التداوي بين الطب والإسلام — المقدمة والسنة النبوية
التداوي بين الطبِّ والإسلام
- ١ التداوي بين الطب والإسلام — المقدمة والسنة النبوية
- ٢ التداوي بين الطب والإسلام — الطب النبوي ووسائل العلاج
بسم الله الرحمن الرحيم
التداوي بين الطبِّ والإسلام
الحمد لله الذي أنزل لكل داء دواء،وجعل لكل بليّة شفاء،الحمد لله ناشرالأمم،ومنشر الرمم ،بارئ النسم،ومبرئ السقم،مُقدّر الأدواء ومنزّل الدواء،وأشهد أن لا إله إلا الله،شهادة خالصة مخلصة من موبقات الخطل والندم،وأشهد أن محمداً عبده ورسوله،المبعوث بجوامع الكلم،والمرسل إلى كافة العرب والعجم،صلى الله عليه وسلم صلاة دائمة باقية،وعلى آله وأصحابه وسلم ،أما بعد، فإنّ الطبّ مهنة قديمة عرفها الإنسان وهي رسالة إنسانية شريفة تخُفّف من آلام الإنسانية وقد يتحقق بإذن الله تعالى فيها الشفاء ولأهمية هذه الصفة فإن الكتب الإلهية والأوامر الشرعية جعلت علم الأبدان قريبا لعلم الأديان،ولقد كان من تعاليم الإسلام ومبادئه وشرائعه الحضّ على صحة البدن والإعتناء بالصحة،ومن لوازم ذلك التداوي واللجوء إلى الطبيب عند الحاجة والمرض،وإذا عدنا إلى الأحاديث النبوية الشريفة وجدنا فيها ينبوعا ومَعينا لا ينتهي حول هذا الموضوع،ولا نجد هنالك خلافاً أو اختلافاً حول الفهم الصحيح لهذه الأحاديث،ولكنه وللأسف ومن خلال عصور الجهالة التي أصابت العالم الإسلامي والتي تبدلت فيها كثير من المفاهيم،والتي شاعت وراجت فيها أراء حول مواضيع عديدة،ومنها موضوع التداوي،وبحيث أن اللجوء إلى الطبيب أصبح عند كثير من عامة المسلمين وللأسف أيضا بعض علمائهم أمراً يعارض الإسلام،وزاد الطين بلة فتاوى جُهال أرباع العلماء وعلماء الجهل والسوء،من أجل مصالح شخصية يحصلون عليها ولوعلى حساب عافية وصحة وحياة كثير من المسلمين . إن هناك وللأسف عدد من المسلمين يجهل ضرورة المعالجة والتداوي،ويجهل أن الإسلام حضّ بل أمر بالتداوي،فتراه وبسبب جهله يُهمل نفسه فيهدّه المرض ويشتدّ به الألم،فلا يستنصح طبيبا ولا يُصغي لقول حكيم أوعالم ،ولأن سألته عن السبب أجابك إجابات متكررة مثل: الشفاء من الله،وإن الله مع الصابرين،وإن الطبيب هو الله إلى غير ذلك …. نعم إن الإنسان لا يفهم أحيانا لماذا يحُجم بعض المسلمين عن التداوي فتراهم يتألمون ويتعبون وترتفع حرارتهم وتضوى أجسامهم ويشرفون على الهلاك ولا يزورون طبيبا ولا يستأنسون برأيه!! لماذا ؟ البعض يعلل ذلك بالفقر وهذا قد يكون أحياناً صحيحاً ولكن ما بالك بالذي تيسّرت له المعاينة المجانية ولا يفعل ذلك؟! لقد أصبح الناس في بلاد الغرب يزور منهم الصحيح المُعافى الطبيب كل سنة بل كل ستة شهور من أجل التأكد من سلامته ومراقبة حاله والكشف عن المرض في بدايته وقبل استفحاله،فما بالنا نحن المسلمين مقصرين!! إن الواحد منا لايزور الطبيب إلا بعد استفحال المرض وحدوث اختلاطاته ومضاعفاته،والوصول إلى حالة لا ينفع معها الدواء،ولربما أيضا الدعاء!! والأدهى من ذلك والأمَّر أن هذه المضاعفات والاختلاطات قد لاتكون ضارةً لحامل المرض فقط،بل قد تتعدّاه إلى من حوله وخاصة عند الإصابة ببعض الأمراض الوبائية المُعدية كالسل أوالحمى التيفية. إن هذا النفر من الجهال يُشكل عنصراً خطيراً في المجتمع يُشوّه سمعة الإسلام وقد يستغل بعض الخبثاء هذا الجهل وينشروا الدعايات المغرضة والحاقدة عن الإسلام للطعن في مبادئه وتشويه حقائقه،ولكن نقول لهم خَسئتم فانَّ للدين رباً يحميه،ويُظهر نوره وسلطانه على لسان علماء صادقين مخلصين يدافعون عن هذا الدين ويتصدون للجاهلين من أهله والحاقدين من أعدائه. نظرة عن التداوي قبل الإسلام: يقول الأستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله(الموسوعة المجلد الخامس ت ص119): “إن الشريعة المنسوبة إلى موسى عليه السلام قد تناولت من أمور المعيشة ماهو اليوم من شئون الأطباء.وتناولت من تشريع الجزاء والعقاب أحكاماً لا يقرها اليوم أحد من المؤمنبين بها،وإن كان من المؤمنين بإيحاء الشريعة من الله إلى كليم الله. فمن الشئون التي كان يتولاها الكاهن تمحيص أعراض العلل والأدواء وعزل المصابين بها وإعلان نجاستهم عن الملأ لاعتقادهم أن المرض الخبيث المعدي نجاسة منافية للطهارة الدينية أو ضربة من الضربات ال‘لهية،ويشرح كتاب اللاويين في الإصحاح الثالث عشر منه مثلاً من ذلك فيقول في يان المعاملة الواجبة للمصابين بالبرص: “إذا كان إنسان قد ذهب شعر رأسه فهو أقرع.إنه طاهر.وإن ذهب شعر رأسه من جبهة وجهه فهو أصلع،إنه طاهر.ولكن إذا كان في القرعة أو الصلعة ضربة بيضاء ضاربة إلى الحمرة فهو برص مفرخ في قرعته أو في صلعته كمنظر البرص في جلد الجسد فهو إنسان أبرص،إنه نجس،فيحكم الكاهن بنجاسته.إن ضربته في رأسه.والابرص الذي فيه الضربة تكون ثيابه مشقوقة ورأسه يكون مشقوقاً ويغطى شاربيه وينادي:نجس نجس!كلالأيام التي تكون الضربة فيه يكون نجساً.إنه نجس يكون وحده خارج المحلة…”. وكان الكاهن يتولى من شئون الطعام والشراب ماهو ألصق بالمعيشة اليومية من شئون الطب ومعاملة المصابين بالعلل والسقام،فالكاهن هو الذي يزكي الطعام ويستولي على نصيب المعبد منها وإليه المرجع في التمييز بين الأطعمة المطهرة والأطعمة النجسة من لحوم الحيوان”. وجاء في تاريخ آداب اللغة العربية لجورج زيدان الجزء الأول ص 174: “الطب من جملة العلوم التي اشتهر بها الكلدان كهنة بابل،ويقال إنهم أول من بحث في علاج الأمراض…فكانوا يضعون مرضاهم في الأزقة ومعابر الطرق حتى إذا مر بهم أحد أصيب بذلك الداء أخبرهم بسبب شفائه،فيكتبون ذلك على ألأواح يعلقونها في الهياكل.ولذلك كان التطبيب عندهم من جملة أعمال الكهان.وعن الكلدان أخذت سائر الأمم القديمة،وفي جملتها العرب.وهو متشابه عند الأمم،في مصر وفينيقية وأشور.وكان لمصر شأن خاص فيه.ثم تناوله اليونان فأتقنوه ورتبوا أبوابه،وعنهم أخذ الرومان والفرس.ونظراً لمعاصرة العرب لهذه الدول فقد اقتبسوا شيئاً من طبّها أضافوه إلى ماجاءهم به الكلدان،وإلى ما استنبطوه من عند أنفسهم بالاختبار،فتألف في ذلك ماعبرنا عنه بالطب في الجاهلية.ولايزال كثير منه إلى اليوم في قبائل البادية.وكان التطبيب عندهم طريقتان:الأولى طريقة الكهان والعرافين،والثانية طريقة العلاج الحقيقية.فالكهان كانوا يعالجون بالرقى والسحر أو بذبح الذبائح في الكعبة والدعاء فيها أو بالتعزيم أو نحو ذلك. وكان التطبيب بالرقى شائعاً في الأمم القديمة كلها،وقد وجدوا في الآثار المصرية كثيراً من العزائم التي كانوا يصفونها لمعالجة المرضى.وجاء في أخبارهم أن كاهنهم كانإذا سار لمعالجة مريض صحبه خادمان أحدهما يحمل كتاب العزائم،والثاني يحمل صندوق العقاقير الطبية وهم يعالجون بالإثنين معاً.وكانوا يوجهون كلامهم في العزيمة أو الرقية إلى أحد آلهتهم وخصوصاً ايزيس وأوزيريس ورع،ولهم عبارات يقولونها عند وضع الأدوية وعند مناولتها للمريض.فمن أمثلة العزائم التي كانوا يتلونها عند تناول الدواء:”هذا هو كتاب الشفاء لكل مريض،فهل لإيزيس أن تشفيني كما شفت حوريس من كل ألأم أصابه من ست حينما قتل أباه أوزيريس؟فيا ايزيس أنت الساحرة الكبيرة اشفيني وخلصيني من كل شىء مكدر ردىء شيطاني ومن أمراض اللبسة والأمراض اتلقاتلة والخبيثة بأنواعها التي تعتريني كما خلصت ابنك حوريس…”.وكان عندهم عزائم لإخراج الأرواح الشريرة التي تسبب الأمراض في زعمهم. فعلى هذه الكيفية كان العرب يتلون العزائم لأصنامهم ويرقون لإخراج الجان أو الشياطين.وكان اعتقادهم من هذا القبيل أنهم إذا خافوا وباء نهقوا نهيق الحمير،يزعمون أن ذلك يمنعهم من الوباء وأن شرب دماء الملوك يشفى من الخبل. وأما معالجتهم بالعقاقير فشبيهة بما كان عند المصريين وغيرهم من الأمم القديمة،فقد كانوا يعالجون بالعقاقير البسيطة أو الأشربة وخصوصاً العسل…فإنه كان قاعدة العلاج في أمراض البطن،على أن اعتمادهم في معالجة الأمراض كان معظمه عائداً إلى الجراحة كالحجامة والكي.ومن أقوالهم:”كل داء يحسم بالكي آخر الأمر..وآخر الطب الكي”.وكثيراً ما كانوا يعالجون بالقطع أو البتر،والغالب أن يكون ذلك بالنار…فإن النار عندهم كانت تقوم مقام مضادات الفساد عندنا.فإذا أرادوا فصل عضو حموا شفرة بالنار وقطعوه بها كما فعلوا بصخر بن عمرو أخي الخنساء لما نتأت قطعة من جوفه مثل الكبد على أثر طعنة،فأحموا له شفرة وقطعوها. وكانوا يعالجون الحول في البصر بإدامة النظر إلى حجر الرحى في دورانه،ويزعمون أن العين تستقيم به.ومن معالجتهم التي نعدها اليوم خرافة أن المجروح إذا شرب الماء مات وإذا خافت المرأة حتى برد قلبها سقوها ماءً حاراً. وأما الاطباء فقد كانوا في أول الامر من الكهنة،ثم تعاطى الطب جماعة العرب ممن خالطوا الروم والفرس،وأخذوا الطب عنهم،فاشتهروا بهذه الصناعة وأكثرهم من أهل النهضة الأخيرة قبل الإسلام حوالي القرن السادس للميلاد…على أن بعضهم أقدم من ذلك كثيراً،وأقدم أطبائهم لقمان وهو حكيمهم وفيلسوفهم،وفي أصله وزمن وجوده اختلاف،يليه رجل من تيم الرباب يقال له ابن حزيم ويضربون به المثل بالحذق في الطب،فيقولون لمن أرادوا وصفه بذلك:”أطبّ من ابن حزيم” وفيه يقول أوس بن حجر: فهل لكمُ فيها إلي فإنني بصيرٌ بما أعيا النطاسيّ حزيماً ومن أحدث أطباء الجاهلية الحارث بن كلدة،توفي سنة 13 للهجرة.وهو من بني ثقيف من أهل الطائف،رحل إلى أرض فارس وأخذ الطب من جنديسابور وتعاطى صناعة الطب هناك واكتسب مالاً ثم عاد إلى بلاده وأقام في الطائف.ونال شهرة واسعة وقد أدرك الإسلام ،وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر من كان به علّة أن يأتيه فيستوصفه.ومنهم ابن أبي رومية التميمي والنضر بن الحارث بن كلدة. وأكثر هؤلاء الأطباء ثقفوا الطب من بلاد الفرس أو الروم،وبعضهم أخذه عن الكهان أو الاحبار من الأديار ونحوها.وربما أخذوا عنهم شيئاً من الفلسفة القديمة كما فعل النضر المذكور.والظاهر أن بعضهم كان يخصص نفسه للأعمال الجراحية فيغلب عليه لقب الجراح،وأشهر جراحي الجاهلية ابن أبي رومية التميمي المتقدم ذكره،فقد كان جراحاً مزاولاً لأعمال اليد. ويؤخذ مما حوته اللغة العربية قبل الإسلام من أسماء العلل والامراض والعقاقير، أن العرب عرفوا كثيراً من الأمراض ومعالجتها وناهيك بما عرفوه وتوسعوا فيه من أحوال الأعضاء وأوصافها وهو من قبيل علم التشريح،وهم يعبرون عنه بخلق الإنسان”. الصحة الوقائية: يقول الأستاذ الدكتور أحمد حمدي الخياط والد الدكتور محمد هيثم الخياط رحمهما الله في كتابه”فن الصحة”: “إن الفرق كبير بين الوقاية من الأمراض وبين معالجتها بعد الإصابة بها،لأن المرض وإن زال من الجسم،إلا أنه قد يترك بعض الأثر.وإن آثار الأمراض التي يصاب بها الإنسان تظهر علائمها عاجلاً أو آجلاً.فما أهم الأمراض التي تتجلى في الشيخوخة من قلبية أو كلوية أو غيرها دون سبب مباشر إلا نتيجة تلك النوازل السابقة في البدن.هذا عدا ما ينال المريض من البؤس والضعف والخسارة المادية فوق آلامه وأوجاعه حال وجود المرض. ويتابع:”وما يقال في الفرد الواحد يمكن قوله في الشعب والأمة،وذلك لأن قوة الأمة تتجلى بمجموع قوى أفرادها،وإن دخلها يقاس بدخل أفرادها.فالأمة التي تكصر في أفرادها عدم السلامة أو ينزل في ساحتها وباء، أو تستوطن فيها الأمراض تكون عرضة لخسران مادي واقتصادي عظيم،لا بنقص الدخل الحاصل من عدم الاستفادة من عمل أولئك فحسب،بل لما ينفق فوق ذلك لمداواتهم وتمريضهم وإعالتهم والعناية بهم.أضف إلى ذلك ما يحدث من ارتباك في النفوس بسبب تلك الامراض. هذا وإن النتيجة من المداواة لا تكون واحدة بالنسبة لذات المرض،لاختلاف الأحوال التي يقع فيها والأسباب المهيئة له وبنية المريض ومقاومته وسنه.ولذلك يقال:”لا مرض هنالك بل مريض”. أما الوقاية الصحية أو الصحة الوقائية فليس فيها هذا الاضطراب والإختلاط إذ أن مايحتاج إليه شفاء بعض الأمراض من التدابير والعقاقير يقوم بدله في الوقاية منه ما هو أقل منه بكثير”. إن الإسلام هو دين النهضة ودين العلم وهو ضد الجهل وضد التخلف،بل إن دراسة العلوم في الإسلام عبادة،وترك العلم والتعلّم مخالفة ومعصية،ولقد كان لدعوة الإسلام للعلم وطلبه والسعي في الحصول عليه الدور الكبير في ظهور أعداد كبيره من علماء وأطباء المسلمين في عصوره الذهبية وكان كثير منهم يجمعون مابين علوم الدين والدنيا وخاصه علوم الطب والصيدلة ،وكانوا منارات أنارت سراديب الجهل ودياجير الظلام،وسوف أحاول إن شاء الله أن أتطرق لأحكام التداوي في الإسلام،واسأل الله أن يوفقني إلى سداد القول وصواب الرأي،فإن وُفقت فمن الله،وان أخطأت فاسأل الله المغفرة وحسن الجزاء في الدنيا والأخرة.التداوي سنّة مؤكدة
التداوي لغة : مصدر تداوى،أي تناول الدواء.وهو مأخوذ من داواه مداواة:أي عالجه.وجمع الدواء أدوية،وهو اسم لما استعمل بقصد إزالة المرض والألم.ويطلق على المرض الداء.والتداوي لايخرج في استعمال الفقهاء عن المعنى اللغوي فهو: ما يكون به شفاء المرض بإذن الله من عقار طبي أو رقية أو علاج طبيعي : كالتدليك ونحوه. التداوي سنة نبوية مؤكدة،لا تناقض بينها وبين مبدأ التوكل على الله والإيمان بالقضاء والقدر يشهد لذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله وهديه وإرشاده لأصحابه،ومعاذ الله أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم أو يفعل ما يتنافى مع التوكل والإيمان بالقدر. إن الأحاديث الشريفة في التداوي والحضّ عليه كثيرة ومنها: عن أسامة بن شريك الثعلبي قال كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءت الأعراب فقالوا:يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: “نعم يا عباد الله تداووا فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء غير داء واحد،قالوا: ماهو؟ قال: الهرم” [رواه أحمد والترمذي والنسائي وأبو داوود وابن ماجه والحاكم، وقال الترمذي حسن صحيح]. وفي رواية للترمذي قال:” تداووا يا عباد الله فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء إلا السأم” (أي الموت)،وفي لفظ “ما أنزل الله عز وجل داء إلا أنزل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله” [رواه أحمد والطبراني،ورجال الطبراني ثقات كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد ]. وفي رواية ابن ماجة عن أسامة بن شريك قالوا: يا رسول الله هل علينا حرج ألا نتداوى؟ قال:”تداووا عباد الله فإن الله لم يضع داء إلا وضع معه شفاء إلا الهرم، قالوا :يا رسول الله ماخيرما أعطي العبد ؟ قال:خلق حسن” [قال الشهاب البوصيري إسناده صحيح ورجاله ثقات]. وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:” إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء فتداووا ” [أخرجه النسائي وصححه ابن حبان والحاكم كما في فتح الباري]. وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال”ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله“[ أخرجه النسائي وابن ماجة وصححه الحاكم وابن حبان كما في الفتح] . وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله عز وجل” [رواه مسلم وأحمد والحاكم]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء” [أخرجه البخاري والنَسائي وابن ماجة والحاكم] . وأما ما يتعلق بفعله وهديه صلى الله عليه وسلم فيدل عليه مايلي:ماورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم في رأسه من شقيقة كانت به. [رواه البخاري] . وجاء في السنة النبوية أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد اكتوى،كما ورد عدم محبته للكي،وورد فيها الثناء على من تركه، وأيضا النهي عنه. قال ابن القيم رحمه الله: “ولا تعارض بينهما بحمد الله،فإن فعله يدل على جوازه،وعدم محبته له لايدل على المنع منه،وأما الثناء على تاركه فيدل على أن تركه أولى وأفضل،وأما النهي عنه فعلى سبيل الإختيار والكراهة،أوعن النوع الذي لا يحتاج إليه بل يفعله خوفا من حدوث الداء والله اعلم” ( كما جاء في زاد المعاد). وعن علي رضي الله عنه قال لدغت النبي صلى الله عليه وسلم عقرب وهو يصلي فلما فرغ قال: لعن الله العقرب لا تدع مصليا ولا غيره،ثم دعا بماء وملح فجعل يمسح عليها،ويقرا قل يا أيها الكافرون وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس” [رواه الطبراني في الجامع الصغير،وقال الهيثمي إسناده حسن]. وجاء في الصحيحين عن أبي حازم أنه سئل عن جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : والله إني لأعرف من كان يغسلُ جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كان يسكب الماء وبما دُووي،كانت فاطمة ابنته تغسله،وعلي ابن أبي طالب يسكب الماء بالمِجَّن،فلما رأت فاطمة أن الماءلا يزيد الدم إلا كثرة،أخذت قطعة من حصير فأحرقتها فألصقتها فاستمسك الدم ( نقلاً عن السيرة محمد أبو شهبة ج2 ص200) _والجرح حصل في غزوة أحد _ وعن عروة ابن الزبير عن خالته عائشة رضي الله عنها قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كثرت أسقامه،وكان يقدم عليه أطباء العرب والعجم” [رواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح ،وقال الذهبي صحيح على شرط الشيخين]. وفي رواية قال عروة لعائشة: يا أمتاه لا أعجب من علمك بالشعر أنت ابنة أبي بكر وكان أعلم الناس،ولكن أعجب من علمك بالطب،فضربته على منكبه وقالت:إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسقم عند أخر عمره فكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه فينعت له الإنعات فكنت أعالجه فمن ثم“[ذكره ابن الجوزي وروى شبيهه أبو بكر البزار في مسنده وأبو نعيم في الحلية] . ويدل عليه إرشاده لأصحابه رضوان الله عليهم ،عن جابر رضي الله عنه قال:بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بن كعب طبيباً فقطع منه عرقاً ثم كواه عليه” [رواه مسلم]. وعن مجاهد قال سعد:مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني فوضع يده بين ثديي حتى وجدت بردها على فؤادي وقال: إنك رجل مفئود فأتِ الحارث بن كلدة من ثقيف فإنه رجل يتطبّب “[ رواه أبو داوود ]. وعن أبي هريره رضي الله عنه قال: أجيف برجل من الأنصار يوم أحد فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم طبيبين كانا بالمدينة فقال عالجاه” وفي رواية قالا: يا رسول الله وهل في الطب خير؟ فقال: نعم”. وعن هلال بن يساف قال: مرض رجل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادعوا له الطبيب فقالوا يا رسول الله تعني الطبيب؟ قال: نعم،وعنه قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على مريض يعوده فقال: أرسلوا إلىي الطبيب، فقال له قائل: وأنت تقول ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم”. إذا يستنبط من هذا مايلي: أولاً: إثبات الطب والمداواة ثانياً: الحث على استعمال الأدوية وأن التداوي من أسباب الشفاء ثالثاً: التشجيع على إيحاد مختصين بالعلاج والمداواة والحث على العلم والتجريب وعلى هذا ظهر كثير من الأطباء المسلمين الذين كانوا في طليعة العلماء في عصرهم مثل الرازي وابن سينا وابن حيان وابن الهيثم وابن البيطار وغيرهم. رابعاً: تقوية نفس المريض ورفع معنوياته،فإذا استشعرت نفسه أن لدائه دواء يعالجه،تعلقت نفسه بأمل الرجاء،وقويت معنوياته،وذهب توهمه الذي هو عدوه الثاني بل الرئيسي بعد المرض. خامساً: في قوله صلى الله عليه وسلم إذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله تعالى،فإن الرسول صلى الله عليه وسلم علق البرء بموافقه الدواء للداء،وهذا قدر زائل على مجرد وجود الدواء،فلا بد من أن يكون للدواء مقدارا معيناً ليؤثر،وأن زيادة الدواء كنقصه،قد يضر ولا يفي بمقاومة المرض. يقول الإمام ابن القيم في