طول الأمل والغرور الكاذب (2/3)
- ١ طول الأمل والغرور الكاذب
- ٢ طول الأمل والغرور الكاذب
- ٣ طول الأمل والغرور الكاذب
لقد رأى اتهيار زراعته وعرف سوء مصير الغرور،لأنه استجاب لوعود الشيطان،ووعود الشيطان ليست إلا غرورا{ومايعدهم الشيطان إلا غرورا}.
فماهو الغرور؟هناك غُرور ـ بضم الغين ـ وغَرور ـ بفتح الغين ـ والغرور بضم الغين هو الشيء يُصوّر لك على أنه حقيقة وهو في الواقع وهم.والغَرور بفتح الغين هو من يفعل هذه العملية،ولذلك فالغَرور بفتح الغين هو الشيطان،لأنه يزين للإنسان الأمر الوهمي،ويؤثر مثلما يؤثر السراب،فالإنسان حين يرى انكسار الأشعة يخيل إليه أنه يرى ماء،ويقول الحق عن ذلك:{كَسَرابٍ بِقِعةٍ يحسبهُ الظمآنُ ماءً حتى إذا جاءهُ لم يجدهُ شيئاً}[النور 39].
وكذلك الغُرور،حيث يزين الشيطان للإنسان ويوهمه أنه سيستمتع به.فإذا ذهب الإنسان إليه فلن يجد له حقيقة،بل العكس،ولذلك يفصل لنا الحق أعمال الكفار فيقول عنها:{والذينَ كفروا أعمالُهُم كَسرابٍ بِقِعةٍ يحسبهُ الظمآنُ ماءً حتى إذا جاءَهُ لم يجدهُ شيئاً ووجدَ الله عندَهُ فوفَّاهُ حسابهُ والله سريع الحساب}[النور 39].
الأحاديث النبوية:
„الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت،والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني“[حديث ضعيف كما جاء في ضعيف الجامع للألباني،وكما قال الإمام السخاوي،وقد جاء في مسند أحمد والمستدرك وابن ماجة والترمذي عن أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله عنه].
„أربع من الشقاء:جمود العين،وقساوة القلب ،وطول الأمل ،والحرص على الدنيا“[حديث مرفوع عن أنس بن مالك،وقال عنه الشيخ الألباني حديث ضعيف]
سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس خير؟قال:من طال عمره وحسن عمله.قيل:فأي الناس شر؟قال:من طال عمره وساء عمله.[رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وكذلك أحمد والدارمي والطبراني والحاكم والبيهقي عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه]
وقال صلى الله عليه وسلم:“إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه مايحبُّ فإنما هو استدراج، ثم تلا قوله تعالى:{فلمَّا نَسُوا ماذُكِّروا به فَتحنا عليهمْ أبوابَ كُلِ شيءٍ حتى إذا فَرِحُوا بما أُوتُوا أخذناهُمْ بغتةً فإذا هُم مبلسون“[الآية 44 من سورة الأنعام].[رواه أحمد في المسند عن عقبة بن عامررضي الله عنه،وصححه الألباني].
أقوال السلف الصالح:
قال أحد التابعين:“بغت القوم أمر الله،وما أخذ الله قوماً إلا عند سكرتهم وغرتهم فلا تغتروا بالله فإنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون ومصداقه قوله تعالى:{أَفَأمِنَ أهلُ القُرى أن يأتِيَهُمْ بأسُنَا بياتاً وهم نائمون *أو أمِنَ أهلُ القرى أن يأتِيَهُم بأسُنَا ضحىً وهُم يلعبون* افأمِنُوا مكرَ الله فلا يأمنُ مَكرَ الله إلا القومُ الخاسرونَ}[الأعراف97 ـ 99].
وفي الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل :ما الكبائر؟ فقال:“الشرك بالله، والإياس من روح الله والأمن من مكر الله،وهذا أكبر الكبائر“.[قال المحدثون هو حديث مقطوع عن سفيان بن عيينة رحمه الله]
وجاء عن بعض السلف قوله:“من الأمن من مكر الله إقامة العبد على الذنب يتمنى على الله المغفرة“.
وقال لقمان لابنه:“يا بني ارج الله رجاء لا تأمن مكره،وخف الله مخافة لا تيأس فيها من رحمته.قال ابنه:وكيف أستطيع ذلك يا أبت وإنما لي قلب واحد؟قال يابني:إن المؤمن لذو قلبين:قلب يرجو،وقلب يخاف به“.
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه:“إنكم في مَهل،ومن ورائه أجل،فبادروا في مَهلِ آجالكم قبل أن تتقطع آمالكم،فتردكم إلى سوء أعمالكم“.
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه:
„ثم اعلموا عباد الله،أنكم تغدون وتروحون في أجل قد غُيّب عنكم علمه فإن استطعتم أن تنقض الآجال وأنتم في عمل لله فافعلوا،ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله فابقوا في مهل آجالكم،قبل أن تنقض آجالكم فيردكم إلى أسوأ أعمالكم،فإن أقواماً جعلوا آجالهم لغيرهم ونسوا أنفسهم،فأنهاكم أن تكونوا أمثالهم.النجاء..النجاء“.
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه:“الموت أهوّن مما بعده،وأشدّ مما قبله“.
وقال علي بن أبي طالب لعمر الفاروق رضي الله عنهما:“يا أمير المؤمنين،إن سرّكَ أن تلحق بصاحبيك فأقصِر الأمل ،وكُلْ دون الشبع،وأقصِر الإزار،وارفع القميص،واخصف النعل تلحق بهما“.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:“من جرى في عنان أملهِ عَثرَ بأجله“.
وقال أيضاً:“إياك والاتكال على المنى،فإنها بضائع الموتى“.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:“إن أخوف ما أخاف عليكماتباع الهوى وطول الأمل،فأما اتباع الهوى فصدّ عن الحق،وأما طول الأمل فيُنسي الآخرة،ألا وإن الدنيا ارتحلت مدبرة،وارتحلت الآخرة مقبلة،ولكل واحدة منهما بنون،فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا،فإن اليوم عمل ولا حساب،وغداً حساب ولا عمل“.
وقال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه(عيون الأخبار ـ ابن قتيبة ـ كتاب العلم والبيان والعقد الفريد لابن عبد ربه ج4 ص136):
„أما بعد،فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع،وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطّلاع،وإن المضمار اليوم و السباق غداً،إلا وإنكم في أيام أمل من ورائه أجل،فمن أخلص في أيام أمله قبل حضور أجله،نفعه عمله ولم يضره أمله،ومن قصّر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خسر عمله، وضرّه أمله، ألا فاعملوا لله في الرغبة كما تعملون له في الرهبة،ألا وإني لم أرَ كالجنة نامَ طالبها،ولم أرَ كالنار نامَ هاربُها،إلا وإنه من لم ينفعه الحقّ ضرّه الباطل ،ومن لم يستقم به الهدى جارَ به الضلال،إلا وإنكم قد أُمرتم بالظعن ودُللتم على الزاد،وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباعُ الهوى وطول الأمل“.
وقال الإمام علي رضي الله عنه:“يا ابن آدم إذا رأيت ربك سبحانه يتابع عليك نعمه وأنت تعصيه فاحذره“.
وقال الإمام علي رضي الله عنه:
„لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل،ويؤخر التوبة لطول الأمل،ويقول في الدنيا بقول الزاهدين،ويعمل فيها بعمل الراغبين،إن أُعطي منها لم يشبع،وإن مُنعَ لم يقنع،يعجز عن شكرِ ما أُوتي،ويبتغي الزيادة فيما بقي،ينهى ولا ينتهي،ويأمرُ بما لا يأتي،يحب الصالحين ولا يعمل أعمالهم،ويُبغض المسيئين وهو منهم،يكره الموت لكثرة ذنوبه،ويُقيم على ما يكره الموت له،إن سَقِم ظلّ نادما،وإن صحّ أمِنَ لاهياً،يُعجَبُ بنفسه إذا عُوفينويقنط إذا أُبتلي،تغلِبهُ نفسهُ على ما يُظن ولا يغلبها على ما يستيقن،ولا يثق من الرزق بما ضُمن له ،ولا يعمل من العمل بما فُرِض عليه،إن استغنى بطِر وفُتن،وإن افتقر قنط وحزن،فهو من الذنب والنعمة مُوقر،يبتغي الزيادة ولا يشكر،يتكلّف من الناس مالم يؤمر،ويُضيع من نفسه ما هو أكثر،ويبالغ إذا سأل ،ويُقصّر إذا عمل،يخشى الموت،ولا يُبادرُ الفَوت،يستكثر من معصية غيره ما يستقلُّ أكثرهُ من نفسه“.
الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:
„إن الدنيا ليست بدار قرار،دار كتب الله عليها الفناء،وكتب على أهلها الظعن،فكم عامر موثق،عما قليل مخرّب،وكم مقيم مغتبط،عما قليل يظعن،فأحسنوا رحمكم الله منها الرحلة بأحسن ما يحضركم من النقلة،وتزودوا فإن خير الزاد التقوى،إنما الدنيا كفيء ظلال قلص فذهب،بينا ابن آدم في الدنيا ينافس فيها وبها قرير العين إذ دعاه الله بقدره ورماه بيوم حتفه فسلبه دنياه،إن الدنيا لا تسر بقدر ما تضر،إنها تسر قليلاً وتجرُّ حزناً طويلاً“.
وقال أيضاً رضي الله عنه(العقد الفريد ج4 ص175):
„وإن لكل سفر زاداً لا محالة،فتزودوا من دنياكم لآخرتكم بالتقوى،وكونوا كمن عاين ما أعدّ الله له من ثوابه وعقابه،فَرِهبوا ورغبوا،ولا يطولن عليكم الأمد،فتقسو قلوبكم وتنقادوا لعدوكم،فإنه ما بُسط أمل من لايدري لعله لا يصبح بعد إمسائه أو يمسي بعد إصباحه،وربما كانت بين ذلك خطرات المنايا وإنما يطمئن إلى الدنيا من أمِن عواقبها،فإن من يُداوي من الدنيا كلما اصابته جراحة من ناحية أخرى فكيف يطمئن إليها.
وفي مراجع أخرى يتابع:“فإعوذ بالله أن أمركم بما أنهى عنه نفسي فتخسر صفقتي وتظهر عيبتي وتبدو مسكنتي في يوم يبدد فيه الغنى والفقر،والموازين منصوبة،ولقد عنيتم بأمر لو عنيت به النجوم لانكدرت،ولو عنيت به الجبال لذابت،ولو عنيت به الأرض لتشققت،أما تعلمون أنه ليس بين الجنة والنار منزلة،وإنكم صائرون إلى إحداها“.
عبد الله بن مسعود رحمه الله:“أربعةٌ من ظلمة القلب:بطنٌ شبعان من غير مبالاة،وصحبة الظالمين ،ونسيان الذنوب الماضية،وطول الأمل.وأربعةٌ من نور القلب:بطنٌ جائعٌ من حَذَر(من غير ضرر)،وصحبة الصالحين،وحفظ الذنوب الماضية(لإصلاحها)وقصر الأمل“.
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه:“أضحكني ثلاث وابكاني ثلاث:أضحكني مؤمل الدنيا والموت يطلبه،وغافلٌ ولا يُغفل عنه،وضاحكٌ ملء فيه ولا يدري أساخطٌ ربه أم راض.وأبكاني هوّل المطلع(ما يشرف عليه من أمر الآخرة عقيب الموت)،وانقطاع العمل،وموقفي بين يدي الله لا يُدرى أيأمر بي إلى الجنة أم النار“.
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله(كتاب الفوائد):
„يا مغروراً بالأماني:لعن إبليس وأُهبط من منزل العز بترك سجدة واحدة أمر بها.وأخرج آدم من الجنة بلقمة تناولها.وحجب القاتل عنها (أي الجنة) بعد أن رآها عياناً بملء كف من دم.وأمر بقتل الزاني أشنع القتلات بإيلاج قدر الأنملة فيما لا يحل.وأمر بإيساع الظهر سياطاً (أي بالجلد) بكلمة قذف أو بقطرة من مسكر.وأبان عضواً من أعضائك بثلاثة دراهم(أي قطع يد السرق بثلاثة دراهم يسرقها( فلا تأمنه أن يحبسك في النار بمعصية واحدة من معاصيه{ولا يخاف عُقباها}[الشمس 15].
دخلت امرأة النار في هرة.وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالأً يهوى بها في النار أبعد مابين المشرق والمغرب،وإن الرجل ليعمل بطاعة الله ستين سنة،فإذا كان عند الموت جار في الوصية فيختم له بسوء عمله فيدخل النار.العمر بآخره والعمل بخاتمته.
من أحدث قبل السلام بطل ما مضى من صلاته،ومن أفطر قبل غروب الشمس ذهب صيامه ضائعاً،ومن أساء في آخر عمره لقى ربه بذلك الوجه.لو قدمت لقمة وجدتها ولكن يؤذيك الشره.
كم جاء الثواب يسعى إليك فوقف بالباب فرده بواب“سوف ولعل وعسى“كيف الفلاح بين لإيمان ناقص،وأمل زائد،ومرض لا طيب له ولا عائد،وهوى مستيقظ،وعقل راقد،ساهياً في غمرته،عمهاً في سكرته،سابحاً في لجة جهله مستوحشاً من ربه،مستأنساً بخلقه،ذكر الناس فاكهته وقوته،وذكر الله حسبه وموته،لله منه جزء يسير من ظاهره،وقلبه ويقينه لغيره“.
وقال الخليفة هارون الرشيد(العقد الفريد ج2 ص166):
„وإياكم والأماني،فقد غرّت وأوردت وأوبقت كثيراً حتى أكذبتهم مناياهم فتناوشوا التوبة من مكان بعيد،وحيل بينهم وبين ما يشتهون“.
وقال الخليفة المأمون العباسي(عيون الأخبار ـ ابن قتيبة):
„فاتقى عبدٌ ربّه ،ونصحَ نفسه،وقدّم توبته،وغلب شهوته،فإن أجله مستورٌ عنه،وأملهُ خادعٌ له،والشيطانُ مُوّكلٌ به،يُزيّنُ له المعصية ليركبها،ويُميّه التوبة ليُسوّفها،حتى تهجم عليه منيّته أغفلَ مايكون عنها،فيالها حسرةٌ على ذي غفلة:أن يكون عمره عليه حُجةًنأو تؤديه أيامه إلى شقوةٍ“.
وقال سيد التابعين الحسن البصري رحمه الله:
„هيهات، هيهات! أهلك الناس الأماني:قول بلا عمل،ومعرفة بغير صبر،وإيمان بلا يقين.مالي أرى رجالاً ولا أرى عقولاً!وأسمع حسيساً ولا أرى أنيساً!دخل القوم والله ثم خرجوا،وعرفوا ثم أنكروا،وحرّموا ثم استحلوا.إنما دينُ أحدكم لعقة على لسانه ،إذا سئل أمؤمن أنت بيوم الحساب قال:نعم!كذب ومالك يوم الدين.إن من أخلاق المؤمن قوّة في دين،وإيماناً في يقين،وعلماً في حلم،وحلماً بعلم،وكيّساً في رفق،وتحملاً في فاقة،وقصداً في غنى،وشفقة في نفقة،ورحمة لمجهود،وعطاء في الحقوق،وإنصافاً في الاستقامة،لايحيف على من يبغض،ولا يأثم في مساعدة من يحب،لايهمز ولايغمز ولايلمز،ولا يلغو ولا يلهو ولا يلعب،ولا يمشي بالنميمة،ولا يتتبع ماليس له،ولا يجحد الحق الذي عليه،ولا يتجاوز في العذر،ولا يشمت بالفجيعة إن حلّت بغيره،ولا يسر بالمعصية إذا نزلت بسواه.المؤمن في الصلاة خاشع،وإلى الركوع مسارع،قوله شفاء،وصبره تقى،وسكوته فكرة،ونظره عبرة،يُخالط العلماء ليعلم،ويسكت بينهم ليسلم،ويتكلم ليغنم،إن أحسن استبشر،وإن أساء استغفر،وإن عُتب استعتب،وإن سفه عليه حلم ،وإن ظلم صبر،ولإن جير عليه عدل،ولا يتعوذ بغير الله،ولا يستعين إلا بالله.وقور في الملأ،شكور في الخلاء،قانع بالرزق،حامد على الضار،صابر على البلاء،إن جلس مع الغافلين كتب من الذاكرين،وإن جلس مع الذاكرين كتب مع المستغفرين.هكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،الأول فالأول حتى لحقوا بالله عز وجل،وهكذا كان المسلمون من سلفكم الصالح،وإنما غيّر بكم لما غيّرتم ثم تلا قوله تعالى:{إنَّ اللهَ لايُغيِّرُ مابقومٍ حتَّى يُغيِّروا ما بأنفُسِهم}[الرعد11].
وقال الحسن البصري رحمه الله:“من أراد الدنيا واختارها على الآخرة عاقبه الله بست عقوبات:ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة،أما الثلاث التي هي في الدنيا:فأمل ليس له منتهى،وحرص غالب ليس له قناعة،واُخذ منه حلاوة العبادة،وأما الثلاث التي هي في الأخرة:فهولٌ يوم القيامة،والحساب الشديد،والحسرة الطويلة“.
وقال الحسن البصري:“فساد القلوب عن ستة أشياء:أولها يذنبون برجاء التوبة،ويتعلمون العلم ولا يعملون به،وإذا عملوا لا يخلصون،ويأكلون من رزق الله ولا يشكرون،ولا يرضون بقسمة الله،ويدفنون موتاهم ولا يعتبرون“.
وقال الحسن البصري:“ابن آدم ! إنما أنت أيام،كلما ذهب يوم ذهب بعضك“.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري:عظني .فكتب إليه،أما بعد،فلو كان لك عمر نوح وملك سليمان ويقين إبراهيم وحكمة لقمان عليهم السلام فإن من وراءك عقبة وهي الموت،ومن ورائها داران،إن أخطأتك هذه صرت إلى هذه والسلام“.
وقال سفيان الثوري رحمه الله:“لا يجتمع في هذا الزمان لأحدٍ مال إلا وعنده خمس خصال:طول الأمل،وحرصٌ غالب،وشح شديد،وقلة الورع،ونسيان الآخرة“.
وقال الإمام ابن الجوزي رحمه الله:“والله ما اجتمع لأحد أمله،إلا وسعى في تفريقه أجله،وعقارب المنايا تلسع الناس،وخدران جسم الأمل يمنع الإحساس“.
وقال ابن الجوزي:“يا منفقاً بضاعة العمر في مخالفة حبيبه والبعد عنه،ليس في أعدائك أشدّ عليك منك“.
وقال ذو النون المصري:“علامة الشقاء ثلاث:متى زيد في عمره،زيد في حرصه،ومتى زيد في ماله زيد في بخله،ومتى زيد في قدره زيد في تجبره وقهره وتكبره“.
وقال سعيد بن جبير:“ من الاغترار بالله المقام على الذنب ورجاء الغفران“.
وقال أبو حازم(البيان والتبيين للجاحظ):
„الدنيا غرّت أقواماً فعملوا فيها بغير الحق،فلما جاءهم الموت خلفوا مالهم لمن لا يحمدهم،وصاروا إلى من لا يعذرهم،وقد خلقنا بعدهم،فينبغي أن ننظر إلى الذي كرهناه منهم فنجتنبه وإلى الذي غبطناهم به فنستعمله“.
وقال يحيى بن معاذ:“المؤمن لا يكون حسوداً ولا حقوداً ولا متكبراً ولا لامعجباً ولا راغباً في الدنيا ولا طويل الأمل،ولا كثير النوم والغفلة“.
وقال داود الطائي:“من خاف الوعيد قصر عليه البعيد،ومن طال أمله ضعف عمله ،وكل ما هو آت قريب“.
وقال إبراهيم بن أدهم:“من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل ،ومن أطلق بصره طال أسفه،ومن أطلق أمله ساء عمله ،ومن أطلق لسانه قتل نفسه“.
وقال بلال بن سعد:“أربع خصال جاريات عليكم من الرحمن مع ظلمكم أنفسكم وخطاياكم:أما رزقه فدار عليكم،وأما رحمته فغير محجوبة عنكم،وأما ستره فأسبغ عليكم،وأما عقابه فلم يعجل لكم.ثم أنتم على ذلك لاهون،تجترئون على إلهكم،أنتم تكلمون،ويوشك الله تعالى يتكلم وتسكتون،ثم يثور من أعمالكم دخان تسود منه الوجوه{واتَّقُوا يوماً تُرجَعُونَ فيهِ إلى الله ثم تُوفَّى كُلُّ نفسٍ ماكَسبتْ وهُم لايُظلمون}[البقرة 281].
وقال عون بن عبد الله:“ما أنزل الموت كنه منزلته من عدّ غداً من أجله،كم من مستقبلٍ يوماً لا يستكمله،وكم من مؤمل لغد لا يدركه،إنكم لو رأيتم الأجل ومسيره لبغضتم الأمل وغروره“.
وجاء في أطواق الذهب للزمخشري(المقالة التسعون):
„قِصرُ أجلٍ،وطولُ أملٍ،وتقصيرٌ في عمل.شدَّ ما أقفلَ السّهوُ قلوبَ القوم،وخاطَ عيونهم كرى النوم،فجفوا عن النظر والاعتبار،وزلُّوا عن الإبصار والاستبصار“.
وقال مصطفى السباعي رحمه الله:“لا يجزع من الموت إلا من ساء عمله وطال أمله ،ولا يخشى من الفقر إلا من ساء بالله ظنه وتقاعست عن السعي عزيمته“.
العلاج:
1 ـ المؤمن بين الرجاء والخوف
يقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله:
„على المؤمن أن يكون بين الخوف من عقاب الله والرجاء لعفوه،يذكر أن الله سريع الحساب،وأنه شديد العقاب فيغلب عليه الخوف،ويذكر أنه عفو رحيم وأنه أرحم الراحمين فيغلب عليه الرجاء،فإن ملأ قلبه الخوف وحده يكون قد يئس من رحمة الله{إنَّهُ لا ييأسُ من رَّوحِ الله إلا القومُ الكافرون}[يوسف87]وإن ملأ قلبه الرجاء وحده يكون قد أمن مكر الله{فلا يَأمَنُ مَكْرَ الله إلا القومُ الخاسرونَ}[الأعراف99]،والمؤمن ينبغي أن يكون بين الخوف والرجاء إذا وقف في الصلاة فقال الرحمن الرحيم استشعر الرجاء به،وإن قال مالك يوم الدين أحسّ الخوف.وأكثر المسلمين اليوم غلبوا الرجاء على الخوف والأمل بالعفو على توقي العقاب“.
ويقول الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله(في رحاب سورة الحجر ـ فتح باب الرجاء والأمل):
„يقول تعالى:{نَبّىءْ عبادي أنّي أنا الغفورُ الرحيم}[الحجر49]،وبهذا يرجي الناس،ويفتح لهم باب الرجاء والأمل ،حتى لا ييأسوا من رَوح الله: {ولا تيئسوا من رَوح الله إنه لا ييئس من رَّوح الله إلا القومُ الكافرون}[يوسف 87]،ولا يقنطوا من رحمة الله:{لا تقنطوا من رحمة الله إنَّ الله يغفر الذنوبَ جميعاَ إنه هو الغفور الرحيم}[الزمر 53]،{ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون}[الحجر56].
فهذا هو الرجاء،ثم يأتي بعد ذلك الخوف،ليجتمع الرجاء والخوف:{نبىء عبادي أنّي أنا الغفور الرحيم*وأنَّ عذابي هو العذابُ الأليم}[الحجر 49 ـ 50].لا يغرنكم مغفرتي ورحمتي،فتتكلوا عليها،وتفعلوا ما فعل اليهود الذين قال الله عنهم:{فَخلفَ مِن بَعدهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكتابَ يَأخذونَ عَرَضَ هذا الأدنى ويقولونِ سَيُغفرُ لنا وإن يأتِهِمْ عَرَضٌ مثلُهُ يأخذوه}[الأعراف169]،لاتتكلوا على المغفرة،لابد أن تخافوا أيضاً من بطشي ومن عذابي.
وعذاب الله ليس عذاباً هيّناً:{وأنَّ عذابي هوَ العذابُ الأليم}،فانظر إلى هذه المؤكّدات:“إنّ“وإضافة العذاب إلى الله عز وجل“عذابي“وضمير الفصل:“هو“،ووصف العذاب بأنه“العذاب الأليم“،أي المؤلم الموجع.فكل هذه مؤكّدات تدل على شدة العذاب.
ويتابع الشيخ القرضاوي حفظه الله:“ولكن نجد فرقاً بين الصفتين،الأولى:{نبىء عبادي أنّي أنا الغفورُ الرحيمُ}،فجعل المغفرة والرحمة من أسمائه وصفاته،أنا الغفور الرحيم ،ولم يقل هنا:وأني أنا المُعذّب.لا يوجد من أسمائه الحسنى:المُعذب.
فهناك ذَكر الأسماء،وهنا ذكر الأفعال،“وأنّ عذابي“،فالعذاب من أفعاله،والمغفرة والرحمة من أسمائه وصفاته،وفرق بين الفعل وبين الاسم والصفة.
„وأنّ عذابي هو العذاب الأليم„،وهذا يدلنا على أنّ الرجاء اغلب،وأنّ رحمة الله أثبت،فقد سبق قوله:{أنّي أنا الغفور الرحيم}على قوله:{وأنَّ عذابي هو العذاب الأليم}،وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“لماقضى الله الخلق،كتب في كتاب ،فهو عنده فوق العرش:إنَّ رحمتي غلبت غضبي“[متفق عليه رواه الشيخان وأحمد والنسائي].
وبهذا علينا أن نخاف عذاب الله ،ونخشى عذابه،كما نرجو رحمته،ونطمع في جنته،كما وصف الله بعض عباده الصالحين،فقال:{يرجون رحمته ويخافون عذابه}[الإسراء57]،وكما وصف الإنسان المؤمن فقال:{أم مَّن هوَ قانتٌ آناءَ الليل ساجداً وقائماً يحذرُ الآخرةَ ويرجو رحمة ربه}[الزمر9]،يحذر من ناحية،ويرجو من ناحية أخرى،وبذلك يكون الإنسان في حالة توازن بين الرجاء والخوف،فلا يغلب عليه الرجاء حتى يأمن مكر الله:{فلا يأمن مكرَ الله إلا القومُ الخاسرون}[الأعراف 99]،ولا يغلب عليه الخوف حتى ييأس من رَوح الله{إنّهُ لا ييئسُ من رَوحِ الله إلا القوم الكافرون}[يوسف89]،وإنما يكون دائماً بين الخوف والرجاء،وهذا شأن المؤمن“.
ويقول الشيخ الدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله(المختار من كنوز السنة ص 84):
„فهذان هما الطّرفان في أمرِ الدين:“أحدهما „طرفُ الأمل والغرور.“الثاني“ طرف اليأس والقنوط.ومن مالَ كلّ الميل إلى الطرف الأول فقد عرفَ ربّه بالرحمة والنعمة،ولم يعرفه بالبطش والنقمة،ومن مال كلّ الميل إلى الطرف الثاني فقد عرفه بضد ذلك.وكلاهما ناقص المعرفة بربّه،ما عرفه حقّ معرفته،ولا قدره حقّ قدره{إنَّ ربّكَ لذو مغفرةٍ للناسِ على ظلمهم وإنّ ربّكَ لشديدُ العقاب}(الرعد 6).
ثمَّ إن العقيدة المتطرفة لا يمكن أن يصلح عليها أمر الخلق ولا يقوم بها نظام العالم،لأن الاستبشار والاتكال داعٍ إلى التفريط والتهاون والتمرد،ولأن اليأس والقنوط داعٍ إلى الإفراط والعنت والحرج وإنما يصلح أمر القلب إذا أخذ حظاً من الرجاء وحظاً من الخوف:هذا من ورائه يسوقه بعصاه،وذاك من أمامه يحدوه برغائبه ومُناه.ولا يكون ذلك إلا إذا اعتدلت العقيدة فكانت وسطاً بين التفريط والإفراط،جامعةً بين أطراف الصفات.وهذا الرأي الوسط،تجدونه عند الأمة الوسط،وهم أهل السُّنّة والجماعة فدونكم رسماً يوضح لكم هذا الصراط المستقيم“.
يقول الشيخ عبد الله خياط:
„آيتان من كتاب الله تجمع بين الخوف والرجاء لتشعر بضرورة تلازمهما وعدم انفراد أحدها عن الآخربالنسبة للمسلم في كل حالاته،الخوف من ربّ العزة وسخطه وأليم عقابه،والرجاء في الرب الرحيم في رحمته وعفوه وفيض نفحاته:{وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مغفرةٍ للنَّاسِ على ظُلمِهِم وإنَّ رَبَّكَ لَشديدُ العقابِ}[الرعد6]،{نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم* وأن عذابي هو العذاب الأليم}.[الحجر 49 ـ 50].
فوعد سبحانه بالمغفرة والصفح الجميل عن المذنبين،ثم أخبر سبحانه وتعالى أنه شديد العقاب في انتقامه من الظالمين ،وقرن بين الخوف والرجاء ليكون العبد على الدوام خائفاً راجياً يعمل المأمور بقدر المستطاع ويتجنب المحظور قياماً بطاعة الله وأملاً في ثوابه.
ويقول داود الطائي رحمه الله:“مايعول إلا على حسن الظن ،فأما التفريط فهو المستولي على الأبدان.ويقول أيضاً:“اليأس سبيل أعمالنا هذه،ولكن القلوب تحن إلى الرجاء“.
أما الرجاء في المغفرة مع عدم الخوف من الذنب والتمادي في المعصية فذلك سبيل المغرورين الذين خدعهم الشيطان بأمانيه وغروره،فأضحوا من الهالكين:{ولقد أرسلنَا إلى أُمَمٍ من قَبلِكَ فأخذنَاهُم بالبأساءِ والضَّرّاءِ لعلَّهُم يَتضرَّعون* فلولا إذ جاءَهُم بأسُنَا تَضرَّعوا ولَكِنْ قَستْ قُلوبُهُمْ وزَيَّنَ لهُمُ الشَّيطانُ ما كانُوا يعملون *فلمَّا نَسُوا ماذُكِّروا بهِ فَتحنا عَليهمْ أبوابَ كُلَ شيءٍ حتَّى إذا فَرِحُوا بما أُوتُوا أخذنَاهُم بغتةً فإذا هم مُبلسون}.[الأنعام 42 ـ 44].
2ـ الإيمان قول وعمل
يقول سيد التابعين الحسن البصري رحمه الله:
„إن المؤمنين لما جاءتهم هذه الدعوة من الله صدقوا بها،وأفضى يقينها إلى قلوبهم ،خشعت لله قلوبهم وأبدانهم وأبصارهم ،كنت والله إذا رأيتهم رأيت قوماً كأنهم رأي عين ،والله ما كانوا بأهل جدل ولا باطل،ولكنهم جاءهم أمر من عند الله فصدقوا به،فنعتهم الله في القرآن أحسن نعت فقال:{وعِبادُ الرَّحمنِ الذينَ يَمشُونَ على الأرضِ هَوناً وإذا خَاطَبَهُمُ الجاهلونَ قالوا سلاماً}[الفرقان63]والهون:في كلام العرب:اللين والسكينة والوقار{والذينَ يَبيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وقياما* والذين يقولونَ رّبَّنا اصرِفْ عنَّا عذابَ جَهنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غراماً* إنَّها ساءتْ مُستقرَّاً ومُقاما}[الفرقان64 ـ 66],.صدق القوم والله الذي لا إله إلا هو فعملوا،وأنتم تتمنون،وإياكم وهذي الأماني رحمكم الله فإن الله لم يُعط عبداً بأمنيته خيراً في الدنيا والآخرة“.
والأماني (دائرة المعارف الإسلامية سفير)جمع أمنية،وتستعمل بمعنى الرغبة،والبُغية،والغرض،فهي انعكاس لحاجة الإنسان،سواءٌ توجهت إلى مقصد ممكن أو محال،من حيث حكم العقل أو العادة.ويقال:“أمانيٌّ“و“أمانٍ“.
يقول الدكتور حسن هويدي رحمه الله:
„والأماني بدون عمل صالح أي بدون الخضوع لمبدأ المقابلة(التكليف والجزاء،والثواب والعقاب،والجنة والنار)الذي فطر الله عليها الكون والذي يعني مبدأ العدالة لا تأتي بشيء:{ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يُجزَ به}[النساء 123]،وأساس البناء فهو لا ريب على أساس التقابل الذي يستمد وجوده من العدل الإلهي فلاثواب بلا عمل صالح(ورأسه الإيمان){أما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى}[الكهف88]ولاعذاب بلا معصية{ذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون}[السجدة14]،{مايفعل الله بعذابكم إن شكرتم وأمنتم}[النساء147]“.
ويقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله(جدد حياتك ص172):
„سألني بعضهم:أ ليس مصيرنا الجنة نحن المسلمين مصداق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:“من قال لا إله إلا الله دخل الجنة“[رواه البخاري].فنظرت إليه وقدّرت المسافة بين عمله وأمله فوجدتها بعيدة بعيدة.ورأيتُ أنه لا يحفظ من الإسلام إلا ما يظنُّه عوناً على كسله.كالمتسول الذي تغيب عن ذهنه آيات القرآن كلها،فلا يعي منها إلا آية واحدة:{من جاء بالحسنة فلهُ عشرُ أمثالها}[الأنعام 160]،فهو يقرأ الآية ليستدرّ بها الأكفّ ويجمع المال.قلت:ألا تعرف من سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا هذا الحديث وحده؟
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جانب ما رويت يقول:“لايدخل الجنة قتَّات“[رواه البخاري]ويقول:“لا يدخل الجنّة قاطع رحم“[رواه البخاري]ويقول:“لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كِبر“[رواه الترمذي]،ويقول:“ليس منّا من غشَّنا“[رواه مسلم]ويقول:“ليس منّا من لطم الخدود،وشقَّ الجيوب،ودعا بدعوى الجاهلية“[رواه الترمذي]،ويقول:“ليس منّا من خبَّب ـ أي أفسد ـ امرأة على زوجها„[رواه المنذري]،ويقول:“ليس منّا من لم يوقِّر كبيرنا،ويرحم صغيرنا،ويعرف لعالمنا حقه“[رواه الترمذي].
أفنسيت هذه السنن كلّها لأنها تدلك على ما ارتبط بعنقك من واجبات،ولم تعِ إلا ماحسبته حقاً لك وهو الجنة،فأنت تطلبه بلا ثمن؟!“.
ويقول الشيخ الغزالي رحمه الله أيضاً(عقيدة المسلم ص136):
„ومن الناس من وقع على نصوص لم يفهمها،وحاول أن يشغب بها على القواعد المقررة.
وكم تدور على ألسنة العامة أحاديث شتى.
مثل ما رواه أنس رضي الله عنه:أن النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ رديفه على الرحل قال:“يا معاذ،قال:لبيك يا رسول الله وسعديك،ثلاثاً.قال:مامن أحدٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صِدقاً من قلبه إلا حرّمهُ الله على النار.قال:يا رسول الله أفلا أُخبرُ به الناس فيستبشروا؟قال:إذن يتَّكلوا!“[رواه مسلم]
وأخبر بها مُعاذٌ عند موته تأثماً.
بهذا الحديث وأمثاله،تتعلق العامة في نقض بناء الإسلام وهدم أركانه والتهوين من خطر العمل وآثاره،وهو تعلق باطل مردود.
قال الحافظ المنذري:“ذهب طوائف من أساطين أهل العلم إلى أن مثل هذه الإطلاقات التي وردت فيمن قال“لا إله إلا الله دخل الجنة،أو حرم على النار“أو نحو ذلك،ربما كان في ابتداء الإسلام حين كانت الدعوة إلى مجرد الإقرار بالتوحيد،فلما فرضت الفرائض،وحدت الحدود،نسخ ذلك.والدلائل على هذا كثيرة متظاهرة.وإلى هذا ذهب الضحاك،والزهري،وسفيان الثوري وغيرهم.
وقالت طائفة أخرى:لا احتياج إلى ادعاء النسخ في ذلك.فإن كل ماهو من أركان الدين وفرائض الإسلام هو من لوازم الإقرار بالشهادتين وتتماته.فإذا أقر،ثم امتنع عن شيء من الفرائض جحداً أو تهاوناً ـ على تفصيل الخلاف فيه ـ حكمنا عليه بالكفر وعدم دخول الجنة.
والواقع أن ما أجمل في نص يفصّل في نص آخر.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:“أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله، ويُقيموا الصلاة، ويُؤتوا الزكاة،فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم بحقِّ الإسلام،وحسابهم على الله“[متفق عليه]
فهذا الحديث أحصى أعمالاً لم تذكر في حديث النطق بالشهادتين،وهو تفسير لقول الله تعالى:{فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدِّين}[التوبة11]،وقوله من قبل:{فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلّوا سبيلهم}[التوبة5].
إن النطق بالشهادتين بداية لما بعده من اعتقاد وعمل،لا ما تحسب الأبصار الكليلة،والهمم القاصرة من أن مجرد النطق فيه الكفاية والغناء.
ويتابع الغزالي رحمه الله:“وهناك ألوف مزقت المعاصي صلتهم بالله شر ممزق،وظلت أهواؤهم تجمح بهم بعيداً عن الله،حتى نسوا الله أتم نسيان.
فلو قارنت بين ضمائرهم وضمائر أهل الجاهلية الأولى.ما وجدت فارقاً بين جحود وجحود،وكنود وكنود!!
ألا إن هؤلاء نطقوا بكلمة التوحيد ولم يفهموها،وأولئك فهموها ولم ينطقوا بها“.
يقول الإمام ابن الجوزي رحمه الله:“يا منفقاً بضاعة العمر في مخالفة حبيبه والبعد عنه ليس في أعدائك أشدّ عليك منك“.
يقول محمود الوراق:
يا غافلاً ترنو بعيني راقدٍ ومُشاهداً للأمرِ غيرَ مُشاهدِ
تَصِلُ الذنوبَ إلى الذنوبِ وترتجي دَرَكَ الجنانِ وفوزَ العابدِ
ونسيتَ أن الله أخرجَ آدماً منها إلى الدنيا بذنبٍ واحدِ
3ـ الدنيا دار ممر لامقر ودار فناء لابقاء
عن عبد الله بن الشّخّيرأنه قال:أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ:{أ لهاكم التكاثر*حتى زرتم المقابر}،قال:يقول ابن آدم: مالي!مالي!وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ،أولبستَ فأبليت،أوتصدّقت فأمضيت“.[رواه مسلم].
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:“أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي،فقال:كن في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سبيل،وكان ابن عمر يقول:“إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح،وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء.وخذ من صحتك لمرضك،ومن حياتك لموتك„[رواه البخاري]
وورد في السنة النبوية،قوله صلى الله عليه وسلم:“لو أن لابن آدم وادياً من مالٍ لتمنى واديين،ولو أن له واديين لتمنى ثالثاً“[رواه الإمام أحمد في مسنده].
يقول الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه:
„إن الله عز وجل إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة،ولم يعطكموها لتركنوا إليها،إن الدنيا تفنى والآخرة تبقى،فلا تبطركم الفانية ولا تشغلكم عن الباقية،فآثروا ما يبقى على ما يفنى،فإن الدنيا منقطعة وإن المصير إلى الله“.
وورد عن ضرار الصدائي في وصف الإمام علي كرم الله وجهه إذ يقول عنه أنه كان يستوحش من الدنيا وزخرفها،ويأنس بالليل ووحشته،ويقول عنه أشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغابت نجومه واقفاً في محرابه ،قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم،ويبكي بكاء الحزين ويقول:“يا دنيا غُرّي غيري.إليَّ تعرضت،أم إليَّ تشوّقت،هيهات هيهات،قد باينتك ثلاثة لا رجعة فيها:فعمرك قصير،وحسابك يسير،وخطرك حقير.آه من قلّة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق“.
ويقول الإمام علي رضي الله عنه:“الدنيا جيفة فمن أراد منها شيئاً فليصبر على مخالطة الكلاب“.
ويقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه:“ارتحلت الدنيا مدبرة،وارتحلت الآخرة مقبلة،ولكل واحدة منها بنون،فكونوا من أبناء الآخرة،ولا تكونوا من أبناء الدنيا،فإن اليوم عمل ولا حساب،وغداً حسابٌ ولا عمل“[صحيح البخاري]
ويقول الإمام علي رضي الله عنه:“من كان يأمل أن يعيش غداً،فهو يأمل أن يعيش أبداً،ومن كان يأمل أن يعيش أبداً يقسو قلبه،ويرغب في دنياه،ويزهد فيما لدى ربه عز وجل(الكشكول للعاملي ج3 ص395]
ويقول الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:
„إن لكل سفر زاد لامحالة،فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة،وكونوا كمن عاين ما أعدّ الله من ثوابه وعقابه ترغبوا وترهبوا.ولا يطولن عليكم الأمل فتقسو قلوبكم وتنقادوا لعدوكم،فإنه والله ما بسط أمل من لايدري لعلّه لا يصبح بعد مسائه،ولا يُمسي بعد صباحه،ولربما كانت بين ذلك خطفات المنايا،فكم رأيت ورأيتم من كان بالدنيا مغتراً وإنما تفرّ عين من وثق بالنجاة من عذاب الله،وإنما يفرح من أمن أهوال يوم القيامة،فأما من لايداوي كَلَماً إلا أصابه جرح في ناحية أخرى فأعوذ بالله أن آمركم بما أنهى عنه نفسي فتخسر صفقتي،وتظهر عيبتي،وتبدو مسكنتي،في يوم يبدو فيه الغنى والفقر والموازين منصوبة،ولقد عنيتم بأمر لو عنيت به النجوم لانكدرت،ولو عنيت به الجبال لذابت،ولو عنيت به الأرض لتشققت،أما تعلمون أنه ليس بين الجنة والنار منزلة،وأنكم صائرون إلى إحداهما“.
يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه:
„يا أخي!إن الدنيا دحض مزلة،ودار مذلة،وعمرانها إلى الخراب صائر،وساكنها للقبور زائر،شملها على الفرقة موقوف،وغناها إلى الفقر مصروف،الإكثار فيها إعسار،والإعسار فيها يسار،فافرغ إلى الله وارض برزق الله تعالى،ولا تستلف من دار بقائك في دار فنائك وإن عيشك فيء زائل وجدار مائل،وأكثر من عملك وأقصر من أملك“.
ويقول الشافعي أيضاً:“من غلبته شدّة الشهوة للدنيا لزمته العبودية لأهلها“.
وسئل الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه عن الزهد في الدنيا فقال:“قصر الأمل،من إذا أصبح قال لا أمسي“.
وقال الإمام ابن الجوزي في صيد الخاطر:
„من تفكر في عواقب الدنيا أخذ الحذر،ومن أيقن بطول الطريق تأهب للسفر.ما أعجب أمرك يا من يوقن بامر ثم ينساه ،ويتحقق ضرر حال ثم يغشاه ،وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه.تغلبك نفسك على ماتظنّ،ولا تغلبها على ما تستيقن.أعجب العجائب سرورك بغرورك،وسهوك في لهوك عما قد خُبىء لك.تغترّ بصحتك وتنسى دنو السقم ،وتفرح بعافيتك غافلأً عن قرب الألم“.
ويقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله:
„وأما حب الدنيا فالعلاج في إخراجه من القلب شديد وهو الداء العضال الذي أعيا الأولين والآخرين،علاجه ولا علاج له إلا الإيمان باليوم الآخر بما فيه من عظيم العقاب وجزيل الثواب،ومهما حصل له اليقين بذلك ارتحل عن قلبه حب الدنيا،فإنّ حبّ الخطير هو الذي يمحو عن القلب حب الحقير.فإذا رأى حقارة الدنيا ونفاسة الآخرة استنكف أن يلتفت إلى الدنيا كلها وإن أعطي ملك الأرض من المشرق إلى المغرب،وكيف وليس عنده من الدنيا إلا قدر يسير،مكدر منغص،فكيف يفرح بها أو يترسخ في القلب حبها مع الإيمان بالآخرة“.