيراد والإصدار، وأنا أحاول أن أتطرق إلى القشور والمظهر من دون الولوج في اللب والمخبر،وإن هي إلا محاولة لتسليط الضوء على هذا الموضوع الذي يحتاج أكثر مني خبرة،وأغزر من دراية،والله الموفق والمستعان. بعض الأساليب في المعالجة النفسية من القرآن والسنة: 1 ـ العلاج بالصدمات: قد يصاب الإنسان بكارثة تجلب له الهمّ والحزن والاكتئاب،ومن بعدها تلحق به كارثة أخرى أشدّ منها وطأةً،وأكثر إيلاماً،ولكنها تختفي عن قريب فتزيل آثار الكارثة الأولى،أي إمكان علاج صدمة لا حلّ لها بصدمة أشدّ منها ولكن لها حل،كأن تخبر إنساناً ما،بأنّ بيته قد احترق تماماً فهذا يبعث في نفسه الحزن والهمّ والغمّ،وعندما تقول له إن أولاده كانوا في البيت،فهنا يكون وقع الصدمة شديداً عليه وقد تُودي به،وعندما يأتيه البشير بعد قليل بأن أولاده في خير وقد تم إنقاذهم جميعاً،عندها تتهللّ أسارير وجهه وينسى وقع الصدمة الأولى عليه،ويشكر الله على نعمته. وهذا له مثال في السيرة النبوية حيث اشتدّ بالمسلمين الحزن والغمّ عند هزيمتهم في غزوة أحد،ثم جاء الغمّ الأكبر عندما وصلت بعض الأخبار بمقتل الرسول صلى الله عليه وسلم،فكاد يُودي بهم الخبر، ومالبث أن جاء البشير بنبأ تكذيب الخبر،وأن الرسول صلى الله عليه وسلم مازال حياً وأنه يقاتل المشركين فمسح الغمّ الثاني الغمّ الأول ،وحصل الشفاء من الصدمتين،وازداد السرور والحبور عندما أخبرهم رسول الله صلى الله بأن المشركين هربوا من اللقاء وانصرفوا من أرض المعركة فأعقب الغمّ الأول والثاني الإطمئنان والسرور والأمان. يقول الدكتور محمد بن محمد أبو شهبة رحمه الله(السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة غزوة أحد ص195): “نسي معظم الرماة وصية الرسول إليهم أن لايبرحوا مكانهم،وقالوا: مالنا في الوقوف من حاجة،وذكّرهم رئيسهم عبد الله بن جبير قائلاً:أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وقال لهم: أما أنا فلا أبرح مكاني،فخالفه أكثرهم، وانطلقوا إلى الغنائم وثبت معه عشرة رماة،حينذاك اهتبل هذه الفرصة خالد بن الوليد،فشدّ على بقية الرماة فقتلهم،واندفع بخيله في ظهور المسلمين وأخذوهم على غرة وهم لاهون بجمع الغنائم، وصاح في قريش:أن ارجعوا، فعاد كل منهزم منهم،واندفعت قريش كالسيل الآتي إلى معسكر المسلمين،وصار المسلمون بين نارين،وهنالك دارت الدائرة على المسلمين وتحولت الصَّبا دبوراً(الصبا: ريح تهب من المشرق. والدبور: تهب من المغرب)، ووقع الاضطراب في صفوفهم،وصار كل واحد يلقي بما في يده من مغنم،وعاد إلى سيفه يسلُّه ليقاتل به،ولكن هيهات هيهات،لقد تفرقت الصفوف،وتمزقت الوحدة،وابتلع البحر اللجي من جيش قريش هذه الفئة القليلة من المسلمين. لقد كانوا منذ ساعة يقاتلون بوحي من إيمانهم،ودفاعاً عن عقيدتهم،وهاهم الساعة يقاتلون لينجوا من براثن الموت،ويفلتوا من ذل الأسر،وكانوا يقاتلون متراصين متضامنين،وهم الآن يقاتلون مبعثرين مفرقين،لا نظام يجمعهم ولا وحدة تشملهم،وكانوا يقاتلون تحت قيادة حكيمة حازمة،وهم الآن يقاتلون ولا قيادة لهم،فلا تعجب إذا صار المسلمون يضرب بعضهم بعضاً،وهم لا يشعرون، كما حدث في قتل”اليمان” والد حذيفة،فقد قتله المسلمون خطأ وهم لايعرفون واعتذروا لحذيفة،فقال:يغفر الله لكم. واندفع المشركون نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدون قتله،منهم ابن قمئة،فتلقاه مصعب بن عمير،فقتله ابن قمئة ظناً أنه رسول الله، وصاح صائح:ألا إن محمداً قد قتل ،وهنالك عظمت البلية،وطاشت أحلام المسلمين،وذهلوا عن انفسهم ،فمنهم من ولّى هارباً، ولم ترده إلا حيطان المدينة فرجع استحياء،وفي هؤلاء نزل قوله سبحانه:{إنَّ الذين تَولّوا منكم يومَ التقى الجمعان إنّما استزلَّهمُ الشّيطانُ ببعضِ ما كسبوا ولقد عفا عنهم إنّ الله غفورٌ حليم}[آل عمران 155].ومنهم من انطلق صاعداً فوق الجبل وألقى بسلاحه من هول الفاجعة،ثم لم يلبثوا أن فاؤوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى القتال بعد أن أفاقوا من أثر الصدمة،ومنهم من قاتلوا دفاعاً عن دينهم وحماية لأنفسهم. وثبت حول النبي صلى الله عليه وسلم ثُلَّة من المهاجرين والأنصار،وفدوه بأنفسهم،ومنهم أبو بكر الصديق،وعلي وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص،وطلحة والزبير بن العوام،وأبو عبيدة بن الجراح،وسبعة من الأنصار. وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم كالجبل الأشم،يدافع ويجالد جموع المشركين المحيطين به من كل ناحية،وهو يقول:”إليَّ عباد الله، إليَّ عباد الله“.ففاء إليه الكثيرون ممن أذهلتهم شائعة أنه قتل،فقعدوا عن القتال وممن تفرقوا يقاتلون بين الصفوف،حتى تكونت حوله ثلة من أصحابه،فسار بهم حتى وصل إلى الصخرة التي فوق الجبل ،وكان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد شائعة قتله كعب بن مالك،فإنه رأى عينيه تزهران من تحت المغفر،فنادى:يامعشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله، فأشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم أن أنصت.وكانت تلك حكمة بالغة من الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن شائعة قتله كان من شأنها أن يخفف المشركون الوطأة على المسلمين،فإذا ما علموا أنه لايزال حياً عاودوا الكرة،وكرروا محاولة قتله. ولكن لم يلبث الخبر أن ذاع وانتشر بين المسلمين،فقويت العزائم بعد خَوَر،وتجمعت الصفوف بعد تفرق”. ويقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(فقه السيرة ـ غزوة أحد): “ولما تجمعت فلول المسلمين بعد هذا الكر والفرّ كان الإعياء قد نال منهم أي منال لولا أن الله قذف في قلوبهم السكينة. وأعاد إليهم ـ بعد هذا الزلزال ـ الأمل والثقة فسكنوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم يرقبون مايجد. وداعب الكرى أجفان البعض من طول التعب والسهر، فإذا أغفى وسقط من يده السيف عاودته اليقظة فتأهب للعراك من جديد!وهذا من نعمة الله على القوم{ثمّ أنزل عليكم من بعد الغمِّ أمنةً نعاساً يغشى طائفةً منكم}[آل عمران 154]. ويتابع الشيخ الغزالي رحمه الله: “ترفق القرآن الكريم وهو يعقب على ما أصاب المسلمين في “أحد” على عكس مانزل في “بدر”،ولاغرو فحساب المنتصر على أخطائه أشد من حساب المنكسر. في المرة الأولى قال تعالى:{تريدون عَرَض الدنيا والله يريدُ الآخرة والله عزيزٌ حكيم* لولا كتابٌ من الله سَبقَ لَمسّكم فيما أخذتم عذابٌ عظيم}[الأنفال 67 ـ 68]. اما في أحد فقال تعالى:{ منكم من يريدُ الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثمّ صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضلٍ على المؤمنين}[آل عمران152]. وقد اتجهت الآيات إلى مزج العتاب الرقيق بالدرس النافع وتطهير المؤمنين ،حتى لايتحول انكسارهم في الميدان إلى قنوط يفلّ قواهم،وحسرة تشل انتاجهم{قد خلت من قبلكم سننٌ فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبةُ المكذبين* هذا بيانٌ للنّاسِ وهدىً وموعظةٌ للمتقين}[آل عمران137 ـ 138]. ثم عاتب الله عز وجل من سقط في أيديهم، وانكسرت همته لما أشيع أن الرسول صلى الله عليه وسلم مات،ما كذلك يسلك أصحاب العقائد! إنهم أتباع مبادئ لا أتباع أشخاص.ولو افترض أن الرسول صلى الله عليه وسلم قتل وهو ينافح عن دين الله، فحق على أصحابه أن يثبتوا في مستنقع الموت،وأن يردوا المصير نفسه،الذي ورده قائدهم، لا أن ينهاروا ويتخاذلوا.{وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرُّسلُ أفاإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيهِ فلن يضرَّ الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين}[آل عمران144]. ويقول الشهيد سيد قطب في الظلال: “وغزوة أحد لم تكن معركة في الميدان وحده،إنما كانت معركة كذلك في الضمير…كانت معركة ميدانها أوسع الميادين.لأن ميدان القتال فيها لم يكن إلا جانباً واحداً من ميدانها الهائل الذي دارت فيه..ميدان النفس البشرية،وتصوراتها ومشاعرها،وأطماعها وشهواتها،ودوافعها وكوابحها،على العموم..وكان القرآن هناك. يعالج هذه النفس بألطف وأعمق،وبأفعل وأشمل ما يعالج المحاربون أقرانهم في النزال! وكان النصر أولاً،وكانت الهزيمة ثانياً،وكان الانتصار الكبير فيها بعد النصر والهزيمة…انتصار المعرفة الواضحة والرؤية المستنيرة للحقائق التي جلاها القرآن، واستقرار المشاعر على هذه الحقائق استقرار اليقين.وتمحيص النفوس، وتمييز الصفوف،وانطلاق الجماعة المسلمة ـ بعد ذلك ـ متحررة من كثير من غبش التصور،وتميع القيم،وتأرجح المشاعر،في الصف المسلم. وكانت هذه الحصيلة الضخمة التي استقرت في الجماعة المسلمة من وراء الأحداث،ومن وراء التوجيهات القرآنية بعد الأحداث،أكبر وأخطر ـ بما لايقاس ـ من حصيلة النصر والغنيمة..لو عاد المسلمون من الغزوة بالنصر والغنيمة..وكان الرصيد الباقي منها للأمة المسلمة في كل جيل أهم وأبقى كذلك من حصيلة النصر والغنيمة. لقد انتهت المعركة في ميدان الأرض،ليبدأها القرآن في ميدانها الأكبر: ميدان النفس، وميدان الحياة الشاملة للجماعة المسلمة. ويتابع رحمه الله:”إن النص القرآني لا يتتبع أحداث المعركة للرواية والعرض،ولكنه يتتبع دخائل النفوس وخوالج القلوب،ويتخذ من الأحداث مادة تنبيه وتنوير وتوجيه.وهو لايعرض الحوادث عرضاً تاريخياً مسلسلاً بقصد التسجيل،إنما هو يعرضها للعبرة والتربية واستخلاص القيم الكامنة وراء الحوادث، ورسم سمات النفوس،وخلجات القلوب، وتصوير الجو الذي صاحبها،والسنن الكونية التي تحكمها،والمبادئ الباقية التي تقررها. ويتابع:”لقد أصاب المسلمين القرح في هذه الغزوة،وأصابهم القتل والهزيمة. أصيبوا في أرواحهم وأصيبوا في أبدانهم بأذى كثير.قتل منهم سبعون صحابياً،وكسرت رباعية الرسول صلى الله عليه وسلم وشج وجهه،وأرهقه المشركون، وأثخن أصحابه بالجراح..وكان من نتائج هذا كله هزة في النفوس، وصدمة لعلها لم تكن متوقعة بعد النصر العجيب في بدر، حتى لقال المسلمون حين أصابهم ما أصابهم:”أنى هذا”وكيف تجري الأمور معنا هكذا ونحن المسلمون؟! ويتابع رحمه الله:”حين انكشف ظهر المسلمين بعد أن ترك الرماة أماكنهم من الجبل،فركبه المشركون،وأوقعوا بالمسلمين،وكسرت رباعية الرسول صلى الله عليه وسلم وشج وجهه، ونزفت جراحه،وحين اختلطت الأمور، وتفرق المسلمون ,لايدري أحدهم مكان الآخر..حينئذ نادى مناد: إن محمداً قد قتل… وكان لهذه الصيحة وقعها الشديد على المسلمين. فانقلب الكثيرون منهم عائدين إلى المدينة، مصعدين في الجبل منهزمين،تاركين المعركة يائسين… لولا أن ثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك القلة من الرجال،وجعل ينادي المسلمين وهم منقلبون، حتى فاءوا إليه، وثبت الله قلوبه، وأنزل عليهم النعاس أمنة منه وطمانينة.. فهذه الحادثة التي أذهلنهم هذا الذهول، يتخذها القرآن هنا مادة للتوجيه،ومناسبة لتقرير حقائق التصور الإسلامي،ويجعلها محوراً لإشارات موحية في حقيقة الموت وحقيقة الحياة، وفي تاريخ الإيمان ومواكب المؤمنين. ويتابع:”وهكذا يقرر القرآن حقيقة الموت والحياة،وحقيقة الغاية التي ينتهي إليها الأحياء، وبذلك ينقل النفس من الانشغال بالخوف من الموت والجزع من التكاليف إلى الانشغال بما هو أنفع للنفس،في الحقل الذي تملكه،وتملك فيه الاختيار. فتختار الدنيا أو تختار الآخرة. وتنال من جزاء الله ماتختار”. 2 ـ المعالجة بالتدرج خوفاً من العواقب: في قصة سيدنا يعقوب عليه السلام مع اختفاء ابنه يوسف ثم بنيامين،ثم جاءت المبشرات بالتدريج: ريح يوسف،ثم قميصه،ثم ظهور يوسف وأخيه كل ذلك حصل بالتدريج حتى لاتأخذ يعقوب فجائية الفرح. يقول تعالى:{قالوا تالله تفتؤ تذكرُ يوسفَ حتى تكون حَرَضاً أو تكون من الهالكين*قال إنما أشكو بثّي وحُزني إلى الله وأعلمُ من الله ما لاتعلمون* يابنيّ اذهبوا فتحسسوا من يُوسفَ وأخيهِ ولاتيئسوا من رَوحِ الله إنّهُ لا ييئسُ من رَوحِ الله إلا القوم الكافرون}[يوسف 85 ـ 87]. يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد528): “(قالوا تالله تفتؤ تذكر يوسف) أي لا تفتأ ولاتزال تذكر يوسف وتلهج به لاتفتر ولاتنسى همّه(حتى تكون حرضا) اي مشفياً على التلف ومشرفاً على الهلاك من شدّة الحزن والجزع(أو تكون من الهالكين) بالفعل فتموت كمدا. (قال إنما اشكو بثّي وحزني إلى الله)أي لم تلومونني وأنا لم أشك إليكم ولا إلى أحد من الخلق كمدي الذي ضاق صدري عن حبسه فبثثته،وحزني الذي أمضني كتمانه فأفشيته بهذه الكلمة(يا أسفي على يوسف)؟إنما أشكو ذلك إلى الله وحده(وأعلم من الله) في ابتلائي بفراق يوسف وخفاء حاله علي(مالا تعلمون)أعلم منه أنه حيّ يرزق وأن الله يجتبيه ويتم نعمته عليه وعلى آل يعقوب وذريته به في الدنيا والآخرة،وأرى البلاء يتناوشكم من كل جانب بذنوبكم وبتفريطكم بيوسف من قبل،وبأخيه الذي كان يسليني عنه من بعد،وأنتم تظنون أن يوسف قد هلك،وأن بنيامين قد سرق فاسترقّ،وتحسبون أني بحزني ساخط على قضاء الله في شئ أمضاه فلا مرد له، وأنا أعلم أن له أجلا فيه هو بالغه. (يابنيّ اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه) أي اذهبوا إلى مصر فتكلفوا أن تدركوا بحواسكم من سمع وبصر سيئاً من حال يوسف وأخيه حتى تكونوا على يقين من أمرها(ولا تيأسوا من روح الله) أي فرجه وتنفيسه عن النفس لهذا الكرب،وترويحه بما ترتاح له الروح ويطمئن به القلب(إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون)بقدرته وسعة رحمته الذين لا يتجاوز علمهم بشئون أنفسهم وأحداث زمانهم دائرة ظنونهم واختبارها الناقص. وجاءت المبشرات بالتوالي من القميص إلى الريح.. (اذهبوا بقميصي هذا) يتابع صاحب المنار رحمه الله:”وأشار(أي يوسف عليه السلام) إلى قميص كان على بدنه أو بيده(فألقوه على وجه أبي) عند وصولكم إليه بلا تأخير(يأت بصيراً)أي يصبح بصيراً في الحال أو يعود ويرتد بصيراً. (ولمّا فَصلتِ العِير) أي انفصلت عير بني يعقوب من عريش مصر أو حدودها قافلة إلى أرض الشام،(قال أبوهم) لمن حضره وكان عنده من أحفاده وغيرهم(إني لأجد ريح يوسف) في نفحة طيبة هبت علي من روحه أو أشم رائحة ذاته كما عرفتها في صغره(لولا تفندون) أي لولا تفنيدكم إياي أي نسبتي إلى الفند وهو بالتحريك فساد الرأي،وضعف العقل والخرف من سوء الكبر،لصدقتموني في أنني أجد رائحته حقيقية غير متوهم وأنه حي قد قرب موعد لقائه والتمتع بقربه ورؤيته.(قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم) أي قال حاضروا مجلسه تالله إنك لفي خطئك الذي طال أمده في اعتقادك أن يوسف حي يرجى لقاؤه وقد قرب أو في الإفراط في حبه والإصرار على اللهج به،وتوهمك وجدان رائحته. (فلما أن جاء البشير) وهو ابنه الذي يحمل القميص من يوسف(ألقاه على وجهه فارتد بصيرا)أي ألقى القميص على وجه يعقوب فعاد من فوره بصيراً كما كان. (قال إني أعلم من الله مالا تعلمون) فذكرهم الآن إذ عاد بصيراً بما قاله لهم حين ابيّضت عيناه من الحزن وهو أنه يعلم من أمر يوسف مالا يعلمون وأن علمه هذا وحي من الله عز وجل لا من خطرات الأوهام. ويتابع الشيخ رشيد رضا رحمه الله:”إن نصّ الآية أن يعقوب عليه السلام أخبر عن نفسه أنه وجد رائحة ولده يوسف لما فصلت العير من أرض مصر،وهذا أمر وجداني نفسي لا يجب على كل مؤمن أن يعرف كنهه أو سببه،وإنما علينا أن نصدقه لأنه معصوم من الكذب وقد تبيّن صدقه بالفعل”. ويقول صاحب الظلال الشهيد سيد قطب رحمه الله: {قالَ بل سَوّلت لكم أنفُسُكم أمراً فصبرٌ جميلٌ عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً إنّهُ هو العليمُ الحكيم}[يوسف83]. “فصبر جميل” ..كلمته ذاتها يوم فقد يوسف. ولكنه في هذه المرة يضيف إليها هذا الأمل أن يرد الله عليه يوسف وأخاه فيرد ابنه الآخر المتخلف هناك…”إنه هو العليم الحكيم“..الذي يعلم حاله،ويعلم ما وراء الأحداث والامتحانات،ويأتي بكل أمر في وقته المناسب،عندما تتحقق حكمته في ترتيب الأسباب والنتائج. هذا الشعاع من أين جاء إلى قلب هذا الرجل الشيخ؟إنه الرجاء في الله،والاتصال الوثيق به، والشعور بوجوده ورحمته. ذلك الشعور الذي يتجلى في قلوب الصفوة المختارة،فيصبح عندها أصدق وأعمق من الواقع المحسوس الذي تلمسه الأيدي وتراه الأبصار. {وتولّى عنهم وقالَ يا أسفا على يوسفَ وابيضّت عيناهُ من الحزن فهو كظيم}[يوسف 84]. وهي صورة مؤثرة للوالد المفجوع. يحسّ أنه منفرد بهَمّه،وحيد بمصابه، لا تشاركه هذه القلوب التي حوله ولا تجاوبه،فينفرد في معزل،يندب فجيعته في ولده الحبيب. يوسف. الذي لم ينسه،ولم تهوّن من مصيبته السنون،والذي تذكره به نكبته الجديدة في أخيه الاصغر فتغلبه على صبره الجميل.ويكظم الرجل حزنه ويتجلّد فيؤثر هذا الكظم في أعصابه حتى تبيّض عيناه حزناً وكمداً. ويبلغ الحقد بقلوب بنيه ألا يرحموا مابه، وأن يلسع قلوبهم حنينه ليوسف وحزنه عليه ذلك الحزن الكامد الكظيم،فلا يسرون عنه، ولا يعزونه،ولا يعللونه بالرجاء،بل يريدون ليطمسوا في قلبه الشعاع الأخير: {قالوا تالله تفتأُ تذكرُ يوسفَ حتى تكونَ حَرَضاً أو تكونَ من الهالكين}[يوسف85] وهي كلمة حانقة مستنكرة. تالله تظل تذكر يوسف،ويهدك الحزن عليه،حتى تذوب حزناً أو تهلك أسىً بلا جدوى.فيوسف ميئوس منه قد ذهب ولن يعود.ويرد عليهم الرجل بأن يتركوه لربه،فهو لا يشكو لأحد من خلقه، وهو على صلة بربه غير صلتهم،ويعلم من حقيقته ما لايعلمون. {قال إنّما أشكو بَثّي وحُزني إلى الله وأعلمُ من الله مالاتعلمون}[يوسف86]. وفي هذه الكلمات يتجلى الشعور بحقيقة الألوهية في هذا القلب الموصول،كما تتجلى هذه الحقيقة ذاتها بجلالها الغامر،ولألأئها الباهر. إن هذا الواقع الظاهر الميئس من يوسف،وهذا المدى الطويل الذي يقطع الرجاء من حياته فضلاً على عودته إلى أبيه،واستنكار بنيه لهذا التطلع بعد هذا الأمد الطويل في وجه هذا الواقع الثقيل…إن هذا كله لايؤثر شيئاً في شعور الرجل الصالح بربه. فهو يعلم من حقيقة ربه ومن شأنه مالايعلم هؤلاء المحجوبون عن تلك الحقيقة بذلك الواقع الصغير المنظور! وهذه قيمة الإيمان بالله،ومعرفته سبحانه هذا اللون من المعرفة. معرفة التجلي والشهود وملابسة قدرته وقدره،وملامسة رحمته ورعايته،وإدراك شأن الألوهية مع العبيد الصالحين. إن هذه الكلمات:”وأعلم من الله مالاتعلمون” تجلو هذه الحقيقة بما لاتملك كلماتنا نحن أن تجلوها.وتعرض مذاقا يعرفه من ذاق مثله، فيدرك ماذا تعني هذه الكلمات في نفس العبد الصالح يعقوب.. والقلب الذي ذاق هذا المذاق لاتبلغ الشدائد منه ـ مهما بلغت ـ إلا أن يتعمق اللمس والمشاهدة والمذاق!ولا نملك أن نزيد. ثم يوجههم يعقوب إلى تلمس يوسف وأخيه،وألا ييأسوا من رحمة الله، في العثور عليهما، فإن رحمة الله واسعة وفرجه دائماً منظور: {يابنيَّ اذهبوا فتحَسّسوا من يوسفَ وأخيهِ ولاتأيسوا من رّوحِ الله إنه لاييأسُ من رّوحِ الله إلا القومُ الكافرون} [يوسف87]. فيا للقلب الموصول!!تحسسوا بحواسكم، في لطف وبصر وصبر على البحث.ودون ياس من الله وفرجه ورحمته.وكلمة”روح” أدق دلالة وأكثر شفافية. ففيها ظل الاسترواح من الكرب الخانق بما ينسم على الأرواح من روح الله الندي. فأما المؤمنون الموصولة قلوبهم بالله،الندية أرواحهم بروحه،الشاعرون بنفحاته المحيية الرخية،فإنهم لاييأسون من روح الله ولو أحاط بهم الكرب، واشتد بهم الضيق.وإن المؤمن لفي روح من ظلال إيمانه وفي أنس من صلته بربه وفي طمأنينة من ثقته بمولاه،وهو في مضايق الشدة ومخانق الكروب..”. وتستمر الأمور إلى أن يخبرهم يوسف العظيم الكريم بحاله وأنه غفر لهم. ويتابع سيد قطب رحمه الله:” {اذهبوا بقميصي هذا فألقوهُ على وجهِ أبي يأتِ بصيراً وأتوني بأهلكم أجمعين}[يوسف93] كيف عرف يوسف أن رائحته سترد على أبيه بصره الكليل؟ذلك مما علمه الله. والمفاجأة تصنع في كثير من الحالت فعل الخارقة..وما لها لاتكون خارقة ويوسف نبي رسول ويعقوب نبي رسول؟ ومنذ اللحظة نحن أمام مفاجأة في القصة بعد مفاجأة، حتى تنتهي مشاهدها المثيرة بتأويل رؤيا الصبي الصغير. {ولمّا فصلتِ العيرُ قال أبوهم إنّي لأجدُ ريحَ يوسفَ لولا تُفَنّدون}[يوسف94]. ريح يوسف! كل شئ إلا هذا. فما يخطر على بال أحد أن يوسف بعد في الأحياء بعد هذا الأمد الطويل.وأن له ريحاً يشمها هذا الشيخ الكليل! إني لأجد ريح يوسف. لولا أن تقولوا شيخ خرِف:”لولا أن تفندون”..لصدقتم معي ما أجده من ريح الغائب البعيد. كيف وجد يعقوب ريح يوسف منذ أن فصلت العير. ومن أين فصلت؟ يقول بعض المفسرين:إنها منذ فصلت من مصر، وانه شم رائحة القميص من هذا المدى البعيد. ونحن بهذا لاننكر أن خارقة من الخوارق يمكن أن تقع لنبي كيعقوب من ناحية نبي كيوسف. ولكن المحيطين بيعقوب لم يكن لهم ماله عند ربه،فلم يجدوا ماوجد من رائحة يوسف:{قالوا تالله إنكَ لفي ضلالكَ القديم}[يوسف95]. ولكن المفاجأة البعيدة تقع، وتتبعها مفاجأة أخرى: {فلما أن جاءَ البشيرُ ألقاهُ على وجههِ فارتدَّ بصيراً قال ألم اقلْ لكم إني أعلمُ من الله مالاتعلمون}[يوسف96]. مفاجأة القميص.وهو دليل على يوسف وقرب لقياه.ومفاجأة ارتداد البصر بعد ما ابيضت عيناه..وهنا يذكر يعقوب حقيقة ما يعلمه من ربه”.انتهى كلام سيد قطب رحمه الله. هذه هي قصة رحلة المعاناة والاختبار لهذا النبي الكريم والأب العظيم، بدأت بقميص كَذب من أخوة حاسدين حاقدين جمعتهم أخوة الدّم، وفرّقتهم روح الحسد والبغضاء،وأب على علمٍ بنفسياتهم وحسدهم،ولكنه أمر الله،ولكل أجل كتاب. ويرحل يوسف العظيم الكريم،ويبقى الوالد الحزين على صبره الجميل وعلمه اليقين بأن الإبن العزيز الغالي سوف يُردّ إليه،وسوف ينال المرتبة العليا عند الله. وتستمر رحلة المعاناة والابتلاء بفقد الأخ الآخر بنيامين،ويبقى الوالد الصبور الحليم مُنتظراً وعد الله وهو على علم يقين بأن يوسف وأخيه في رعاية الله وعهده،ولكنه لايستطيع أن يكتم حزنه فأصاب الأسى والكظم عيناه فأصبح فاقداً للبصر، ولكنه لم يفقد البصيرة في لحظة من اللحظات،ولم يفقد ثقته بربه ولا في أحلك الساعات،وكان على علمٍ أكيد أنها سنوات معاناة وابتلاء وكمد وضيق و سوف تُكلّل فيما بعد بالسعادة في الدار الدنيا بالتقاء شمل الأحباب، وسوف تكون أعظم أجراً في الآخرة عندما يلتقي الأحبة في دار الخلود حيث لانصب ولاعناء ولاحزن ولا ألم. وتنتهي القصة بقميص آخر من يوسف يشمُّ الوالد رائحة ابنه الحبيب فيه قبل أن يصل إليه،يشمُّ رائحة الحبيب على بعد المسافات، وتطاول الآماد، يعطيه الله من عنده هذه القدرة العجيبة على شم واسترواح رائحة الغالي يوسف لتعوّض عنده فقد البصر،ومن ثم يكتمل الأمر بإلقاء القميص على وجهه الكريم لتلامس سحنة النبي الحليم العظيم رائحة الابن العظيم الحليم، وعندما تلتقي الحاساتان، يعود البصر إلى صاحب البصيرة،ويذهب الحزن والهم من صاحب الصبر الجميل، ويلتقي الأب مع ابنيه لتغمر الجميع السعادة، ويُجلس يوسف الكريم أبويه على العرش،مصداقاً لرؤيته التي عاشها يعقوب في وجدانه قبل أن تتحقق في أرض الواقع ويلمسها بكيانه. إن قصة يعقوب ويوسف عليهما السلام وما ابتليا به من العناء والنصب بكل معانيه حيث الفرقة والبعد والسجن والعذاب والتشهير ونكران الأخوة،والحسد الذي وصل إلى درجة الحقد والبغضاء،واستهتار الأخوة بالأب الصابر الرحيم والذي وصل إلى درجة التهكم والسخرية، ألى غير ذلك من الحوادث والاختبارات، ونهايتها الجميلة باجتماع الأحبة ولقيان الثواب والذي تجلى في النهاية بالغفران من يوسف وأبيه بحق إخوته، إن هذه القصة من أجمل مايمكن للمؤمن أن يضعه نصب عينه في رحلة الحياة التي فُطرت على المشقات والنغص والتكدير، ولكن الصبر الجميل، واليقين بنصر الله وموعوده يُخفف من الآلام والأعباء، ويجعل النهاية الجميلة لمن تحلى بالصبر الجميل مع اليقين بالنصر النهائي العظيم”. وكذلك الأمر في قصة الوحي والنبوة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث بدأ الوحي بالرؤيا الصادقة ثم نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدة اشكال كالنفث في الروع ،ومجئ الوحي بشكل رجل،وأحياناً بشكله الملائكي . تقول السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها:”أول مابُدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم،فكان لايرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصبح“[رواه البخاري]. وذلك قبل أن ينزل الوحي بصورته الحقيقية،ولما لذلك من وقع على نفس سيد البشر صلى الله عليه وسلم البشرية. يقول الأستاذ الدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله(المختار من كنوز السنة النبوية ص8): “ويؤخذ من عبارة الحديث أن الرؤيا الصادقة وحيٌّ،لا مقدمة وحي ولا جزءٌ من الوحي.وحكمة ذلك إيناسه صلى الله عليه وسلم بالأمر حتى يكون تلقي شدائد الوحي في اليقظة أخفَّ وقعاً على نفسه البشرية”. ثم أنزل عليه الملك جبريل عليه السلام في غار حراء وهو يتعبد ويتأمل وذلك قبيل الرسالة فغطه ثلاث مرات وهو يقول له:اقرأ ويجيبه الرسول صلى الله عليه وسلم:ما أنا بقارئ،فقال له:اقرأ باسم ربك الذي خلق… وكانت مفاجأة هزت كيان الرسول العظيم وكأنها هزة أراد الحكيم العليم إعداد نبيه العظيم للمهمة العظيمة التي ستوكل إليه وهي الرسالة والنبوة. يقول الأستاذ محمد عبد الله دراز رحمه الله(المرجع السابق ص23): “في حديث الوحي:”فأخذني فغطّني حتى بلغ مني الجَهد ثم أرسلني”. والغطُّ:حبسٌ للنَّفسِ بالخنق أو الضمُّ الشديد. والجَهد:المشقة أو الوسع. والحكمة في هذا الإجهاد تمرينه على ماسيلاقيه من ثقل الوحي وشدائد النبوة،والمبالغة في غرس المعاني الآتية في نفسه حتى لاينساها،لأنها اقترنت بظروفٍ لها أثر عميقٌ في الوجدان،وهذه أيضاً هي الحكمة في تكرار هذا القول والفعل ثلاثاً فإنه بالتكرار يزداد روحه تيقظاً وانتباها،وتزداد المعلومات ثباتا”. ثم فتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم الوحي، واشتد وقع ذلك عليه وهذا أيضاً لحكمة بليغة،حيث تبين له أن هناك أموراً قد حدثت تهيئ لمرحلة جديدة. ثم جاءه الوحي وهو يسير في أحد شعاب مكة، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:”بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء،فرفعت بصري فإذا بالملك الذي جاءني بحراء،جالس على كرسي بين السماء والأرض،فرُعبت منه،فرجعت فقلت:زملوني، زملوني،فأنزل الله تعالى:{يا أيها المدثر*قم فانذر*وربك فكّبر*وثيابك فطهر* والرجز فاهجر}. وتتابع الوحي بعد ذلك بأحواله الهادئة نسبياً. وقد جاء في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها، أن الحارث ابن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:“يارسول الله كيف يأتيك الوحي؟فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أحياناً ياتيني مثل صلصلة الجرس ـ وهو أشده علي ـ فَيفصم عني وقد وعيت عنه ماقال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً، فيكلمني فأعي مايقول”. وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن الوحي كان ينفث في روعه صلى الله عليه وسلم،فيعي الرسول عنه مايقول.وورد أن الصحابة كانوا يسمعون للوحي عند نزوله على رسول الله صلى الله عليه وسلم دوياً كدوي النحل. وأما حالة الرسول صلى الله عليه وسلم عند نزول الوحي عليه: فقد وصفتها السيدة عائشة رضي الله عنها، قالت:ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً. كما ورد أن راحلته كانت تبرك به إلى الأرض إذا نزل عليه الوحي وهو راكب.وقد نزل عليه الوحي مرة وفخذه على فخذ زيد بن ثابت فثقلت عليه ،حتى كادت ترضها. يقول الأستاذ الدكتور محمد لطفي الصباغ حفظه الله (كتاب قضايا في الدين والحياة والمجتمع): “والتدرج سنة من سنن الله في خلقه،نتبينها في كثير من أمور الشرع وأحكامه،جاء في شرح مسلم:” إنما ابتدئ صلى الله عليه وسلم بالرؤيا لئلا يفجأه المَلك ويأتيه صريح النبوة بغتة، فلاتحتملها قواه البشرية،فبدئ بأول خصال النبوة وتباشير الكرامة من صدق الرؤيا، ويتابع الدكتور الصباغ:”نعم إن ابتداء الوحي بالرؤيا تمهيد فيه معنى الرفق والتدرج، وفيه إكرام من الله تعالى لعبده ورسوله لكيلا يفاجأ بالوحي الذي ذكر القرآن أنه قول ثقيل:{إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً}[المزمل5]، {لو أنزلنا هذا القرآن على جبلٍ لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله}[الحشر 21]. إن هذا التمهيد ليتيح للقلب العظيم الذي هو أثبت من الجبال أن يستعد لتلقي هذا الوحي وهذا القرآن العظيم”. وكذلك الأمر فيما يتعلق بالسيدة مريم العذراء،حيث بدأ الأمر بالبشرى من الله عز وجل بأن يتكفلها الله بعد ولادة امرأة عمران بها{فتقبلها ربّها بقبولِ حسن وأنبتها نباتاً حسناً وكفلّها زكريا}[آل عمران 37] ثم الرزق الذي كان يأتيها وهي في الاعتكاف وحينما سألها زكريا عليه السلام قالت إنه من عند الله{كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يامريمُ أنّى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب}[آل عمران 37]. ثم جاءت الاصطفاءات المتتالية من الله عز وجل،{وإذ قالت الملائكة يامريمُ إنّ الله اصطفاكِ وطهّركِ واصطفاكِ على نساء العالمين}[آل عمران 42]. والتي انتهت بأن يبشرها المَلك بالمسيح عيسى بن مريم وأنه روح الله وكلمته،{إذ قالت الملائكة يامريم إن الله يبشرك بكلمةٍ منه اسمهُ المسيحُ عيسى بنُ مريمَ وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين}[آل عمران 45] وانها ستكون الأولى التي تحمل طفلاً بدون أن يمسّها بشر{قالت ربِ أنى يكونُ لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلكِ الله يخلق مايشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون}[آل عمران 48] وقد هوّن الله عليها عندما أتت به قومها تحمله وسألوها من أين لك هذا فأنطقه الله عز وجل فقال إني عبد الله{ويكلم الناس في المهد وكهلا}.[آل عمران 46]. يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(المنار العدد263 الموافق 12 نيسان عام 1907): “فتقبلها ربها بقبول حسن” أي تقبل مريم من أمها ورضي أن تكون محررة للإنقطاع لعبادته وخدمة بيته ،”وأنبتها نباتا حسنا” أي رباها ونماها في خيره ورزقه وعنايته وتوفيقه تربية حسنة شاملة للروح والجسد.”كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا” قالوا كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف”قال يامريم أنى لك هذا “”قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب“. ويتابع الشيخ:” والاصطفاء الأول:”إن الله اصطفاكِ” هو قبولها محررة لخدمة له في بيته وكان خالصا بالرجال والتطهير،وطهرك مما يستقبح كسفساف الأخلاق وذميم الصفات وغير ذلك. والاصطفاء الثاني : ما اختصت به من خطاب الملائكة وكمال الهداية، وجعلها تلد نبياً من غير أن يمسها رجل . ويتابع الشيخ رحمه الله:”في قصة مريم التي ولدتها أمها وهي عاقر على خلاف المعهود كما نقل أو إذا كان قبول الأنثى محررة لخدمة بيت الله على خلاف المعهود عندهم.وان زكريا عليه السلام لما رأى مارآه من نعمة الله على مريم في كمال إيمانها وحسن حالها ولاسيما اختراق شعاع بصيرتها لحجب الأسباب،ورؤيتها أن المسخر لها هو الذي يرزق من يشاء بغير حساب.واستغرق قلبه في ملاحظة فضل الله ورحمته، فنطق بهذا الدعاء:{قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة}[آل عمران 38]وإنما يكون الدعاء جديراً بأن يستجاب إذا جرى به اللسان بتلقين القلب”. ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله: “وقصة النذر تكشف لنا عن قلب”امرأة عمران” ـ أم مريم ـ وما يعمره من إيمان،ومن توجه إلى ربها بأعز ماتملك. وهو الجنين الذي تحمله في بطنها. خالصاً لربها، محرراً من كل قيد ومن كل شرك ومن كل حق لأحد غير الله سبحانه.وهذا الدعاء الخاشع من امرأة عمران، بأن يتقبل ربها منها نذرها ـ وهو فلذة كبدها ـ ينم عن ذلك الإسلام الخالص لله، والتوجه ىإليه كلية، والتحرر من كل قيد،والتجرد إلا من ابتغاء قبوله ورضاه.“فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسنا” جزاء هذا الإخلاص الذي يعمر قلب الأم،وهذا التجرد الكامل في النذر.. وإعداداً لها أن تستقبل نفخة الروح،وكلمة الله، وأن تلد عيسى عليه السلام على غير مثال من ولادة البشر. ولانخوض في صفة الرزق الذي كان يأتيها،ولكن يكفي أن نعرف أنها كانت مباركة يفيض من حولها الخير ويفيض الرزق من كل مايسمى رزقاً.حتى ليعجب كافلها ـ وهو نبي ـ من فيض الرزق.فيسألها: كيف ومن أين هذا كله؟ فلا تزيد على أن تقول في خشوع المؤمن وتواضعه واعترافه بنعمة الله وفضله، وتفويض الأمر إليه كله”هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب”.وهي كلمة تصور حال المؤمن مع ربه،واحتفاظه بالسر بينه وبينه.والتواضع في الحديث عن هذا السر، لا التنفج به والمباهاة!كما أن ذكر هذه الظاهرة غير المألوفة التي تثير عجب نبي الله زكريا. هي التمهيد للعجائب التي تليها في ميلاد يحيى وميلاد عيسى. “وإذ قالت الملائك يامريم إن الله اصطفاك…”وأي اصطفاء؟!وهو يختارها لتلقي النفخة المباشرة،كما تلقاها أول هذه الخليقة:”آدم”؟وعرض هذه الخارقة على البشرية من خلالها وعن طريقها؟ إنه الاصطفاء للأمر المفرد في تاريخ البشرية..وهو بلا جدال أمر عظيم.. والإشارة إلى الطهر هنا إشارة ذات مغزى.وذلك لما لابس مولد عيسى عليه السلام من شبهات لم يتورع اليهود أن يلصقوها بمريم الطاهرة، معتمدين على أن هذا المولد لا مثال له في عالم الناس فيزعموا أن وراءه سراً لايشرف… قبحهم الله!! ويتابع رحمه الله:”لقد تأهلت مريم ـ إذن ـ بالتطهر والقنوت والعبادة لتلقي هذا الفضل، واستقبال هذا الحدث،وها هي ذي تتلقى ـ لأول مرة ـ التبليغ عن طريق الملائكة بالأمر الخطير:”إذ قالت الملائكة يامريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم..” إنها بشارة كاملة وإفصاح عن الأمر كله.بشارة بكلمة من الله اسمه المسيح عيسى بن مريم. فتضمنت البشارة نوعه،وتضمنت اسمه ونسبه. وظهر من هذا النسب أن مرجعه إلى أمه..ثم تضمنت البشارة كذلك صفته ومكانه من ربه.. كما تضمنت ظاهرة معجزة تصاحب مولده”ويكلم الناس في المهد” ولمحة من مستقبله”وكهلاً” وسمته والموكب الذي ينتسب إليه”ومن الصالحين”. فأما مريم الفتاة الطاهرة العذراء المقيدة بمألوف البشر في الحياة،فقد تلقت البشارة كما يمكن أن تتلقاها فتاة.واتجهت إلى ربها تناجيه وتتطلع إلى كشف هذا اللغز الذي يحير عقل الإنسان”قالت ربي أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر” وجاءها الجواب، يردها إلى الحقيقة البسيطة التي يغفل عنها البشر لطول ألفتهم للأسباب والمسببات الظاهرة لعلمهم القليل، ومألوفهم المحدود”قال كذلك الله يخلق مايشاء…”وحين يرد الأمر إلى هذه الحقيقة الأولية يذهب العجب،وتزول الحيرة،ويطمئن القلب،ويعود الإنسان على نفسه يسألها في عجب: كيف عجبت من هذا الأمر الفطري الواضح القريب!! 3 ـ المُبشرات قبل الدخول في الصعاب والمشاق: وهذا مانراه في غزوة بدر حيث التقى الحق والباطل بالسيف لأول مرة فكان لابد من بعض المقدمات التي تبعث الإطمئنان والأمان في بعض النفوس قبل اللقاء، ومن هذه المبشرات: ـ البشرى: لتطمئن القلوب ـ النعاس: لتهدئة الأعصاب ـ المطر: للتطهير والتنشيط ولتثبيت الأقدام. 4 ـ استشعار السكينة. يقول تعالى:{ إذ تستغيثون ربّكم فاستجاب لكم أني مُمدكم بألفٍ من الملائكة مُردفين* وما جعلهُ الله إلا بشرى ولتطمئنَّ به قلوبكم وما النصرُ إلا من عندِ الله إنّ الله عزيزٌ حكيم}[الأنفال9 ـ 10]. يقول سيد قطب رحمه الله: “لقد استجاب لهم ربهم وهم يستغيثون،وأنبأهم أنه ممدهم بألف من الملائكة مردفين..ومع عظمة هذا الأمر ودلالته على قيمة هذه العصبة وقيمة هذا الدين في ميزان الله، إلا أن الله سبحانه لايدع المسلمين يفهمون أن هناك سبباً ينشئ نتيجة، إنما يرد الأمر كله إليه سبحانه تصحيحاً لعقيدة المسلم وتصوره. فهذه الاستجابة، وهذا المدد،وهذا الإخبار به…كل ذلك لم يكن إلا بشرى،ولتطمئن به القلوب. أما النصر فلم يكن إلا من عند الله ولايكون…هذه هي الحقيقة الاعتقادية التي يقررها السياق القرآني هنا،حتى لا يتعلق قلب المسلم بسبب من الأسباب أصلاً”. ويقول تعالى:{إذ يُغَشّيكمُ النعاسَ أمنةً منهُ ويُنزّلُ عليكم من السّماءِ ماءً ليطهركم به ويُذهبَ عنكم رجزَ الشيطانِ وليربطَ على قلوبكم ويُثبت به الأقدام}[الأنفال 11]. يقول سيد قطب رحمه الله: “أما قصة النعاس الذي غشي المسلمين قبل المعركة فهي قصة حالة نفسية عجيبة،لا تكون إلا بأمر الله وقدره وتدبيره..لقد فزع المسلمون وهم يرون أنفسهم قلة في مواجهة خطر لم يحسبوا حسابه ولم يتخذوا له عدته..فإذا النعاس يغشاهم، ثم يصحون منه والسكينة تغمر نفوسهم، والطمأنينة تفيض على قلوبهم(وهكذا كان يوم أحد..تكرر الفزع، وتكرر النعاس، وتكررت الطمأنينة)..ولقد كنت أمر على هذه الآيات، وأقرأ أخبار هذا النعاس، فأدركه كحادث وقع، يعلم الله سره، ويحكي لنا خبره…ثم إذا بي أقع في شدة، وتمر عليّ لحظات من الضيق المكتوم، والتوجس القلق،في ساعة غروب…ثم تدركني سنة من النوم لا تتعدى بضع دقائق..وأصحو إنساناً جديداً غير الذي كان..ساكن النفس. مطمئن القلب. مستغرقاً في الطمأنينة الواثقة العميقة..كيف تم هذا؟كيف وقع هذا التحول المفاجئ؟ لست أدري! ولكني بعدها أدرك قصة بدر وأحد.أدركها في هذه المرة بكياني كله لا بعقلي. واستشعرها حية في حسّي لا مجرد تصور.وأرى فيها يد الله وهي تعمل عملها الخفي المباشر…ويطمئن قلبي.. لقد كانت هذه الغشية، وهذه الطمأنينة، مدداً من أمداد الله للعصبة المسلمة يوم بدر: “إذ يغشيكم النعاس أمنة منه”.. ولفظ”يغشيكم” ولفظ”النعاس” ولفظ”أمنة”..كلها تشترك في إلقاء ظل لطيف شفيف، وترسم الظل العام للمشهد، وتصور حال المؤمنين يومذاك،وتجلي قيمة هذه اللحظة النفسية الفاصلة بين حال للمسلمين وحال. وأما قصة الماء:”وينزل عليكم من السماء ماء…..” فهي قصة مدد آخر من أمداد الله للعصبة المسلمة، قبيل المعركة. قال علي بن طلحة، عن ابن عباس قال: نزل النبي صلى الله عليه وسلم حين سار إلى بدر والمشركون بينهم وبين الماء رملة وعصة،وأصاب المسلمين ضعف شديد،وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ يوسوس بينهم: تزعمون أنكم أولياء الله تعالى وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلون مجنبين؟ فأمطر الله عليهم مطراً شديداً، فشرب المسلمون وتطهروا،وأذهب الله عنهم رجز الشيطان، وثبت الرمل حين أصابه المطر، ومشى الناس عليه والدواب،فساروا إلى القوم، وأمدّ الله نبيه صلى الله عليه وسلم بألف من الملائكة، فكان جبريل في خمسمائة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة مجنبة”. ولقد كان ذلك قبل أن ينفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أشار به الحباب بن المنذر من النزول على ماء بدر، وتغوير ما وراءها من القلب. ففي هذه الليلة ـ وقبل إنفاذ مشورة الحباب بن المنذر ـ كانت هذه الحالة التي يذكر الله بها العصبة التي شهدت بدراً.. والمدد على هذا النحو مدد مزدوج: مادي وروحي.فالماء في الصحراء مادة الحياة،فضلاً على أن يكون أداة النصر. والجيش الذي يفقد الماء في الصحراء يفقد أعصابه قبل أن يواجه المعركة.ثم هذه الحالة النفسية التي صاحبت الموقف ووسوس بها الشيطان!حالة التحرج من أداء الصلاة على غير طهر لعدم وجود الماء(ولم يكن قد رخص لهم بعد في التيمم، فقد جاء هذا متأخراً في غزوة بني المصطلق في السنة الخامسة).وهنا تثور الهواجس والوساوس،ويدخل الشيطان من باب الإيمان ليزيد حرج النفوس ووجل القلوب! والنفوس التي تدخل المعركة في مثل هذا الحرج وفي مثل هذا القلق تدخلها مزعزعة مهزومة من داخلها..وهنا يجئ المدد وتجئ النجدة…”وينزل عليكم من السماء ماء…” ويتم المدد الروحي بالمدد المادي، وتسكن القلوب بوجود الماء، وتطمئن الأرواح بالطهارة،وتثبت الأقدام بثبات الأرض وتماسك الرمال”. قد تلم بعض المصائب أو الكوارث أو الحوادث المفجعة فأما الإنسان المؤمن الواثق بحكمة الله وتقديره فإن الله يبعث في نفسه السكينة والطمأنينة فيواجه هذه المصائب والمحن بقلب سليم وعقل رشيد”. يقول الأستاذ العلامة محمد الغزالي رحمه الله( كتاب جدد حياتك ص 52): “والخطوة التالية لجمع الحقائق استشعار السكينة التامة في تلقيها، وضبط النفس أمام مايظهر محيّراً أو مروعاً منها،فإن الفَرَق من الأحداث ينتهي حتماً بالغَرق في لُجّتها.وكلمة السكينة تكررت في مواضع كثيرة في القرآن الكريم وهي حيثما وُجدت تشير إلى مايبثه الإيمان في النفوس من طمأنينة مرجعها الأنس بالله،والركون إلى قضائه، والاستظهار بعونه كلما راب أمرٌ أو أظلم أفق. يقول الأستاذ ناجي الطنطاوي رحمه الله(كلمات نافعة ص405): “وقد حدث في غزوة بدر الكبرى حين التقى المسلمون بالمشركين، إن الخوف خالط نفوس بعض المسلمين بسبب قلة عددهم وكثرة عدد عدوهم وعدده،والخائف يحس بالقلق، ويفقد السيطرة على نفسه فيضطرب ويتخاذل،فلايستقر على حالٍ،ويذهب النعاس من عينيه مهما كان في حاجةٍ إلى النوم،فلما وقع المسلمون في هذا الوضع المضطرب من الخوف كان من نعمة الله عليهم أن ألقى في عيونهم النعاس ليزول عنهم ما أصابهم. قال تعالى في سورة الأنفال:{إذ يُغَشيّكمُ النُّعاس آمنةً منه} أي إنه يلقيه على أعينكم فيجعله كالغطاء عليها.والنعاس هو فتورٌ في الحواس وفي أعصاب الرأس، يعقبه النوم ،فهو مقدمة للنوم يضعف الإدراك ولايزيله فيبقى صاحبه بين النائم واليقظان، وقوله تعالى{أمنةً منه} أي أماناً من الله لكم من عدوكم لئلا يغلبكم. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: النعاس في القتال أمنةً من الله والنعاس في الصلاة من الشيطان،وبما أن الخائف على نفسه لايستطيع النوم فصار وقوع النوم في هذه الحال أماناً لصاحبه من الاضطراب والقلق.ولما تغشّاهم النعاس ناموا نوماً خفيفاً واستراحت أبدانهم واطمأنت نفوسهم.يروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: ماكان فينا فارسٌ يوم بدرٍ غير المقداد، ولقد رأيتنا ومافينا إلا نائمٌ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تحت شجرةٍ حتى أصبح”. وعندما أوشك القتال أن ينشب في حرم مكة بين المسلمين والمشركين، والتفّت عوامل الاستفزاز بالنبي وصحبه وهم بالحديبية يريدون العمرة، كظم النبي صلى الله عليه وسلم على ما أحسّ به من حَزَن، وأمر أصحابه أن يطرحوا الريبة والهمّ،وأن يقبلوا معاهدة تصون الدماء وتنشر الأمان على مافيها من قيودٍ تُعنتهم.وفي ذلك نزل قول الله :{إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحميّة حَميّة الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله والمؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحقّ بها وأهلها وكان الله بكل شئٍ عليما}[الفتح26]. قد يجد المرء نفسه أمام سلسلة من الفروض المقترحة للخروج من أزمة طارئة وقد يُقلّب النظر فيها فيجد أن أحلاها مرّ، وقد يكون كالمستجير من الرمضاء بالنار،وقد يدور حول نفسه لايرى مخلصاً،أو يرى المخلص فادح التضحية.ومثل هذه الأفكار القاتمة تتكاثر وتتراكم مع ضعف الثقة بالله وبالنفس. أما المؤمن فهو يختار أقرب الفروض إلى السكينة والرشد،ثم يقدم وهو لايبالي مايحدث بعد ذلك، وعلى لسانه هذه الآية:{قل لن يصيبنا إلا ماكتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون}[التوبة51]. وما أكثر أن تتبخّر خواطر السوء ووساوس الضعف، ويتكشّف أن الإنسان يُبتلى بالأوهام أكثر مما يُبتلى بالحقائق، وينهزم من داخل نفسه قبل ان تهزمه وقائع الحياة:{الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حَسبنا الله ونعم الوكيل* فانقلبوا بنعمةٍ من الله وفضلٍ لم يمسسهم سوءٌ واتبعوا رضوان الله والله ذو فضلٍ عظيم}[آل عمران173 ـ 174]. 5 ـ التذكير بمصائب الآخرين : إذا أصيب إنسان بمصيبة ما فإن من قواعد العلاج النفسي أن تذكره أن مصيبته لاتعدل شيئاً بالنسبة للمصائب التي يصاب بها الكثير من الناس، وكم وجدنا أناساً يصابون بالحزن والهمّ والغمّ إذا قيل لهم إنكم مصابون مثلاً بالداء السكري أو ارتفاع التوتر الشرياني أو بعض أدواء القلب..ولكن عندما تذكر لهم أن هذه الأمراض يمكن معالجتها وأنها لاتمثل خطورة على الصحة والجسم كما هو الحال بالنسبة للمصابين بالأمراض المعضلة أو السرطان…فإن هذا يخفف من حزنهم وآلامهم. جاء الصحابي الجليل خباب بن الأرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان متوسداً بردة في ظل الكعبة وقال له: ألاتستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟فقال عليه الصلاة والسلام:”قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار الحديد مادون لحمه وعظمه مايصده ذلك عن دينه. والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لايخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون”[رواه البخاري]. إن هذه طريقة مثلى في العلاج النفسي أن تذكر الإنسان الذي يشكو إليك مصائبه بأن هناك أناس أصيبوا بأشد منها وأكثر.وأن عليه أن ينظر إلى من هم أسوأ حالاً منه فيقول الحمد لله على كل حال ويصبر ويحتسب . والحمد لله رب العالمين.