الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

الحمى — 3

قد كنت بالحُمَّى أحَقُّ فليتني                 ألقى من الحُمى الذي تلقى

ابن النبيه دخل على الملك الأشرف ورآه يرتعد بسبب الحُمّى فقال:

تباً لِحُمّاك التي               كست فؤادي ولها

هل سألتك حاجة          فأنت تهتز لها؟

المرار الفقعسي:

خليليَّ إنَّ الدارَ غَفْرٌ لذي الهوى                   كما يغفِرُ المحمومُ او صاحِبُ الكَلم

(غفر الرجل: إذا برأ من مرضه ،أما غَفَر إذا نُكس وغفر الجرح إذا فسد)

البستي:

فلا تكن عَجلاً في الأمر تطلبهُ                      فليس يحمد قبل النضج بُحرانُ

الياس صالح كنعان البيروتي في الحمى:

إذا جنّ الظلام وغاب صبحي                   وفارقني أحبائي وناسي

اتت تسعى إلي وليست ترضى              مقاماً غير أحشائي ورأسي

أحمد شوقي يرثي والدته التي ماتت بالحمى وكان منفياً في الاندلس:

اَسَتْ جُرْحها الانباءُ غيرَ رَفيقةٍ                    وكم نازعٍ سهماً فكان هو السهما!

تَغارُ على الحُمّى الفضائلُ والعُلا               لِما قبَّلتْ منها،وما ضَمّت الحُمّى

أكانت تَمَنَّاها وتهوى لِقاءَها                     إذا هي سَمّاها بذي الأرضِ مَنْ سَمى؟

اَلَمّتْ عليها ،واتَّقَتْ ثمراتِها                     فلما وُقوا الأسواءَ لم ترَها ذمّا

خليل مطران:

اقرئِ القومَ سلامي واعتذاري                 حجبتني عِلَّةٌ في عُقْرِ داري

عاودتني جارةُ السّوءِ التي                      فارقتني منذُ أيامٍ قصارِ

أسرتني مرةً ثانية                                 بعدَ ظني أنها فكَّتْ أساري

إن تنلْ عابدَ شمسٍ نارُها                      لا يدِن بعد تولّيها بنارِ

ما بجسمي من بقايا همّتي                 غيرُ ضعفِ والتواءِ وانكسارِ

بي وقرٌ يُشبِهُ الشئ الذي                    في أولي الجاهِ يسمى بالوقارِ

كان لي بالأمسِ جأشٌ رابطٌ                  فغدا يُنكرهُ اليومَ دُواري

إنما دهريَ عنكم عاقني                      فأنا القاعدُ لكن باضطرارِ

خليل مطران:

ما موتُ أحمدَ حتفَ أنفٍ إنهُ                   للقتلُ في عُقبى أشدِّ نِزالِ

لبّى نداء ضميره لمّا دعا                        داعي الحفاظِ فجالَ أيَّ مجالِ

تعتاقهُ الحُمّى ولا يلوي بها                    هل عاقتِ الضِّرغامَ دونَ صيالِ

يا خيرَ من حامى فكان لِكُلِّ مَن              حامى بقدوتهِ أجلَّ مِثالِ

جُزتَ الفدى لمّا نهاكَ الطبُّ أو                تَردى فلم تمنحهُ  أدنى بالِ

وأجبتَ إني لم أضِنَّ على الحِمى                 بدمِ الشبابِ فما الدماءُ بغالي

جميل صدقي الزهاوي:

قيل عبد الرحمن يشكو زكاما                     ثمَّ قالوا يشكو ضَنىً ونحولا

ثمَّ قالوا خراجةٌ فيه لا بد                            دَ من الشق عاجلاً لتزولا

ثم قالوا الحُمّى التي لا زمته                        تيفوئيدٌ قد لا تدوم طويلا

ثمَّ قالوا أضاع من شدة الحم                        مى نُهاه والرشد إلا قليلا

فدوى طوقان في قصيدة يتيم وأم:

هاضه الوهن،وأعياهُ الألم             وسطا الضعف عليه والسقم

خاشع الأطراف من إعيائه              ما به يقلّب كفاً أو قدم

متداعٍ جسمه،منخذلٌ                    لجّت الحمى عليه فاضطرم

ساكن الأوصال إلا بصراً                زائغاً،يطرف حيناً،ويجم

عطفت من رحمة تحضنه             إنما دنيا اليتامى حضن أم

ومضت تمسح بالكفّ على          جبهةٍ رهن اشتعال وضرم

ولقد تندى فتخضّل له                وفرةٌ مثل الظلام المدلهم

نظر الطفل إليها صامتاً               وبعينيه حديث وكلم

ليت شعري،ما به؟ ما يبتغي       أبنفس الطفل سؤلٌ مكتتم؟

وحنت تسأل عن طلبته               فرنت عين له،وافترّ فم

قال:يا أمي واسأليه رجعة           فلكم يفرح قلبي لو قدم

لا تسل عن جرحها كيف مضى     من هنا أو من هنا ينزف دم

ضمّت الطفل إليها بيدٍ                 وبأخرى مسحت دمعاً سجم

عزّ ما يطلبه،يا رحمتا               كيف تأتي برفات ورمم!؟

غازي القصيبي في الحمى:

أحس بالرعشة تعتريني                      والموت يسترسل في وتيني

وموجة الإغماء تحتويني                       فقرّبي مني ولامسيني

مُرّي بكفيك  على جبيني                   وقبل أن أرقد حدثيني

قُصّي علي قصة السنين                   حكاية المشرد المسكين

طوف عبر قفره الضنين                       يشرب من سرابه الخؤون

ويشتكي النجود للحزون                     وجرّب الغربة في السفين

وهام في مرافئ الجنون                    كسندباد أحمق مأفون

وعاد بالحمى وبالشجون                   محملاً بصفقة المغبون

تعبت من جدّي ومن مجوني              من كل ما في عالمي المشحون

من مسرح محنط الفنون                        مشاهد باهتة التلوين

اُغنية رديئة التلحين                            امرأة شابت فما تغريني         

برمت بالمسرح … أخرجيني

مري بكفيك على جبيني                      وقبل أن أرقد ودعيني

احدهم:

زارت مُكفرّةُ الذنوبِ سريعةً                           فسألتُها باللهِ أن لا تُقلعي

احدهم :

شربنا وداوينا وما كان ضارنا              إذا الله حُمَّ المرءَ أن لا تدوايا

أحدهم:

وزائرةٍ بلا وعدٍ أتتني                     فحلَّتْ بين جسمي والفؤاد

سنانٌ للمنايا أن تراءت                   لنفسي فالمنايا في طراد

أحمد حسن الزيات –من وحي الرسالة –ج2 ص69:

„فإن الهذيان في الحر كالهذيان في الحمى ،تنفيسٌ عن الروح المكروب ،وتخفيفٌ عن الدم الفائر ،والهذيان كلام كفورةِ الإناء،ليس له نظام ولا فيه عقل ،ولكنه كحلم النائم لاتغلب فيه جملة على جملة ، ولا تظهر به صورة دون صورة ، إلا لأن لهما في العقل الباطن أثراً وبالروح اليقظان صلة ،ولعلك واجد في لواغي المحموم والنشوان والنائم من ومضات الحق ما لاتجده في بعض الكلام . ولقد كان في قرى الريف جماعة من الممسوسين  المستهامين يعتقد الناس أن وسوستهم من كشف الغيب وإنذار القدر . وربما اصابوا في لحونهم توجيهاً إلى منفعة أو تنبيهاً إلى مضرة „.

بعض الأدواء المترافقة مع الحمّى:

1 ـ حمى النفاس

باحثة البادية:

تعدو العوادي والخطوب تنوب                        ويلاه عيش المرء كيف يطيبُ

حمى النفاس شببت مهجة والد                   هيهات أن يطفي لظاه نحيبُ

حمى النفاس فجعت بعلاً لم يكد                   يرتاح حتى كدّرته شَعوبُ

حمى النفاس قصفت غصناً قد بدا                 إثماره وجناه كاد يطيبُ

حمى النفاس أما رحمت محمداً                    وبكاؤه يصمي الحشا ويذيبُ

أمحمد يوم الولادة سرّنا                               لكنه من حيث سرّ عصيبُ

كم نقبت في الطب تبغي حملها                ولرب شرٍّ جرّه التنقيبُ

وعسى الذي فيه الحياة مبغض                 وعسى الذي فيه البلاء حبيبُ

لهفي عليك اليتم أول حاضن                   لك بعدها والقابلات خطوبُ

واستقبلتك نوادب ما كان ذا                      يرجى ولكن البلاء نصيبُ

لم يجد ما زعم الطبيب ببرئها                   هيهات أن يقضي القضاء طبيبُ

فبطبه سالت عليك مدامع                        وبطبه انشقت عليك قلوبُ

يا قبر لا تعبث بغصن قوامها                     واحرص عليه إنه لرطيبُ

جاءت بأكفان وثوب زفافها                         لم يبله والله ذاك عجيبُ

إني أفاطم مذ نعوك عليلة                       قلبي وطرفي ذائب وسكوب

ما كنت أدري قبل خطبك بالأسى             حتى دهتني اليوم منه ضروبُ

أرضيت سكنى القبر كيف وأنت لم              يجبك بيت كنت فيه رحيبُ

وحثوا ثراه على جمالك عاطلاً                   أين الغلائل والحلي والطيبُ

واهاً لعيني جؤذر قد أغمضت                    لك كان يحلو فيهما التشبيبُ

ما كنت أحسب أن تغمض في الثرى           رغماً ألا إن الحياة كذوبُ

أصديقتي جلت عليك مصيبتي                   والصبر ندّ وما أراه يؤوبُ

عش يا محمد بعد اُمك سلوةً                      لأبيك إن غابت فليس تغيبُ

يقول الدكتور يوسف القرضاوي-موقع القرضاوي (الحكم على الناس بدخول الجنة أو النار):

ومن الشهداء موت المرأة في نفاسها بسبب ولدها أو هي حامل به ،ومن أدلة ذلك ما رواه الإمام أحمد وغيره بسند صحيح عن عبادة بن الصامت أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبر عن الشهداء فذكر منهم والمرأة يقتلها ولدها جمعاء شهادة ،يجرها ولدها بسرره إلى الجنة) يعني بحبل المشيمة الذي يقطع عنه .

2 ـ الحصبة

في الحديث الصحيح عن أسماء رضي الله عنها أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ، إن ابنتي أصابها الحصبة ،فامرّق شعرها (انتثر وسقط)وإني زَوجتها ، أفأصِلُ فيه ؟ فقال: „لعن الله الواصلة والموصولة“ . [متفق عليه] . وفي رواية : „الواصلة والمستوصلة“ .

ابن أحمر الباهلي:

تمشي بأكنافِ البليخِ نساؤنا                 أراملَ يستطعمن بالكفِ والفمِ

نقائذ برْسام وحُمَّى وحصبة                 وجوع وطاعون وفقرٍ ومَغرمِ

3 ـ النكاف

أحدهم:

يا أيها الدارئُ كالمنكوفِ                               والمُتشكي مَغلةَ المجحوف

(جعل حقده الذي نفخه كالورم في ظهر العير والمنكوف الذي يشتكي نكفته)

4 ـ الدفتريا=الخانوق

نور الدين الشهيد: كان يتمنى أن يموت شهيداً، فمات بعلة „الخوانيق“في قلعة دمشق-لعله مرض الدفتريا-فقيل له الشهيد وقبره في المدرسة النورية .

أحمد حسن الزيات (وحي الرسالة –ج1 ص312) :

يصف كيف اُصيب ابنه بالدفتريا وفقده على إثرها:

“ والهف نفسي عليه يوم تسلل إليه الحمام الراصد في وعكة قال الطبيب الغفلان إنها „البرد“، وقال القدر اليقظان بعد ثلاثة أيام إنها “ الدفتريا“. لقد عبث الداء الوبيل بجسمه النضر كما تعبث الريح السّموم بالزهرة الغضّة ! ولكن ذكاءه وجماله ولطفه لم تبرح قوية ناصعة ،تصارع العدم بحيوية الطفولة ، وتُحاجّ القدر في حكمة الحياة والموت . والهف نفسي عليه ساعة أخذته عضّةُ الموت ،وأدركته شهقة الروح ،فصاح بملء فمه الجميل „بابا، بابا“ كأنّما ظنّ أباه يدفع عنه ما لا يدفع عن نفسه . لنا الله من قبلك ومن بعدك يارجاء، وللذين تطولوا بالمواساة فيك السلامة والبقاء .“

وقال أيضاً:(وحي الرسالة ج2 ص136):

„في مثل هذا اليوم من سنة 1932-14 يناير-ولد لي ولدان : طفل وكتاب ! أذكر هذا كل الذكر، لأنني في ذلك اليوم المقرور عدت في متوع الضحى من دار المعلمين بكرخ بغداد إلى داري بالرصافة ،فلزمتها  جالساً امام المدفأة الموقدة أكتب الفصل الأخير من كتابي (العراق كما رأيته) ثم جاءني النبأ من مصر بعد ذلك بأن „رجاء“ ولد في هذا اليوم نفسه . وكان طفلي وكتابي أعز شئ علي ،لأن ابن نفسي كان نتيجة أربعين سنة من خير عمري  وابن فكري كان نتيجة ثلاث سنين من خير عملي .

ويتابع رحمه الله:“ ولكن وا أسفاه ! لم يعد للطفل الحبيب نَفَس ينسم على نفسي ببرد الجنة، ولم يبق من الكتاب العزيز سطر يشعَب فؤادي بذكرى العراق! والهفتاه على ولدي الذي أبدعه الله ،وعلى أخيه الذي ابدعته نفسي ! جاءا معاً في الشتاء ،فلم أجد بفضل وجودهما برداً ولا عبوساً ولا كآبة ،وذهبا معاً في الربيع، فلم أحس بسبب فقدهما دفئاً ولا طلاقة ولا بهجة. أودى بهما القدر العابث خداعاً وغيلة ، فسلب العين الكلوء ريبة الحذر، وجرد الدفاع اليقظ من فرصة الحيلة . دب للطفل الموت الوحيّ(السريع)في وعكة خفيفة من البرد ظنها الطبيب زكاماً عارضاً فإذا هي الخناق(الدفتريا) القاتل . ومشى للكتاب القدر المحتوم في ركام من الورق المتروك فذهب خلسة إلى النار المبيدة!.

ويتابع:“وهكذا قضى الله أن تذهب إلى العدم خلاصة العمر وعصارة الفكر في فترة ضائعة من فترات الغفلة! وهيهات أن يكون لهما في الحياة عوض ، فإن الفلذة إذا اقتطعت من الجسم لا ترجع إليه  ولا تتجدد فيه ،وسحر المنظر الجديد لا يتكرر أثره في نفس زائره ومجتليه“.

5 ـ الحمى القرمزية

ابراهيم الدياغ يصف طفلاً أصيب بالحمى القرمزية فتالم للطفل وواساه وأنشد:

رمى الله „أم القرمزية “ وابنها                بسهم إذ كان „ابن عباس“ مرماها

ألَمَّتْ به إلمامة المريح بالقنا                   لئن طاب مأواها ،فلا طابَ مثواها

فكم ضايقت طفلاً وليداً وأبرمت                 صبياً ،وبات الشيخ والكهل يخشاها

فشلت يداها أن اقامت فأثقلت                 وقص جناحاها سراعاً وعيناها

تعاقب بممساها وآذن صبحها                عسى صبحها يأتي ببشرى وممساها

6 ـ داء التيفوس

محمد محمود الزبيري يصف وباء التيفوس الذي اجتاح اليمن عام 1362هجري وتوفي به القاضي يحيي بن محمد الأرياني(شعراء عرب معاصرون البعيني ص335):

شمسٌ طواها بليلِ القبر مقدورٌ                   فالنور مُفتقَدٌ والصبحُ مقبورُ

وأقبلَ العيدُ أعمى غارَ ناظرُهُ                     كأنَّما اللحدُ في عينيهِ محفورُ

يسعى ويعثرُ بالأكباد مضرمةً                  كأنَّها الجمر في مسعاهُ منثورُ

رأى الثرى أدمعاً حمراً فرَّقَ له                 كأنَّما الأرضَ جُرْحٌ وهو دكتور

والموتُ يفتحُ أفواه القبورِ له                    على الطريقِ فيمشي وهو مذعورُ

يفتّرُ مبتسماً من قُبحِ طلعته                    كما تَبَسَّمَ للأهوالِ سكّيرُ