الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

الحمى — 2

يا فاترَ الظلِّ غليظ الهوى                          أنت على نفسك لي شاهدُ

ليست لحمى خيبرٍ رُقيّةٌ                           تُعرف إلا شعرك الباردُ

حُمّى الأهواز(ثمار القلوب للثعالبي ص 550-551):

قال الجاحظ : قصبة الأهواز مخصوصة بالحمى الدائمة اللازمة ،قتّالة الغلباء ،على أن حُمّاها ليست إلى الغريب بأسرع منها إلى القريب. أخبرنا ابراهيم بن العباس عن مشيخة من أهلها ، عن القوابل ،أنهنَّ ربما قبلن الطفل المولود فيجدنه محموماً،يعرفن ذلك ويتحدثن به  قال : ولم أر بها وجنةً حمراء لصبيّ ولا لصبية،ولا دماً ظاهراً ولا قريباً من ذلك ،وإنما وباؤها وحماها في وقت انكشاف الوباء ونزوع الحمى عن جميع البلدان .قال : وليس يؤتى أهلها والطارئون عليها من كثرة الحُميات من قبل التخم ،أو من قبل الحَبَط والإكثار ،وإنما يؤتون من عين البلدة ،وبليتها أن من ورائها سباخاً ومناقع مياه غليظة ،وفيها أنهار تشقها مساكن ومياه امطارهم ومتوضاتهم ،وقد تحدث تلك السباخ وتلك الأنهار هواءً فاسداً يفسد كل شئ يشتمل عليه ذلك الهواء“ .

أم مِلْدم: هي الحُمّى ،قال أصحاب الإشتقاق : هي مأخوذة من الّلدْم، وهو ضرب الوجه حتى يحمّر ،وقال بعضهم : ملذم بالذال المعجمة ،من قولهم لذم به ،إذا لزمه .

بنت المنيّة: هي الحُمّى ،ويقال إن أبلغ ما قيل في وصفها قول عبد الصّمد بن المعذَّل من قصيدةٍ أولها :

هجرتُ الهوى…..موجودة في اسفل الصفحة

وله أيضاً (أي ابن المعذّل) :

بنت المنيّة بي موكَّلَةٌ                              عقب النهارِ كمقتضٍ قرضا

ألفتْ وفاءً ليس تسأمهُ                            فترى مواصلتي بهِ فَرْضا

عَرقت بنافِضِها وصالبِها                           لحمي ورضَّتْ أعظمي رَضّا

ولو أنها ترمى بشكّتها                            نيقاً أشمَّ لذاب وارفضّا

ولم يزل شعر ابن المعذّل أمير ما قيل في الحمى حتى جاءت ميمية أبي الطيب فأربت عليه ،وقد جعلها بنتَ الدهر في قوله:

أبنتَ الدهر عندي كلُّ بنت                         فكيفَ وصلتِ أنتِ من الزحامِ

يقول عندي كل حادثة من حوادث الدهر ونوائبه فكيف خلصت الى جسمي من زحمة النوائب .

ولبعض أهل العصر :

سئمتُ العيشَ حين رأي                       تُ صرف الدهر يُرهقني

صعوداً والصعود إلي                             هِ يعجزني فيقلقني

وبنتُ الموت بالآلا                                 مِ والأوجاعِ تطرقني

تُؤرقني ، تُحرّقني                               تُعرّقني ، تُغَرّقني

(نقلاً عن ثمار القلوب للثعالبي ص273-274)

صفي الدين الحلي “

فداءُ الجهلِ ليس له دواءٌ                              كحمى الربع في فصلِ الخريفِ

أحدهم :

فإن تَكُ حُمَّى الغِبِّ شَفَكَّ وِردُها                فعقباكَ منها أن يطول لك العمرُ

وقيناك ! لو نعطى المنى فيك والهوى      لكان بي الشكوى وكان لك الأجرُ

(حمى الغب: التي تنوب المريض يوماً بعد يوم ، الورد : من اسماء الحمى وقيل هو يومها الذي تاخذ فيه صاحبها)

الشنفرى (لامية العرب):

وإلفُ هُمُومٍ ما تزالُ تعودُهُ                       عِياداً كحُمَّى الرِبْعِ أو هي أثقَلُ

إذا وَردَتْ أصدرتُها  ،ثمَّ إنّها                      تثوبُ فتأتي من تُحَيتٍ ومن عَلُ

المتنبي وحمى الملاريا(البرداء):في ذي الحجة من السنة 348هجري (نيسان 960م) أصيب المتنبي بحمى الِربع (الحمى الراجعة لأنها تعود في كل أربعة ايام مرة) فقال يشكو المرض والحمى :

وَمَلَّني الفراشُ وكان جنبي                      يَملُّ لقاءَهُ في كُلِّ عامِ

عَليلُ الجسمِ مُمتنِعُ القيامِ                       شديدُ السُّكرِ من غيرِ المُدامِ

قليلٌ عائدي ،سَقِمٌ فؤادي                     كثيرٌ حاسدي ،صعبٌ مرامي

وزائرتي كأنَّ بها حياءً                             فليسَ تزورُ إلا في الظلامِ

بذلتُ لها المطارفَ والحشايا                 فعافتها وباتت في عظامي

يضيقُ الجلدُ عن نَفَسي وعنها             فتوسِعهُ بأنواعِ السَّقامِ

إذا ما فارقتني غسلتني                      كأنا عاكفان على حَرامِ

كأنَّ الصُبحَ يطرُدُها فتجري                 مدامعُها  بأربعةٍ سِجامِ

أراقبُ وقتها من غيرِ شَوقٍ                 مراقبةَ المشوقِ المُستهامِ

(من غير شوق:كرها لاشوقا)

ويصدُقُ وعدُها ،والصدقُ شرٌّ               إذا ألقاكَ في الكُرَبِ العظام

أبنتَ الدهر عندي كُلُّ بنتٍ                    فكيفَ وصلتِ أنتِ منَ الزحامِ

جَرَحتِ مُجَرَّحاً لم يبقَ فيهِ                    مكان ٌ للسيوفِ ولا السهامِ

ألا ياليتَ شَعرَ يدي أتُمسي                 تَصَرَّفُ في عِنانٍ أو زِمامِ

وهل أرمي هوايَ براقصاتٍ                  مُحلاةِ المقاودِ باللغامِ

فربما شفيتُ عليلَ صدري                 بسبر أو قناةٍ أو حُسامِ

وضاقت خُطةٌ فخلصتُ منها               خلاصَ الخمرِ من نَسجِ الفِدامِ

وفارقتُ الحبيب بلا وداعٍ                    وودَعتُ البلادَ بلا سلامِ

يقولُ ليَ الطبيبُ أكلتَ شيئاً             وداؤكَ في شرابك والطعام

وما في طِبَّهِ أني جَوادٌ                     أضَرَّ بجسمهِ طولُ الجِمامِ

تَعوَّدَ أن يُغَبِرَّ في السّرايا                ويدخلَ من قَتامٍ في قَتام

فأمسِكَ لا بُطالُ له فيرعى            ولا هو في العليق ولا اللجام

فإن أمرِض فما مرِضَ اصطباري           وإن اُحَمْ فما حُمَّ اعتزامي

وإن أسلمْ فما ابقى ،ولكن                 سَلِمتُ من الحِمامِ إلى الحِمامِ

تمتَّع من سُهادِ أو رقادٍ                       ولا تأمل كرى تحتَ الرِجامِ

فإنَّ لثالثِ الحالينِ معنىً                  سوى معنى انتباهكَ والمنام

(المطارف: ج المطرِف : الثوب الثمين ، الحشية : الفراش .أي نمت على فراش ولبست ثيابا ومع ذلك لم يفارقني البرد . ومع اقتراب الصبح ينضح جسم المصاب بالبرداء عرقاً وتذهب عنه الحمى ويفارقه البرد ، وكأن العرق دموع للحمى حزنا على فراقه ).

ويقول في زهر الاداب للقيرواني ج3-4 ص928: أصابته الحمى بمصر فكان بعض اخوانه يكثر الإلمام به فلما أبلَّ قطعه  فكتب اليه : وصلتني أعزَّكَ الله معتلاً وقطعتني مُبلاً ، فان رايت ألا تكدر الصحة علي وتحبب العلة إلي فعلت )

المتنبي:

لا نعذل المرض الذي بك، شائقٌ                     أنت الرجال ،وشائقٌ علاّتها

ومنازل الحمى الجسوم، فقل لنا:                 ماعذرها في تركها خيراتها؟

(لا عذر للحمى في تركها جسمك إذ هو أفضل الجسوم)

أعجبتها شرفاً فطال وقوفها                         لتأمل الأعضاء لا لإذاتها

ضجر اعرابي بكثرة العيال والولد  وبلغه أن الوباء بخيبر شديد ، فخرج إليها بعياله يعرضهم للموت وأنشأ يقول:

قلتُ لحُمَّى خيبرَ استعدّي                   هاكِ عيالي فاجهدي وجدِّي

وباكري بصالبٍ ووِردِ                            أعانك اللهُ على ذي الجُنْدِ

فأخذته الحمى ،فمات هو وبقي عياله (العقد الفريد ج4 ص20، وعيون الاخبار ابن قتيبة  كتاب السؤدد ص 249)

الأخطل:

سقى الله منهُ دارَ سَلمى برَّيةٍ               على أنَّ سلمى ليسَ يشفى سقيمها

من العربياتِ البوادي ،ولم تكن               تلوّحها حُمّى دمشقَ ومُومها

ولو حملتني السرّ سلمى حملتهُ            وهل يحملُ الأسرارُ إلا كتومها

المرقش الأكبر:

إذا ذكرتها النفس ظَلَّتُ كأنني                  يزعزعني قفقافُ وِردٍ وصالبه

(الوِرد :الحمى ، القفقاف: اضطراب الحنكين واصطكاك الاسنان ،الصالب: شدة الحرارة مع الرعدة)

فروة بن حميضة الأسدي:

سقى الله وصلَ المالكيّة إنها                 وإن كانت لا تثيبُ ولا تجدي

ليعتادني منها على النأي عائدٌ              كما اعتادتْ الحُمّى أخا الوعك بالوردِ

بشار بن برد:

وصاحبٍ نافع لي طول صحبته                 لا ينفعُ الدهرَ إلا وهو محمومُ

تأتيكَ في نافضِ الحمى مكارمه            وإن أفاقَ بدا في وجهه اللومُ

أبو تمام:

إنّ وجه الحمى لوجه صفيقٌ                  حين حلَّتْ بهِ نهاراً جهاراً

لم تشن وجهه المليح ولكن                  حولّت ورد وجنتيه بهارا

أبو نواس في الجارية عنان أصابتها الحمى:

إنّي حممت ولم أشعر بحماك                  حتى تحدّث عوادي بشكواك

فقلت ما كانت الحمى لتطرقني              من غير ما سبب إلا بحماك

وخصلة كنت فيها غير متهم                عافاني الله منها حين عافاك

حتى إذا انفقت نفسي ونفسك في     هذا وذاك وفي هذا وذاك

عبد الصمد بن المعذَّل يصف حمى اعترته(تاريخ الأدب العربي-العصر العباسي الأول –شوقي ضيف ص 185):

هجرتُ الهوى أيمّا هَجرَهْ                  وعفتُ الغواني والخَمره

لوتني عن وصلها سكرةٌ                 بكأسِ الضنا بعدها سكره

وبنتُ المنيِّة تنتابني                      هُدُوَّاً وتطرقني  سَحره

(الهدو:أوائل الليل. السحر:وقت السحر)

إذا وردتْ لم يَزع وِرْدَها                 عن القلب حُجب ولا ستره

كأنَّ لها ضَرَماً في الحشا               وفي كل عضوٍ لها جَمْرَهْ

لها قُدرةٌ في جُسومِ الأنامِ             حباها بها الله ذو القُدْرَهْ

فقد سلبت أعظمي نَحضَها           ولم تترِكْ من دمي قَطره

وطوراً ألقيتها سُخْنَةً                     وطوراً ألقبَّها فَتْرَهْ

وصِرْتُ إذا جُعْتُ يوماً ظَلِلتُ           كأنَّ على كبدي شَفْرَهْ

ويربو الطحالُ إذا ما شبعتُ            فتعلو الترائِبُ والصُّدَرهْ

وأمسي كأني من معدتي          لبستُ الثيابَ على زُكْرَهْ

(زق الخل)

إذا ما رأيتُ امرءاً مُطْلَقاً               لهُ الأكلُ تخنقني العَبَرهْ

كأني في منزلي مُخضِباً          ببلقعةٍ جَدْبَةٍ قَفْرهْ

(الفلاء)

(يصف أثر الحمى في الجسم وأوقاتها  التي تفد فيها وآلامه مع الجوع والأكل وما يحس به في جوفه من مرارة وحدّة،وصوّر شعوره بالحرمان وغبطته الأصحاء على ما يطعمون ،وبيته حافل بألوان الغذاء ولكنه يشعر كأنما هو في فلاة مجدبة).

ابن شيروية يصف الحمى:

وزائرة تزور بلا رقيب                               وتنزل الفتى من غير حبه

وما أحد يحب القلب منها                      ولا تحلو زيارتها بقلبه

تبيت بباطن الأحشاء منه                      فيطلب بعدها من عظم كربه

وتمنعه لذيذ العيش حتى                     تنغصه بمأكله ومشربه

اتت لزيارتي من غير وعد                     وكم من زائر لا مرحباً به

أبو بكر الخوارزمي يصف الحمى (يتيمة الدهر الثعالبي ج4 ص248):

ولي من أمِّ ملدمَ كُلَّ يومٍ                       ضجيجٌ لا يلذُّ له منامُ

مُقَبِلَّةٌ وليسَ لها ثنايا                              معانقةٌ وليسَ لها التزامُ

كأنَّ لها ضرائرُ من غذائي                      فيغضبها شرابيَ والطعام

إذا ما صافحت صفحاتُ وجهي               غدا ألفاً وأمسى وهو لام

إذاً لرأيتَ عبدك والمنايا                         تصيحُ به تَنَبهْ كم تنام

وما استبكاك من بعدي أسيرٌ                 يرضُّ عظامه الحقُّ العظام

ولا ترجيع ثكلى خلف نعشٍ                     (أمحمولٌ على النعش الهمام)

الأمير ناصر الدين بن النقيب في الحمى:

أقول لنوبة الحمّى اتركيني                     ولا بك منك لي ماعشت أوبه

فقالت كيف يمكن ترك هذا                       وهل يبقى الأمير بغير نوبه

أبو الحجاج الفهري الغرناطي في الوزير ابن الحكم وقد أصابته حمى تركت على شفتيه عقابيل(بثورا):

حاشاك أن تمرض حاشاكا                      قد اشتكى قلبي لشكواكا

إن كنت محموماً ضعيف القوى                فإنني أحسد حماك

ما رضيت حماك إذا باشرت                    جسمك حتى قلبك فاكا

أبو الغوث بن نحرير المنيحي يقول في الحمى (يتيمة الدهر الثعالبي ص93):

وحُمّى حمتني النوم حتى كأنما              شقوقُ جفوني  في الصفاة صدوعُ

تهبُّ شتاءً ثم تعقب صايفاً                         أما لسنيك المنكرات ربيعُ

أدثر عنها  بالحشايا تَعللاً                           وليس لها عمّا تريد رجوعُ

إذا كان نبض السهم من  باطن الحشا      فكيف تجنّ المرء منه دروع

كشاجم في سبب الحمى:

ولقد اخطأ قوم زعموا                              أنها من فضل برد في العصب

هو ذاك الذهن أذكى ناره                         والمزاج المفرط الحر التهب

أحمد بن بدر المعروف بالبلاط في ولده وقد حُمَّ(يتيمة الدهر ج1 ص520) :

أعزز عليَّ بنيَّ ماتلقى                             سدَّت عليَّ شكاتك الطرُّقا