الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

العدوى — الطاعون والأدب والخاتمة

خ رحمه الله .

جاء في صحيح البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:“خمسٌ فواسق يقتلن في  الحِلِ و الحَرم : الفأرة، والعقرب، والحُدَيا، والغراب، والكلب العقور .

يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله في نجاسة الكلب:

„نجاسة الكلب فيها خلاف : الشافعي :نجس كله شعره وريقه، مالك :طاهر كله شعره وريقه ، أبو حنيفة :ريقه نجس وشعره طاهر ، ابن تيمية : وافق أبو حنيفة .

ويقول أيضا رحمه الله :

„الحيوان المؤذي يجوز قتله ، فإذا كانت الكلاب تؤذي بنباحها في الليل وتخويف الأطفال، ونشرها الأمراض، أي تحقق الضرر منها جاز قتلها . ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرنا إذا قتلنا الحيوان أن لا نعذبه ،فقال إذا قتلتم فأحسنوا القتلة „. والرسول صلى الله عليه وسلم ، لما ورد المدينة أمر بقتل الكلاب ثم نهى عنه ،ولعل الأمر الأول كان لعلّة ، فلما زالت زال الأمر بالقتل ، والله أعلم“ .

ولا باس من أن نعرِّجَ قليلاً على أهمّ ماتُسببه الكلاب من أمراض :

اولًا : داء السُّعار ويُسّمى أيضاً داء الكَلَب:

هو داءٌ تُسبّبه حُمّى راشحة أي فيروس يُصيب بشكل خاص الحيوانات ذات الدم الحار وخاصة  الكلاب،والثعالب ،والخفاش .

وهو ينتقل للإنسان عن طريق عضّ هذه الحيوانات له او عن طريق لعاب هذه  الحيوانات ،اذا لامس جلداً مَسحوجاً او مرضوضاً،وهولا ينتقل عن طريق الغذاء أوجهاز الهضم .وذلك بانتشار الفيروس من الأعصاب المحيطية إلى الجملة العصبية المركزية.

يكون الفيروس مستقراً عند الحيوان في الغُدد اللعابية وبالتالي يكون اللعاب مُلوثًا به ويكون الحيوان المصاب بالمرض عُدّوانيا  مَسعوراً يميل لمهاجمة الناس والحيوانات الأخرى.

ومن أهّم الأعراض عند الإنسان المصاب :

تحدث الأعراض بعد 2 ـ 10 أسابيع من الإصابة،ودور الحضانة له علاقة مع مكان العضة،فهو أسرع إن كانت في الرأس أو الأطراف العليا من الجسم،

الخوف من الماء بسبب تشنج عضلات البلعوم والمري عند ملامسة الماء لها .والصداع والحمى وحدوث حالات تهيج واختلاجات ،وحدوث نوبات من الجنون والسبات والسبب الرئيسي للوفاة غالباً القصور التنفسي لإصابة مراكز التنفس في الدماغ.

والمرض إن لم يعالج سريعا ينتهي بالوفاة.وذلك لأن الفيروس يصيب الجهاز العصبي المركزي.ويقدر عدد الوفيات بالداء حوالي 55 ألف حالة وفاة على مستوى العالم سنوياً.منهم 95% في آسيا وأفريقيا.

الناحية الأدبية:

الفرزدق:

وما قام منّا قائِمٌ في نَدِينا                              فينطِقَ إلا بالتي هي أعرَفُ

ولو تشربُ الكَلبى المِراضُ دماءَنا                  شَفتها ،وذو الخَبْلِ الذي هو أدْنَفُ

(الكَلبى : الذين عضّهم الكلبُ الكَلِب فاصيبوا بداء الكَلَبْ)

رواية: ولو تشرب الكلبى…………………..شفتها، وذو الداءِ……

الفرزدق:

من الدارميين الذين دماؤهم                   شفاءٌ من الداء المَجَنَّةِ والخَبل(المجنة: الكلب)

(تقول العرب: دماء الملوك شفاء من عضة الكَلب الكَلِبْ، ومن الجنون والخبل نقلا عن عيون الأخبار ابن قتيبة  كتاب الطبائع ص78)

وقال الشاعر الأموي عبد الله بن الزبير يمدح احدهم ويصفه انه من أولاد الملوك الذين تبرأ بسُقيا دماءهم أمراض الكلب والجنون _اختيارات الاغاني ج3 ص242 :

من خيرِ بيتٍ علمناه  وأكرمه                    كانت دماؤهم تشفي من الكَلَبِ

الكميت :

أحلامُكُمْ لَسقَامِ الجهلِ شافيةٌ                   كما دماؤكُمُ تشفي من الكَلبِ(رواية:يشفى بها الكَلِبُ)

قال صاحب اللسان :قال اللحياني: الرجل الكلب يعض إنساناً فيأتون رجلاً شريفاً فيقطر لهم من دم اصبعه فيسقون الكَلِبْ فيبرأ

وقال ابن الاعرابي: كانت العرب تقول أن من أصابه الكلب أو الجنون لا يبرأ منه إلا أن يُسقى من دم ملك.وقد ذكر التبريزي في شرحه نحوا مما حكاه ابن الأعرابي ثم قال: وقيل في دوائه ان تشرط الإصبع الوسطى من يسرى رجل شريف ويؤخذ من دمه قطرة على تمرة فيطعم المعضوض فيبرأ وقيل انه يسعط به .

وجاء في البيان والتبيين للجاحظ :“كان عتيبة بن مرداس(ابن فَسوة)الشاعر عضه كلبٌ كَلِب فاصابه ما يصيب صاحب الكلب الكَلِب فداواه ابن المُحِلِّ بن قدامة بن الاسود فأباله مثل الكلاب والنمل فبرأ فقاتل فيه الشاعر :

ولولا دواءُ ابن المحِلِّ وطبُّهُ                    هرَرت إذا مالناسُ هرَّ كليبها

وأخرجَ بعد الله أولادَ زارعٍ                      مُولعةٌ أكنافها وجنوفها وجنوبتها

وكان الأسود جد المحل أتى النجاشي فعلمه هذا الدواء فهو في ولده الى اليوم .

المثقب العبدي:

با حرىُّ الدّم ، مُرٌّ طعمهُ                            يبرئُ الكلبَ إذا عّضَّ وهَرْ

النابغة الجعدي:

وقومٍ يهينونَ أعراضَهُمْ                                    كَويتُهُم كَيةَ المُكْلِبِ

عبد الله بن الزَبِير الاسدي في عبد الله بن زياد:

من خير بيت علمناه وأكرمه                        كانت دماؤهم تشفي من الكلب

عبد الله بن قيس الرقيات:

عاودني النكس فاشتفيت كما                             تشفي  دماءُ الملوك من كلب

ابن عباس الكندي لبني اسد في قتلهم حجر بن عمرو:

عبيد العصا جئتم بقتل رئيسكم                     تريقون تاموراً شفاءً من الكلب

عاصم بن فرية الجاهلي:

وداويته مما به من مجنة                             دام ابن كهال والنطاسي واقف

وقلدته دهراً تميمة جده                              وليس لشئ كاده الله صادف(أي صارف)

البحتري:

ليهنك البرءُ مما كنت تامله                              وليهنك الأجر عقبى صائب الوصب

لئن فَصَدْتَ ابتغاءَ البُرءِ من سَقَمٍ                     فقد أَرَقتَ دماً يشفي من الكَلَبِ

القاسم بن حنبل من شعراء الحماسة:

بنات مكارم وأساة كلم                                  دماؤهم من الكلب الشفاءُ

وقال أحدهم:

إذا قيلَ أينَ المستشفى بدمائهم                      وأين الرّوابي والفروع المعاقل

أُشير إلينا أو رأى الناسُ إننا                           لهم جُنَّةٌ إن قال بالحق قائل

(المستشفى بدمائهم: الملوك والاشراف يزعمون ان دمائهم تشفي من الكَلَب والخبل)

سأل الحجاج ليلى الأخيلية صاحبة توبة بن الحمير عن حالها ، وما اتى بها ، فقالت : إخلاف النجوم ، وقلة الغيوم، وكَلَبْ البُرْد، وشدَّة الجهد . يقول صاحب الأمالي أبو علي القالي ص89:“وكَلَب البُرد :شدته، لأن الكَلَب السُّعَارَ الذي يصيب الكلاب والذئاب .

أقول : ومن الناحية الطبيّة فإن كل ماذكر من كتب الأدب لاقيمة له علمياً فلا دماء الأشراف ولا غير الأشراف تشفي من داء الكَلَب أو غيره فكل هذا لاقيمة له من الناحية الطبية ، وإنّما ذكرته للناحية الأدبية وللقيمة الأدبية لهذه المراجع .

ثانياً: داء الكيسة الشوكية وتُسمى أيضًا الكيسات المائية:

تُسببُه دودةٌ من نوع الشريطيات تُسمى الشوكاء الحُبيبية،تعيش عادة في أمعاء الكلاب والذئاب،وعن طريق البراز الملوث لهذه الحيوانات وخاصه في الحقول والخضار فاذا تناول الإنسان أوالحيوان هذه الأطعمة الملوثة فإنَ أجنة هذه الديدان تجتاز جدار الأمعاء لتتوضع في الكبد أو والرئة والدماغ والعظام، أو أي مكان آخر في البدن ،وهذه الكيسات تسبب اعراضا موضعية حسب مكان توضعها ولا بد من استئصال هذه الكيسات جراحياً .

أضِفْ إلى ذلك ماتُسببهُ الكلاب من أمراض جلدية فطرية، وكذلك تسبب الكلاب امراضاً تحسسية وخاصه داءالربو التحسّسي والتهابات الأنف التحسسية…

أضف إلى ذلك إصابة الآلاف وخاصة في اوروبا وامريكا من عضَّات الكلاب وتذكر بعض التقارير اصابة مالا يقل عن نصف مليون فرنسي بعضّات الكلاب سنويا وثلث هذا العدد من الأطفال الصغار وقد تكون اصابات خطيرة،وخاصة اذا كانت في ناحية الوجه،أضف إلى ذلك ماتسُببه هذه الكلاب من الأوساخ حيث تقول مثلاً احدى الصحف الالمانيه أن عدد الكلاب في برلين يتجاوز المائه الف وهي تترك من البراز والفضلات مايزيد وزنه عن ستة عشر طنا يوميا!!!

3 ـ بعض الأدواء الإنتانية عن طريق القطط:

ـ داء المصورات القوسية:Toxoplasmosis

العامل الممرض:طفيليات من الأوالي،وتعتبر من الطفليات الخلوية الجوانية المجبرة،وهي سريعة العطب لا تقاوم المحيط الخارجي وتتلف سريعاً بالجفاف والحرارة والمطهرات.

الوبائيات:

وجدت المقوسات في كثير من الحيوانات اللبونة والطيور والزواحف ولم تشاهد في الحيوانات المائية،وأهم مستودع لها هي:الكلاب والقطط والخنازير والقواضم،وإذا أصيبت الحامل بها أثناء الحمل،فإنها تنتقل إلى الجنين عبر المشيمة،وإذا كانت العدوى في الثلث الأول من الحمل قد تسبب الإجاض وموت الجنينـوأما إذا كانت الإصابة أواخر الحمل فإنها تسبب لدى الوليد والجنين داء المصورات القوسية.ويتم الإصابة به غالباً عن طريق انتقال العامل الممرض بواسطة براز القطط إلى الطعام الملوث بها..

ويقدر الإصابة بالمرض في أمريكا من 400 ـ 4000 حالة سنوياً.ولذا من المهم التعامل مع فضلات القطط  وخاصة عند النساء الحوامل.والغسيل الجيد للفواكه والخضروات  وغسل الأدوات المستعملة في تقطيع اللحوم.

الأعراض في داء المصورات القوسية عند الوليد:

يتصف المرض بعرض أو أكثر من الأعراض الثلاثة التالية:

1 ـ استسقاء الرأس أو الصعل(صغر الرأس)

2 ـ التهاب المشيمة والشبكية:وهو ثنائي الجانب غالباً

3 ـ الاضطرابات العصبية المركزية :ومنها يبوسة الرقبة،والاختلاجات،والشلل التشنجي،وشلل عضلات العين،
وتشاهد الأعراض منذ الولادة على الوليد،

الأعراض عند الكهل:يكون المرض غالباً لاعرضياً،أو يشكل أعراضاً بسيطة،وقد يشبه في أعراضه خمج وحيدات النوىوقد يسبب التهاب المشيمة والشبكية والعمى.

التشخيص:

1 ـ المخبري:بالكشف عن الأضداد تجاه المقوسات في الدم.

2 ـ والفحص الشعاعي عند الوليد مميز للإصابة:وجود تكلسات دماغية نقطية،منتشرة،ومنتظمة في الدماغ.

بعض الأمراض الإنتانية عن طريق الحشرات:

1 ـ داء البرداء(الملاريا):

هو مرض حاد،شديد،تسببه إحدى الاوالي(Protozoa)،من زمرة المصورات الدموية(Plasmodium)،وقد اكتشف هذا الطفيلي العالم لافران سنة 1880م،

الوبائيات:

البرداء هي أهم أمراض الطفيليات على الإطلاق.وهي مستوطنة في الأماكن الحارة من القارة الارضية.وللبرداء ثلاثة أشكال:

1 ـ البرداء الفردية:حيث توجد إصابات قليلة،ومتناثرة.

2 ـ البرداء الوبائية:حيث تحدث بشكل هجمات فصلية،وتصيب مجموعة كبيرة من السكان.

3 ـ البرداء المستوطنة:حيث تكون الإصابة مستمرة وعلى مدار السنة.

ولقد تبين أن وجود بعض أنواع خضاب الدم الشاذ في بعض المناطق من العالم يساعد على استيطان الداء.وخاصة بالمصورات المنجلية.

العامل الممرض:هناك أربع أنواع من المصورات الدموية تصيب الإنسان:

1 ـ المصورات النشيطة:P vivax:وتسبب حمّى الغب أو الثلاثية.

2 ـ المصورات البيضاوية:P ovale:وتشبه السابقة

3 ـ المصورات الوبائية:P malariae:وتسبب حمى الربع

4 ـ المصورات المنجلية:P flaciprum:وتسبب الحمى الثلاثية الخبيثة.

وقد تم اكتشاف الطفيلي المسبب للبرداء عام 1880م.في المستشفى العسكري بقسنطينة في الجزائر من طرف طبيب في الجيش الفرنسي يدعى الفونس لافيران والذي حاز جائزةنوبل في الطب عام 1907م.

تاريخياً:

الملاريا:Malariaأصلها لاتيني magus aria،أي الهواء الفاسد إشارة إلى توالد البعوض في المستنقعات والمياه الراكدة.وكان الإنجليز يسمونها حمى المستنقعات،والعرب تطلق عليها البرداء لأنها تسبب الرعشة الشديدة.

الإمراض:

حين تلدغ برغشة أنثى بعوض الأنوفيل مريضاً  بالبرداء،تبتلع الكريات المصابة،بالمصورات الدموية،وتصل بذيراتها إلى الغدد اللعابية لأنثى البعوض.وتبقى معدية حتى ثلاثة شحور على الأقل. فإذا لدغت أنثى البعوض انساناً سليماً أدخلت بذيرات المصورات الدموية إلى الدم ومنه إلى كبد الإنسان ومنه تتحول لعوامل ممرضة نشيطة في خلايا جسم الإنسان من الكريات الحمراء.

وكما ذكرنا فإن أنثى البعوض هي من ينقل المرض إلى الإنسان،وفي حالات نادرة يتم نقل المرض عن طريق نقل الدم الملوث،أو المحاقن الملوثة،ويمكن للمصورات الدموية أن تعبر المشيمة إلى الجنين.وتحدث الأعراض بسبب تخريب الكريات الحمراء ودرجة اصبتها،وحسب نوع العامل الممرض من المصورات.

الأعراض:

يختلف دور الحضانة حسب الأنواع،فهو 14 يوماً في المصورات النشيطة والبضاوية،وحوالي الشهر في الوبائية،و11 يوماً في المنجلية.

ونوب البرداء الوصفية تمتاز بثلاثة أدوار ترتفع فيها الحرارة ويعقبها فترة إقلاع غير حرارية،وهي:

1 ـ دور العرواء:Chill:ترافع حرارة المريض ارتفاعاً مفاجئاً،مع الشعور ببرودة الأطراف،ويأخذه نافض شديد،وتصطك أسنانه،ويحاول أن يلتحف بكل ما تصل إليه يده،ويتسرع النبض،وقد يصاب بالصداع والغثيان ويستمر هذا الدور 1 ـ 2 ساعة.

2 ـ دور السخونة:تزول العرواء،ويشعر المريض بسخونة تعم جسمه فيطرح أغطيته ويحتقن وجهه،وتحمر عيناه،ويكون مصاباً بالصداع وربما الغثيان والإقياء،مع آلام مفصلية وعضلية،وقد تبدو لديه اندفاعات شروية.ويمتد دور السخونة حوالي 1 ـ 5 ساعات وقد تصل الحرارة إلى 40.

3 ـ دور التعرق:يحصل تعرق غزير،مع هبوط حرارة وينتعش المريض،ويمتد الدور 2 ـ 5 ساعات.

الأشكال السريرية:

1 ـ البرداء الحميدة:لها الوصف النموذجي السابق،لايحدث بها اختلاطات,وتسببها المصورات النشيطة أو البيضاوية،أو الوبائية.

2 ـ البرداء الخبيثة:أحد الأشكال الشديدة للبرداء،تسببها المصورات المنجلية،وتسبب احتشاءات مختلفة في الجسم بسبب الخثرات الدموية المرافقة لها،وقد ينجم عنها احتشاءات دماغية،أو معدية ـ معوية،وقد تسبب النزوف،ونسبة الوفيات بها عالية.

التشخيص:من خلال الفحص السريري وفحوص الدم.

المعالجة: هناك أدوية عديدة وفعالة في معالجة المرض.

الناحية الادبية:

يقال في المثل : أثبتُ من قُرادٍ(لأنه يلازم جسد البعير فلا يفارقه) مجمع الأمثال –الميداني ص157

ابن شهيد يصف برغوثاً-يتيمة الدهر للثعالبي-ج2 ص53-54:

„أسود زنجي،وأهلي وحشي ،ليس بوان ولا زميل ،وكأنه جزء لا يتجزأ من ليل، أو نقطة مداد ، أو سويداء قلب فؤاد، شربه عب، ومشيه وثب،يكمن نهاره، ويسير ليله ،يدارك بطعن مؤلم ، ويستحل دم كل كافر ومسلم ،مساور للأساورة ، ومجرد له على الجبابرة ،يتكفن بأرفع الثياب، ويهتك كل حجاب ،ولا يحفل ببواب ،يرد مناهل العيش العذبة ،ويصل إلى الأحراج الرطبة ،لا يمنع منه أمير ،ولا ينفع فيه غيرة غيور .وهو أحقر حقير ،شره مبثوث ،وعهده منكوث، وكذلك كل برغوث. كفى بهذا نقصاناً للإنسان ، ودلالة على قدرة الرحمن“.

ويقول الأستاذ مصطفى لطفي المنفلوطي رحمه الله(الأعمال الكاملة ـ المجلد الأول ـ مقال البعوض والإنسان):

„لم أكد أفرغ من التفكير في الموضوع حتى شعرت بطنين البعوض في أذني،ثم أحسست بلذعاته في يدي،فتفرق من ذهني ما كان مجتمعاً وتجمع من همّي ما كان مفترقاً،ولم أرَ بداً من إلقاء القلم وإعداد العدة لمقاومة هذا الزائر الثقيل.

طاردته بالمذبة فما أجدى ذلك نفعاً لأنه على الطيران أقوى مني على المطاردة،وفتحت النوافذ لأخرج ما كان داخلاً،فدخل ما كان خارجاً،وحاولت قتله فوجدته مبعثراً،ولو كان مجتمعاً في دائرة واحدة لهلك بضربة واحدة،ولم أرَ في حياتي أمة ينفعها تفرقها ويؤذيها تجمعها غير أمة البعوض،فما أضعف هذا الإنسان،وما أضل عقله في اغتراره بقوته واعتداده بنفسه،واعتقاده أن في يده زمام الكائنات يصرفها كيف يشاء ويسيرها كما يريد!وأنه لو أراد أن يذهب بنظام هذا الوجود،ويأتي له بنظام جديد لما كان بينه وبين ذلك إلا أن يرسل أشعة عقله دفعة واحدة،ويشحذ سيف ذكائه،ويبتعث عزيمته ويقتدح فكرته.

علمت أني عييت بأمر هذا الحيوان،فلذت بجانب الصبر،والصبر ـ كما يعلم معشر الصابرين ـ حجة العاجز،وحيلة الضعيف وأيسر ما يستطيع أن يدفع به دافع عن نفسه ملامة اللائمين،وفضول المتطفلين،وقلت في نفسي:لو كان البعوض يفهم ما أقول لقصصت عليه قصتي،وشرحت له عذري،وسألته أن يمنحني ساعة واحدة أقوم فيها بكتابة رسالتي هذه،ثم هو بعد ذلك في حلّ من جسمي ودمي،ينزل منهما حيث يشاء،ويمتص منهما ما يشاء،ولكنه ـ ويا للاسف ـ لا يسمع شكاتي،ولا يرحم ضراعتي ولا يفهم قيمة المروءة ،لأنه ليس بإنسان.

أحسب أن لذعات البعوض قد أخذت مأخذها من عقلي وفهمي،وأني قد بدأت أهذي هذيان المحموم،فمن أين لي أن لو كان البعوض إنساناً كان يسمع شكاتي،ويكشف ظلامتي،أو أنه يفهم معنى الرحمة ويعرف قيمة المروءة،ومتى كان الإنسان أحسن حالاً من البعوض وأرحم منه قلباً وأشرف غاية،فأتمنى لو كان مكانه؟بل،ومن أين لي أن هذا الذي أحسبه بعوضاً ليس بإنسان قد تقمص جسم البعوض وتمثل لي في صورته الضئيلة وجناحه الرقيق؟وأي غرابة في أن أتخيل ذلك مادام الإنسان والبعوض سواء في حب الشر والميل إلى الاذى،ومادامت الصورة الجثمانية لاقيمة لها في جانب الجواهر الذاتية،والأجزاء المقومة للماهية؟

أي قيمة لما يمتصه البعوض من جسم الإنسان مجتمعاً في جانب ما يمتصه القاتل من جسم المقتول منفرداً؟

البعوض يمتص من الدم فوق ما يستطيع احتماله،فلا يزال يشرب حتى يمتلىء فينفجر،فهو يطلب الحياة من طريق الموت،ويفتش عن النجاة في مكامن الهلاك،وهو أشبه شىء بشارب الخمر:يتناول الكأس الأولىمنها،لأنه يرى فيها وجه سروره وصورة سعادته،فتطمعه الأولى في الثانية،والثانية في الثالثة،ثم لا يزال يلح بالشراب على نفسه حتى يتلفها ويؤدي بها،من حيث يظن أنه ينعشها،ويجلب إليها سرورها وهناءتها.

البعوض سىء التصرف في شؤون حياته،لأنه لا يسقط على الجسم إلا بعد أن يدل على نفسه بطنينه وضوضائه.فيأخذ الجالس منه حذره ويدفعه عن مطلبه،أو يفتك به قبل بلوغه إليه،فمثله في ذلك كمثل بعض الجهلة من أصحاب المطالب السياسية:يطلبون المآرب النافعة المفيدة لأنفسهم ولأمتهم غير أنهم لا يكتمونها،ولا يحسنون الاحتفاظ بها في صدورهم،ولا يبتغون الوسيلة إليها إلا بين الصراخ والضجيج،ولا يمسكون بالحلقة الأولى من سلسلتها حتى يملأوا الخافقين بذكرها،ويشهدوا الملأ الأعلى والأدنى عليها،وهنالك يدرك عدوهم مقصدهم،فيعد له عدته ويتلمس وجه الحيلة في إفساده عليهم هادئاً ساكناً من حيث لا يشعرون.

البعوض خفيف في وطأته،ثقيل في لذعته،فهو كذلك الصاحب الذي يسرك منظره،ويسوءك مخبره! يلقاك بابتسامة هي العذب الزلال رقة وصفاء،والسحر الحلال جمالاً وبهاء،وبين جنبيه في مكان القلب صخرة لا تنفذها أشعة الحب،ولا يتسرب إليها سلسبيل الوفاء،يقول لك:إني أحبك ليغلبك على قلبك،ويملك عليك نفسك،فإن تم له ما أرد سلبك مالك إن كنت من ذوي المال،وجاهك إن كنت من ذوي الجاه،فإن لم تكن هذا أو ذاك أغراك بالسير في طريق يسقط مروءتك،ويثلم شرفك،فإن فاته ما يشفي به داء بطنته،لا يفوته ما يطفىء به نار حقده وموجدته“.

ويقول الدكتور أحمد زكي رحمه الله(الرسالة العدد التاسع):

„لا يلذ لكم معشر البشر أن نتحدث إليكم نحن معشر القمل،لأننا في أعينكم شارة الاقذار وظل الاوساخ،وتلك قذيفة لا تقوم على حجة ولا يدعمها برهان،فنحن لا نتغذى إلا من دمائكم،ولا نرتوي إلا من ثغور نثقبها في جلودكم،وسواء لدينا الجسم القذر والجسم النظيف،وربما كان الجسم النظيف أحب إلينا،لأن مثاقب القوت عندئذ أقرب إلينا ولكن صاحب الجسم النظيف لا يعطينا المهلة للحياة فهو يغير ملابسه المرة تعقبها المرة،فيحول بذلك بيننا وبين موارد أرزاقنا فنموت جوعاً في يومين وقد نحيى إلى سبع،لاننا في طيات هذه الملابس نتخذ منازلنا ولا نخرج عنها إلى الجسم إلا طلباً للقوت،فإذا أصبناه عكفنا راجعين إليها.

وقلتم إن القمل سبب لأمراض قاتلة كالتيفوس،والحق أننا لانخلق المرض ولا نبتدع الشر،فأصول هذه الأوبئة فيكم وعنكم نأخذها في الدم الذي نستقيه منكم،وبالرغم حبنا لمساقط رؤوسنا وإلفتنا للجسم الذي نشأنا عليه وترعرعنا،تضل منا أحياناً أفراد فتنتقل غير واعية من رجل مريض إلى رجل سليم لا سيما في الزحمة حيث تتلاقى المناكب وتتلاصق الثياب،فإذا هي وردت منهله العذب لوثته،بما حملت من المنهل الأكدر،فترون من هذا أنا لا نخلق السوء وإنما نسوي بينكم في الأسواء.

وأسميتمونا المتطفلة لأننا لا نستطيع هضم كل طعام كما تستطيعون،وليس لنا جهاز هاضم راق مالذي به تهضمون،فأنتم تهضمون لنا الغذاء،فنمتصه منكم مهضوماً في الدماء،وليت شعري أي سبّة في هذا أو عار ؟أفلستم تتطفلون على الشاة والبقر وصنوف الطير والنبات الحي فتزدرونها كلها ازدرار،أفترون الشعرة في أعين الناس ولا ترون الخشبة في عيونكم،على أنه مقدار حقير ذلك الذي نمتصه في الوجبة الواحدة ولسنا نطعم غير وجبتين في اليوم،لنا في الطعام ذوق الأعزة الكرام،فنحن نعاف دم المريض ونتقز من أجسام الموتى فنفارقها مع الحياة“.

خليل مطران :

قد تقتل الحشرات من                                 هانت عليه فلا يحاذر

ابراهيم الدباغ يصف البراغيث التي كانت تهاجمه وتحرمه النوم (أعلام فلسطين ج1 ص80):

تألبَ فوجُ البراغيث يجلدُ                               جسمي ولا بُدَ من جلده

يحاربني في ثنايا الثياب                             ويشرفُ منها على لحده

رماني بسهم القضاء الخفي                      وفرَ وما نمتُ عن رده

يمزقُ جلدي فإن أدرك                              ته يدي عادياً مات في جلده

أحمد شوقي في براغيث الدكتور محجوب-مجلة الرسالة العدد عشرين-:

براغيثُ محجوبَ لم أنَسها                           ولم أنسَ ما طعِمتْ من دمي

تشقُّ خراطيمُها جَوربي                              وتنفذُ في اللحم والأعظُمِ

وكنتُ إذا الصّيفُ راح احتجم                        تُ فجاءَ الخريفُ فلم أحجَمِ

تُرحِّبُ بالضّيف فوقَ الطريقِ                      فبابِ العيادةِ ، فالسُّلم

قد انتشرت جوقةًجوقةً                             كما رُشَّتِ الأرضُ بالسِّمِسم

وترقصُ رقصَ المَواسي الحِدادِ               على الجلدِ ، والعَلقِ الأسحم

بواكيرُ تطلعُ قبل الشتاءِ                          وترفعُ ألويةَ الموسمِ

إذا ما „ابن سينا „رمى بَلغماً                    رأيتَ البراغيثَ في البَلغم

وتُبصِرُها حول (بيبا) الرئيس                   وفي شاربيهِ وحولَ الفم(البيبا:التدخين)

وبين حفائرِ أسنانهِ                                 مع السُّوسِ في طلبِ المَطعم

محمود غنيم :

ماضرَّ أهل الريف ألا يحفلوا                        بالطب أو لا يعرفوا (الميكروبا)

ضمنت سلامتهم سهولة عيشهم              وصفا هواؤهمو فكان طبيبا

رضعوا رحيق السائمات وما دروا               غيرَ النمير وغيره مشروبا

وسرى شعاع الشمس في أبدانهم         فجرى بأوجههم دماً مشبوبا

شمسُ القرى كستِ الوجوهَ نضارةً         أرأيتَ وجهاً في القرى مخضوبا؟

سِرْ في الحقولِ ترَ الرياضة عندهم         فناً… وخطاً عندنا مكتوبا

معروف الرصافي:

يدلّ على لؤم الغزالة أنها                                إذا طلعت هاج الذباب طلوعها

فكم راع نومي عند كل صبيحة                           طنين ذبابات توالى وقوعها

لقد غاظني عند الشروق هياجها                       كما سرّني عند الغروب هجوعها

إذا وقعت فوق الجبين أذبَّها                               فيزعجني نحو الجبين رجوعها

بواحدة منها يطول تضجري                               فكيف إذا انهالت عليّ جموعها

تهاوى على الأقذار مولعةً بها                           وما ضرّها لكن سواها ولوعها

تحوم علينا بالجراثيم فالردى                           إذا هي حامت تلوها وتبيعها

فيزعجنا بالخاز باز طنينها                               وتقذف أوساخاً علينا فروعها

بها شره نحو المقاذر قادها                        وما قادها نحو المقاذر جوعها

وفيها على ضعف الجوارح جرأة                    يزيد بها فوق الوجوه طلوعها

فما وجه حرّ بالبياض يخيفها                       ولا وجه عبد بالسواد يروعها

كذاك رعاع الناس بادٍ عوارها                     كثير أذاها مستمرٌ قنوعها

أحمد صافي النجفي-الرسالة العدد 539-:

أكافح البرد في سراج                               يكاد من ضعفه يموت

في غرفة ملؤها ثقوبٌ                              أو شئت قل ملؤها بيوت

يسكن فيها بلا كراء                                   فأرٌ وبقٌ وعنكبوت

للفأر من مأكلي غذاءٌ                              والبقُّ جسمي لديه قوت

واعتزل العنكبوت أمري                            وفي بقاه معي رضيت

يوقظني الفأر حين اغفى                        بالقرض إن طاب لي المبيت

والبق بالقرض رام مزحي                        لكنه مازحٌ صموت

يشرب ما راق من دمائي                        والسمَّ في لذعه سُقيت

عليه لا يسمعون شكوى                         فيا لخصم به بليت

ضيفٌ ولا يبتغي طعاماً                          إلا دماً منه قد حَييت

أغرفة للمنام هذي                                أم هي منفى له نفيت؟

ابن المعتز:

بِتُّ بجهدٍ لا أذوقُ الغَمضا                    مُسَهّداً يضربُ بعضي بعضا

قد قطع القِرْقِسُ جِلدي عضّاً              منتهى يغرس أو منقضا(القرقس:البعوض)

كشرر القَدْح إذا ما ارفضَّا                   يُدمنُ إسخاطَكَ حتى ترضى

ابن المقري:

شرُّ الورى بمساوي الناسِ مُنشَغِلٌ                           مثلُ الذبابِ يُراعي مَوضعَ العِللِ

ابن الشمقمق:

يا طول يومي وطول ليلتهِ                               فَليهنَ برغوثهُ بجذلته

قد عقدت بندَها على جسدي                        واجتهدت في اقتسام جملته

ابن حمديس يصف البق والبعوض:

نومي على ظهرِ الفراشِ مُنَغَصٌّ                     والليلُ فيه زيادةٌ لا تنقصُ

من عادياتِ كالذئابِ تذاءبتْ                             وسرتْ على عجلٍ فما تتربصُّ

جعلت دمي خمراً تُداومُ شُربها                       مُسترخصاتٍ منه مالا يُرخصُ

فترى البعوضَ مُغنيّاً بربابهِ                             والقُ تشربُ والبراغثُ ترقصُ

أبو القاسم الالبيري في بعوض غرناطة :

بعوضٌ جعلنَ دمي قهوةً                              وغَنيّنني بضروبِ الأغاني

كأنّ عروقي أوتارُها                                   وجسميَ ربابٌ وهنَّ القِيانِ

أبو اسحق الصابي في البق(معجم الادباء –ياقوت –ج1 ص214-215):

وليلةٍ لم أذُقْ من حَرِّها وسناً                        كأنّ في جَوِّها النيرانُ تشتعلُ

أحاطَ بي عَسكرٌ للبقِّ ذو لَجَبٍ                     ما فيه إلا شجاعٌ فاتِكٌ بطلُ(اللجب : الصوتوالجلبة)

من كُلِّ شائكةِ الخرطومِ طاعنةٍ                   لا تَحجُبُ السَّجْفُ مسراها ولا الكِللُ

طافوا علينا ، وحَرُّ الشمسِ يطبخنا                       حتى إذا أُنضجتْ أجسادُنا اكلوا

أمية بن عبد العزيز الأندلسي في البراغيث-تاريخ الادب العربي د عمر فروخ –ج5 ص184-185:

وليلةٍ دائمةِ الغُسوقِ                                  بعيدةُ الممسى من الشروقِ

كليلةِ المُتّيمِ المشوقِ                                  أطالَ في ظلمائها تأريقي

أخبثُ خلقٍ للأذى مخلوقِ                           يرى دمي أشهى من الرّحيقِ

يَعُبُّ فيهِ غيرَ مُستفيقِ                                لا يتركُ الصَبوحَ للغبوقِ

لو بتّ فوقَ قِمةِ العَيوقِ                             ما عاقه ذلك عن طُروقِ(العيوق: نجم)

كعاشقٍ أسرى إلى معشوقِ                       أعلمُ من بُقراطَ بالعروقِ

من أكحلٍ منها وبا سِليقِ                            يفصدها بمبضعٍ رقيق(عروق دموية)

من خطمه المُذَرَّبِ الذليق                           فصْدَ الطبيبِ الحاذقِ الرفيق

أبوالحسن المقدسي :

ثلاث باءات بلينا بها                              البق والبرغوث والبرغش

ثلاثةٌ أوحش ما في الورى                   ولستُ أدري أيها أوحش

أحدهم :

ليلُ البراغيثِ أعياني وأنصبني                   لا باركَ الله في ليلِ البراغيثِ

كأنهنَّ وجلدي إذا خَلونَ بهِ                        قضاة سوء أعاثوا في المواريثِ

أحمد بن يوسف-كتاب الأوراق للصولي-:

قد مُنينا بهناتٍ                                   هنَّ من شَر الهناتِ

نافراتٍ آمراتٍ                                    قلقاتٍ مقلقاتِ

سافكاتٍ لدماءِ الناس                       منها شاربات

معنا في الفُرش                            والقمص علينا واثبات

باسطاتٍ باحثاتٍ                            صائداتِ قاتلات

تخضب الاصبعَ والثوبَ                   دماً من داميات

وقال عن البرغش:

ومنينا بهناتٍ                                    واقعاتٍ طائرات

جارحاتٍ داخلاتٍ                              مُسهراتٍ ساهرات

زامراتٍ لك بالتسهيدِ                        في وقتِ السباتِ

من لحوم في دماء                           وارداتٍ شاربات

بخراطيمٍ مدلاةٍ                                طوالٍ جارحات

طعنها أنفذُ في الأبدانِ                   من طعن الكماةِ

وقال في البراغيث:

ومنينا بصغارٍ                                  لابساتٍ آثراتِ

بجلودٍ لا صقاتٍ                               عن قلوبٍ ثاقباتِ

بالغاتٍ حيث لا تبلغ                         أيدي اللامسات

لا ولا يدركها لحظُ                            عيونُ الناظرات

أحدهم :

بتنا عذُوباً، وباتَ البَقُّ يلسعنا                        نشوي القَراحَ ، كأن لا حيَّ بالوادي

بهجة المجالس ج2 ص434:

فإن تشتمونا على لؤمكمْ                               فقد تقرِضُ العُثُّ مُلسَ الأُدُمِ

(العث: دويبة صغيرة ليس بها قوة إلا أنها تقرض كل شئ )

العزل الصحّي والحِجر الصِحّي

العزل الصحيّ:

ونعني به عزل المريض المُصاب بمرض معدي عن غيره من الأصّحاء ،أي منع كل اتصال بين المريض المُصاب بمرضٍ سارٍ مُعدي وبين المحيط الذي يعيش به حتى يزول خطر العدوى.

ويجب أن يكونَ العزلُ صارمًا شاملًا للمريض،وكل مايمكن أن يكونَ وسيلةً للعدوى،كحاجيات المريض وملابسه وفراشه وأدواته .

وجاء في الويكيبيديا:يعرف العزل على أنه الانفصال أو الحجر الطوعي أو الإجباري لمن يُعرف أو يشتبه بإصابتهم بعامل الأمراض المعدية(سواء كانوا مرضى أم لا)لمنع حدوث عدوى جديدة.

الحجر الصحيّ:

تحديد حرية الأنتقال لكُلِّ حيٍّ حيوان أو إنسان تَعرّضَ للعدوى بمرضٍ سارٍ، وحجره مدّة من الزمان تُعادِل أطول حدٍّ لمدّة حضانة ذلك المرض، فإذا ثَبتت سلامته رُفِعَ عنه الحِجر، وإلّا عُزِل في حال تأكد إصابته . وقد يكون الحجر بريّاً أو بحريّاً ،والغاية منه على كل حال دفع خطر العدوى بمنع دخول عوامل المرض الساري ،والحدّ من انتشارها على الأقل في البلاد المتعرضة لذلك بالوسائل التي لا تعرقل السياحة والتجارة .

ولقد جاءت السّنة النبوية الطاهره بأحاديثَ هي بمثابة الإعجاز في زمنٍ لم تُكنْ المعلومات الطبية لتعرف أدنى شيء من هذا فيما يتعلق بالعزل والحجر الصحّي.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: „الطاعون بقية رجز أو عذاب أُرسل على طائفة من بني إسرائيل ،فإذاوقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فراراً، وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تهبطوا عليها „. [أخرجه الشيخان والترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنه]، وقال صلى الله عليه وسلم: „الطاعون كانَ عذاباً يبعثه الله على من يشاء ، وإن الله جعله رحمة للمؤمنين ،فليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابراً محتسباً ويعلم أنه لا يصيبه إلا ماكتب الله له ، إلا كان له مثل أجر شهيد„. [أخرجه البخاري عن عائشة وأحمد في مسنده].

وقال صلى الله عليه وسلم : „الطاعون غُدّة كغُدّة البعير، المقيم بها كالشهيد ، والفار منها كالفار من الزحف „. [أخرجه أحمد في مسنده عن عائشة رضي الله عنها وصححه الألباني] .

وقال صلى الله عليه وسلم „لا يُورِدُ مُمرِضٌ على مُصِّح“ [اخرجه الشيخان عن ابي هُريرة رضي الله عنه ].وفي رواية البخاري:“:لا يوردنَّ مُمرضٌ على مصح“.وقد ذكر الحديث كما قال الإمام النووي رضي الله عنه بأن الممرض هنا هو المجذوم.ولكن المُمرض سواء كان إنساناً أو حيواناً هو من ينقل العدوى لغيره.

وقد عرّفَ الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله(فتح الباري ـ كتاب الطب) لفظ الممرض فقال:المُمرض هو الذي له إبل مرضى،ثم ذكر أن أهل اللغة قد قالوا إن المُمرض هو اسم فاعل من أمرضَ الرجل،إذا أصاب ماشيته مرض ،والمُصح اسم فاعل من أصح إذا أصاب ماشيته عاهة ثم ذهب عنها وصحت.

وهذا الحديث وإن قيل في معرض الحديث عن البعير المريضة الجرباء والبعير الصحيحة إلا أنه ينطبق أيضاً على الإنسان،فالإنسان المريض بمرضٍ معدي عليه أن يتجنب التماس مع الناس غير المرضى ،وخاصة إذا كان مصاباً بأحد الأمراض شديدة العدوى مثل التهاب السحايا أو ذات الرئة، أو الكوليرا، أو الحمى التيفية، أو مرض السل، أو الدفتريا، وغيرها من الأمراض شديدة العدوى .

ويأمر الرسول صلى الله عليه وسلم الأصّحاء بعدم مخالطة المرضى بمرض معدي يقول صلى الله عليه وسلم““إنَّ من القَرفِ التلف“،(والقرف هو مقارفة المريض: أي مُلامسته، والتلف: الهلاك، ولذا يقال في الأمثال  „أخشى عليه  القَرف“ أي مداناة المريض).

والحديث الكامل:عن يحيى بن عبد الله بن بحير قال :أخبرني من سمع فروة بن مسيك قال: قلت: يا رسول الله إن أرضاً عندنا يقال لها أبين ،هي أرض ريفنا وميرتنا،وهي وبئة أو قال: وباؤها شديد.فقال النبي صلى الله عليه وسلم:“دعها عنك،فإن نت القرف التلف“[رواه أبو داود وقال الألباني حديث ضعيف]

وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عمرو بن الشريد الثقفي عن أبيه أنه قال كان في وفد ثقيف رجلٌ مجذوم  فأرسل اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم „إنّا قد بايعناك فارجع „.

وقد ذكر الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله أن الفقهاء نصُّوا على انّه لايجوز للمجذوم ومن به مرض معدي أن يدخل المسجد.

هذا ويوصي الاسلام أن  تكون زيارةُ المريض بعد ثلاثة أيام من مرضه، ولقد بيّنَ العلم الحديث أنَّ الكثير من الأمراض الشائعة،وخاصةً الانفلونزا ونَزلات البرد تكون شديدة العدوى في بداية المرض ولذا فانه ينُصح أن تكونَ عِيادة المرضى في تلك الأمراض بعد هذه الايام الثلاثه مالم  يكن هناك حالات خاصة تستدعي الزياره قبل ذلك .

وفي بعض الامراض المُعدية لابد أحيانا لبعض أهل المريض من أن يكونوا جانبه وهذا ممكن  مع تطبيق بعض التعاليم الوقائية الصّحيه والرجوع الى أهل العلم في ذلك .

هذا وإن كان يفوت بعض الدول مراقبة عزل بعض المرضى بأمراض معدية وتهّربِ بعض المصابين من الإِعلام عن إِصابتهم حتى لايتعرضوا للعزل أو الحجر الصحي فإنَّ الاسلام جعل من المسلم مُحاسباً ورقيباً على نفسه،وأرادَ منه أن يتبّعَ الاُصول الصّحية ورغَّبهُ بالطاعة وحذّرهُ من العصيان.

لقد منحَ الإسلام ثوابَ المُرابط لمن التزم بالحِجر الصّحي فأقام والتزم ،ومنحهُ ثوابَ الشّهادة إن ماتَ متُمسكاً بتعاليم الاسلام الصّحية،وجعل عقوبة المتُهرِّبِ منها  كعقوبة الفار من الزحف عن عائشه رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : „لا تفنى اُمتّي إلا بالطّعنِ والطاعون، قلُتُ: يارسولَ الله إنَّ هذا الطّعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال  غُدّةٌ  كُغُدّةِ البعير،المُقيمُ فيها كالشهيد ، والفار منها كالفار من الزحف „[رواه احمد وابو يعلى والطبراني في الاوسط قال في مجمع الزوائد ورجال احمد ثقات وبقيه الأسانيد حسان] .

إنَّ الحِجرَ الصّحي من أهم وسائل مقاومة انتشار الأمراض الوبائية،وكما ذكرنا فإن الأحاديث النبوية السابقة قد حددت مبادئ الحجر الصحي بشكل يدعو إلى الإعجاز في زمن لم يكن الطب ولا علماء الغرب يُدركون أبسط المعاني فيما يتعلق بمعنى العدوى ولم يكن عندهم أبسط وأدنى المعلومات عن الأمراض المُعدية ولم يُعرف مبدأ العزل الصحي ومبدأ الحجر الصحي إلا في السنوات الماضية .

وقد يسأل البعض إنَ منع السليم من الدخول إلى أرض الوباء قد يبدو أمراً مفهوماً ولكن ماهي الحكمة من منع الأصحاء من سكان البلدة الموبوءة من الخروج منها ؟.

إن الطبَّ والعلم الحديث يبُينان أنَ الشخص السليم الذي يعيش في منطقة الوباء قد لا يبدو عليه ظاهرياً أنه مصاب بالمرض ولكنه قد يكون حاملاً للعامل الممرض للمرض ويمكن أن ينقل العدوى إلى الأخرين بدون إصابته بأعراض المرض وهم مايُسّمون طبياً „بحملة المرض“ أو أنه قد تظهر عليه أعراض المرض بعد انتهاء فترة الحضانة والتي تختلف من مرض لأخر ولهذا عندما يطبق مبدأ الحجر الصحي فإنه يتم احتجاز الناس الأسوياء الذين لا يَظهر عليهم أعراض المرض عدة أيام حتى انتهاء فترة الحضانة للمرض .

مشيئة الله شرط في العدوى

اذا اجتمعت كلُّ العوامل والشروط لحدوث العدوى كوجود العامل الممرض ووجود الثوي سواء الإنسان أو الحيوان ووجود واسطة انتقال العامل الممرض الى السليم واستعداد البدن للإصابة فهل تحدث العدوى دائما مع توفر كل هذه الشروط؟

إنَّ النصوص الشرعية تدّل على انَ المشيئة الّربانية هي ركن أصيل في نجاح أي سبب للوصول الى المُسبب وقد جَرت سُنّة الله تعالى في خلقه أن تؤدي الأسباب إلى مُسبباتها ولكنَّ مشيئه الله قد تمنع انساناً من الإصابة رغمَّ توفر كلِّ الشروط العلمية لإصابته بالعدوى، فالقاعدة أن تحدث الإصابة مع توفر شروط العدوى، ولكن في بعض الحالات ولحكمة ربانية قد لا يتم هذا الأمر.

نعم إنَّ الله خلق الأسباب ويعلم المُسببات،وأنَّ الكون محكوم وفقَ سُننٍ مُعينة ثابتة وهذه هي القاعدة،ولكنّهُ قد يُسلَبُ السبب خاصيته ،وهذا هو الاستثناء، كسلب النار خاصّيةِ الإِحراق كما حدث لسيدنا ابراهيم عليه السلام.

معنى لا عدوى:

هناك أحاديثٌ نبويةٌ شريفةٌ وصحيحة قد ينفي ظَاهرُها العدوى نذكر منها : „لاعدوى، ولا هَامة ، ولا صَفر، ولا نوء „[رواه مسلم].

عن أبي هريره رضي الله عنه „لا عدوى، ولا طِيرة، ولا هَامة ، ولا صَفر “ [رواه البخاري عن ابي هريره رضي الله عنه] „لا عدوى، ولا صفر، ولا غول“ [رواه مسلم].

عن جابر رضي الله عنه وعن أبي هريره رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : „لا عدوى، ولا صَفر، ولا هَامة . فقال أعرابي يارسول الله فما بال إبلي تكون في الرمل كأنهّا الظباء فيأتي البعير الأجرب فيدخل بينها فيجربها ؟ فقال: فمن أعدى الاول؟“ [رواه الشيخان].

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : „لا عدوى، ولا طِيرة، ويعجبني الفال . قالوا : وما الفال ؟ قال كلمة طيبة“ [متفق عليه]

(والمعنى بالفال ان تسمع كلاما حسنا فتستبشر كأن يكون مريضا يسمع كلاما طيَّبا فيقوِّي من معنوياته)

وهناك أحاديث في نصِّها نفي العدوى وإثباتها في نفس الوقت ومنها حديث „لاعدوى ولا طيره ولا هامة ولا صفر وفر من المجذوم كما تفر من الأسد“ [رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه].

وأما وجهُ الجمعِ والتوفيقِ بين الأحاديث السالفه فقد عرّجَ عليها الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتاب فتح الباري عند شرحه لحديث لا عدوى في باب الجذام ونلخصها في ثلاث أمور، وهي تتوافق مع ماتوصل اليه العلم الحديث:

أولاً:  انَّ المُراد بنفي العدوى انَّ الشئ لا يُعدي بطبعه ،نفياً لما كانت الجاهليه تعتقده بأن الأمراض تعُدي بطبعها من غير إضافه لله تعالى فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم اعتقادهم هذا وبينَّ أنَّ الامور والمُسببات لا تفعل إلا  بمشيئةِ الله عز وجل وإرادته .

ثانياً: أنَّ المُراد بذلك نفي كون العدوى في كل الأمراض فنفيه صلى الله عليه وسلم بقوله: „لا عدوى“ عام، وامّا قوله“ فر من المجذوم “ فإنّهُ يثبتُ العدوى لبعضِ الأمراض كالجذام والطاعون،فإنّهُ تخصيص ذلك العام ،والمعُتمد عند علماء الاُصول ان العام قطعي ولكنه يصير بالتخصص حجه ظنيه. وبالتالي فإن هذا المسلك يبين خطأ الاعتقاد بعدوى كل الأمراض الذي يؤؤل الى الوسوسة وتجنّب كافة المرضى.

ويذكر الدكتور محمود ناظم النسيمي قولاً سمعه من أحد العلماء فيقول أنَّ النفي بقوله صلى الله عليه وسلم لا عدوى هو نفي بمعنى النهي على غرار قوله لا ضرر ولا ضرار

فإنَّ الضرر بين الناس أمر واقع ،وليس هذا المقصود هنا ، وإنَّما المرُاد النهي عن ايقاع الاذى  بالناس، وأن ايراد النهي بطبيعة النفي يدل على المبالغة في النهي ،فقولك لا ضرر أبلغ من قول لا تضر ، فمعنى لا عدوى هنا النهي عن مباشره الأسباب التي تؤدي الى سِراية المرض الى الاخرين ،فعلى المصاب بالجرب مثلاً أن لا يلمس الآخرين  وأن لا ينام في فراش غيره وأن يعالج نفسه.

وأما معاني المفردات التي جاءت في الأحاديث :

الطِيرَة: التفاؤل بالطير والتشاؤم بها ،كانوا يجعلون العبرة في ذلك بالأسماء وتارة بالأصوات وتارة بالسنوح والبروج أما السانح فهو الصيد الذي يمر من مياسرك إلى ميامنك والبارح عكس ذلك نقلاً عن أدب الدين والدنيا للماوردي ص303

الهامة : هي خرافة اعتقدها عرب الجاهلية وهي أن القتيل إذا لم يُؤخذ بثاره تدور حول قبره هامة أي بوم.

الصَفَر: فهو كالحيّة يكون في الجوف ويصيب الماشية والناس وهو أعدى عندهم من الجرب. قال الشاعر:

لا  يمسك الساق من أَيْنٍ ولاوَصَبٍ                ولا يَعَضّ على شرسوفه الصَفَرْ

وقال ابو خراش الهذلي:

ارد شجاع البطن قد تعلمينه                وأوثر غيري من عيالك بالطعم

أي أصبر على أذى الجوع وأحمل مضضه ،وشجاع البطن  كناية عن الجوع  لأن أذاه يشبه بحّية الصفر كما كانوا يزعمون .

وجاء في لسان العرب: الصَفَرْ: داء في البطن يصّفر منه الوجه. والصَفر: حية تلزق بالضلوع فتعضّها، وقيل دابة تعضّ الضلوع والشراسيف قال أعشى باهلة يرثي أخاه:

لا يتأرَّى  لما في القِدِر يرقبه         ولا يَعَضّ على شرسوفه الصَفَرْ

وقيل الصفر هنا الجوع

النوء: هو تكذيب المعتقد الجاهلي حيث كانوا يقولون مُطرنا بنوء كذا فأبطله صلى الله عليه وسلم لأن المطر يقع بإذن الله تعالى لا بفعل الكواكب

الغول : هو زعمهم أن الغول من الشياطين وقد يتراءى للناس ويتغّول لهم أي يتلون لهم ليضلهم عن الطريق ليهلكهم وقد كثر في كلامهم غالتهُ الغُول أي أهلكته أو أضلته فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك .

الوقاية والتوعية الصحية:

إن الوقاية من حدوث الأمراض بمختلف أشكالها من الفروع الهامة التي تطرق إليها أطباء العرب والمسلمين،وكانوا على قدر كبير مما يسمى في المصطلح الطبي“الطب الوقائي„،وقد قالوا:“إن درهماً من الوقاية خير من قنطار من العلاج“.وقد توصلوا بالتجربة ومن خلال تعاليم الدين الحنيف والإرشادات النبوية المشرفة إلى كثير من الأمور سبقوا فيها علماء الغرب وأطباؤه،وخاصة فيما يتعلق بتأثير النظافة في الوقاية والشفاء من بعض الأمراض،وعرفوا العدوى وانتقالها،واهتموا بحفظ الصحة والدعوة إلى الحركة وممارسة الرياضة وخاصة السباحة وركوب الخيل والفروسية،وتجنب البدانة،…..

وقد قال الإمام العظيم ابن القيم رحمه الله:“ومن تأمل هدي النبي صلى الله عليه وسلم وجده أفضل هدي يمكن حفظ الصحة به،فإن حفظها موقوفٌ على حسن تدبير المطعم والمشرب،والملبس والمسكن،والهواء والنوم،واليقظة والحركة والسكون،والمنكح والاستفراغ والاحتباس،فإذا حصلتهذه على الوجه المعتدل الموافق الملائم للبدن والبلد والسن والعادة،كان أقرب إلى دوام الصحة أو غلبتها إلى انقضاء الأجل“.

ويقول الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله(موقع الشيخ):

„إن من أكبر آفات الإسلام في عصرنا ما يتمثل في أولئك الحشوية من أنصاف الجهلة أو أنصاف المتعلمين،الذين يتزيون بزي الدين ويتحدثون بإسمه وعاظاً أو خطباء أو مدرسين وهم لا يعرفون منه إلا قشوراً تافهة،أو نقولاً رديئة أو معلومات مشوشة،أو أحاديث موضوعة أو ضعيفة،أو حتى صحيحة ولكنهم يضعونها في غير موضعها،ويفهمونها على غير وجهها فيضلون ويُضلون.

ويزيد الطين بلة أن هؤلاء كثيراً ما يجدون منزلة في قلوب العوام الذين لا يميزون بين الغث والسمين،فهم يستميلون عواطفهم،ويشبعون أخيلتهم بالمبالغات في الترغيب والترهيب،والقصص والحكايات.والحقيقة أن موقف الإسلام من الصحة والوقاية وسلامة الأبدان موقف لا نظير له في أي دين من الأديان،فالنظافة فيه عبادة وقربة،بل فريضة من فرائضه.

ويتابع الشيخ حفظه الله:“كما رغب الإسلام في العمل والنشاط والحركة والبكور،وحذر من التباطؤ والتكاسل والترهل،ودعل إلى رياضة الأجسام بالسباحة والرماية وركوب الخيل،وما شابهها من ألوان الفروسية وجعل من حق الأولاد على آبائهم أن يدربوهم على ذلك،وشرع التنافس والمسابقات تشجيعاً على ذلك،وإغراء به،وسبق النبي صلى الله عليه وسلم بين الخيل،وأعطى السابق،كما شرع المسابقة على الأقدام ونحوها.

ومن عناية الإسلام بصحة الأجسام:تحريمه المسكرات والمفترات(المخدرات)مهما اتخذت لها من أسماء وعناوين،وتشديده في ذلك غاية التشديد،وإيجابه العقوبة الشرعية على من تناولها،وتأثيمه كل من شارك فيها بجهد ما،يساعد على تناولها،حتى أنه لعن في الخمر عشرة.

كما أنه حرم إرهاق البدن بالعمل وطول السهر والجوع،وإن كان ذلك في صورة عبادة الله تعالى،فقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على رهط من أصحابه أراد أحدهم أن يقوم الليل فلا ينام،والثاني أن يصوم الدهر فلا يفطر،والثالث أن يعتزل النساء فلا يتزوج،وقال لهم:“أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له،ولكني أقوم وأنام،وأصوم وأفطر،وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني„،كما أنه أنكر على عثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو وغيرهما الغلو في التعبد،مذكراً بحق أبدانهم وأسرهم ومجتمعهم.

ومن عناية الإسلام بحق الأجسام ما شرعه من رخص في أداء الفرائض،إذا كان العمل بالعزائم يؤذي الجسم،كأن يسبب له مرضاً،أو يزيد في مرض قائم،أو يؤخر الشفاء منه،أو يؤدي إلى مشقة زائدة،فهناك يدع الوضوء إلى التيمم،والصلاة قائماً إلى الصلاة قاعداً أو مضطجعاً،وله الفطر في رمضان،إلى غير ذلك من أنواع التخفيف إلى بدل أو إلى غير بدل،حتى أصبح مقرراً عند عامة المسلمين:إن صحة الأبدان مقدمة على صحة الأديان.

والإسلام كما عنى بالصحة،عني بالطب سواء كان طباً علاجياً أم وقائياً،وإن كانت عنايته بالوقائي أكثر،لما هو معلوم:أن درهم وقاية خير من قنطار علاج،وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم جملة أحاديث تصف بعض الأدوية لبعض الأمراض.

على أن هناك جانباً هاماً يتعلق بالطب،يغفله الكثيرون ممن يروق لهم الحديث عن الطب النبوي أو الطب في الإسلام،ذلك هو الجانب التوجيهي الذي يتصل بمهمة الدين ووظيفة الرسول،فقد أدخلت الأديان الوثنية والمحرفة أفكاراً فاسدة،وخرافات باطلة،عوقت نمو الطب الصحيح،وأفسدت الانتفاع به،فجاء نبي الإسلام،فطارد تلك الأوهام،وصحح تلك الأغلاط،ووضع جملة من المبادىء الخالدة تعد بحق حجر الأساس لقيام صرح مشيد لطب إنساني علمي سليم.

ومن هذه المبادىء المحمدية:

1 ـ قرر قيمة البدن،وحقه على صاحبه،وسمع الناس لأول مرة في جو الدين“إن لبدنك عليك حقاً“،ومن حقه عليه أن يطعمه إذا جاع،ويريحع إذا تعب،وينظفه إذا اتسخ،وكذلك يداويه إذا مرض،هو حق واجب لا يجوز في نظر الإسلام أن ينسى ويهمل لحساب الحقوق الأخرى،ولو كان منها حق الله عز وجل.

2 ـحل مشكلة الإيمان بالقدر،الذي كان يعتقده المتدينون معارضاً للتداوي وطلب العلاج،ظانين أن عليهم الصبر على البلاء،والرضا بالقضاء.روى الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي عن أبي خزامة قال: قلت: يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها،ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها،فهل ترد من قدر الله شيئاً؟ قال: هي من قدر الله„.وفي المسند:جاءت الأعراب فقالوا: يا رسول الله،أنتداوى؟قال: نعم،فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء“.

وهذا هو الجواب الحاسم فإن الله قدر الأسباب والمسببات،وجعل من سننه في خلقه دفع قدر بقدر،فيدفع قدر الجوع بقدر الغذاء،ويدفع قدر العطش بقدر الشرب،والداء بالدواء،وكل من الدافع والمدفوع قدر الله،فإنه عليه السلام كان يفعل التداوي في نفسه،ويأمر به لمن أصابه مرض من أهله وأصحابه،وفي الصحيح من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى أبي بن كعب طبيباً فقطع له عرقاً وكواه عليه.

وحينما ذهب عمر إلى الشام وعلم قبل دخولها أن هناك طاعوناً شاور أصحابه في الرجوع واستقر الرأي على العودة بمن معه بعداً بهم عن مواطن الخطر،فقال أبو عبيدة:أتفر من قدر الله يا أمير المؤمنين؟قال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة.نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله.أرأيت لو كان لك واديان أحدهما مخصب والآخر مجدب،أليس إن رعيت المخصب رعيته بقدر الله؟

3 ـ أقر سنة الله في العدوى وأمر بالاحتراز والوقاية والعزل الصحي في الأوبئة العامة كالطاعون ونحوه،بل وسع دائرة الوقاية حتى شملت الحيوان الاعجم،وقال:“لايُوردن مُمر ض على مُصح„[رواه البخاري عن أبي هريرة]والممرض: الذي إبله مراض،والمصح: الذي إبله صحاح. ومعنى لا يورد عليه: لا يخلط المريضة الجرباء بالصحيحة أثناء ورود الماء.

أما حديث „لا عدوى“ فهو صحيح رواه البخاري،ولكن معناه:أن الأمراض لا تعدي بطبعها وذاتها،كما يعتقد أهل الجاهلية،بل بتقدير الله تعالى،وبناء على سننه الكونية.

4 ـ قاوم ما يسمة“الطب الروحاني“ واحترم الطب القائم على الملاحظة والتجربة والأسباب والمسببات،وأبطل ما أشاعته الوثنية الجاهلية عند العرب وغيرهم حتى أهل الكتاب من اطراح الأسباب الظاهرة والسنن الكونية والاعتماد على الأسباب الخفية والقوى المجهولة من عزائم ورقى غير مفهومة،وشعوذة يروجها السحرة والدجالون.

5 ـ فتح باب الأمل على مصراعيه أمام الأطباء والمرضى معاً،في الشفاء من كل مرض،مهما طال واتصل وقضى على اليأس المحطم،وعلى ما يسمى بالأمراض المستعصية،روى البخاري عن أبي هريرة:“ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء“ وروى مسلم وأحمد عن جابر:„لكل داء دواء،فإذا أصاب دواء الداء برىء بإذن الله تعالى„وروى أحمد :“إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله“.

6 ـ عنى الإسلام بالصحة النفسية عناية فائقة“فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان“ ولا ريب أن بين الناحية النفسية والناحية الجسمية تبادلا في التأثير،كلاهما يؤثر في الآخر قوة وضعفاً،وصحة وسقماً،واعتدالاً وانحرافاً،وقد أثبت علماء النفس وأطباء الجسم من قديم.

وقديماً قالوا: العقل السليم في الجسم السليم،وعلق على ذلك برناردشو فقال: بل الجسم السليم في العقل السليم.وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوة الروح وأثرها في قوة البدن حين كانوا يبنون المسجد،والصحابة يحملن حجراً حجراً،وعمار يحمل حجرين حجرين،فقال:“إن عماراً ملىء إيماناً من قرنه إلى قدمه“وأشار إليها مرة أخرى حين نهاهم عن الوصال في الصيام،فقالوا له:تنهانا عن الوصال وتواصل؟قال: وأيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني„[رواه البخاري]ومن مثله في قوة الروح حتى يحتمل ما يحتمله عليه السلام؟

هذه هي المبادىء الخالدة التي أرسى الإسلام قواعدهأ،وحرص النبي صلى الله عليه وسلم على تثبيتها،وهي جديرة إذا روعيت وطبقت أن تنشىء أجيالاً من الأصحاء الأقوياء الذين لا ينتصر الدين ولا ترقى الدنيا إلا بهم.وبالله التوفيق.

وأخيراً:روى ابن أبي أصيبعة في عيون الأنباء أن عضد الدولة عندما دخل بغداد كان أول من لقيه من الأطباء اثنان هما سنان بن ثابت وأبو الحسن الحراني،وهما طبيبان فاضلان،فلما دخلا عليه في مجلسه قال:من هؤلاء؟قالوا هؤلاء الأطباء.قال نحن في عافية وما بنا حاجة إليهم.فانصرف الطبيبان خجلين.فلما خرجا إلى دهليز القصر قال سنان لأبي الحسن:هل يجمل بنا أن ندخل إلى الملك فيردّنا ونحن شيخا بغداد؟فقال أبو الحسن:فما الحيلة؟قال نرجع إليه وأنا أقول ما عندي وننظر ماذا يكون الجواب.قال افعل.فاستأذنا ودخلا ثانية إليه فقال سنان:أطال الله بقاء مولانا الملك إن موضوع صناعتنا حفظ الصحة لا مداواة الأمراض.والملك أحوج الناس إليه.فقال له عضد الدولة:صدقت.وقرر لهما راتباً وصارا ينوبان مع أطبائه.

وقد تطرقنا في الموقع إلى سبل الوقاية والتوعية في كل موضوع على حدة وبالتفصيل ويمكن الرجوع إليها.والحمد لله رب العالمين.