الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

طول الأمل والغرور الكاذب (1/3)

بسم الله الرحمن الرحيم

طول الأمل والغرور الكاذب

اللهم هيىء لنا الخير،واعزم لنا على الرشد،وآتنا من لدنكَ رحمة،واكتب لنا السلامة في الرأي،وجنِّبنا فتنةَ الشيطان أن يقوى بها فنضعف،أو نضعفَ لها فيقوى،ولا تدعنا من كوكب هداية منك في كل ظلمة شك منا،واعصمنا أن تكون آراؤنا في الحق البين مكان الليل من نهاره،أو ننزل ظنوننا من اليقين النيّر منزلة الدخان من ناره،نسألك بوجهك،ونتوسل إليك بحمدك وندعوك بأفئدة عرفتك حين كذَّب غيرها فاقرّت،وآمنت بك فزُلزل غيرها واستقرت(مقدمة تحت راية القرآن للكاتب العظيم مصطفى صادق الرافعي رحمه الله)

أما بعد:

وردت لفظة الأمل في القرآن الكريم بلام التعريف في موضع واحد وهو الآية الثالثة من سورة الحجر:{ذَرهُم يأكُلوا ويَتمَتَّعُوا ويُلهِهِمُ الأملُ فسوفَ يعلمونَ}[الحجر3]،أي دع يا محمد المشركين والكافرين يعيشوا هذه الحياة الدنيا،يأكلوا ويتمتعوا،وتلهيهم الآمال الكاذبة المعسولة فسوف تصدمهم الحقيقة السافرة يوماً من الأيام فيعلمون أن آمالهم باطلة وأن معبوداتهم زيف وافتراء وضلال.

والأمل في اللغة(دائرة  سفيرـ المعارف الإسلامية ـ):

الرجاء،وأكثر استعماله فيما يستبعد حصوله.وقد ورد في الآية الثالثة من سورة الحجر،وكذلك ورد في السنة النبوية،فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:“خطَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم خطَّاً مربَّعاً،وخطَّ خطّاً في الوسط خارجاً منه،وخطَّ خُططاً صغاراً إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط،فقال:“هذا الإنسان،وهذا أجله محيط به ـ أو قد أحاطَ به ـ وهذا الذي هو خارجٌ أملَهُ،وهذه الخطط الصغار الأعراض.فإن أخطأه هذا نهشه هذا،وإن أخطأه هذا نهشه هذا„[رواه البخاري].

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الآية الثالثة من سورة الحجر:

„ذرهم فيما هم فيه من حياة حيوانية محضة للأكل والمتاع.لا تأمل فيها ولاتدبر ولا استطلاع.ذرهم في تلك الدوامة:الأمل يلهي والمطامع تغر،والعمر يمضي والفرصة تضيع.ذرهم فلا تشغل نفسك بهؤلاء الهالكين،الذين ضلوا في متاهة الأمل المغرور،يلوح لهم ويشغلهم بالأطماع،ويملي لهم فيحسبون أن أجلهم ممدود،وأنهم محصلون ما يطمعون لا يردهم عنه راد،ولا يمنعهم منه مانع.وأن ليس وراءهم حسيب،وأنهم ناجون في النهاية بما ينالون مما يطمعون!

وصورة الأمل الملهي صورة إنسانية حية.فالأمل البراق مايزال يخايل لهذا الإنسان،وهو يجري وراءه ،وينشغل به،ويستغرق فيه ،حتى يجاوز المنطقة المأمونة،وحتى يغفل عنه الله وعن القدر،وعن الأجل ،وحتى ينسى أن هناك واجباً،وأن هنالك محظوراً،بل حتى لينسى أن هنالك إلهاً،وأن هنالك موتاً،وأن هناك نشورا.

وهذا هو الأمل القاتل الذي يؤمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعهم له…“فسوف يعلمون“.حيث لا ينفع العلم بعد فوات الأوان…وهو أمر فيه تهديد لهم،وفيه كذلك لمسة عنيفة لعلهم يصحون من الأمل الخادع الذي يلهيهم عن المصير المحتوم“.

ويقول الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله(موقع القرضاوي ـ في رحاب سورة الحجر)معلقاً على الآية الثالثة من سورة الحجر :

„فالأمل مطلوب،ولكن طول الأمل هو المذموم،وهو المقصود بقوله تعالى:{يُلههم الأمل}،الأمل المُلهي هو الأمل الطويل،الذي يجعل صاحبه وكأنه مخلَّدٌ في الدنيا،كأنّه لايموت،كأنّ الإنسان خُلق ليخلد،وهو يرى من حوله يسقطون واحداً بعد الآخر ـ الأقارب والجيران والزملاء والأصدقاء والأحباب ـ يختطفهم الموت من حوله،ولكنه ينسى هذا ويقول:في العمر مُتسع ،وفي الزمن بقية.

هذا هو طول الأمل،الذي يقول فيه الحسن البصري رحمه الله:“ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل“،يقول الإمام القرطبي:“وصدق رضي الله عنه!فالأمل يكسل عن العمل،ويورث التراخي والتواني،ويعقب التشاغل والتقاعس،ويخلد إلى الأرض،ويميل إلى الهوى.وهذا أمر قد شوهد بالعيان،فلا يحتاج إلى بيان،ولا يطلب صاحبه ببرهان“.

ويتابع القرطبي رحمه الله:“وطول الأمل داءٌ عضال ومرض مزمن،ومتى تمكّن من القلب فسد مزاجه،واشتدّ علاجه،ولم يفارقه داء،ولانجح فيه دواء،بل أعيا الأطباء،ويئس من برئه الحكماء والعلماء“.

وجاء في نفح الطيب للتلمساني(ج6 ص321):

„ما أورد النفس الموارد وفتح عليها باب الحتف إلا الأمل،كلّما قومتها مثاقفُ الحدود فتح لها أركانَ الرخص،كلّما عقدت صوم العزيمة أهداها طُرفُ الغرور في أطباق:حتى،وإذا،ولكن،وربما،فأفرط القلب في تقليبها حتى أفطر“.

وحقيقة الأمل:الحرص على الدنيا والإنكباب عليها،والحبّ لها والإعراض عن الآخرة“

وجاء في الحديث الصحيح:“يَهرمُ ابنُ آدمَ وتَشبُّ منه اثنتان:الحرصُ على المال،والحرص على العمر“[متفق عليه رواه الشيخان وأحمد والترمذي وابن ماجه عن أنس بن مالك]،وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان:حبُّ المال،وطول العمر“[رواه البخاري]،وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:“لا يزال قلب الكبير شاباً في اثنتين:في حبّ الدنيا وطول الأمل“[رواه البخاري]،وفي رواية مسلم“قلب الشيخ شاب على حبِّ اثنتين:العيش والمال“.

فالإنسان له أجلٌ محدد وعمرٌ مقيّد ،ولايعلم الأجل إلا خالق النفس البشرية،ومن سعادة الإنسان أن يُكتب له طول العمر وحسن العمل،وحسن الخاتمة،ومن شقاء الإنسان أن يطول عمره،ويسوء عمله،ويزداد طول أمله،ولاينفك عن ترك المعاصي والوقوع في المفاسد.

يقول الشيخ محمد صالح المنجد ـ الموقع ـ :

„الكبير يهرم،ويتقدم به العمر،ويشيخ،ويتعب،ومع ذلك تبقى فيه خصلتان لا تهرمان ولا تشيخان ولا تضعفان:حبّ الدنيا،وطول الأمل.والنفس تريد البقاء في الدنيا للإستمتاع واللذات،ومع أن الشيخ بلي جسده،وضعفت قواه،وانحلت،ومع ذلك باق متعلق،مع أن من شأن الشيخ أن يقل حرصه على الدنيا وأمله يقل،بعدما بلي الجسد،ووهنت القوى،واشتعل الرأس شيباً،والعظم واهٍ،وانتظار الموت قائم،ومع ذلك طول الأمل،محبة طول العمر.

والأمل فيه معنى حسن،ومعنى قبيح.فما كان من الأمل يفسح المجال للعمل ،فهو حسن،وأما القبيح فهو الاسترسال فيه والغفلة عن الاستعداد للآخرة،وعندما يصبح الأمل مجالاً لتسويف،أو تأجيل العمل الصالح،أو التأخير فيه…“.

طول الأمل هذا هو الذي يجعل الإنسان ينسى الموت،ينسى الآخرة،ينسى أنَّ كلَّ حيِّ سيموت وكلَّ ميت سيبعث،وكل مبعوث سيحاسب،وكل محاسب سيدخل إما جنة وإما ناراً.

ووردت كلمة أمل بدون لام التعريف في موضع واحد وهو الآية 46 من سورة الكهف:{الباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملا}[الكهف 46].

فالأمل:هو مايؤمله الإنسان في يومه وغده ،وآمال الإنسان لا تنتهي ولا تقف عند حد معين.

إن الإنسان مغرور وفي غريزة نفسه طول الأمل كما يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله:

„لذلك كان الموت أقرب شيء في حواسنا منا وأبعد شيء في أفكارنا عنا،نرى مواكب الأموات تمرُّ با كل يوم ونحس أننا باقون،ونمشي في الجنائز ونحن نفكر في الدنيا،أو نتحدث عنها،ونرى القبور تملأ رحاب الأرض ولا نفكر أننا سنكون يوماً من ساكنيها“.

أسباب طول الأمل:

يقول الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله:

„إن طول الأمل له سببان:الجهل وحبّ الدنيا.

أما حبّ الدنيا :فهو أنه إذا أنِسَ بها وبشهواتها ولذّاتها وعلائقها ثقل على قلبه مفارقتها،فامتنع قلبه من الفكر في الموت الذي هو سبب مفارقتها،وكل من كره شيئاً دفعه عن نفسه.

والإنسان مشغوف بالأماني الباطلة فيمنُّ نفسه أبداً بما يوافق مراده،وإنما يوافق مراده البقاء في الدنيا فلا يزال يتوهمه ويقدره في نفسه،ويقدر توابع البقاء وما يحتاج إليه من مال وأهل ودار وأصدقاء وسائر أسباب الدنيا فيصير قلبه عاكفاً على هذا الفكر موقوفاً عليه،فيلهو عن ذكر الموت فلا يُقدر قربه،فإن خطر له في بعض الأحوال أمر الموت والحاجة إلى الاستعداد له سوَّفَ ووعد نفسه وقال الأيام بين يديك إلى أن تكبر ثم تتوب،وإذا كبر فيقول إلى أن تصير شيخاً،فإذا صار شيخاً قال إلى أن تفرغ من بناء هذه الدار وعمارة هذه الضيعة أو ترجع من هذه السفرة،أو تفرغ من تدبير هذا الولد وجهازه وتدبير مسكن له،أو تفرغ من قهر هذا العدو الذي يشمت بك ،فلا يزال يسوِّف ويُؤخِّر ولا يخوض في شغل إلا ويتعلق بإتمام هذا الشغل عشرة أشغال أخرى ،وهكذا على التدريج يؤخر يوماً بعد يوم ويقضي به شُغل إلى شُغل بل إلى أشغال إلى أن تختطفه المنيّة في وقت لا يحتسبه فتطول عند ذلك حسرته،وأكثر أهل النار وصياحهم“مَنْ سَوَّف“يقولون:“واحزناه من سوّف“والمُسوِّف المسكين لا يدري أن الذي يدعوه إلى التسويف اليوم هو معه غداً،وإنما يزداد بطول المدة قوة ورسوخاً،ويظن أنه يتصور أن يكون للخائض في الدنيا والحافظ لها فراغ قط،وهيهات فما يفرغ منها إلا من طرحها،وأصل هذه الأماني كلها حبُّ الدنيا والأنس بها.

وأما الجهل:فهو أن الإنسان قد يعود على شبابه فيستبعد قرب الموت مع الشباب ،وليس يتفكر المسكين أن مشايخ بلده لو عُدّوا لكانوا أقل من عُشر رجال البلد،وإنما قلوا لأن الموت في الشباب أكثر،فإلى أن يموت شيخ يموت ألف صبي وشاب،وقد يستبعد الموت لصحته،ويستبعد الموت فجأة ولا يدري أن ذلك غير بعيد،وإن كان ذلك بعيداً فالمرض فجأة غير بعيد،وكل مرض فإنما يقع فجأة،وإذا مرض لم يكن الموت بعيداً،ولو تفكّر هذا الغافل وعلم أن الموت ليس له وقت مخصوص من شباب وشيب وكهولة،ولكن الجهل بهذه الأمور وحب الدنيا دعواه إلى طول الأمل وإلى الغفلة عن تقدير الموت القريب فهو أبداً يظن أن الموت يكون بين يديه ولا يقدر نزوله به ووقوعه فيه،وهو أبداً يظن أنه يُشيّع الجنائز ولا يقدر أن تشيّع جنازته ،لأن هذا قد تكرر عليه وألِفه وهو مشاهدة موت غيره،فأما موت نفسه فلم يألفه ولم يتصوّر أن يألفه ،فإنه لم يقع وإذا وقع لم يقع دفعه أخرى بعد هذه.فهو الأول وهو الآخر وسيلة أن يقيس نفسه بغيره ويعلم أنه لابد أن تحمل جنازته ويدفن في قبره، فتسويفه جهل محض،وإذا عرفت أن سببه الجهل وحب الدنيا فعلاجه دفع سببه“.

 أشكال  من طول الأمل والغرور الكاذب:

1 ـ التسويف والمماطلة:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

„الجنّة أقربُ إلى أحدكم من شِراكِ نعله ،والنار مثل ذلك“.[رواه البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه].

ويقول صلى الله عليه وسلم:“اغتنم خمساً قبل خمسٍ“حياتك قبل موتك،وصحتك قبل سقمك،وفراغك قبل شُغلك،وشبابك قبل هَرمك،وغناك قبل فقرك„(حديث صحيح رواه أحمد والحاكم والبيهقي وأبو نعيم).

وروي أنه صلى الله عليه وسلم ضرب مثلاً يبين أمل العبد البعيد وأجله القريب،فرمى حصاة قريباً،ورمى آخرى بعيداً وقال:“هل تدرون ما مثل هذه وهذه؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال:“هذاك الأمل، وهذاك الأجل“ (رواه الترمذي).

وجاء في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم خطَّ خطاً مربعاً،وخطَّ خطاً في الوسط خارجاً منه،وخطَّ خططاً صِغاراً إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط،فقال:“هذا الإنسان،وهذا أجله محيطٌ به،وهذا الذي هو خارجٌ أمله،وهذه الخطط الصغار الأعراض،فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا“.

يقول الشيخ الدكتور محمد لطفي الصباغ رحمه الله:

„التسويف هو عدو الإنسان الذي يريد الصلاح والارتقاء والتقدم،وهو سلاح من أسلحة الشيطان يصرف به الناس عن الخير،ويقعد بهم في زوايا الخمول.يهمُّ المرء أن يعمل عملاً صالحاً يعود عليه بالخير في الدنيا والآخرة،فيوسوس له الشيطان قائلاً:لماذا لا تؤجل هذا العمل إلى أوّل الأسبوع؟ويستجيب له الإنسان،ويأتي أوّل الأسبوع ويشغل صاحبنا ولا يعمل شيئاً،فيضيع عليه ثواب ذلك العمل الصالح“.

ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله(كتاب الفوائد):

„كلما جاء طارق الخير صرفه بواب“لعل وعسى“.

ويقول الحسن البصري رحمه الله:

„إياك والتسويف،فإنك بيومك ولست بغدك،فإن يكن غد لك فكِسْ فيه(أي اغتنمه واجتهد فيه) كما كِست في اليوم،وإلا يكن الغد لك لم تندم على ما فرطت في اليوم“.

وقال الإمام ابن الجوزي رحمه الله(صيد الخاطر):

„إياك والتسويف ،فإنه أكبر جنود إبليس“.

يقول بلال بن سعد:

„يقال لأحدنا:أتحب أن تموت؟فيقول:لا.فيقال:لم؟،فيقول:حتى أعمل،ويقول سوف أعمل،فلا يحب أن يموت،ولا يحب أن يعمل ,احبّ شيء إليه أن يؤخر عمل الله ولا يحب أن يؤخر عنه عرض الدنيا“.

قال يوسف بن أسباط:كتب إليَّ محمد بن سمرة السائح بهذه الرسالة:“آي أخي،إياك وتأمير التسويف على نفسك،وإمكانه من قلبك،فإنه محلُّ الكلال،ومزئل التلف،وبه تقطع الآمال،وفيه تنقطع الآجال“.

قيل لرجل من عبد القيس:أوصِ،فقال:احذروا(سوف).

يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله:

„إن كل مؤمن يريد أن يتوب ويرجع إلى الله ولكنه يؤجل ويسوّف.أنا كنت أقول:إذا حججت تبت وأنبت،ثم رأيت أني حججت وما تبت.وكنت أقول:إذا بلغت الأربعين تبت،فبلغتها وما تبت،وجاوزت الستين وما تبت،وشبت وما تبت.إن الإنسان يرجو لنفسه الصلاح ولكنه يسوّف،ويظن أن في الأجل فسحة،يحسب أن العمر طويل،فيرى الموت قد طرقه فجأة،وعندما يعرف شعور الميت يندم على كل دقيقة أضاعها في غير طاعة،فإذا نجا بقي فيه هذا الشعور شهوراً صار فيها صالحاً ثم انغمس ثانية في غمرة الحياة ونسي الموت.كلنا ننسى الموت .نرى الأموات يمرون بنا كل يوم،ولكن لا نتصور أننا سنموت.نقف في صلاة الجنازة ونحن نفكر في الدنيا،يظن كل واحد منا أن الموت كتب على الناس كلهم إلا عليه،مع أن الإنسان يعلم أن الدنيا موليّة عنا،وأنه مُوّل هو عنها“.

ويقول في موضع أخر رحمه الله:

„هذا هو الموت الذي أفر من الكلام فيه والحديث عنه،والذي أراه بعيداً عني،ولم يحن حينه،ولم يدن موعده،لذلك كنت أوجل التوبة من يوم إلى يوم،أقول إذا بلغت سن الشباب تبت،فلما بلغتها قلت:أتوب في الأربعين،فلما جاوزتها قلت:أنتظر حتى أتم بناء الدار،فلما أتممتها قلت:أتوب وأتفرغ إلى الله إذا بلغت سن التقاعد،كأني أحدث على ملك الموت عهداً،ألا يطرق بابي حتى أبلغ سن التقاعد فها هو قد جاء على غير ميعاد“.

ويقول أيضاً رحمه الله:

„إني أركض أبداً وراء المستقبل،ففي المستقبل أبلغ آمالي،وفيه أصلح نفسي،وفيه أنيب إلى ربي،وفيه أكتب تلك المعاني التي طالما جاشت بها نفسي،ولم يجر بها قلمي….ولكن المستقبل لن يأتي أبدا،وحين يأتي يصير حاضراً وأذهب فأفتش  عن مستقبل آخر،فأنا كالفرس الذي يعد ويشتد ويكد نفسه ليدرك حزمة الحشيش والحزمة معلقة في عنقه“.

2 ـ الإيمان بلا عمل:

قيل للحسن البصري رحمه الله:إن أناساً يقولون:من قال لا إله إلا الله دخل الجنة.فقال:من قال لا إله إلا الله فأدّى حقّها وفرضها دخل الجنة“.

نعم هناك أناس فهموا الدين خطأ،يظنون أنه من أخلص النيّة ولكن بدون عمل فهذا مغفور له،ويدخل الجنة،ويتأولون بعض الآيات والأحاديث خطأ،ومنها الحديث الشريف:“إن الله تعالى لا ينظر إلى صُوركم  وأموالكم، وإنما ينظر  إلى قلوبكم وأعمالكم“.[رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه].

وليس معنى هذا الحديث كما يفهمه بعض الجهّال أو المتجاهلين أن من صلحت نيته وصفا قلبه،لم يضره ترك الواجبات والعبادات العملية،بل على العكس إن من صلح قلبه وصفت سريرته لا يمكن أن يكون مقصراً في حقوق الله تعالى،وإنما معنى الحديث الشريف أن التلبس بصور الطاعات والعبادات دون أن يكون لها جذور من صلاح القلب وإخلاصه لايقرب العبد من الله شيئاً،لأن الله تعالى كما يرى ظاهر أعمالك،يرى ماقد استقر في نفسك .

والآية الكريمة:{قُلْ إن كُنتُم تُحِبُّونَ اللهَ فاتَّبعُوني يُحبِبكُمُ اللهُ ويَغفِرْ لكُم ذُنُوبَكُم واللهُ غفورٌ رحيم}[آل عمران31]،فهذه الآية هي المشعر والدليل على محبة الله الحقيقية،وما هي محبة الله،إنها في طاعته وطاعة نبيه واتباع مرضاته واتباع تعاليمه.

قال رجل للحسن البصري رحمه الله:أليس من الإيمان أن نحسن الظن بالله عز وجل؟قال:بلى،إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل،وأما المنافق فإنه أساء الظن فأساء العمل،فسددوا وقاربوا فإنما هي ليال،وإنما أنتم في ركب على سفر،وما منكم من أحد إلا يوشك أن يُدعى فيجيب“.

وقيل لوهب بن منبه رحمه الله:أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟قال: بلى،ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان،فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك.

ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله في قصيدته النونية معلقاً على هذه الأسنان:

هذا وفتحُ الباب ليس بممكن                إلا بمفتاح على أسنان

مفتاحه بشهادة الإخلاص والتو            حيد،تلك شهادة الإيمان

أسنانه الأعمال وهو شرائع ال            إسلام،والمفتاح بالأسنان

لا تُلغين هذا المثال فكم به                 من حلِّ إشكال لذي العرفان 

ويقول الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله:

„وفرقة أخرى من عوام الخلق وأرباب الأموال والفقراء،اغتروا بحضور مجالس الذكر،واعتقدوا أن ذلك يغنيهم ويكفيهم،واتخذوا من ذلك عادة،ويظنون أن لهم على مجرد سماع الوعظ ـ دون العمل ودون الاتعاظ ـ أجراً،وهم مغرورون،لأن فضل مجالس الذكر لكونه مرغباً في الخير،فإن لم يهيج الرغبة فلا خير منه،والرغبة محمودة لأنها تبعث على العمل،فإن ضعفت عن الحمل على العمل فلا خير فيها،وربما يغتر بما يسمعه من الواعظ من فضل حضور المجلس،وفضل البكاء،وربما تدخله رقة كرقة النساء فيبكي ولاعزم،وربما يسمع كلاماً مخوّفاً فلا يزيد على أن يصفق بيديه ويقول:يا سلام سلم!أو نعوذ بالله،أو سبحان الله،ويظن أنه قد أتى بالخير كله وهو مغرور،وإنما مثاله المريض الذي يحضر مجالس الأطباء فيسمع مايجري أو الجائع الذي يحضر عنده من يصف له الأطعمة اللذيذة الشهية ثم ينصرف ،وذلك لا يغني عنه من مرضه وجوعه شيئاً.فكذلك سماع وصف الطاعات دون العمل بها لا يغني من الله شيئاً.فكل وعظ لا يغيّر منك صفة تغييراً يغيّر أفعالك حتى تُقبل على الله تعالى إقبالاً قوياً أو ضعيفاً،وتُعرض عن الدنيا،فذلك الوعظ حجة عليك ،فإذا رأيته وسيلة لك كنت مغروراً“.

ولقد كان السلف الصالح شديد الحذر،وكانوا يقبلون على الطاعات ويقومون بالواجبات وكانوا على حذر وخشية مخافة أن لايقبل منهم.

قال الحسن البصري رحمه الله:

„إني قد أدركت أناساً من صدور هذه الأمة كانوا فيما أحلّ الله لهم أزهد منكم فيما حرّم الله عليكم،وكانوا لحسناتهم ألا تُقبل أخوف منكم لسيئاتكم ألا تُغفر،وكانوا لثواب الآخرة أبصر منكم لمتاع الدنيا بأعينكم،وكانوا عن الدنيا وهي عليهم مقبلة أشدّ إدباراً من إقبالكم عليها وهي عنكم مدبرة“.

3 ـ الغرور بالقرابة والنسب:

هناك العديد من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي تحذر من اعتبار عامل القرابة أو النسب لبعض الصالحين أو المقربين يسهل دون الجنة من غير أن يعمل الإنسان ويتقرب إلى الله بصادق الأعمال وعظيم الطاعات.

ومن الآيات الكريمة نذكر:

{ومِنهُم أُمِّيُّونَ لا يعلمونَ الكتابَ إلا أمانيَّ وإن هُم إلا يَظُنُّون}[البقرة78]

{وقالوا لن تَمَسَّنا النَّارُ إلا أيَّاماً معدودة قُلْ أتَّخَذتُم عندَ الله عهداً فلن يُخلفَ الله عهدَهُ أم تقولونَ على الله ما لاتعلمون}[البقرة80]

{قُلْ إن كانت لكُمُ الدَّارُ الآخرةُ عندَ الله خالصةً من دُونِ النَّاسِ فَتَمنَّوا الموتَ إن كُنتُم صادقين}[البقرة94]

{ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يُغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل ادخلا النار مع الداخلين}[التحريم11].

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الظلال في تفسير الآية 11 من سورة التحريم:

„والمأثور في تفسير خيانة امرأة نوح وامرأة لوط،أنها كانت خيانة في الدعوة،وليست خيانة الفاحشة،ام{اة نوح كانت تسخر منه مع الساخرين من قومه،وامرأة لوط كانت تدل القوم على ضيوفه وهي تعلم شأنهم مع ضيوفه.

إن مبدأ التبعة الفردية يراد إبرازه هنا،بعد الأمر بوقاية النفس والأهل من النار.كما يراد أن يقال لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأزواج المؤمنين كذلك:إن عليهم أنفسهن بعد كل شىء.فهن مسؤولات عن ذواتهن،ولن يعفيهن من التبعة أنهم زوجات نبي أو صالح من المسلمين.

وهاهي ذى امرأة نوح.وكذلك امرأة لوط {كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين}…{فخانتاهما}…{فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً}…{وقيل ادخلا النار مع الداخلين}

يقول الأستاذ أبو اقبال محمد أديب صالح رحمه الله(معقباً على الآية من سورة التحريم):

„يريد الله تبارك وتعالى للمؤمنين أن يتعظوا بهذا المثل،فنوح ولوط عليهما السلام وكل منهما نبي مرسل،لم يُغنِ واحد منهما عن زوجته شيئاً،وهي من أقرب الناس إليه،وكانت لكفرها وجحودها من أهل النار،أجل لم يكن في ميزان الله تعالى أن يقال:أدخلوا زوجة نوح وزوجة لوط الجنة على كفرهما لأنهما زوجتا نبيين من الأنبياء،لا ولكن عاقبهما الله على خيانتهما ـ وهي خيانة العقيدة ـ حيث سلكتا سبيل الكفر،مع أن زوجيهما من دعاة الهدى والإيمان.وهكذا ترى التعبير القرآني الذي يحدد المسئولية الفردية في هذا المجال أوضح تحديد ـ فخانتاهما ـ أي في الدين فكفرتا فلم يغنيا عنهما من عذاب الله شيئاً،وقيل ادخلا النار مع الداخلين“.

{ليسَ بأمَانِيِّكُمْ ولا أمانيِّ أهلِ الكِتابِ من يَعمَلْ سُوءاً يُجزَ بهِ ولايَجِدْ لهُ من دُونِ الله وليَّاً ولا نَصيراً}[النساء 123]

قال قتادة:ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا فقال أهل الكتاب:نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم،فنحن أولى بالله منكم.وقال المسلمون:نحن أولى بالله منكم ونبينا خاتم النبيين وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله.فنزلت الآيات السابقة.

وقال مجاهد:قالت العرب:لن نبعث ولن نعذب.وقالت اليهود والنصارى:لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى.وقالوا:{لن تمسنا النار إلا أيامات معدودات}.والمعنى في هذه الآية أن الدين ليس بالتحليِّ ولا بالتمني ولكن ماوقر في القلب وصدقته الأعمال.

يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله نقلاً عن الشيخ محمد عبده رحمه الله(مجلة المنار العدد325 بتاريخ 17 آيار عام 1912):

„يقال في سبب النزول أنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى:{ليسَ بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب}الآية والمعنى بناء على ذلك:ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول منهم كان ديني أفضل وأكمل،وأحق وأثبت ،وإنما عليه إذا كان موقناً به أن يعمل بما يهديه إليه فإنما الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور،فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطاً بأمانيكم في دينكم،ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطاً بأمانيهم في دينهم،فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي،ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام،بل شرعت للعمل والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح لأن قوله تعالى(يعدهم ويمنيهم) في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غروراً بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون أنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أياماً معدودة،وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى،وغير ذلك مما يقولون ويدعون،وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات،وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم،فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب،لا بأعمالهم،فحذرنا الله أن نكون مثلهم،وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم بدليل قوله تعالى في سورة الحديد:{ألَمْ يَأنِ للذينَ آمَنوا أن تخشعَ قلوبُهُم لذكرِ الله ومانزلَ من الحقِّ ولا يكونوا كالذينَ أوتوا الكتابَ من قبل فطالَ عليهم الأمدُ فقستْ قلوبهم وكثيرٌ منهم فاسقون}[الحديد 16]الآية فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك،ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.وقال الحسن البصري“ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ماوقر في القلب وصدّقه العمل“وقال الحسن:إن قوماً غرّتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.(ملاحظة:المشهور أن الكلام للحسن البصري رحمه الله ولكنه لايثبت مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم)

ثم ذكر الأستاذ الإمام(يعني الشيخ محمد عبده) بعد هذا حال مسلمي هذا العصر في غرورهم وأمانيهم ومدح دينهم وتركهم العمل به وبين أصنافهم في ذلك.ومما قاله:إن كثيراً من الناس يقولون تبعاً لمن قبلهم في أزمنة مضت:إن الإسلام أفضل الأديان،أي دين أصلح إصلاحه؟أي دين أرشد إرشاده؟أي شرع كشرعه في كماله؟ولو سئل الواحد منهم:ماذا فعل الإسلام؟وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟لا يحير جواباً.وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال:أعوذ بالله ،أعوذ بالله.والضال يبقى على ضلاله،والطاعن في الدين يتمادى في طعنه،والمغرور يسترسل في غروره،فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.

ويتابع الشيخ رحمه الله:“هذا وأن في هاتين الآيتين (الآية المذكورة والتي تليها)من العبرة الموعظة مايدك صروح الأماني ومعاقل الغرور التي يأوي إليها ويتحصن فيها الكسالى والجهال والفساق من المسلمين الذين جعلوا الدين كالجنسية السياسية وظنوا أن الله العزيز يحابي من يسمي نفسه مسلماً ويفضله على من يسميها يهودياً أو نصرانياً بمجرد اللقب،وأن العبرة بالأسماء والألقاب لا بالعمل والعلم،ومتى يرجع هؤلاء إلى هدي كتابهم الذي يفخرون به،ويبنون قصور أمانيهم على دعوى أتباعه؟وقد نبذوه وراء ظهورهم،وحرموا الاهتداء به على أنفسهم“.

{وإذِ ابتلى إبراهيم َرَبُّهُ بكلماتٍ فأتمَّهُنَّ قال إنِّي جَاعِلُكَ للنَّاسِ إماماً قالَ ومِنْ ذُريَّتي قالَ لاينالُ عهدي الظَّالمينَ}[البقرة124].

ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد202 بتاريخ الثاني من نيسان عام 1904):

„قل أتحاجوننا في الله “ بدعواكم الاختصاص بالقرب منه وزعمكم أنكم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى،ومن أين جاءكم هذا القرب والاختصاص بالله دوننا“وهو ربنا وربكم“ ورب العالمين فنسبة الجميع إليه واحدة هو الخالق وهم المخلوقون،وهو الرب وهم المربوبون ،وإنما يتفاضلون بالأعمال البدنية والنفسية“ولنا أعمالنا„التي تختص آثارها بنا إن خيراً فخير وإن شراً فشر“ولكم أعمالكم„كذلك وروح الأعمال كلها الإخلاص فهو وحده الذي يجعلها مقربة لصاحبها من الله تعالى ووسيلة لمرضاته“ونحن له مخلصون“ من دونكم فأنكم اتكلتم على أنسابكم وأحسابكم،واغتررتم بما كان من صلاح آبائكم وأجدادكم،واتخذتم لكم وسطاء وشفعاء منهم تعتمدون على جاههم،مع انحرافكم عن صراطهم،وما هو إلا التقرب إلى الله تعالى بإحسان الأعمال،مع الإخلاص المبني على صدق الإيمان،وهو ما ندعوكم إليه الآن،فكيف تزعمون أن الإدلاء إلى ذلك السلف الصالح بالنسب والتوسل إليهم بالقول هو الذي ينفع عند الله تعالى وأن الاستقامة على صراطهم المستقيم والتوسل إلى الله تعالى بما كانوا يتوسلون إليه به من صالح الأعمال والإخلاص في القلب لا ينفع ولا يفيد،وما كان سلفكم مرضياً عند الله تعالى إلا به؟هل كان إبراهيم عليه السلام مقرباً من الله تعالى بأبيه آزر المشرك أم كان قربه وفضله بإخلاصه وإسلام قلبه إلى ربه؟فكما جعل الله النبوة في إبراهيم وجعله إماماً للناس في الإسلام والإخلاص جعلها كذلك في محمد صلى الله عليه وسلم فإذا صح لكم إنكار نبوة محمد لأنه لم يكن في سلفه العرب أنبياء فأنكروا نبوة إبراهيم فإن العلة واحدة فكيف لايتحد المعلول؟

ويتابع الشيخ رضا رحمه الله:“وحاصل معنى الآية إبطال معنى شبهة أهل الكتاب أنهم أبناء الله وأحباؤه،وأنه لا ينجو من كان على غير طريقتهم وإن أحسن في عمله وأخلص في قصده،وأنهم هم الناجون الفائزون وإن أساؤا عملاً ونية،لأن أنبياءهم هم الذين ينجونهم ويخلصونهم بجاههم،فالفوز عندهم بعمل سلفهم لا بصلاح ةأنفسهم ولا أعمالهم.وهذا الاعتقاد هدم لدين الله الذي بعث جميع أنبيائه ودرج عليه من اتبع سبيلهم فإن روح الدين الإلهي وملاكه هو التوحيد والإخلاص ،وكل عمل أمر به الدين فإنما الغرض منه إصلاح القلب والعقل بسلامة الاعتقاد وحسن القصد فإذا زال المعنى وحفظت جميع الأعمال الصورية فإنها لا تفيد شيئاً بل إنها تضر بدونه لأنها تشغل الإنسان بما لايفيد وتصده عن المفيد“.

ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله في الآية 124 من سورة البقرة:

„إن الحق تبارك وتعالى ائتمن ابراهيم عليه السلام ليكون إماماً للبشر..والله سبحانه كان يعلم وفاء إبراهيم عليه السلام ولكنه اختبره لنعرف نحن البشر كيف يصطفي الله تعالى عباده المقربين وكيف يكونوا أئمة يتولون قيادة الأمور.استقبل إبراهيم عليه السلام هذه البشرى من الله وقال كما يروي القرآن الكريم:{قال ومن ذريتي}.

ماهي الذرية؟هي النسل الذي يأتي والولد الذي يجيء..لأنه يحب استطراق الخير على أولاده وأحفاده وهذه طبيعة البشر،فهم يعطون ثمرة حركتهم وعملهم في الحياة لأولادهم وأحفادهم وهم مسرورون.

ولذلك أراد إبراهيم عليه السلام أن ينقل الإمامية إلى أولاده وأحفاده…حتى لا يحرموا من القيم الإيمانية تحرس حياتهم وتؤدي بهم إلى نعيم لا يزول..ولكن الله سبحانه وتعالى يرد على إبراهيم بقضية إيمانية ايضاً هي تقريع لليهود…الذين تركوا القيم وعبدوا المادة فيقول جل جلاله:{لا ينالُ عهدي الظالمين}.

فكأن إبراهيم بأعماله قد وصل إلى الإمامية..ولكن هذا لا ينتقل إلا للصالحين من عباده العابدين المسبحين..وقول الحق سبحانه:{لا ينال عهدي الظالمين}مقصود به اليهود الذين باعوا قيمهم الإيمانية بالمادة،وهو استقراء للغيب أنه سيأتي من ذرية إبراهيم من سيفسق ويظلم.

ومن العجائب أن موسى وهارون عليهما السلام كانا رسولين..الرسول الأصيل موسى وهارون جاء ليشد أزره لأنه فصيح اللسان…وشاءت إرادة الله سبحانه أن تستمر الرسالة في ذرية هارون وليس في ذرية موسى..والرسالة ليست ميراثاً“.

ويقول الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:

„بعض الناس يغلب عليه الرجاء،ويسير في طريق الشيطان، ويتكل على الشفاعةنكما كان المشركون يتكلون على شفاعة آلهتهم،قال الله:{واتخذوا من دونِ الله آلهةً ليكونوا لهم عِزّاً*كلا سيكفرونَ بعبادتهم ويكونونَ عليهم ضِدّاً}[مريم 81 ـ 82].

وقال تعالى:{فما تنفعهم شفاعةُ الشافعين}[المدثر 48].

وكان كثير من أهل الكتاب ـ أيضاً يظنون أن أنبياءهم،وأحبارهم،ورهبانهم،سيشفعون لهم يوم القيامة،مهما عملوا،والنصارى إلى اليومنيعتقدون أن المسيح سيشفع لهم،لمجرد الإيمان به،ولذلك يسمونه المُخلص،فكل مولود ـ في زعمهم ـ يولد محملاً بخطيئة آدم الأولى،والذي يخلصه هو الإيمان بالمسيح.ولهذا رد القرآن عليهم،حيمنا قالوا:{لن يدخلَ الجنّةَ إلا من كان هُوداً أو نصارى}رد عليهم:{تلكَ أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين*بلى من أسلم وجهه لله وهو مُحسنٌ فلهُ أجرهُ عندَ ربّهِ ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون}[البقرة 111 ـ 112].يستحق الإنسان الجنة بإسلام الوجه لله،وإحسان العمل ،وليس بمجرد العنوان،أن يكون نصرانياً،أو يهودياً، أو مسلما.

ولهذا جاء في سورة النساء:{ليسَ بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يُجزَ بهِ ولا يجد لهُ من دونِ الله ولياً ولا نصيراً*ومن يعمل من الصالحات من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ فأولئك يدخلونَ الجنّةَ ولا يُظلمونَ نقيرا}[النساء 123 ـ 124].

ومن الأحاديث النبوية الشريفة حول هذا الموضوع:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت عليه {وأنذِرْ عشيرتكَ الأقربينَ}[الشعراء214]فقال:“يا معشر قريش،اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئاً،يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئاً،يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً،يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً،يا فاطمة بنت رسول الله سليني ماشئت من مالي،لا أغني عنك من الله شيئا“[رواه الشيخان].

„ومن بطأ به عمله لم يُسرِع به نسبه“[جزء من حديث شريف أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه]فمن كان عمله سيئاً فإن نسبه لايفيده ولا يرفعه،ولو كان من أولاد الأنبياء،وأحفاد الأشراف.فينبغي على الإنسان ألا يتكل على شرف النسب،وفضيلة الآباء،ويقصر في العمل.

يقول الشيخ محمد راتب النابلسي حفظه الله:

„الله جل جلاله ربط الدرجات في الآخرة لا على الأنساب،بل على الأعمال،قال تعالى:{فإذا نُفِخَ في الصُّورِ فلا أنسابَ بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون}[المؤمنون101]،وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم“[رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه].

أقوال الصحابة والصالحين:

يقول أبو بكر الصديق رضي الله عنه:

„إن الله ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب يعطيه به خيراً ولا يصرف عنه سوءاً إلا بطاعته واتباع أمره،وأنه لا خير بخير بعده النار،ولا شر بشر بعده الجنة“.

عندما ودع عمر بن الخطاب رضي الله عنه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إلى القادسية قال له:“لا يغرّنك من الله أن قيل خال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الله لا يمحو السيء بالسيء ولكنه يمحو السيء بالحسن،وليس بين الله وبين أحد نسب إلا طاعته،فالناس في ذات الله سواء،الله ربهم وهم عباده،يتفاضلون بالعافية ،ويدركون ما عنده بالطاعة،فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند بُعث إلى أن فارقنا يلزمه فالزمه فإنه الأمر.هذه عظتي إياك إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك وكنت من الخاسرين“.

وقال زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم:

„إن الله خلق الجنة لمن أطاعه ولو كان عبداً حبشياً،وخلق النار لمن عصاه ولو كان حراً قرشياً،وتلا قوله تعالى:{فإذا نُفِخَ في الصُّورِ فلا أنسابَ بينهُم يومئذٍ ولا يتساءلون* فَمَن ثَقُلتْ مَوازينُهُ فأولئكَ هُمُ المفلحون *ومن خَفَّتْ موازينُهُ فأولئك الذين خَسِروا أنفُسَهُمْ في جَهنَّمَ خالدونَ}[المؤمنون 101 ـ 103].

ويقول الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي:

„وقد هدمت عقيدة الإسلام ذلك الطمع الأشعبي والأماني الفارغة التي جعلت صنفاً من الناس يحسبون الجنة حكراً لهم أو عقاراً سيتوارثونه عن الأباء والأجداد،يستحقونه بمجرد الانتساب إلى دين معين أو الدخول تحت عنوان خاص.أبطل الإسلام هذه الدعاوى العريضة ورد الأمر كله إلى صدق الإيمان وحسن العمل:{وقالُوا لن يَدخُلَ الجَنَّةَ إلا من كانَ هُوداً أو نصارى تلك أمانِيُّهُم قُلْ هَاتوا بُرهانَكُمْ إن كنتم صادقين *بلى من أسلمَ وجهَهُ لله وهُوَ مُحسِنٌ فلَهُ أجرُهُ عندَ رَبِّهِ ولاخوفٌ عليهمْ ولاهُم يحزنون}[ البقرة111 ـ 112]وبهذا رسم الطريق إلى الجنة“إسلام الوجه وإحسان العمل“،ولم يكن هذا موقفه من اليهود والنصارى فحسب،فلقد وقف نفس الموقف من الأشعبيين من المسلمين أنفسهم،أولئك الحمقى الذين يتبعون أنفسهم هواها ويتمنون على الله الأماني،ويظنون أن النطق بكلمة الإسلام والتسمي بأسماء المسلمين يكفي ليفتح لهم أبواب الجنة فيدخلوها بسلام آمنين،ولكن القرآن بيّن لهم أن قانون الله في الجزاء عام لعباده قاطبة لا محاباة عنده ولافرق بين طائفة وطائفة:{ليسَ بأمانِيِّكُم ولا أمانيِّ أهلِ الكتابِ مَنْ يَعملْ سُوءاً يُجزَ بهِ ولايجِدْ لهُ مِن دُونِ الله وليَّاً ولا نصيراً *ومن يَعملْ من الصَّالحاتِ من ذَكَرٍ أو أنثى وهُوَ مُؤمنٌ فأولئكَ يدخُلُونَ الجنَّةَ ولا يُظلمونَ نقيرا}[النساء 123 ـ 124].

ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في قوله تعالى:{وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى تلك أمانيهم}،وهنا يقرر قاعدة من قواعد التصور ألإسلامي في ترتيب الجزاء على العمل بلا محاباة لأمة ولا لطائفة ولا لفرد.إنما هو الإسلام والإحسان،لا الإسم والعنوان.إنها قاعدة واحدة بطرفيها في العقوبة والمثوبة،طرفيها المتقابلين:“من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته“فهو حبيس هذه الخطيئة المحيطة،في معزل عن كل شيء وعن كل شعور وعن كل وجهة إلا وجهة الخطيئة المحيطة“.

التحذير من طول الأمل:

الآيات الكريمة:

{ولَأُضِلَّنَّهُمْ ولأُمنّيِنَّهُم ولأَمُرَنَّهُم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذان الأنعام}[النساء 119]،{يَعِدُهُمْ ويُمَنيِّهِمْ وما يَعدُهُم الشَّيطانُ إلا غرورا}[النساء120]

يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله:

„وهذا يعني أن الشيطان يقدم الوعود الكاذبة لمواليه ويخبرهم بشيء يسرهم،فالوعد هو أن يخبر أحد آخر بشيء يسرّه أن يوجد.

والمثال على ذلك نراه في الحياة العادية فالإنسان منا يحب ماله الذي قد جاء بالتعب،والصدقة في ظاهر الأمر تنقص المال،فيقول الحق تبارك وتعالى:{الشيطان يعدكم الفقر}[البقرة 268].

لماذا؟ لأن الشيطان يوسوس في صدر صاحب المال قائلاً:إنك عندما تتصدق ببعض المال فمالك ينقص.وويل لمن يرضخ لوساوس الشيطان،لأنه يورده موارد التهلكة،والشيطان أيضاً يقدم الأماني الكاذبة في الوساوس:(ويمنيهم).ومثال ذلك ماجاء على لسان المتفاخر على أخيه بلون من الاستهزاء والعياذ بالله: {وما أظنُّ الساعة قائمةً ولئن رُدِدتُ إلى ربي لأجدنَّ خيراً منها منقلباً}[الكهف 36].

المتفاخر يقول:مادام الله قد أعطاني في الدنيا،وما دامت مهمة الله هي العطاء الدائم فلابد أن يعطيني ربي في الآخرة أضعاف مافي الدنيا،ذلك أن سعيد الدنيا هو سعيد في الآخرة،فماذا كان جزاؤه؟