طول الأمل والغرور الكاذب (3/3)
- ١ طول الأمل والغرور الكاذب
- ٢ طول الأمل والغرور الكاذب
- ٣ طول الأمل والغرور الكاذب
ويقول الحسن البصري رحمه الله:“لو رايت الأجل ومروره،لنسيت الأمل وغروره“.
وقال داود الطائي رحمه الله:“من خاف الوعيد قصر عليه البعيد،ومن طال أمله ضعف عمله،وكل ماهو آت قريب“.وقال:“واعلم يا أخي أن كل شيء يشغلك عن ربك فهو عليك مشؤوم،واعلم أن أهل الدنيا جميعاً من أهل القبور،إنما يفرحون بما يقدمون،ويندمون على ما يخلفون عليه أهل القبور ندموا وعليه أهل الدنيا يقتتلون وفيه يتنافسون وعليه عند القضاة يختصمون“.
وقال داود الطائي يوصي عبد الله ابن إدريس:“أقلل معرفة الناس،وارض باليسير من الدنيا مع سلامة الدين،كما رضي أهل الدنيا بالدنيا مع فساد الدين،واجعل الدنيا كيوم صمته ثم أفطر على الموت“.
وكتب يوسف بن أسباط إلى أخيه عبد الرحمن كتاباً جاء فيه:
سلام عليك….فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو.
أما بعد:فإني أحذرك من متحوّلك من دار مهلتك إلى دار إقامتك،وجزاء أعمالك،فتصير في قرار باطن الأرض بعد ظاهرها،فيأتيك منكر ونكير فيقعدانك،فإن يكن الله معك،فلا بأس ولا وحشة ولا فاقة،وإن يكن غير ذلك فأعاذني الله وإياك من سوء مصرع،وضيق مضجع،ثم يتبعك صيحة الحشر ونفخ الصور،وقد قام الجبار بعد فصل القضاء للخلائق،فخلت الأرض من أهلها،والسماوات من سكانها،فبادرت الأسرار،وسُعرّت النار،ووُضعت الموازين،{وجِيءَ بالنَّبيينَ والشُّهداءِ وقُضيَ بينهُم بالحقِّ}[الزمر 69] فكم من مفتضح ومستور،وكم من هالك وناج،وكم من معذب ومرحوم،فياليت شعري:ما حالي وحالك يومئذٍ!!ففي هذا ماهزم اللذات،وسلا عن الشهوات،وقصر الأمل ،واستيقظ الباغون،وحذر الغافلون،أعاننا الله وإياك على هذا الخطر العظيم،وأوقع الدنيا والآخرة من قلبي وقلبك موقعها بين قلوب المتقين،فإنما نحن به وله.خوف…وأمن“.
وقال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله:
„هل تعرفون السراب؟إن الذي يسلك الصحراء يراه من بعيد كأنه عين من الماء الزلال،فإذا كدّ الركاب وحثّ الصحاب،ليبلغه لم يلق إلا التراب.هذه هي ملذات الحياة إنها لا تلذ إلا من بعيد،يتمنى الفقير المال،يحسب أنه إذا أعطي عشرة آلاف ليرة، فقد حيزت له الدنيا،فإذا أعطيها فصارت في يده لم يجد تلك اللذة التي كان يتصورها وطمع في مائة الألف،إنه يحس الفقر بها في يده كما يحس الفقر إليها يوم كانت يده خلاء منها،ولو أعطي المائة الألف لطلب المليون،ولو كان لابن آدم واد من ذهب لابتغى له ثانيا،ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب“.
وخطب أحدهم فقال:“أما بعد،فإن الدنيا دار ممر،والآخرة دار مقر،فخذوا من ممركم لمقركم ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم،وأخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم،ففيها حييتم،ولغيرها خُلقتم،اليوم عمل بلا حساب،وغداً حساب بلا عمل،إن
الرجل إذا هلك قال الناس:ما ترك؟وقالت الملائكة:ما قدّم ؟
يقول أبو العتاهية:
الله أصدقُ والآمالُ كاذبةٌ وجُلُّ هذى المنى في القلب وَسواسُ
ويقول أبو تمام:
من كان مَرتعُ عزمهِ وهُمومهِ رَوضَ الأماني لم يزلْ مهزولا
وقال أحدهم:
لا تمنَّ المنى فتغترَّ جهلاً طالما اغترَّ بالمنى الجهلاء
وقال أحدهم:
كُلنا يأملُ مداً في الأجل والمنايا هُنَّ آفاتُ الأمل
وقال أحدهم:
ونستلذُّ الأماني وهيَ مُرديةٌ كشاربِ السّمِّ ممزوجاً مع العسلِ
وقال أحدهم:
أيُّها السكرانُ بالآ مالِ قد حان الرحيلْ
ومَشيبُ الرأسِ والفو دين للموتِ دليلْ
فانتبهْ من رَقدةِ الغف لة فالعمرُ قليلْ
واطرح(سوف)و(حتى) فهما داءٌ دخيلْ
4 ـ تذكر الموت والاعتبار بالموتى وزيارة القبور
حديث شريف:“عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي وقال:كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل“[رواه البخاري]
عن أنس رضي الله عنه قال:خطَّ النبي صلى الله عليه وسلم خُطوطاً فقال:“هذا الأمل،وهذا أجله.فبينما هو كذلك إذ جاءه الخطُّ الأقرب“[رواه البخاري].
يقول الدكتور محمد الصباغ رحمه الله:
„هناك خطّان:خطٌّ بعيد وخطٌّ قريب.فبينما يعيش المرء في الآمال العريضة الواسعة يأتيه الخطُّ الأقرب أي الأجل.
وفي حديث آخر:قال بريدة:قال النبي صلى الله عليه وسلم:“هل تدرون ما مثل هذه وهذه؟ورمى بحصاتين.قالوا:الله ورسوله أعلم.قال :هذاك الأمل وهذاك الأجل„[رواه الترمذي].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً“.[رواه البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأبي هريرة وأنس بن مالك رضي الله عنهم،ورواه مسلم وغيره]
وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم غرز بين يديه غرزاً ثم غرز إلى جنبه آخر،ثم غرز الثالث فابعده.ثم قال:هل تدرون ماهذا؟قالوا:الله ورسوله أعلم .قال:هذا الإنسان،وهذا أجله،وهذا أمله.يتعاطى الأمل يختلجه دون ذلك[رواه الإمام أحمد].
(أي:يحول الأجل بينه وبين الأمل)فبين أن الأجل قد يكون حائلاً دون الأمل.
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه:“الموت أهون مما بعده وأشدّ مما قبله“.
دخل علي بن أبي طالب رضي الله عنه المقابر فقال:“أما المنازل فقد سُكنت،وأما الأموال فقد قُسمت،وأما الأزواج فقد نُكحت ،هذا خبر ما عندنا فما خبر ماعندكم؟ثم قال:“والذي نفسي بيده لو أُذن لهم في الكلام لأخبروا أن خير الزاد التقوى(البيان والتبيين للجاحظ).
وعن هانىء مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه قال:“كان عثمان رضي الله عنه إذا وقف على قبر يبكي حتى يبلّ لحيته،قال:فقيل له:تذكر الجنة والنار ولا تبكي،وتبكي على هذا؟فقال:إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:“القبر أول منزل من منازل الآخرة فإن نجا منه فما بعده أيسر منه،وإن لم ينج منه فما بعده أشدّ منه.وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“ما رأيت منظراً إلا والقبر أفظع منه“.[رواه أحمد والترمذي وحسنه الألباني]
ويقول الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:“إن أجل الدنيا في أعناقكم،وجهنم أمامكم،وما ترون ذاهب،وما مضى فكأن لم يكن،وكلكم أموات عن قريب،وقد رأيتم حالات الميت وهو يسوق،وبعد فراغه وقد ذاق الموت والقوم حوله يقولون قد فرغ رحمه الله ،وعاينتم تعجيل خراجه وقسمة تراثه،ووجهه مفقود وذكره منسي،وبابه مهجور،وكأنه لم يخالط إخوان ولم يعمر الديار،فاتقوا هول يوم لاتحقر فيه مثقال ذرة في الموازين“.
ويقول أيضاً رضي الله عنه:“ألا ترون أنكم تجهزون كل يوم غادياً أو رائحاً إلى الله عز وجل تضعونه في صدع من الأرض وقد توّسد التراب،وخلّف الأحباب،وقطع الأسباب“.
ويقول أبو الدرداء رضي الله عنه:“إذا ذكرت الموتى فُعد نفسك كأحدهم“.
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:“شرُّ العَذَل(أي الملامة والعتب) عند الموت،وشر الندامة يوم القيامة“.
يقول الحسن البصري رحمه الله:“من علم أن الموت مورده،والقيامة موعده،والوقوف بين يدي الله تعالى مشهده،فحقّه أن يطول في الدنيا حزنه“.
ويقول أيضاً:“ما بَعُدَ أملٌ إلا مُلَّ عمل“.
وقال داود الطائي:“يا ابن آدم ارتحلك الحرص فأنساك أجلك،ونصب لك أملك،ورب حريص محروم،وواجد مذموم“.
وقال الأحنف بن قيس:“كثرةُ الأماني من غرور الشيطان“.
ويقول حجّة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله:
„اعلم أن المنهمك في الدنيا،المحبّ لشهواتها يغفل قلبه لا محالة عن ذكر الموت فلا يذكره،وإذا ذُكّر به كرهه ونفر منه،أولئك هم الذين قال الله فيهم:{قُلْ إنَّ الموتَ الذي تَفِرُّونَ منهُ فإنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالمِ الغيبِ والشَّهادةِ فَيُنبئكُم بما كُنتم تعملون}.[الجمعة 8].
ويقول الغزالي أيضاً رحمه الله:
„وعلاج تقدير الموت في القلب مثل النظر إلى من مات من الأقران والأمثال،وأنهم كيف جاءهم الموت في وقت لم يحتسبوا،أما من كان مستعداً فقد فاز فوزاً عظيماً،وأما من كان مغروراً بطول الأمل فقد خسر خسراناً مبيناً،فلينظر الإنسان كل ساعة في أطرافه وأعضائه وليتدبر كيف تأكلها الديدان لا محالة،وكيف تتفتت عظامها،وليتفكر فما على بدنه شيء إلا وهو طعمة الدود،وماله من نفسه إلا العلم والعمل الخالص لوجه الله تعالى“.
ويقول الغزالي أيضاً:
„إن الموت هائل وخطره عظيم وغفلة الناس عنه لقلة فكرهم فيه وذكرهم له،ومن يذكره ليس يذكره بقلب فارغ بل بقلب مشغول بشهوة الدنيا فلا ينجع ذكر الموت في قلبه،فالطريق فيه أن يفرغ العبد قلبه عن كل شيء إلا عن ذكر الموت الذي هو بين يديه،كالذي يريد أن يسافر إلى مفازة مخطرة أو يركب البحر فإنه لا يتفكر إلا فيه،فإذا باشر ذكر الموت قلبه فيوشك أن يؤثر فيه وعند ذلك يقل فرحه وسروره بالدنيا،وينكسر قلبه،وأنجع طريق فيه أن يكثر ذكر أشكاله وأترابه الذين مضوا قبله فيتذكر موتهم ومصارعهم تحت التراب،ويتذكر صورهم في مناصبهم وأحوالهم،ويتأمل كيف محا التراب الآن حسن صورهم ،وكيف تبددت أجزاؤهم في قبورهم،وكيف ضيعوا أموالهم،وخلت منهم مساجدهم ومجالسهم وانقطعت أثارهم،فمهما تذكر رجل رجلاً وفصل في قلبه حاله وكيفية موته وتوهم صورته وتذكر نشاطه وتردده للعيش والبقاء ونسيانه للموت،وانخداعه بمواتاة الأسباب وركونه إلى القدرة والشباب،وميله إلى الضحك واللهو وغفلته عما بين يديه من الموت الذريع والهلاك السريع“.
يقول أبو حازم:“الدنيا غرّت أقواماً فعملوا فيها بغير الحق،فلما جاءهم الموت خلّفوا مالهم لمن لايحمدهم،وصاروا إلى من لا يعذرهم“.
يقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله:
„ونحن لا نعرف من الموت إلا ظاهره دون حقيقته،نراه عدما،ونندب القريب والحبيب إن وضعناه في حفرة باردة،وخلّفناه وحيداً،تأكله الدود،وليس حبيبك الذي أودعته الحفرة ولكن جسده،والجسد ثوب يخلع بالموت،كما تخلع الحية ثوبها،فهل يبكي أحد على ثوب خلع،وما الموت إلا انتقال إلى حياة أرحب وأوسع ،إلى النعيم الدائم أو الشقاء الطويل،ولو كان الموت فناء لكان نعمة
ولو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت راحة كل حيّ
ولكنا إذا متنا بُعثنا ونُسأل بعدها عن كل شيء
فإذا كان الموت سفرة لابدّ منها فالعاقل من تهيأ لها،وأعدّ لها الزاد والراحة،وذكرها دائماً كيلا ينساها،ونظر في كل شيء،فإن كان مما يستطيع أن يحمله فيها حرص عليه،وإن كان مجبراً على تركه وراءه زهد فيه وانصرف“.
ويقول الشيخ علي الطنطاوي أيضاً:
„الإنسان ينسى الموت ولكن المؤمن يذكره دائماً،ويكون أبداً على استعداد لاستقباله ،يستعد بالتوبة والاستغفار وردّ الحقوق،كلما أصبح وكلما أمسى حاسب نفسه،فشكر الله عما وفقه إليه من خير،واستغفره مما وقع منه من شر،يذكر الآخرة ويخاف يوماً تتقلّب فيه الوجوه والأبصار،يخشى ما بعد الموت من العذاب ويرجو مابعده من المكافأة ويستعين على ذلك بالصبر والصلة وفعل الخير ابتغاء رضى الله واحتساباً لما عنده“.
ويقول أيضاً رحمه الله:
„والموت أبداً،أبعد شيء في أفكارنا عنا،وإن كان أقرب شيء في حقيقته منا،نتناساه وهو عن أيماننا وشمائلنا،نُشيّعُ الجنائز،ونمشي معها ونحن في غفلة عنها،نتكلم كلام الدنيا ونرى مواكب الأموات تمر بنا كل يوم فلا نفكر ولا نعتبر ولا نقدّر أننا سنموت كما ماتوا،ومات من كان اصحَّ منا صحّة،وكان أشدّ منا قوّة،وأكبر سلطاناً،وأكثر أعواناً،فما دفعت عنه الموت لما جاءه صحبه ولا قوته،ولا حماه منه سلطانه ولا أعوانه،نعرف بعقولنا أن الموت كاس سيشرب منها كل حي،لكننا ننسى هذه الحقيقة بشعورنا وعواطفنا وتحجبها عنا شواغل يومنا،وتوافه دنيانا،يقول كل واحد بلسانه:إن الموت حق وأنه مقدّر على كل حي،ويقول بعقله:لن أموت،لقد كتب الموت على كل نفس إلا نفسي،فلا يزال في العمر فسحة لي دائماً،ولن يأتي أجلي أبداً“.
ويقول الإمام الحسن البصري:
„إنكم أصبحتم في أجل منقوص،وعمل محفوظ،والموت في رقابكم والنار بين أيديكم،وما ترون والله ذاهب فتوقفوا قضاء الله في كل يوم وليلة ولينظر امرؤ ماقدّم لنفسه“.
وقيل للحسن البصري:ما بالنا نحب الحياة ونكره الموت؟فقال:لأنكم عمرتم دنياكم بخراب آخرتكم،فأنتم تكرهون الانتقال من العمران إلى الخراب“.
يقول ابن الجوزي في صيد الخاطر:“
„لقد أراك مصرع غيرك مصرعك،وأبدى مضجع سواك ـ قبل الممات ـ مضجعك ـ وقد شغلك نيل لذاتك عن ذكر خراب ذاتك:
كأنّك لم تسمع بأخبار من مضى ولم تر في الباقين ما يصنع الدهر
فإن كنت لاتدري فتلك ديارهم محاها مجال الريح بعدك والقبر
وكم رأيت صاحب منزل مانزل لحده حتى نزل!
وكم شاهدت والي قصر وليّه عدّوه لما عزل!
فيامن كل لحظة إلى هذا يسري،وفعله فعل من لا يفهم ولا يدري
وكيف تنام العين وهي قريرة؟ ولم تدر من أي المحلين تنزل؟
قال داود الطائي سألت عطوان بن عمرو التميمي عن قصر الأمل،فقال:مابين تردد النفس.فحدّثت بذلك الفضيل بن عياض،فبكى وقال:يقول:يتنفس،فيخاف أن يموت قبل أن ينقطع نفسه،لقد كان عطوان من الموت على حذر“.
قال لقمان الحكيم لابنه:
„يا بني خذ عني هذه الخصال الثماني:الأولى إذا كنت بين الصلاة فاحفظ قلبك،والثانية إذا كنت بين الناس فاحفظ لسانك،والثالثة إذا كنت بين النعمة فاحفظ خلقك،والرابعة إذا كنت في دار الغير فاحفظ عينك،وأما الأربعة الأخيرة:فكن ذاكراً أبداً لشيئين:الخالق والموت،وكن ناسياً أبداً لشيئين:إحسانك في حق الغير،وإساءة الغير في حقك“.
وقال أحدهم:“من رأى الموت بعين أمله وجده بعيداً،ومن رآه بعين عقله وجده قريباً“.
وقال أحدهم:“الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا“.
5 ـ القرابة والنسب لاتفيد إذا لم يقترن بها العمل الصالح:
سمع الحسن البصري رحمه الله رجلاً يقول:المرء مع من أحب يوم القيامة.فقال له:لا يغرنك يا أخي هذا القول فإنك لن تلحق بالأبرار حتى تعمل بأعمالهم،فإن اليهود والنصارى يحبون أنبياءهم وليسوا معهم في الجنة لتخلفهم عنهم في الأعمال ومخالفتهم لهم.واعجباً من قوم أُمروا بالزاد ونودوا بالرحيل وهم جلوس يضحكون فإن من كان الليل والنهار مطيته فهو يُسار به ولا يشعر“.
ويقول سيد قطب رحمه الله:
„وهنا يقرر قاعدة من قواعد التصور الإسلامي في ترتيب الجزاء على العمل بلا محاباة لأمة ولا لطائفة ولا لفرد،إنما هو الإسلام والإحسان لا الإسم والعنوان.فسمة الإسلام هي الوحدة بين الشعور والسلوك،بين العقيدة والعمل،بين الإيمان القلبي والإحسان العملي،بذلك تستحيل العقيدة منهجاً للحياة كلها“.
ويقول سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى:{قُلْ إن كُنتُم تُحبُّونَ الله فاتَّبعوني يُحبِبكُمُ اللهُ ويغفرْ لكُم ذُنُوبَكُم والله غفورٌ رحيمٌ*قُلْ أطيعُوا اللهَ والرَّسُولَ فإن تولَّوا فإنَّ اللهَ لايُحِبُّ الكافرينَ}[آل عمران 31 ـ 32].
يقول:“إن حبّ الله ليس دعوى باللسان ولا هياماً بالوجدان إلا أن يصاحبه اتباع كامل لرسول الله صلى الله عليه وسلم والسير على هداه وتحقيق منهجه في الحياة،وإن الإيمان ليست كلمات تقال ولا مشاعر تجيش ولا شعائر تقام،ولكنه طاعة لله وللرسول وعمل بمنهج الله الذي يحمله الرسول صلى الله عليه وسلم.
يقول الإمام ابن كثير رحمه الله عن الآية الأولى:هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأعماله.كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:“من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد“.[رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها].
ومن كلام ذي النون المصري:“من علامات المحب لله متابعة حبيب الله في أخلاقه وأفعاله وأمره وسننه“.
وجاء في مجلة المنار العدد130:
„غرّ أمة ممن كان قبلنا دينهم،فحسبوا أن انتسابهم إليه هو كافلهم وضمينهم،وناصرهم ومعينهم،فقصّروا في الأعمال،واستبدلوا النقص بالكمال،فحلّ بهم الخزي والنكال،وما أغنى عنهم الانتساب إلى الأنبياء،والاعتماد على الأصفياء،والاستمداد من الأولياء،ولا أفادهم قولهم نحن شعب الله،الذي فضله على العالمين واصطفاه،وحملة كتابه التوراة:{ألم ترَ إلى الذين أُوتُوا نصيباً من الكتابِ يُدعونَ إلى كتابِ الله لِيَحكُمَ بينهُم ثُمَّ يَتولَّى فريقٌ منهُم وهُم مُعرضون*ذلكَ بأنَّهُم قالوا لَن تمَسَّنا النَّارُ إلا أيَّاماً مَعدوداتٍ وغَرّهُم في دِينهم ما كانُوا يفترون}[آل عمران 23 ـ 24].
الغرور في الدين،هو الجرثومة التي تولدت منها جميع أمراض المسلمين،كما حلّ بمن كان قبلهم،وحذروا أن يكونوا مثلهم،فقد جاء في الحديث المتفق على صحته:“لتتبعنَّ سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع“والمسلمون يعترفون بهذا إجمالاً ولكنهم ينكرونه عند التفصيل.
تولدت جراثيم هذا الغرور بالدين في العصر الأول عندما فتح المسلمون البلاد،ودوخوا العباد،وجلسوا على كرسي السيادة،وضموا عليهم قطري السعادة،فحسبوا أنهم غمروا بهذا الأنعام،لمجرد انتسابهم للإسلام،ثم دلهم القياس الفاسد على أن هذا اللقب(المسلمون)يعطيهم سعادة الآخرة كما أعطاهم سعادة الدنيا وكان لهم من الأحاديث الموضوعة وسوء فهم الصحيحة ما يؤيد القياس،ويمد الوهم والالتباس،فقصروا فيما أمرهم الدين من الإصلاح للدنيا،كما قصروا في عمل الصلاح للأخرى،فأخذهم العذاب من حيث لا يشعرون:{وما كانَ رَبُّكَ لِيُهلِكَ القُرى بِظُلمٍ وأهلُها مُصلحون}[هود 117].
وياليتهم إذا عذبوا بسلب سعادة الدنيا رجعوا إلى قياسهم وخافوا أن يحرموا سعادة الآخرة أيضاً إذا هم استرسلوا في هذا الغرور،ولم يخرجوا من هذا الديجور،ثم رجعوا إلى أنفسهم،وبحثوا عن اسباب سعادة سلفهم،وتبينوا أنها الأعمال،لا الأماني والآمال،ثم استنوا بسنتهم،واستقاموا على طريقتهم،ولم يتكلوا على شفاعتهم،ويجعلوها مناط سعادتهم،واعتبروا بقول خليل الرحمن،عليه الصلاة والسلام إذ قال لأبيه:{لأستغفرنَّ لكَ وما أملِكُ لكَ من الله من شيءٍ}[الممتحنة 4]وبما كان من حرص النبي صلى الله عليه وسلم من إيمان عمه أبي طالب.نعم وإن اعتقاد الخلف أنهم يسعدون في الدنيا بإمداد سلفهم تكذيب للحس والعيان،واعتقاد أنهم ينجون في الآخرة إعراض عن القرآن والسنة،فالاحتجاج بعد هذا بقول فلان وورد فلان جنون:{أمْ حَسِبَ الذين اجترَحُوا السيئاتِ أن نَّجعلَهُم كالذين آمنوا وعَملوا الصالحاتِ سَواءً مَّحياهُم ومَماتُهُم ساءَ ما يحكمون}.[الجاثية 21].
فعلمنا مما تقدم أن أمراض المسلمين الاجتماعية التي جعلتهم وراء الأمم كلها حتى التي كانوا يسودونها ترجع إلى داء واحد وهو الغرور في دينهم وفهمه على غير وجه،وأن شفاء هذا الداء ليس بمحال ولا متعذر وإنما المتعذر إصلاحهم مع بقائه وأن الدواء الذي يذهب به هو السير بالتربية والتعليم على سنن الكون وأصول الأجتماع وإقناعهم بأن ارتقاء المسلمين بدينهم في القرون الأولى لم يكن لسر خفي في الدين ،ولا لحب الله تعالى لذوات الذين تسموا بالمسلمين ،لأن الله منزه عن عشق الذوات والأعيان،وأفعاله لا تعلل بالأغراض كأفعال الإنسان،وإنما ارتقوا به لأنه أرشدهم إلى سنن الارتقاء،وهداهم إلى الصفات والأفعال التي بها السمو والاعتلاء“.
ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد:
„ومن تأمل في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين له بالشهادة وأنه صادق فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإسلام علم أن الإسلام أمر وراء ذلك وأنه ليس بمجرد المعرفة ولا المعرفة والإقرار فقط،بل المعرفة والإقرار والانقياد والتزام طاعته ودينه ظاهره وباطنه“.
ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله(مشاهد يوم القيامة ص121):
„امرأة نوح وهو نبي وامرأة لوط وهو نبي…تأمل قول الحق سبحانه وتعالى:{ضربَ الله مثلاً امرأةَ نوحٍ وامرأةَ لوطٍ كانتا تحتَ عبدينِ من عبادِنا صالحينِ فخانتاهما فلم يُغنيا عنهما من الله شيئاً وقيلَ ادخُلا النَّارَ مع الدَّاخلين}[التحريم10].
هذه قصة امرأتين كانتا في بيتي نبوة..زولكنهما كفرتا بالله،وارتكبتا الآثام،فكان مصيرهما إلى النار…ولم يشفع لهما أنهما كانتا زوجتي نبيين…لأن أهل الأنبياء هم المؤمنون الذين آمنوا بهم وصدقوا بالرسالة وعملوا بها.
فإذا انتقلنا بعد ذلك إلى ابن نوح،وقد رفض أن يؤمن،وأصرّ على الكفر،فلم يغن عنه أنه ابن رسول ونبي…وعندما أراد نوح أن يستغفر الله لابنه وقال“{رَبِّ إنَّ ابني من أهلي}[هود 45]،رد الله سبحانه وتعالى عليه:{إنه ليسَ من أهلك إنه عملٌ غيرُ صالح}[هود46]
وإبراهيم حين أراد أن يشفع لعمه آزر:{وما كانَ استغفارُ إبراهيمَ لابيه إلّا عن موعدةٍ وعدها إياهُ فلمَّا تبيَّنَ له أنّهُ عدوٌّ لله تبرأَ منهُ إنَّ إبراهيم لأوَّاهٌ حليم}التوبة 114].
وهكذا نرى أن الحق سبحانه وتعالى قد أعطانا أمثلة في القرآن الكريم تؤكد لنا أن الإنسان لا يحمل يوم القيامة إلا ما ارتكب من أوزار أو من معاص…وأن كل إنسان يحاسب على عمله…وأن أي نفس لا تحمل إثم أو ذنب أو عقوبة ذنب اقترفته نفس أخرى..“.
وجاء في البيان والتبيين للجاحظ:روى سعيد بن بشير عن أبيه أن عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي قال حين ثَقل وقد رأى غسالاً يلوي ثوباً بيده،وددت لو كنت غسالاً لا أعيش إلا مما أكتسب يوماً بيوم“.فذكر ذلك لأبي حازم فقال:“الحمد لله الذي جعلهم يتمنون ما نحن فيه ولا نتمنى عند الموت ماهم فيه“.
6 ـ المبادرة بالأعمال الصالحات واغتنام الفرص:
{سابقوا إلى مغفرةٍ من رَبّكم وجنّةٍ عرضُها كَعرضِ السّماءِ والأرضِ أُعِدَّت للذينَ آمنوا بالله ورُسُلهِ}[الحديد 21]
{وسارعوا إلى مفغرةٍ من رَبِّكم وجنّةٍ عرضها السّمواتُ والأرضُ أُعدّت للمتقينَ}{آل عمران 133]
حديث عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:“إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح،وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء،وخذ من صحتك لمرضك،ومن حياتك لموتك„[رواه البخاري والترمذي].
„اغتنم خمساً قبل خمس:حياتك قبل موتك،وصحتك قبل سقمك،وفراغك قبل شُغلك،وشبابك قبل هرمك،وغناك قبل فقرك“[حديث صحيح رواه أحمد والحاكم والبيهقي وأبو نعيم]
„بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم،يصبح الرجل مؤمناً ويُمسي كافراً،ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع أحدهم دينه بعرض من الدنيا قليل“[رواه مسلم]
„بادروا بالأعمال سبعاً:هل تنتظرون إلا فقراً منسياً،أو غنى مطغيا،أو مرضاً مفسدا،أو هرماً مفندا،أو موتاً مجهزا،أو الدجال فشرُّ غائب ينتظر،أو الساعة فالساعة أدهى وأمر“[رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه]
جاء في شرح كتاب رياض الصالحين(باب ذكر الموت وقصر الأمل:
„هل تنتظرون إلا فقراً مُنسيا:لأن الإنسان غذا افتقر فقراً شديداً فإن هذا الفقر يُنسيه،يشتغل قلبه بلقمة العيش أين يجدها،فلا يتمكن من كثير من الأعمال،بل لا يتنكن من كثير من لذاته،لأنه مشغول بتوفير شيء يسد جوعته.فالإنسان الذي يتطلب لقمة العيش،ومشغول البال كيف يوفرها أنت لاتجد قلبه فيه محل للمعالي والمطالب في كثير من الأحيان،لأنه مشغول بما يقيم صلبه،بما يبقيه،بما يقيم عيشه.
أو غنىً مطغياً:فإن الغنى مظنة للطغيان،كما قال الله عز وجل:{كلا إنَّ الإنسان ليطغى *أن رآه استغنى}[العلق 6 ـ 7]،فهذه طبيعة في الإنسان إلا من عصمه الله عز وجل وأعانه على نفسه وقليل ما هم،ولذلك تجد في كثير من الحالات أن الغنى يحمل صاحبه على شيء من الفسق والبطر،والتضييع،والتفريط في حقوق الله عز وجل بل والتعالي على الخلق.
أو مرضاً مفسدا:مرض يفسد الأعضاء،يصيبه بالشلل،يقعده على الفراش،فلا يستطيع أن يحج أو يعتمر، أو يقوم الليل،أو يصوم النهار…وحتى صيام رمضان قد لايتمكن منه،وقد يمنعه الأطباء من ذلك.
أو هرماً مُفندا:أي أن يصل الإنسان إلى مرحلة متقدمة في العمر ويحصل عنده شيء من الخلل في عقله،فيفند رأيه،بمعنى:أن هذا الإنسان لا يعتد برأيه،ولا بعقله،ولا بتفكيره،ولا بنظره في الامور.
أو موتاً مجهزا:وهو الموت السريع،حيث تجد الناس في غاية القوة،والنشاط والفتوة،والشباب وبلحظات قد تكون أقل من الدقائق يموت ويتحول إلى أشلاء.
أو الدجال،فشر غائب ينتظر:يمكن مراجعة ذلك في أحدايث الفتن.
أو الساعة،والساعة أدهى وأمر:يقول تعالى:{يومَ ترونها تذهلُ كلُّ مُرضعةٍ عمّا أرضعت وتضعُ كلُّ ذاتِ حَملٍ حَملها وترى الناس سُكارى وما هم بِسكارى ولكنّ عذابَ الله شديدٌ}[الحج2].
الإمام علي رضي الله عنه:“من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات،ومن أشفق من النار انتهى عن الشهوات،ومن تيقن بالموت انهدمت عليه اللذات،ومن عرف الدنيا هانت عليه المصيبات“.
وقال أيضاً:“من أخلص في أيام أمله قبل حضور أجله فقد نفعه عمله ولم يضره أمله“.
ويقول الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي رحمه الله في مقال“توبة الشيوخ أم توبة الشباب“:
„على العصاة أن يبادروا بالتوبة،فتأخير التوبة معصية أخرى غير المعصية الأولى،وتسويف الذنب ذنب آخر يحتاج إلى توبة أخرى،والمعية داء يحتاج إلى استئصال قبل أن يفسد الدين كله،فالقلب يسود ببقاء المعصية،ويظل يسود ببقائها حتى لا يكون معه صلاح بعد ذلك.كما أن المسوف يقامر بأمل لا يضمنه،فقد يفجؤه الموت قبل التمكن من التوبة.
ويتابع رحمه الله:“وإذا كانت التوبة واجبة على المؤمنين جميعاً، فإن الإتيان بها على الفور:واجب آخر،فلا يجوز تأخيرها ولا التسويف بها، فإن ذلك خطر على قلب المتدين،إذا لم يسارع بالتطهر أولاً بأول، فيخشى أن تتراكم آثار الذنوب ،واحداً بعد الآخر، حتى تحدث سواداً في القلب،أو زيفاً فيه كما جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:“إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكته فإن هو نزع واستغفر صقلت فإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه،فذاك الران الذي ذكر الله تعالى{كلا بل ران على قلوبهمما كانوا يكسبون}(رواه الترمذي وقال حسن صحيح،وكذلك النسائي وابن ماجة وابن حبّان والحاكم ).والآية من سورة المطففين :14.
وقال ابن القيم رحمه الله:“المبادرة إلى التوبة من الذنب فرض على الفور،ولا يجوز تأخيرها،فمتى أخرها عصى بالتأخير،فإذا تاب من الذنب بقي عليه توبة أخرى،وهي توبته من تأخير التوبة،وقل أن تخطر هذه ببال التائب،بل عنده أنه إذا تاب من الذنب لم يبق عليه شىء آخر،وقد بقي عليه التوبة من تأخير التوبة.
وأخطر شىء على من وقع في المعصية هو:التسويف بمعنى أن يقول:سوف أرجع،سوف أتوب،ولا يفعل،ولهذا قيل:(سوف) جند من جنود إبليس!وقيل: أكثر أهل النار المسوفون.وقال تعالى:{يا أيها الذين آمنوا لا تُلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكرِ الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون@وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربّ لولا أخرتني إلى أجلٍ قريب فأصدّق وأكن من الصالحين@ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها والله خبيرٌ بما تعملون}(المنافقون 9 ـ 11).
ومن فضائل المبادرة:أنها تعين المكلف على اقتلاع الذنب قبل أنيستفحل،ويرسخ في أرض القلب أصله،وتنتشر في الاعمال فروعه،ويزداد كل يوم تشبثاً بالجذور،وتشعباً في الفروع.
وما مثل المُسوف إلا كمثل من احتاج إلى قلع شجرة،فرأها قوية،لا تنقلع إلا بمشقة شديدة جلية،فقال:ادخرها سنة،ثم أعود لأقتلعها،وهذا من حماقته وغبائه،فهو يعلم أن الشجرة كلما بقيت ازداد رسوخها،وهو كلما طال عمره ازداد ضعفه!فلا حماقة في الدنيا أعظم من حماقته،إذ عجز ـ مع قوته ـ عن مقاومة ضعيف،فكيف ينظر الغلبة عليه،إذا ضعف هو في نفسه،وقوي الضعيف!!
وكثيراً ما يسوف المسوفون،حتى يأتي الوقت الذي ترفض فيه التوبة،ولا يقبلها الله تعالى،وذلك حين يفقد الإنسان الاختيار،وتكون توبته توبة اضطرار،مثل توبة فرعون حينما أدركه الغرق،فقال:آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين،فكان الرد الإلهي:{الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين}(يونس 91).
وإذا وصل المكلف إلى وقت معاينة الموت وحضوره فهنا لا تنفعه توبة،كما قال تعالى:{إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماً حكيما@وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبتُ الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذاباً أليما}(النساء 17 ـ 18)
ويقول الأستاذ الدكتور محمد لطفي الصباغ رحمه الله(نظرات قرآنية في الإنسان والدعوة ـ الأخذ بالأسباب واغتنام الفرص):
„فإلى الذين يعانون من بعض ماذكرنا وهم ما زالوا في فسحة من الوقت تمكّنهم من علاجه نسوق هذا الحديث لعل الله ينير بصائرهم،ويفتح مغاليق قلوبهم،ويرقق نفوسهم فيرعوون ويرتدعون،وينصاعون ويَنصحون،ويحسنون التصرف ويحزمون…إن عليهم ألا يدعوا الفرصة تفوتهم،فيضيعوا بأيديهم سعادة الدنيا والفوز يوم القيامة…فربما لا تعود الفرصة مرة أخرى“.
ويقول الأستاذ عبد الله الخياط:
„إن المسلم لئن صارعته في عنفوان شبابه الشهوات والصبوات،وكان له مع الشيطان مغامرات وجولات،فإن له في بقية المرحلة فسحة،فعهد الصبوات والشهوات المحرمة يجب أن لا يدوم طويلاً،بل يجب أن يراجع نفسه،ويتوب إلى ربه ويرجع عن غيّه إلى صوابه،سيما إذا أشرف على الكهولة وما بعدها،فإن المعصية منه حينئذ تكون اشد قبحاً وفظاعة،لضعف الدافع إليها.ومن بلغ الستين فقد أعذر الله إليه كما صحّ بذلك الحديث،أعذر الله إليه حيث مدّ له في الأجل،وأقام عليه الحجة بذلك،وترك له الفرحة للتوبة والإنابة فلم يبق له أن يعتذر بضيق الأجل لتدارك مافاته بحسن العمل.يقول تعالى في مصير الظالمين حين يأخذهم بالعذاب بعد إقامة الحجة:{أوَلَم نُعَمِّرْكُم ما يَتذكَّرُ فيهِ من تَذكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذيرُ فذُوقُوا فَما للظَّالمينَ من نَصيرٍ}[فاطر 37].أي أو ما عشتم في الدنيا أعماراً لو كنتم ممن ينتفع،فأخرسهم بإقامة الحجة ولزمهم العذاب،وكذلك كل مجترىء على معصية الله لم ينتفع بالفسحة له في الاجل،ولم يغتنم الفرصة لإحسان العمل،فإن مؤاخذته على التفريط والجرأة على معصية الله أشد وأغلظ لأن الله قد أعذر إليه.جاء في الحديث الشريف:“ثلاثة لا يُكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم،ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم:شيخٌ زانٍ،وملكٌ كذابٌ،وعائلٌ مستكبر“[رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه].
وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.