الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

سُنّةُ الابتلاء (2/2)

← السابق

ويقول الإمام الجليل سعيد بن المسيب رحمه الله: “ إذا رأيتم العالم يغشى الأمراء فاحذروا منه فإنه لص“، ويقول الإمام جعفر الصادق رحمه الله: „الفقهاء أمناء الرسل، فإذا رأيتم الفقهاء ركنوا إلى السلاطين فاتهموهم“.

وعلماء الآخرة تراهم زاهدين في الدنيا ومافيها، تسعى إليهم ولايسعون إليها، تُجبى إليهم اموالها فيوزعونها، ولا يهتمون بزخارفها وزينتها، رضوا بالقليل احتساباً وطمعاً بالعظيم الجزيل عند رب العالمين،يعيشون على النذر النذير، ويقدمون الخير الكثير، ولذا أحبهم الناس ووقرّهم السلاطين.

دخل محمد بن سليمان أمير البصرة على حماد بن سلمة وقعد بين يديه يسأله، فقال له: يا أبا سلمة مالي كلما نظرت إليك ارتعدت فرقاً؟! قال حماد: حدثني ثابت البناني قال: سمعت أنساً يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: „إنّ العالم إذا أراد بعلمه وجه الله هابه كل شئ، وإذا أراد أن يكنز الكنوز هابَ كل شئ“. ويقول الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله: „إن العلماء ورثة الأنبياء، فإذا كانوا على طمع فبمن يقتدى؟ ويقول أيضاً: من شرط العالم أن لاتخطر محبة الدنيا على باله،ويقول أيضاَ:كيف يدّعي رجل أنه أكثر علماً وهو أقلّ خوفاً وزهداً.وينسب إلى عمر الفاروق رضي الله عنه أنه قال: „يا أهل العلم والقرآن لا تأخذوا للعلم ثمناً فتسبقكم الدناءة إلى الجنة“.

أما علماء الدنيا فتراهم يسعون جاهدين لاهثين في جمع الأموال وامتلاك الضيع والعقارات، وأصبحوا أرباباً للمؤسسات والشركات، يتعاملون بالحلال والحرام، ويأكلون أموال الأيتام، استولوا على أموال الأوقاف ووزعوه بينهم وبين أنصارهم وأقاربهم والحكام، لم يردعهم علم ولا معرفة، ولم يوقف جشعهم خوف من الله أو خشية،اتخذوا الدين مطيّة لأغراض الدنيا وشهوات النفس وخدمةلشياطين الأنس.جاء في العقد الفريد(ج2 ص80): „قال عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم: „سيكون في آخر الزمان علماء يزهدون في الدنيا ولايزهدون ويرغبون في الآخرة، ينهون عن إتيان الولاة ولاينتهون،يقربون الأغنياء ويبعدون الفقراء، ويتبسطون للكبراء، وينقبضون عن الفقراء، أولئك إخوان الشياطين وأعداء الرحمن“.

ويقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله : „شرار الناس صنفان: عالم يبيع دينه لحاكم، وحاكم يبيع آخرته بدنياه“. يقول المعري:

صُمْ ثم صلِّ وطُفْ بمكة زائراً            سبعين لا سبعاً فلست بناسكِ

جهل الديانة من إذا عرضت له          أطماعه، لم يُلفَ بالمتماسكِ

وقال أخر:

ما أقبح التزهيد من واعظٍ                    يُزهّد الناس ولا يزهدُ

لو كان في تزهيده صادقاً                       امسى وأضحى بيته المسجدُ

ويرفض الدنيا ولم يقنها                         ولم يكن يسعى ويسترفدُ

وعلماء الآخرةتراهم قد عَزّوا بعلمهم،ووُقّروا لتقواهم، يسعى إليهم الصغير والكبير، ويحترمهم القريب والبعيد، هم مصابيح الدنيا، ومشاعل الحرية، وأنوار الدين، لايخافون في الله لومة لائم،ولايطيعون مخلوقاً ـ مهما علا شأنه ـ في معصية الخالق، أقوالهم قوانين يُعمل بها،وأعمالهم سُنن يُقتدى بها،هم كما قال أحد الصالحين: „إن العلماء الذين يخشون الله هم الذين إذا علموا حراماً اجتنبوه،وإذا علموا واجباً بادروا إليه،وإذا علموا مكروهاً تنّزهوا عنه، أولئك هم الناجون عند الله، وهم الذين يحتاج إليهم المجتمع، ويندى بهم وجه الحياة على الأرض، وبهم تخف مصائبها، وتضئ دياجيرها، وتذل صعابها،وتحلّ مشكلاتها،يستقيم معوجها،وينتصف مظلومها،فما أشبههم بواحة خضراء في صحراء قاحلة أو ينبوع عذب في أرض جرداء يأوي إليهم كل مضنى ساغب، وكل ضال حائر“,

أما علماء الدنيا فقد ذلوا وهانوا،صغروا عند الصغير والكبير،وحُقّروا من قبل الجليل والحقير،أعمالهم نافت أقوالهم،وجشعهم أوداهم حتفهم،فُضحوا في الدنيا،فكيف حالهم في الآخرة؟!

يقول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: |لو أن أهل العلم صانوه لسادوا به أهل زمانهم،ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا لينالوا دنياهم فهانوا على أهلها“،ويقول الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: „أحمق الناس رجل باع آخرته بدنيا غيره“، ويقول التابعي الجليل سعيد بن المسيب رحمه الله: „إن العلماء لا يذلون إلا إذا احتاجوا إلى أموال الملوك“، ويقول الخليفة عمر الفاروق رضي الله عنه: „إنّ أخوف ما أخاف على هذه الأمة المنافق العليم! قالوا: وكيف يكون منافقاً عليماً؟ قال: عليم اللسان، جاهل القلب والعمل“، وقال أخر“ آفة هذه الأمة فساد أمرائها وجبن علمائها“.

ويقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله: „من استغنى بالله عن الملوك والرؤساء كان في نفسه أكبر من الملوك والرؤساء، ومن استغنى بالملوك والرؤساء عن الله كان في دنياه وأخرته أحقر الناس وأذل الناس واضيع الناس“.

وعلماء الآخرة كانوا للسلطان ناصحين، يقولون الحق ولو كان على حساب أرواحهم، ويحمون الرعية من ظلم الحاكم، أو بطش الوالي، أو خيانة القاضي،أو غدر أصحاب الجاه والسلطان، وكانوا يحمون العقيدة والشريعة من تحريف المبطلين، وتشويه المنحرفين،وعدوان الظالمين،تجردوا عن حظوظ النفس وشهواتها،واستهانوا بالأخطار في سبيل الله عز وجل،كانوا أولياء الناس في أرواحهم وأعراضهم وأملاكهم،وكانوا خلفاء الله على الأرض يسعون إلى الإصلاح ما أمكن،ويدرؤون الفساد ما أمكن.

انظر إلى سيد التابعين الإمام الحسن البصري رحمه الله عندما تسلم الخليفة الراشد عمر بن عبد العزير مفاتيح الخلافة وتقلد مقاليد الحكم واستنصح الإمام الحسن البصري فنصحه بكلمات من نور يجب أن تكون أمام عين كل حاكم أو ملك أو خليفة إذا أراد أن يحكم بما أنزل الله ويُرضي الله ورعيته في حكمه، يقول الإمام الحسن البصري: „اعلم  يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كل سائل، وقصد كل حائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف.والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله الرفيق الذي يرتاد لها أطيب المراعي،ويذودها عن مراتع المهلكة، ويحميها من السباع، ويكنفها من أذى الحرّ والقرّ.والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوانح، تصلح الجوانح بصلاحه وتفسد بفساده.هو القائم بين الله وبين عباده، يسمع كلام الله ويُسمعهم، وينظر إلى الله ويُريهم، وينقاد إلى الله ويقودهم، فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكّكَ الله كعبد  ائتمنه سيده واستحفظه ماله وعياله فبدّد المال وشّرد العيال فأفقر أهله وفرّق ماله.واعلم ياأمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش، فكيف إذا أتاها من يليها، وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم! واذكر يا أمير المؤمنين الموت ومابعده، وقلة أشياعك عنده وأنصارك عليه،فتزّود له ولما بعده من الفزع الأكبر،واعلم أن لك منزلاً غير منزلك الذي أنت فيه، يطول فيه ثواؤك، ويفارقك أحبابك، يسلمونك في قعره فريداً وحيداً،فتزوّد له ما يصحبك يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه،فالآن يا أمير المؤمنين وأنت في مهل قبل حلول الأجل وانقطاع الأمل.لاتحكم يا امير المؤمنين في عباد الله بحكم الجاهل ولا تسلط المستكبرين على المستضعفين، فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمّة، فتبور بأوزارك وأوزار من معك، وتحمل اثقالك وأثقالاً مع أثقالك“ .

وكتب الإمام الأوزاعي إلى أبي جعفر المنصور(السفاح) الخليفة العباسي: „اما بعد،فعليك يا أمير المؤمنين بتقوى الله عز وجل، وتواضع يرفعك الله تعالى يوم يضع المتكبرين في الأرض بغير الحق، واعلم ان قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم لن تزيد حق الله إلا وجوباً“.

وجاء في العقد الفريد لإبن عبد ربه: عن مالك بن أنس قال: بعث أبو جعفر المصور إليَّ وإلى ابن طاووس فأتيناه فدخلنا عليه، فإذا هو جالس على فُرش قد نُضدت، وبين يديه أنطاع قد بُسطت، وجلاوزة بأيديهم السيوف يضربون الأعناق.فأومأ إلينا أن اجلسا فجلسنا، فأطرق عنا طويلاً، ثم رفع رأسه والتفت إلى ابن طاووس فقال له: حدّثني عن أبيك؟ قال: نعم، سمعت أبي يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“إنّ أشدَ الناس عذاباً يوم القيامة رجل أشركه الله في حكمه، فأدخل عليه الجور في عدله“ فأمسك المنصور ساعة، قال مالك: فضممت ثيابي من ثيابه(أي ثياب ابن طاووس) مخافة ان يملأني من دمه.ثم التفت إليه أبو جعفر فقال: عظني ياابن طاووس، قال: نعم يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى يقول:{ألم ترَ كيفَ فعلَ رَبُّكَ بعادٍ* إرمَ ذاتِ العماد* التي لم يُخلق مِثلُهَا في البلاد*وثَمودَ الذين جابوا الصَّخرَ بالواد*وفرعونَ ذي الأوتاد* الذين طَغَوا في البلاد* فأكثرُوا فيها الفساد*فَصَبَّ عليهم رَبُّكَ سَوطَ عذابٍ*إنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد}قال مالك: فضممت ثيابي من ثيابه مخافة أن يملأني من دمه. فأمسك المنصور ساعة حتى اسوّدَ مابيننا وبينه، ثم قال: ياابن طاووس ناولني هذه الدواة، فأمسك ابن طاووس عنه، ثم قال المنصور: ناولني هذه الدواة.. فأمسك عنه، فقال أبو جعفر: مايمنعك أن تناولنيها؟ قال: أخشى أن تكتب بها معصية فأكون شريكك فيها. فلما سمع ذلك قال: قوما عني. قال ابن طاووس: ذلك ما كنا نبغي. قال مالك: فمازلت أعرف لإبن طاووس فضله.

وسلطان العلماء العزبن عبد السلام عندما سأله احد تلامذته بعد مواجهة السلطان ايوب: أما خفت السلطان؟! فأجابه: استحضرت في قلبي خشية الله فصار السلطان في عيني كالقط.وعندما توفي رحمه الله التفت السلطان إلى بعض خواصه وقال: اليوم فقط طاب ملكي!!

وانظر إلى ماقاله الإمام الحسن البصري رحمه الله لوالي البصرة عمر بن هبيرة، الذي استفتاه في أمر يطيع به السلطان ويعصي به الرحمن، فقال له: „ياابن هبيرة اتق الله،فإنه يوشك أن يأتيك رسول من رب العالمين يزيلك عن سريرك ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، فتدع سلطانك ودينك خلف ظهرك وتقدم إلى ربك وتنزل على عملك.ياابن هبيرة: إن الله ليمنعك من يزيد، وإن يزيد لايمنعك من الله،وإن أمر الله فوق كل أمر وأنه لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق،وإني أحذرك بأسه الذي لا يُرد عن القوم المجرمين.ياابن هبيرة:الحساب من ورائك سوط بسوط وغضب بغضب والله بالمرصاد. ياابن هبيرة:إنك إن تلق من ينصح لك في دينك ويحملك على آخرتك خير من أن تلقى رجلاً يغريك ويمنيك“.

وجاء في كتاب قلائد الجواهر: لما ولّى المقتفي لأمر الله القضاء يحيى بن سعيد المظفر المشهور بابن المزاحم الظالم قال له الشيخ عبد القادر الجيلاني في خطبة الجمعة: „وليّتَ على المسلمين أظلم الظالمين، ماجوابك غداً عند ربِّ العالمين، أرحم الراحمين؟! فارتعد الخليفة وبكى وعزل القاضي المذكور.

وهل ننسى موقف إمام دار الهجرة مالك بن أنس رضي الله عنه عندما سئل عن طلاق المُكره وهو يعلم ما يقصد السائل،فإنه يعني يكره الولي الأمة فلا تجد مخرجاً إلا اليمين هرباً من العذاب الأليم،فقال قولته المشهورة: طلاق المكره لايقع..وعُذِّبَ بالسياط وضُرب حتى خلعت كتفه، وطيف به في الأسواق وهو يقول مع هذا: طلاق المكره لايقع.ومثله موقف الإمام احمد بن حنبل رضي الله عنه مع الخليفة المامون في موضوع خلق القرأن وكيف عُذّب وسجن وبقي على موقفه جزاه الله عن الإسلام والمسلمين كل خير.

وهل ننسى موقف التابعي الجليل سعيد بن جبير مع الحجاج الطاغية الظالم الذي قتله فسقط شهيداً بل سيداً من سادة الشهداء.

اما علماء الدنيا وما أكثرهم في هذا العصر، وما أبشع طرائقهم،وأفدح جرائمهم ،تجدهم في كل مكان يتملقون السلطان ويتزلفون الحكام،يُحسّنون القبيح ويُقبّحون الحسن،ويجعلون المنكر معروفاً، والمعروف منكراً،ويصدرون الأحكام التي تنافي الشرع، وتسخط الله وتلحق العذاب والهوان في حق الرعية والناس.

سئل أحدهم من أشعر الناس قال الذي يصوّر الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل، بلطف معناه ودقة فطنته، فيقبّحُ الحسن الذي لا أحسن منه، ويحسّن القبيح الذي لا أقبح منه.

يقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله(فصول إسلامية ص257ـ 258):

„فأنا أستطيع (إن تركت ديني وأخذتها على أنها قضية بيان) أن أحسّن القبيح وأُقبّح الحسن، وأن أقيم الدليل على وجوب هدم المآذن لأنها لم تكن في أول الإسلام، ولأنها تكشف عورات الناس، ولأن مكبرات الصوت تغني عنها، وعلى ضرورة منع الآذان لأن الناس كلهم عندهم ساعات يعرفون بها الأوقات، والأذان يزعج المرضى والنائمين، ويُسوئ الإسلام في عيون السياح والأجانب،ومن مصلحة الإسلام تحسينه في عيونهم ليدخلوا فيه، وعلى لزوم منع طبع المصاحف عشر سنين لأن نسخها اليوم كثيرة وكثرتها تؤدي إلى تعطيلها وإهمال القراءة فيها واتخاذ هذا القرآن مهجورا، وعلى جواز تحويل المساجد إلى مدارس لأن الصلاة تجوز في كل مكان، والتعلم لا يكون إلا في بيوت مخصصة له ومقصورة عليه،ثم نجعلها بعد المدارس نوادي للمحاضرات ثم مسارح للتمثيل، أعني التمثيل الأخلاقي! وكذلك ننقض عرى الإسلام عروة عروة بمثل هذا المنطق الشيطاني ، وللشيطان مداخل عجيبة، وقد يحاول هدم الدين بحجة الدفاع عنه، وقد يسخر لذلك جماعة من المتسّمين بالعلم والصلاح كما سخّر شيخاً من الشام فأفتى بسقوط فريضة الحج بحجة أنه لابد فيه من الخضوع لقوانين الكفار، من لصق الصورة على الجواز، واتباع طرق المكوس..وسخر أخر فأفتى بأنه لازكاة في النقد الورقي ولاربا، فأسقط الزكاة وأحلّ الربا وهو يظن أنه يقرر أحكام مذهب الشافعي، وثالث في مصر كاد ينسخ وجوب الصيام، والرابع من بُلغّت انه يقول لاصلاة إلا عند التمكين في الأرض..“.

ومن علماء السوء من سيطر عليه لؤم مغرسه وخبث عنصره، وأقام على خساسته ينافح عن لؤمه ويدّعي الشرف للحاكم ليحظى بمنزلة الشرف عنده، ويظهر الحقد والبغضاء لدعاة الحق بتنقصهم والاستهزاء بهم وإلحاق أشد الضرر بهم وبأسرهم، ويستفرغ مجهوده في إظهار مثالب الدعاة ومناقب الحكام،يؤولون الآيات والأحاديث حسب هواهم وهوى السلطان، وإن احتمل التأويل عدة معان صرفه إلى مايرضيه ويرضي سلطانه،من أجل متاعٍ رخيص وعيشٍ بئيس. يقول تعالى: {وإنَّ مِنهُم لفريقاً يَلوُون ألسِنَتَهُم بالكتابِ لِتَحسبُوهُ من الكتابِ وماهُو منَ الكتابِ ويقولونَ هوَ من عندِ الله وماهوَ من عندِ الله ويقولونَ على الله الكَذِبَ وهم يعلمون} [آل عمران 78].

يقول الإمام الحسن البصري رحمه الله(عيون الأخبار لابن قتيبة كتاب العلم باب القرآن): „من العلماء قوم حفظوا حروفه، وضيّعوا حدوده، واستدروا به الولاة، واستطالوا به على أهل بلادهم. وقد كثر هذا الضرب في حملة القرآن لاكثّرهم الله“، ويقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله: „وكم رأينا الفكر والعلم مطية للأغراض والمنافع الحقيرة، بل كم رأينا من العلماء بالإسلام نفسه من يضعون أنفسهم  في خدمة أعداء الإسلام، ويحاربون أوليائه، ويشترون بآيات الله ثمناً قليلاً، مكسباً أو منصباً، أو مالاً أو جاهاً أو عَرَضاً زائلاً ومتاعاً فانياً من متاع هذه الدنيا“

يقول الله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولاتكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس مايشترون}[آل عمران 187]، يقول الأستاذ عصام العطار معقباً على هذه الآية، وكيف أن بعض العلماء يكتمون الحق وما استودعوا من العلم تجاه بعض الحكام الذين يُحرّفون الإسلام أو يشتمونه دون تهيب ولا وجل: „لقد كان في قلوبهم خشية المخلوق، ولم تكن في قلوبهم خشية الخالق، فسكتوا عن الباطل، وعجزوا عن إعلان كلمة الحق، ولو كان في قلوبهم خشية الخالق لا المخلوق، لكان لهم موقف آخر يشمخ فيه الحق ويخنس فيه الباطل وتهتز له أعطاف العالم الإسلامي، ويردد صداه التاريخ غلى مدى بعيد“.

نعوذ بالله من هؤلاء العلماء كما قال الإمام العظيم سفيان الثوري“ تعوذوا بالله من فتنة العابد الجاهل والعالم الفاجر فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون“. نسأل الله أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ماينفعنا.

3ـ ذوو الجاه والسلطان:

إنّ فرعون والذي يمثل طغيان السلطة وجبروت الحاكم، والذي كان يرتكب أبشع الجرائم، لم يكن وحده في مواجهة موسى وهارون، وما جاءا به من الحق والبينات، بل كان معه زبانيته وأزلامه وأعوانه ومنهم هامان وزيره وقائد جنده، المدّبر لمكائده والمعين له على ظلمه وبطشه،وكان معه قارون والذي كان من قوم موسى والذي تحالف مع فرعون ضد قومه وأصحاب عقيدته، وكان يمثل الجشع المادي والمطمع الدنيوي فبغى على موسى وقومه بثروته وعلمه وسخرها لخدمة فرعون والباطل ولم يستمع لنصح الناصحين بعدم البغي والفساد.يقول تعالى: {وقَارُونَ وفِرعونَ وهامانَ ولقد جاءَهُم موسى بالبَيِّناتِ فاستكبروا في الأرضِ وما كانوا سابقين}[العنكبوت 39].

وقال تعالى:  {ولقد أرسلنا موسى بأياتنا وسلطانٍ مبين *إلى فِرعونَ وهامانَ وقارونَ فقالوا ساحرٌ كذَّاب}[غافر 23ـ  24]

أضف غلى ذلك الملأ من قوم فرعون الذين كان يستشيرهم ويُشيرون عليه، وكانوا اصحاب الجاه والمراكز والنفوذ من أسرته وأقاربه وأعوانه وزبانيته، والذين ارتبطت مصالحهم بمصلحة فرعون:{وقال الملأُ من قومهِ الذين كَفروا وكذَبوا بلقاءِ الآخرةِ وأترفنَاهُم في الحياة الدنيا} [المؤمنون 33].

وهؤلاء جميعاً اي الثالوث الجبروت المتمثل في سلطة الطاغية الحاكم،وسلطة الجشع المادي، وسلطة الملأ من أصحاب النفوذ تجدهم في كل زمان ومكان، وفي كل عصر ومصر وقصر، يحاربون دعاة الحق ويواجهونهم بكل الوسائل، ويقاتلوهم بكل الأساليب:

فمنها التكذيب:{قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين} [الأعراف 60]، ومنها التشهير: {قال الملأ الذين استكبروا من قومه إنا لنراك في سفاهة} [الأعراف 66]،{قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم} [الأعراف 109].

وقد يصل الأمر إلى حد القتل إن لم ينفع الإبعاد والنفي والسجن والتعذيب: { قال ياموسى إنّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين} [القصص 20].

إن هذا مايجب على دعاة الحق فهمه ووعيه، إن اصحاب السلطة والنفوذ والمال ليسوا وحدهم في مواجهتهم ومحاربتهم بل معهم ايضاً من يحاربهم في مصالحهم واهوائهم من كبار التجار وقادة الجيش المفسدين وأصحاب السلطة والهوى والمنفعة، وعندما يتصدى دعاة الباطل لدعاة الحق، ويتصدى أدعياء الشر لأنصار الحق والنور،يهب لحمايتهم ونصرتهم المستغلون والمستكبرون والطغاة الغاة العتاة، والمستهزئون والمنحلون أصحاب الشهوات وأنصار الإنحلال، وهذا الواقع قديم جديد، عهدناه ونعهده وسوف نشاهده في كل زمان ومكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها فلقد تماثلت أساليب أصحاب الباطل قديماً وحديثاً في مهاجمة دعوة الحق والصد عنها حتى لكأنّ أولهم اوصى أخرهم: {كَذلِكَ ماأتَى الذينَ من قَبلِهم من رسُولٍ إلا قالوا ساحرٌ أو مجنونٌ* أتَواصَوا به بل هُم قومٌ طاغون}[الذاريات 52ـ 53]، وقال تعالى: {مايقال لك إلا ماقد قيل للرسل من قبلك}[فصلت 42].

فهي جبلة واحدة، وطبيعة واحدة للمُكذبين في التعامل مع دعاة الحق وكأنّهم تواصوا بذلك،وماتواصوا بشئ من هذا ، إنما هي طبيعة الطغيان وتجاوز الحق تجمع بين الغابرين واللاحقين.

إنّ الباطل قديمه وحديثه يتبّع نفس الأساليب في محاربة الحق وأعوانه، معتمداً على نفس الأعوان والأنصار، لايتغير ذلك بتغير الزمان ولابتبدل المكان.

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في „الظلال“:

„والمؤمن ذو نسب عريق ضارب في شعاب الزمان، إنه واحد في ذلك الموكب الكريم الذي يقود خطاه ذلك الرهط الكريم: نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وعيسى ومحمد عليهم صلوات الله وسلامه: {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون} [الأنبياء 92]، هذا الموكب الكريم الممتد في شعاب الزمن من قديمه وحديثه، يواجه مواقف متشابهة وازمات وتجارب متشابهة على تطاول العصور وكر الدهور،وتغير المكان وتعدد الأقوام، يواجه الضلال والعمى والطغيان والهوى والاضطهاد والبغي والتهديد والتشريد“.

وقوى الباطل مهما اختلفت مذاهبها وتعددت مشاربها، وتنوعت أهوائها، تلتقي دوماً وتوحد جهودها في مواجهة دعاة الحق، ناسية مابينها من الخلاف والخصام،يقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله:“إن الذي يخدم الإسلام ويلتزم خطه المتميز ويدعو الناس إليه،ويكشف لهم الحقائق ويبين لهم الأمور،ويأخذ بأيديهم بأمانة وصدق،يجتمع على محاربته والكيد له أعداء الإسلام ومستغلوه معاً، وإن افترقت بهم السبل في المجالات الأخرى، واشتدّ بينهم الصدام، لأن أعداء الإسلام يدركون أن الإسلام الحقيقي كما أنزله الله عز وجل هو وحده الذي يستطيع أن يسد عليهم الطريق ويوقع بهم الهزيمة لا إسلام الشعارات والعناوين، ولأن مستغلي الإسلام يدركون أن انكشاف الإسلام على حقيقته للناس واستبانة خطه المتميز المستقيم وإمساك رجاله الصادقين بزمام التوجيه سيقطع عليهم طريق استغلال الإسلام والمسلمين،واستخدامهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، كما سيكشف انحرافهم وزيف ما يرفعونه من شعارات وعناوين“.

نعم، إن الصدام لابد واقع بين الحق والباطل،فالباطل وضيع والحق سامٍ رفيع، والباطل ضئيل حقير، والحق أصيل قديرن وبما أن الظلام والضياء لا يجتمعان، كذلك فإن الحق والباطل لا يتفقان.

يقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله(فيض الخاطر ج1 ص201):

„ولعل كثيراً من صفحات التاريخ المملوءة باضطهاد العلماء وقتل النبغاء، واغتيال الأبطال تستر وراءها هذا السر الكامن الخطير وهو أن الاضطهاد والقتل والاغتيال كان سببه الخفي شعور المدبرين بضعفهم أمام هؤلاء العظماء“.

نعم، إن طريق الدعوة إلى الله هو طريق الابتلاء، وهو طريق طويل عصيب شاق، فيه الأذى والسجن والاعتقال والتشريد، وفيه التعذيب والنفي والتهديد، فيه مصادرة المصالح وتعطيل الأعمال ومصادرة الأموال،فيه تفتيش البيوت وأذى الأحبّة والأهل والأقارب وأعزّ الناس، وفيه القتل إن لم ينفع مع الدعاة كما ذكر.

يقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله:

„رسم لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكل جيل معالم الطريق، دماً وألماً وصبراً وجهاداً متواصلاً ويقيناً راسخاً وثقةً لاحد لها بالله عز وجل وبنصره المؤكد، ولقد كان المسلمون الأولون أفراداً في العهد المكي وجماعة على أبواب العهد المدني على بينة من هذه الحقيقة أيضاً، سلكوا الطريق إلى الغاية التي يرخص في سبيلها كل بذل، ووطنوا النفس على مجابهة كل الدنيا والتضحية بكل مافي الدنيا، واحتمال أقصى مايمكن أن يُتصور في هذه الدنيا، لايستعجلون ولا يطلبون إلا الجنة ومرضاة الله عز وجل“.

ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في „الظلال“:

„ولكن المؤمن يمضي في طريقه ثابت الخطو، مطمئن الضمير، واثقاً من نصر الله، متعلقاً بالرجاء فيه، متوقعاً كل لحظة وعد الله الصادق الأكيد:{وقال الذينَ كَفروا لِرُسُلِهِم لَنُخرِجَنَّكُم من أرضِنا أو لَتَعُودُنَّ في مِلِّتِنَا فأوحى إليه رَبُّهُم لَنُهلِكَنَّ الظالمين* ولَنُسكِنَنَّكُم الأرضَ من بعدِهِم ذلك لمن خافَ مقامي وخافَ وعيد} [إبراهيم 13 ـ14].

موقف واحد وتجربة واحدة، وتهديد واحد، ويقين واحد، ووعد واحد للموكب الكريم وعاقبة واحدة ينتظرها المؤمنون في نهاية المطاف.

{فأَيَّدنا الذين أمنوا على عَدُوّهِم فأصبحوا ظاهرين}[ الصف 14].