الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

الصحة النفسية — التعريف والقواعد الوقائية: الإيمان والتوكل

الصحة النفسية بين الطبّ والإسلام
 

بسم الله الرحمن الرحيم

الصحة النفسية بين الطبّ والإسلام

الحمد لله رب العالمين،والصلاة والسلام على سيدنا ورسولنا وحبيبنا وشفيعنا يوم الدين،محمد بن عبد الله خاتم الانبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً،أرسله الله بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور. اللّهم باسمك نبتدي،وبهديك نهتدي،وبك يامعين،نسترشد ونستعين،ونسألك أن تكّحل بنور الحقِّ بصائرنا،وأن تجعل إلى مرضاك مصائرنا،نحمدك على أن سدّدت في خدمة دينك خطواتنا،وثبتَ على صراط الحق أقدامنا. أما بعد: إن الإسلام كدين ومنهج شامل لكل نواح الحياة،قد راعى من خلال تشريعاته وأحكامه وقواعده من جملة ماراعاه موضوع النفس البشرية التي استخلفها الله في أرضه،والأخذ بها من أوحال وأوضار الإثم والضلال والضياع إلى برِّ السلامة وشواطئ الإيمان ،وإلى الراحة والسعادة في الدارين. لقد شملت تشريعات الإسلام وقواعده بناء النفس البشرية من النواحي الدينية والأخلاقية والاجتماعية والصحية…ونجد من خلال مبادئ وقواعد الطب الوقائي المنبثقة من كتاب الله الكريم، وسنة نبيه العظيم الكثير من الأمور الوقائية والعلاجية لصحة الإنسان لا من الناحية البدنية والجسمية فحسب،بل وأيضاً من الناحية النفسية.إذ أنه لابد من بناء النفس المسلمة على أساس متين وصلب لتحمل المشقات والتكاليف،ولابد من تربية المسلم منذ نعومة أظفاره على المبادئ الإسلامية التي تمكنه من تجاوز الأزمات والمآزق التي يمكن أن يتعرض لها وتعترضه في دار الابتلاء. تعريف الصحة النفسية وعلم النفس: يقول الدكتور محمد فائز الحاج علي في كتابه “الصحة النفسية”: “الصحة النفسية بالتعريف: مجموعة الشروط التي يلزم توافرها حتى يتم التكيف بين المرء ونفسه،وكذلك بينه وبين العالم الخارجي،تكيفاً يؤدي إلى أقصى مايمكن من الكفاية والسعادة لكل من الفرد والمجتمع الذي ينتمي إليه”. ويقول عظيم الإسلام الأستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله(المجموعة الكاملة الجزء السادس ص574): “أما علم النفس: فهو علم الإنسان في عالمه الداخلي كلّه،وهو ألصق بالإنسان وأحرى بعنايته وأهدى إلى أسباب سعادته وشقائه ـ من ذلك العالم الخارجي الأكبر الذي يتناوله ذانك العلمان الآخران:علم الاقتصاد السياسي، وعلم الكيمياء. تشعبت فروعه وتعمقت جذوره حتى أوشكت أن تسع كل ماوسعته نفس الإنسان من معرفة وعاطفة،ومن حق ووهم،ومن واقع وخيال. ويتابع:”وعلم النفس كله موكل بالأعماق الخفية.علم النفس كله موكل بالبواطن التي تفسر لنا أعمالنا الظاهرة،كلما احتاجت إلى تفسير صحيح فلم نجد تفسيرها الصحيح في الظواهر المحسوسة. ويتابع:”ونخص الدين الإسلامي في هذا المقام بتوكيد العلاقة بينه وبين الدراسات النفسية وما تهتدي إليه مذاهبها ومدارسها من ضروب الوقاية والرياضة،لأننا مع الإيمان بالإسلام نرى من الوجهة العلمية أن العقيدة هي التي تعصم الإنسان من أكبر دواعي المرض النفساني،وهو باتفاق المذاهب يرجع إلى علّة واحدة محيطة بجميع العلل،وهي علّة الإنقسام الداخلي،أوعلّة التصدع التي توزع النفس شيعاً بين النقائض والأضداد،وتفقدها الوسيلة التي ترأب بها صدوعها وتعيد بها الوئام والألفة بين مقاصدها ونزعاتها. وفي الإسلام عصمة من كل داء من أدواء هذا الفصام الذي يمزق طويّة الفرد،أو يُمزق صورة الوجود كله بين خصومات الفكر وخصومات العقيدة وخصومات المثل العليا في كل قبلة تتجه إليها. فليس في الإسلام عداء بين الروح والجسد،وليس للجسد فيه محنة تمتحنه بالصراع بين الطيبات من متعة الروح أو متعة الجسد:{وابتغِ فيما آتاكَ اللهُ الدارَ الآخرةَ ولاتنسَ نصيبَكَ من الدُّنيا}[القصص 77]. وليس في الوجود عالم لله وعالم للشيطان أو عالم للسماء وعالم للهاوية{بل لله الأمر جميعاً}[الرعد 31]{ولله المشرق والمغرب}[البقرة 115]{ما جعلَ اللهُ لرجلٍ من قلبينِ في جوفه}[الأحزاب4]. فليس في العقيدة الإسلامية إنسان متصدع يتوزع بين نوازع الروح ونوازع الجسد،وليس فيه ضمير متصدع يتوزع بين الدنيا والآخرة،وليس فيه عالم متصدع يتوزع بين السماء والهاوية،ولا خليقة متصدعة تتوزع بين اللعنة الأبدية أو المغفرة الأبدية. وفي اسم الإسلام دليل على مافي العقيدة الإسلامية من دعائم الثقة واليقين.فالإسلام تسليم وسلام، ومن تمكن في قلبه فهو أمان وإيمان. وصفوة القول في هذه الصلة بين عالم النفس والدين الإسلامي أن دراسات العلماء تجمع الأدواء النفسية كلها في داء واحد،هو داء الضمير المدخول،أو الضمير المنقسم على نفسه،وأنها تجمع الطب النفساني كله في دواء واحد،هو دواء اليقين والإيمان،وذلك دواء عند الدين وليس منه عند العلم غير القليل،لأن العلم سبيل مايعرف ولاحاجة به إلى ثقة وتسليم، وإنما يؤمن الإنسان ليعرف كيف يثق وكيف يبصر موئل الأمان،ثم يركن إليه ركون العارف الآمن أو ركون الإسلام والتسليم”.(انتهى كلام العقاد). ويقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله(الرسالة العدد115): “لست أدري لماذا يؤمن الناس أشدَّ الإيمان بمرض أجسامهم،ولا يؤمنون بمرض نفوسهم،فإذا شعر أحدهم بمرض جسمي أسرع إلى الطبيب يصف له أعراضه،ويستوصفه دواءه،وينفذ أوامره مهما دقت،ويبذل في ذلك الأموال مهما جلّت،ثم هو يمرض نفسياً،فلا يأبه لذلك،ولا يعيرهُ عناية،ولا يستشير طبيباً نفسياً،ولا يعنى بدرس الأعراض،ومعرفة الأسباب،وقد يلح عليه مرض النفس،ويصل به إلى اليأس،فلا يسعى لعلاج،ولا يجد في معرفة دواء،كأن نفسه أهون عليه من جسمه،وروحه أتفه من بدنه. لعل الذي صرف الناس عن علاج نفوسهم إلى علاج جسومهم أنهم أو الكثير منهم لا يزالون يسبحون في دائرة الحس وحده،ولم يرتقوا إلى ملاحظة النفوس وشؤونها،فإذا جرح الإنسان جرحاً بسيطاً في جسمه هرع إلى الطبيب يعالجه ويحتاط له،وإذا كسر عظمه ذهب إلى الطبيب ليجبر كسره ،ولكن إذا جرحت نفسه ولو جرحاً عميقاً،وكسرت ولو كسراً خطيراً احتمل الألم من غير بحث عن علته أو نتائجه أو طرق مداواته لأنه لا يزال مادياً في إدراكه وتفكيره. أو لعل السبب أن الناس لا يؤمنون بأطباء النفوس إيمانهم بأطباء الأجسام،فهم لا يعتقدون في صلاحيتهم،ويشكون كل الشك في قدرتهم على علاجهم،فيستسلمون للمرض النفسي كما يستسلمون لمرض جسمي استحال شفاؤه،ولم يستكشف دواؤه. وقد يكون السبب أن الناس يؤمنون بسهولة أمراض النفس وقدرتهم على علاجها والإشتفاء من غير طبيب،فما عليه إن كان حزيناً إلا أن يضحك،أو منقبضاً إلا أن يتسلى،وهذا خطأ بيّن،فأمراض النفوس كأمراض الجسم فيها ما يداوى بحمية وفيها ما يستعصي على الطبيب الماهر والخبير الحاذق. ويتابع رحمه الله: ”إن ضحايا أمراض النفوس كثيرون،وصرعى المرض لا يحصون،والإلتفات إلى هذا النوع من الأمراض ضعيف فاتر،فهناك صرعى الخوف من الموت ومن الفقر ومن الرؤساء،وهناك صرعى الشك في الدين وفي الحياة وقيمتها وفي كل ما يحيط بهم مما في الأرض وما في السماء،وهناك صرعى الحزن لا يسرهم شىء في الحياة،ويودون أن يبكوا دائماً ويسوّدون كل منظر يرونه،ويحزنون عندما يحزن الناس ويحزنون عند ما يضحك الناس،فإذا عدموا أسباب الحزن خلقوها حتى من أعمق منابع السرور.وهكذا تتعدد الصرعى كصرعى السل والسرطان وما إليها يبدو فيهم مكروب النفس صغيراً ثم ينمو شيئاً فشيئاً حتى يفترسهم،ثم من العجيب ألا يتوجهوا قليلاً ولا كثيراً إلى قتلها قبل أن تقتلهم وهزيمتها قبل أن تهزمهم،كأنهم يظنون أن المرض فوق أن يعالج والأمر أيأس من أن يفكر فيه”. ويمكن أن نقسم الموضوع إلى عدة عناصر: أولاً: القواعد الوقائية  لصحة النفس: أي التي تمنع من وقوع النفس في إسار الإضطرابات النفسية. ثانياً:القواعد العلاجية لصحة النفس: أي الوسائل العلاجية التي تساعد النفس المريضة على الشفاء السريع ومنع تفاقم المرض. ثالثاً: بعض ظواهر الإعجاز في الطب النفسي من  القرآن والسنة.

القواعد الوقائية للصحة النفسية

1 ـ الإيمان بالله وعلاقته بصحة النفس إننا نعيش اليوم في عالم مُضطرب ومُتشتت،الصراع دائم فيه بين مختلف الطوائف،ومابين الأغنياء والفقراء،ومابين البيض والسود…وليس هذا فحسب،بل إن الإنسان بحد ذاته يعيش صراعاً في نفسه،مع نفسه،لعدم إيمانه الوثيق بالله تعالى،ولعدم ثقته بنفسه وبغيره، يعيش ويلهث وسوط المادة من خلفه يلهب ظهره،ليسرع في جمع مال،واغتصاب حق الآخرين. إن تجارب التاريخ والواقع تنطق جميعها بفضل الإيمان بالله وضرورته للإنسان،فهو ضروري للفرد لكي يكون مطمئناً سعيداً في حياته،بعيداً عن المُنغصات والإضطرابات،وإن النفس المحرومة من العقيدة الربانية،والبعيدة عن الروح الدينية،سوف ينتهي بها الأمر إلى مهاوى الخوف والقلق والضلال واليأس،ومايجره كل ذلك من أمراض نفسية وعصبية وبدنية. والإيمان بالله هو ضروري للمجتمع لكي ينعم بالإستقرار والتماسك والرقي وإلا وقع في براثن الاستغلال والأثرة والأنانية ..ومايؤدي فيما بعد لإنهياره وانحلاله وسقوطه في مهاوى الرزيلة والضياع والفساد والسقوط والانهيار. إن الإيمان بالله يعطي الإنسان دفعاً ومحركاً للأخلاق الطيبة،والمشاعر النبيلة،وهذا مصدر قوة العقيدة،يقول تعالى:{قد أفلحَ من تَزَكّى* وذكرَ اسمَ ربِّهِ فَصَلى}[الأعلى14 ـ 15]،والفلاح أن يظفر الإنسان بما يحب،وينجو مما يكره،والفلاح هنا الفوز بالجنة في الآخرة، وأن يرزقه الله الطمأنينة والسكينة في الأولى،كما قال تعالى:{ هُوَ الذي أنزلَ السَّكينةَ في قُلُوبِ المؤمنينَ ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم}[الفتح4]وقوله تعالى:{الذينَ آمنوا وتَطمئنُّ قُلُوبُهم بذكرِ الله ألا بِذكرِ الله تطمئنُّ القلوب}[الرعد28]. يقول تعالى في سورة الحجرات:{بل الله يمنُّ عليكُم أن هداكُم للإيمانِ إن كنتم صادقينَ}[الحجرات 17]. يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال: ”إن الإيمان هو كبرى المنن التي ينعم بها الله على عبد من عباده في الأرض.إنه أكبر من منّة الوجود الذي يمنحه الله ابتداء لهذا العبد،وسائر ما يتعلق بالوجود من الأمن والرزق والصحة والحياة والمتاع.إنها المنّة التي تجعل للوجود الإنساني حقيقة مميزة،وتجعل له في نظام الكون دوراً أصيلاً عظيماً. وأول ما يصنعه الإيمان في الكيان البشري،حين تستقر حقيقته في قلبه هو سعة تصوره لهذا الوجود،ولإرتباطاته هو به،ولدوره هو فيه،وصحة تصوره للقيم والأشياء والأشخاص والأحداث من حوله،وطمأنينته في رحلته على هذا الكوكب الأرضي حتى يلقى الله.وأنسه بكل ما في الوجود حوله،وأنسه بالله خالقه وخالق هذا الوجود،وشعوره بقيمته وكرامته،وإحساسه بأنه يملك أن يقوم بدور مرموق يرضى عنه الله،ويحقق الخير لهذا الوجود كله بكل ما فيه وكل من فيه”. وإن علماء النفس يؤكدون أنه لاشئ يملأ نفس الإنسان بالسعادة والطمأنينة قدر الإيمان بالله،فالإنسان المريض يرتاح عندما يتوجه إلى الله في أزماته ومتاعبه النفسية والصحية، يشكو آلامه،ويبثُّ همومه،كما يتجه المريض المعذب المتألم لطبيبه الواثق منه ليخفف عنه وليساعده ويخلصه مما يُعانيه. ويقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله(نور وهداية ـ هل تهدي الفطرة إلى الدين؟): “أجد أني قد داخلت الرجال واستكشفت الطوايا واستطلعت الأفكار،أفكار الأحياء من الناس والأموات من المؤلفين،فوجدت أن الناس جميعاً،المؤمن منهم والكافر،والناشىء في صوامع العبادة والمتلابي في مخادع الفسوق،إذا ألمّت بهم مُلمّة ضاقوا بها ذرعاً ولم يجدوا لها دفعاً لم يعوذوا منها بشىء من هذه الكائنات،وإنما يعوذون بقوة وراء هذه الكائنات:قوة عظيمة لا يرونها ولكنهم يشعرون بوجودها بأرواحهم وقلوبهم وكل عصب من أعصابهم. كلهم ينادي في هذه الحال:”يا رب” وإن لم يكن يدري ما الربّ! فأدركت بالحدس أن التصديق بوجود الرب المعبود عقيدة فطرية في نفس كل بشر،ولكن الأمن والصحة والمطامع والشهوات قد تلقي ستاراً عليها يخفيها ويغطيها.وهذا هو”الكفر” وهو في اللغة”الستر”،ومعنى الكافر الساتر. وجاء العقل فأيّد هذا الحدس حين رأى في كل شىء دليلاً عليه،في هذا العالَم وإتقانه،وهذا الجسد وعجائبه،وفي سنن الكون وأسراره التي أودعها فيه خالق الكون وأعطانا العقول وقال لنا:اكشفوا بعقولكم هذه السنن والأسرار،فسعينا حتى عرفنا بعضاً منها في عالم الكيمياء والفيزياء والطب والفلك،وفي الأرض وفي الفضاء القريب الذي يحيط بالأرض،ولم نعرف إلى اليوم إلا الأقل الاقل منها. فآمن العقل بأن هذه الصنعة العجيبة لا تكون من غير صانع،وهذه الطبيعة لا بد لها من طابع،وهذا الخلق لا يكون بغير خالق. ورأيت أني وصلت ـ بعد هذا ـ بالحدس النفسي،ثم بالفكر العقلي،إلى الإيمان بالله واليوم الآخر”. ويقول الكاتب العظيم مصطفى صادق الرافعي رحمه الله(الرسالة العدد 95): “والإيمان الصحيح هو بشاشة الروح،وإعطاء الله الرضى من القلب،ثقة بوعده ورجاء لما عنده.ومن هذين يكون الإطمئنان.وبالبشاشة والرضى والثقة والرجاء يصبح الإيمان عقلاً ثانياً مع العقل.فإذا ابتلى المؤمن بما يذهب معه الصبر ويطيش له العقل،وصار من أمره في مثل الجنون،برز في هذه الحالة عقله الروحاني وتولى سياسة جسمه حتى يفيق العقل الأول.ويجىء الخوف من عذاب الله ونقمته في الآخرة،فيغمر به خوف النفس من الفقر أو المرض أو غيرهما،فيقتل أقواهما الأضعف،ويخرج الأعزّ منهما الأذل. فالإطمئنان بالإيمان هو قتل الخوف الدنيوي بالتسليم والرضى،أو تحويله عن معناها بجعل البلاء ثواباً وحسنات،أو تجريده من أوهامه باعتبار الحياة سائرة بكل ما فيها إلى الموت،وهو بهذا عقل روحاني له شأن عظيم في تصريف الدنيا،يترك النفس راضية مرضية،تقول لمصائبها وهي مطمئنة:نعم،وتقول لشهواتها وهي مطمئنة:لا،وما الإنسان في هذا الكون،وما خيره وشره ،وما سخطه ورضاه؟إن كل ذلك إلا كما ترى قبضة من التراب تتكبر وقد نسيت أنه سيأتي من يكنسها. فالعقل الروحاني الآتي من الإيمان،لا عمل له إلا أن ينشىء للنفس غريزة متصرفة في كل غرائزها،تكمل شيئاً وتنقص من شىء،وتوجه إلى ناحية وتصرف عن ناحية،وبهذه الغريزة تسمو الروح فتكون أكبر من مصائبها وأكبر من لذاتها جميعاً وتلك الغريزة هي نفسها معنى الرضا بالقدر خيره وشره،وهي تأتي بالتأويل لكل هموم الدنيا،فتضع النكبات معاني شريفة تنزع منها شرها وأذاها للنفس،وليست المصيبة شيئاً لولا تأذي النفس بها.وإذا وقع التأويل في معاني النكبات أصبحت تعمل عمل الفضائل،وتغيرت طبيعتها،فيعود الفقر باباً من الزهد،والمرض نوعاً من الجهاد،والخيبة طريقاً من الصبر،والحزن وجهاً من الرجاء،وهلم جرا. والنفسُ وحدها كنز عظيم،وفيها وحدها الفرح والابتهاج لا في غيرها،وما لذات الدنيا إلا وسائل لإثارة هذا الفرح وهذا الابتهاج،فإن وجدا مع الفقر بطلت عزة المال وأصبح حجراً من الحجر،والبلبل يتغرد بحنجرته الصغيرة ما لا تغني فيه ألات التطريب كلها.وفي النفس حياة ما حولها،فإذا قويت هذه النفس أذلت الدنيا،وإذا عفت أذلتها الدنيا”. يقول ديل كارنيجي في كتابه”دع القلق وابدأ الحياة”: ” إن أطباء النفس يدركون أن الإيمان القوي والتمسك بالدين كفيلان بأن يقهرا القلق والتوتر النفسي وأن يساعدا على الشفاء من الامراض”. ويقول المؤرخ والعالم والفيلسوف البريطاني أرنولد توينبي: “الدين احدى الملكات الضرورية للطبيعة البشرية،وحسبنا أن نقول بأن افتقار الإنسان للدين يدفعه إلى اليأس الروحي”. ويقول الأستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله(المجموعة الكاملة المجلد العاشر ص327): “إن الشوق إلى الإيمان من أقوى أشواق النفس الإنسانية،شوق متصل بحب الحياة وحب المعرفة وحب الجمال وحب الكمال،وحسبنا منه أنه شوق يعيننا على اليأس ويمنحنا الأمل ويجعل للحياة معنى يتصل بالدوام”. ويقول الكاتب العظيم مصطفى صادق الرافعي رحمه الله(الرسالة العدد679): “يزعمون أننا في عصر العلم،وفي دهر القانون،ويريدون أن يسلبوا الناس إيمانهم،كأن الإيمان هو مشكلة الإنسانية،مع أنه لا حل لمشكلتها إلا به.إن مسألة الغنى والفقر،وما كان من بابهما لا يحلها العلم ولا القانون إذ هي من مواد القضاء والقدر في إنشاء الآلام والأحزان وأضدادها التي تقابلها،وما كان فوق الإنسانية من السماء قوة لا تحد،وتحت الإنسانية من القبر هوة لا تسد،فلا نظام إلا على تصريف النفس أمراً ونهياً،وتأويل الحياة معنى وغاية،فإن لم يكن الشأن في ذلك مقرراً في الغريزة على جهة الإيمان،فلن يكون العلم والقانون على ظاهر النفس إلا ثورة بما في باطنها،ولن يبرح الناس على ذلك بعضهم من بعض كالهارب منه وهو مضطر إليه،أو كالمضطر إليه وهو هارب منه،وكلّ من كلٍ في معنى من معاني النفس لا إنسانية فيه”. ويتابع رحمه الله:”مازاد العلماء على أن خلقوا في ساعدي الحياة هذه العضلة البخارية،وذلك العصب الكهربائي.فمن لم يستطع أن يتوقى ضربة الحياة المدنية بعدة من قوة،وعتاد من مال،طاحت به فدكته دكَّ الخسف،ووضعته من الناس موضع الحبة من الرحى الدائرة.فما بينه وبين أن ينهار موضع يستمسك عليه،وإنما هذا الموضع هو إيمان المؤمن إذ يعطف على الضعفاء أو يسعد أو يبرّ بما كتب عليه أن يرق لهم من ذات نفسه ويتحنى ويتوجع. ومتى كان العلم والدين يقومان جميعاً على تنظيم الطبيعة في مادتها وإنسانيتها لم تجر الإنسانية إلا على بقاء الأصلح في الجهتين،فإذا تخلى بها العلم وحده فلن تجري أبداً إلا على ناموس بقاء الأصلح في ظاهرها لإيجاد الأفسد في باطنها”. ويقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله(الرسالة العدد145): “والدين هو حقيقة الخلق الاجتماعي في الأمة،وهو الذي يجعل القلوب كلها طبقة واحدة على اختلاف المظاهر الإجتماعية عالية ونازلة وما بينهما،فهو بذلك الضمير القانوني للشعب،وبه لا بغيره ثبات الأمة على فضائلها النفسية،وفيه لا في سواه معنى إنسانية القلب. ولولا التدين بالشريعة،لما استقامت الطاعة للقانون في النفس،ولولا الطاعة النفسية للقوانين،لما انتظمت أمة،فليس عمل الدين إلا تحديد مكان الحي في فضائل الحياة،وتعين تبعته في حقوقها وواجباتها،وجعل ذلك كله نظاماً مستقراً فيه لا يتغير،ودفع الإنسان بهذا النظام نحو الأكمل،ودائماً نحو الأكمل. وكل أمة ضعف الدين فيها،اختلّت هندستها الإجتماعية،وماج بعضها في بعض،فإن من دقيق الحكمة في هذا الدين أنه لم يجعل الغاية الأخيرة من الحياة في هذه الارض،وذلك لتنظيم الغايات الأرضية في الناس،فلا يأكل بعضهم بعضاً،فيغتني الغني وهو آمن،ويفتقر الفقير وهو قانع،ويكون ثواب الأعلى في أن يعود على الأسفل بالمبرّة،وثواب الأسفل في أن يصير على ترك الأعلى في منزلته،ثم ينصرف الجميع بفضائلهم إلى تحقيق الغاية الإلهية الواحدة،التي لا يكبر عليها الكبير،ولا يصغر عنها الصغير،وهي الحق،والصلاح والخير،والتعاون على البر والتقوى. ومادام عمل الدين هو تكوين الخلق الثابت الدائب في عمله،المعتز بقوته ،المطمئن إلى صبره،النافر من الضعف الأبي على الذل،الكافر بالإستعباد،المؤمن بالموت في المدافعة عن حوزته،المجزي بتساميه وبذله وعطفه وإيثاره ومفاداته،العامل في مصلحة الجماعة،المقيد في منافعه بواجباته نحو الناس ـ مادام عمل الدين هو تكوين هذا الخلق ـ فيكون الدين في حقيقته هو جعل الحسّ بالشريعة أقوى من الحسّ بالمادة،ولعمري مايجد الإستقلال قوة هي أقوى له وأرد عليه من هذا المعنى إذا تقرر في نفس الأمة وانطبعت عليه”. ويقول الدكتور العلامة يوسف القرضاوي حفظه الله(مقدمة كتابه الإيمان والحياة): “والفرد بغير إيمان ولادين ريشة في مهبِّ الريح لاتستقر على حال،ولاتعرف لها وجهة،ولاتسكن إلى قرار مكين. الفرد بغير دين ولا إيمان إنسان ليس له قيمة ولاجذور،إنسان قلق متبرم حائر،لايعرف حقيقة نفسه ولا سرّ وجوده،لايدري من ألبسه ثوب الحياة،ولماذا ألبسه إياه،ولماذا ينزعه عنه بعد حين؟! وهو بغير دين ولا إيمان،حيوان شره أو سبع فاتك.لاتستطيع الثقافة ولا القانون ـ وحدهما ـ أن يَحدّا من شراهته،أو يُقلّما أظافره. والمجتمع بغير دين ولا إيمان، مجتمع غابة. وإن لمعت فيه بوارق الحضارة:الحياة والبقاء فيه للأشد ّوالأقوى،لا للأفضل ولا للأأتقى…مجتمع تعاسة وشقاء وإن زخر بأدوات الرفاهية وأسباب النعيم..مجتمع تافه رخيص،لأن غايات أهله لاتتجاوز شهوات البطون والفروج. فهم:{يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام}[محمد 12]. و(العلم) المادي وإن امتد رواقه،واتسعت ميادينه،ليس بمستطيع أن يحقق الطمأنينة والسعادة للناس،لأن العلم يرقي الجانب المادي للحياة،فيختصر الشقة البعيدة،والزمن الطويل،إلى مدة أقصر،ولهذا سموا عصرنا هذا”عصر السرعة”أو عصر”التغلب على المسافات”. ولكن هل يستطيع أحد أن يسميه “عصر الفضيلة” أو “عصر الطمأنينة” أو “عصر السعادة للبشر”؟؟ إن العلم هيأ للإنسان الحديث وسائل الحياة،ولكنه لم يهده إلى غاياتها إنه زين له ظاهرها،ولكنه لم يصله بأعماقها،وما أتعس الإنسان إذا أغرقته الوسائل فذهل عن الغايات.وإذا شغل بالسطح عن القاع،وبالقشر عن اللباب!. ويتابع الدكتور القرضاوي: ”ونحن حين نتحدث عن ثمرات الإيمان وآثاره في النفس والحياة إنما نعني الإيمان القوي الدافق.الإيمان حين يبلغ مداه،ويشرق على القلوب سناه،ويخط في أعماق النفوس مجراه،لانتحدث عن الإيمان الضعيف المزعزع،الإيمان المخدر النائم،إنما نتحدث عن الإيمان الحي اليقظ. ولايضيرنا أن أصحاب هذا الإيمان،قليلون..فإننا نناقش هنا الماديين الذين يشككون في قيمة الإيمان.ليتعلموا أن الإيمان الذي يحاربونه كلما زاد عمقه في القلوب وسلطانه على النفوس،ازداد أثره المبارك في حياة الأفراد والجماعات. ويتابع:”إن عقيدة الإسلام عقيدة تتسع للروح والمادة،والحق والقوة،والدين والعلم،والدنيا والآخرة،إنها عقيدة التوحيد التي تغرس في النفس الكرامة أو الحرية،وتجعل الخضوع لغير الله كفراً وفسقاً وظلما،وتأبى على الناس أن يتخذ بعضهم أرباباً من دون الله”. ويقول الدكتور القرضاوي(الإيمان والحياة ص83): “السعادة هي جنة الأحلام التي ينشدها كل بشر،من الفيلسوف في قمة تفكيره وتجريده،إلى العامي في قاع سذاجته وبساطته،ومن الملك في قصره المشيد،إلى الصعلوك في كوخه الصغير.ولانحسب أحداً يبحث عن الشقاء لنفسه،أو يرضى بتعاستها. هل السعادة في النعيم المادي؟ لقد ظن ذلك قوم،فحسبوا السعادة في الغنى،وفي رخاء العيش،ووفرةالنعيم،ورفاهية الحياة،ولكن البلاد التي ارتفع فيها مستوى المعيشة،وتيسرت فيها لأبنائها مطالب الحياة المادية،من مأكل ومشرب،وملبس ومسكن ومركب،مع كماليات كثيرة لاتزال تشكو من تعاسة الحياة،وتحس بالضيق والإنقباض،وتبحث عن طريق آخر للسعادة. ويتابع:”وقد لاحظ هذه التعاسة وهذا الشقاء كل من له عين تبصر من أهل الشرق والغرب،فمن أهل الشرق الشهيد العظيم”سيد قطب” رحمه الله الذي سجل ذلك في كتابه”أمريكا التي رأيت”. ويتابع:”فكثرة المال ليست هي السعادة،ولا العنصر الأول في تحقيقها،بل ربما كانت كثرة المال أحياناً وبالاً على صاحبها في الدنيا قبل الآخرة،لذا قال الله في شأن قوم من المنافقين{فلاتعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا}[التوبة55]،والعذاب هنا هو المشقة والنصب والألم والهمّ والسقم،فهو عذاب دنيوي حاض،وهذا مانشاهده بأعيننا في كل من جعل المال والدنيا أكبر همه،ومبلغ علمه،ومنتهى أمله،فهو دائماً معذب النفس،متعب القلب،مثقل الروح،لايغنيه قليل،ولايشبعه كثير. وفي الحديث الذي رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، تصوير لهذه النفسية المعذبة،قال:”من كانت الآخرة همّه جعل الله غناه في قلبه،وجمع له شمله،وأتته الدنيا وهي راغمة،ومن كانت الدنيا همّه جعل الله فقره بين عينيه،وفرّق عليه شمله،ولم يأته من الدنيا إلاّ ماقدّر له“[رواه الترمذي]. يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في مقال له بعنوان”سوق الرقيق”(مجلة الرسالة العدد 685): “إنما هذه محنة هذه الإنسانية التي غلفت عن نفسها لتسمع صوت الآلات،محنة هذه الحضارة المادية الواردة من أوربا،والتي فتنت الناس بما أبدعته من وهج وبريق وضجيج! كم أمقت هذه الحضارة الأوربية وأحتقرها،وأرثي للإنسانية التي خدعت بها،فأوردتها التهلكة…بريق وضجيج،ومتاع حسي غليظ.وفي هذه الضجة تختنق الروح،ويخفت الضمير،وتنطلق الغرائز والحواس،سكرانة معربدة تهيجها الأنوار الحمراء،كالديكة والثيران في بلاد الإسبان! حينما كان للإنسانية(باطن) تستجليه،وتستشرف فيه النور المشرق الشفيف،وتستروح فيه الأشواق الخالدة،والآفاق البعيدة…كانت هادئة مطمئنة مستقرة،لأنها في الأعماق هناك غنية بما تجد،مستغرقة في ذلك العالم الفسيح. فلما طفت على السطح بفضل هذه الحضارة المادية البائسة،ظلت تقفز وتقفز،فلا تستقر أبداً وظلت في قلق دائم،وهياج مستمر.تبحث في كل يوم عن جديد،وتزهد بعد يوم في هذا الجديد. إنها اللعنة التي يعدها(معجزة)بعض المفتونين بالبريق. ما قيمة آلات واختراعات وكشوف لا تحقق للنفس سعادتها،ولا تهب للضمير اطمئنانه،ولا تستمتع فيها الإنسانية حتى بالراحة من الضجر والقلق والعربدة والضيق؟”. ويقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى:{وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا}[الشورى36]يقول رحمه الله: “وقيمة الإيمان أنه معرفة بالحقيقة الأولى التي لا تقوم في النفس البشرية معرفة صحيحة لشىء في هذا الوجود إلا عن طريقها.فمن طريق الإيمان بالله ينشأ إدراك لحقيقة هذا الوجود،وأنه من صنع الله،وبعد إدراك هذه الحقيقة يستطيع الإنسان أن يتعامل مع الكون وهو يعرف طبيعته كما يعرف قوانينه التي تحكمه.ومن ثم ينسق حركته هو مع حركة هذا الوجود الكبير،ولا ينحرف عن النواميس الكلية،فيسعد بهذا التناسق،ويمضي مع الوجود كله إلى بارىء الوجود في طاعة واستسلام وسلام.وهذه الصفة لازمة لكل إنسان،ولكنها ألزم ما تكون للجماعة التي تقود البشرية إلى بارىء الوجود. وقيمة الإيمان كذلك الطمأنينة النفسية،والثقة بالطريق،وعدم الحيرة أو التردد،أو الخوف أو اليأس.وهذه الصفات لازمة لكل إنسان في رحلته على هذا الكوكب،ولكنها ألزم ما تكون للقائد الذي يرتاد الطريق،ويقود البشرية في هذا الطريق. وقيمة الإيمان التجرد من الهوى والغرض والصالح الشخصي وتحقيق المغانم.إذ يصبح القلب متعلقاً بهدف أبعد من ذاته،ويحس أن ليس له من الأمر شىء،إنما هي دعوة الله،وهو فيها أجير عند الله!وهذا الشعور ألزم ما يكون لمن توكل إليه مهمة القيادة كي لا يقنط إذا أعرض عنه القطيع الشارد أو أوذي في الدعوة،ولا يغترّ إذا ما استجابت له الجماهير،أو دانت له الرقاب،فإنما هو أجير”. ويقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى:{ألا بذكرِ الله تطمئن القلوب}[الرعد 28]،يقول رحمه الله: “تطمئن بإحساسها بالصلة بالله،والأنس بجواره،والأمن في جانبه وفي حماه.تطمئن من قلق الوحدة،وحيرة الطريق.بإدراك الحكمة في الخلق والمبدأ والمصير.وتطمئن بالشعور بالحماية من كل اعتداء ومن كل ضر ومن كل شر إلا بما يشاء مع الرضى بالابتلاء والصبر على البلاء.وتطمئن برحمته في الهداية والرزق والستر في الدنيا والآخرة. ذلك الاطمئنان بذكر الله في قلوب المؤمنين حقيقة عميقة يعرفها الذين خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم،فاتصلت بالله ،يعرفونها،ولا يملكون بالكلمات أن ينقلوها إلى الآخرين الذين لم يعرفوها،لأنها لا تُنقل بالكلمات،إنما تسري في القلب فيستروحها ويهشّ لها ويندى بها ويستريح إليها ويستشعر الطمأنينة والسلام،ويحسّ أنه في هذا الوجود ليس مفرداً بلا أنيس،فكل ما حوله صديق،إذ كل ما حوله من صنع الله الذي هو في حماه. وليسَ أشقى على وجه هذه الارض ممن يحرمون طمأنينة الأنس إلى الله.ليس أشقى ممن ينطلق في هذه الأرض مبتوت الصلة بما حوله من الكون لأنه انفصم من العروة الوثقى التي تربطه بما حوله في الله خالق الكون .ليس أشقى ممن يعيش لا يدري لما جاء؟ولم يذهب ولم يعاني ما يُعاني في الحياة.ليس أشقى ممن يسير في الأرض يوجس من كل شىء خيفة،لا يستشعر الصلة الخفية بينه وبين كل شىء في هذا الوجود.ليس أشقى في الحياة ممن يشق طريقه فريداً وحيداً شارداً في فلاة،عليه أن يكافح وحده بلا ناصر ولا هاد ولا معين. وإن هناك للحظات في الحياة لا يصمد لها بشر إلا أن يكون مرتكناً إلى الله،مطمئناً إلى حماه،مهما أوتي من القوة والثبات والصلابة والاعتداد…ففي الحياة لحظات تعصف بهذا كله.فلا يصمد لها إلا المطمئنون بالله”. ويقول سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى:{كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور}[إبراهيم 2]: “لتخرج هذه البشرية من الظلمات.ظلمات الوهم والخرافة،وظلمات الأوضاع والتقاليد.وظلمات الحيرة في تيه الأرباب المتفرقة،وفي اضطراب التصورات والقيم والموازين. لتخرج البشرية من هذه الظلمات كلها إلى النور…النور الذي يكشف هذه الظلمات.يكشفها في عالم الضمير وفي دنيا التفكير.ثم يكشفها في واقع الحياة والقيم والأوضاع والتقاليد. والإيمان بالله نور يشرق في القلب،فيشرق به هذا الكيان البشري،المركب من الطينة الغليظة ومن نفخة روح الله.فإذا ما خلا من إشراق هذه النفخة،وإذا ما طمست فيه هذه الإشراقة استحال طينة معتمة.طينة من لحم ودم كالبهيمة،فاللحم والدم وحدهما من جنس طينة الأرض ومادتها.لولا تلك الإشراقة التي تنتفض فيه من روح الله،يرقرقها الإيمان ويجلوها،ويطلقها تشفّ في هذا الكيان المعتم،ويشفّ بها هذا الكيان المعتم. والإيمان بالله نور تشرق به النفس،فترى الطريق.ترى الطريق واضحة إلى الله،لا يشوبها غبش ولا يحجبها ضباب. غبش الأوهام وضباب الخرافات.أو غبش الشهوات وضباب الأطماع.ومتى رأت الطريق سارت على هدى لا تتعثر ولا تضطرب ولا تتردد ولا تحتار. والإيمان بالله نور تشرق به الحياة.فإذا الناس كلهم عباد متساوون.تربط بينهم آصرتهم في الله وتتمخض دينونتهم له دون سواه.فلا ينقسمون إلى عبيد وطغاة.وتربطهم بالكون كله رابطة المعرفة.معرفة الناموس المسيّر لهذا الكون وما فيه،ومن فيه.فإذا هم في سلام مع الكون وما فيه ومن فيه. والإيمان بالله نور.نور العدل.ونور الحرية.ونور المعرفة.ونور الإنس بجوار الله،والإطمئنان إلى عدله ورحمته وحكمته في السّراءِ والضّراء.ذلك الإطمئنان الذي يستتبع الصبر في الضراء والشكر في السراء على نور من إدراك الحكمة في البلاء. والإيمان بالله وحده إلهاً وربّاً،منهج حياة كامل لا مجرد عقيدة تغمر الضمير وتسكب فيه النور.منهج حياة يقوم على قاعدة العبودية لله وحده،والإستعلاء على حاكمية العبيد”. ويقول الأستاذ عبد الغني الدقر(مقال:الشباب في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ـ مجلة المجمع العربي بدمشق): “حين تلفظ الحياة سمائمها وتنضح من طبائعها فتستشرى بعنت الزمن وتتنزى بموبقات المادة ولا تؤمن إلا بالقوة ولا تستسلم إلا لموجبات حيوانية فما على الناس ـ والأمر كذلك ـ إلا أن يهرعوا من حمارة هذه الهاجرة التي تنذر بالثبور فيتفيؤا النعمة الوارفة في قرارة الأمن والسعادة من جنة الإيمان،فلولا الإيمان الذي كان مفزع الأمم في الغابر والحاضر ومثوى أفئدتها حين تعصف بها أعاصير الويلات والمحن وتدكها زلازل النوازل أقول لولا الإيمان لخلت الحياة من كل معنى إلا ميكانيكيتها التي تجري مطردة تحسن مرة وتسىء مرات وتُرضي حيناً وتسخط أحياناً بل لولا الإيمان لما كان لإحسانها وإساءتها ولا إرضائها وإسخاطها قيمة ولا وزن.فإذا آمن الإنسان فرجت له مشاكل الحياة وانحلت له عقدة الموت وفرح بعقيدة الخلود وثاب إلى الطمأنينة وراحة الأبد،وما كان الإيمان يوماً مانعاً عن التقدم إلا إذا أساء أهله استعماله إنما الإيمان داعية ملحة إلى العمل والتسابق في ميادين النهضات لا  لشىء إلا إرضاء الله فيما ينفع الفرد وينفع المجموع ويقضي على فردية غاشمة تعيث بمصلحة عامة كما يقضي على إجماع يعبث بمصلحة الفرد هذا هو الإيمان الذي أثبت القدرة الهائلة وأنتج الاقدام الرهيب في تهذيب البشرية وتقويم طبائعها “. ويقول الإمام ابن القيم في كتاب(إغاثة اللهفان): “ومن أبلغ العذاب في الدنيا تشتيت الشمل وتفريق القلب،وكون الفقر نصب عينيه لايفارقه،ولولا سكرة عشاق الدنيا بحبها لأستغاثوا من هذا العذاب…”. يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله(الرسالة العدد 988 بتاريخ التاسع من حزيران عام 1952): “صدقوني أني لم أجد أشقّ علي من هذا الحديث.كيف أشق بصوتي عجيج المعامل،وضجيج المصانع وصياح الملاهي والحانات؟ كيف أخاطب خطاب الروح من لا يعيش إلا للجسد،وأحدّث حديث الآخرة من لا يؤمن إلا بالدنيا؟كيف أنه جاء من التراب وسيعود إلى التراب،من نقر الصخر،ونقل البحر،وخرق الأرض،وركب الهواء،وفجر الذرة،وأنطق الجماد،فامتلأ كبراً وغروراً،حتى نسي من خلقه،فقال:أنا ربكم الأعلى؟! ومن جعل من الحديد والنحاس آلات لها لسان،فيه أجلى البيان،وأذنان تسمعان،ما لاتسمع الآذان،وعقل يحسب ما يعجز عن حسابه عقل الإنسان؟ نعم،إنكم تستطيعون أن تصنعوا من المادة تمثالاً على صورة الحبيبة،له لونها ولينها،وله رائحتها وحرارتها،وأن تلمسوه بأيديكم،وتسمعوا معه صوتها من الراد،وتروا صورتها في الرائي،فتشغلوا حواسكم الثلاث بها،ولسانكم بمناجاتها،وعقلكم بتصورها،ولكن هل يغنيكم ذلك عن جسدها النابض بالحياة؟ هل تجدون في ذلك لذة الوصال؟ كلا.إنكم صنعتم الجسد،ولكنه كان جسداً بلا روح.وكذلك كانت حضارتكم.لقد ملكتم عالم المادة،ولكنكم خسرتم عالم الروح تقولون:ما عالم الروح؟ أما قمتم مرة في هدأة الليل،فتأملتم صفاء السماء ولمعة النجم،فأحسستم في قلوبكم بعظمة الكون؟ أما سمعتم مرة نغمة عذبة تسري في جنبات الليل سريان الصحة في الأجسام ،فحملتكم نبراتها إلى أودية الأحلام؟ أما تركتم مرة زحمة الناس،وضجة الحياة،ودخلتم بيتاً من بيوت الله ساكناً،فشعرتم بهوان الدنيا،وصغر الأرض،في جنب الملك الجبار،ووجدتم حلاوة الإيمان ولذة الإستغراق في العبادة؟ هذه لمحات من عالم الروح. إنكم غارقون في لجّ المادة،فمن أين يتنفس الغريق في البحر نسمات الأسحار؟ إنكم تركضون في حلقة مفرغة،تسيرون سير السواني،تفيقون فتسرعون إلى الطعام تبتلعونه ابتلاعاً،والجريدة تلتهمونها التهاما،فإذا لبستم ثيابكم أسرعتم إلى العمل فانغمستم فيه،فإذا كان الظهر عدتم مسرعين إلى الدار فأكلتم وأسرعتم إلى الخروج،ثم عدتم مسرعين إلى المنام. ثم بدأتم من غد من حيث انتهيتم اليوم!ركض أبداً،وإسراع دائماً،ولا تعرفون إلى أين المسير! ويتابع رحمه الله: ”إنكم أغنى منا مالاً،وأقوى قوة،وأكثر عمراناً،وأعرف منا بأسرار المادة وسنن الكون،ولكننا أغنى منكم بكنوز الروحيات،فتعالوا خذوا منا،فإن الإنسان قد عاش بلا علم ولا مال،ولكنه لا يعيش بلا روح”. ويقول الدكتور العلامة يوسف القرضاوي حفظه الله(الإيمان والحياة ص94): “سكينة النفس ـ بلاريب ـ هي الينبوع الأول للسعادة،ولكن كيف السبيل إليها إذا كانت شيئاً لايثمره الذكاء ولا العلم ولا الصحة ولا القوة،ولا المال والغنى،ولا الشهرة والجاه،ولاغير ذلك من نعم الحياة المادية؟ إننا نجيب مطمئنين: أن للسكينة مصدراً واحداً لاشريك له،هو الإيمان بالله واليوم الآخر،الإيمان الصادق العميق،الذي لايُكدره شك،ولا يُفسده نفاق. ويتابع:”هذه السكينة روح من الله،ونور يسكن إليه الخائف،ويطمئن عنده القلق،ويتسلى به الحزين،ويستروح به المتعب،ويقوى به الضعيف،ويهتدي به الحيران”. ويقول الأستاذ محمود محمد شاكر رحمه الله(الرسالة العدد365): “ما الحياة؟ما الإنسان؟ما العقل؟ما الحضارة؟إلى أين نسير؟كيف نعمل؟لماذا نعيش؟فيم نتعب؟تبا لكل هذه الضلالات الداجية التي لايبرق فيها نجم واحد يقول للإنسان:اتبعني،سوف تهتدي!! هذه هي الحضارة الأوربية الحديثة قد انتهت بالناس إلى خلق هذا الإشكال الدائم الذي لا يحل،وساقت الناس إلى مرعى من الشك وبىء،كلما ازدادوه غذاء زادهم بلاء،فلا ينتهي من ينتهي إلا إلى هلكة تدع فكرة الحياة خرافة عظيمة قد اتخذت لها أسلوباً تتجلى فيه،فكان أبلغ اسلوب وافظع أسلوب،هذا الإنسان الذي يحمل من رأسه قنبلة حشوها المادة المتفجرة التي تهلكه وتهلك ما يطيف به أو يقاربه،فلا هو ينتفع بنفسه،ولا ينتفع العالم به. لو سئل إنسان هذا القرن:ما أنت؟لقال:أنا اللعنة الملعونة التي تشأم نفسها وتشأم من يعترض انصبابها وسيلها.أنا الناب الذي ينقع في الإنسانية سمه حتى تبرد حياتها في عضته.أنا الهالك المهلك،هذه حياتي،وهذا عقلي،وهذه حضارتي،ومن أجل هذا خلقت،وفي سبيله أعيش،وعلى قضائه أعمل…!! المدنية الأوربية الحديثة هي التي استطاعت أن تنفذ بالعقل في ضمير الحياة تستنبط منه ناموس الحياة التي تدب على الأرض ومع ذلك فهي التي سلبت هذا العقل قدرته على الخضوع للروح لتمده بالنور المشرق الذي يستضىء به في رفع الإنسانية درجة بعد درجة إلى مراتب الملائكة،اي إلى مرتبة الروحانية الصافية التي تنهل أضواؤها على النفس والقلب والروح،فتروى من فيضها،وترث من ذلكم نوراً ورحمة وسكينة،وتنبت غرسها الإلهي الذي يجنيه الإنسان هداية وعدلاً وسعادة،فتتضاعف به الحياة حتى يقوى الخير فيها ويضوي الشر. لقد أخفقت هذه المدنية في سعيها لخير الإنسان،وأثبتت بكل دليل أنها مهما تكن أحسنت إلى الإنسانية فلم تحسن مرة واحدة أن تضبط نوازع النفس،وتردها إلى الطريق الواحد الذي ينبغي أن تصدر عنه،حتى تكون أعمالها نقية طاهرة متشابهة.ذلك الطريق هو طريق الروح الذي لايتم لعمل تمام ولايظفر بخلود أو بقاء،إلا أن يكون فيه مس الروح وطهارة الروح،وقدس الروح. أطلقت هذه المدنية في الدم الإنساني كل ذئاب الشر والرذيلة،فخرجت من مكامنها جائعة قد سلبها الجوع كل إرادة تحملها على بعض الورع الذي يكف منها،فعاثت في إنسانية الإنسان حتى جُنّ،وتنزى في الأرض وحشاً يجعل شريعته المقدسة تنبع أحكامها من معدته،ومن أحكام هذه المعدة ومطالبها،وكذلك انقلب النظام الاجتماعي في العالم من نظام روحي عقلي سام،إلى نظام اقتصادي تجاري ضار،الآكل والمأكول فيه سواء.لأن النية انعقدت في كليهما على الإفتراس،وما فرق بينهما إلا فرق القوة التي أعدت هذا للظفر،وأسلمت ذلك إلى العجز،فدفعت به إلى رحى تدور بأسباب من الطغيان والفجور. وماهي شريعة المعدة في هذه المدنية الاقتصادية التجارية؟هي شريعة السوق التي لاتعرف قيمة الشىء إلا في ميزان من الطلب.فما طُلب فهو الجيد،وما عُميَ على الطالب فهو الردىء الذي لاقيمة له،وكل شيء قائم في جوهره على النزاع الذي لاتسامح فيه،والأمر كله للغلبة:غلبة الأقوى،لا غلبة الأعدل،غلبة الحيلة لا غلبة الصدق،غلبة البراعة لا غلبة الحق. فهذه الشريعة هي شريعة إعزاز القويِّ،لأن القوة تسوّغه أن يتسلط،وإذلال الضعيف،لأن الضعيف تهالك به أن يتحكم،وليس بين هذين معادلة ولا نصفة،وليس أحدهما من الآخر إلا كالثعبان من العصفور إذا عرض له ،فسلط عليه الرعب من عينيه ،فينتفض في قبضة أشعتهما المفترسة المسمومة حتى يبرد دمه فلا يستطيع حركة،ولا ينتغش بدنه بدعاء من الحياة.هي الشريعة التي تجعل إنسانها القوي مقبرة لإنسانها الضعيف،فالقوي أبداً آكل قد أرمَّت في نفسه تلك الجيف التي انتهشها وألقى بها في معدته،فتجيفت وتعفنت،وتصاعدت أرواحها المنتنة في حياته،فجعلته متسرّعاً نفاذاً كأنما يريد أن يهرب بنفسه من نفسه التي لا يطيق جوها،لأنه جو خانق،تطوف فيه أشباح الفرائس المسكينة التي بطشت بها أنيابه ومخالبه. إن الكون لا يصلح إلا على معنى الأقوى والأضعف.هذا حقٌّ لايماري فيه إلا مكابر أو مبطل أو أحمق.ولكن يبقى ذلك العمل الإنساني الذي يثبت للإنسان معاني النبل المنحدرة في روحه من نبل النور الأزلي الذي بعث الحياة بعثاً في نفسه وفي أعماله،وبهذا العمل وحده يعرف الإنسان معنى السعادة في السراء والضراء،وفيما أرضى وما أسخط،وتكون حاله في الحالين واحدة،وذلك بأن تتسع روحه بالواجب الاجتماعي الروحي الذي يتراحب بإنسانيته في الكون كله،فموقع اللذة منها موقع الألم.وينزل الألم في منزل اللذة،وتمسح النظرة السامية عن الوجود كل الغبار الأرضي الذي يغطي محاسن الحياة وتنير الكلمة ظلمة النفس:الحمد لله فيما سر وما ساء. والعمل الإنساني المستمد روحه من الجزاء الإلهي في الإنسان هو العدل والمساواة،وقد جعلت الحضارة الحديثة معنى العدل والمساواة صدقة يتصدق بها أغنياء قوم على فقرائهم،وأقوياؤهم على ضعفائهم،لا على معنى الصدقة في إخلاصها لله ثم للإنسانية ولكن على معنى التخفف من تعب الغنى وتعب القوة. أما حقيقة العدل والمساواة،فهي عمل الإنسان الأقوى في رفع الإنسان الأضعف إلى مرتبته،فلايزال هو يرتفع بقوته،ولايزال الضعيف يسمو معه لأنه معقود الأواصر به.وإذا كان ذلك هو القاعدة فالاجتماع كله سام ذاهب إلى السمو،ولا لايكون فيه معنى للطبقات إلا على معنى التدرج،ولا يكون التدرج إلا على تماسك وتواصل،وليس تماسك ولا تواصل إلا على حرص الأعلى على التعلق بالأدنى،وكذلك لا يرتفع شيء من المجتمع لأنه أعطى القدرة على الالاتفاع،ولا يسقط الشيء الآخر منه لأنه لم يجد مايتعلق إذ حرم هذه القدرة أو زويت عنه أسبابها. فهذه هي شريعة الروح الطاهرة التي تتعطر من نواحيها برائحة جنة الخلد،فانظر ما بينها وبين شرائع المعدة التي جعلت أحشاءها مقابر للضعفاء تأكل منهم لتتسع بمعنى الجريمة الحيوانية،وتنقبض عن معنى الرحمة الإنسانية الإلهية.”. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: “في القلب شعث لايلمه إلا الإقبال على الله. وفيه وحشة لايزيلها إلا الأنس بالله. وفيه حزن لايذهبه إلا السرور بمعرفته،وصدق معاملته. وفيه قلق لايسكنه إلا الإجتماع عليه،والفرار إليه. وفيه نيران حسرات لايطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه،ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه. وفيه فاقة لايسدها إلا محبته والإنابة إليه،ودوام ذكره،وصدق الإخلاص له،ولو أعطي الدنيا ومافيها لم تسد تلك الفاقة أبداً”. ويقول الأستاذ الدكتور محمد لطفي الصباغ رحمه الله(تذكرة للدعاة ص325): “يقول الله تعالى:{ومن أعرضَ عن ذكري فإنّ له معيشةً ضَنكا ونحشرهُ يومَ القيامة أعمى*قالَ رَبِّ لِمَ حشرتني أعمى وقد كنتُ بصيراً* قال كذلك أتتكَ آياتي فنسيتها وكذلكَ اليومَ تُنسى}[طه 124 ـ 126 ]. يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال: “والحياة المقطوعة الصلة بالله ورحمته الواسعة،ضنك مهما يكن فيها من سعة ومتاع. إنه ضنك الإنقطاع عن الإتصال بالله والإطمئنان إلى حماه. ضنك الحيرة والقلق والشك. ضنك الحرص والحذر:الحرص على ما في اليد والحذر على كل ما يفوت. وما يشعر القلب بطمأنينة الإستقرار إلا في رحاب الله،وما يحسّ راحة الثقة إلا وهو مستمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها…إن طمأنينة الإيمان تضاعف الحياة طولاً وعرضاً وعمقاً وسعة،والحرمان منه شقوة لا تعدلها شقوة الفقر والحرمان. ويقول الدكتور محمد لطفي الصباغ رحمه الله: ”يئن العالم كله وعالمنا العربي خاصة من مشكلات وأزمات اقتصادية وسياسية وفكرية وخلقية واجتماعية…وقد نادى عدد من الكتاب والعلماء بضرورة إصلاح هذه المشكلات والتخلص من هاتيك الأزمات. يشكو الناس من الغلاء الفظيع،والفقر المدقع،والديون المرهقة.ويسود الناس قلق نفسي يجتاح نفوس الفتيان والفتيات،والكهول والشيوخ..ويعاني الناس تفسخاً في الأسرة،وانهياراً في الروابط الزوجية،وفساداً خلقياً يعم المجتمع كله،ولاتخلو منطقتنا من اضطرابات أمنية وسياسية تفزع وترعب.. من اجل ذلك سيطر اليأس على كثير من الناس..وظنوا ان هذا الواقع المؤلم لازم لهم لامناص منه. فكان سوء الظن والحقد والأثرة والنزاع والشجار والإجرام نتيجة طبيعية لهذا الواقع. هذه هي المعيشة الضنك وسبب قيامها الإعراض عن ذكر الله والإسراف في المعصية والتخلي عن الإيمان{وكذلكَ نجزي من أسرفَ ولم يُؤمن بآياتِ ربِّهِ ولعذابُ الآخرةِ أشدُّ وأبقى}.[طه127]”. ويقول صاحب تفسير التحرير والتنوير الشيخ ابن عاشور رحمه الله: “يقول تعالى:{والذين كفروا فتعساً لهم وأضلّ أعمالهم}[محمد8] يقول: ”التعس: الشقاء،ويطلق على عدة معان: الهلاك والخيبة والإنحطاط والسقوط، وهي معان تحوم حول الشقاء،وقد كثر أن يقال تعساً له: للعائر البغيض،أي سقوطاً لانهوض منه،ويقابله قولهم للعائر لعاً له أي ارتفاعاً قال الأعشى: بذات لَوث عفرناةٍ إذا عثرت        فالتعسُ أولى لها من أقول لَعَا ويقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله[موقع القرضاوي مقالة بعنوان المتقون]: “الإيمان بالله فكرة مركوزة في حنايا النفس،كلُّ مولود يُولد على الفطرة،لو تُرك ونفسه،وإنما أبواه يُهودّانه،أوينصرانه،أو يُمجسانه،كما في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه،أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”ما من مولود إلا يُولد على الفطرة،فأبواه يُهودّانه أوينصرانه،أو يمجسانه،كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء،هل تُحسُّون فيها من جدعاء“ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه:{فِطرتَ الله التي فطرَ الناسَ عليها}[الروم30].[أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه]. ويتابع فيقول:” يهدد الإيمان في حياة الناس ثلاث آفات:آفة الإلحاد،وآفة الشرك،وآفة النفاق. والإلحاد:هوجحود الخالق عزّ وجلّ. أن يزعم بعض الناس أنه صنعة من غير صانع،أنه خُلق وحده،ليس له خالق خلقه،ولامدبر دبرّ أمره،هو نبات شيطاني،لم يزرعه زارع،ولم يغرسه غارس.هكذا يقول الماديون والملاحدة،حتى قال بعضهم زاعماً: ليس صواباً أن الله خلق الإنسان،وإنما الصواب أن الإنسان هو الذي خلق الله!! قال الشيوعيون:إن الألوهية والفكرة الدينية عموماً،من اختراع الأغنياء ليلهوا بها الفقراء. هكذا زعموا! قامت دولة للإلحاد،هي دولة الشيوعية والماركسية،أعظم دولة ملحدة،وأقوى دولة ملحدة،ثم انهارت فجأة،وذهب ريحها،لأنها قامت ضد الفطرة،وضد العقل،قامت على أساس ألا إله والحياة مادة،ولاشئ غير المادة.فانهارت دولة الإلحاد. ويتابع:”وأكثر الملاحدة ألحدوا،لأنهم انحرفوا وفسقوا وفجروا،فأرادوا أن يبرروا فجورهم وانحرافهم،واتّباعهم للشهوات،وجريهم وراء الفسوق والملذات فقالوا: لا إله ولانبوة،ولا آخرة ولا جنة ولا نار.إنه تبرير وتسويغ لما وقعوا فيه،فليس إلحادهم إلحاد عقل وفكر،إنما هو إلحاد بطن وفرج.فجروا ثم كفروا،وكفرهم تبرير لفجورهم”. نعم، لقد شقي الإنسان شقاءً مراً تعيساً حين رفض الدين جملة وتفصيلاً،وأنكر الفطرة التي فطره الله عليها{فأقم وجهكَ للدينِ حنيفاً فطرتَ الله التي فطرَ الناسَ عليها لاتبديل لخلق الله ذلكَ الدينُ القيّم ولكنَّ أكثرَ الناسِ لايعلمون} [الروم30]،فوقع في عبادة الحزب أو الفرد أو الشهوات أو الأهواء أو الأوثان البشرية وغير البشرية،ونسي في غمار هذا أن فطرة الله لايمكن نسخها ولافسخها{لاتبديل لخلق الله}.[الروم 30]. ويقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي: “ضلّت البشرية حينما عبدت غير الله عز وجل،ولا زالت البشرية إلى اليوم،وبعد أن غزا الإنسان الفضاء،وصنع الكمبيوتر،لاتزال البشرية إلى اليوم تعبد الأصنام،مئات الملايين بل آلاف الملايين من البشر لازالت تعبد الأصنام،وتعبد الحيوانات،وتعبد الشيطان،وتعبد آلهة شتى”. وإذا نظرنا إلى أمثال هؤلاء الذين عبدوا المادة والأهواء والأوثان من دون الله نجد في داخلهم قلقاً رهيباً،يؤرقهم ويخيفهم على الرغم من النجاح المادي الذي يحصلون عليه،ونجد أن أعلى نسبة للإنتحار والجنون هي في دول العالم الاسكندينافي كالسويد والدانمرك على الرغم من أنها أكثر دول العالم تقدماً على المستوى المادي،ولكنها من أفقر دول العالم على المستوى الروحي والديني.إنهم على الرغم من نجاحهم المادي لم يصلوا إلى تحقيق الانسجام المطلوب مابين الإنسان والكون الذي يعيش فيه،وهذا لايمكن أن يتحقق إلا بالإيمان بخالق هذا الكون ومافيه والذي أجرى عليه سننه ونظامه. إن كهنة الحضارة المادية الحديثة وأعني بهم أعلام الملحدين والمشككين قد دأبوا على الزعم والافتراء بأن الدين طور متخلف من أطوار الحياة،وأنه قد أدى دوره في العصور السالفة،ولم يعد صالحاً للعصور الحاضرة،وأنه كلما تقدّم الإنسان حضارياً وعلى مستوى مختلف العلوم والفنون فإنه يستغني عن الدين بضوابط العقل وفنون العلم ووسائل الثقافة والفكر،ومراسة المجتمع والدولة.وهذه هي مزاعم ومبادئ الالحاد والوجودية وهي مزاعم موغلة في السذاجة والخطأ،متجذرة في الغباء المطلق.إن من ينادون بهذه المبادئ ويطلقون هذه المزاعم هم أناس مرضى منحرفين أرادوا إرضاء غرائزهم وتحقيق شهواتهم،وهذا لايكون إلا من خلال التحرر من كل القيود والأعراف والمسؤليات”. يقول الأستاذ محمد عبد الله دراز رحمه الله: “إن هذه الفوضى الخلقية لايمكن أن تنمو وتوجد على أوسع نطاق لها إلا في جو الإلحاد،الذي ينكر القوانين السماوية،ويسخر من كل الأديان،ويرفع من القلب شعور الإستحياء من الله،لأن الذي يريد أن يعطي لنفسه هذه الحرية الخلقية المطلقة لايمكنه أن يتجنب وخز ضميره مادام هذا الضمير يقظاً واعياً،ومادامت فكرة الرقيب الأعلى تحتل مكانتها القدسية في هذا الضمير،فلابد أن يبدأ بمحاولة تخريب هذا الجهاز القدسي لإخفاء الصورة المرسومة في ضميره،ولايتم له ذلك إلا إذا أغلق النوافذ التي يرى منها نور الله والتي يسمع منها داعي الله،ثم لايكفيه هذا لأنه لايرضى إلا أن يكون كالنعامة تخفي رأسها في التراب فتظن أن الصائد لايراها مادامت هي لاتراه،فلابد أن يتقدم خطوة أخرى،لا لإخفاء الصورة عن عينيه فحسب،بل لينزعها من نفسه،فيأخذ بالإستماع لكلمات التشكيك في وجود الله،ثم كلمات الإنكار لوجود الله،وهكذا يتقلص إيمانه وينزوي شيئاً فشيئاً حتى يكفر، لا حُبّاً في الكفر، ولا اقتناعاً به في أول الأمر،ولكن لإخلاء الطريق أمام غرائزه وشهواته. إنه يكفر ليفجر،وينكر الإله،ليتخذ إلهه هواه”. ويقول الأستاذ أحمد فائز في مقدمة كتابه” طريق الدعوة في ظلال القرآن”: “إن الأرزاق المادية والتيسيرات المادية يمكن أن تصبح من أسباب شقوة البشرية ـ لا في الآخرة المؤجلة وحدها ـ ولكن في هذه الحياة الواقعة كما نشهد اليوم في حضارة المادية الكالحة. إن هذا الصياح المستمر بتضخيم المادية والإنتاج المادي بحيث يطغى الإنشغال به على حياة الناس وتفكيرهم وتصوراتهم كلها،وبحيث يتحول الناس إلى آلات تلهث وراء هذه القيم،وتعدها قيمة الحياة الكبرى،وتنسى في عاصفة الصياح المستمر:الانتاج…الانتاج..كل القيم الروحية والأخلاقية..إن هذا الصياح ليس بريئاً،إنما هو خطوة مدبرة لإقامة أصنام تعبد بدل أصنام الجاهلية الأولى،وتكون لها السيادة على القيم جميعاً،وعندما يصبح الإنتاج المادي صنماً يكدح الناس حوله،يطوفون به في قداسة الأصنام،فإن كل القيم والاعتبارات تداس في سبيله، وتنتهك الأخلاق والأسرة،والأعراض والحريات”. نعم ،إنه بدون القيمة العليا لمنهج الله وسيادته تصبح الأرزاق والتيسيرات المادية لعنة،لأنها تستخدم في إعلاء القيم الحيوانية الدنيا على حساب القيم الإنسانية العليا،وصدق الله تعالى:{ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى}. الإيمان بالله ودور الإنسان والهدف من الحياة: هناك أسئلة تدور في ذهن الإنسان وتملك عليه أحياناً وقته وتشغله عن عمله وقد تسبب له التوتر والقلق وقد تودي به لأمراض نفسية وأحياناً نفسية ـ جسمية وقد تكون أحياناً ذات نتائج وخيمة وعقابيل خطيرة. ومن هذه الأسئلة والتساؤلات كيف خُلقت ولما؟ ومن الخالق،وهل هناك حياة أخرى بعد هذه الحياة الدنيا؟وما الهدف من هذه الحياة؟ ولماذا المرض والأحزان؟ولماذا نفقد الأحباب والأصحاب؟… وقد عبّر الشاعر إيليا أبو ماضي عن هذه الأسئلة والتساؤلات في قصيدته”الطلاسم” والتي يقول فيها: جئت لا أعلم من أين، ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت وسأبقى سائراً إن شئتُ هذا أم أبيت كيف جئت؟كيف أبصرتُ  طريقي ؟ لست أدري! وقبله بعدة قرون عبرّ الشاعر عمر الخيام عن حيرته وشكّه : لبست ثوب العيش لم أستشر وحرتُ فيه بين شتى الفكر وسوف أنضو الثوب عني ولم أدر:لماذا جئت؟ أين المفر؟ وللأسف فهذه ليست قصائد يرتلها المئات من القراء بل هي أغاني ينشدها المشاهير من أعلام الغناء وترددها الملايين من الناس ويعتنقون مافيها عن قناعة أو غباء أو جهل أو غفلة!! يقول الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله(الإيمان والحياة ص114): “إن هذا الشك والاضطراب والقلق الذي يتقلّب على جمره الحائرون والمرتابون في وجود الله وحكمته،وعدله ورحمته،وجزائه في الآخرة،ووحيه إلى رسله،هذا الشك ليس شيئاً هيناً. إنه عذاب أليم،وكوة من الجحيم فتحت على أهله،تلفحهم بنارها،وتشوي قلوبهم بحميمها،وكلما خفّ لهيبها هبّت عليهم عواصف الشك من جديد،فاشتعلت النار،ليذوقوا العذاب. إن هذا القلق أمر لامناص لهم منه،إنه سيحرمهم سكون النفس،وهدوء الضمير،سيقضّ عليهم مضاجعهم،وينغص عليهم حياتهم،ويؤرق عليهم ليلهم،ويكدر عليهم نهارهم،إنهم يعيشون كما قال الله”معيشة ضنكاً”. ويقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله(الرسالة العدد 288): “ونظرت حولي أفتش عن هذا الخالق،فرأيت ناساً مثلي،وما هؤلاء بخالقين يحتاجون إلى من يخلقهم،وحالهم كحالي،ورأيت جبالاً وبحاراً وكواكب،ولكن ذلك كله جامد لا حياة فيه.فهل يمنحني الحياة وهو لايملكها؟هذه هي الطبيعة فهل تخلق الطبيعة شيئاً؟ثم إن معنى(الطبيعة) ـ كما تعلمت بعد ـ أنها (مطبوعة) فأين الطابع؟. فتشت عنه فإذا الإيمان في أعماق نفسي،لا أدري من أين دخل إليها،ولعله من وضع الخالق الذي وضع السمع والبصر في الوجه،والقلب في الصدر،والعقل في الرأس؟ووجدتني أعود في ساعات الشدة إلى الخالق ـ الذي يَرى ولا يُرى ـ أرجوه وأخافه،وأسأله وأعوذ به،ووجدتني أنه لا يشبه شيئاً مما أرى،ولا يحده مكان ولا زمان،لأن الزمان والمكان مخلوقات هو خالقها،وأنه قديم باق متصف بكل كمال مطلق،منزه عن النقائص كلها. فآمنت به إيماناً لا يزعزعه(بحمد الله) شك! ولكني لبثت أسأل نفسي:لماذا خلقت؟وهل الحياة(تكليف) عليّ أن أحمله،أو أن لي الحق بالتخلي عنها وطرحها؟فقالت النفس:بل عليك أن تحملها.إنك لست مالك نفسك ولا أنت موجدها،وإنما هي وديعة في يدك،يكافئك صاحبها إن استعملتها في الذي خلقها له،ويعاقبك إن اتخذتها وسيلة إلى لذتك،وأطعت فيها هواك،وحدت بها عن سبيلها. قلت:فما هي الغاية من الحياة،أهي الأكل والشرب واللذة؟ قالت النفس:كلا. هذه أسباب الحياة بها تقوم وتبقى،وليست هي الغاية منها. قلت:افخدمة الناس ونفع البشر،وان أتخذ فيهم حسناً،وأبقى فيهم ذكراً،هي غاية الحياة؟ قالت:كلا.إن الناس لا يمكن أن يحيوا للناس،وما خدمة البشر إلا عرضٌ من أعراض الحياة وليست بجوهرها.إن المسافر يحرص على راحته في سفره،فيتخذ خير المركبات،ويبتغي أطايب الزاد،ويصحب خير الرفاق،ولكن للمسافر وراء ذلك كله غاية من سفره،والحياة سفر فإلى أين المسير؟ قلت: لا أدري! قالت: أعوذ بالله! وهل يتميز الإنسان عن الحيوان إلا بأنه يدرك غاية الحياة؟أما من يأكل كما تأكل الأنعام ،ويشرب كما تشرب،ويلد كما تلد،فهو مثلها أو أضل منها سبيلا. قلت:فخبريني أنت ما هي الغاية؟ قالت: لو سألت الجنين في بطن أمه وكان قادراً على الفهم والإجابة:ما هي دنياك،وما هي حياتك،وما غاية الحياة،لقال لك أن دنياه هذه الأحشاء الضيقة،وهذه الظلمة المستمرة،وإن حياته هذه الجلسة المتعبة،وهذا السكون الدائم،وإن غايته…ليس يدري ما غايته! ولو أفهمت هذا الجنين أن هناك دنيا واسعة،فيها شمس وقمر،وفضاء رحب،وبحر وسماء،وأن غايته أن يبلغها،وأنه سيعرفها ويراها حقاً.. لو أفهمته هذا لكذبك وأعرض عنك،لأنه لا يستطيع أن يتخيل إلا ما هو فيه ،ولا يقدر أن يتصور ماذا يكون البحر والشمس والقمر؟ فإذا جاء إلى الدنيا وصار رجلاً،نسي حياته الأولى وكذب بها،وقال: إن هي إلا دنيا فيها نموت ونحيا..فإذا خبره الرسل أن هناك حياة أخرى:حياة ثالثة،وأنها هي دار البقاء،وأن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر،وأن غايته بلوغ تلك الحياة في طاعة الله وعبادته.. إذا خبر بها كذب به كذب ذلك الجنين.. أفتكذب أنت بذلك؟ قلت: لا قالت:(فتلك إذن غاية الحياة) أن تتصل بالله وتعبده،وأن تعد نفسك لحياة الخلود”. ويقول الأستاذ محمود محمد شاكر رحمه الله في مقالة له بعنوان”ويلك آمن…! (الرسالة العدد 365 عام 1940م): “ماالحياة؟ما الإنسان؟ما العقل؟ ما الحضارة؟ إلى أين نسير؟كيف نعمل؟ لماذا نعيش؟ فيم نتعب؟تباً لكل هذه الضلالات الداجية التي لايبرق فيها نجم واحد يقول للإنسان: اتبعني، سوف تهتدي!! هذه هي الحضارة الأوروبية الحديثة قد انتهت بالناس إلى خلق هذا الإشكال الدائم الذي لايحل،وساقت الناس إلى مرعى من الشك وبئ،كلما ازدادوه غذاء زادهم بلاء،فلاينتهي من ينتهي إلا إلى هلكة تدع فكرة الحياة خرافة عظيمة قد اتخذت لها اسلوباً تتجلى فيه، فكان أبلغ أسلوب وأفظع اسلوب،هذا الإنسان الذي يحمل من رأسه قنبلة حشوها المادة المتفجرة التي تهلكه وتهلك مايطيف به أو يقاربه،فلا هو ينتفع بنفسه،ولا ينتفع العالم به. لو سئل إنسان هذا القرن: ما أنت؟ لقال: أنا اللعنة الملعونة التي تشأم نفسها وتشأم من يعترض انصبابها وسيلها.أنا الناب الذي ينقع في الإنسانية سُمَّه حتى تبرد حياتها في عضته.أنا الهالك المهلك،هذه حياتي،وهذا عقلي،وهذه حضارتي،ومن أجل هذا خلقت،وفي سبيله أعيش،وعلى قضائه أعمل..!! ويتابع الأستاذ شاكر: “المدنية الأوروبية الحديثة هي التي استطاعت أن تنفذ بالعقل في ضمير الحياة تستنبط منه ناموس الحياة التي تدب على الأرض ومع ذلك فهي التي سلبت هذا العقل قدرته على الخضوع للروح لتمده بالنور المشرق الذي يستضئ به في رفع الإنسانية درجة بعد درجة إلى مراتب الملائكة،أي إلى مرتبة الروحانية الصافية التي تنهل أضواؤها على النفس والقلب والروح،فترى من فيضها ذلك نوراً ورحمة وسكينة،وتنبت غرسها الإلهي الذي يجنيه الإنسان هداية وعدلاً وسعادة، فتتضاعف به الحياة حتى يقوى الخير فيها ويضوى الشر. لقد أخفقت هذه المدنية في سعيها لخير الإنسان،وأثبتت بكل دليل أنها مهما تكن أحسنت إلى الإنسانية فلم تحسن مرة واحدة أن تضبط نوازع النفس،وتردها إلى الطريق الواحد الذي ينبغي أن تصدر عنه،حتى تكون كل أعمالها نقية طاهرة متشابهة. ذلك الطريق هو طريق الروح الذي لايتم لعمل تمام ولايظفر بخلود أو بقاء، إلا أن يكون فيه مس الروح وطهارة الروح، وقدس الروح. ويتابع رحمه الله: “أطلقت هذه المدنية في الدم الإنساني كل ذئاب الشر والرذيلة، فخرجت من مكانها جائعة قد سلبها الجوع كل إرادة تحملها على بعض الورع الذي يكف منها،فعاثت في إنسانية الإنسان حتى جُنّ،وتنزّى في الأرض وحشاً يجعل شريعته المقدسة تنبع أحكامها من معدته،ومن أحكام هذه المعدة ومطالبها،وكذلك انقلب النظام الاجتماعي في العالم من نظام روحي عقلي سام، إلى نظام اقتصادي تجاري ضار،الآكل والمأكول فيه سواء،لأن النية انعقدت في كليهما على الافتراس،وما الفرق بينهما إلا فرق القوة التي أعدت هذا للظفر،وأسلمت ذلك إلى العجز، فدفعت به إلى رحى تدور بأسباب من الطغيان والفجور. وما هي شريعة المعدة في هذه المدنية الاقتصادية التجارية؟هي شريعة السوق التي لاتعرف قيمة الشئ إلا في ميزان من الطلب.فما طلب فهو الجيد،وما عُمِّيَ على الطالب فهو الردئ الذي لاقيمة له،وكل شئ قائم في جوهره على النزاع الذي لاتسامح فيه، والأمر كله للغلبة:غلبة الأقوى،لاغلبة الأعدل، غلبة الحيلة لاغلبة الصدق،غلبة البراعة لا غلبة الحق. فهذه الشريعة هي شريعة إعزاز القويّ،لأن القوة تسوِّغه أن يتسلط،وإذلال الضعيف،لأن الضعف تهالك به أن يتحكم،وليس بين هذين مَعدلة ولا نصَفة،وليس أحدهما من الآخر إلا كا لثعبان من العصفور إذا عرض له،فسلط عليه الرعب من عينيه،فينتفض في قبضة أشعتهما المفترسة المسمومة حتى يبرد دمه فلا لايستطيع حركة،ولا يتنغش بدنه بذَماء من الحياة. إن شريعة إعزاز القويّ وإعلاء الأقوى،وإذلال الضعيف وإسقاط الأضعف،هي الشريعة الحيوانية التي لم تعل إلا بإذلال الروح والعقل وإسقاطهما ونبذهما،هي شريعة البغي والعدوان على الروح بالروح الشيطانية،وعلى العقل بالعقل المتمرد،وكلما استحكم أمرها كانت الإنسانية ذاهبة إلى نبع نجس تنغمس فيه لتصدر عنه أقوى مما وردت ـ أي أنجس مما وردت”. ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الظلال في قوله تعالى في سورة الطور:{الذين هم في خوض يلعبون}[الطور 12]،يقول: “وهذه حقيقة لا يدركها الإنسان إلا حين يستعرض كل تصورات البشرالمشهورة سواء في معتقداتهم أو أساطيرهم أو فلسفاتهم في ظل التصور الإسلامي للوجود الإنساني ثم للوجود كله…إن سائر التصورات حتى لكبار الفلاسفة الذين يعتزّ بهم تاريخ الفكر الإنساني تبدو محاولات أطفال يخبطون ويخوضون في سبيل الوصول إلى الحقيقة.تلك الحقيقة التي تعرض في التصور الإسلامي وبخاصة في القرآن عرضاً هادئاً ناصعاً قوياً بسيطاً عميقاً.يلتقي مع الفطرة التقاء مباشراً دون كدّ ولا جهد ولا تعقيد لأنه يطالعها بالحقيقة الأصيلة العميقة فيها.ويفسر لها الوجود وعلاقتها به كما يفسر لها علاقة الوجود بخالقه تفسيراً يضاهي ما استقر فيها ويوافقه. ويتابع رحمه الله: ”وطالما عجبت وأنا أطالع تصورات كبار الفلاسفة،وألاحظ العناء القاتل الذي يزاولونه،وهم يحاولون تفسير هذا الوجود وارتباطاته،كما يحاول الطفل الصغير حل معادلة رياضية هائلة…وأمامي التصور القرآني واضحاً ناصعاً سهلاً هيناً ميسراً طبيعياً،لا عوج فيه ولا لفّ ولا تعقيد ولا التواء.وهذا طبيعي،فالتفسير القرآني للوجود هو تفسير صانع هذا الوجود لطبيعته وارتباطاته.أما تصورات الفلاسفة فهي محاولات أجزاء صغيرة من هذا الوجود لتفسير الوجود كله..والعاقبة معروفة لمثل هذه المحاولات البائسة”. وجاء في مقال للأستاذ زكي نجيب محمود يتحدث عن رحلة البحث عن الحق والوصول لنعمة الإيمان عند أبي حامد الغزالي رحمه الله وصاحب المؤلف العظيم إحياء علوم الدين(الرسالة العدد 550): “هل جاءك حديث الإمام الغزالي وهو(حجة الإسلام وزين الدين)؟ لقد قرأ إبان نشأته ما قاله الحكماء والفلاسفة،فارتجت له نفسه وأخذه الشك من كل جانب.اقرأ له(المنقذ من الضلال)لتستمع إلى قصته عن نفسه يروي لك ما قاساه في استخلاص الحق من بين اضطراب الفرق،مبتدئاً بعلم الكلام،ومنتقلاً بعد ذلك إلى دراسة الفلسفة،ومنتهياً بطريق الصوفية،خائضاً في كل ذلك بحر الخلاف،متوغلاً في كل مظلمة،متهجماً على كل مشكلة،فاحصاً عن عقيدة كل فرقة ومذهب،وهو يقول إن التعطش إلى درك حقائق الأمور كان دأبه وديدنه من أول عمره،غريزة وفطرة من الله وضعها في جبلته من غير اختيار منه،فلما أدت به دراسته الطويلة العميقة إلى حيرة الشك،(حزن قلبه،وانحطت صحته،ثم التجأ إلى الله يجيب المضطر إذا دعاه،فأجابه…)وعاد إلى الإمام المؤمن يقينه(ولم يكن ذلك بنظم دليل،وترتيب كلام،بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر،وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف،فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المجردة فقد ضيق لرحمة الله الواسعة)”. ويقول الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله في مقالة بعنوان”حاجة الإنسان إلى التدين”: “حاجة الإنسان إلى عقيدة دينية تنبثق ـ أول ما تنبثق ـ من حاجته إلى معرفة نفسه ومعرفة الوجود الكبير من حوله،أي إلى معرفة الجواب عن الأسئلة التي شغلت بها فلسفات البشر ولم تقل فيها ما يشفي. فالإنسان منذ نشأته تلح عليه اسئلة يحتاج إلى الجواب عنها:من أين؟ وإلى أين؟ولم؟ ومهما تشغله مطالب العيش عن هذا التساؤل فإنه لابد واقف يوماً ليسأل نفسه هذه الأسئلة الخالدة. 1 ـ يقول الإنسان في نفسه: من أين جئت وجاء هذا الكون العريض من حولي؟هل وجدت وحدي أم هناك خالق أوجدني؟ومن هو؟ وما صلتي به؟ وكذلك هذا العالم الكبير بأرضه وسمائه، وحيوانه ونباته وجماده وأفلاكه،هل وجد وحده أو أوجده خالق مدبر؟ 2 ـ ثم ماذا بعد هذه الحياة…وبعد الموت؟إلى أين المسير بعد هذه الرحلة القصيرة على ظهر هذا الكوكب الأرضي؟أتكون قصة الحياة مجرد”أرحام تدفع، وأرض تبلع” ولاشئ بعد ذلك؟وكيف تستوي نهاية الأخيار الطاهرين الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل الحق والخير، ونهاية الأشرار الملوثين الذين ضحوا بغيرهم في سبيل الهوى والشهوة؟ أتُختتم الحياة بالموت؟..أم هناك وراء الموت حياة يجزى فيها الذين اساءوا بما عملوا والذين أحسنوا بالحسنى؟ 3 ـ ثم لماذا وجد الإنسان؟ لماذا أُعطي العقل والإرادة وتميّز عن سائر الحيوان؟لماذا سخر له مافي السموات وما في الأرض؟أهناك غاية من وجوده؟أله مهمة في حياته؟ أم وجد لمجرد أن يأكل كما تأكل الأنعام، ثم ينفق كما تنفق الدواب؟ وإن كانت هناك غاية من وجوده فماهي؟ وكيف يعرفها؟ أسئلة تلح على النسان في كل عصر وتتطلب الجواب الذي يشفي الغليل ويطمئن به القلب،ولاسبيل إلى الجواب الشافي إلا باللجوء إلى الدين إلى العقيدة الصافية؟ الدين هو الذي يعرف الإنسان ـ أول مايعرفه ـ إنه لم يخرج من العدم إلى الدين صدفة،ولا قام في هذا الكون وحده، وإنما هو مخلوق لخالق عظيم،هو ربه الذي خلقه فسواه فعدله ونفخ فيه من روحه، وجعل له السمع والبصر والفؤاد، وأمدّه بنعمه الغامرة، منذ كان جنيناً في بطن أمه{ألم نَخلُقكُم من ماءٍ مهين*فجعلناهُ في قرارٍ مَكين*إلى قدرٍ معلوم* فقدرنا فنعم القادرون}.[المرسلات20 ـ23]. وهذا الكون الكبير من حوله ليس غريباً عنه ولاعدواً له، إنه مخلوق مثله لله،لايسير جزافاً ولايمشي اعتباطاً،كل شئ فيه بقدر،وكل أمر فيه بحساب وميزان،إنه نعمة من الله للإنسان ورحمة،ينعم بخيراته،ويستفيد من بركاته،ويتأمل في آياته،فيستدل به عن ربه{الذي خلق فسوى*والذي قدر فهدى}.{الأعلى 2 ـ 3]. بهذه العقيدة يرتبط الإنسان بالوجود الكبير،وبرب الوجود كله،ولايعيش منطوياً عن نفسه معزولاً عما حوله، أو خائف منه. والدين هو الذي يعرف الإنسان: إلى أين يسير بعد الحياة والموت؟ إنه يعرفه أن الموت ليس فناءً محضاً،ولاعدماً صرفا،إنما هو انتقال إلى مرحلة أخرى…إلى حياة برزخية بعدها نشأة أخرى تُوفى كل نفس ماكسبت،وتخلد فيما عملت،فلايضيع هناك عمل عامل من ذكر أو أنثى،ولايفلت من العدل الإلهي جبار أو مستكبر:{يومئذٍ يصدُرُ النّاسُ أشتاتاً لِيُروا أعمالَهُم*فَمن يعمل مِثقالَ ذرَّةٍ خيراً يَره* ومن يعمل مِثقالَ ذرّةٍ شرّاً يره}[الزلزلة6 ـ8]، بهذا يعيش الإنسان بوجدانه في الخلود،ويعلم أنه خلق للأبد،وإنما انتقل بالموت من دار إلى دار. والدين هو الذي يعرف الإنسان: لماذا خلق؟ ولماذا كرم وفضل؟ يعرفه بغاية وجوده،ومهمته فيه،إنه لم يخلق عبثاً،ولم يترك سدى،إنه خلق ليكون خليفة الله في الأرض،يعمرها كما أمر الله،ويسخرها لما يحب الله،يكشف مكنوناتها،ويأكل من طيباتها،غير طاغ على حق غيره،ولاناس حق ربه. وأول حقوق ربه عليه أن يعبده وحده،ولايشرك به شيئاً،وأن يعبده بما شرع،على ألسنة رسله،الذين بعثهم إليه هداة معلمين،مبشرين ومنذرين،فإذا أدى مهمته في هذه الدار المحفوفة بالتكليف والابتلاء،وجد جزاءه هناك في الدار الآخرة:{يومَ تجِدُ كُلُّ نفس ماعملت من خَيرٍ مُحضراً وما عملت من سُوءٍ}.[آل عمران30]. بهذا يدرك الإنسان سر وجوده، ويستبين مهمته في الحياة،بيّنها له بارئ الكون،وواهب الحياة،وخالق الإنسان”. ويتابع الأستاذ الدكتور القرضاوي حفظه الله: “إن الذي يعيش بغير دين ـ بغير عقيدة في الله والآخرة ـ إنسان شقي محروم حقاً.إنه في نظر نفسه مخلوق حيواني،ولايفترق عن الحيوانات الكبيرة التي تدب على الأرض من حوله…والتي تعيش وتتمتع ثم تموت وتنفق،بدون أن تعرف لها هدفا،أو تدرك لحياتها سرا، إنه مخلوق صغير تافه لاوزن له ولاقيمة،وُجد ولايعرف: كيف وُجد،ولا من أوجده؟ويعيش ولايدري: لماذا يعيش؟ ويموت ولايعلم لماذا يموت؟وماذا بعد الموت؟إنه في شك ـ بل في عمى ـ من أمره كله:محياه ومماته، مبدئه ومنتهاه، كالذين قال الله فيهم:{بل ادّاركَ علمُهُم في الآخرة بل هُم في شَكٍ منها بل هُم عنها عَمُون} [النمل66]. وما أقسى حياة إنسان يعيش في جحيم الشك والحيرة أو في ظلمات العمى والجهل،في أخص مايخصه: في حقيقة نفسه،وسر وجوده، وغاية حياته. إن حاجة الإنسان إلى الدين تنبثق ـ قبل كل شئ ـ من حاجته إلى معرفة حقيقة نفسه وإلى معرفة حقائق الوجود الكبرى،وأول هذه الحقائق وأعظمها وجود الله تعالى ووحدانيته وكماله سبحانه،فبمعرفته والإيمان به ـ جل شأنه ـ تنحل عقد الوجود،ويتضح للإنسان الغاية والوجهة،ويتحدد المنهج والطريق. ويتابع حفظه الله: “ماذكرناه من حاجة الإنسان إلى الدين يتصل بحاجاته العقلية،ولكن هناك حاجة الوجدان والشعور أيضاً،فالإنسان ليس عقلاً فقط، كالأدمغة الإلكترونية،إنما هو عقل ووجدان وروح، وهكذا تكونت فطرته،ونطقت جبلته،فالإنسان بفطرته لايقنعه علم ولاثقافة، ولايشبع نهمته فن ولا أدب،ولايملأ فراغ نفسه زينة أو متعة،ويظل قلق النفس،جوعان الروح،ظمآن الفطرة، وشاعراً بالفراغ والنقص،حتى يجد العقيدة في الله، فيطمئن بعد قلق،ويسكن بعد اضطراب،ويأمن بعد خوف،ويحس بأنه وجد نفسه”. ويتابع حفظه الله: “وثمة حاجة أخرى إلى الدين: حاجة تقتضيها حياة الإنسان وآماله فيها،وآلامه بها..حاجة الإنسان إلى ركن شديد يأوي إليه،وإلى سند متين يعتمد عليه،إذا ألمت به الشدائد، وحلّت بساحته الكوارث،ففقد مايحب،أو واجه مايكره، أو خاب مايرجو،أو وقع به مايخاف،هنا تأتي العقيدة الدينية،فتمنحه القوة عند الضعف،والأمل في ساعة اليأس،والرجاء في لحظة الخوف،والصبر في الباساء والضراء، وحين البأس”. ويقول الدكتور العلامة يوسف القرضاوي حفظه الله(الإيمان والحياة ص102): “إن في أعماق كل إنسان أصواتاً خفية تناديه، وأسئلة تلح عليه منتظرة الجواب الذي يذهب به القلق،وتطمئن به النفس. ماالعالم؟ما الإنسان؟من أين جاءا؟ من صنعهما؟ من يدبرهما؟ماهدفهما؟كيف بدءا؟كيف ينتهيان؟مالحياة؟ ماالموت؟أي مستقبل ينتظرنا بعد هذه الحياة؟هل يوجد شئ بعد هذه الحياة العابرة؟ وماعلاقتنا بهذا الخلود؟ هذه الأسئلة التي الحت على الإنسان من يوم خلق، وستظل تلح عليه إلى أن تطوى صفحة الحياة. لم تجد ـ ولن تجد ـ لها أجوبة شافية إلا في الدين. والإسلام خاصة خير دين أجاب على هذه الأسئلة إجابة شافية، ترضي الفطرة النيرة،والعقل السليم،بل إجابة تنبع من أعماقهما، بل أعلن القرآن أن هذا الدين هو الفطرة الأصيلة نفسها{فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها}[الروم30]،فلو تركت الفطرة الإنسانية ونفسها بلا مؤثر خارجي، لأنتهت إلى الإسلام نفسه.وفي هذا جاء الحديث الصحيح عن رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم:”كل مولود يولد على الفطرة….”. ويقول الدكتور القرضاوي حفظه الله(الإيمان والحياة ص114): “غير المؤمن يعيش في الدنيا تتوزعه هموم كثيرة،وتتنازعه غايات شتى،هذه تميل به إلى اليمين،وتلك تجذبه إلى الشمال،فهو في صراع دائم داخل نفسه،وهو في حيرة بين غرائزه الكثيرة، أيها يرضي.غريزة البقاء أم غريزة النوع، أم المقاتلة، أم … أم .. وهو حائر مرة أخرى بين إرضاء غرائزه وبين إرضاء المجتمع الذي يحيا فيه،وهو حائر مرة ثالثة في إرضاء المجتمع،أي الأصناف يرضيهم،ويسارع في هواهم،فإن رضا الناس غاية لاتدرك. وقد استراح المؤمن من هذا كله،وحصر الغايات كلها في غاية واحدة عليها يحرص،وإليها يسعى،وهي رضوان الله تعالى،لايبالي معه برضى الناس أو سخطهم. كما جعل المؤمن همومه همّاً واحداً،هو سلوك الطريق الموصل إلى مرضاته تعالى والذي يسأل الله في كل صلاة عدة مرات أن يهديه إليه،ويوفقه لسلوكه{اهدنا الصراط المستقيم}، وهو طريق واحد لاعوج فيه ولا التواء{وان هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولاتتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}[الأنعام 153]. وما أعظم الفرق بين رجلين: أحدهما عرف الغاية،وعرف الطريق إليها،فاطمأن واستراح،وآخر ضال،يخبط في عماية،ويمشي إلى غير غاية،لايدري إلام المسير؟ولا إلى أين المصير؟{أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أم من يمشي سوياً على صراط مستقيم}[الملك 22]. لقد عرف المؤمن الغاية فاستراح إليها،وعرف الطريق فاطمأن به:إنه طريق الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.{وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم *صراط الله الذي له مافي السموات وما في الأرض}[الشورى 52 ـ 53]”. ويقول الأستاذ محمود محمد شاكر(نفس المرجع السابق في مجلة الرسالة): “إن الكون لايصلح إلا على معنى الأقوى والأضعف! هذا حقّ لايمارى فيه إلا مكابرٌ أو مبطل أو أحمق.ولكن يبقى ذلك العمل الإنساني الذي يثبت للإنسان معاني النبل المنحدرة في روحه من نبل النور الأزليّ الذي بعث الحياة بعثاً في نفسه وأعماله،وبهذا العمل وحده يعرف الإنسان معنى السعادة في السراء والضراء،وفيما أرضى وما أسخط، وتكون حاله في الحالين واحدة،وذلك بأن تتسع روحه بالواجب الاجتماعي الروحي الذي يتراحب بإنسانيته في الكون كله،فتقع اللذة منها موقع الألم،وينزل الألم في منزل اللذة،وتمسح النظرة السامية عن الوجود كل الغبار الأرضي الذي يغطي محاسن الحياة وتنير الكلمة ظلمة النفس: الحمد لله فيما سرّ وما ساء. ويتابع رحمه الله: “فهذه هي شريعة الروح الطاهرة التي تتعطر من نواحيها برائحة جنة الخلد،فانظر مابينها وبين شرائع المعدة التي جعلت أحشاءها مقابر للضعفاء تأكل منهم لتتسع بمعنى الجريمة الحيوانية،وتنقبض عن معنى الرحمة الإنسانية الإلهية”. ويقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله: “ألا ما أنبل السعي وراء المعرفة،والتعب في طلب الحقيقة،والكفاح الدائم للسمو على معيشة الأنعام والهوام،وما أعظم أن يصل الإنسان إلى اليقين فيجد الطمأنينة بعد القلق،والأمن بعد الخوف،والراحة الندّية بعد مشقة السير ولفحة الهجير. أما الذين تشعبت بهم الطرق وغاب عنهم الهدى وتاهوا في أودية الضلال ولم يجدوا السبيل إلى الله فهم في بلاء وعناء وغمّ شديد،وما أروع ماتفصح عن حالتهم تلك النصيحة التي أرسلها تولستوي كما يرسل الغريق المتخبط في اليّم صيحته العالية التي تحمل كل ماعنده من رجاء وكل ماينطوي عليه من أسى ويأس”رب هبني إيماناً وهبّ لي أن أساعد الناس ليجدوه”.

النهي عن : الغضب والقلق والهَمّ والتوتر..