الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

علماء الإسلام والحضارة (نص كامل)

بسم الله الرحمن الرحيم

علماء الإسلام والحضارة

الإسلام والعلم:

يقول الدكتور زغلول النجار في مقالة له بعنوان”الجيل القرآني وبناؤه العلمي:

“تُعرف العلوم لغة بأنها مجموع ما علمه الإنسان من معارف وأخبار تجمعت له عبر الزمن في مختلف الأماكن والعصور مرتبة حسب ما تتعلق به من أمور،ويشمل ذلك كلاً من المعارف الموهوبة التي علمها الله تعالى لأبينا آدم عليه السلام لحظة خلقه،وورثَّها لبنيه من بعده،وأنزلها على عدد من أنبيائه ورسله،كما يشمل المعارف المُكتسبة والتي جمعها الإنسان عبر العصور من تجاربه في هذه الحياة ومن استقرائه لسنن الله في الكون،ومحاكاته لما أوجد الله تعالى فيه من خلق،ويشمل ذلك هداية الله سبحانه وتعالى التي أنزلها على سلسلة طويلة من أنبيائه ورسله،وأكملها وأتمَّها في القرآن الكريم وفي سنّة خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.كما يشمل كل المعارف المكتسبة وميراث البشرية من هذه المصادر جميعاً عبر التاريخ.

ولكن ساد بين الناس اليوم قصر لفظة”العلم” على العلوم البحتة والتطبيقية القائمة على الملاحظة والاستنتاج،أو على التجربة والملاحظة والاستنتاج والمطبقة على الكون ومكوناته وظواهره المتعلقة بمختلف صور المادة والطاقة والجمادات والأحياء فيه.

و”العلم” بهذا التحديد بدأ مع الإنسان منذ اللحظة الأولى لوجوده على هذه الارض،ثم تزايد بالتدريج في عمليات من المد والجزر، ولكنه نما في الحضارة الإسلامية نمواً متوازناً جمع بين وحي السماء والعلوم المُكتسبة في تكامل وانسجام.ثم انتقل هذا العلم الإسلامي بمنهجه التجريبي إلى الغرب عبر دولة الإسلام في الأندلس،وعبر احتكاك مع المسلمين في كل من صقلية وجنوب إيطاليا وشمال أفريقيا وبلاد الشام خاصة خلال الحروب الصليبية،ولكن المنهج العلمي الإسلامي عندما انتقل إلى الغرب كانت الكنيسة مهيمنة على الحياة فيه هيمنة كاملة،فرضت خلالها سِفر التكوين على المعارف الإنسانية،وعندما اصطدمت نتائج المنهج التجريبي مع تفسيرات الكنيسة بدأ الصراع بين العلماء والكنيسة وحُسم لصالح العلوم المكتسبة،فبدأت تلك العلوم من منطلقات مادية بحتة منكرة كل ما هو غير مدرك أو محسوس بما في ذلك الدين،فانطلقت كل المعارف المكتسبة في الغرب من منطلقات معادية للدين،منكرة للغيب،دائرة في حدود المادة وحدها متجاوزة لكل ما هو فوق ذلك.

من هنا آثر أهل القرآن الكريم وحفظته البعد عن هذه المعارف المعارضة للأصول الإسلامية الثابتة،فوصلنا إلى ما وصلنا إليه من تخلف علمي وتقني أفقر شعوبنا وجعلنا في حاجة إلى غيرنا من الأمم.ولكن المعطيات الكلية للعلوم المكتسبة في العقود المتأخرة من القرن العشرين ـ وعلى الرغم من أصحابها ـ بدأت في تأييد كل ما جاءت به الهداية الربانية التي تكاملت في بعثة النبي والرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، ومن مقومات استكمال البناء العلمي لجيل القرآن الكريم الإلمام بهذه المعطيات الكلية للعلوم.

بلغت المعارف بالكون المادي في هذه الأيام مستوى لم تبلغه البشرية من قبل،وأصبحت الاستنتاجات الكلية لتلك المعارف تؤكد كل ما جاء به الدين من إيمان بالله الخالق البارىء المصور،وتنزيه له سبحانه وتعالى عن الشريك والشبيه والمنازع والصاحبة والولد،وعن جميع صفات خلقه،وعن كل وصف لا يليق بجلاله،كما تؤكد ضرورة الإيمان بالغيب وبالوحي وبالبعث والحساب،ويمكن إيجاز المعطيات الكلية للعلوم فيما يلي:

ـ إن هذا الكون الذي نحيا فيه كون محدود،ولكنه كون متناه في أبعاده،مذهل في دقة بنائه وانتظام حركاته،وإحكام ترابطه،مما يشهد لخالقه بالألوهية والربوبية،وبطلاقة القدرة وبداعة الصنعة وإحكام الخلق.

ـ إن هذا الكون مبني على زوجية واضحة من اللبنات الأولية للمادة إلى الإنسان،ومبني في الوقت ذاته على نفس النظام من أدق دقائقه إلى أكبر وحداته مما يشهد لخالقه بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه.

ـ إن هذا الكون دائم الاتساع إلى نهاية لا تستطيع العلوم المكتسبة إدراكها وإن أمكنها قياس معدلات هذا التوسع.

ـ الكون على قِدمه مستحدث مخلوق،كانت له بداية في الماضي السحيق تقدر بحوالي أربعة عشر بليون سنة مضت. وكل مستحدث عارض لابد وأن تكون له في يوم من الأيام نهاية تؤكدها كل الظواهر الكونية من حولنا،وإن عجز الإنسان عن تحديد وقتها.

ـ إن هذا الكون المادي لا يمكن أن يكون قد أوجد نفسه بنفسه،ولا يمكن لأي من مكوناته المادية أن تكون قد أوجدته،كذلك لا يمكن أن يكون قد وجد بمحض الصدفة،لأن العشوائية أو الصدفة لا يمكن لها أن تنتج كوناً بهذا الاتساع ودقة البناء والانتظام في الحركة.

ـ إن الخلية الحية التي لايكاد قطرها يزيد عن أعشار من الميلمتر تبلغ من تعقيد البناء وكفاءة الأداء ما لم يبلغه أكبر المصانع التي أنشأها الإنسان،بل التي فكر في إنشائها ولم يتمكن من ذلك بعد.فقد أعطاها الله تعالى القدرة على انتاج مئتي ألف نوع من البروتين تعجز أكبر المصانع التي أنشأها الإنسان عن انتاجها،ومن ثم فلا يمكن لها أن تكون قد وجدت بمحض المصادفة.

ـ إن الشيفرة الوراثية التي تشغل حيزاً أقل من واحد من المليون من الميلمتر المكعب في نواة الخلية الحية يصل طولها إذا فردت إلى قرابة المترين،وتحتوي على 18 بليون جزىء كيميائي تترتب ترتيباً محكماً،لو اختل وضع ذرة واحدة منه إما إن يشوه هذا المخلوق أو لا يكون.

ويتابع الدكتور زغلول:”إن العلوم الكونية المكتسبة في تعاملها مع المدرك المحسوس توصلت إلى حقيقة الغيب وإلى أن في الكون غيوباً كثيرة لا يستطيع الإنسان الوصول إليها بجهده وحواسه وقدرات عقله”.

ويقول الإمام الشيخ محمد عبده رحمه الله(موسوعة العقاد المجلد17 ص23):

“ليت شعري إذا كان هذا حالنا بالنسبة إلى علوم قد أرضعت ثدي الإسلام وغُذيت بلبانه وتربت في حجره وتقلدت في إيوانه منذ زمن يزيد على ألف سنة…فما حالنا بالنسبة إلى علوم جديدة مفيدة هي من لوازم حياتنا في هذه الأزمان..لابد لنا من اكتسابها وبذل المجهود في طلابها؟كنا نؤمل أن المبنج يفيق بشم روح النوشادر….في زمان جرى فيه سيل العلوم حتى عمّ أنحاء الكرة على العموم…وظهر فيه التوازن بينها وبين أحوالنا المهجنة،كثروتهم وفاقتنا،وعزتهم وذلتنا،وقوتهم وضعفنا،وقدرتهم وعجزنا،وصولتهم وانهزامنا،وغير ذلك من المزايا والرزايا التي لا تعد…لكن صمّت الآذان وعميت البصائر،ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم”.

يقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي رحمه الله في مقال تحت عنوان”تجديد الإيمان”:

يعتقد كثير من الغيورين من أهل العلم والفكر،أن الذي ينقصنا لكي نسعد ونرقى أفراداً وجماعات،إنما هو التقدم العلمي والتكنولوجي،الذي يساعد مجتمعاتنا على أن تنمو وتتطور،وتلحق بركب العالم المتحضر،الذي حطم الذرة،وغزا الفضاء،وصنع الكومبيوتر وأصبح على أبواب ثورة بيولوجية لاندري ماذا تصنع بالإنسان.

ومن حسن حظنا نحن المسلمين أن ديننا لا يضيق بالدعوة إلى العلم والتقدم،كما قد يتوهم الذين لايعرفون الإسلام ويريدون أن يُجروا عليه ماجرى على الأديان الأخرى.

نحن نعتبر التقدم العلمي ومايثمره في الحياة من استخدامات تكنولوجية نافعةـ تيسر على الإنسان حياته وتوفر عليه جهده البدني والعقلي ـ عبادة بالنسبة للفرد للفرد المسلم،يتقرب بمعرفتها وإتقانها إلى ربه،كما يتقرب بالصلاة والصيام،وهي ـ بالنسبة للمجتمع ـ فريضة كفائية يأثم المجتمع كله إذا لم يقم من أبنائه عدد كاف يسد كل الثغرات،ويلبي كل الحاجات،التي يتطلبها المجتمع في كل مجالاته المدنية والعسكرية.

ولكن الذي نؤكده هنا هو حاجة مجتمعاتنا ـ وكل المجتمعات البشرية ـ إلى العلم والإيمان جميعاً،فالإنسان جسم وروح،وعقل وقلب،ولابد من رعايته كله،وإمداده بما يغذى كل جوانبه وطاقاته،مما ينبت من الأرض، ومما ينزل من السماء.

وهذا هو التوازن أو التكامل الذي تميز به الإسلام.

فمن مظاهر التكامل في نظام الإسلام أن التقى به العلم والإيمان جنباً إلى جنب ولم يقم في مجتمعه ما قام في المجتمعات الأخرى من نزاع بين العلم والدين،راح ضحيته الألوف من أهل العلم والفكر ومن رأى رأيهم أو سار على دربهم…وتاريخ أوروبا في العصور الوسطى حافل بالمجازر البشرية الرهيبة التي سيق إليها العلماء والدارسون في ظل محاكم التفتيش وغيرها.

إن الشىء الذي تميز به الإسلام من غيره هو احترامه للعقل،ودعوته إلى النظر والتفكير،وحثه على العلم وإشادته بالعلماء وأصحاب العقول،وحملته على الجمود والجهل،وتمجيده للقراءة والكتابة والقلم،منذ أول آيات أنزلت من القرآن .

لقد شاع في تاريخ الكنيسة طوال العصور الوسطى عندهم:أن العقل ضد الوحي،وأن العلم عدو الدين،وأن الفكر خصم الإيمان،وأن الشريعة نقيض الحكمة.أما الإسلام فلم يعرف هذه المشكلة ،فالعقل والوحي عنده أثران من آثار الألوهية،لا يتعارضان ولا يتناقضان،ولهذا نرى الوحي يمجد العقل،ويحث على الانتفاع به،ونرى العقل هو الدليل على صدق الوحي،وهو الأداة لفهمه وشرحه.

ومن هنا قرر المحققون من أئمة الإسلام:أنه لا تعارض أبداً بين صحيح المنقول وصريح المعقول،وما ظنه بعض الناس من تعارض،فلابد أنه نتيجة خطأ في فهم ما هو من العقل أو ما هو من الدين.

ولقد مضت أربعة عشر قرناً على نزول القرآن الكريم،نشأ فيها كثير من المعارف والأفكار،ورغم هذا لم تخالف آية من آياته حقيقة ثابتة،وهذا من دلائل الإعجاز في هذا الكتاب العظيم.

ومع أن القرآن ليس كتاب(علم) بالمعنى الإصطلاحي للعلم الآن،فقد تضمن إشارات كثيرة إلى حقائق علمية،لم تكن تخطر على بال أحد في عصر نزوله ولا بعد عصره بقرون،وألفت في ذلك كتب كثيرة كشفت عن لون جديد من إعجاز القرآن،يمكن تسميتها (الإعجاز العلمي)..

وأكثر من ذلك أن القرآن ينشىء بتعاليمه(العقلية العلمية)التي تنكر الخرافة،وترفض اتباع الظنون والأهواء ،وتستعصي على التبعية والتقليد،وتؤمن بالبرهان في العقليات،وتعتمد على الملاحظة والتجربة في الماديات،وتعتقد أن العقل منحة مُنحها الإنسان،لينظر بها، ويفكر في الانتفاع بالكون ومافيه والاستفادة من سير التاريخ،وما يجري فيه من سنن الله لا تتبدل.ففيه آيات(لقوم يعقلون)و(لقوم يتفكرون)و(لقوم يعلمون)و(لأولي الألباب) و(أولي النهى).)

ويشيد القرآن بالعلماء في آيات كثيرة من سوره:(هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون).ويجعلهم وحدهم أهلاً لخشية الله ومخافته:(إنما يخشى الله من عباده العلماء).وقد ذكر القرآن العلماء هنا بعد ذكر السماء والماء والنبات والجبال والحيوان والإنسان،مما يشير إلى أن العلماء هم الراسخون في العلوم الكونية والحيوية وما يتعلق بها،فإن علمهم هذا يعرّفهم بقدر الله عز وجل،وعظيم نعمته،وواسع رحمته.

وذكر القرآن من قصص النبيين والصالحين ما يلفت الأنظار ـ بقوة ـ إلى قيمة العلم ومنزلته،في إعانة الإنسان على وظيفته في خلافة الله في الأرض واستخدامه في كثير من الأمور النافعة.كما في قصة سيدنا آدم وتفوقه على الملائكة بالعلم،وقصة سيدنا يوسف،وتدبيره أمر مصر في المجاعة بالعلم،وقصة سيدنا سليمان وإحضاره عرش بلقيس بالعلم،وغيرها من قصص النبيين والمؤمنين.

العلم لا يغني بغير الإيمان:

ومع هذا فليس العقل كل شىء في الإنسان،ولا العلم كل شىء في الحياة.

إن العقل له ميدانه الذي لا يتجاوزه،والعلم له مجاله الذي لا يتعداه،وبعد ذلك يقف العقل والعلم حائرين.فسرّ الوجود،وغاية الحياة،ومبدأ الكون ومصيره،وقضية الموت والحياة،وما يتصل بذلك من قضايا الوجود الكبرى،لا يستطيع العقل أن يدركها وحده،ولا يستطيع العلم أن يمد إليها سلطانه،لأن سلطانه فيما يخضع للملاحظة والتجربة،أي في الماديات والمحسوسات.

فكان لابد من معرفة أخرى تنبع من مصدر آخر لتحديد مركز الإنسان وغايته،ومهمته في هذه الأرض،وعلاقته بالكون والحياة،وخالق الكون والحياة،وليس هذا المصدر إلا الوحي الإلهي،ولا سبيل إلى التلقى عنه إلا بالإيمان.وقد حاول بعض مفكري البشر في مختلف العصور أن يصلوا إلى الحقائق الكبرى بعقولهم،وأن يحلوا مشكلات الوجود بأفكارهم،فلم يستطيعوا،وخرجوا بنتائج متناقضة،لا يطمئن بها القلب،ولا تستقيم بها الحياة. إن الإيمان وحده هو الطريق المأمون.

إن الإيمان هو الذي يفسر قضايا الوجود الكبرى،ويصل الإنسان بالوجود الكبير وبالأزل والأبد،ويجعل لحياته طعماً وهدفاً ورسالة.

وهو ـ مع ذلك ـ يعصم العلم من الإنحراف،ويحول دون استخدامه في الشر والعدوان،ولهذا رأينا سليمان عليه السلام حين أحضر إليه عرش بلقيس بواسطة(الذي عنده علم في الكتاب) يُرجع الفضل إلى الله ولا يطغى أو يغتر،بل قال ماقصَّه القرآن الكريم:{ فلما رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم}

وفي قصة ذي القرنين بعد أن أتمَّ بناء السد،يقول في تواضع المؤمنين{ هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاً وكان وعد ربي حقا}

ورأينا العلم الذي قام بتوجيه الإيمان في ظل الحضارة الإسلامية يبني ويعمر،ويعمل لخدمة الإنسان،وتزكية الإنسان، وإسعاد الإنسان.

ورأينا حين قام العلم في الغرب لظروفه التاريخية مع الكنيسة ـ بعيداً عن هدى الله،مقطوعاً من الإيمان بالله ،كانت نتيجته الأسلحة الكيماوية والجرثومية وآلات الفتك والدمار،التي جعلت البشرية تبيت على أحلام مزعجة،وتصحو على مخاوف مفزعة،لقد أعطاها العلم الوسائل،ولكنه لم يحقق لها السكينة النفسية. انتصرت به على الطبيعة،ولكن لم تنتصر به على نفسها وشهواتها.

ومن هنا كان لابد من إيمان العلماء،وعلم المؤمنين،وهذا ما تقوم عليه الحياة الإسلامية المتكاملة.

ولهذا جمعت أول آية نزلت من القرآن بين العلم والإيمان،وهي قوله تعالى:(اقرأ باسم ربك الذي خلق) فالقراءة ـ وهي مفتاح العلم ـ إنما يريدها الإسلام قراءة باسم الله الخالق،وإذا كان مفتاح الإسلام هو العلم والفهم، فإن جوهر الإسلام هو الإيمان وجوهر الإيمان هو التوحيد ، بل هو جوهر الرسالات السماوية كلها. ولهذا كان النداء الأول في كل رسالة.:(يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره)

ويقول الاستاذ الدكتور يوسف القرضاوي رحمه الله في مقال آخر بعنوان”فضل العلم على العبادة”:

من فضائل العلم ماثبت في الأحاديث أنه أفضل من العبادة،وأن العالم مقدم على العابد.ففي حديث أبي الدرداء المشهور:”فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب”.وكذلك جاء في حديث معاذ بن جبل،وفي حديث أبي أمامة”فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم”.وفي حديث حذيفة وسعد:”فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة، وخير دينكم الورع”.

وذلك لأن العلم يسبق العمل، ويدل عليه،ويرشد إليه،فهو دليل له من ناحية،وشرط لقبوله من ناحية أخرى،فلا عمل بلا علم،وقد يوجد علم بلا عمل، والمعنى: أنه كلما وجد العمل لزم وجود العلم،بخلاف عكسه،ولهذا قيل:العلم بدون عمل جنون، والعمل بدون علم لا يكون.

ومن ناحية أخرى فضل العلم على العبادة،لأن نفع العلم متعد،ونفع العبادة قاصر، فالعبادة إنما تنفع صاحبها، والعلم ينفع الكافة.

ثم إن نفع العبادة ـ غالباً ـ ينتهي بالفراغ منها،ولكن نفع العلم يبقى إلى ما شاء الله،ولهذا عد في الأمور الباقية لللإنسان بعد موته،فإذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من أشياء معروفة منها: علم ينتفع به من بعده.وعلى قدر المنتفعين بعلمه يكون أجره،فكلما اهتدى به مهتد إلى طريق الخير،واسترشد به مسترشد في معرفة الحلال من الحرام، والهدى من الضلال،كان له أجره،كما جاء في الحديث:”من دل على خير فله مثل أجر فاعله”.

ولأن العلم إما فرض عين، وإما فرض كفاية،وكلاهما أفضل من الاشتغال بالنوافل.

ولأن العلم من صفات الله تعالى،والعمل من صفات المخلوقين،فهو هنا يتخلق بخلق من أخلاق الله تعالى،إن صح التعبير،أو يتصف بصفة من صفاته،واسم من أسمائه الحسنى.

ولأن العلم هو الذي يكشف الغوامض من المسائل، ويفصل في دقائق الأمور،كما رأينا في حديث الذي قتل تسعة وتسعين نفساً،فسأل رجلاً عابداً هو أعبد أهل الأرض في زمنه،:هل له من توبة؟فقال له: لا توبة لك،فقتله،وأكمل به المائة،ثم سأل رجلاً عالماً،هو أعلم أهل الأرض في زمنه:هل له من توبة؟فقال له :نعم،وأمره أن ينتقل من القرية الظالمة الفاسدة إلى قرية أخرى صالحة.

ولأن العلم هو الذي يُبين الحقّ من الباطل في الاعتقادات،والصواب من الخطأ في المقولات،والمسنون من المبتدع في العبادات،والحلال من الحرام في التصرفات،والصحيح من الفاسد في المعاملات،والفضيلة من الرزيلة في السلوكيات،والمقبول من المردود في المعايير،والراجح من المرجوح في الأقوال والأعمال.

وبدون العلم يمكن أن يعتقد المرء الباطل وهو يحسبه حقاً،ويرتكب البدعة وهو يظنها سنة،ويتورط في الحرام وهو يتوهمه حلالاً،ويسقط في حمأة الرزيلة وهو يتصورها فضيلة،ولهذا كان من الأدعية المأثورة:”اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه،وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه”.وحتى لايكون المرء ممن(زين له سوء عمله فرآه حسنا).

وذكر الإمام البخاري في كتاب “العلم” :أن العلم يسبق العمل، واستدل لذلك بالقرآن والحديث.

وقال الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:”من عمل على غير علم،كان ما يفسد أكثر مما يصلح”.

وقال الإمام الشافعي رحمه الله:”ليس شىء بعد الفرائض أفضل من طلب العلم”.

ويقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي رحمه الله في مقال آخر بعنوان (علوم الدنيا إلى جانب علوم الدين)

“الإسلام لم يكلف المسلمين بعلم الدين وحده،بل كلفهم بعلوم الدنيا مع علوم الدين.لقد علمنا الإسلام أن الإنسان لايمكن أن يعيش بالدين وحده،إنما يمكن أن يعيش بالدنيا فقط،أو بالدين والدنيا معاً.كما حكى لنا القرآن أصناف الناس في موسم الحج.فقال تعالى:” فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار}(البقرة 200 ـ 201).

ولم يذكر القرآن من يطلب من الله تعالى الدين وحده،وكأن مثل هذا لايوجد.

وهذه هي طريق الإسلام:طلب الحسنيين:حسنة الدنيا،وحسنة الآخرة.كما أثاب الله به المؤمنين الصالحين،فقال تعالى:{فآتاهم الله ثواب الدنيا وحُسنَ ثوابِ الآخرة والله يحب المحسنين}(آل عمران 148).

لهذا يجب هنا أن ننوّه بعلوم الدنيا، التي على المسلمين أن يطلبوهاويحصلوها،ويتفننوا فيها،حتى يبلغوا درجة إتقانها،ويتقنوا قوانينها،ويخترعوا ويبدعوا،كما فعلوا في أيام ازدهار الحضارة الإسلامية،حيث ترجموا علوم الأوائل،وأحسنوا تعلمها،وأحكموها،وبدأوا ينتقدونها،ويضيفون إليها من عندهم ما لم يكن فيها،كما اخترعوا علم (الجبر) وقد أضافوه إلى الرياضيات.وكان لهم دورهم في علوم الفلك والفيزياء والكيمياء،وعلم الأرض،وعلم البحار،وعلم الجغرافيا وتقويم البلدان،وعلم الطب والتشريح،وعلوم الفلسفة والحكمة ،وقد كانت مختلطة بعلوم الطبيعة وغيرها.

المهم أن هذه العلوم فرضٌ على المسلمين في مجموعهم أن يتعلموها،وأن يُحكموها.

لقد عرفنا في ساحة علوم الدنيا أسماء كبيرة إسلامية،كان لها وزنها وثقلها في تاريخ العلم والفكر العالمي،فقد سمعنا عن الكِندي،والفارابي،وابن سينا،وابن رشد،والرازي،والزهراوي، وابن النفيس،والخوارزمي،وابن حبان،والبيروني،والفخر الرازي، وغيرهم وغيرهم.

إننا لكي نكون كما أحب الله لنا:{خير أمة أخرجت للناس}(آل عمران 110)ولكي نكون:{شهداء على الناس}(البقرة 143)،لابد لنا :أن نصل بين القوة العلمية والتكنولوجية إلى الحد الذي نتفوق فيه على عدونا،لابد أن نكون متفوقين في علوم الدنيا،لنكون أقوى من غيرنا،إن كنا نريد أن نحيا أعزاء كما كتب الله لنا{ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}(المنافقون 8).

ويقول الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في مقال آخر(أهداف العبادات في الإسلام):

“كانت الحضارة الإسلامية حضارة لكل الناس،ليست حضارة المسلمين فقط،المسلمون هم العنصر الأول فيها،ولكنها وسعت كل الديانات،وكل الثقافات،وكل العناصر والأجناس،شارك فيها العرب،وشارك فيها الفرس،وشارك فيها أتراك وهنود وعبرانيون وسريانيون،وشارك فيها نصارى ويهود،وشارك فيها مجوس،وسعت الجميع،كل بنى فيها لبنة،ليست حضارة متحجرة،بل حضارة وسعت الجميع،وعاملت الجميع بالقسطاس المستقيم،كان عدل الإسلام للجميع،وكيف لا وهو عدل الله؟عدل الإسلام،عدل الله،وعدل الله لجميع الخلق، لجميع خلق الله،لجميع عباد الله،كل يناله حظ من هذا العدل.

أين هذا مما نراه اليوم من حضارة اليوم التي تكيل بمكيالين،وتزن بميزانين،وتعامل الناس بالهوى لا بالحق؟

ويتابع رحمه الله:

“الحضارة الإسلامية كانت حضارة التسامح ،لم تفرض على أحد حكماً من الأحكام،لم تفرض على إنسان حتى على غير المسلمين،لم تفرض عليهن أن يلبسن الحجاب،قالت: اتركوهم وما يدينون.هذه الكلمة المأثورة عن خلفاء المسلمين: اتركوهم وما يدينون.إذا كانوا يأكلون الخنزير أو يشربون الخمر اتركوهم يأكلون الخنزير ويشربون الخمر،كل ما عليهم ألا يروجوا ذلك بين المسلمين،ولا يبيعوا ذلك للمسلمين.

إلى هذا الحد كانت سماحة الإسلام،أين سماحة الحضارة؟أين عدالة الحضارة؟أين مُثل الحضارة؟أين قيم الحضارة؟إننا لانجدها،لا نجد هذا كله إلا في حضارة الإسلام،نحن أصحاب الدين الحق،نحن أصحاب الحضارة الحقة،نحن حملة القيم،نحن دعاة المثل العليا،نحن دعاة الأخلاق في العالم،فعلينا أن نتمسك بهذه القيم،وأن نعض عليها بالنواجذ،وأن نرفع رؤوسنا في الناس،وندعو الناس إلى هذا الدين العظيم،فلن تجد البشرية طوقاً للنجاة،ولا سفينة للخلاص، إلا في هذا الدين”.

ويقول الشيخ العلامة الاستاذ محمد الغزالي رحمه الله(مجلة الأزهر الجزء الرابع جمادى الآخرة عام 1484هجري):

في الحضارة الحديثة جوانب لا أجد بُداً من احترامها وتزكيتها،بل أجدني مسوقاً بدوافع من ديني إلى الإعجاب بها والتملي منها.

وأبرز هذه الجوانب إدمان النظر في الكون بالبحث عن خواص الأشياء،والتعرف على القوانين الدقيقة التي تسير عليها الحياة،وانتهاج خطة بعيدة عن الحسّ والتخمين في تقرير شتى الحقائق.

إن أي حضارة تقترب من الفطرة في بعض نواحيها،أشعر باقترابها من طبيعة الإسلام في هذا البعض…ولو كانت غريبة عني.وإن أي حضارة تجنح التكلف والتخرص أشعر بانحرافها عن طبيعة ديني لو كانت قريبة مني.وفي تراثنا الثقافي كتابات من عالم الغيب لم تعتمد على الوحي،وكتابات عن عالم الشهادة لم تعتمد على التجربة والاستقراء.

كلتا الكتابتين واهية العلاقة بخطة القرآن في تكوين المعرفة الصحيحة.فالمعرفة المادية…لا سبيل لها إلا النظر الصائب في الكون وأسراره وقواه.وصلة الإنسان بربه أو بأخيه الإنسان لا سبيل لها إلا توقيف الشارع الحكيم.

ومعنى هذا أن علوم الطبيعة والكيمياء والفلك والنبات والحيوان والطب والهندسة وما إلى ذلك تقوم على استقصاء الحقائق من الواقع وحده،ولا مكان لفروض وهمية أو أوصاف شاعرية،أو حدود تقليدية،أو سلطات استبدادية.

المجال للعقل الحر الدؤوب،يداوم النظر ويتابع الجهد حتى يصل إلى ما يبغي دون ما قيد.وإني لأقرر في غير تحرج:أني كنت أطالع بعض البحوث العلمية التي هدت إليها الحضارة الحديثة،فأشعر كأن مؤلفي هذه البحوث،كانوا يستجيبون ـ سواء شعروا أو لم يشعروا ـ لقوله تعالى:{أولم ينظروا في ملكوتِ السّماواتِ والأرض وما خلقَ الله من شىء}(الأعراف 185).

إنه نداء الفطرة الإنسانية على كل حال،وقد صمَّ عن هذا النداء من فتحوا عيونهم دون تدبر،أو من استعملوا ذكاءهم في بحوث ما وراء المادة،فعادوا منها بقبض الريح،أو من كتبوا في المادة نفسها فشطحوا مع الخرافات ونظروا في كل شىء إلا في الكون وآفاقه والعناصر وخصائصها.

إن القرآن الكريم جعل مجالي الطبيعة مدارس الإيمان،وكلما استكثر المرء من حصيلة المعرفة الكونية ربا يقينه،وزادت بالله معرفته.

ولعل درساً في وظائف الأعضاء،أو في دوران الأفلاك،يكون أنجح في غرس الإيمان وأدنى إلى التعريف بعظمة الله من بعض القراءات النظرية،أو المقدمات الجدلية.

ويتابع رحمه الله:

“لقد شقَّ الفكر الإسلامي الأول طريقه إلى الحياة والسيادة بقوة رائعة،أمكنه أن يتشعب مع النشاط الإنساني دون كلال.

ونستطيع القول بأنه ترك في الحضارة العالمية آثاراً خالدة.

بل إننا ـ من غير تعصب ـ نقرّر:أن الحرية العقلية ولدت أولاً في القاهرة ودمشق والقدس وبغداد،قبل أن تولد في لندن وباريس وبرلين وروما.

وأن الصليبيين الأقدمين عادوا إلى بلادهم بهذه الحرية العقلية المجلوبة من الشرق،ليغسلوا بها أوضارهم،ويجددوا حياتهم،ويتخلصوا من قيود هائلة،لو بقوا بها ما نالوا قسطاً من تقدم أو رخاء.

إن عظمة التفكير الإسلامي تقوم على أنه يقدم للعالم إيماناً يعمر الدنيا،ويمهد للأخرى ويعد الوجود الأول والأخير وحدة كاملة”.

ويقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(الرسالة العدد الأول ):

“هذا التاريخ على طوله وفضوله لم يسجل من الأمم التي بلغت رسالات الله بالخير والجمال والحق إلا أربعاً:العبران في الدين والسلم،واليونان في الفن والعلم،والرومان في النظام والحكم،والعرب في كل أولئك جميعاً.

(والعرب في كل أولئك جميعاً) فقرة أقولها وأنا أعلم أن الشك سيحك الآن في بعض الصدور.لان ما أقرته التعاليم المريضة في الأذهان من أن اليونان والرومان هم مصادر الثقافة العالمية،وأن العرب أعجز بفطرتهم عن العلم،وأبعد بطبيعتهم عن التمدن،يجعل هذه القضية على إطلاقها سخيفة.

لقد آن للنظر الصحيح أن يرى،وللعقل المجرد أن يحكم!أما الأحكام التي صدرت عن موتوري الشعوب وتجار العقائد وورّاث الأحقاد فلا وزن لها في نظر المنطق ولا شأن لها في رأي العلم.

وإن هناك فريقاً من صفوة العلماء الأوربيين تحرروا من حكم الهوى،وتحللوا من قيد الغرض،فأقروا الحق في نصابه،وأرجعوا الفضل إلى أهله ،سنجعلهم شهودنا في إثبات ما نقول.

كان العالم شرقه وغربه في أوائل القرن السابع للميلاد قد استحال كونه إلى فساد.فحضارته تتحطم بالترف والرخاوة.وسياسته تتحكم بالغلول والأثرة،وأخلاقه تتفكك بالسرف والشهوة،وعقائده تتنزى بالجدل والتعصب ودماؤه تهدر بين الروم والفرس لغير غرض أسمى ولا مبدأ مقدس.وكانت شعوبه منذ زمن طويل قد فقدت مثلها العليا فهي تعيش عيش الهمل السوائم:فلا عظمة روما تحفز الرومان،ولا مجد السلف يهز الفرس،ولا سمو الغاية يسدد وثبة البربر.

ويتابع الاستاذ الزيات رحمه الله(الرسالة العدد الثالث):

“كان الامبراطور جستنيان قد فتح باب الجور على أساتذة المدارس الأفلاطونية في أثينا والاسكندرية فألجأهم للجلاء والتشرد فما اعتصموا منه إلا بفارس.وأخذ هؤلاء وأولئك ينقلون إلى السريانية والكلدانية كتب أرسطو وسقراط وجالينوس وإقليدس وأرخميدس وبطليموس،فكان ما ترجموه من العلوم نواة صالحة لهذه النهضة المباركة التي مهد لها الخلائف الأولون من بني العباس.كان أول من تلقى وحي هذه الرسالة الخليفة الثاني أبو جعفر المنصور فأنشأ المدارس للطب والشريعة واستقدم جرجيس بن بختيشوع رأس أطباء جنديسابور ونفراً من السريان والفرس والهنود فترجموا له كتباً في الطب والنجوم والأدب والمنطق.ثم حملها من بعده الرشيد فنفخ فيها من روحه ونشرها في العالم بروحه وترجم في زمنه ما وجد من كتب الطب والكيمياء والفلك والجبر والنبات والحيوان .فلما تلقاها المأمون لم يبق من كتب العلوم والفنون والصناعة شىء في العبرانية واليوناتية والسريانية والفارسية والهندية إلا نقل إلى العربية.

ويتابع:”أخذ العرب الطب عن أصوله عن أبقراط وجالينوس وبعض السريان والهنود،ولكنهم نقوا هذه الأصول من الشعوذة،ورقوها بالترتيب،ونموها بالتجربة،وانتقدوا مذاهب القدماء في تعليل بعض الدواء،واستحدثوا في التشخيص والعلاج نظريات وعمليات ووسائل أطبق الباحثون على أنها لم تعرف من قبلهم،ولم تنسب إلى غيرهم،ككشفهم علاج اليرقان والهيضة،وأخذ المرضى بالصفد والتبريد والترطيب في الفالج والحمى واللقوة على غير ما ألف الأقدمون.وهم أول من استعمل المرقد في الطب،والكاويات في الجراح،وصب الماء البارد لقطع النزيف.وقد فطنوا إلى عملية تفتيت الحصاة،وعين أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي المعروف عند الفرنج(بالبوكاريس) موضع البضع لإخراجها،وهو ما عينه متأخرو الجراحين من الفرنج.وأبو بكر الرازي أول من كتب في أمراض الأطفال،وألف في الجدري والحصبة،واستعمل الكحول والحجامة في الفالج.والرئيس أبو علي بن سينا أمير الأطباء وجالينوس العرب كما يلقبه الفرنج وضع كتابه القانون فكان شريعة الطب في العالم زهاء ستة قرون.وكان عمدة التدريس في جامعات فرنسا وإيطاليا ولم ينقطع تدريسه في جامعة مونبليه إلاأواسط القرن التاسع عشر.وقد تعرض فيه بالتفصيل الدقيق إلى علم الصحة وقرر نظرية(الهجين) الرياضي وهي نظرية كان المظنون أنها من ثمرات العلم الحديث.ومن الاقوال المأثورة أن الطب كان معدوماً فأحياه جالينوس،وكان متفرقاً فجمعه الرازي وكان ناقصاً فأكمله ابن سينا.وإذا مضينا نذكر أمثلة مما جدد سائر الأطباء العرب كإبن زهر وابن رشد وابن باجة وابن طفيل استبحر القول والتاث علينا تحديده وحصره.وفي كتاب طبقات الأطباء لإبن أبي أصيبعة وتراجم الحكماء لإبن القفطي وتاريخ الطب العربي ما ينقع غلة المستزيد.

وللعرب القدم الأولى واليد الطولى في الصيدلة والكيمياء والنبات،وهي في رأيهم شعب من علم الطب أو لواحق به،فهم واضعوا أصول الصيدلة وأول من مارس تحضير العقاقير واستنباط الأدوية.وكذلك هم أول من ألف في الأقرباذين على هذا النمط،وأقام حوانيت الصيدلة على هذا الوضع.وظل العرب معتمدين في المارستانات والصيدليات على أقرباذين ابن التلميذ المتوفى سنة 560 ببغداد.ولا تزال أسماء العقاقير التي أخذها الفرنج عن الشرق في كتبهم على وضعها العربي المرتجل أو المنقول.ولا نزاع اليوم في أن علم الكيمياء الصحيح إنما يؤرخ وجوده بجهود العرب فيه.فإنه في سبيل العثور على الإكسير أو إنكاره هدوا إلى عمليات أساسية ومركبات كيميائية كان لها الأثر الظاهر في تأسيس هذا العلم.والإفرنج يعترفون للعرب بأنهم عرفوا التقطير والترشيح والتصعيد والتذويب والتبلور والتكليس،وأن جابر بن حيان وأخلافه قد استنبطوا طائفة من الأحماض التي تستعمل اليوم.كذلك برع العرب في علم النبات وبخاصة ما يتصل منه بالطب،فقد استفادوا مما كتبه دسقوريدس وزادوا عليه ما وفقوا إليه من شتى الأنواع ومختلف الشكول.والعلماء لسان واحد في أنه لم يأت بين دسقوريدس اليوناني ولنييه السويدى المتوفى سنة 1707م أطول باعاً ولا أوسع اطلاعاً في هذا العلم من ابن البيطار المالقي.فإنه درس كتاب دسقوريدس ثم رحل إلى بلاد اليونان وأقصى ديار الروم فحقق أنواع النبات بنفسه،واتصل ببعض من يعانون ذلك فاستعان بفهمهم على فهمه،وأضاف علمهم على علمه،ثم عبر إلى المغرب فقام بمثل ذلك.وطلب منابت العشب في مصر والشام فدرسها حق الدراسة ثم وضع بعد طول الدرس وسعة الخبرة كتابه الموسوم بجامع مفردات الأدوية والأغذية،فكان أجمع الكتب في فنه،ومرجع الأوربيين في موضوعه.ولا يقل عن ابن البيطار في التفوق والفضل معاصره ومآذره رشيد الدين بن الصوري المتوفى سنة 639 فقد كان من أتقانه أنه كان يخرج إلى الأودية والفلوات في درس النبات ومعه مصور قد استكمل آلته وأصباغه،فيشاهد النبات ويحققه ويريه المصور في أبان نباته وفي وقتكماله ثم في حال ذراه ويبسه،فيعتبر لونه ومقدار ورقه وأغصانه وأصوله ثم يصوره في كل طور من أطواره بالدقة.وذلك غاية ما بذلته الأمانة العلمية اليوم من الكمال.

أما أثر العرب في العلوم الرياضية والطبيعية والفلكية فبحسبنا أن نشير إلى أنهم أول من نقل الأرقام الهندية إلى أوربا،وأول من استعمل الصفر في معناه المعروف،وأن كلمة الجورتمى اللاتينية مشتقة من اسم الخوارزمي محمد ابن موسى المتوفى سنة 220هجري،وأن الجبر باسمه العربي يكاد يكون علماً عربياً بعد أن وضع الخوارزمي كتابه في الجبر والمقابلة.وفي مادة المثلثات من دائرة المعارف البريطانية أن العرب أول من أدخل المماس في عداد النسب المثلثية.وهم الذين استبدلوا الجيوب بالأوتار وطبقوا الجبر على الهندسة،وحلوا المعادلات التكعيبية.

وفي الفيزياء أو علم الطبيعة كشفوا قوانين لثقل الأجسام جامدها ومائعها،وبحثوا في الجاذبية وقالوا بها.وكان أبو الحسن علي بن إسماعيل الجوهري أول من وضع مبادىء الضوء وأوضح أسباب انعكاسه عن النجوم،وأصلح الخطأ الشائع يومئذ من أن الأشعة تنشأ في العين ثم تمتد إلى المرئيات.وتشهد دائرة المعارف البريطانية في مادة الضوء أن بحوث العرب فيه هدت العلماء إلى اختراع المنظار.

وفضل العرب على الفلك من البينات المسلمة،فقد رصدوا الافلاك وألفوا الأزياج وابتكروا آلات الرصد وصححوا أغلاط اليونان والهند وحسبوا الكسوف والخسوف ورصدوا الاعتدالين الربيعي والخريفي وقالوا باستدارة الارض ودورانها على محورها.

وأما أثرهم في الفلسفة المدرسية فإن الكندي والفارابي وابن سينا في الشرق،وابن باجة وابن طفيل وابن رشد في الغرب،قد توفروا على فلسفة اليونان بالدرس والشرح والتمحيص حتى جددوا دارسها وجلوا طامسها وكملوا ناقصها ووسموها بسمة الحرية والعبقرية والنضوج.وقد أثار ابن سينا بتفكيره الحر المنظم،وعقله القوي المنطقي،مسائل من العلم تشغل أذهان الباحثين اليوم.ووضع ابن طفيل قصته الفلسفية (حي بن يقظان) فأبان عن قوة نادرة في التفكير،وموهبة عجيبة في التصوير،واستيعاب موجز للأفلاطونية الحديثة.

وكان اللاهوتيون في القرون الوسطى يعجبون بإبن رشد وسعة علمه ودقة فهمه ونفاذ بصيرته ولكنهم كانوا يخشون أثر رأيه الجرىء في العقائد”.

ويتابع الأستاذ الزيات رحمه الله(الرسالة العدد4):

“وبينما كان الشرق من أدناه إلى أقصاه مغموراً بما تشعه منائر بغداد والقاهرة من أضواء المدنية والعلم،كان الغرب من بحره إلى محيطه يعمه في غياهب من الجهل الكثيف والبربرية الجموحة،وكان حظه من الثقافة يومئذ ما تضمه حصون الأمراء المتوحشين من بعض الكتب،وما يعلمه الرهبان المساكين من قشور العلم.وانقضى القرن التاسع والقرن العاشر للميلاد وأولئك الأمراء في قصورهم يتبجحون بالأمية ويرتعون في الدماء،وهؤلاء الرهبان في ديورهم يمحون الكتابة من روائع الكتب القديمة لينسخوا على صفحاتها الممحوة كتب الدين،حتى أزال الله الغشاوة عن بعض العيون فرأوا من وراء هذا الظلام الداجي بقعة من المغرب تسطع فيها شمس المشرق،فلما تبينوا أن البقعة هي جزء من اسبانيا،وأن النور قبس من نور بغداد،استيقظ في نفوسهم طموح الكمال الإنساني فطلبوا العلم فلم يجدوه إلا عند العرب.

ففي سنة 1130 أنشئت في طليطلة مدرسة للترجمة تولاها الاسقف”ريموند” وأخذت تنقل جلائل الأسفار العربية إلى اللاتينية وأعانهم على ذلك اليهود،فبعثت هذه الترجمة في أوربا شعوراً لطيفاً وروحاً طيبة.وتضافرت على هذا المجهود النبيل قواعد أخرى للترجمة طوال القرون الثاني والثالث والرابع عشر حتى بلغ ما ترجموه من العربية يومئذ ثلاثمائة كتاب أحصاها الدكتور”لاكلارك” في كتابه تاريخ الطب العربي وأحصاها غيره أربعمائة.وكان أكثر ما ترجم في هذه العهود كتب الرازي وأبي القاسم الزهراوي وابن رشد وابن سينا وما نقل إلى العربية من اليونانية لجالينوس وأبقراط وأفلاطون وأرسطو واقليدس وغيرهم…وظلت هذه الكتب المنقولة منهاجاً للتعليم في جامعات أوربا خمسة قرون أو ستة،واحتفظ بعضها بقوته وقيمته حتى القرن التاسع عشر ككتب ابن سينا في الطب مثلاً،وكان ابن رشد هو المهيمن المطلق على الفلسفة في جامعات فرنسا وإيطاليا وبادو على الأخص ابتداء من القرن الثالث عشر.ولما أراد لويس الحادي عشر تنظيم التعليم سنة 1473م أدخل في المنهج فلسفة ابن رشد وأرسطو.فلولا وجود العرب في الأندلس وترجمة علومهم في صقلية والبندقية لما تهيأ للقرون الوسطى أن تظفر بكتاب من كتب اليونان ولا أثارة من علم العرب”.

ويقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله (فيض الخاطر الجزء العاشر):

“وقد بذر الإسلام في نفوس أصحابه بذوراً تأصلت فيهم فكانوا إذا اقتبسوا من الفلسفة اليونانية أو أية ثقافة أخرى لم يكونوا مقلدين تقليداً صرفاً،إنما كانوا دائماً يُعملون العقل فيما نقلوا،ويُعملون العقيدة الدينية فيما قرأوا.فإذا نظرنا إلى ما كتب الفارابي وابن سينا وابن رشد رأيناهم لم يقفوا موقف التلميذ فحسب،بل نقدوا وزادوا ووفقوا بين الفلسفة والدين وأمدوا كل شىء بروح من عندهم،فكان لثقافتهم طابع خاص وشارة تعرف بها ـ حتى هذا المنطق اليوناني الذي دانت له كل الأمم زاد الغزالي في بعض كتبه فصولاً عن القرآن،وابن تيمية وابن حزم وغيرهما نقدوا منطق اليونان وعدوه منطق شكل لا منطق مادة.وكان شأنهم في كل فرع هذا الشأن تقريباً.فدعوى أن المسلمين في ثقافتهم كانوا حفظة للثقافة اليونانية أكثر منهم مبتكرين لثقافة خاصة،دعوى أملاها عدم الدراسة للثقافة الإسلامية دراسة وافية.

والحق أن فضلهم على المدنية الحديثة كان من الناحيتين جميعاً:من ناحية حفظهم لثقافة غيرهم من الأمم ولولاهم لضاع كثير منها،ومن ناحية ما أنشأوا وابتكروا وبثوا من روح في الثقافات القديمة”.

ويقول الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله(فصول إسلامية ـ موقفنا من الحضارة الغربية):

“لقد استفدنا من الحضارات السابقة،نعم،ولكنا أعطيناها من بعدنا أكثر مما أخذنا ممن قبلنا، والحضارات والعلوم،ملك مشاع للإنسانية كلها،لا جنسية للعلم ولا للأدب ولا للحضارة وتعالوا ننظر،مالذي أخذناه؟

أخذنا مبادىء في العلوم الرياضية والطبيعية والطبية،استفدنا منها،ولكنا زدنا عليها،وكان الذي زدناه أكثر مما استفدناه.

وأخذنا أشياء ضرّتنا ولم تنفعنا،كالفلسفة اليونانية البدائية،والعادات الفارسية المخالفة في جملتها للسلائق والفضائل العربية،والغيبة الهندية.

حتى المنطق اليوناني الذي أوليناه من العناية مالايستحق عشره،وأدخلناه في هندسة أسلوب التأليف في علوم الدين وعلوم اللغة،فعقدنا به هذه العلوم،وأبعدناها عن أفهام الناس”.

ويقول الأستاذ محمد قطب رحمه الله في كتابه (واقعنا المعاصر”ص90):

“والمسلمون هم الذين أسسوا المنهج التجريبي في البحث العلمي.تلك حقيقة يقرّ بها الذين أخذوا عن المسلمين هذا المنهج،فقفزوا به قفزات واسعة في العصر الحديث.

يقول بريفولت في كتابه”بناء الإنسانية”:

“إن ما يدين به علمنا للعرب ليس فيما قدموه إلينا من كشوف مدهشة لنظريات مبتكرة.بل يدين لهم بوجوده نفسه.فالعالم القديم لم يكن للعلم فيه وجود.وقد نظم اليونان المذاهب وعمموا الأحكام ووضعوا النظريات.ولكن أساليب البحث في دأب وأناة،وجمع المعلومات الإيجابية وتركيزها،والمناهج التفصيلية للعلم،والملاحظة الدقيقة المستمرة،والبحث التجريبي،كل ذلك كان غريباً تماماً عن المزاج اليوناني..أما ما ندعوه”العلم” فقد ظهر في أوربا نتيجة لروح من البحث جديدة،ولطرق من الاستقصاء مستحدثة…وهذه الروح وتلك المناهج أوصلها العرب إلى العالم الأوربي”.

ولكن الذي صنعه المسلمون في حركتهم العلمية لايقف عند حد تصحيح الأخطاء التي وجدوها عند الإغريق،ولا ابتداع علوم جديدة كعلم الجبر،ولا اكتشاف كثير من خواص المادة مما أدى إلى تقدم كبير في علم الفيزياء وعلم الكيمياء،ولا اكتشاف الدورة الدموية،ولا ما ابتدعته عبقرية الحسن بن الهيثم في علم الضوء…ولا يقف كذلك عند منح البشرية سبيل التقدم العلمي الصحيح،وهو المنهج التجريبي الذي ما كان للعلم أن يتقدم تقدماً حقيقياً بدونه…”

ويقول العلامة مصطفى لطفي المنفلوطي رحمه الله(المجلد الأول ص 117):

“يقول اللورد كرومر:إن الدين الإسلامي دين جامد لا يتسع صدره للمدنية الإسلامية،ولا يصلح للنظام الاجتماعي،ويقول: إن ما لا يصلح له الدين الإسلامي يصلح له الدين المسيحي،ويستدل على الإسلام بالمسلمين،وعلى المسيحية بالمسيحيين.

في أي عصر من عصور التاريخ،كانت الديانة المسيحية مبعث العلم ومطلع شمس المدنية والعمران؟أفي العصر الذي كانت تدور فيه رحى الحرب الدموية بين الأرثودكس والكاثوليكية تارة،وبين الكاثوليك والبروتستانت تارة أخرى بصورة وحشية فظيعة اسود لها لباي الإنسانية،وبكت الأرض منها والسماء؟أم في العصر الذي كانت إرادة المسيحي فيه صورة من إرادة الكاهن الجاهل،فلا يعلم إلا مايعلمه إياه،ولا يفهم إلا ما يلقيه إليه،فما كان يترك له الحرية حتى في الحكم على نفسه بكفر أو إيمان،وبهيمية أو إنسانية، فيكاد يتخيل أن له ذنباً متحركاً وخيشوماً طويلاً،وأنه يمشي على أربع إذا قال له الكاهن:أنت كلب:أو قال له:إنك لسن بإنسان؟أم في العصر الذي كان يعتقد فيه المسيحي أن دخول الجمل في سم الخياط أقرب من دخول الغني ملكوت السموات؟أم في العصر الذي كان يحرم فيه الكاهن الأعظم على المسيحي أن ينظر في كتاب غير الكتاب المقدس.وأن يتلقى علماً في مدرسة غير مدرسة الكنيسة؟

أم في العصر الذي ظهرت فيه النجمة ذات الذنب فذعر لرؤيتها المسيحيون ورفعوا إلى البابا عرائض الشكوى فطردها من الجو فولّت الأدبار؟أم في العصر الذي أهدى فيه الرشيد العباسي الساعة الدقاقة إلى الملك شارلمان،فلما رآها الشعب المسيحي وسمع صوتها فرّ من وجهها ظناً منه أنها تشتمل على الجن والشياطين.أم في العصر الذي ألفت فيه محكمة التفتيش لمحاكمة المتهمين بمزاولة العلوم فحكمت في وقت قصير على ثلاثمائة وأربعين ألفاً بالقتل حرقاً أو صلباً؟أم في العصر الذي أحرق فيه الشعب المسيحي فتاة حسناء بعدما كشط لحمها وحرق عظمها لأنها كانت تشتغل بعلوم الرياضة والحكمة؟

هذا الذي نعرفه أيها الفيلسوف التاريخي من تاريخ العلم والعرفان والمدنية والعمران في العصور المسيحية،ولا نعلم أكانت تلك المسيحية التي كان هذا شأنها وهذا مبلغ سعة صدرها صحيحة في نظرك أم باطلة،وإنما نريد أن نستدل بالمسيحيين على المسيحية،وإن لم نقف على حقيقتها كما فعلت أنت في استدلالك بالمسلمين على الإسلام وإن لم تعرف حقيقته وجوهره،على أن استدلالنا صحيح واستدلالك باطل، فإن المدنية الحديثة ما دخلت أوربا إلا بعد أن زحزحت المسيحية منها لتحتل محلها كالماء الذي لايدخل الكأس إلا بعد أن يطرد منه الهواء لأنه لايتسع لهما،فإن كان قد بقي أثر من آثار المسيحية اليوم في أكواخ بعض العامة في أوربا فما بقي إلا بعد أن عفت عنه المدنية ورضيت بالإبقاء عليه ،لا باعتبار أنه دين يجب إجلاله وإعظامه،بل باعتبار أنه زاجر من الزواجر النفسية التي تستعين الحكومات بها وبقوتها على كسر شرّة النفوس الجاهلة،فلا علاقة بين المسيحية والتمدين الغربي من حيث يستدل به عليها،لا باعتبار أنه أثر من آثارها،ونتيجة من نتائجها،ولو كان بينه وبينها علاقة ما افترقت عنه خمسة عشر قرناً كانت فيها أوربا وراء ما يتصوره العقل من الهمجية والوحشية والجهل،فما نفعتها مسيحيتها ولا أغنى عنها كهنوتها.

أما المدنية الإسلامية فإنها طلعت مع الإسلام في سماء واحدة من مطلع واحد في وقت واحد،ثم سارت إلى جانبه كتفاً لكتف ما ينكر من أمرها ولا تنكر من أمره شيئاً،فالمتعبد في مسجده،والفقيه في درسه،والمعرب في خزانة كتبه،والرياضي في مدرسته،والكيميائي في معمله،والقاضي في محكمته،والخطيب في محفله،والفلكي أمام اسطرلابه،والكاتب بين محابره وأوراقه،أخوة متصافون وأصدقاء متحابون لا يختصمون ولا يقتتلون،ولا يكفر بعضهم بعضاً،ولا يبغي أحد منهم على أحد.

أيها الفيلسوف التاريخي:إن كان لابد من الاستدلال بالأثر على المؤثر فالمدنية الغربية اليوم أثر من آثار الإسلام بالأمس،والانحطاط الإسلامي اليوم ضربة من ضربات المسيحية الأولى.وإليك البيان:

جاء الإسلام يحمل للنوع البشري جميع ما يحتاج إليه في معاده ومعاشه ودنياه وآخرته،وما يفيده منفرداً،وما ينفعه مجتمعاً.

وجملة القول:إن الدين الإسلامي ما غادر صغيرة ولاكبيرة إلا أحصاها،ولا ترك الإنسان يمشي في ميدان هذه الحياة خطوة من مهده إلى لحده، إلا مدّ يده وأنار له مواقع أقدامه،وأرشده إلى سواء السبيل.

طلعت هذه الشمس المشرقة في سماء العرب فملأت الكون نوراً وإشراقاً،واختلف الناس في شأنها مابين معترف بها،ومنكر لوجودها ولكنهم كانوا جميعاً سواء فيالنتفاع بنورها،والاستنارة بضيائها على تفاوت في تلك الاستنارة وتنوع في ذلك الانتفاع.

طلعت هذه الشمس المشرقة فتمشت أشعتها البيضاء إلى أوربا من طريق إسبانيا وجنوب إيطاليا وفرنسا، فأبصرها عدد قليل من أذكياء الغربيين،فانتبهوا من رقدتهم واستيقظوا من سباتهم،ورأوا من جمال المذاهب الإسلامية وشرائع الكزن ونظاماته وقواعد الحرية والمساواة ما لفت نظرهم إلى المقابلة بين المجتمع الغربي الخامل الضعيف والمجتمع الشرقي النابه اليقظ،فقالوا: أيمكن أن يبيت المرء ليلة واحدة في حياته هادئاً في مضجعه مطمئناً في مرقده،لا يروعه دولاب العذاب،ولا سيف الجلاد؟أيمكن أن تملك النفس حريتها في النظر إلى نظام العالم وطبائعه ودراسة العلوم الكونية ومزاولتها؟أيمكن أن يطلع فجر المدنية على هذا المجتمع الغربي فيمحو ظلمته التي طال عهدنا بها حتى غشيت أبصارنا فما كاد يرى بعضنا بعضاً؟

كانت هذه الخواطر المترددة في عقول أولئك الأذكياء هي الخطوة الأولى التي مشتها أوربا في طريق المدنية والعمران بفضل الإسلام وشرائعه التي عرفها هؤلاء الأفراد من مخالطة المسلمين في أوربا ومطالعة كتبهم ومناظرة حضارتهم ومدنيتهم،ثم أخذوا يعلمونها للناس سراً ويبثونها في نفوس تلاميذهم شيئاً فشيئاً،ويلقون في سبيل نشرها عناءً شديداً،واستمر هذا النزاع بين العلم والجهل قروناً عدة حتى انتهى أمره بالثورة الفرنسية،فكانت هي القضاء الاخير على الوحشية السالفة والهمجية القديمة.

أيها الفيلسوف التاريخي: لا حاجة بي أن أشرح لك المدنية الإسلامية أو أسرد لك أسماء علمائها وحكمائها ومؤلفاتهم في الطبيعة والكيمياء والفلك والنبات والحيوان والمعادن والطب والحكمة والأخلاق والعمران،أو أعدد لك مدارسها ومجامعها ومراصدها في الشرق والغرب،أو أصف لك مدنها الزاهرة، وأمصارها الزاخرة،وسعادتها وهناءتها،وعزتها وسطوتها،فأنت تعرف ذلك كله إن كنت مؤرخاً كما تقول”.

ويقول الأستاذ الدكتور محمد هيثم الخياط رحمه الله ـ ندوة العلوم في الإسلام ـ الكويت 2001

ولم يكن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تابعوهم بإحسان يصنفون العلوم إلى علوم شرعية وعلوم كونية،وإنما كانوا يقتدون بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في تقسيم العلم إلى علم نافع وعلم لاينفع وقد صحّ عنه صلوات الله عليه وسلم أنه كان يسأل الله علماً نافعاً،وأنه كان يستعيذ بالله من علم لاينفع.

وقد ضرب القرآن الكريم مثلاً للعلم الذي لاينفع في قصة هاروت وماروت {ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون}(البقرة 102)

فكل علم ينفع الناس هو علم إسلامي،وهو علم مشروع،وهو علم حق.فالحق غاية العلم.

وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم طلب هذا العلم النافع فريضة على كل مسلم،ذكراً كان أم أنثى،ولو أن منه ما هو فرض عين ومنه ماهو فرض كفاية.

وانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم”طلب العلم”،حيث أجهد المسلمون أنفسهم في الحصول على العلم وأخذه من أي وعاء خرج.ولماذا اتجهت أمة الإسلام بعد عصر الراشدين،الذي فتح على الإسلام قلوب الناس ،تتلمس كل علم ينفع الناس.

ولكن الذي يلفت النظر ويثير الدهشة،أن هذه الأمة بعد أن قضت فترة الحضانة العلمية في أيام الراشدين إن صح التعبير،قد انفتحت على العالم وهي في مرحلة نضج ثقافي وعلمي ظاهرين.وهذا النضج العلمي والثقافي مكَّن هذه الأمة من ابتكار علوم خاصة ،ابتدعت أصولها ومناهجها،وأرست لها أركان المنهج الفكري المستقيم،ونواظم إعمال العقل إعمالاً ليس له حدود.

ويتابع الدكتور الخياط رحمه الله:

“هذه العلوم الخاصة الأصيلة أعدّت هذه الأمة لاستقبال العلوم التي لم يكن لها بها عهد.وتلك الثقافة التي كانت تهيمن على الضمائر والمواقف،جعلت الأمة تتفتح على الثقافات الأخرى بلا حرج ولا عقد.ولكنها جعلتها كذلك تقف منها موقف العالم المتبصر،وموقف الناقد المستنير.فلم تأخذ من الحضارة اليونانية مثلاً من أدب اليونان ولا شعرهم ولا فنهم ولا دراماهم ولا ميثولوجيتهم،ولكنها اغترفت من هذه الحضارة ما استطاعت من علوم الطب والطبيعة،وتخيرت وانتقت ما شاءت من الحكمة والفلسفة.

ويتابع الدكتور الخياط رحمه الله:

“وقد كان عجباً من العجب،لم يشهده التاريخ من قبل أو بعد،أن أمة فاتحة ،تملي شروط الصلح على المغلوبين،فتطلب إليهم أن يقدموا لها كتب العلم والفلسفة غرامة حربية…هذا ما فعله العرب في صلحهم مع الروم،وهذا وحده دليل قاطع،على أنهم كانوا على استعداد لقبول هذه العلوم،وأنهم كانوا في قدر من التقدم الفكري يسمح لهم باستيعاب هذه العلوم،بل غربلتها وانتخالها،بل تثوير أعماقها والخروج منها بمبتكرات لم تخطر على البال .

ويمكن أن نلاحظ أن الحركة العلمية في الإسلام سبقت الدراسات الفلسفية،ويوم أن استقر العرب في بلاد فارس ومصر،لفتت أنظارهم حركات علمية في جُنديسابور وحرّان والإسكندرية.فحاولوا أن يُفيدوا منها،وشُغلوا أولاً بما تقتضيه ظروف الحياة.وإنك لترى خالد بن يزيد الأموي يُعنى في عهد مبكر بالكيمياء والطب والفلك،ويأمر بعض المتخصصين بمصر بترجمة رسائل فيها عن اليونانية أو القبطية. ثم ترى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يأمر”ابن ماسرجُويه” بترجمة كتاب أهرُن القس في الطب.ويوم أن اتجه المنصور نحو مدرسة جُنديسابور التي أسسها كسرى أنو شروان،إنما كان يبحث عن أطباء لا عن فلاسفة،وقد اهتدى إلى بني بختيشوع الذين كان لهم شأن في نشأة الدراسات الطبية العربية،وإسهامٌ في حركة الترجمة الكبرى.كما قام في أيامه عبد الله بن المقفع بنقل كتب في المنطق والطب كان الفرس قد نقلوها من اليونانية،كما نقل يحيى بن البطريق كتباً كثيرة لبقراط وجالينوس، أمره المنصور بنقله.

وللمرء أن يتساءل: لماذا وصل المسلمون إلى هذا النضج العلمي الباهر في مثل هذه الحقبة الوجيزة؟والجواب في القرآن المجيد نفسه،الذي علم الناس أصول المنهج العلمي تعليماً..لم يضعها في فصل مستقل عنوانه”المنهج العلمي” وإنما بثها في تضاعيف آي القرآن الحكيم وثناياه، بحيث تشرّبها الذين يتلونه حق تلاوته،وهيمنت على تفكيرهم من حيث لايشعرون.

ـ فالعلم لا يقول عن شىء أنه حقّ إلا إذا قام عليه البرهان اليقيني القاطع.وقد أخذ المسلمون هذا المبدأ من مثل قوله تعالى {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}(البقرة11 ).

ـ والعلم يحاذر كل المحاذرة أن ينزل الظن منزلة اليقين،أو أن ينزل الخَرص والتخمين منزلة الترجيح،وذلك مأخوذ من مثل قوله تعالى {إن هي إإلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤُكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظنَّ وماتهوى الأنفسُ ولقد جاءهم من ربهم الهدى}(النجم 23).

ـ والعلم يمنع التقليد من غير وقوف على الدليل والاقتناع به،ولا يهمه أن يكون فلان أو فلان من كبار العلماء قد قال به إن لم يبرهن عليه،وهو مأخوذ من مثل قوله عز و {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبّعُ ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون}(البقرة170 ).

ـ والعلم ينطلق في تطبيقه قوانين التفكير المنطقي من أصلين اثنين: أحدهما أنه لا تناقض مطلقاً بين الحقائق.والثاني: أصل اطرّاد الفطرة واستقلالها،فما ثبت أنه حق في وقت ما سيكون دائماً حقاً،إذ الحق مستقل عن الزمان والمكان.

وهذان الأصلان هما أصلان قرآنيان،تجد الأول في قوله تعالى :{ماترى في خلق الرحمن من تفاوت}(الملك 3)،وقوله تعالى:{ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلا} (الأحزاب).

ـ والعلم يعتمد طريق المشاهدة الصحيحة سبيلاً للبحث عن الحقيقة.والقرآن الحكيم هو الذي يوجه كثيراً إلى استعمال الحواس مع العقل،يقول تعالى:{إنّ السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا}(الإسراء 36).

وفي هذه الآية وحدها ثلاثة أصول هي جماع أول النظر العلمي،أولها:أن لا يتبع الإنسان إلا الحق المعلوم يقيناً،وثانيها: أن طريق الوصول إلى الحق هو المشاهدة الصحيحة والتفكير الصحيح،وثالثها: إن على الإنسان أن يستمسك بما يصل إليه من الحق عن طريق المشاهدة والتفكير، لأنه عن ذلك مسؤول.

هكذا إذن،ومنذ النصف الثاني من القرن الهجري الأول،بادر المسلمون إلى طلب العلم قياماً بالفريضة،ورجاءً بأن تضع الملائكة أجنحتها لهم رضىً بما يفعلون،وبذلك أخذ العلم في العالم كله ينطبع بطابع علماء الحضارة الإسلامية ويصطبغ بصبغتهم.وإذا كان جورج سارتون في كتابه المشهور”تاريخ العلم” يقسّم العلم إلى عصور يمتد كل منها نصف قرن،ويسمي كل عصر منها باسم شخصية علمية فرضت وجودها عليه،فإن حقبة القرون الثلاثة ونصف القرن التي تمتد من عام 750 إلى 1100م،تمثل حقبة لا تحمل أي اسم غير إسلامي،وهي على التوالي عصور: جابر بن حيان،فالخوارزمي،فالرازي،فالمسعودي،فأبي الوفا،فالبيروني،فعمر الخيام،وجميعهم من العرب والترك والأفغان والفرس المسلمين،ومنهم علماء الكيمياء والجبر والطب والجغرافية والرياضيات والطبيعيات والفلك وغيرها.ولم يظهر في كتاب سارتون أي اسم غير إسلامي في مجال العلوم إلا بعد ألف ومئة حيث ذكر أول اسمين غربيين هما: جيرار ورودجر بيكون،ولكن ظل انتساب العصور شركة بين أسماء العلماء الغربيين والمسلمين على مدى قرنين ونصف من الزمن بعدئذ حيث ظهرت أسماء ابن رشد ونصير الدين الطوسي وابن النفيس.

وليس من غرض هذا الحديث أن نتحدث عما قدمه رواد العلم من علماء الحضارة الإسلامية للعالم فالبحث في ذلك يتشعب ويطول. فمن ذا الذي يستطيع أن ينكر أثر ابن سينا وابن الهيثم والخازن وقطب الدين الشيرازي وتلميذه كمال الدين في الفيزياء؟أو فضل محمد بن موسى الخوارزمي وأبي كامل وقسطا بن لوقا وسنان بن أبي الفتح والقلصادي وبهاء الدين العاملي وغياث الدين جمشيد الكاشي وابن الهيثم وثابت بن قرة والقوهي والخيام في الرياضيات،أو فضل ابن الهيثم ونصير الدين الطوسي والبيروني وثابت بن قرة وبني موسى والبوزجاني وابن يونس في الهندسة،أو فضل البوزجاني والطوسي والبيروني والخازن وجابر بن الأفلح والتبريزي في علم المثلثات،أو فضل ثابت بن قرة والبلخي وحنين بن اسحاق والبتاني وسهل بن بشار وقسطا البعلبكي والكندي والبوزجاني وابن يونس والصاغاني والقوهي والبيروني والخازن والطوسي وجمشيد الكاشي والفرغاني والفزاري والبطروجي وابن رستم القوهي في علم الفلك،أو فضل آل بختيشوع ويوحنا بن ماسويه وحنين بن اسحاق وثابت ابن قرة وابنه سنان بن ثابت وعلي بن ربّن والقمري والرازي وعلي بن العباس وابن سينا وابن زهر والزهراوي وابن رشد وابن النفيس في الطب،أو فضل ابن البيطار والدينوري وداود الأنطاكي في النبات والعقاقير،أو فضل ابن ماجد وابن خرداذابة وابن رستة والمسعودي والخوارزمي والبلخي وبني شاكر في الجغرافية وغيرهم كثير.

ويقول الدكتور عبد الوهاب عزام رحمه الله(مجلة الرسالة العدد574 بتاريخ الثالث من تموز عام 1944م):

“وفي تاريخ الإسلام ما يجبر القارىء من الحث على العلم والدأب على تحصيله والولع به واحتمال المشقة في سبيله والرحلة إلى الأقطار البعيدة من أجله،والتنافس فيه،فقد جاء الإسلام داعياً إلى العلم حاثاً على النظر في ملكوت السموات والأرض وسمى دستوره الكتاب والقرآن،وكانت أول كلمة نزلت من القرآن(اقرأ).وحمل العرب أمانة الإسلام ورعوا سنن القرآن،فاجتمعت الأمم في رعايتهم على حب العلم وطلبه،والكد فيه والدأب عليه حتى صار العلم الإسلامي كله كمدرسة واحدة يجد معلموها ومتعلموها في التعليم والتعلم.ويقوم عليها خلفاء وأمراء وكبراء يبذلون من جاههم ومالهم لأولي العلم.وقد بلغ الخلفاء بالعلم والعلماء منزلة التقديس.هذا هارون الرشيد يصب الماء على يد عالم ضرير ويقول إنه يفعله إكراماً للعلم،وولداه الأمين والمأمون يتنافسان في تقديم النعلين لأستاذهما الكسائي.والخليفة المعتضد بالله كان يوماً يطوف في بستانه وهو آخذ بيد ثابت بن قرة الحراني، فجذبها دفعة واحدة وخلاها، فقال ثابت ما بدا يا أمير المؤمنين؟قال: كانت يدي فوق يديك والعلم يُعلى ولا يعلى عليه”.

وجاء في ويكيبيديا الموسوعة الحرة:

“اهتمت الدولة الإسلامية التي أنشأها النبي محمد صلى الله عليه وسلم واستمرت تحت مسمى الخلافة في الفترات الأموية والعباسية بالعلوم والمدنية كما اهتمت بالنواحي الدينية فكانت الحضارة الإسلامية حضارة تمزج بين العقل والروح فامتازت عن غيرها من الحضارات السابقة والتي كانت عبارة عن مجرد امبراطوريات ليس لها أساس من علم ودين.

الإسلام كدين عالمي يحضّ على العلم ويعتبره فريضة على كل مسلم لتنهض أممه وشعوبه.ولم يكن في أي وقت مدعاة للتخلف كما يأفك الغرب فأي علم مقبول إلا لو كان علماً يخالف قواعد الإسلام ونواهيه.

والإسلام كرم العلماء ويجعلهم ورثة الأنبياء”.

وتحت عنوان “المسلمون والعلوم التجريبية والملاحظة وطرق البحث العلمي”(مجلة الفيصل السعودية العدد 64):

يقول الدكتور فوزي غرايبة:

“إن للإغريق دور هام في تطوير طرق البحث،إذ ينظر الدارسون لتطور طرق البحث العلمي على أنها اجتازت خلال الحقب التاريخية خطوات عدة:أولها المحاولة والخطأ أو المعرفة الحسية والخبرة الذاتية،وثانيها الاعتماد على مصادر الثقة والتقاليد أو المعرفة النقلية،وثالثها التأمل العقلي والحوار أو المعرفة الفلسفية(وهو ما اشتهر به الإغريق)وآخرها التدليل الاستقرائي أو المعرفة العلمية وهو الأسلوب الذي ابتدأ به العرب”.

ويقول الدكتور أحمد بدر (نفس المرجع):

“ومن الظواهر اللافتة للانتباه في العصر الإسلامي العناية بالجمع بين الناحيتين النظرية والعملية،فقد تحرر علماء المسلمين من استهداف العلم للعلم فقط بل إنهم طلبوا العلم للانتفاع به أيضاً في شتى مرافق حياتهم،ولا أدل على ذلك أن كتاب الخوارزمي في الجبر كان يقوم على مسائل في قسمة المواريث وتوزيع الحصص،وهناك شواهد كثيرة تفيد أن المسلمين قد خرجوا على القياس الأرسطي واعتمدوا الملاحظة والتجربة سبيلاً للبحث العلمي فكأنهم قد أسهموا باصطناع منهج الاستقراء”.

وجاء في مجلة الوعي الإسلامي(العدد 273 ـ رمضان 1407هجري):

يقول الأستاذ محمد عبد القادر الفقي:

“من أهم قواعد وأسس البحث العلمي عند علماء المسلمين:

1 ـ الاستناد إلى التجربة العلمية في الحسّيات:حيث لا يقبلون أي نتيجة لا تخضع للحجة والبرهان{قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}(النمل 64).فلقد كانت المشاهدة أو التجربة في الحسّيات هي الأساس في البحث العلمي المتعلق بالماديات.والرزي ذكر في كتابه الحاوي أن استخدام القرود لكي يدرس تأثير الزئبق عليها إذا شربته ،وذكرت ذلك زيغريد هونكة في كتابها”شمس العرب تسطع على الغرب حيث قالت:”كان الرازي يجرب كل العاقير الجديدة قبل أن يصفها للناس، فيدرس تأثيرها على الحيوان ويخلص إلى النتائج التي يستصوبها”.

2 ـ الاعتماد على المصادر وذكر أصحابها وأسمائها:وهي أمانة لم تعرفها أوربا إلا في مرحلة متأخرة ويذكر الدكتور “فرانز روزنتال” في كتابه”مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي”:أنه كلما كان الكتاب رفيعاً كلما كانت عناية العالم المسلم بذكر مصادره ومراجعه أدقّ وأشمل مما لو كان كتاباً لعامة الناس”.

3 ـ الأمانة والدقة في النقل:في مقدمة كتاب معجم البلدان يقول ياقوت الحموي:”إنه كان ينقل عن المصادر بكل دقة وأمانة،وسواء كان المنقول حقاً أم باطلاً فإن الصدق في إيراده له أهمية في البحث العلمي عند العلماء”.

وقد نقل علماء المسلمين تراث الهنود والفرس والإغريق إلى العربية وكان بوسعهم أن يتجاهلوا الإشارة إلى مؤلفي هذا التراث وأن ينسبوها إلى أنفسهم كما فعل الأوربيون ولكنهم نسبوا الكتب لأصحابها.

4 ـ تصحيح النظريات الخاطئة ورفض المعلومات غير الحقيقية:

فإن ابن النفيس رفض قبول نظرية جالينوس في الدورة الصغرى للدم،وكذلك لم يقتنع بنظرية بطليموس في تكوين الأرض جميع علماء المسلمين،كما أن الكندي خالف أرسطو طاليس في بعض أفكاره،وكذلك انتقد ابراهيم بن سنان ابن ثابت ابن قرة كتاب أرسطوطاليس في بعض أفكاره.

علماء الغرب وتقييم الحضارة العربية الإسلامية

جاء في مقال بمجلة الفيصل السعودية تحت عنوان”الغربيون وتقييم الحضارة الإسلامية”:

“ـ أقدم وأهم مؤلف صدر في الغرب كله وتحدث بصدق واسهاب عن الحضارة العربية الإسلامية وتأثيرها على أوروبا هو الكتاب الذي أصدره المستشرق الإنكليزي”سيمون أوكلي”(1678 ـ 1720م) بعنوان تاريخ المسلمين ويقول في مقدمته:”إن العرب الذين لم ينتبه إليهم مؤرخو اليونان والرومان إلا قليلاً،قد برهنوا على نباهتهم العلمية منذ عصر محمد(صلى الله عليه وسلم) في ميادين الفتح أم في ميادين العلوم،ولذلك فإن دراسة تاريخهم أكثر لزاماً علينا من الإلمام بتاريخ أية أمة من الأمم،فلقد كان لدى العرب من عظماء الرجال وجلائل الأعمال،مثلاً كان لآية أمة أخرى تظللها السماء”.

ـ وأما العالم الفرنسي”غوستاف لوبون”فهو من خيرة الرجال المنصفين الذين أنجبتهم أوربا في العقود الأخيرة،ومن أعاظم المؤرخين الذين كتبوا عن الحضارة العربية والإسلامية وذلك في كتابه”حضارة العرب” الذي صدر سنة 1884م،وتولى ترجمته إلى العربية ونشره الكاتب “محمد عادل زعيتر”عام 1945م ومما ذكره في كتابه:

“إن القوة لم تكن عاملاً في انتشار الإسلام ،فالعرب قد تركوا المغلوبين أحراراً في أديانهم،فإذا انتحل بعض الشعوب النصرانية الإسلام،واتخذ العربية لغة له،فذلك لما كان يتصف به العرب الغالبون من ضروب العدل الذي لم يكن للناس عهد به،ولما كان عليه الإسلام من السهولة التي لم تعرفها الأديان الأخرى…لقد انتشر الإسلام بالدعوة لا بالسيف”.

ـ وفي عام 1931م صدر في لندن كتاباً اسمه”تراث الإسلام” تولت جامعة اكسفورد طبعه ونشره وكان تحت إشراف الأستاذ “توماس أرنولد” وأشاد بفضل العرب والمسلمين على النهضة الأوربية،وقد ترجمه إلى العربية جرجيس فتح الله عام 1954م وطبع مرة أخرى عام 1975م.

ـ “زيغريد هونكه”:وهي مستشرقة ألمانية أصدرت كتاب”شمس الله فوق الغرب” عام 1960م وتكلمت فيه بإسهاب وتقدير ما أخذته أوروبا عن العرب والمسلمين،وترجم هذا الكتاب عام 1964م من قبل فاروق بيضون وكمال دسوقي بعنوان”شمس العرب تسطع على الغرب”.

وتقول :”لم يأخذ العرب العلوم التي ورثوها عن طريق الاقتباس،كما أنهم أيضاً لم يأخذوا الآلات العلمية ومواد العلم دون مناقشة أو تحقيق،فمنذ البدء أدهشوا العالم بالحرية الموضوعية والشجاعة العلمية اللتين استبقوا بها نتائج السالفين وأقوالهم ليشبعوها نقداً وبحثاً وتفنيدا”.

ـ كتاب”عبقرية الحضارة العربية مصدر النهضة الأوربية”:صدر عام 1976م بمناسبة انعقاد مهرجان العالم الإسلامي في لندن،وتولت مؤسسة فيدون للطباعة في لندن طبعه ونشره ،وقد أشرف على تأليفه عددٌ من الأساتذة المتخصصين في الجامعات الأمريكية وغيرها،ومنهم “جون ستونهوف بادو،ومنح الخوري،ومجيد فخري،وأولغ غرابو،ودونا لدهل،وعبد الحميد صبرة…وهو كتاب شامل وجيد في مختلف العلوم والفنون التي أفاد بها العرب والمسلمون الغرب.

ـ “جورج سارتون”:قال :”سبق للعرب أن قادوا العالم في مرحلتين طويلتين من مراحل التقدم الإنساني حوالي ألفي سنة على الأقل قبل اليونان ،ثم في العصور الوسطى مدة أربعة قرون تقريباً،وليس ثمة ما يمنع هذه الشعوب من أن تقود العالم ثانية في المستقبل القريب أو البعيد”.

“روزنتال” :”إن أعظم نشاط فكري قام به العرب يبدو جلياً في حقل المعرفة التجريبية ضمن دائرة ملاحظاتهم واختباراتهم،فقد كانوا يبدون نشاطاً واجتهاداً عجيبين حين يلاحظون ويمحصون،وحين يجمعون ويرتبون”.

ـ كتاب”العرب وأوربا” تأليف المستشار الإنجليزي “لويس يونغ” وترجمه ميشيل أزرق.يقول الدكتور العجيلي في تقديم الكتاب:”لقد كان حصيلتي العلمية من قراءة هذا الكتاب كبيرة،ومن الناحية الأخرى تبين لي أنه من الاجدر أن يوصف الأستاذ يونغ بأنه محب للحقيقة أكثر منه محباً للعرب،ولست أقول هذا لأنكر تعاطف المؤلف مع العرب،ولكني أقوله تقديراً لموضوعية هذا العالم،وقدرته على التخلص من الأحكام المسبقة،ولجهده في تحري الحقائق والمجاهرة بها،متحدياً ما ران على الأذهان في الغرب طوال قرون كثيرة ،ولست أدري فلعل تعاطف صاحب هذا الكتاب مع تاريخ الحضارة العربية ما جاء إلا من تعلقه بالحقائق العلمية وتعصبه لها،واستنكاره لأن تظل مطموسة أو مستهاناً بها”.

“روم لاندو”:”حين نتذكر كم كان العرب بدائيين في جاهليتهم يصبح مدى التقدم الثقافي الذي أحرزوه خلال 200 سنة انقضت على وفاة الرسول(صلى الله عليه وسلم) وعمق ذلك التقدم أمر يدعو إلى الذهول حقاً”.

ويقول أيضاً في نفس الكتاب ويتساءل عن الدوافع الرئيسية وراء هذا الخضم من المنجزات العلمية عند العرب والمسلمين فيقول:”رغبة متقدة في اكتساب فهم أعمق للعالم الذي خلقه الله،وقبول للعالم المادي لا بوصفه دون العالم الروحي شأناً ومقاماً ولكن باعتباره صنواً في الرسوخ،واقعية قوية تعكس في صدق وإخلاص طبيعة العقل العربي العاطفي،وأخيراً فضولهم النهم الذي لا يعرف الشبع،فقد كان إيمانهم بأن كل شىء في الوجود صادر عن الله ابتداءً بقرصة البعوضة إلى الطاعون الذي يقضي على بلادٍ برمتها،فإن كلاً من هذا يكشف عن قدرة الله ،ومن هنا فهو جدير بالتأمل والدرس، ففي الإسلام لم يولِ كل من الدين والعلم ظهره للآخر ،ويتخذ طريقاً معاكساً،بل الواقع أن الأول كان باعثاً من البواعث الرئيسية للثاني”.

ـ “دورانت في قصة الحضارة”:يقول :”تطبيق الطرائق التجريبية العلمية في علم الكيمياء التي اكتشفها العرب، هي من أهم أدوات العقل الحديث،وأعظم مفاخره،ولما أعلن”روجر بيكون” هذه الطريقة في أوربا بعد أن أعلنها “جابر بن حيان” بخمسمائة عام قبله ،وكان هذا هو النور الذي أضاء له السبيل من عرب الأندلس،وليس هذا الضياء نفسه إلا قبساً من نور المسلمين في الشرق”.

وقام هذا المستشرق بعمل إحصائية لعدد أطباء بغداد عام 931م فوجد أن هناك حوالي 860 طبيباً مرخصاً في بغداد وحدها.

ويقول هذا المستشرق أيضاً:”إ ن خرائط الإدريسي تعتبر القمة التي بلغها فن رسم الخرائط في القرون الوسطى،تلك الخرائط التي لم يكن لها ند من حيث الضبط والدقة ومن حيث المحتوى”.

ـ المستشرق”هل” في كتابه”الحضارة العربية:”وإن تفوق العرب الواضح على الإغريق في هذا الميدان يعزى إلى استخدامهم للتجارب العلمية في استجلاء الغموض والمظاهر المبهمة في دراسة الطبيعة في حين اعتمد الإغريق على التأملات البحتة”.

ـ المستشرق “سيديو” في كتاب”تاريخ العرب العام”:فللمنهج التجريبي الذي هو أساس التقدم العلمي،ظل هذا المنهج طوعاً بين العلماء العرب وفي مدرسة بغداد تجلت الروح العلمية المبنية على عدم التسليم بما لا يستند إلى التجربة،وهذا المنهج وهذه الروح أصبحا أداة بيد علماء الزمن الحديث قادتهم إلى الوصول إلى أعظم اكتشافاتهم”.

“كامبل”: يقول:”كانت الجراحة في القرن الثالث عشر الميلادي في إسبانيا تتمتع بسمعة أعظم من سمعتها في باريس أو لندن أو ادنبرة وذلك أن ممارسي مهنة الطب في سرقسطة كانوا يمنحون لقب طبيب جراح وفي أوربا كان لقبهم حلاق جراح،وظل هذا التقليد سارياً في إسباتيا حتى القرن السادس عشر الميلادي”.

ويقول الطبيب المؤرخ الأمريكي “فكتور روبنسون صاحب”قصة الطب”:

“كانت أوربا في ظلام حالك بعد غروب الشمس بينما كانت قرطبة تضيئها المصابيح العامة،كانت أوربا قذرة،بينما قرطبة شيدت ألف حمام،كانت أوربا تغطيها الهوام بينما كان أهل قرطبة مثال النظافة،كانت أوربا غارقة في الوحل،بينما كانت قرطبة مرصوفة الشوارع،كانت سقوف القصور في أوربا مملوءة بثقوب المداخن،بينما قصور قرطبة تزينها الزخرفة العربية العجيبة،كان أشراف أوربا لا يستطيعون إمضاء أسمائهم بينما كان أطفال قرطبة العربية يذهبون إلى المدارس،كان رهبان أوربا يلحنون في تلاوة سفر الكنيسة بينما كان معلمو قرطبة قد أسسوا مكتبة تضارع في ضخامتها مكتبة الإسكندرية العظيمة”.

ـ يذكر أن الملك شارل الخامس في سنة 1526م خاطب مجلس الكاتدرائية الكاثوليكية موبخاً لهم على تشييد الكنيسة في قلب جامع قرطبة العظيم فقال لهم:”قد بنيتم هنا ما تستطيعون،وكل واحد سواكم بناءه في جهة أخرى ولكنكم خربتم ما كان فريداً في العالم كله”.

ويقول الأستاذ الشهير “فورج” وهو من أعظم الجراحين الفرنسيين عن أبي القاسم الزهراوي:”يعتبر الزهراوي بلا شك أعظم شخصية في الجراحة العربية،وهو الحجة التي كان يلجأ إليها كافة مؤلفي الجراحة العربية،وهو الحجة التي كان يلجأ إليها كافة مؤلفي الجراحة في العصور الوسطى مع أعظم الاحترام.”.

ويقول المؤرخ”لبري” :لو لم يظهر العرب في التاريخ لتأخرت نهضة العلوم والفنون في أوربا قروناً عديدة”.

وهناك أثنا عشر اختراعاً أو اكتشافاً إسلامياً كان لكل منها أثر حاسم في تغيير مجرى التاريخ…وهي:

1 ـ اكتشاف الدورة الدموية الصغرى:والتي اكتشفها ابن النفيس المُتوفى سنة 1288م.

2 ـ التخدير:فقد كان الفضل لإبن سينا في اكتشاف التخدير والذي له الفضل في تطور الجراحة الكبيرة والطويلة.حيث توصل علماء المسلمين إلى اكتشاف “المرقد” وهو كما وصفه ابن سينا اسفنجة تنقع في محلول من الأعشاب المركبة(مثل القنب العربي والزؤبان والخشخاش وست الحسن)،ويتم العمل الجراحي بعد أن يستسلم المريض للرقاد العميق.ولم يقتصر استعمال أطباء المسلمين للتخدير على طريقة الإسفنجة وحدها بل كانوا يستعملون لبوساً من الشرج أو شراباً من الفم.وقد ابتكر المسلمون نوعاً آخر من الاسفنجة هو الإسفنجة المنبهة المشبعة بالخل لإزالة تأثير المخدر وإفاقة المريض بعد الجراحة.

وكذلك استعمل ابن سينا التبريد بالماء المبرد بالثلج للتخدير الموضعي كما في جراحة الأسنان .

3 ـ خيوط الجراحة من مصارين أو أمعاء الحيوان:اكتشفها الرازي.وهذا كان له سبق عظيم في مايسمى الجراحة الداخلية.

4 ـ النظارة:التي غيرت حياة ضعاف البصر اخترعها الحسن ابن الهيثم.

5 ـ تطوير صناعة الورق.

6 ـ الإبرة المغناطيسية:فبفضلها تحسنت الملاحة وظهرت الاكتشافات البحرية واكتشفت القارات الجديدة.

7 ـ البارود:الذي استعمل في أغراض السلم والحرب.

8 ـ المدفع:الذي حسم كثيراً من المعارك التاريخية.

8 ـ المضخة الماصة الكابسة:التي أصبحت أساساً لمحركات السيارات والقطارات اخترعها “الجزري” المولود سنة 1165م.

9 ـ الكاميرا: اخترعها ابن الهيثم.

10 ـ الرقاص أو البندول:فبقضله عرف الزمن وصنعت الساعات لدقة القياس،اخترعه ابن يونس المصري المتوفى سنة 1009م.

11 ـ الجبر: وهو علم إسلامي اخترعه الخوارزمي وله الفضل في تطور علوم الرياضيات والمحاسبة والكمبيوتر.

12 ـ قوانين الحركة الثلاثة :والتي تنسب اليوم إلى نيوتن،بينما اكتشفها المسلمون قبله في القرن العاشر الميلاي،وبفضلها قام علم الميكانيكا الحديث وجميع الآلات المتحركة.

أثر الحضارة الإسلامية في مختلف العلوم

1ـ الترجمة ـ المكتبات والجامعات والمدارس

يقول الدكتور إبراهيم بن مراد من تونس:

“كان للترجمة عند علماء العرب والمسلمين مصدران:

الأول يوناني:

وقد دخلت النصوص اليونانية للثقافة العربية إما مباشرة من اليونانية،وإما عن طريق اللغة السريانية.وأهم المسالك التي انتقلت بها النصوص اليونانية إلى العربية كان مدرسة الإسكندرية وقد نشطت في القرنين الخامس والسادس الميلاديين ،ومدرسة جُنديسابور،التي قويت في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي وظلت مؤثرة حتى اواسط القرن التاسع على الأقل،أي أواسط القرن الثالث الهجري.وقد كان للإسكندرانيين فضل تنسيق أبواب الطب وتصنيف مباحثه وتحديد مراتب تعليمه على أسس بعضها أبوقراطي وجلّها جالينوسي،ونعلم أن تصورهم هو الذي ساد في الثقافة الطبية العربية ثم في الثقافة الطبية الأوروبية في القرون الوسطى.

وأما الجنديسابوريين فقد كان لهم فضل نقل النصوص اليونانية إلى العربية ونشر المبادىء الطبية اليونانية سواء بالتعليم أو بالتأليف فيها،وخاصة خلال القرنين الثاني والثالث الهجريين.

لكن التأثير اليوناني لم يقو إلا في ظل بني العباس،فهم الذين استقدموا الأطباء من جنديسابور وألحقوهم بخدمتهم،ونخص بالذكر من هؤلاء ثلاثة كان لهم السبق إلى المجىء وكان لهم السبق إلى التأثير أيضاً،وهم:جورجيس بن بختيشوع الذي كان رئيس الأطباء في جنديسابور،وقد استقدمه المنصور 148هجري الموافق 765م،وبختيشوع بن جورجيس الذي خلف أباه في رئاسة الطب بجنديسابور،وقد استقدمه الرشيد سنة 171هجري الموافق787م فخدمه بالطب حتى وفاته،ثم جبرائيل بن بختيشوع بن جورجيس الذي استُقدم سنة 175هجري الموافق 791م فخدم بالطب الرشيد ثم ابنيه الأمين فالمأمون.ثم إن العباسيين هم الذين جعلوا من الترجمة مشروعاً من مشاريع الدولة وأسسوا بيت الحكمة الذي عمل فيه الجنديسابوريين وتلاميذهم وخاصة في ترجمة النصوص اليونانية إلى العربية،ونخص بالذكر من هؤلاء ثلاثة:يوحنا بن ماسويه(ت 243هجري الموافق 857م) وقد كان أبوه صيدلانياً في بيمارستان جنديسابور.ومن تلاميذه حنين ابن اسحاق .وثاني العلماء هو سابور بن سهل(ت 255هجري الموافق 869م) وقد كان صاحب البيمارستان في جنديسابور واستقدمه الخليفة المتوكل فخدمه بالطب،وكان له أيضاً اهتمام بالصيدلة. وثالثهم هو حنين بن إسحاق العبادي(ت 260 هجري الموافق 873م).

المصدر الثاني للترجمة هو الهندي:

وقد بدأ العنصر الهندي في الظهور في خلافة هارون الرشيد إذ أن وزيره يحيى بن خالد البرمكي اجتلب جماعة من أطباء الهند،وقد أنشأ البرامكة بيمارستانا نسب إليهم أوكل أمره إلى طبيب هندي اسمه “ابن دهن” كان يترجم من الهندية إلى العربية”.

وتتميز الحضارة الإسلامية بالتوحيد والتنوع العرقي في الفنون والعلوم والعمارة طالما لاتخرج عن نطاق القواعد الإسلامية،لإن الإسلام لا يعرف الكهنوت كما كانت تعرفه اوربا.لأن الحرية الفكرية كانت مقبولة تحت ظلال الإسلام.وكانت الفلسفة يخضعها الفلاسفة المسلمون للقواعد الأصولية مما أظهر علم الكلام الذي يعتبر علماً في الإلهيات.فترجمت أعمالها في أوربا وكان له تأثيره في ظهور الفلسفة الحديثة وتحرير العلم من الكهنوت الكنسي فيما بعد.مما حقق لأوربا ظهور عصر النهضة بها.لهذا لما دخل الإسلام هذه الشعوب لم يضعها في بيات حضاري ولكنه أخذ بها ووضعها على المضمار الحضاري لتركض فيه بلا جامح بها أو كابح لها.وكانت مشاعل هذه الحضارة الفتية تبدد ظلمات الجهل وتنير للبشرية طريقها من خلال التمدن الإسلامي .فبينما كانت الحضارة الإسلامية تموج بديار الإسلام من الأندلس غربا لتخوم الصين شرقاً وكانت اوربا وبقية أنحاء المعمورة تعيش في إظلام حضاري وجهل وامتدت هذه الحضارة القائمة بعدما أصبح لها مصارفها وروافدها لتشع على الغرب وتطرق أبوابه.فنهل منها معارفه وبهر بها لأصالتها المعرفية والعلمية،مما جعله يشعر بالدونية الحضارية.فثار على الكهنوت الديني ووصاية الكنيسة وهيمنتها على الفكر الإسلامي حتى لا يشيع.لكن رغم هذا التعتيم زهت الحضارة الإسلامية وشاعت.وانبهر فلاسفة وعلماء أوربا من هذا الغيث الحضاري الذي أفاض عليهم.فثاروا على الكنيسة وتمردوا عليها وقبضوا على العلوم الإسلامية من يقبض على الجمر خشية هيمنة الكنيسة التي عقدت لهم محاكم التفتيش والإحراق.ولكن الفكر الإسلامي قد تملّ منهم وأصبحت الكتب الإسلامية التراثية والتي خلفها عباقرة الحضارة الإسلامية فكراً شائعاً ومبهراً.

فتغيرت أفكار الغرب وغيرت الكنيسة من فكرها مبادئها المسيحية لتساير التأثير الإسلامي على الفكر الغربي وللتصدي للعلمانيين الذين تخلواعن الفكر الكنسي وعارضوه وانتقدوه علانية.وظهرت المدارس الفلسفية الحديثة في عصر النهضة أو التنوير بأوربا كصدى لافكار الفلاسفة العرب.وظهرت مدن تاريخية في ظلال الحكم الإسلامي كالكوفة والبصرة وبغداد ودمشق والقاهرة والفسطاط والعسكر والقطائع والقيروان وفاس ومراكش والمهدية والجزائر وغيرها.كما خلفت الحضارة الإسلامية مدناً متحفية تعبر عن العمارة الإسلامية كإستانبول بمساجدها والقاهرة بعمائرها الإسلامية وبخارى وسمرقند ودلهي وحيدر آباد وقندهار وبلخ وترمذ وغزنة وبوزجان وطليطلة وقرطبة وإشبيلية ومرسية وسراييفو وأصفهان وتبريز ونيقيا وغيرها من المدن الإسلامية.

خلال قرنين من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت صناعة الكتب منتشرة في كل أنحاء العالم الإسلامي وكانت الحضارة الإسلامية تدور حول الكتب.فقد كانت توجد المكتبات الملكية والعامة والخاصة في كل مكان حيث كانت تجارة الكتب ومهنة النساخة رائجة وكان يقتنيها كل طبقات المجتمع الإسلامي الذين كانوا يقبلون عليها إقبالاً منقطع النظير.وكان سبب هذا الرواج صناعة الورق ببغداد وسمرقند.وكانت المكتبات تتيح فرص الاستعارة الخارجية وكانت منتشرة في كل الولايات والمدن الإسلامية بالقاهرة وحلب وإيران ووسط آسيا وبلاد الرافدين والأندلس وشمال إفريقيا.وكانت شبكات المكتبات قد وصلت في كل مكان بالعالم الإسلامي.وكان الكتاب الذي يصدر في بغداد أو دمشق تحمله القوافل التجارية فوق الجمال ليصل لقرطبة بإسبانيا في غضون شهر.وهذا الرواج قد حقق الوحدة الثقافية وانتشار اللغة العربية.وكانت هي اللغة العلمية والثقافية في شتى الديار الإسلامية .كما كان يعنى بالنسخ والورق والتجليد.مما جعل صناعة الكتب صناعة مزدهرة في العالم الإسلامي لإقبال القراء والدارسين عليها وإقتنائها.وكانت هذه الكتب تتناول شتى فروع المعرفة والخط وعلوم القرآن وتفاسيره واللغة العربية والشعر والرحلات والسير والتراث والمصاحف وغيرها من آلاف عناوين الكتب.وهذه النهضة الثقافية كانت كافية لإزدهار الفكر العربي وتميزه وتطوره.وفي غرب أفريقيا في مملكتي مالي وتمبكتو أثناء ازدهارهما في عصريهما الذهبي،كانت الكتب العربية لها قيمتها وكان من بينها الكتب النادرة التي كانت تنسخ بالعربية،وكانت المملكتان قد أقامتا المكتبات العامة مع المكتبات الخاصة.

جاء في مجلة المقتبس (العدد السادس بتاريخ 22 تموز عام 1906م):

“بلغت بغداد في الحضارة أعلى درجاتها إبان التمدن الإسلامي وكانت عاصمة العلم ومبعث أشعة الحكمة حتى في عصور تدنيها أيام ضعف سياستها وأصبح حكم العباسيين فيها اسمياً ولم تبرح تنفخ فيها روح النمو والرقي التي بثها فيها خلفاء القرن الثاني والثالث فكان العادة أو قوة الاستمرار حكمت أن لا يكون القرن الرابع والخامس والسادس والسابع دون ذينك القرنين إلا قليلاً.وظلت هذه العاصمة على علاتها أرقى من قرطبة والقيروان ومصر ودمشق وسمرقند وخراسان وغيرها من أمصار الحضارة وقواعد العمل على مابذل زعماء تلك العواصم من العناية في مضاهاة دار السلام وقبة الإسلام.

ولقد كانت المدارس إحدى العوامل الكبرى في ذاك الترقي ويكاد الفضل يرجع إلى بغداد في إحداثها على هذا الطرز المألوف وإن بقيت الأمة زمناً تتلقى علوم الدنيا والدين في حلقات المساجد والمجامع الخاصة.ولقد استاء علماء ماراء النهر لما بلغهم توفر الخلفاء على بناء المدارس في بغداد وأقاموا للعلم مأتماً تفادياً من ابتذاله وخشية أن تصبح الغاية من الدراسة دنيوية محضة غايتها جر مغنم واجتلاب دنيا عريضة وأسفوا أن رأوا بعض رجال العلم أخذوا يتناولون رواتب لقاء دروس ينفعون بها الأمة وكانوا وأجدادهم من قبل يلقونها بلا عوض ولا عرض ينالونه”.

بيت الحكمة:

جاء في دائرة المعارف الإسلامية ـ السفير ـ العدد 39 ـ 40:

بيت الحكمة:

“مؤسسة علمية ثقافية ظهرت إبان العصر العباسي الأول.وقد اجتمع فيها العلماء والباحثون للبحث والدرس،ولجأ إليها طلاب العلم والمعرفة،ودُرس بها علوم الطب والفلسفة والحكمة وغيرها،وكان لذلك كله أثر واضح في تطور الثقافة العربية،وازدهار الحركة العلمية في ذلك الوقت.

ويُنسب إنشاء بيت الحكمة إلى الخليفة العباسي “هارون الرشيد” المُتوفى سنة 193هجري الموافق 809م،الذي عرف بحبه للعلم ،وعنايته بجمع الكتب من مختلف بقاع الأرض ،كالهند وفارس والأناضول واليونان وبلاد الروم وغيرها،وعَهد إلى “يوحنا بن ماسويه” المُتوفى سنة 243هجري الموافق 857م بالإشراف على ترجمة هذه الكتب إلى العربية.

وبلغ نشاط بيت الحكمة ذروته في عهد الخليفة”المأمون” المُتوفى سنة 218هجري الموافق 833م والذي أولاه عناية فائقة،ووهبه كثيراً من ماله ووقته.

ولا يعرف على وجه الدقة الموضع الذي أقيم فيه بيت الحكمة وكل ما يعرف عنه أن الخليفة “أبا جعفر المنصور” المتوفى سنة 158هجري الموافق 775م جمع خزانة كتب في قصره بالكرخ،وأفرد لها جانباً فيه،ثم انتقلت هذه الخزانة إلى هارون الرشيد فزودها بأعداد كبيرة من الكتب والمؤلفات الواردة إليه من شتى البقاع،ثم انتقلت إلى بناء خاص بها في عهد المأمون في الجانب الشرقي من بغداد(الرصافة).

وكان تصميم بيت الحكمة من الداخل على شكل غرف عديدة،تمتد بينها أروقة طويلة،وخصصت للكتب غرفة مزودة بأرفف تُصف عليها الكتب،وللمحاضرات والمناظرات قاعة معدة لذلك،وأخرى للاستراحة،يجلس فيها الدارسون والمطالعون بعد الانتهاء من عناء العمل.

وقُسّم باقي غرف بيت الحكمة إلى أقسام،تبعاً للعاملين فيها،فهناك غرف للمترجمين،وغرف للناسخين،وغرف للمُجلدين والوراقين،وغرف للخازنين والمناولين،بالإضافة إلى غرف خاصة للتدريس وأخرى لسكن طلاب العلم.

ويشرف على بيت الحكمة قيِّم،يدير شئونه،أطلق عليه “صاحب بيت الحكمة” يُختار من بين العلماء المتمكنين من اللغات، العارفين بأصولها.ويُعد”يوحنا بن ماسويه” أول من تولى رئاسة بيت الحكمة في عهد هارون الرشيد،وأُسندت إليه بالإضافة إلى ذلك مهمة الإشراف على ترجمة الكتب التي جلبها الرشيد من بلاد الروم،وكان يوحنا نسطورياً من جُنديسابور،يكتب بالسريانية والعربية،ويتقن اليونانية،إلى جانب مهارته في الطب.

وضم بيت الحكمة من بين العاملين فيه طائفة المترجمين الذين كانوا ينقسمون إلى فريقين رئيسيين:

ـ فريق يترجم من اللغة التي أُلف بها الكتاب،كاليونانية والسريانية،والفارسية إلى العربية مباشرة.

ـ وفريق آخر يترجم من لغة أجنبية إلى لغة أجنبية أخرى،ثم يقوم مترجمون آخرون بترجمة هذه الكتب إلى العربية.

ومن أشهر هؤلاء المترجمين:

أبوسهل الفضل بن نوبخت،ويوحنا بن ماسويه،وابن البطريق،ويحيى بن أبي منصور المنجم ـ وحنين بن اسحاق،وثابت بن قرة،وإسحاق بن حنين،وغيرهم.

وإلى جانب المترجمين وجد “النسّاخون” الذين ينسخون الكتب،ومن أشهرهم:عَلّان الشعوبي،وهو من أصل فارسي،وكان ينسخ الكتب بأجور باهظة للرشيد والبرامكة والمأمون.

ثم تأتي طائفة”الخازنين” الذين يتولون تخزين الكتب حسب الأماكن المخصصة لكل صنف منها،ويقومون بصفها على الرفوف المعدة لها،وطائفة”المجلدين” الذين يتولون تجليد الكتب،ومن أشهر المجلدين فيها: ابن أبي الحريش،وطائفة”المناولين” الذين تنحصر مهمتهم في إيصال الكتب من الخزانات والرفوف إلى المطالعين والناسخين والمجلدين.

وضمَّ بيت الحكمة إلى جانب الكتب والمصنفات مصورات بلدانية،وتقاويم فلكية وأزياجاً وغيرها.وقد ذكر “المسعودي” المتوفى سنة 346هجري الموافق 957م هذه المصورات في كتابه”التنبيه والإشراف” ،كما ضم كتباً كثيرة مختلفة الخطوط،كالخط الحِميري والآرامي والعبري وغيرها.

وتبدو أهمية بيت الحكمة في النهضة الفكرية الإسلامية في ذلك الفيض الغزير من المؤلفات التي ظهرت في ذلك الوقت، وفي وفرة العلماء الباحثين،حيث ألف “الفَرّاء” النحوي المعروف المتوفى سنة 207هجري الموافق 822م كتابه”معاني القرآن” ،وألف “الأصمعي” المتوفى سنة 216هجري الموافق 831م كتاباً عن تاريخ الملوك الغابرين،وألف”الخُوارزمى” العالم الرياضي الشهير المتوفى بعد سنة 232هجري الموافق 846م مؤلفاته الرياضية،وفي مقدمتها كتابه عن علم الجبر الذي اخترعه هذا العالم الجليل،كما صنف المؤرخ “حمزة الأصفهاني” المتوفى سنة360هجري الموافق 971م كتابه عن”تاريخ الملوك والانبياء” اعتماداً على المصادر التي وجدها في بيت الحكمة،وألف”ابن النديم” المتوفى سنة 438هجري الموافق 1046م كتابه”الفهرست” في بيت الحكمة أيضاً،بالإضافة إلى مئات الكتب التي أخرجها المترجمون الذين عملوا في هذه المؤسسة العلمية في مختلف العلوم.

وقد ضعف الاهتمام ببيت الحكمة بعد وفاة المأمون وانتقال مركز الخلافة إلى “سامراء” على يد الخليفة “المعتصم بالله” المتوفى سنة 227هجري الموافق 842م،ثم حظى ببعض العناية في عهد الخليفة”المتوكل على الله” المتوفى سنة 247هجري الموافق 861م فأعاد له نشاطه،وبذل له الهبات،ووكل أمره إلى حنين بن اسحاق وجلب له المترجمين،فدّبت فيه الحياة،وازدهرت حركة الترجمة فيه مرة أخرى.

وظل بيت الحكمة قائماً حتى داهم المغول بغداد سنة 656هجري الموافق 1258م وهدموا مافيها من منشآت،وكان بيت الحكمة فيما تهدم،وأحرقت كتبه،وذهبت معالمه،بعد أن ظل مايزيد على أربعة قرون ونصف القرن جامعة إسلامية ومنارة للعلم والعلماء.

ويجدر بالذكر أن بيت الحكمة غير دار الحكمة التي أنشأها الخليفة الفاطمي”الحاكم بأمر الله” في القاهرة سنة 395هجري الموافق 1005م وجعلها خزانة للكتب والمقتنيات العلمية.

وكأن الله خصّ القرن الرابع بأن قامت فيه أعظم كليات المسلمين اليوم ألا وهو الأزهر في القاهرة الذي بناه القائد جوهر ،كما خصّ القرن الخامس بأن وفق الله نظام الملك وزير السلاجقة لتأسيس المدرسة النظامية سنة 459هجري ببغداد،ووفق المستنصر بالله العباسي أيضاً أن أسس مدرسته المستنصرية في أوائل القرن السابع ببغداد.ولما كانت النظامية والمستنصرية عامرتين بضروب العلم غاصتين بالطلاب والأساتذة لم يكن الأزهر يذكر في جنبهما.ولكن دالت الأيام ودرست معالم هاتين الكليتين العظيمتين وكتب البقاء لهذه المدرسة المصرية.

أسس نظام الملك مدرسته النظامية :

وسط الجانب الشرقي من دجلة وقسمها إلى مقاصير كثيرة خصّ كل فرع من فروع العلوم الدينية والدنيوية ببعضها وجعل فيها غرفاً كثيرة يأوي إليها الطلبة والأساتذة هذا عدا ما هناك من أبهاء ومنتديات وقاعات وبستان فسيح ومصلى وأماكن للاستراحة وجميع مايلزم لدار علم مثلها من سائر مرافق الحياة كالمطبخ والحمام وغيرهما،وكانت فيها خزانة كتب عظيمة كما في غيرها من المدارس الكبرى مسبلة على العالمين والمتعلمين فيها.وبنيت طبقتين وأقيمت في أطرافها أروقة وطاقات وجعلت فيها أنابير ومستودعات فيها كل حاجيات أهلها من طعام ولباس وفراش وكان المعلمون كالمتعلمين يكفون المؤونة فيها فينال كل واحد من أوقافها الدارة ما يسدّ به عوزه وربما ما يفيض عن حاجته.

وكان الشيخ رضي الدين أبو داود سليمان بن المظفر بن غانم بن عبد الكريم الجيلي الشافعي مفتياً لها.كما درس فيها جلّة مثل أبي اسحق الشيرازي وأبي نصر بن الصباغ وحجة الإسلام أبي حامد الغزالي وأخيه أبي الفتوح أحمد وأبي الفتح بن برهان وأبي القاسم الدبوسي وأبي عبد الله الطبري وأبي محمد الشيرازي وضياء الدين السهروردي وأبي القاسم القشيري …وغيرهم

وشقيقة هذه المدرسة بل خليفتها المدرسة المستنصرية:

التي بناها الخليفة العباسي المستنصر بالله سنة 631 في الرصافة على ضفة دجلة الشرقية،وأنفق في بنائها ما ينفقه الملوك في بناء إذا أرادوا به تخليد ذكرهم وإحياء مفاخرهم.وجعل فيها خزانة كتب حملت من الآفاق حملها مائة وستون حمالاً وفي رواية أخرى مائتين وتسعين حملاً عدا ما أضيف إليها بعد.وقد جعلت على المذاهب الأربعة وأقيم فيها مستشفى وأطباء يدرسون الطب كما يدرس فيها علم الحيوان والنبات والفلك والرياضيات على اختلاف ضروبها والآداب على أنواعها والجغرافية والتاريخ وعلوم الحديث والقرآن.

وأول من عهد إليه التدريس في تلك الكلية محيى الدين أبو عبد الله ابن فضلان الشافعي ورشيد الدين أبو جعفر الفرغاني الحنفي والنيابة عنهما جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي الحنبلي وأبو الحسن المغربي المالكي،واشتهر من مدرسيها جمال الدين العاقولي”.

وكان عبد الرحمن الناصر ثامن ملوك الأندلس من الأمويين ويعرف بعبد الرحمن الثالث،وقد اعتلى عرش الأندلس سنة 300هجري وتوفى سنة 350هجري،وأنشأ في عهده الجوامع والمدارس،وأشهرها مدرسة الطب،وهي أول مدرسة أنشئت في أوربا بإجماع المؤرخين،وأنشأ المكتبة الشهيرة بغرناطة وهي من أجمل المكتبات في عهدها على ظهر الأرض وأودعها ستمائة ألف مجلد.

مع هذه النهضة العلمية ظهرت الجامعات الإسلامية لأول مرة بالعالم الإسلامي قبل أوربا بقرنين.وكانت أول جامعة بيت الحكمة التي أنشئت في بغداد سنة 830م ثم تلاها جامعة القرويين سنة 859م في فاس ثم جامعة الأزهر سنة 970م في القاهرة.وكانت أول جامعة في أوربا أنشئت في “سالرنو”بصقلية سنة 1090م على عهد ملك صقلية روجر الثاني،وقد أخذ فكرتها عن العرب هناك.ثم تلاها جامعة بادوا بإيطاليا سنة 1222م.وكانت الكتب العربية تدرس بها وقتها.

وكان للجامعات الإسلامية تقاليد متبعة وتنظيم.فكان للطلاب زي موحد خاص بهم وللأساتذة زي خاص.وربما اختلف الزي من بلد إلى بلد ومن عصر إلى عصر.وقد أخذ الأوربيون عن الزي الجامعي الإسلامي الروب الجامعي المعمول به الآن في جامعاتهم.وكان الخلفاء والوزراء إذا أرادوا زيارة الجامعة الإسلامية يخلعون زي الإمارة والوزارة ويلبسون زي الجامعة قبل دخولها.وكانت اعتمادات الجامعات من إيرادات الأوقاف.فكان يصرف للطالب المستجد زي جديد وجراية لطعامه.وأغلبهم كان يتلقى منحة مالية بشكل راتب وهو مايسمى في عصرنا بالمنحة الدراسية.فكان التعليم للجميع بالمجان يستوي فيه العربي والأعجمي والأبيض والأسود.

وبالجامعات كان يوجد المدن الجامعية المجانية لسكنى الغرباء وكان يطلق عليها الأروقة.والطلبة كان يطلق عليهم المجاورون لسكناهم بجوارها.وكان بالجامعة الواحدة أجناس عديدة من الأمم والشعوب الإسلامية يعيشون في إخاء ومساواة تحت مظلة الإسلام والعلم.فكان من بينهم المغاربة والشوام والأكراد والأتراك وأهل الصين وبخارى وسمرقند.وحتى من مجاهل أفريقيا وآسيا وأوربا.وكان نظام التدريس حلقات بعضها يعقد داخل الفصول.وأكثرها كان في الخلاء بالساحات أو بجوار النافورات بالمساجد الكبرى.

وكان لكل حلقة أستاذها يسجل طلابها والحضور والغياب.ولم يكن هناك سن للدارسين بهذه الجامعات المفتوحة.وكان بعض الخلفاء والحكام يحضرون هذه الحلقات.وكانوا يتنافسون في استجلاب العلماء المشهورين من أنحاء العالم الإسلامي ويغرونهم بالرواتب والمناصب،ويقدمون لهم أقصى التسهيلات لأبحاثهم.وكان هذا يساعد في سرعة انتشار العلم وانتقال الحضارة الإسلامية بديار الإسلام.

كانت الدولة الإسلامية تعنى بالمرافق الخدماتية والعامة بشكل ملحوظ،فكانت تقيم المساجد ويلحق بها المكتبات العامة المزودة بأحدث الإصدارات في عصرها ودواوين الحكومة والحمامات العامة ومطاعم الفقراء وخانات المسافرين على الطرق العامة ولاسيما طرق القوافل التجارية العالمية،وطرق الحج التراثية وإنشاء المدن والخانقاهات والتكايا المجانية للصوفية واليتامى والأرامل والفقراء وأبناء السبيل.وأقيمت الأسيبة لتقدم المياه للشرب بالشوارع.

يعتبر القرن التاسع الميلادي له أهميته في الحضارة الإسلامية المتنامية،لأن أعمال العلماء المسلمين كانت رائعة وكانوا رجال علم متميزين وكان المامون الخليفة العباسي العالم المستنير(ت 833)يحثهم على طلب العلم،وقد أنشأ لهم بيت الحكمة لتكون أكاديمية البحث العلمي ببغداد تحت رعايته الشخصية وأقام به مرصداً ومكتبة ضخمة.كما أقام مرصداً ثانيا في سهل تدمر بالشام.وجمع المخطوطات من كل الدنيا لتترجم علومها. وكان يشجع الدارسين مهما تنوعت دراستهم.وحقق بهذا التوجه قفزة حضارية غير مسبوقة رغم وجود النهضة العلمية وقتها.وهذا ما لم يحدث بعد إنشاء جامعة ومكتبة الإسكندرية في القرن الثالث قبل الميلاد.وقام الفلكيون في تدمر في عهده بتحديد ميل خسوف القمر ووضعوا جداول لحركات الكواكب.وطلب منهم تحديد حجم الأرض،وقاسوا محيطها،فوجدوه 20400 ميل وقطرها 6500 ميل.وهذا يدل على أن العرب كانوا على علم وقتها بأن الأرض كروية قبل كوبر نيكوس بخمسة قرون.كما طلب المأمون منهم وضع خريطة للأرض. وفي علم الفلك أثبتوا دورانها،وقياساتهم تقريباً لها تطابق ما قاسه علماء الفلك بالأقمار الصناعية.وأنهم كانوا يعتقدون خطأ أنها مركز الكون،يدور حولها القمر والشمس والكواكب.وهذا الاعتقاد توارد إليهم من فكر الإغريق.واكتشفوا الكثير من النجوم والمجرات السماوية وسموها بأسمائها العربية التي مازالت تطلق عليها حتى الآن.وكانت كل الأبحاث في الفلك والرياضيات في العصر العباسي قد انفرد بها العلماء المسلمون وقد نقلوها عن الهنود الذين قد ترجموها عن الصينيين للعربية وقاموا بتطويرها بشكل ملحوظ.

جاء في ويكيبيديا الموسوعة الحرة تحت عنوان “علوم إسلامية”:

ابتكر المسلمون علوماً جديدة لم تكن معروفة قبلهم وسموها بأسمائها العربية كعلم الكيمياء وعلم الجبر وعلم المثلثات،ومن مطالعاتنا للتراث العلمي الإسلامي نجد أن علماء المسلمين قد ابتكروا المنهج العلمي في البحث والكتابة.وكان يعتمد على التجربة والمشاهدة والاستنتاج.وأدخل العلماء المسلمين الرسوم التوضيحية في الكتب العلمية ورسوم الآلات والعمليات الجراحية.ورسم الخرائط الجغرافية والفلكية المفصلة.وقد ابتدع المسلمون الموسوعات والقواميس العلمية حسب الحروف الأبجدية.وكان لإكتشاف صناعة الورق وانتشار حرفة(الوراقة) في العالم الإسلامي فضل في انتشار تآليف المخطوطات ونسخها.وقد تنوعت المخطوطات العربية بين مترجم ومؤلف،ولم تكن المكتبات الإسلامية كما هي في عصرنا مجرد أماكن لحفظ الكتب،بل كان في المكتبة الرئيسية جهاز خاص بالترجمة وآخر خاص بالنسخ والنقل وجهاز بالحفظ والتوزيع.وكان المترجمون من جميع الأجناس الذين كانوا يعرفون العربية مع لغة بلادهم.ثم كان يراجع ترجماتهم،علماء العرب لإصلاح الأخطاء اللغوية.أما النقلة والنساخون فكانت مهمتهم إصدار نسخ جديدة من كل كتاب علمي عربي حديث أو قديم.وكانت أضخم المكتبات هي الملحقة بالجامعات والمساجد الكبرى.ففي بيت الحكمة ببغداد وفي دار الحكمة في القاهرة وفي جامعة القيروان وقرطبة،وجامعة القرويين التي تعد أقدم الجامعات الموجودة في العالم،كانت المخطوطات بهم بالآلاف في كل علم وفرع من فروع العلم.وكانت كلها ميسرة للإطلاع أو الاستعارة.فكان يحق للقارىء أن يستعير أي كتاب مهما كانت قيمته وبدون رهن.لهذا كانت نسبة الأمية في هذا الوقت تكاد تكون معدومة.وكان تعلم القرآن كتابة وقراءة إلزامياً.بينما كانت نسبة الأمية في أوروبا فيما بين القرن التاسع وحتى القرن الثاني عشر للميلاد أكثر من 95%.

ويقول المستشرق آدم متز في كتابه “الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري):”إن أوروبا وقتها لم يكن بها أكثر من عدد محدود من المكتبات التابعة للأديرة.ولا يعرف التاريخ أمة اهتمت باقتناء الكتب والاعتزاز بها كما فعل المسلمون في عصور نهضتهم وازدهارهم.فقد كان في كل بيت مكتبة.وكانت الأسر الغنية تتباهى بما لديها من مخطوطات نادرة وثمينة.وكان بعض التجار يسافرون إلى أقصى بقاع الأرض لكي يحصلوا على نسخة من مخطوط نادر أو حديث.وكان الخلفاء والأثرياء يدفعون بسخاء من أجل أي مخطوط جديد”.

أهم المكتبات الأجنبية الحاوية على المخطوطات العربية:

1 ـ الإسكوريال والمكتبة الإسلامية:

الإسكوريال جَمع نواتها الملك “فيليب الثاني” من بقايا المكتبة الأندلسية الإسلامية بغرناطة عام 1557م،وبها 1900 مخطوط عربي،ثم أضيفت إليها عام 1614م مكتبة”مولاي زيدان” أحد سلاطين المغرب وتحتوي على ثلاثة آلاف مخطوط عربي،وفي عام 1671م شبّ حريق في الاسكوريال التهم جزءاً كبيراً منها،ولم ينج من العربية سوى 1900 مخطوط.وقد عهد إلى “ميخائل الماروني” بتصنيفها عام 1749م وأضيف إليها خمسة آلاف مجلد عربي،وفي عام 1880م أكمل “هرتويج ديرنبورج” فهرسة مخطوطاتها إلى أن اكتمل تماماً ـ

2 ـ مكتبة باريس الوطنية:

فيرجع تاريخ إنشائها إلى عام 1654م وتحتوي على سبعة آلاف مخطوط عربي،وأيضاً صحف من القرآن الكريم على الرق،ونزهة كاملة من نزهة المشتاق للإدريسي،وقد صنف الأب إبانس فهرساً عاماً للمخطوطات الشرقية عام 1882م.

3 ـ مكتبة تشتسربيتي:

في دبلن فهي تحتوي مخطوطات شرقية نادرة اقتناها السير”تشستر بيتي” ويبلغ عدد المخطوطات العربية حوالي 1500 مخطوط.

4 ـ أما مكتبة “حاجي خليفة”:

فهي من أشهر المكتبات الشرقية في الأستانة(اسطنبول) أسسها حاجي خليفة(1644 ـ 1665م) وجمع لها مايربو على الألف مخطوط بين عربي وفارسي وتركي وعبري.

ومن المكتبات الأخرى التي تحتوي مخطوطات عربية وإسلامية نذكر:مكتبة برلين الوطنية،ومكتبة درسدن الوطنية،ومكتبة ريلاندذ جون في مانشستر بانجلترا،ومكتبة زيوريخ ومكتبة سانت كاترين الملحقة بدير سانت كاترين في سيناء وتحتوي حوالي 600 مخطوط عربي،ومكتبة كامبردج،ومكتبة ليدن بهولندا، والمتحف البريطاني في لندن ومكتبة نابولي في ايطاليا،ومكتبة جوتنجن في ألمانيا ومكتبة الفاتيكان(60 ألف مخطوط شرقي وغربي).

وهذه قائمة ببعض المجالات التي برع فيها العلماء العرب المسلمون.

2ـ الطب

يقول الأستاذ الدكتور أسعد الحكيم رحمه الله في محاضرة ألقاها في المجمع العلمي العربي في دمشق بتاريخ 30 آذار سنة 1923م بعنوان”تاريخ الطب عند العرب”:

هناك فريق ذهب إلى أن العرب هم الذين ابتدعوا الطب وأوجدوه،وابتكروا جميع فروعه وصنفوه،وفريق ذهب إلى أن العرب أخذوا الطب اليوناني فقلبوه رأساً على عقب فكان لهم مثابة القلم للكاتب أو الهيكل العظمي للجسم.وذهب آخرون إلى عكس ذلك من أن العرب لم يكونوا سوى واسطة نقل صماء أو حرف جر بلا معنى مابين الأطباء الأقدمين والمتأخرين نقلوا على ظهورهم معارف الأقدمين ولم ترمقها عيونهم ولما تلمسها أناملهم.فكان نصيبهم من الفضل نصيب الناقل لا نصيب الواضع عدا أنه لم ينبغ فيهم طبيب ولاحكيم.وزاد قوم على ذلك من بشاعة التحامل فقالوا أن العرب قد شوهوا وجه الطب القديم بما أدخلوه عليه من الخرافات والتدجيل مما عبث به وبالإنسانية أعصاراً وأدهاراً.

فمن الحق ياترى؟وماذا يكون القول الفصل مابين هذه الأقوال المتضاربة والأحكام المتناقضة؟

لم يخلق العرب الطب ولم يبتدعوه كما أنهم لم يكونوا واسطة نقل صماء مابين الأقدمين والمتأخرين.

ليس الطبّ من حيث مبادؤه من صنع أمة من الأمم تمنّ على العالم بإيجاده.بل هو حركة من حركات الإنسان الأول سيق إليها بدافع فطري،هو حس المحافظة على الحياة وتجنب الآلام.فكان يضغط على جراحه ليقطع النزف أو يبطل الحس،ويجتنب الحركة تسكيناً للألم،ويلتمس الحرارة أثناء البرودة،ويتطلب البرودة خلال الحمى من الأفعال الغريزية التي تشاهد عند جميع الحيوانات.ثم أخذ هذا الحسّ الطبيعي يتحول بالتدريج إلى ادراك ثم إلى معرفة ثم إلى علم وفقاً لسنة الارتقاء.

وأول من عُني من الأمم بجمع ما اهتدى إليه الإنسان من الوسائط التي من شأنها دفع الأمراض ومحافظة الصحة هم الكلدان.ومن ثم اليونان فتبناه أبقراط وكفله سقراط وهذبّه جالينوس.

غير أنه لم يطل العهد حتى أخنى الدهر على اليونان بكلكله،وقضى على مدنية الرومان بجحفله،فأظلمت تلك الشموس بعد النور،وتعكرت تلك المياه بعد الصفاء.فأجدب روض الطب بعد الخصب،وكسدت سوقه بعد الرواج.فقذفت به المحن طوراً إلى بيزنطية وآخر إلى رومية وحيناً إلى الاسكندرية وأخيراً إلى جنديسابور.وبينما هو يلفظ رمقه الأخير أدركه العرب بترياقهم فانتعش بعد الاختناق،واستأنس بعد اليأس،ففتحوا له رحب صدورهم،وأوردوه عذب المناهل من عقولهم،ثم كسوه بما عثروا عليه من القلانس الهندية،والتيجان الفارسية،وحلوه بما ابتكرته عقولهم من بنات الأفكار،وما ابتدعته من الاكتشافات والاختراعات،فطاب له رغد العيش وصفاء الهواء.

قال الدكتور “جوستاف لوبون” في “حضارة العرب:”ليس كما يقال بواسطة الصليبيين بل بواسطة الأندلس وصقلية وإيطالية دخل العلم إلى أوربا فأسس في سنة 1130 في طليطلة تحت إدارة رئيس الاساقفة ريموند مكتب ترجمة نقل إلى اللاتينية أشهر مؤلفي العرب وكان نجاح هذه التراجم عظيماً دخل بها الغرب في عالم جديد.وظل السعي متواصلاً في القرن الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر.ولم ينقل إلى اللاتينية مؤلفو العرب كالرازي وأبي القاسم الزهراوي وابن سينا وابن رشد وغيرهم بل نقل أيضاً المؤلفون اليونانيون كجالينوس وأبقراط وغيرهم الذين ترجم العرب مصنفاتهم إلى لغتهم.إلى أن قال:”فإلى العرب خاصة لا إلى رهبان القرون الوسطى الذين كانوا يجهلون حتى وجود اللغة اليونانية يعود الفضل بمعرفة التاريخ القديم،والعالم بأجمعه مدين لهم بعرفان الجميل لإنقاذهم هذا الكنز الثمين”.

لا ننكر بأن بعض الفروع الطبية كالتشريح وعلم الحياة والقبالة لم تتقدم عند العرب كبقية الفروع الأخرى وذلك لامتناعهم بدافع اعتقادات أو عادات في ذاك الحين من تشريح الموتى والنظر إلى النساء.أما بقية الفروع الطبية كالأمراض والجراحة والمداواة والكيمياء والمفردات الطبية والصيدلة فقد كان لهم فيها المام خاص ونبوغ زائد.فقد وصفوا كثيراً من الأمراض التي كانت مجهولة كالحصبة والجدري.وابتدعوا كثيراً من العمليات الجراحية الخطيرة كقدح العين وتفتيت الحصاة،وقلبوا فن المداواة القديم رأساً على عقب بما أدخلوه عليه من النظريات والمفردات الطبية الكثيرة والأدوية المركبة واستعمال الماء البارد.وأما الصيدلة فهي بنت ابتكارهم وفيها من الأسماء العربية التي تنطق بها حتى اليوم مايشهد بعربيتها أبد الدهر.

وقد اشتهر عند العرب قبل الإسلام بعض الأطباء ومنهم الحارث بن كلدة الثقفي طبيب العرب في عصره.وأصله من ثقيف من أهل الطائف رحل إلى أرض فارس وتعلم الطب فيها،وأجاد هذه الصناعة وطب في أهل فارس وشهدوا له بالفضل وحصل له بذلك مال عظيم.ثم عاد إلى الطائف وكان معاصراً للنبي صلى الله عليه وسلم وكان النبي يوصي باستطبابه.

واشتهر من بعده ولده النضر بن الحارث،وكان فيلسوفاً عالماً وطبيباً ماهراً.ومنهم ابن أبي رومية التميمي وكان جراحاً مزاولاً لأعمال اليد.

ومازال الطب عند العرب علماً سماعياً يتناقلونه بالأفواه،إلى أن فتح عمرو بن العاص مدينة الاسكندرية وكان فيها للطب مدرسة تدرس فيها كتب جالينوس الإثنا عشر ومن أساتذتها عبد الملك بن أبخر واهرن القس ولهذا كناش بالسريانية يدعى القوانين نقله ماسرجوبه البصري إلى العربية في بدء القرن الثامن للميلاد.وهذا أول كتاب طبي ترجم إلى العربية وذلك أيام عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.

هنالك في الاسكندرية وقف العرب لأول مرة على أطلال المدنية اليونانية القديمة فأعظموا أمرها،وعثروا على البقية الباقية من علوم الاقدمين فتشوقوا لدرسها .وأول من دعا العلماء إلى ترجمة الكتب اليونانية إلى العربية خالد بن يزيد الأموي حفيد معاوية الأكبر وكان ولعاً بعلم الكيمياء فاستقدم جماعة من الاسكندرية منهم مريانوس الراهب فعلمه صناعة الكيمياء ثم نقلها له اصطفان القديم.وهذا أول من نقل في الإسلام من لغة إلى لغة،وبالنظر لإدماج جلّ الأطباء الأقدمين الطب بالكيمياء نقل بهذه المناسبة كثير من معلوماتهم الطبية إلى العربية.

وأول من اشتهر من العرب بالعلوم الطبيعية وضرب فيها بسهم وافر ولاسيما في الكيمياء جابر بن حيان بن عبد الله الكوفي المعروف بالصوفي من رجال القرن الثاني للهجرة .ولقبه الفرنج بأبي الكيمياء وله فيها اكتشافات خطيرة ومؤلفات جليلة يربو عددها على السبعين.

وأول المدن الشرقية التي فتحت أبوابها لعلوم اليونان الأقدمين ومعارفهم مدينة جنديسابور في خراسان،وكان فيها في أوائل القرن الثامن مدرسة طب حافلة وبيمارستان لمداواة المرضى أنشأه كسرى أنو شروان لايقبل فيه الأطباء إلا بعد الاختبار.وقد اشتهر بحسن الطب فيها أسرات كثيرة منهم آل بختيشوع وآل كاسويه وآل الطيفوري وآل ماسرجويه كان لهم في نقل الطب للعرب أيادٍ بيضاء ومآثر حميدة.

واستقدم الخليفة المنصور جرجيس بختيشوع إلى بغداد لمعالجته،وكان رئيساً لدار الطب ورئيساً للبيمارستان فخرج من جنديسابور بعد أن أوصى ابنه بختيشوع بالمستشفى واستصحب معه اثنين من تلاميذه إبراهيم وعيسى بن شهلا.

ومن ذاك الحين شرع أساتذة الطب في جنديسابور يتقاطرون الواحد تلو الآخر إلى دار السلام بغداد التي لم تلبث أن ورثت علوم تلك المدينة الزاهرة وجلّ علمائها فأصبحت عاصمة العلم الوحيدة في العالم.

وأول من يجدر ذكره في نقل العلوم للعربية آل بختيشوع وأولهم جرجيس الشهير طبيب المنصور ثم خلفه ابنه بختيشوع بن جرجيس الذي استقدمه هارون الرشيد من جنديسابور وولاه رئاسة الأطباء وكان له ولد يدعى جبريل على جانب عظيم من الفضل والذكاء عهد به والده إلى جعفر البرمكي فصادف أن اعترى هارون الرشيد احتقان صدري فشفاه منه بالفصد وشفى إحدى جواريه من فلج صرعي بحيلة جميلة.فأعجب به هارون الرشيد وولاه رئاسة الأطباء وغمره بإحسانه وظل جبريل بعد وفاة الرشيد موضع ثقة الأمين والمأمون .وخلف جبريل ابنه بختيشوع وكان طبيب المتوكل .

وبجانب آل بختيشوع يتلألأ في سماء تلك النهضة آل ماسويه وكان ماسويه صيدلياً في مستشفى جنديسابور،وقدم بغداد للإرتزاق فتوفق لشفاء الرشيد من مرض أصابه في عينيه فحظي عنده.أما ولده يوحنا بن ماسويه فقد كان طبيباً ذكياً فاضلاً قلدّه الرشيد ترجمة الكتب القديمة التي وجدها في أنقرة وعمورية وسائر بلاد الروم أثناء الفتح وقلدّه إمارة ديوان الترجمة.

وقد توسع الخلفاء العباسيين في تعريب الكتب وبذلوا المال الوفير من أجل استجلاب العلماء ونقل الكتب للعربية،وأول من قام بهذا الأمر الخليفة المنصور فقد دعا جرجيس إلى أن يترجم له بعض الكتب الطبية ففعل غير أنها فقدت جميعاً.ثم جاء الرشيد ومن بعده المأمون فوسعا نطاق هذا العمل.وأرسلوا البعثات العلمية إلى بلاد الروم وفارس والهند لإقتباس لغاتهم ومعارفهم،وقد طلب المأمون من قيصر الروم ان يتحفه بكل الكتب القديمة المحفوظة في خزائنه لترجمتها فأجابه إلى ذلك.

وأشهر العلماء الذين ترجموا إلى العربية حنين بن اسحق العبادي.والذي ولد في الحيرة عام 194هجري ثم ذهب إلى فارس وتخرج في العربية بالخليل بن أحمد الفراهيدي ثم انتقل إلى بغداد ومنها رحل إلى يونان حيث تعلم اللغة اليونانية ثم عاد إلى بغداد وقد نضجت معارفه فلم يلبث أن نال قصب السبق في مضماره،فترجم أبقراط وجالينوس وغيرهم وقُلدّ رئاسة الترجمة فكان يتصفح الكتب المترجمة وينقحها وألف كتباً خاصة في الطب منها كتاب قي العين وبرع بجانبه في النقل ابنه اسحق ثم حفيده حبيش.

واشتهر أيضاً بالعلم والحذاقة بالترجمة يعقوب بن اسحق الكندي فيلسوف العرب وأحد أبناء ملوكها.نشأ وتأدب في بغداد وكان عالماً بالطب والفلسفة والرياضيات والموسيقى وألفّ في كل هذه العلوم وأجاد،وكان له وقوف تام على اليونانية فترجم من كتب الفلسفة الكثير،وأوضح منها المشكل ولخص المستصعب وبسط العويص،وكان عظيم المنزلة عند المأمون والمعتصم وله مصنفات جليلة ورسائل كثيرة منها رسالة في علّة الجذام وكتاب في الأدوية وكتاب الأقربازين وغيرها من الكتب الطبية الدالة على خبرته وسعة اطلاعه.

ثم برع إلى جانبه بالترجمة قسطا بن لوقا البعلبكي وثابت بن قرة وابن البطريق وكثير غيرهم من العلماء الأطباء الأفاضل.

أشهر الكتب الطبية في عصر النهضة الإسلامية:

يقول الدكتور عبد الرحمن الكيالي في مقال نشره في مجلة المجمع العلمي بدمشق تحت عنوان”ثقافة الأطباء عند العرب:

أشهر الكتب في شتى العلوم الطبية:

1 ـ كتاب الحاوي:

وهو لأبي بكر محمد بن زكريا الرازي المسمى جالينوس العرب والطبيب الأعلى بين أطباء العرب المتوفى سنة 420هجري.والكتاب يقع في 30 مجلداً بحسب رواية أبي الفداء،وفي 12 مجلداً حسب قول ابن النديم صاحب كتاب الفهرست.ترجمه إلى اللاتينية فرج بن سليم ونشر مراراً في البندقية وفي بريشيا في القرون الوسطى.

2 ـ كتاب “كامل الصناعة الطبية”:

وهو لعلي بن العباس المجوسي ويعرف أيضاً بالكتاب”الملكي” صنفه للملك عضد الدولة فناخسرو بن ركن الدولة أبي علي حسن بن بويه الديلمي.وهو كتاب جليل مشتمل على أجزاء الصناعة الطبية بما فيها علم الجراحة.ترجم إلى اللاتينية وطبع في ليدن عام 1533م وطبع في بولاق في جزئين .

3 ـ كتاب التصريف لمن عجز عن التأليف:

لأبي القاسم خلف ابن العباس الزهراوي وكان من أكبر جراحي العرب.ولد في الزهراء بجوار قرطبة،وكان طبيب الخليفة ،ولد عام 403 هجري،وترجم كتابه إلى اللاتينية وطبع سنة 1778م،وهو أول من استعمل ربط الشريان لمنع النزيف وأثنى عليه كثيرون من علماء أوربا وشهدوا له بطول الباع والسبق في شؤون كثيرة.

وكتاب التصريف عبارة عن دائرة معارف طبية يحتوي على ثلاثين فصلاً مبوبة في ثلاثة أقسام:الأول في الطب الداخلي،والثاني في الأقربازين والكيمياء،والثالث في الجراحة.وامتاز القسم الثاني بأدويتة المفردة،وامتاز القسم الثالث الجراحي برسومه للآلات الجراحية وآلات خلع الأسنان المستعملة في زمانه وكانت هذه الرسوم وحيدة في بابها.

وقد ترجم القسم الجراحي”جيرارد كريمونا” إلى اللاتينية وبقي كتاب التدريس في جامعات أوربا كجامعة سالرنو ومونبيلييه مدة من السنين.

4 ـ تذكرة الكحالين:

لعلي بن عيسى بن الكمال الطبيب النصراني المتوفى بعد الأربعمائة في بغداد،والكتاب مطبوع وهو من خير ما أُلف في طب العيون،ترجم إلى اللاتينية وطبع مراراً وكان من كتب التدريس عند العرب.

5 ـ كتاب تنقيح المناظر:

لإبن الهيثم أبو علي محمد بن الحسن ابن الهيثم البصري توفي في الأربعمائة،نبغ في علم الهندسة والمرئيات والضوء.جاء إلى مصر أيام الحاكم بأمر الله ثم تنسك واشتغل بالتصنيف والإفادة.تعاطى الطب ووصف العين وصفاً دقيقاً،وبحث قضية البصريات بحثاً وافياً،وهو أول من قال بأن النور يدخل العين لايخرج منها،وأثبت أن شبكية العين هي مركز المرئيات وأن هذه المرئيات تنتقل إلى الدماغ بواسطة عصب البصر وأن وحدة النظر من الباصرتين عائد إلى تماثل الصور على الشبكتين.

طبع كتابه مع الترجمة اللاتينية باعتناء الأستاذ “هيل” في دريدن عام 1845م.

6 ـ كتاب القانون في الطب:

للشيخ الرئيس أبو علي بن سينا المتوفى عام 448هجري،وهو بلا ريب أفضل تراث في الطب العربي،وأجلّ كتاب لتدريس الطب في أوربا وفي البلدان العربية لأكثر من ثمانية قرون.ولايزال يستعمل ويدرس في بعض بلدان الشرق الأدنى والهند وشمالي أفريقيا.وهو ينقسم إلى خمسة أقسام:القسم الأول ويشمل خمسة فصول:

1 ـ الأول في التعاريف،والعناصر، والأخلاط، والأمزجة،والأرواح.

2 ـ في التشريح ويشمل العظام،والعضلات،والأعصاب، والشرايين، والأوردة.

3 ـ في الأمراض وأعراضها.

4 ـ في حفظ الصحة ،والوقاية من الأمراض.

5 ـ في العلاج عموماً.

والقسم الثاني:يبحث في الأدوية المفردة مرتبة حسب الحروف الهجائية.

والقسم الثالث:يبحث في أمراض الجسم من الرأس حتى القدمين بما فيه تشريح الأعضاء،الرأس، الدماغ،العيون، الآذان،الأنف والفم واللسان،الشفتان،الأسنان،واللثة،الحلقوم،الثديان،الصدر، الرئتان، المرىء،والمعدة،الكبد والمرارة،الطحال،الأمعاء،والأعضاء التناسلية عند الرجال والنساء.

والقسم الرابع يحتوي على سبعة فصول:

1 ـ في الحميات.

2 ـ الإنذار والبحران.

3 ـ الأورام والقروح.

4 ـ الجراحة والعمل باليد.

5 ـ الكسور والخلوع.

6 ـ السموم.

7 ـ أمراض الجلد.

وأما القسم الخامس: فهو في الادوية المركبة والعلاجات.

7 ـ كتاب الموجز:

لإبن النفيس القرشي المتوفى سنة 698هجري،وهو علي بن أبي الحزم القرشي الملقب بابن النفيس.ولد في دمشق وسكن مصر إلى أن توفي.والكتاب مختصر لقانون ابن سينا،والشامل في الطب.وقد طبع في الهند.وابن النفيس هو أول من اكتشف الدورة الدموية الصغرى.

8 ـ كتاب التيسير في المداواة والتدبير:

لإبن زهر أبي مروان عبد الملك بن أبي العلاء بن زهر ولد في إشبيلية بالأندلس عام 464هجري وتوفي عام 525هجري،وهو من عائلة اشتهر أفرادها بالطب منذ أجيال ولكنه كان أنبغهم كما أنه أحد الأطباء العرب القلائل الذين حصروا جهودهم في الطب فقط.وقد ألف كتابه هذا وأهداه إلى تلميذه الفيلسوف العظيم الطبيب ابن رشد.والكتاب يصف الأمراض وصفاً واضحاً جلياً خال من النظريات الفلسفية.

وابن زهر أول من وصف خراج الحيزوم وصفاً دقيقاً،ووصف التهاب التامور(غشاء القلب) بنوعيه الناشف والرطب وفرّقه عن أمراض الرئة.وفي أثناء وجوده في السجن كتب وصفاً دقيقاً لأعراض سرطان المعدة الذي كان رفيقه في السجن مصاباً به.

وكان يحب التجربة والاختراع.ووجد في أيام الخليفة عبد المؤمن أحد ملوك المرابطين وتقرّب إليه فنال منه الحظوة والإنعام والجاه,وكتابه المذكور ترجم إلى اللاتينية وطبع عدة مرات واستعمل للتدريس في جامعات أوربا.

9ـ كتاب المفردات:

لإبن البيطار وهو في جزئين ومطبوع في مصر ويسمى الكتاب الجامع لمفردات الأدوية والأغذية،وهو من تأليف الشيخ الفاضل ضياء الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد الأندلسي المالقي العشاب المعروف بابن البيطار،أمر بجمعه الملك الصالح وطبع ببولاق سنة 1391 وترجم إلى اللاتينية وغيرها.

ولد ابن البيطار في مالقة وساح في اسبانيا والمغرب وشمالي افريقيا ومصر وسوريا،وآسيا الصغرى،وتوفي في دمشق عام 646هجري،وقد ألف معظم كتبه في مصر حيث كان يشغل مركز المفتش العام للصيدليات واستشهد فيه بأكثر من 100 مؤلفاً ووصف أكثر من 1400 عقاراً من النبات والحيوان والمعدن.منها 300 جديدة لم تذكر من قبله.وكان الطبيب ابن أبي أصيبعة من تلامذته،اجتمع فيه بدمشق سنة 633هجري وشاهد معه كثيراً من النبات في مواضعه،وقرأ عليه تفسيره لأسماء الأدوية الواردة في كتاب ديسقوريدس.

10 ـ كتاب المختارات:

في أربعة أجزاء وهي في الطب لمهذب الدولة أبي الحسن علي بن أحمد بن علي بن هبل البغدادي المولود عام 544هجري والمتوفى سنة 616هجري طبع في حيدر آباد عام 1363هجري.والكتاب ينقسم إلى عدة فصول وأجزاء تتناول ماورد في القانون،والحاوي،والمنصوري وغيرها من كتب الطب.

11 ـ كتاب التذكرة الهادية في الطب:

وهو لإبراهيم بن محمد المشهور بابن السويدي.ولد عام 600هجري وتوفي عام 670 ويرتقي بنسبه إلى ولد سعد بن معاذ الأوسي.تعلم في دمشق وطبب فيها،ونصب طبيباً في البيمارستان النوري وبيمارستان باب البري،وكان أبوه من السويداء في حوران ومن التجار.

ولنتكلم بنوع من التفصيل عن أقسام الطب ومن برع فيها:

1 ـ الجراحة والتخدير:

مما لاشك فيه أن الأطباء المسلمين هم أول من أرسى قواعد الطب الجراحي وجعلوا له أصولاً وقواعد ثابتة.وكانت مدارس الأندلس الطبية هي الوحيدة في أوربا التي تخرّج أطباء مؤهلين بالجراحة.

لقد طور الأطباء المسلمون أساليب معالجة الجروح فابتكروا أسلوب الغيار الجاف المغلق.وفتائل الجراحة المغموسة في عسل النحل لمنع التقيح الداخلي وهو أسلوب نقله عنهم الأسبان وطبقّه الأوربيون في حروبهم.وكان الجراحون المسلمون قد قفزوا بالجراحة قفزة هائلة ونقلوها من مرحلة نزع السهام كما كان عند الإغريق إلى موجة الجراحة الدقيقة ومما سهل هذا اكتشافهم للتخدير قبل الجراحة،فتوصلوا إلى ما سموه المرقد(البنج عبارة عن اسفنجة تنقع في محلول من الأعشاب المركبة القنب(الحشيش)والزوان والخشخاش(الأفيون) وست الحسن(البلادونا).وتترك لتجف وقبل العملية توضع الاسفنجة في فم المريض فإذا امتصت الأغشية المخاطية تلك العصارة استسلم للرقاد العميق لا يشعر معه بألم الجراحة.

ولم يقتصر أطباء المسلمين على طريقة الإسفنجة المخدرة فقط بل كانوا يستعملون لبوساً من الشرج أو شراباً من الفم.وعرف المسلمون التخدير بالإستنشاق،وبيّن ابن سينا أثره بقوله:”من استنشق رائحته عرض له سبات عميق من ساعته”وللإفاقة من البنج كان الأطباء العرب يستخدمون اسفنجة أطلقوا عليها الإسفنجة المُنبّهة المشبعة بالخل لإزالة تأثير المخدروإفاقة المريض بعد الجراحة.وحدثنا ابن سينا في كتابه”القانون” عن التخدير بالتبريد قائلاً:”ومن جملة مايخدر،الماء المبرد بالثلج تبريداً بالغاً”.ووصف كيفية استعمال التبريد كمخدر موضعي كما في جراحة الأسنان.ولقد كان الجراحون قبل ذلك يتهيبون من الجراحة الداخلية،ويكتفون بعمليات البتر.ثم الكي بالنار لإيقاف النزيف الداخلي.لكنهم باكتشاف واختراع الرازي لخيوط الجراحة من أمعاء الحيوان جعل بإمكانهم خياطة أي عضو داخلي بأمان دون الحاجة إلى فتحه من جديد لإخراج أسلاك الجراحة.وكان الجراحون يستعملون في خياطة جراحاتهم الإبر والخيوط من الحرير أو من أمعاء الحيوانات لربط الجروح الداخلية والخارجية أو من خيوط الذهب لتقويم الأسنان.

وكانوا يلجأون إلى الغول(الخمر) لتطهير مكان الجرح.

وقد طور المسلمون أساليب معالجة الجروح فابتكروا اسلوب الغبار الجاف المغلق وهو أسلوب نقله عنهم الإسبان وطبقوه لأول مرة في الحرب الأهلية الإسبانية ثم عمم في الحرب العالمية الأولى بنتائج ممتازة.والعرب أول من استعمل فتيلة الجرح لمنع التقيح الداخلي وأول من استعمل خيوطاً من مصارين الحيوان في الجراحة الداخلية…ومن أهم وسائل الغيار على الجروح التي أدخلها المسلمون استعمال عسل النحل الذي ثبت حديثاً أن له خصائص واسعة في تطهير الجرح ومنع نمو الجراثيم فيه.

ومع تطور الجراحة عند المسلمين بعد اكتشافهم للتخدير،ابتكروا الكثير من آلات الجراحة التي لم تكن معروفة قبلهم،فمنها آلات من الفضة أو الصلب أو النحاس.وكانت أسماء الآلات تدل على مدى توسع الجراحة وتنوعها فهناك المشارط بأنواعها للجراحة الخارجية والداخلية ومنها ذو الحد وذو الحدين والمناشير الكبيرة للبتر والصغيرة لقص العظام الداخلية،والمباضع المختلفة اأشكال فمنها المباضع الشوكية والمعقوفة لقص اللوزتين،والمجادع والمجادر والمبادر والكلاليب.ودست المباضع والمقصات الخاصة بعمليات العيون والجفوت بأحجامها وأشكالها المختلفة،كالجفوت الكبيرة المستعملة في أمراض النساء لاستخراج الجنين أو تسهيل ولادته،أو الجفوت المستعملة في جراحة العظام لاستخراج بقايا العظم أو السلاح داخل الجسم،أو المستعملة في جراحة الأذن والأنف والعون.والصنانير التي تدخلبين الأوعية والعروق والأعصاب وفي جراحة الأوعية الداخلية وخياطتها.

وفي كسور العظام كان الأطباء يستعملون أنواعاً من الجبائر من البوص أو جريد النخل أو من الخشب.وكان المُجبّرون يعالجون خلع المفاصل وكسر العظام بالطرق اليدوبة في خبرة ومهارة دون حاجة إلى الشق بالجراحة وفي كثير من الأحيان يستعملون الشد على المفصل لمنع تكرار الخلع.كما أنهم ابتكروا طريقة الرد الفجائي للخلع.

وكان الكيّ بالمكاوي المختلفة،قد توارثه العرب منذ فترة الجاهلية وقد استعمله المعالجون المسلمون كمسكن للألم للأمراض المزمنة والمُستعصية كعرق النسء واللمباجو والصداع النصفي.وحددوا خرائط لجسم الإنسان حددوا فيها مواضع الكيّ بالنسبة لكل مرض.وقد يكون الكيّ في أكثر من موضع للمرض الواحد.وابتكر الأطباء المسلمون أنواعاً من المكاوى المُحماة،من بينها الإبر الدقيقة ذات السن الواحد أو شعبتين او ثلاثة.وصنعوها من الحديد أو النحاس أو الذهب أو الفضة وحددوا درجة الحرارة المناسبة لعلاج كل مرض.

وحدد العالم ابن سينا في كتابه القانون القواعد الرئيسة لجراحة السرطانات .في مراحل ثلاث هي: الاكتشاف المبكر،ثم الجراحة المبكرة،فالاستئصال التام.

وذكر الزهراوي علاج السرطان في كتابه”التصريف” قائلاً:”متى كان السرطان في موضع يمكن استئصاله كله كالسرطان الذي يكون في الثدي او في الفخذ ونحوهما من الأعضاء المتمكنة لإخراجه بجملته،إذا كان مبتدءاً صغيراً فافعل.أما متى تقدم فلا ينبغي أن تقربه فإني ما استطعت أن أبرىء منه أحداً.ولا رأيت قبلي غيري وصل إلى ذالك”.ووصف العملية قائلاً:”ثم تلقى في السرطان الصنانير التي تصلح له ثم تقوره من كل جهة مع الجلد على استقصاء حتى لايبقى شىءمن أصوله واترك الدم يجري ولا تقطعه سريعاً بل اعصر المواضع ما أمكنك”.

وكان الزهراوي يجري عملية استئصال الغدة الدرقية وهي عملية لم يجرؤ أي جراح في أوروبا على إجرائها إلا في القرن التاسع عشر أي بعده بتسعة قرون وقد بين هذه العملية بقوله:”هذا الورم يسمى فيلة الحلقوم ويكون ورماً عظيماً على لون البدن وهو في النساء كثير.وهو على نوعين إما أن يكون طبيعياً وإما أن يكون عرضياً.فأما الطبيعي فلا حيلة فيه.وأما العرضي فيكون على ضربين أحدهما شبيه بالسلع الشحمية والنوع الآخر شبيه بالورم الذي يكون من تعقد الشريان وفي شقه خطر فلا تعرض لها بالحديد البتة”.

كما بين الزهراوي أوضاع المريض في جراحة الأمعاء بوضعه على سرير مائل الزاوية فإذا كانت الجراحة في الجزء السفلي من الأمعاء وجب أن يكون الميل ناحية الرأس.والعكس صحيح والهدف من ذلك الإقلال من النزيف أثناء العملية والتوسعة ليد الجراح.ونبه على أهمية تدفئة الأمعاء عند خروجها من البطن إذا تعسر ردّها بسرعة،وذلك بالماء الدافىء حتى لا تصاب بالشلل.

كما ابتكر (الزرافة) لغسيل المثانة وإدخال الأدوية لعلاجها من الداخل كما عملية تفتيت حصاة المثانة قبل إخراجها فقال:”إن كانت الحصاة عظيمة جداً فإنه من الجهل ان تشق عليها شقاً عظيماً لانه يعرض المريض أحد أمرين:إما أن يموت أو يحدث له تقطير في البول والأفضل ان يتحايل على كسرها بالكلاليب ثم تخرجها قطعاً”.

وفي سنة 836م أمر الخليفة المعتصم ببناء مشرحة كبيرة على شاطىء نهر دجلة في بغداد وأن تزود هذه المشرحة بأنواع من القرود الشبيهة في تركيبها بجسم الإنسان وذلك لكي يتدرب طلبة الطب على تشريحها.ولم يخل كتاب من مؤلفات المسلمين في الطب من باب مستقل عن التشريح توصف فيه الأعضاء المختلفة بالتفصيل وكل عضلة وعرق وعصب باسمه.وكان الرازي يقول في كتابه:”يمتحن المتقدم للإجازة الطبية في التشريح أولاً،فإذا لم يعرفه فلا حاجة بك أن تمتحنه على المرضى”.

وكان المسلمون يعتمدون اول أمرهم على ما كتبه الإغريق في تشريح جسم الإنسان وذلك تجنباً للحرج الديني.ولكنهم اكتشفوا عن طريق التشريح المقارن (أي تشريح الحيوانات) الكثير من الأخطاء في معلومات الإغيق فابتدؤا الاعتماد على أنفسهم.

ومن خلال دراستهم للتشريح اكتشف ابن النفيس الدورة الدموية الصغرى.واكتشفوا أن الكبد يتكون من فصين وليس من خمسة فصوص كما كان يعتقد الإغريق.واكتشف عبد اللطيف البغدادي المتوفى سنة 1231م أن الفك السفلي للإنسان يتكون من عظمة واحدة وليس من عظمتين كما ذكر جالينوس بعد أن فحص 2000 جمجمة بشرية.واكتشف أن عظمة العجز تتكون من قطعة واحدة وليس من ست قطع كما ذكر جالينوس الإغريقي.

2 ـ طب العيون (الكحالة)

كان المسلمون يطلقون على طب العيون اسم الكحالة وقد اشتهر عدد من أطبائهم بلقب الكحال.ولا تقتصر الكحالة على العلاج بالكحل والقطور فحسب ،بل كان يشمل هذا الطب إلى جانب هذه الأدوية على آلات جراحية متخصصة،وقد تطورت جراحة العيون في البلاد التي تكثر فيها هذه الأمراض مثل مصر والأندلس.

وكان ابن الهيثم المتوفى سنة 1037م قد اكتشف تشريح طبقات العين ووظائف كل طبقة،كالعدسة والحدقة والشبكية وتركيب الأعصاب المتصلة من العين إلى المخ.

وشرح ابن الهيثم في مقالتة الشهيرة”جوهر البصر وكيفية وقوع الإبصار” المبدأ الفيزيائي لعملية الرؤية وثبت نظرية الإبصار وبقيت نظريته مأخوذاً بها حتى جاء “كبلر”(1571ـ 1630م) والذي أضاف إليها بعض المعلومات المتممة،ومما قاله ابن الهيثم أن الجسم البللوري هو المبصر وأن الشعاع يتجمع بالبلورة ويقع على الشبكية وتكون الصورة معكوسة.

وفي مجالات طب العيون كانت مؤلفات الكحال علي بن عيسى البغدادي من الأعمال العظيمة والمهمة في طب العيون وبقيت أعماله المترجمة مرجعاً رئيسياً في طب العيون حتى القرن الثامن عشر.كذلك لعبت ترجمات الطبيب عمار الموصلي في طب العيون مرجعاً للأوروبيين.

ويعتبر طب العيون من ابتداع المسلمين فقد بلغ هذا العلم ذروته بجهودهم وظلت أبحاثهم فيه الحجر الأساسي له خلال عصور طويلة واستمرت مؤلفاتهم في ذلك تدرس في أوربا في معظم الجامعات الأوربية.

ويعتبر كتاب “العشر مقالات في العينين” لحنين بن إسحاق من أقدم الكتب في طب العيون على الطريقة العلمية،والكتاب موسوعة علمية كبيرة مطبوع باللغتين العربية والإنجليزية.

ويتكون الكتاب من عشر مقالات:المقالة الأولى في طبيعة العين وتركيبها،والثانية في طبيعة الدماغ ومنافعه،والثالثة في أمر البصر، والرابعة في جملة ما يضطر إلى معرفته من أراد شيئاً من علاج الطب،والخامسة في علل الأمراض التي تحدث في العين،والسابعة في جميع قوى الأدوية المفردة عامة،والثامنة في أدوية العين وأجناسها وفنون استعمالها،والتاسعة في علاج أمراض العين،والعاشرة فيها ذكر الأدوية المركبة المذكورة في المقالة التاسعة على ما ألفها القدماء للعلل الحادثة في العين.

3 ـ طب الأعشاب

وفي علم طب الأعشاب اكتشف العلماء المسلمون ألوف النباتات التي لم تكن معروفة وبينّوا فوائدها.وكانت معظم الأعشاب تجرب على الحيوانات كالقرود أولاً.وكان الطبيب المعالج هو الصيدلي أو العشّاب في آن واحد.ثم انفصلت التخصصات وأصبح الطبيب يكتب الوصفات وتسمى(الأنعات).وكان يسلمها المريض إلى العشّاب أو العطّار الذي يركبها له،وكان العلماء المسلمون يتحايلون على الأدوية المرّة التي تعافها نفس المريض بطرق مختلفة،فابن سينا أول من أوصى بتغليف الدواء بأملاح الذهب أو الفضة لهذا السبب،فأصبحت أقراص الدواء عند المسلمين مغلفة ليس لها طعم.

وكان ابن البيطار(شيخ العطارين) يجوب العالم ومعه رسام يرسم له في كتبه النبات بالألوان في شتى أحواله وأطواره ونموه.وقد اكتشف وحده 300 نبات طبي جديد شرحها في كتبه واستجلبها معه.وقد ألف كبار العشابين العديد من الكتب والموسوعات العلمية في هذا العلم ومن أهمهم ابن البيطار مؤلف كتاب”مفردات الأدوية”.

ابن البيطار

جاء في دائرة المعارف الإسلامية ـ السفير ـ العدد39 ـ 40):

“ابن البيطار:

هوضياء الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن البيَطار المالقي الأندلسي.من كبار علماء النبات والأعشاب والطب في النصف الأول من القرن السابع الهجري الموافق الثالث عشر الميلادي.

ولد ابن البيطار في مدينة “مالقة” الأندلسية سنة 575هجري الموافق 1179م.وكان والده بيطرياً حاذقاً.وتتلمذ على الاستاذ الكبير ابن العباس أحمد بن محمد بن فرج النباتي المعروف “بابن الرومية” صاحب الشهرة العظيمة في علم النبات،والذي ألف كتاب”الرحلة” الذي بقي مرجعاً فريداً لعدة قرون،إلا أن ابن البيطار فاق أستاذه.

درس في “إشبيلية” أنواع النباتات والأعشاب على بعض العلماء مثل: أبي العباس بن الرومية المتوفى سنة 637هجري الموافق 1239م.وعبد الله بن صالح وأبي الحجاج.

قام برحلة علمية بهدف حصر أنواع الأعشاب والنباتات الطبية المختلفة، والالتقاء بالأطباء وعلماء النبات في البلاد المختلفة،فرحل إلى المشرق ماراً بالمغرب وتونس والجزائر وطرابلس وبرقة والحجاز وغزة والقدس وبيروت وأنطاكية والموصل ثم ذهب إلى اليونان وإيطاليا وتركيا.والتقى خلال هذه الرحلة بمجموعة كبيرة من الأطباء وعلماء النبات والأعشاب المهتمين بهذا النوع من العلوم.

وقد استغرقت هذه الرحلة من حياة ابن البيطار أكثر من ثلاثين عاماً،وبلغ من اهتمامه بعلم النبات أنه كان يُعاين مواقع النباتات،ويتحقق منها بنفسه،كما أنه خلال هذه الرحلة قابل ابن أبي أصيبعة الطبيب المشهور صاحب كتاب “عيون النباء في طبقات الأطباء” المتوفى سنة 668هجري الموافق 1269م،والذي كان يحضر لإبن البيطار مجالسه التي كان يعرض فيها للمهتمين بعلم النبات ما استفاده من رحلاته الطويلة وقراءاته الدقيقة في كتب هذا العلم مثل:كتب ديسقوريدس وجالينوس والغافقي وغيرها.

وقد بلغ ابن البيطار في هذا العلم شهرة عالية،ومكانة مرموقة،لذلك عندما نزل إلى مصر قرّبه الملك الكامل محمد بن أبي بكر بن أيوب المتوفى سنة 635هجري الموافق 1238م،وجعله رئيساً للأطباء والعشابين في مصر.

وبعد وفاة الكامل لم تتأثر مكانة ابن البيطار بل ازدادت شرفاً ورفعة في عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب المتوفى سنة 647هجري الموافق 1249م،وظل في منصبه رئيساً للأطباء والعشابين ولكنه انتقل إلى دمشق واستقر بها.

وقد اتصف ابن البيطار بالذكاء والخبرة والمروءة واتساع المعرفة بعلم النبات والاعشاب.ويظهر هذا في مؤلفاته التي وصلتنا،وفي أقوال تلامذته،ومن أشهرهم الطبيب المؤرخ ابن أبي أصيبعة،الذي يقول عن شيخه ابن البيطار:”ذلك أني وجدت عنده من الذكاء والفطنة والدراية بعلم النبات،وفي نقل ماذكره فيه ديوسقوريدس وجالينوس ما يتعجب منه.وأول اجتماعي به كان بدمشق سنة ثلاثة وثلاثين وستمائة ورأيت أيضاً من حسن عشرته وكمال مروءته وطيب أعراقه،وجودة أخلاقه،ودرايته وكرم نفسه ما يفوق الوصف ويتعجب منه”.

وقد أثنى”ول ديورانت” على ابن البيطار وعدّ كتاباته من أعظم الكتابات في علم النبات،حيث يقول في موسوعته”قصة الحضارة”:ويدل كتاب الجامع لمفردات الأدوية والأغذية على سعة العلم وقوة الملاحظة،وهو أعظم كتاب في علم النبات”.

ويتميز ابن البيطار بأنه كان عشّاباً وطبيباً ونباتياً،ويتسم وصفه للأعشاب والنباتات بالدقة والوضوح ،فنجده يتحدث عن النبات وأوصافه،أصله وساقه وورقه وزهره وثمره،حتى لا يخلط بين نبات نافع ونبات ضار،ثم يتبع ذلك بذكر ما يستخلص منه من عقاقير مفيدة في العلاج،وكيف تؤخذ،ومتى تؤخذ، وكيف تعد للدواء، وكيف تُتعاطى،ومقدار الجرعة وغير ذلك.

وقد ترك ابن البيطار عدداً من المصنفات العلمية في الأعشاب والأدوية منها:

ـ كتاب “الجامع لمفردات الأدوية والأغذية”،وهو المعروف باسم”مفردات ابن البيطار”وهو أهم مؤلفاته وقد سمّاه ابن أبي أصيبعة:الجامع في الأدوية المفردة.وهذا الكتاب مجموعة من العلاجات البسيطة المستمدة من عناصر الطبيعة(معادن،ونباتات،وحيوانات)،وقد جمع فيه وصفات القدامى من يونان وعرب بجانب اختباراته الشخصية،ورتبها على حروف المعجم.وقد رجع إلى أكثر من 150 مؤلفاً وقد وصف أكثر من 1400 صنف من الأدوية مابين نباتي وحيواني ومعدني.منها 300 صنف جديد لم يذكرها أحد من قبله.ووصفه دقيق للغاية،حيث يذكر المترادفات وترجمتها بالإغريقية والفارسية والبربرية والإسبانية.

وقد طبع هذا الكتاب عدة طبعات،متها :طبعة بولاق بالقاهرة سنة 1291هجري الموافق 1874م في أربعة أجزاء في مجلدين،ثم أعادت طبعه بالأوفست مكتبة المثنى ببغداد سنة 1384هجري الموافق 1964م وقد ترجمه “لو كليرك” إلى الفرنسية وطبع بباريس سنة 1294هجري الموافق 1877م.

ـ كتاب”الدرة البهية في منافع الأبدان الإنسانية”،وهو اختصار لكتاب”الجامع لمفردات الأدوية والأغذية” السابق،وقد طبعته مطبعة السعادة بالقاهرة سنة 1348هجري الموافق 1929م ومطبعة خليل إبراهيم بالإسكندرية سنة 1358هجري الموافق 1939م.

ـ كتاب” المُغنى في الأدوية المفردة” وقد تناول فيه أعضاء جسم الإنسان عضواً عضواً،مرتبة على حروف المعجم،ذاكراً طريقة علاجها بالعقاقير في حالة المرض.

ـ كتاب”ميزان الطبيب”.

ـ كتاب”الإبانة والإعلام بما في المنهاج من الخلل والأوهام”.وقد نقد فيه كتاب”منهاج البيان فيما يستعمله الإنسان” لإبن جزلة المتوفى سنة 493هجري الموافق 1100م .

ـ كتاب” الأفعال الغريبة والخواص العجيبة”.

وقد استخدمت كتب ابن البيطار في تكوين أول معشبة نباتية،وأول صيدلية إنجليزية أعدتها كلية الطب في عهد”جيمس الأول” ويعد كتابه “الأدوية المفردة” أحد أسس تكوين علم العقاقير الحديث.

وتقول المستشرقة الألمانية سيغريد هونيكه في كتاب شمس العرب تسطع على الغرب:”منذ عصر المأمون في القرن التاسع الميلادي أصبحت الصيدليات تحت إشراف الدولة،والصيادلة يتعرضون لفحص مسلكي،وكان ابن البيطار عميداً لقسم الصيدلة في القاهرة،حيث كان من أشهر علماء الكيمياءوالصيدلة..وتعددت التجارب فكثرت المواد التي ابتكرها العرب، ولكن ابن البيطار هو أعظم عباقرة العرب في علم النبات”.

وتوفى ابن البيطار في دمشق سنة 646هجري الموافق 1248 م نتيجة تناوله عَقاراً ساماً حسب رواية صاحب كتاب”نفح الطيب “.

وجاء في تراث الإنسانية ـ المجلد الثاني مقالاً للدكتور عبد الحليم منتصر ص 562:

“هو أبو محمد عبد الله بن أحمد ضياء الدين الأندلسي المالقي العشاب المعروف بابن البيطار،إمام النباتيين وعلماء الأعشاب،ولد في الربع الأخير من القرن السادس الهجري الثاني عشر الميلادي من أسرة ابن البيطار في مالقه،كان من شيوخه في علم النبات أبو العباس النباتي،الذي كان يجمع النباتات من منطقة اشبيلية،ولما بلغ العشرين من عمره،جاب شمال أفريقيا،ومراكش والجزائر وتونس لدراسة النبات وعندما وصل إلى مصر كان على عرشها الملك الكامل الأيوبي،التحق بخدمته فعينه رئيساً على سائر العشابين،ولما توفى الكامل،استبقاه في خدمته ابنه الملك الصالح نجم الدين الذي كان يقيم في دمشق،وبدأ ابن البيطار من دمشق يدرس النباتات في الشام وآسيا الصغرى بصفته طبيباً عشاباً،وكتب مؤلفيه اللذين اشتهر بهما،وهما ثمرة دراساته العلمية والعملية،أولهما كتاب الجامع لمفردات الأدوية والأغذية،وهو مجموعة من العلاجات البسيطة المستمدة من النبات والحيوان والمعادن،جمعت من مؤلفات الأغارقة والعرب ومن تجارب المؤلف خاصة.وثانيهما،كتاب المغنى في الأدوية المفردة في العقاقير،تناول فيه علاج الأعضاء عضواً عضواً بطريقة مختصرة كي ينتفع به الأطباء.

وقد عاش ابن البيطار نحو سبعين عاماً وتوفى عام 646هجري الموافق 1248م وقد ترجمت كتبه إلى اللغات الاجنبية.

4 ـ الطبّ النفسي

كان الطب العربي قد عُني “بطب المسنين” وعرف “الطب النفسي العضوي” كطب المجانين والمسجونين،وكان ابن سينا أول من أشار إلى أثر الأحوال النفسية على الجهاز الهضمي وقرحة المعدة وعلى الدورة الدموية وسرعة النبض.

5 ـ الطبّ الباطني

كان الأطباء العرب يتبعون الطب الوقائي والأمراض المعدية.حيث كانوا يعرفون العدوى ودورها في نقل الأمراض قبل اكتشاف المجهر والميكروبات بمئات السنين.فبينّوا أضرار مخالطة المريض بمرض مُعدٍ أو استعمال آنيته أو ملابسه، ودور البصاق والإفرازات في نقل العدوى.وكان ابن رشد قد اكتشف المناعة التي تتولد لدى المريض بعد إصابته بمرض مُعدٍ مثل الجدري.وبيّن أنه لا يصاب به مرة أخرى.وكانوا يصنعون نوعاً من التطعيم ضد الجدري(إذ يأخذون بعض البثور من مريض ناقه ويطعم به الشخص السليم بأن توضع على راحة اليد وتفرك جيداً أو يحدثون خدشاً في مكانها)وهي نفس فكرة التطعيم التي نسبت فيمت بعد إلى أوروبا.

وفيما يتعلق بأمراض الرئة والحنجرة والقصبات:أجرى ابن سينا دراسة مستفيضة للحنجرة ،قدم فيها صورة دقيقة ووصفاً للغضاريف والعضلات والأربطة،وفعاليتها أثناء النطق والتنفس والبلع.وجاءت عبارة في كتابه القانون تشير إلى “تنبيب الرغامى” حيث قال:”وربما أدخل في الحلق قصبة معمولة من ذهب أو فضة ونحوهما بما يعين على التنفس”.وهكذا تبين أن ابن سينا قد ابتكر تنبيب الرغامى بأنابيب من صنعه لإدخالها عبر الحنجرة قبل ألف عام من اكتشاف كل من “ماك أيون” عام 1880م و”أيزن منجر” عام 1893م.

وعرف العلماء العرب المسلمون خزع الرغامى ووصف كل من أبو القاسم الزهراوي وابن زهر وابن القف خزع الرغامى بالتفصيل لإنقاذ مرض الاختناق.

ومن أهم الاكتشافات في تاريخ الطب العربي الإسلامي هو اكتشاف الدورة الدموية الصغرى من قبل ابن النفيس،وذلك قبل مايزيد على ثلاثة قرون من وصف “وليام هارفي(1578 ـ 1657)وجاء وصفه في كتابه مطابقاً لوصف ابن النفيس في كتابه”شرح تشريح القانون”.

وأبو بكر الرازي وفي كتابه الحاوي وهو موسوعة طبية يتناول فيه الفرق بين الحصبة والجدري وهو أول طبيب وعالم يفرق بينهما ويصف أعراضهما بشكل لا يختلف عما جاء فيما بعد من علماء الغرب وخاصة الطبيب “أوسلر”.

كما أن الرازي هو أول من وصف التحسس الربيعي المسمى “حمى القش” وذلك بسبب التحسس للزهور والأعشاب.وبالتالي يكون قد ابتدع مفهوم الحساسية كسبب للمرض.كما وصف داء الفيل والإصابة بديدان غينيا الطفيلة.

3ـ علم الأدوية أوالصيدلة

جاء في مقالة للدكتور إبراهيم بن مراد من جامعة منوبة بتونس تحت عنوان”التراث في الصيدلة عند العرب والمسلمين”:

“عرّف أبو الريحان البيروني(ت 440هجري الموافق 1048م) الصيدلة ـ وهو يكتبها الصيدنة ـ بأنها معرفة العقاقير المفردة بأجناسها وأنواعها وصورها المختارة لها وخلط المركبات من الأدوية بكنه نَسخها المدونة أو بحسب مايريد المريد المؤتمن المصلح،فإن الذي يعلوها في الرتبة هو معرفة قوى الأدوية المفردة وخواصها”.

والغاية الأساسية من معرفة الأدوية هي إجادة استعمالها في المداوة.ومن هنا كانت صلتها المتينة بعلم الطب.فإن الغاية المقصودة بالطب هي الصحة فتُحفظ إذا وجدت،وتُجتلب إذا فُقدت.وأقوى الوسائل وأنجعها في حفظ الصحة وفي اجتلابها الدواء.

لقد كانت للعرب معرفة بالأدوية والمداواة منذ وقت سابق للإسلام بكثير.وقد اشتهر عندهم ناس كان يطلق عليهم “العطارين” وكانوا اشتهروا بتركيب الطيوب والعطور وعمل الأدهان وحفظها ،وقد أشار البيروني إلى اختصاص قريش بعمل الطيب والعطر واختصاص أهل اليمامة بعمل الأدهان.

وأقدم نص موثوق به في هذا المجال هو كتاب “النبات” لأبي حنيفة الدينوري(ت282هجري الموافق 895م) فإن في هذا الكتاب إشارات كثيرة إلى استعمال نباتات بعينها في المداواة.

ونعتقد أن الصيدلة بالمفهوم العلمي لم تعرف إلا بعد ظهور الإسلام وقيام دولته.وقد كانت المعرفة بها ناتجة عن اتصال العرب بثقافات العجم.ومن خلال الترجمة أي نقل الكتب الأعجمية إلى العربية.

وقد استقامت “الصيدلة” في النصف الول من القرن الثالث الهجري وأصبحت علماً له مصطلحات يستقل بها وأركان يتأسس عليها.

أركان علم الصيدلة:

1 ـ في العقاقير وأصنافها:

مادة علم الصيدلة الأساسية هي العقاقير وهي الأدوية بالمفهوم الواسع.والعقاقير ثلاثة أصناف:أغذية وأدوية ـوهذه بدورها نوعان:أغذية دوائية وأدوية مؤذية أو سميّة حسب اصطلاح البيروني،وسمائم أو سموم.

وقد قسموا الأغذية والأدوية مثلما قسمها القدماء إلى مفردة ومركبة.والغذاء أو الدواء المفرد هو الذي لم يخالطه بالصنعة شىء غيره وإن كان مركباً من طبائع مختلفة،فإن “الكمون” مفرد، وهو طبيعة واحدة،أعني أنه حار يابس لطيف،والفجل مفرد وإن كان مركبا من طبائع مختلفة،لأن فيه أرضية ونارية،وأما الأرضية فلثقله ووخامته،وأما النارية فلحرافته.

والمركب:هو الذي خلطت الصنعة به غيره.

2 ـ في الأدوية المفردة:

وهي العناصر المنتمية إلى مواد الطبيعة الثلاثة:النبات،والحيوان،والمعادن.على أن النبات أشهرها وأكثرها وأيسرها تناولاً.

3 ـ في الأدوية المركبة:

وهي من أهم الأجزاء المكونة للطب والصيدلة.

جاء في مجلة العربي (الكويت) العدد 471 بتاريخ الأول من شباط 1998):

“برغم أن علم الأدوية يعتبر من العلوم الحديثة نسبياً حيث بزغ مصطلح علم الأدوية(الفارماكولوجي) لأول مرة عام 1693 بواسطة عالم الفيزلوجيا “صامويل دال” ثم أسس أول معمل متخصص في علم الأدوية بواسطة”رودلف بوخاييم في ألمانيا عام 1849م،فإن أصولاً كثيرة لهذا العلم تعود إلى العرب,وليس ذلك فقط بل إن عدداً من المفاهيم الرئيسية والجديدة جداً في علم الأدوية كان العرب قد تطرقوا إليها واكتشفوها قبل أن تخطر هذه المفاهيم في ثوبها الحديث على العقل الغربي.

وقد سبق العرب الغرب في ناحيتين :

الأول: إن إنشاء أول صيدلية خاصة أقيمت في بغداد في الفترة مابين 750 ـ 754 / وكان إنشاؤها بمنزلة إعلان عن انفصال الصيدلة عن الطب.ومن الجدير بالذكر أن هذه الخطوة حدثت رسمياً في أوربا في عهد فريدريك الثاني عام 1240م.

والثاني:كان تنظيم ممارسة مهنة الصيدلة وذلك في عهد الخليفة المقتدر العباسي(908 ـ 932م) حيث نشأ نظام الحسبة على عمل الصيادلة تبعاً لمؤلفات جالينوس وحنين ابن اسحاق.وقد تطور نظام الحسبة بعد ذلك بحيث يكون في متناول المحتسب نوع من (الدستور) يرجع إليه،وقد جاء في كتاب”نهاية الرتبة في طلب الحسبة” من تأليف عبد الرحمن بن نصر السيرزي(1193م) جزء خاص بالحسبة على الصيادلة ذكر فيه طرق الغش وعلامات كشفه،ومن المهم أن نذكر أن مسألة(الدستور) للأدوية قد عرفته أوروبا منذ حوالي مائة وثلاثين عاماً فقط،عندما صدرت دساتير أدوية في لندن ,ادنبرة ودبلن عام 1864م.

عرف العرب والمسلمون مبادىء علمية تمثل استراتيجيات في العلاج الدوائي لايزال يعمل بها حتى اليوم، فمثلاً يقول”المجوسي” (944م) في كتابه “كامل الصناعة الطبية”:”إن أمكنك أن تعالج العليل بالغذاء فلا تعطه شيئاً من الدواء،وإن أمكنك أن تعالج بدواء خفيف مفرد فلا تعالج بدواء مركب ولا تستعمل الأدوية الغريبة والمجهولة”.

كما ذكر أبو بكر الرازي في كتابه”الحاوي”:”إن استطاع الحكيم أن يعالج بالأغذية دون الأدوية فقد وافق السعادة”.وقال أيضاً:”إن العمر قصير عن الوقوف على فعل كل نبات الأرض فعليك بالأشهر مما أجمع عليه ،ودع الشاذ واقتصر على ما جُرب”.

وقال ابن سينا:”في حالة الأدوية المركبة فإن المجرب منها خير من غير المجرب،وقليل الأدوية خير من كثيرها في غرض واحد”.

وقد اتبع العرب طرقاً عديدة في تنقية وتحضير الأدوية مثل الطبخ والسحق والتحميص والتصعيد والتشميع والتبلور.

واستحدث العرب أشكالً صيدلية مختلفة مثل الأشربة والمستحلبات،ومازالت هذه الأشكال مستعملة حتى الأن بأسمائها العربية مثل”شراب(سيروب).ومن المستحضرات التي كان العرب يصنعونها الأدهنة والأطلية والحبوب والحقن الشرجية والسعوطات والغرغرات والقطورات والمراهم والمعاجين والمنقوعات”.

وقد أخذت أوربا عن العرب استعمال كثير من الأدوية ذات المفعول اللطيف والتي أدخلها العرب في المادة الطبية للعلاج مثل:السنا المكي،والراوند،والتمر الهندي،والمسك،والقشية،والكافور،وجوز الطيب،والقرنفل،والزعفران،والشمر،وعرق السوس.

وعن العرب أيضاً أخذت أوربا طريقة طلاء حبوب الأدوية بالورق المذهب أو المفضض ،وتقطير ماء الورد،كما أن أوربا مدينة للعرب بإدخال الجوز المقيىء في القرن الحادي عشر، والأكونيت(خانق الذئب) وشرح تأثير الإرجوت والحنظل والقنب الهندي والعنبر.

وكان دستور الأدوية في إسبانيا يحتوي على أكثر من مائتي نبات جديد لم تعرفها أوربا من قبل.

وجاء في دائرة المعارف الإسلامية ـ السفير ـ العدد23 ـ 24 تحت عنوان”الأقربازين”:

“الأقربازين” أو “القرابازين”:لفظ ليس بعربي أصلاً،ولكن العرب استعملوه للدلالة على تركيب الأدوية،أو الأدوية المركبة مرادفاً للفظ”دستور”،فقد اتخذه “أمين الدولة ابن التلميذ” عنواناً لكتابه “أقربازين” ،بينما سمّى”ابن البيان” كتابه”دستور المارستان”،وألف “كوهية العطار” المتوفى سنة 658هجري 1360م كتاب”منهاج الدكان ودستور الأعيان في إعمار وتركيب الأدوية النافعة للأبدان”،وجمع فيه عدة”أقربازينات” مختارة،ما كان يستعمل في زمانه،كالإرشاد،والملكي،و”أقربازين ابن التلميذ” ، والمنهاج،والدستور،وغيرها مما نقله من ثقات العشابين،ومما امتحنه بيده.

وكان علماء الحضارة الإسلامية يقومون بتحضير الأدوية ـ مفردة كانت أم مركبة ـ على هيئة مستحضرات ذات أشكال مختلفة،تتوقف على طرق استعمالها وتعاطيها،والغرض منها،كما كانت تُعد بحيث يكون مفعولها محققاً مضموناً بقدر الإمكان،بعد إجراء عمليات تحضيرية مختلفة،ابتدعوا لها طرقاً كثيرة،وأدوات متنوعة.

ومن هذه العمليات:الطبخ،والسحق،والإحراق بالنار،والتجميد بالتبريد،والتقطير،والترشيح،والتحويل والتبخير،والتصعيد، وغيرها.

ومن الآلات والأجهزة:الكُور،والبوتقة،والمنفاخ،والمطرقة،والتنور،والمرجل،والمنخل، والميزان، وغيرها.

وقد ذكر الرازي المتوفى سنة 313هجري 925م ،والزهراوي المتوفى سنة 404هجري 1013م،وابن سينا المتوفى سنة 429هجري 1037م،وداود المتوفى سنة 1009هجري 1600م،وغيرهم من صيادلة المسلمين وأطبائهم وصفاً تفصيلياً لكل هذه العمليات والأدوية اللازمة لإعداد الدواء،وجعله صالحاً للعلاج،مع بيان أثرها فيه بالإصلاح أو بما يغير في أحكامه أو بإفساده مالم يُتفاد ذلك.

وكان المأثور عن علماء المسلمين أنهم لايرون التداوى بالأدوية ـ مفردة كانت أم مركبة ـ ما أمكن،استعاضة عنها بالأغذية،وإذا اضطروا إلى الأدوية فلا يرون التداوى بالأدوية المركبة ما وجدوا سبيلاً إلى المفردة،وإذا اضطروا إلى المرّكب لم يكثروا التركيب،بل يقتصرون على أقل ما يمكن،فقد ذكر “علي بن العباس المجوسي” المتوفى سنة 400هجري 1010م في كتابه”كامل الصناعة الطبية” المعروف باسم”الملكي” مايلي:”إن أمكنك أن تعالج العليل بالغذاء،فلا تعطه شيئاً من الدواء،وإن أمكنك أن تعالج بدواء خفيف مفرد،فلا تعالج بدواء قوي ولا بدواء مركب،ولا تستعمل الأدوية الغريبة المجهولة”.

كما ذكر الرازي في كتابه”الحاوي” أنه إن استطاع الحكيم أن يعالج بالأغذية دون الأدوية،فقد وافق السعادة.

وقد وضع ابن سينا في”القانون”،والمجوسي في “الملكي”،وداود في “تذكرة داود”،وغيرهم أسس علم الأقربازين،ومايحكم تركيب الأدوية،وحددوا الاسباب التي تلجىء إلى تأليف الأدوية المركبة،كأن يكون الدواء المختار أقل في مفعوله من المطلوب،فيضاف إليه”مفرداً” أو أكثر يقويّه إلى الدرجة المطلوبة،أو يكون الدواء المراد بالغاً فيما يُراد به،ولكنه ضار في أمر آخر،فيخُلط به مايكسر مضرته،أو يكون الدواء كريه الطعم غير مستساغ فيخلط بما يصلح طعمه ويطيبه،أو تكون العلّة مركبة،ولا يوجد لها دواء مقابل من المفردات،فيخلط اثنان أو أكثر من المفردات لتقابل في مجموع مفعولها علة المريض،أو يكون المراد أن يلبث الدواء في ممره قليلاً حتى يعمل هناك عملاً فائقاً كثيراً،ثم يكون هذا الدواء سريع النفور فيخلط بمثبط مركب من مفرد أو أكثر.

وقد كان الأطباء والصيادلة المسلمون يتنافسون في صنع الترياق،االمؤلف من عشرات الأدوية،مثل ذلك:”شراب الأصول” الذي ألفه”موسى بن العازر” في عهد “المعز العلوي”،وذكر أنه يفتح السدر،ويزيل الأمغاص العارضة للنساء عند حدوث طمثهن،وينقى الرحم،وينفع الكُلى والمثانة.

وجاء في دائرة المعارف الإسلامية ـ السفير ـ العدد11 ـ 12 تحت عنوان”الأدوية”:

“الأدوية:جمع دواء،ولم ترد لفظ الأدوية في القرآن الكريم،ولكنها وردت في السنة بصيغة المفرد.عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:”لكل داءٍ دواء.فإذا أُصيب دواءُ الداء برأ بإذن الله عز وجل”(صحيح مسلم).

وعلم الأدوية هو العلم الذي يدرس الأدوية باعتبار أنها مركبات كيميائية،تستخدم إما لتغيير وظيفة من وظائف الجسم،وإما للقضاء على جرثومة ناقلة للعدوى.وتُحدث الأدوية تأثيرها بالتفاعل مع أجزاء من الخلايا قادرة على التجاوب معها تسمى”مستقبلات الدواء”،وتتناسب فعالية الدواء في معظم الحالات مع التركيز الذي يصل إليه بشكل فعال عند هذه المستقبلات،ومع أنه في نطاق المدى الفعال للدواء يكون تأثيره متناسباً مع الجرعة المعطاة فإن العلاقة بين الجرعة والتأثير ليست بهذه البساطة،حيث أن زيادة الجرعة على حدها الأقصى الفعال لن يضيف إلى الدواء فائدة،بل على العكس من ذلك قد يزيد من سميته.

ومن ناحية أخرى لا يكفي أن يكون الدواء ذا فعالية عالية،وسمية منخفضة لكي يعد من الادوية المفيدة،بل يجب أن يصل إلى الموقع الذي سيؤثر فيه بتركيز كافٍ ولمدة مناسبة،ويعتمد تركيز الدواء عند الموقع المقدر لإحداث فعله على عدة عوامل،بالإضافة إلى الجرعة المعطاة،منها سرعة ومعدل امتصاص الدواء وتوزيعه في الجسم،وطرق أيضه وكذا سرعة إخراجه.ولهذه العوامل كلها تأثير في فعل الدواء ومدى تأثيره.كما أن بعض الأدوية ذات قدرة على تنشيط أو تثبيط أيض عدد من الأدوية الأخرى،معتمدة في ذلك على حث أو تثبيط نشاط الخمائر المسئولة عن أيض الأدوية.

وبناء عليه فإن الجمع بين عدد من الأدوية،أو تقليل فاعليتها في آن واحد،أو التبديل فيه قد يرفع تركيز الدواء ليشابه الإفراط في الجرعة،أو يخفض هذا التركيز إلى معدل غير مفيد.

وفي عصر النهضة الإسلامية الزاهرة كانت رسالة الصيدلاني محدّدة في احتراف جمع الأدوية على أفضل صورها واختيار الأجود من أنواعها،مفردة أو مركبة.

وحرص الأطباء والصيادلة على تدوين مايصفون للمرض من أدوية،ويوضحون تركيبها،وتأثيرها الطبي وحدود جرعتها،وفترة صلاحيتها،وطريقة استعمالها وحفظها،ويجمعون ذلك في”دستور الأدوية” الذي يمثل خلاصة مايصل إليه البحث في علم الأقربازين وهو علم تركيب الأدوية المفردة.

كما يزخر التراث الإسلامي بالعديد من المؤلفات التي وجهت اهتماماً خاصاً لعلم الأدوية وسجلت إنجازات ومآثر غير مسبوقة لعلماء الحضارة الإسلامية.مثال ذلك ما جاء في كتاب”كامل الصناعة الطبية” لعلي بن العباس المجوسي المتوفى سنة 400هجري 1010م،الذي مال الناس إلى كتابه إلى أن ظهر كتاب”القانون” لإبن سينا كما قال “القفطى”،حيث خصص الجزء الثاني منه للمداواة وطرق العلاج،فعالج في إحدى مقالاته الأدوية المفردة وامتحانها ومنافعها،وذكر الطرق التي يُستدل بها على قوة الدواء من التجربة على الأبدان والمراض،ومعرفة قوى الأدوية المسكنة للأوجاع،والمفتتة للحصى،والمدرة للبول والطمث واللبن،وتقسيم الأدوية المفردة وتأثير كل واحد منها ومدى قوته،وتحدث عن الأدوية النباتية وقوتها،ابتداءً من البذور والحبوب،ثم الأوراق والأزهار والثمار،ثم الأدهان والعصارات والصموغ.

كما تحدث عن الأدوية المعدنية،وذكر أنواع الطين والحجارة والأملاح،وغيرها من المعدنيات.وأورد في الأدوية الحيوانية منافع المرارات والأبوال والأزبال،ومنافع أعضاء الحيوان.

وكتب عن “الأقربازين”،ودستور الأدوية المركبة وجرعاتها،وكيفية استعمالها،ووصف منافع”الترياق” وعمل المعجونات والحبوب،واللعوقات والأدهان والمراهم،والأكحال والذروات التي تلصق الجروح،والأضمدة والأشربة والربوب والأقراص والغرغرات،وأدوية الغفم واللهاة،وأدوية القىء والمعجونات المسهلة وغيرها.

ويكفى أن نذكر من مآثر علماء المسلمين أنهم اكتشفوا العديد من العقاقير التي لاتزال تحتفظ بأسمائها العربية في اللغات الأجنبية،مثل :الحناء والحنظل والكافور والكركم والكمون وغيرها،واخترعوا الآلات اللازمة لتذويب الأجسام وتدبير هذه العقاقير،وابتكروا المعالجة المعتمدة على الكيمياء الطبية،على نحو ما فعل الرازي عندما استحضر الكثير من المركبات التي لها قوة شفائية،مثل استخراج الكحول باستقطار مواد نشوية وسكرية مختمرة،واستعمال مركبات الزئبق كعقار ضد بعض الأمراض،وكشف المواد الكاوية وملح النشادر ونترات الفضة والبوتاسيوم والزرنيخ وغيرها.كما نجح علماء الحضارة الإسلامية في تغليف الأدوية المُرّة بغلاف من السكر أو عصير الفاكهة،لكي يستسيغها المرضى كما فعل الرازي ،أو تغليفها بالذهب والفضة المفيدين للقلب كما فعل ابن سينا،وكان لهم فضل السبق في اجراء البحوث والاختبارات على الأدوية قبل استعمالها،لمعرفة طبائعها،ومدى صلاحيتها،وقوة تأثيرها،وآثارها الجانبية،وقوتها الشفائية،وهذه الامور كلها لا تزال تهم الباحثين حتى الآن في المختبرات الطبية،ومعامل”ألأقربازين” والعلوم الصيدلية.ويكفى أن نستدل على فضل علماء المسلمين في هذا المجال بشهادة “سيجريد هونكه” حيث تقول:”إن كل مستشفى،مع مافيه من ترتيبات ومختبر،وكل صيدلية ومستودع أدوية في أيامنا هذه،إنما هي في حقيقة الأمر نصب تذكارية للعبقرية العربية،كما أن كل حبة من حبوب الدواء،مذهبة أو مسكرة،إنما هي كذلك تذكار صغير ظاهر يذكرنا باثنين من أعظم أطباء العرب ومعلمي بلاد الغرب”(تقصد الرازي وابن سينا).

المستشفيات(البيمارستان)

جاء في دائرة المعارف الإسلامية ـ السفير ـ العدد 39 ـ 40 ص99:

“البيمارستان”:كلمة فارسية الأصل،تعنى:المستشفى أو دار المرضى،وهي مركبة من كلمتين:”بيمار” وتعنى: المريض أو المصاب،و”ستان” وتعنى:الدار أو المكان،ثم اختصر اللفظ بعد ذلك إلى”مارستان”،وأصبح يطلق حتى الآن على مصحة الأمراض العقلية.وقد نشأت البيمارستانات في مدينة”جُنديسابور” بفارس قبل الإسلام بنحو ثلاثة قرون،على أيدي طائفة من الأطباء النسطوريين الذين هربوا من اضطهاد الرومان الشرقيين لهم.

و”البمارستان” أحد المنشآت والعمائر الإسلامية،كالمساجد والمدارس،والتكايا التي كان يشيدها الخلفاء والسلاطين والملوك والأمراء والسراة صدقة وحِسبة لله تعالى.ولم تكن وظيفتها تقتصر على مداواة المرضى وعلاجهم،بل كانت في الوقت نفسه معاهد علمية ومدارس لتعليم الطب،يتخرج فيها المُطبّبون والجراحون والكحالون والصيادلة.وكان بعضها ثابتاً في المكان الذي أقيم عليه،وبعضها الآخر متنقلاً مع الجيوش في الحرب أو مع الخلفاء والأمراء في أسفارهم،أو بحسب ظروف الأمراض والأوبئة وانتشارها في البلدان التي تخلو من البيمارستانات الثابتة.

وأول مستشفى غير ثابت أقيم في الإسلام هو الذي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بإقامته أثناء غزوة الخندق،فعن عائشة رضي الله عنها قالت:”أصيب سعد بن معاذ يوم الخندق،رماه رجل من قريش يقال له حبّان بن العَرِفة،رماه في الأكحل،فضرب النبي صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب”(صحيح البخاري).

وقال ابن إسحاق المتوفى سنة (151 هجري الموافق 768م):كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لإمرأة من”أسلم” يقال لها:”رُفيدة” في مسجده،كانت تداوى الجرحى،وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضَيعة من المسلمين،وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لقومه حين أصابه(يعني سعداً) السهم بالخندق:”اجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعوده من قريب”(سيرة ابن هشام).

وأما أول مستشفى ثابت في الإسلام،فهو ما بناه الوليد بن عبد الملك سنة(88هجري الموافق 706م) وجعل فيه كما يقول المقريزي:”الأطباء وأجرى لهم الأرزاق”،وأمر بحبس المجذَّمين،لئلا يخرجوا، وأجرى عليهم وعلى العميان الأرزاق”.

وأول مستشفى للجذام بناه المسلمون في سنة 707م بدمشق.في حين أن أوربا كانت تنظر إلى الجذام على أنه غضب من الله يستحق الإنسان عليه العقاب حتى أصدر الملك فيليب أمره سنة 1313م بحرق جميع المجذومين في النار.

وكانت المستشفيات الثابتة في أول عهدها بسيطة،ثم تطورت كبيراً في عهد العباسيين،وكثر بناؤها في مختلف البلاد الإسلامية،حتى عمّت القاهرة ودمشق وبغداد وقرطبة التي كان بها وحدها خمسون مستشفى في أواسط القرن الرابع الهجري،وغيرها من حواضر العالم الإسلامي.

ويشتمل المستشفى الكبير الجامعي على قاعة كبيرة للمحاضرات والدرس وامتحان الأطباء الجدد وملحق بها مكتبة طبية ضخمة تشمل على المخطوطات الطبية.والمشاهد لهذه المستشفيات سيجدها أشبه بالقصور الضخمة والمتسعة،بل والمنيفة.وحول المبنى الحدائق ومن بينهاحديقة تزرع فيها الأعشاب الطبية.

ولم يأت منتصف القرن العاشر ميلادي حتى كان في قرطبة بالأندلس وحدها خمسون مستشفى وأكثر منها في دمشق وبغداد والقاهرة والقيروان علاوة على المستشفيات المتنقلة والمستشفيات الميدانية لجرحى الحرب،والمستشفيات التخصصية كمستشفيات الحمّيات التي كان بها معزل طبي لعزل الامراض المعدية.

وفيها كان يبرد الجو وتلطف الحرارة بنوافير المياه أو بالملقف الهوائية،وكان هناك مستشفيات للجراحة كان يشترط فيها الجو الجاف ليساعد على التئام الجروح.

واشتهر من هذه البيمارستانات العامة التي استمرت طويلاً أربعة، هي:

1 ـ البيمارستان العَضُديُّ ببغداد:

وهو من أعظم إنجازات عضد الدولة البويهي ،أقامه سنة 371هجري في الجانب الغربي من بغداد،وزوده بما يحتاج إليه من الأطباء والممرضين والخدم والطباخين والأدوات والأدوية،وألحق به بيمارستاناً للمجانين،وكان يعمل به مايزيد عن ستين طبيباً في مختلف الاختصاصات،استقدم بعضهم من أماكن مختلفة ومن هؤلاء الأطباء:جبرائيل بن عبيد الله بختيشوع،وأبو يعقوب الأهوازي،وأبو عيسى بقية،والكحال أبو نصر الرحبي،وأبو الحسن ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة،وكان يتولى رئاسة الأطباء في البيمارستان.

والفضل في بناء هذا البيمارستان يعود إلى النابغة بن النابغة سنان بن ثابت بن قرة الحراني،فقد اجتاح وباء الطاعون بغداد في عهد الوزير “علي بن عيسى الجراح” فأشار سنان على الوزير بوجوب اتخاذ بيمارستان تدبراً لما طرأ.فسارع الوزير إلى اتخاذ مستشفى على حسابه الخاص وسماه البيمارستان العضدي.

2 ـ البيمارستان النُّوريُّ الكبير بدمشق.

3 ـ البيمارستان المنصوري الكبير بالقاهرة

4 ـ بيمارستان مراكش.

ومن البيمارستانات الأخرى:البيمارستان المقتدري والذي أسسه الخليفة المقتدر في محلة باب الشام في سنة 306هجري الموافق 918م.

وكان اختيار موقع البيمارستان يتم بعد بحث وتفكير،لاختيار أفضل الأماكن صحة،وأكثرها جمالاً،فقد رُوى أن عضد الدولة استشار أبا بكر الرازي الطبيب المعروف المُتوفى سنة 313هجري الموافق 925م،ليختار له مكاناً لبناء مستشفى يحمل اسمه(البيمارستان العضدي)،فطلب الرازي أن تعلق قطعة لحم في كل ناحية من نواحي بغداد واعتبر الناحية التي لم يتغير اللحم فيها هي أنسب الأماكن لإقامة هذا المستشفى.

وعندما أراد الناصر صلاح الدين أن يبنى المستشفى الناصري في القاهرة اختار لهذا الغرض أحد قصوره الفخمة البعيدة عن الضوضاء.

وكانت البيمارستانات الكبرى تسير وفق نظام وترتيب دقيقين،فكانت بوجه عام تنقسم إلى قسمين منفصلين،أحدهما للذكور والآخر للإناث.وفي كل قسم من هذين القسمين عدة قاعات فسيحة حسنة البناء لمختلف الأمراض،فقاعة للأمراض الباطنة،وقاعة للجراحة،وقاعة للكحالة،وقاعة للتجبير.وكانت قاعة الأمراض الباطنة تنقسم بدورها إلى أقسام أخرى،كقسم المحمومين وهم المصابون بالحُمّى وقسم لمن به إسهال،وقسم الممرورين،وهم الذين فسد مزاجهم أو أصابهم ضرب من الاضطرابات يتميز بالإنفعال الشديد،ويسميه الأطباء(مانيا).

وكان لكل قسم من هذه الأقسام خدم وفراشون ومشرفون من الرجال والنساء يقومون على خدمة المرضى وتقديم الطعام والعلاج لهم،ويقوم بالعمل الطبي في تلك البيمارستانات مجموعة من الأطباء الإخصائيين في مختلف فروع الطب من كحالة وجراحة وتجبير ،يتنابون العمل فيما بينهم.ولكل طائفة منهم رئيس يديرها ويأذن لها بالتطبيب.وكان رئيس الأطباء يتفقد أحوال المرضى ومعه معاونوه،وإذا احتاج الأمر إلى استشارة دُعي الأطباء والإخصائيون من قسم آخر غير الذي يقيم فيه المريض.

ونشأ إلى جانب نظام العلاج في الأقسام الداخلية نظام للعلاج الخارجي،فيذكر ابن أبي أصيبعة أن الطبيب كان يجلس على”دِكّة” ،ويكتب لمن يرد عليه من المرضى أوراقاً يعتمدون عليها ويأخذون بها الأدوية والأشربة من البيمارستان،ليتابع العلاج في بيته.وكانت صيدلية البيمارستان تعد جزءاً مهماًمن مرافقه،يقوم عليها الصيادلة وتحتوي على العديد من الأدوية والأشربة والعطريات والمعاجين وغيرها من أصناف شتى.

ويقوم على إدارة البيمارستان “ناظر” يشرف على إدارة الأموال والأوقاف المخصصة له،وهذا المنصب من الوظائف الديوانية العظيمة في الدولة،ولكل قسم من أقسام البيمارستان”قائم” يتولى إدارته،ويتفقد أحوال المرضى فيه.وكانت رواتب العاملين في البيمارستان تدفع من ريع وقفٍ مخصص لهذا الغرض.

ويتفق معظم المؤرخين على أن البيمارستانات الكبيرة التي أنشئت في عصر ازدهار الحضارة الإسلامية،كانت على جانب كبير من التنظيم والرقى،ومن ذلك المستشفى المنصوري،الذي أنشأه السلطان المنصور قلاوون سنة 682هجري الموافق 1283م،على مساحة كبيرة تبلغ عدة أفدنة،إلى جانب مسجده ومدرسته.وتشهد آثاره الباقية على ما كان عليه من روعة في البناء وجمال في التنظيم.

ونقلت المستشرقة الألمانية”سيغريد هونكه”في كتابها”شمس العرب تسطع على الغرب”،رسالة بعث بها أحد المرضى لأبيه،تبين ما وصلت إليه المستشفيات الكبرى في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية من رُقي،جاء فيها:”

“لقد سجلوا اسمى بعد المعاينة،وعرضوني على رئيس الأطباء،ثم حملني ممرض إلى قسم الرجال.فحممني حماماً ساخناً،وألبسنى ثياباً نظيفة من المستشفى…واليوم صباحاً جاء ـ كالعادة ـ رئيس الأطباء مع رهط كبير من معاونيه،ولما فحصني،أملى على طبيب القسم شيئاً لم أفهمه.وبعد ذهابه أوضح لي الطبيب أنه بوسعى الخروج قريباً من المستشفى صحيح الجسم معافى,وإني والله لكاره هذا الأمر!فكل شىء هنا جميل للغاية ونظيف جداً،الأسرّة وثيرة،وأغطيتها من الدِّمقس الأبيض والمُلاء بغاية النعومة والبياض كالحرير.وفي كل غرفة من غرف المستشفى تجد الماء جارياً فيها على أشهى ما يكون.وفي الليالي القارسة تُدفا كل الغرف”.

وفي الوقت الذي كانت فيه البيمارستانات على هذا النحو من الرقى والتنظيم كانت مستشفيات الغرب على النقيض من ذلك.ويستدل على هذا بما جاء في كتاب المستشرقة الألمانية “سيجريد هونكه” حيث وصفت مستشفى”أوتيل ديو”وهو أقدم مستشفى في باريس في القرون الوسطى بقولها:”كان ثمة قش كبير موضوع على الأرض،تزاحم عليه المرضى،وأقدام بعضهم إلى جانب رؤوس الآخرين..الأطفال قرب الشيوخ،والرجال بجانب النساء بشكل يدعو إلى العجب.وكان قرب المتوعكين توعكاً بسيطاً أناسٌ ذوو أمراض مُعدية،وأناس كثيرون،منهم الحُبلى التي تعانى آلام المخاض،والطفل الذي يعاني سكرات الموت،ومريض السل الذي مزّق صدره السعال يبصق دماً،والمصاب بالمرض الجلدي يمزق جسمه بأظافره حكاً.والطعام سىء،ويقدم لهم على فترات متباعدة بكميات ضئيلة جداً…وكان المبنى الذي يضم المرضى يزدحم بأخطر الحشرات،أضف إلى ذلك فساد الهواء في الداخل لدرجة لا تطاق ولا تُحتمل.وكانت جثث الموتى من المرضى تترك حتى يدبّ فيها الفساد،فتفوح الروائح النتنة في الأجواء…”.

وقد جاء في كتاب”الموجز في تاريخ الطب والصيدلة عند العرب” ما يفيد بأن مؤرخ الطب المعروف “مايرهوف” قد أوضح أن المستشفيات الأوربية لم يبدأ مستواها في التحسن إلا إبان الحروب الصليبية ونتيجة لها،فالمستشفيات التي ظهرت في أوربا خلال القرن السابع للهجري الموافق الثالث عشر الميلادي كانت تقليداً للمستشفيات الراقية التي شاهدها الصليبيون في الشرق الإسلامي أثناء الحروب الصليبية”.

وجاء في ويكيبيديا الموسوعة الحرة:

“كان إنشاء البيمارستانات سِمة متبعة في كل مكان بالدولة الإسلامية يقدم بها الخدمة المجانية من العلاج والدواء والغذاء ومساعدة أسر المرضى المعوزين.وكان الهدف من إنشاء هذه المستشفيات غرضاً طبياً وعلاجياً.عكس المستشفيات في أوربا وقتها كانت عبارة عن غرف للضيافة ملحقة بالكنائس والأديرة لتقدم الطعام لعابري السبيل أو ملاجىء للعجزة والعميان والمقعدين ولم تكن للتطبيب.وكان يطلقون على هذه الغرف كلمة مضيفة،وهي مشتقة من كلمة ضيافة.وأول مستشفى بني بإنجلترا في القرن الرابع عشر ميلادي.بعد انحسار الحروب الصليبية عن المشرق العربي،بعدما أخذ الصليبيون نظام المستشفيات الإسلامية والطب العربي عن العرب”.

وجاء في كتاب “من روائع حضارتنا للأستاذ الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله مقال بعنوان”المستشفيات والمعاهد الطبية”:

“من المبادىء التي قامت عليها حضارتنا،جَمعها بين حاجة الجسم وحاجة الروح،واعتبارها العناية بالجسم ومطالبه ضرورية لتحقيق سعادة الإنسان وإشراق روحه،ومن الكلمات المأثورات عن واضع أسس هذه الحضارة رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إن لجسدك عليك حقاً”(رواه الشيخان)،ومن الملاحظ في عبادات الإسلام تحقيقها أهم غرض من أغراض علم الطبّ وهو حفظ الصحة فالصلاة والصيام والحج وما تتطلبه هذه العبادات من شروط وأركان وأعمال،كلها تحفظ للجسم صحته ونشاطه وقوته،وإذا أضفنا إلى ذلك مقاومة الإسلام للأمراض وانتشارها،وترغيبه في طلب العلاج المُكافح لها،علمت أيّة أسس قوية قامت عليها بناء حضارتنا في ميدان الطب.ومبلغ ما أفاده العالم من حضارتنا في إقامة المشافي والمعاهد الطبية،وتخريج الأطباء الذين لا تزال الإنسانية تفخر بأياديهم على العلم عامة والطبّ خاصة.

عرف العرب مدرسة جنديسابور الطبية التي أنشأها كسرى في منتصف القرن السادس الميلادي وتخرج فيها بعض أطبائهم،كالحارث بن كلدة الذي عاش في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وكان يشير على أصحابه بالتداوي عنده حين تنتابهم الأمراض.وفي عهد الوليد بن عبد الملك أنشىءأول مستشفى في الإسلام،وهو خاص بالمجذومين،وجعل فيه الأطباء،وأجرى لهم الأرزاق،وأمر بحبسهم لئلا يخرجوا،وأجرى عليهم وعلى العميان الأرزاق،ثم تتابع إنشاء المشافي،وقد كانت تعرف باسم”البيمارستانات” أي دور المرضى.

وكانت المستشفيات نوعين:نوعاً متنقلاً،ونوعاً ثابتاً،أما المتنقل،فأول ماعرف في الإسلام في حياة النبي صلى الله عليه وسلم،في غزوة الخندق،إذ ضرب خيمة للجرحى فلما أصيب سعد بن معاذ في أكحله(عرق في الذراع يُفصد) قال صلى الله عليه وسلم ::اجعلوه في خيمة رفيدة،حتى أعوده من قريب”،وهو أول مستشفى حربي متنقل في الإسلام،ثم توسع فيه الخلفاء والملوك من بعد،حتى أصبح المستشفى المتنقل مجهزاً بجميع ما يحتاجه المرضى،من علاج وأطعمة وأشربة وملابس وأطباء وصيادلة،وكان ينقل من قرية إلى قرية في الأماكن التي لم يكن فيها مستشفيات ثابتة.

كتب الوزير عيسى بن علي الجراح إلى سنان بن ثابت،وكان يتولى النظر على مستشفيات بغداد وغيرها:”فكرت فيمن بالسواد ـ أي القرى ـ من أهله،وأنه لا يخلو من أن يكون فيه مرضى ولا يشرف مُتطبب عليهم لخلو السواد من الأطباء،فتقدم بإيفاء متطببين(أي أطباء) وخزانة من الأدوية والاشربة يطوفون السواد،ويقيمون في كل صقع منه مدة ماتدعو الحاجة إلى مقامهم،ويعالجون من فيه،ثم ينتقلون إلى غيرهأ”.وقد بلغ بعض المستشفيات المتنقلة في أيام السلطان محمود السلجوقي حداً من الضخامة بحيث كان يحمل على أربعين جملاً.

وأما المستشفيات الثابتة،فقد كانت كثيرة تفيض بها المدن والعواصم،ولم تخل بلدة صغيرة في العالم الإسلامي يومئذ من مستشفى فأكثر،حتى ان قرطبة وحدها كان فيها خمسون مستشفى.

وتنوعت المستشفيات،فهناك مستشفيات للجيش يقوم عليها أطباء مخصوصون،عدا عن أطباء الخليفة والقواد والأمراء،وهناك مستشفيات للمساجين،يطوف عليهم الأطباء في كل يوم فيعالجون مرضاهم بالأدوية اللازمة،ومما كتب به الوزير علي بن عيسى بن الجراح إلى سنان بن ثابت رئيس أطباء بغداد:”فكرت في أمر من في الحبوس،وأنه لا يخلو مع كثرة عددهم وجفاء أماكنهم أن تنالهم الأمراض، فينبغي أن تفرد لهم أطباء يدخلون إليهم في كل يوم،وتحمل إليهم الأدوية والأشربة،ويطوفون في سائر الحبوس،ويعالجون فيها المرضى”.

وهناك محطات للإسعاف كانت تقام بالقرب من الجوامع والأماكن العامة التي يزدحم فيها الجمهور،ويحدثنا المقريزي أن ابن طولون حين بنى جامعه الشهير في مصر عمل في مؤخره ميضأة وخزانة شراب(أي صيدلية أدوية) وفيها جميع الشرابات والأدوية،وعليها خدم،وفيها طبيب جالس يوم الجمعة،لمعالجة من يصابون بالأمراض من المصلين.

وهناك المستشفيات العامة،التي كانت تفتح أبوابها لمعالجة الجمهور،وكانت تقسم إلى قسمين منفصلين بعضهما عن بعض:قسم للذكور،وقسم للإناث،وكل قسم فيه قاعات متعددة،كل واحدة منها لنوع من الأمراض،فمنها للأمراض الداخلية،ومنها للعيون،ومنها للجراحة،ومنها للكسور والتجبير،ومنها للأمراض العقلية،وقسم الأمراض الداخلية كان مقسماً إلى غرف أيضاً،فغرف للحميّات،وغرف للإسهال،وغير ذلك،ولكل قسم أطباء عليهم رئيس،فرئيس للامراض الباطنية،ورئيس للجراحين والمجبرين،ورئيس للكحالين(أطباء العيون)،ولكل الأقسام رئيس عام يسمى(ساعور) وهو لقب لرئيس الأطباء في المستشفى.وكان الأطباء يشتغلون بالنوبة،ولكل طبيب وقت معين يلازم فيه قاعاته التي يعالج فيها المرضى.وفي كل مستشفى عدد من الفراشين من الرجال والنساء والممرضين والمساعدين،ولهم رواتب معلومة وافرة.وفي كل مستشفى صيدلية كانت تسمى”خزانة الشراب” فيها أنواع الاشربة والمعاجين النفيسة،والمربيات الفاخرة،وأصناف الأدوية،والعطورات الفائقة التي لا توجد إلا فيها،وفيها من الآلات الجراحية والأواني الزجاجية والزبادى وغير ذلك،ما لا يوجد إلا في خزائن الملوك.

وكانت المستشفيات معاهد طبية أيضاً،ففي كل مستشفى إيوان كبير(قاعة كبيرة) للمحاضرات،يجلس فيه كبير الأطباء ومعه الأطباء والطلاب،وبجانبهم الآلات والكتب،فيقعد التلاميذ بين يدي معلمهم،بعد أن يتفقدوا المرضى وينتهوا من علاجهم،ثم تجري المباحث الطبية والمناقشات بين الأستاذ وتلاميذه،والقراءة في الكتب الطبية،وكثيراً ماكان الأستاذ يصطحب معه تلاميذه إلى داخل المستشفى ليقوم بإجراء الدروس العملية لطلابه على المرضى بحضورهم،كما يقع اليوم في المستشفيات الملحقة بكليات الطب،قال ابن أبي أصيبعة،وهو ممن درس الطب في البيمارستات النوري بدمشق:”وكنت بعدما يفرغ الحكيم مهذب الدين والحكيم عمران من مهالجة المرضى المقيميمين بالبيمارستان وأنا معهم،أجلس مع الشيخ رضي الدين الرحبي فأعاين كيفية استدلاله على الأمراض وجملة ما يصفه للمرضى وما يكتب لهم،وأبحث معه في كثير من الأمراض ومداواتها”.

وكان لايسمح للطبيب بالإنفراد بالمعالجة حتى يؤدي امتحاناً أمام كبير أطباء الدولة،يتقدم إليه برسالة في الفن الذي يريد الحصول على الإجازة في معاناته،وهي من تأليفها و تأليف أحد كبار علماء الطب،له عليها دراسات وشروح فيمتحنه فيها ويسأله عن كل مايتعلق بما فيها من الفن،فإذا أحسن الإجابة أجازه كبير الأطباء بما يسمح له بمزاولة مهنة الطب،وقد اتفق في عام 319هجري الموافق 932م في أيام الخليفة المقتدر أن بعض الأطباء أخطأ في علاج رجل فمات،فأمر الخليفة ان يمتحن جميع أطباء بغداد من جديد،فامتحنهم سنان بن ثابت كبير أطباء بغداد،فبلغ عددهم في بغداد وحدها ثمانمائة طبيب ونيفاً وستين طبيباً،هذا عدا عمن لم ليمتحنوا من مشاهير الأطباء،وعدا عن أطباء الخليفة والوزراء والامراء.

ولا يفوتنا أن نذكر أنه كان يلحق بكل مستشفى مكتبة عامرة بكتب الطب وغيرها مما يحتاجه الأطباء وتلاميذهم،حتى قالوا:إنه كان في مستشفى ابن طولون بالقاهرة خزانة كتب تحتوي على مايزيد على مائة ألف مجلد في سائر العلوم.

أما نظام الدخول إلى المستشفيات،فقد كان مجاناً للجميع،لافرق بين غني وفقير وبعيد وقريب،ونابه وخامل،يُفحص المرضى أولاً بالقاعة الخارجية،فمن كان به مرض خفيف يكتب له العلاج،ويُصرف من صيدلية المستشفى،ومن كانت حالته المرضية تستوجب دخوله المستشفى كان يقيد اسمه،ويدخل إلى الحمام،وتخلع عنه ثيابه فتوضع في مخزن خاص،ثم يعطى ثياباً خاصة للمستشفى،ويدخل إلى القاعة المخصصة لأمثاله من المرضى،ويخصص له سرير مفروش بأثاث جيد،ثم يعطى الدواء الذي يعينه الطبيب،والغذاء الموافق لصحته،بالمقدار المفروض له،وكان غذاء المرضى يحتوي على لحوم الأغنام والبقار والطيور والدجاج،وعلامة الشفاء أن يأكل المريض رغيفاً كاملاً ودجاجة كاملة في الوقعة الواحدة،فإذا أصبح في دور النقاهة أدخل القاعة المخصصة للناقهين،حتى إذا تم شفاؤه أعطي بدلة من الثياب جديدة،ومبلغاً من المال يكفيه إلى أن يصبح قادراً على العمل.وكانت غرف المستشفى نظيفة تجري فيها المياه،وقاعاته مفروشة بأحسن الأثاث،ولكل مستشفى مفتشون على النظافة،ومراقبون للقيود المالية،وكثيراً ما كان الخليفة أو الأمير يتفقد بنفسه المرضى ويشرف على حسن معاملتهم.

هذا هو النظام السائد في جميع المستشفيات التي كانت قائمة في العالم الإسلامي،سواء في المغرب أم في المشرق..في مستشفيات بغداد ودمشق والقاهرة والقدس ومكة والمدينة والمغرب والاندلس…وسنقتصر في حديثنا على أربع مستشفيات في أربع مدن من عواصم الإسلام في تلك العصور.

1 ـ المستشفى العضدي ببغداد:

بناه عضد الدولة بن بويه عام371هجري بعد أن اختار الرازي الطبيب المشهور مكانه بأن وضع أربع قطع لحم في أربعة أنحاء بغداد ليلاً،فلما أصبح وجد أحسنها رائحة في المكان الذي أقيم عليه المستشفى فيما بعد،فأقيم المستشفى وأنفق عليه مالاً عظيماً،وجمع له من الأطباء أربعة وعشرين طبيباً،وألحق به كل مايحتاج إليه من مكتبة علمية وصيدلية ومطابخ ومخازن.وفي عام 449هجري جدّد الخليفة القائم بأمر الله هذا المستشفى،وجمع فيه من الأشربة والأدوية والعقاقير التي يعزّ وجودها كثيراً،وأقام الفرش واللحف للمرضى،والعطورات الطبية والأسرة والثلج والمستخدمين والأطباء والفراشين،وله بوابون وحراس،وفيه حمام،وبجانبه بستان قد حوى كل أنواع الثمار والبقول،والسفن على مائه تنقل الضعفاء والفقراء،والأطباء يتناوبونهم بكرة وعشية،ويبيتون عندهم بالنوبة.

2 ـ المستشفى النوري الكبير بدمشق:

أنشأه السلطان الملك العادل نور الدين الشهيد سنة 549هجري 1154م،من مال أخذه فدية من أحد ملوك الفرنج،وكان حين بنائه من أحسن مابني من المستشفيات في البلاد كلها،شرط فيه أنه على الفقراء والمساكين،وإذا اضطر الأغنياء إلى الأدوية التي فيه يسمح لهم بها،وكان الشراب فيه والدواء مباحاً لكل مريض يقصده.

وقد دخله ابن جبير الرحالة عام 580هجري فوصف عناية الأطباء بالمرضى وتفقدهم لشؤونهم،وإعداد ما يصلحهم من الأدوية والأغذية،وكان فيه قسم خاص بالأمراض العقلية،يوثق فيه المجانين بالسلاسل مع العناية بعلاجهم وغذائهم،ويذكر بعض المؤرخين أنه زار دمشق عام 831هجري رجل أعجمي من أهل الفضل والذوق واللطافة،فلما دخل المستشفى النوري،ونظر إلى كثرة أطبائه،وحسن العناية بمرضاه،وما يحتويه من المآكل والتحف واللطائف التي لا تحصى،أراد أن يختبر معرفة أطبائه،فتمارض وأقام به ثلاثة أيام ورئيس الأطباء يتردد إليه ليختبر ضعفه،فلما جسّ نبضه علم أنه غير مريض،وأنه إنما أراد اختبار أطبائه،فوصف له الأطعمة الحسنة والدجاج المسمنة والحلوى والاشربة والفواكه المتنوعة،ثم بعد ثلاثة أيام كتب له ورقة يقول فيها:إن الضيافة عندنا ثلاثة أيام…فعرف الأعجمي أنهم فطنوا لقصده،وأنهم استضافوه في المستشفى هذه المدة كلها.

وقد استمر هذا المستشفى يقوم بعمله العظيم حتى سنة 1317هجري حيث أنشىء مستشفى الغرباء.وهو المستشفى الذي تشرف عليه الآن كلية الطب في الجامعة السورية.فأقفل المستشفى النوري ثم استعمل مدرسة أهلية.

3 ـ المستشفى المنصوري الكبير:

المعروف بمارستان قلاوون،كان داراً لبعض الأمراء،فحولها الملك المنصور سيف الدين قلاوون إلى مستشفى عام 683هجري 1284م،وأوقف عليه ما يغل عليه ألف درهم في كل سنة،وألحق به مسجداً ومدرسة ومكتباً للأيتام. قالوا:وكان سبب بنائه أن الملك المنصور قلاوون،لما توجه وهو أمير إلى غزو الروم،في أيام الظاهر بيبرس عام 1275م أصابه بدمشق مرض، فعالجه الأطباء بأدوية أخذت له من المستشفى النوري الكبير،فبرأ،وركب حتى شاهد المستشفى بنفسه،فأعجب به ونذر لله إن آتاه الله الملك أن يبني مثله، فلما صار سلطاناً اختار هذه الدار فاشتراها وحولها إلى مستشفى.وكان آية من آيات الدنيا في التنظيم والترتيب،جعل الدخول إليه والانتفاع منه مباحاً لجميع الناس من ذكر وأنثى وحر وعبد وملك ورعية،وجعل لمن يخرج منه من المرضى عند برئه كسوة،ومن مات جُهز وكُفّن ودُفن.وعين فيه الأطباء من مختلف فروع الطب،كما وظف له الفراشين والخدمة لخدمة المرضى وإصلاح أماكنهم وتنظيفها وغسل ثيابهم وخدمتهم في الحمام،بحيث كان لكل مريض شخصان يقومان بخدمته،وجعل لكل مريض سريراً وفرشاً كاملاً،وأفرد لكل طائفة من المرضى أماكن تختص بهم،ورتب فيه مكاناً يجلس فيه رئيس الأطباء لإلقاء دروس الطب على الطلبة.ومن أروع مافيه أن الاستفادة منه ليست مقصورة على من يقيم فيه من المرضى،بل رتب لمن يطلب وهو في منزله ما يحتاج إليه من الأشربة والأغذية والأدوية…وأدى هذا المستشفى عمله الإنساني الجليل حتى أخبر بعض أطباء العيون الذين عملوا فيه أنه كان يعالج فيه كل يوم من المرضى الداخلين إليه والناقهين الخارجين أربعة آلاف نفس،ولا يخرج منه كل من يبرأ من مرض حتى يعطى كسوة للباسه ودراهم لنفقاته حتى لا يضطر للالتجاء إلى العمل الشاق فور خروجه.

ومن أروع مافيه أيضاً،النص في وقفيته على أن يقدم طعام كل مريض بزبدية خاصة به من غير أن يستعملها مريض آخر،ووجوب تغطيتها وإيصالها إلى المريض بهذا الشكل.

ومن أروع مافيه أيضاً،أن المؤرّقين فيه من المرضى كانوا يعزلون في قاعة منفردة يشنفون فيها آذانهم بسماع ألحان الموسيقى الشجية،أو يتسلون باستماع القصص يلقيها عليهم القصاص،وكان الناقهون منهم تمثل أمامهم الروايات المضحكة،ومشاهد من الرقص البلدي(الذي يتعارفه أهل القرى)،وكان المؤذنون في المسجد الملاصق له يؤذنون في السحر قبل ميعاد الفجر بساعتين،وينشدون الأناشيد بأصوات ندية تخفيفاً لآلام المرضى الذين يضجرهم السهر وطول الوقت.وقد استمرت هذه العادة حتى دخول الحملة الفرنسية إلى مصر عام 1798م فشاهدها العلماء الفرنسيون بأعينهم وكتبوا عنها.وهذا لعمر الله سمو إنساني عجيب،وفطنة طيبة لم يتنبه إليها العالم الحديث إلا في العصر الحديث.

4 ـ مستشفى مراكش:

وهو الذي أنشأه أمير المؤمنين المنصور أبو يوسف من ملوك الموحدين بالمغرب.تخير ساحة فسيحة في مراكش بأعدل موضع فيها،وأمر البنائين باتقانه على أحسن الوجوه،وامر أن يغرس فيه من جميع الأشجار والمشمومات والمأكولات،وأجرى فيه مياهاً كثيرة تدور على جميع البيوت زيادة على أربع برك في وسط إحداها رخام أبيض،ثم أمر له من الفرش النفيسة من أنواع الصوف والكتان والحرير والأديم وغيره مالايوصف،وأقام فيه الصيادلة لعمل الأشربة والأدهان والأكحال،وأعد فيه للمريض ثياب ليل ونهار للنوم من جهاز الصيف والشتاء،فإذا نقه المريض فغن كان فقيراً أمر له عند خروجه بمال يعيش به ريثما يشتغل،وإن كا ن غنياً دفع إليه ماله.ولم يقصره على الفقراء دون الأغنياء،بل كل من مرض بمراكش من غريب حمل إليه وعولج حتى يشفى أو يموت.وكان في كل جمعة يزوره ويعود المرضى ويسأل عن أحوالهم وعن معاملة الاطباء والممرضين لهم.

وبعد،فهذه نماذج أربعة من مئات المستشفيات التي كانت منتشرة في شرق العالم الإسلامي وغربه،يوم كانت أوربة تتيه في ظلام الجهل ولا تعرف شيئاً من هذه المستشفيات ودقتها ونظافتها وسمو العاطفة الإنسانية فيها،وإليك ماقاله المستشرق الألماني”ماكس مايرهوف” عن حالة المستشفيات في أوروبا في العصر الذي كانت فيه المستشفيات في حضارتنا كما وصفناها…يقول:”إن المستشفيات العربية ونظم الصحة في البلاد الإسلامية الغابرة لتلقي علينا الآن درساً قاسياً مرّاً لا نقدره حق قدره إلا بعد القيام بمقارنة بسيطة مع مستشفيات أوروبا في ذلك الزمن نفسه”.

مرّ أكثر من ثلاثة قرون على أوربا،اعتباراً من زمننا هذا،قبل أن تعرف للمستشفيات العامة معنى،ولا نبالغ إذا قلنا بأنه حتى القرن الثامن عشر 1710م والمرضى يعالجون في بيوتهم أو في دور خاصة كانت المستشفيات الأوربية قبلها عبارة عن دور عطف وإحسان،ومأوى لمن لا مأوى له،مرضى كانوا أم عاجزين،وأصدق مثال لذلك هو مستشفى”أوتيل ديو” بباريس،أكبر مستشفيات أوربا في ذلك العصر،وصفه كل من ماركس توردو وتينون بما يلي:

“يحتوي المستشفى على 1200 سرير،منها 486 خصصت لنفر واحد،أما الباقي ـ ولم تكن سعة الواحد منها تتجاوز خمسة أقدام ـ فتجد فيها عادة مايتراوح بين ثلاثة مرضى وستة،وكانت الردهات الكبرى عفنة كثيرة الرطوبة،لا منافذ تهوية فيها،مظلمة دوماً،ترى فيها في كل حين حوالي 800 مريض يفترشون الارض وهم مكدسون بعضهم فوق بعض،على القاع أو على كوم من القش ،في حالة يرثى لها…إنك لتجد في السرير ذي الحجم المتوسط أربعة أو خمسة أو ستة مرضى متلاصقين،قدم أحدهم على رأس الثاني،تجد أطفالاً بجانب شيوخ،ونساء بجانب رجال،تجد امرأة في المخاض مع طفل في حالة تشنج مصاب بالتيفوس يحترق في بحران الحمى،وكلاهما إلى جنب مريض بداء جلدي يحك جلده المهترىء بأظفاره الدامية فيجري قيح البثور على الأغطية. وطعام المرضى من أخس مايتصوره العقل،يوزع عليهم بكميات قليلة للغاية،وفي فترات متباعدة لا نظام فيها.واعتادت الراهبات أن يحابين المرضى الطائعين المنافقين على حساب الآخرين،فيسقينهم الخمور،ويصلنهم بالحلوى والمآكل الدسمة مما يتفضل به المحسنون في الوقت الذي هم فيه أحوج إلى الحمية،فيموت الكثير منهم بالتخمة ويفطس غيرهم جوعاً.وكانت أبواب المستشفى مفتوحة في كل وقت وحين لكل رائح وغاد،وبهذا تنتشر العدوى بانتقالها،وبالفضلات وبالهواء النتن الملوث.وإن لم يتفضل المحسنون على المرضى ماتوا جوعاً،كما يموتون أحياناً بالتخمة أو من فرط السكر،والفرش حافلة بالحشرات الدنيئة وهواء الحجرات لا يطاق لفساده،حتى إن الخدم والممرضين لم يكونوا يجرؤون على الدخول إلا بعد وضع اسفنجة مبللة بالخلعلى أنوفهم.وتترك جثث الموتى 24 ساعة على الاقل قبل رفعها من السرير المشاع،وكثيراً ما تتفسخ الجثة وتتعفن وهي ملقاة بجانب مريض يكاد يطير صوابه”.

هذه مقارنة بسيطة بين حالة المستشفيات عندنا في عهود حضارتنا،وحالتها عند الغربيين في تلك العصور،وهي تدل على مبلغ الانحطاط العلمي الذي كان عليه القوم،والجهل الفاضح بأصول المستشفيات،بل بقواعد الصحى العامة البديهية.

ونختم هذا الحديث بالنتائج التي نحب أن نلفت الأنظار إليها بعد هذه المقارنات،أننا في حضارتنا كنا أسبق من الغربيين إلى تنظيم المستفيات بتسعة قرون على الاقل…وأن مستشفياتنا قامت على عاطفة إنسانية لا مثيل لها في التاريخ ولايعرفها الغربيون حتى اليوم…وأننا كنا أسبق الأمم إلى معرفة ما للموسيقى والأدب المضحك والإيحاء الذاتي من أثر بالغ في شفاء المرضى…وأننا بلغنا في تحقيق التكافل الاجتماعي حداً لم تبلغه الحضارة الغربية حتى اليوم حين نجعل الطب والعلاج والغذاء للمرضى بالمجان،بل حين كنا نعطي الفقير الناقه من المال ما ينفق على نفسه حتى يصبح قادراً علىى العمل…إن هذه نزعة إنسانية بلغنا فيها الذروة يوم كنا نحمل لواء الحضارة،فأين نحن منها اليوم،وأينمنها هؤلاء الغربيون؟

أشهر الأطباء العرب والمسلمين في عصر ازدهار الحضارة الإسلامية

هناك مجموعة كبيرة من الأطباء في عصر ازدهار الحضارة الإسلامية،ذكرنا الكثير منهم في الموقع في “التداوي بين الطب والإسلام،ذكرنا منهم : أبو بكر الرازي،وابن النفيس،وابن سينا،والحسن ابن الهيثم،وابن زهر الأندلسي ويمكن الرجوع إليهم ونذكر هنا بالتفصيل كوكبة أخرى من هؤلاء الأطباء ومنهم:

1 ـ ثابت بن قرة

ولد ثابت بن قرة في سنة 221هجري والموافق 834م في حران من أرض الجزيرة شمال العراق،بتركيا الآن.

وجاء في موقع “إسلام اون لاين:

“كان في بداية حياته صيرفياً في حرّان،وكان من الصابئة قبل أن يدخل الإسلام،فوقعت بينه وبين أهل مذهبه أشياء وأنكروها عليه فحرّم عليه رئيسهم دخول الهيكل،فخرج ثابت من حرّان إلى “كفر توثا” وهناك لقي محمد بن موسى شاكر الذي كان قيّماً على بيت الحكمة ببغداد فأعجب بذكاء ثابت ونبوغه وفصاحته،فاصطحبه معه إلى بغداد ووصله بالخليفة المعتضد الذي أكرمه وأغدق عليه العطايا والهبات وصارت له حظوة ومكانة عنده.

وكان ثابت يجمع بين عدد كبير من العلوم،وقد نبغ فيها جميعاً،فقد برع في الطبّ،كما نبغ في الرياضيات،وتفوق في الفلك،وأتقن عدداً من اللغات التي يترجم وينقل منها في مهارة واقتدارعلاوة على إتقانه وتمكنه من اللغة العربية..ومن ثم فقد جاءت ترجماته تتسم بالسهولة والوضوح،وعباراته سلسلة بسيطة.

وقد اتبع ثابت في ترجماته أسلوب الترجمة بالمعنى دون التقيد بالألفاظ الأصلية،،ولذلك فقد جاءت ترجماته أجود وأدقّ من الترجمة الحرفية التي قد يستغلق فيها المعنى ويلتوي المقصد.

ومن أهم ترجمات ثابت بن قرة :

ـ كتاب الكيموس لجالينوس

ـ كتاب جغرافيا في المعمورة وصفة الأرض لبطليموس

ـ كتاب الأرثما طيقي في علم العدد لينقوماخوس

ـ كتاب الأصول الهندسية المنسوب إلى أرخميدس

ـ كتاب الأشكال الكرّية لبطليموس

ـ كتاب الكرة المتحركة لأوطوليوقوس

يعد ثابت بن قرة أحد أعلام الرياضيات المعدودين في عصره،ولذا سمى “إقليدس العرب”.

وبرع في علم الهندسة حتى قيل عنه إنه أعظم هندسي عربي على الإطلاق.

كما يعدّ أحد الأطباء العرب المبرزين،وأحد أعلام عصره المعدودين،بل إن تأثيره قد امتد ليصل إلى القرون التالية له،فقد ظلت آثاره مرجعاً مهماً لطلاب العلم والباحثين في أنحاء الدنيا لعدة قرون.

وكان ثابت من أوائل الرواد في جانب مهم من جوانب الطب لم يتطرق إليه كثير من الأطباء في عصره،فقد كان له اهتمام بالأمراض الجلدية،ومستحضرات وأدوية التجميل ،حيث تحدث عن الأمراض التي تصيب سطح جلدة الوجه مثل الكلف والقوابي والآثار السود والبيض الناجمة عن الجدري…كما تحدث عن القروح والبرص والحكة والبهق بنوعيه:الأبيض والأسود،والسعفة والحزاز،وأمراض الشعر،وكذلك تحدث عن الهزال والسمنة وذكر أسبابها وآثارها ووسائل علاجها.

وتطرق إلى أمراض الرأس فذكر أنواع الصداع الذي يعتري الإنسان،كما تعرض لأنواع الشقيقة وذكر ما يقوي الرأس وينقي الدماغ من الأدوية والأغذية،كما تحدث عن الأغذية الضارة بالرأس والدماغ والذهنـ وأوضح الأثر الضار للدسم والدهون على صحة الإنسان،وكان له باع طويل في الأمراض العصبية والعقلية والنفسية.واستطاع أن يشخص السكتة الدماغية والصرع ويفرّق بينهما،كما وصف التشنج وذكر أسبابه وعلاجه،ووصف الأمراض النفسية مثل الماليخوليا.

وله أيضاً دراسات وأبحاث في مجال الأمراض الجنسية وأمراض الذكورة،وذكر أسبابها وأوضح أعراضها.كما تناول أمراض النساء والتوليد فتحدث عن اختناق الأرحام،وإدرار الطمث وحبسه،وأسباب الحمل وانقطاعه،وعسر الولادة وكيفية إخراج الجنين الميت والمشيمة.

واهتم أيضاً بطب الأطفال،وله آراء قيمة عن زيادة الحليب وانقطاعه،والأمراض التي تصيب الأطفال كالحصبة.

كما أثبت تفوقاً ونبوغاً في مجال طب العيون وتشريح العين،وتحدث عن بعض الأمراض التي تصيب العين كالرمد والساد وداء الزرق(الغلاكوم)كما ذكر ما يعتري العين من جحوظ أو غور،وتحدث عن ضعف البصر وذكر أسبابه والنصائح التي تقي منه.

وبرع في أمراض الأنف والأذن والحنجرة،وتحدث عن العلل التي تصيب الأنف من تغير رائحته وفقدان حاسة الشم ،وما يصيب الجهاز التنفسي من أمراض كالربو والزكام والنزلة،وفرق بين النزلة والزكام،ووصف بعض الأمراض مثل السل ،وتحدث عن أمراض القلب.

وتحدث أيضاً عن أمراض الفم والأسنان،وذكر علاجها،ووصف تركيب الأسنان ووظائفها،وتحدث عن أمراض اللثة وعلاجها.

وأتى بمعلومات دقيقة في أمراض الكلى والمثانة،وتكلم عن تشكل الحصيات فيهما،وذكر المواد الغذائية التي تسبب ذلك.وتعرض لأسباب إدرار البول،وذكر العديد من الأدوية والاغذية المدرة للبول،وتحدث عن التبول اللإرادي.

وأهم مؤلفاته الطبية:

ـ كتاب الذخيرة في علم الطب

ـ كتاب في علم العين وعللها ومداواتها

ـ كتاب في الجدري والحصبة

ـ كتاب الروضة في الطب

ـ رسالة في توليد الحصاة

ـ مقالة في صفات كون الجنين

ـ رسالة في اختيار الوقت لإسقاط النطفة

وبعد حياة حافلة بالعلم والعطاء توفى ثابت في 26 من صفر 288هجري الموافق 19 شباط عام 901م عن عمر بلغ 76 علما،تاركاً ثروة لا تنتهي من العلم والمعرفة.

2 ـ ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة

جاء في موقع إسلام أون لاين:

“ولد أبو الحسن ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة في أسرة عريقة،اشتهرت بالعلم والطب،ونشأ في بغداد ،وكان أبوه سنان طبيباً ماهراً،وقد خوّله الوزير”أبو عيسى بن الجراح”مهمة الإشراف على علاج المساجين في سجون الدولة،وتوفير الدواء والرعاية الصحية لهم.كما قلدّه البيمارستانات ببغداد وغيرها،فكان يقوم بعمله بمهارة وإتقان جعلته موضع ثقة الوزير “علي بن عيسى “والخليفة”المقتدر بالله “العباسي.

وكان جده هو الطبيب المعروف ثابت بن قرة.وكان ثابت بن سنان طبيباً نبيلاً،اطلع على كتب الأقدمين،وأضاف إليهاالعديد من خبراته ومشاهداته،وقد ساعده على التبحر في علوم الطب أنه نشأ في أسرة توارثت هذا العلم.

ولم يمنع اشتغاله بالطب عن اشتغاله بعلم آخر وهو علم التاريخ،ووضع فيه كتاباً مشهوراً،وقد جعله ذيلاً على “تاريخ الطبري”ونسج فيه على منواله إلا أن هذا الكتاب فُقد.ولذا يعتبر ثابت بن سنان طبيباً ومؤرخاً وكان أيضاً فيلسوفاً وأديباً وفلكياً.

وكان ثابت بن سنان أستاذاً للعديد من الدارسين والأطباء،وكان يدرس كتب أبقراط وجالينوس،وشارك في ترجمة كثير من الكتب الطبية من اللغات السريانية واليونانية وشرحها وإضافة معلومات جديدة إليها.

وكان لبراعته ومهارته وعلمه أكبر الأثر في توليه رئاسة بيمارستان بغداد خلفاً لأبيه ليكون عميداً لأطباء بغداد.

وتوفى ثابت بن سنان في 11 من ذي القعدة 365هجري الموافق 11

من تموز 975م.

3 ـ آل بختيشوع

جاء في دائرة المعارف الإسلامية ـ السفير ـ العدد33 ـ 34 ص 133:

“بختيشوع:

أسرة نبغ كثير من أفرادها في الاشتغال بمهنة الطب في العصر العباسي.وكلمة”بختيشوع” في السريانية تعنى “عبد المسيح”،ومن أشهر أفراد هذه الأسرة:

1 ـ بختيشوع بن جورجس:

هو أحد الأطباء المعروفين في القرن الثاني للهجرة الثامن الميلادي،ولايعرف تاريخ مولده. تعلم الطب على يد أبيه جورجس،وكان أمهر الأطباء في عصره،وخدم الخليفة المنصور العباسي،واتصل بختيشوع بالخليفة هارون الرشيد،وحظى عنده بمكانة عالية حتى صار رئيس الأطباء لمهارته وبراعته في الطب.

وكان هارون الرشيد يقول فيه:”كل من كانت له حاجة إلى فليخاطب بها جبريل،لأني أفعل كل ما يسألني فيه،ويطلبه مني”.

وتوفي قريباً من سنة 184هجري الموافق 800 م.وترك من المصنفات كتابه”كُنَّاش” وهو مختصر كتاب” التذكرة” صنفه لإبنه جبرائيل.

2 ـ جبرائيل بن بختيشوع:

تلقى الطب عن أبيه وعن “جالينوس” الطبيب المشهور حتى برع فيه،واتصل بوزير هارون الرشيد “جعفر بن يحيى البرمكي”المُتوفى سنة 187هجري الموافق 803م،وصار طبيبه الخاص بعد ترشيح أبيه بختيشوع له قائلاً:هو أمهر منّي في الصناعة(مهنة الطب)،ثم اتصل جبرائيل بعد ذلك بهارون الرشيد وبإبنيه الأمين والمأمون،وبكبار رجال الدولة،وأُغدقت عليه الأموال،وارتفعت مكانته في بلاط الخلفاء.وعُرف جبرائيل بوفائه لأستاذه جالينوس،حتى غضب له غضباً شديداً حين قدّمه “إبراهيم بن المهدي” على جالينوس قائلاً:لعن الله من لايشكر النعم،ويكافىء عليها بكل ما أمكنه،إي والله،إني لأغضب أن أُساوى بجالينوس في حالة من الحالات،وأشكر على تقديمه عليّ في كل الحالات”.

وترك جبرائيل بعض المصنفات منها:”رسالة إلى المأمون في المطعم والشراب”،وكتاب”المدخل إلى صناعة المنطق”،ورسالة مختصرة في الطب،و”كُنّاشة”،وهو كتاب في صنعة البخور ألفه للخليفة المأمون.

توفى جبرائيل بن بختيشوع سنة 213هجري الموافق 828م ودفن في دير “مار سرجس” بالمدائن.

3 ـ بختيشوع بن جبرائيل

تعلم الطب على يد أبيه حتى برع فيه،واتصل بخدمة خلفاء الدولة العباسية،كالواثق والمتوكل والمستعين والمهتدي والمعتز،غير أنه تمتع بمكانة عالية عند الخليفة المهتدي الذي قربّه إليه،حتى إنه كان لا يرد له طلباً.وكان المتوكل الخليفة العباسي ينعم عليه بالعطف ،حتى إنه كان يضاهيه في ملابسه وفي كثرة المال وكمال المروءة ومباراته في الطيب والجواري والعبيد.

ومما أُثر عنه من نصائح في الطب قوله:”الشرب على الجوع ردىء،والأكل على الشبع أردأ”.وله من المصنفات كتاب في “الحجامة”.وتوفي سنة 256هجري الموافق 870م”.

وجاء في مجلة الرسالة العدد 702 مقالاً للأستاذ صلاح الدين المنجد تحت عنوان”أطباء الخلفاء العباسيين”:

“كانت أسرة بختيشوع ذات مكانة كبيرة،وكان منهم الأطباء والوزراء،وأطباء البيمارستانات، ومعلمو الطب والفلسفة.وأول من تقدر بإحضار رأس هذه الأسرة إلى بغداد،هو الخليفة العباسي المنصور،فإنه لما بنى مدينة السلام بغداد سنة ثمان وأربعين ومائة للهجرة أدركه ضعف في معدته وسوء استمراء وقلة شهية وكان كلما عالجه الأطباء ازداد مرضه،فتقد إلى الربيع بجمعهم،فلما اجتمعوا قال لهم المنصور:أريد من الأطباء في سائر المدن،طبيباً ماهراً.فقالوا: ما في عصرنا أفضل من جورجيس بن بختيشوع رئييس أطباء جنديسابور،فهو ماهر في الطب.فأمر المنصور بإحضاره،فأنفذه العامل بجنديسابور إلى حضرة الخلافة بعد ما امتنع عن الخروج،ووصى ولده بختيشوع بالبيمارستان وأموره التي تتعلق به هناك.واستصحب معه تلميذيه إبراهيم وعيسى.وداوى المنصور وعادت إليه صحته .وبعد أن مات المنصور عاد إلى جنديسابور” .

4 ـ إسحاق بن حنين

جاء في دائرة المعارف الإسلامية ـ السفير ـ العدد 15 ـ 16 ص 154:

“هو إسحاق بن حنين بن إسحاق العبادي،الطبيب المشهور،كنيته أبو يعقوب،ولقبه “العبادي”،نسبة إلى قوم من نصارى الحيرة يقال لهم “العُبّاد”،لطاعتهم لملوك الفرس.

ولد في بغداد سنة 215هجري الموافق 830م،وكان أبوه حنين طبيباً ماهراً وفيلسوفاً مشهوراً،وكان له باع طويل في ترجمة المؤلفات اليونانية والسريانية إلى اللغة العربية،خاصة كتب الفلسفة والرياضيات،فتعلم إسحاق منه فنون الطب والحكمة والترجمة حتى فاقه فيها.

كما تتلمذ إسحاق بن حنين أيضاً على الطبيب”يوحنا بن ماسويه” وعلى”الخليل بن أحمد” واضع علم العروض،وصاحب التصانيف الكثيرة في اللغة العربية.

اتصل اسحاق بخلفاء بني العباس،وانضم إلى خدمتهم،حتى صار من المقربين منهم،وبخاصة الخليفتان “المعتمد على الله”المتوفى سنة 279هجري،والمعتضد بالله المتوفى سنة 289هجري.

ثم انتقل إسحاق إلى خدمة “القاسم بن عبيد الله” الوزير العباسي،وتدرج في خدمته حتى صار من خواصه المقربين إليه المختصين بخدمته،فكان القاسم بن عبيد الله يطلعه على أسراره ويأتمنه عليها.

وكان إسحاق شاعراً مجيداً،وله حكايات مستظرفة قال من أجلها الشعر،كما قاله مفتخراً بنفسه وبقومه الذين تعلم فيهم الطب،ومن ذلك قوله:

أنا ابنُ الذين استودع الطبُّ فيهمُ وسُمّوا به طفلٌ وكهل ويافعُ

ويبصرني أرسطا ليس بارعاً يُقوِّم منّي منطقٌ لا يدافعُ

وبقراطُ في تفصيل ما أثبتت الألى لنا الضر والأسقامُ طب مضارعُ

وما زال جالينوس يشفى صدورنا لما اختلفت فيه علينا الطبائعُ

ويحيى بن ماسويه وأهرن قبله لهم كتبٌ للناس فيها منافعُ

رأى أنه في الطب نيلت فلم يكن لنا راحةٌ من حفظها وأصابعُ

ولإسحاق بن حنين مؤلفات وترجمات كثيرة في الطب فمن مؤلفاته:

كتاب الأدوية المفردة،وكتاب تاريخ الأطباء،وكتاب الأدوية الموجودة بكل مكان،وكتاب إصلاح الأدوية المسهلة،واختصار كتاب “إقليدس”،وكتاب مختصر كتاب صنعة العلاج بالحديد،ومقالة في الأشياء التي تفيد الصحة والحفظ وتمنع من النسيان.

ومن أشهر الكتب التي ترجمها:كليا أرسطا طاليس،وأصول الهندسة لإقليدس،وكتاب “المجسطى” لبطليموس،وقد أصلحهما ثابت بن قرة فيما بعد.

وقد أصيب إسحاق في آخر حياته بالفالج،وتوفى ببغداد في ربيع الآخر 298هجري،في خلافة المقتدر بالله العباسي.

5 ـ ابن الجزار

أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد أبو جعفر القيرواني ،أبن الجزار(369هجري الموافق 980)،طبيب مؤرخ من أهل القيروان،له من المؤلفات:”زاد المسافر وقوت الحاضر”،مخطوطة في الطب ،منه نسخ في مكتبة الشعب بباريس ودرسدن في ألمانيا،وترجم إلى اللاتينية واليونانية والإيطالية،ومن هذه الترجمات مخطوطات أقدمها في الفاتيكان.

وله كتاب”الاعتماد” في الأدوية المفردة،وكتاب “البغية” في الأدوية المركبة،وكتاب”ذم إخراج الدم”،ورسالة في النفس،و”أسباب الوباء بمصر” و”طب الفقراء” .

6 ـ داود الأنطاكي

جاء في تراث الإنسانية ـ المجلد الاول ـ مقال للدكتور عبد الحليم منتصر ص386:

“داود الأنطاكي:يلقبونه بالحكيم الماهر الفريد،والطبيب الحاذق الوحيد،جالينوس أوانه،وأبقراط زمتنه،العالم الكامل،وهو الشيخ داود الأنطاكي،ولد بأنطاكية،وإليها انتسب،وكان ذلك في القرن العاشر الهجري.وأنطاكية مدينة تقع في شمال سورية،وسط سهل خصب جميل في الحوض الأدنى لنهر العاصى،يرجع تاريخها إلى 300 سنة قبل الميلاد،وكانت من أشهر مدائن سورية في سالف الأيام.

قرأ داود كتب الأقدمين من اليونانيين من أمثال أبقراط وديسقوريدس وجالينوس كما قرأ للإبن سينا والرازي والزهراوي وغيرهم،وعنى بدراسة الطب العلاجي خاصة وتحضير الأدوية والوصفات ومانسميه الصيدلة،ومن أشهر مؤلفاته كتابه الضخم “تذكرة أولى الألباب،والجامع للعجب العجاب” الذي اشتهر بإسم”تذكرة داود”.

7 ـ موفق الدين بن أبي أُصيبعة

جاء في كتاب تاريخ الأدب العربي للدكتور عمر فروخ(المجلد الثالث ص 628):

هو موفق الدين أبو العباس أحمد بن القاسم بن أبي أصيبعة السعدي الخزرجي،ولد في دمشق بُعيد سنة 590هجري(1194م) وفيها نِا وقرأ شيئاً من الطبّ على أبيه القاسم وكان كحالاً،وعلى رضيّ الدين يوسف بن حيدرة الرّحبي.وكذلك قرأ على القاضي رفيع الدين أبي حامد عبد العزيز بن عبد الواحد الجيلي،وكان من الأكابر المتميزين في العلوم الحكمية وأصول الدين والفقه والعلم الطبيعي والطب.ولقد درس أيضاً فنوناً من علم التفسير والحديث والأدب على نفرٍ من مشايخ زمانه.ثم إنه تمرن في البيمارستان النوري مدة.

ويبدو أن ابن أبي أصيبعة انتقل إلى القاهرة للتوسع في دراسة الطب،وكان معه تِرب له وصديقٌ هو ابن النفيس،غير أن ابن النفيس كان أذكى وأبرع بلا ريبٍ فقد اكتشف الدورة الصغرى للدم، بينما بقي ابن أبي أصيبعة كحالاً في البيمارستان الناصري.ولم تَرُق الحياة لإبن أبي أصيبعة في القاهرة فعاد وشيكاً إلى دمشق(632هجري) وعمل في البيمارستان الكبير.وفي شهر ربيع الأول من سنة 634هجري(1236م) انتقل إلى صرخد في حوران ودخل في خدمة صاحبها المير عز الدين أيبك المُعظمي وبقي فيها إلى أن توفي في جمادى الأولى 668هجري(1270م).

ولإبن أبي أصيبعة أربعة تصانيف:كتاب إصابات المنجمين،وكتاب التجارب والفوائد،وكتاب حكايات الأطباء في مداواة الأدواء وكتاب عيون الأنباء في طبقات الأطباء.ولم يصل إلينا إلا الكتاب الأخير.

وجاء في مقدمة كتابه عيون الأنباء:

“الحمد لله ناشر الأمم ومُنشرِ الرِّمم،بارىء النَسم ومُبرىء السقم العائد من فضله بسوابغ النِعم،المُوعد من عصا بأليم العقاب والنِقم،مُخرج الخلائق بلطفِ صنعه إلى الوجود من العدم،مُقدّرِ الأدواءِ ومُنزلِ الدواء بلأتمِ الصنعِ وأتقن الحِكم…

وبعد،فإنه لما كانت صناعةُ الطب من أشرف الصنائع وأربحِ البضائع،وقد ورد تفضيلها في الكتب الإلهية والأوامر الشرعية حتى جُعل علمُ الأبدان قريناً لعلم الأديان…فوجب ـ إذ كانت صناعة الطب من الشرف بهذا المكان وعموم الحاجة إليها داعيةً في كل وقت وزمان ـ أن يكون الاعتناء بها أشدّ والرغبة في تحصيل قوانينها الكليّة والجزئية أكدَ وأجدّ…ولما لم أجد لأحدٍ من أربابها ولا ممن أنعم الاعتناء بها كتاباً جامعاً في معرفة طبقات الأطباء وفي ذكرِ أحوالهم على الولاء،رأيت أن أذكر في هذا الكتاب نُكتاً وعيوناً في مراتب المتميزين من الأطباء القدماء والمحدثين ومعرفة طبقاتهم على توالي أزمنتهم وأوقاتهم وأن أودعه أيضاً نُبذاً من أقوالهم وحكاياتهم ونوادرهم ومحاوراتهم وذكر شىء من أسماء كتبهم ليُستدل بذلك على ما خصهم الله تعالى به من العلم وحباهم من جودة القريحة والفهم”.

4ـ علم الرياضيات

جاء في ويكيبيديا ـ علوم إسلامية ـ الرياضيات:

“لما كان علم الحساب مستغلق على المبتدىء إذا كان من طريق البرهان،فإن المسلمين كانوا يعتبرون أن من أحسن التعليم الابتداء بالحساب من طريق أعمال المسائل لأنه معارف متضحة وبراهينه منتظمة،فينشأ عنه في الغالب عقل مضىء يدل على الصواب،ويقولون إن من أخذ نفسه بتعلم الحساب أول أمره يغلب عليه الصدق،لما في الحساب من صحة المباني ومنافسة النفس فيصير له خلقاً ويتعود الصدق ويلازمه مذهباً.

وكانت الخلافة العباسية قد اتسعت في مشارق الأرض ومغاربها،وزادت حاجة المسلمين إلى علم جديد من علوم الحساب يساعدهم في معاملات البيع والشراء بين الشعوب مع اختلاف العملات والموازين ونظام العقود.وهذا ما جعل المأمون يكلف الخوارزمي عالم الرياضيات ببغداد،بالتفرغ لوضع وسيلة جديدة لحل المعادلات الصعبة التي تواجه المشتغلين بالحساب.فوضع كتابه”الجبر والمقابلة” وبين أغراضه قائلاً عند تقديمه:”يلزم الناس من الحاجة إليه في مواريثهم ووصاياهم وفي مقاسمتهم وأحكامهم وتجارتهم وفي جميع ما يتعاملون به بينهم من مساحة الأرضين وكرى الأنهار والهندسة وغير ذلك من وجوههه وفنونه”.وتناول الكتاب الحسابات وطرقها ابتداء من حساب محيط في الكرة الأرضية وقطرها وخطوط الطول والعرض في البلدان إلى مساحات البلدان والمدن والمسافات بينها.ثم مساحات الشوارع والأنهار إلى مساحات الضياع والبيوت…وحساب الوصايا والمواريث وتقسيم التركات المعقدة،والحسابات الفلكية وحساب المعمار.وكلها كانت تواجه مشاكل وصعوبة في حسابها بطرق الأولين.

وكان علماء الرياضيات المسلمين قد بحثوا في مختلف جوانب علم الحساب والهندسة والأعداد جمعاً وتفريقاً وتضعيفاً وضرباً وقسمة وتوصلوا لكيفية إخراج الجذور في الأعداد الصحيحة وغير الصحيحة.وبينوا الكسور وصورها وطرق جمعها وتفريقها وضربها وقسمتها واستخراج جذور الكسر التربيعية والتكعيبية والضربوالقسمة باستخدام الهندسة وحلوا مسائل العدد وبينوا خصائصه وتطبيقاته في المعاملات والصرف وتحويل الدراهم والدنانير والأجرة والربح والخسارة والزكاة والجزية والخراج وحساب الأرزاق والبريد والأعداد المضمرة وغيرها من علوم الحساب.وكانت لأهل المغرب طرق ينفردون بها في الأعمال الجزئية من هذا العلم،فمنها قريبة المأخذ لطرق ابن الياسين ومنها بعيدة كطرق الحضار كما جاء في كتاب مدينة العلوم.

كما وأن الأرقام المستخدمة الآن في المشرق هي بالأصل أرقام هندية بينما الأرقام المستخدمة دولياً هي الأرقام العربية التي وضعها المسلمون بناء على طريقة الزوايا وأضاف إليهاالمسلمون نظام الصفر،والذي لولاه لما استطعنا أيضاً أن نحل كثيراً من المعادلات الرياضية من مختلف الدرجات،فقد سهل استعماله جميع أعمال الحساب،وخلص نظام الترقيم من التعقيد،ولقد أدى استعمال الصفر في العمليات الحسابية إلى اكتشاف الكسر العشري الذي اكتشفه العالم الرياضي جمشيد بن محمود غياث الدين الكاشي(ت 840هجري الموافق 1436م)،كما ورد في كتابه (مفتاح الحساب للعالم).وكان هذا مقدمة للدراسات والعمليات الحسابية المتناهية في الصغر.

لقد كانت الأرقام العربية بصفرها وكسورها العشرية بحق هدية الإسلام إلى أوروبا.

ويعتبر إبراهيم الفزاري أول من صنع الإسطرلاب وهو الآلة الفلكية التي تستخدم لرصد الكواكب.

ويعتبر العرب هم من وضعوا علم الجبر واخترعوه وبذلك قال بعض المؤرخين والإفرنج ويعترفون بأنهم أخذوه عن العرب باسمه ومسماه.وقال ابن خلدون أو أول من كتب في هذا الموضوع هو أبو عبد الله الخوارزمي وبعده أبو كامل شجاع بن أسلم

ومن علماء الرياضيات العالم البتاني والذي يسمى عند الإفرنج باسم بطليموس العرب وهو الذي اخترع استبدال أنصاف الأوتار للأقواس المضاعفة بأوتار الأقواس التي كان يستعملها اليونانيون في حساب المثلث.واخترع أيضاً عبارة جيب وتمام جيب ولم يكن يستعملها اليونان،والخطوط المماسة للأقواس وأدخلها في حساب الأرباع الشمسية وسماها الظل الممدود وهو المعروف في كتب المتأخرين بالخط المماس المستعمل في حساب المثلثات.ثم اهتدى العرب في زمن يونس وزمن أبي الوفاء إلى استعمال الخطوط المماسة في مساحة المثلثات واخترع ابن يونس حساب الأقواس التي سهلت قوانين التقويم وأغنت عن كثرة استخراج الجذور المربعة.

ومن علماء الرياضيات جابر الفلكي(ت 442هجري) والذي وضع القانون الخامس من القوانين الستة المستعملة في حل المثلثات ذوات الزاوية القائمة ولم يكن عند اليونان إلا أربعة قوانين.

أبو الريحان البيروني

جاء في دائرة المعارف الإسلامية ـالسفير ـ العدد 39 ت40):

هو “أبو الريحان محمد بن أحمد الخُوارزمي”،ولقبه “البيروني”.وكلمة “بيرون”فارسية الاصل ومعناها بالعربية “ظاهر” أو “خارج”.

ولد البيروني في الثاني من ذي الحجة 362هجري الموافق الثالث من إيلول 973م.في قرية من ضواحي مدينة”كاث” عاصمة”خوارزم”،وهي الآن تابعة لجمهورية”أوزبكستان” الإسلامية،وقد أطلق على هذه المدينة اسم”مدينة البيروني” تخليداً لذكراه.

يقول ياقوت الحموي في كتابه معجم الأدباء:

“بيرون بالفارسية معناه بَرّا.وسألت بعض الفضلاء عن ذلك فزعم أن مُقامه(أي البيروني) بخوارزم كان قليلاً.وأهل خوارزم يُسمون الغريب بهذا الإسم،كأنه لما طالت غربته عنهم صار غريباً،وما أظنه يراد بهذا إلا أنه من أهل الرُّستاق أي الريف.

ويقول “السمعاني” في “الأنساب”:

“هذه النسبة إلى خارج خوارزم،فإن بها من يكون من خارج البلد ولا يكون من نفسها.يقال له: فلان بيروني..

والمشهور بهذه النسبة أبو ريحان المنجم البيروني.ويرجح السمعاني احتمال أن تكون عائلة أبي الريحان من المشتغلين بالتجارة خارج المدينة،حيث أن بعض التجار كانوا يعيشون خارج أسوار المدينة للتخلص من المكوس(الضرائب)التي تفرض على الداخلين ببضائعهم إلى مدينة”كاث”.

وقد بقى البيروني في موطنه حتى بلغ الخامسة والعشرين،حيث تلقى العلم على يد “أبي نصر منصور بن علي بن عراق” أحد أمراء أسرة “بني عراق” الحاكمة لخوارزم،وكان عالماً مشهوراً في الرياضيات والفلك.وفي سنة 384هجري وقعت بعض الحروب والاضطرابات السياسية بين أسرة”بنى عراق” وبعض أمراء الأقاليم المجاورة فاضطر البيروني على أثرها إلى الرحيل،فحلّ بالرَّي وعانى فيها من شظف العيش وضيقه.

وفي اثناء إقامته بالّريّ لقى العالم الفلكي”الخوجندى” المتوفى سنة 390 هجري حيث أجرى معه بعض الأرصاد والبحوث الفلكية على أحد الجبال المشرفة على مدينة الّري.

وفي سنة 387هجري عاد البيروني إلى”كاث” حيث رصد خسوف القمر في الرابع والعشرين من آيار من تلك السنة،وكان قد اتفق مع الفلكي المعروف بأبي الوفاء المُتوفى سنة 388هجري على أن يرصد الخسوف في نفس الوقت من بغداد،وبذلك استطاع تحديد الفرق بين خطي طول مدينتي كاث وبغداد بحساب الفرق في الوقت.

وفي عام 388هجري انتقل البيروني إلى “جُرجان” ليعيش في كنف صاحبها السلطان”قابوس شمكير الزيارى” وهناك التقى مع ابن سينا وناظره،كما لقى الطبيب والفلكي المشهور “أبي سهل عيسى بن يحيى المسيحي” المتوفى سنة 389هجري فتتلمذ عليه،وشاركه في بحوثه،كما أنجز في جرجان عدة مؤلفات أهمها كتاب”الآثار الباقية من القرون الخالية”الذي أهداه إلى الأميرقابوس.

واستمر البيروني يتابع أعماله العلمية في رعاية الأمير قابوس،حتى أطيح بعرشه عام 400هجري،فعاد البيروني إلى موطنه في مدينة كاث ليقضى سبع سنوات في خدمة الخوارزم شاه”أبي العباس مأمون بن مأمون” آخر أمراء دولة المأمونيين حيث كان البيروني موضع رعاية الأمير وتكريمه.

وفي عام 407هجري استولى السلطان “محمود الغزنوي” على كاث منهياً بذلك حكم المأمونيين وحمل معه البيروني إلى “غزنة”(كابل الآن) ليستفيد من عمله،فعاش البيروني في بلاط غزنة مشتغلاً بالفلك وغيره من العلوم،ومرافقاً للسلطان في كثير من حملاته العسكرية في شمال غرب الهند.

وقد أتيح للبيروني بتنقلاته أن يحيط بعلوم الهند ولغاتها الأساسية،وأن ينقل إليها الحكمة والعلوم الإسلامية،وتيسر له اطّلاعه على كنوز معارفها في الأدب والفلسفة والعلوم إضافة إلى عاداتها وتقاليدها ومعتقداتها المختلفة،وقد درس جغرافية بلادها،وجمع ذلك كله في كتابه الكبير”تحقيق ماللهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة” وتُعد الفترة التي قضاها البيروني في صحبة السلطان محمود من أخصب الفترات في إنتاجه العلمي.

وفي عام 413هجري الموافق 1022م أرسل سلطان أتراك الفولجا وفداً إلى غزنة ،فحدث أحد رجال الوفد السلطان محموداً بما شاهده في المنطقة الشمالية عن بقاء الشمس مشرقة شهوراً متوالية دون أن تغيب،فغضب السلطان محمود لهذا القول وعدّه كفراً وإلحاداً.فقال أبو نصر ابن مِشكان:إن الرجل لايذكر ذلك عن رأي يرتئيه،ولكن عن مشاهدة يحكيها،وعلينا نحن العلماء أن نبحث لها عن تفسير.فسأل السلطان عندئذ أبا الريحان عن رأيه فيما سمع،فأخبره بأن الأتراك لم يكذبوا،وفي كتاب الله مصداق ما قالوه عن هذه الظاهرة الشمسية وتلا قوله تعالى:{حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلعُ على قومٍ لم نجعل لهم من دونها سترا}(الكهف 90) وأخذ يشرح له الأمر ويوضحه بمصباح يدور أمام كرة تمثل الأرض.

وفي عام 421هجري توفى السلطان محمود الغزنوي وخلفه ابنه الأكبر مسعود وكان محباً للعلوم،وقد أهداه البيروني أكبر كتبه في الفلك والرياضيات الذي أطلق عليه اسم”القانون المسعودي”.وفي العام نفسه ألف البيروني كتاب”التفهيم لأوائل صناعة التنجيم”،وهو موسوعة في الهندسة والحسابات والفلك والجغرافيا.

ولم تقتصر بحوث البيروني على الفلك،ولكن تعدتها إلى مجالات أخرى حقق فيها إنجازات رائدة منها:

ـ جهوده في علم الفيزياء: فللبيروني بعض الأبحاث في الضوء والجاذبية الأرضية،كما وضع نظرية بسيطة لحساب محيط الأرض لاتزال تُعرف باسمه حتى الآن في الكتب المدرسية.

ـ وفي مجال التعدين:ابتكر البيروني جهازاً مخروطياً يُستخدم في قياس الوزن النوعي للفلزات والأحجار الكريمة،ويُعد أقدم مقياس لكثافة المعادن،وله في ذلك كتاب” الجماهر في معرفة الجواهر” الذي نُشر في حيدر آباد عام 1355هجري الموافق 1936م.

ـ وفي علم الصيدلة:يُعد كتابه”الصيدنة” موسوعة تناولت الصيدلاني في احتراف جمع الأدوية واختيار الأجود منها على أفضل التراكيب،وتطرقت إلى تحضير عدد من المركبات الكيميائية،واستخدام الأجهزة في عمليات التصعيد والتسامى والتقطير والترشيح وغيرها.

ـ وفي علم الاجتماع والحضارة:يعد كتابه”تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة”من أهم الكتب التي تعد مرجعاً لكل دارس للثقافة الهندية،وما للهنود من عادات وتقاليد ومعتقدات وشرائع وفلسفة وأدب وتاريخ،ونشر هذا الكتاب “سخاو” زطُبع في لندن سنة 1305هجري الموافق 1887م وترجم إلى الإنجليزية والروسية.

ـ وفي علم الجيولوجيا:سبق البيروني إلى القول بنظريات رائدة في تكوين القشرة الأرضية،وما طرأ على اليابسة والماء من تطورات خلال الأزمنة الجيولوجية المختلفة.وجرياً على عادة المسلمين الأوائل في تسخير العلم لخدمة الدين،فقد اهتم البيروني بمسألة تعيين اتجاه بلد بالنسبة إلى بلد آخر،لأهمية ذلك في تحديد اتجاه القبلة للمصلين،وذكر طريقتين:

إحداهما: تعتمد على الحسابات المثلثية باستخدام قوانين الرياضيات المعروفة.

والأخرى:هندسة بحتة أسماها:”الطريق الصناعي لمعرفة سَمت القبلة وغيرها”ولا تحتاج إلى الحسابات المعقدة،تسهيلاً للأئمة في البلدان المختلفة.

ـ وللبيروني جهود علمية طبية في الترجمة،فقد نقل اثنين وعشرين كتاباً من اللغة السنسكريتية إلى اللغة العربية،منها كتاب جوامع الموجود لخواطر الهنود” في حساب التنجيم.وكتاب”خيال الخسوفيين”.

كما نقل بعض المؤلفات الرياضية من التراث الإغريقي،منها كتاب”أصول إقليدس”.وكتاب”المجسطى لبطليموس”.وكتاب” عن صنعة الأسطرلاب.

لقد أحب البيروني اللغة العربية،وفضل التأليف بها،وقال عنها:”إن الهجو بالعربية أحبُّ إلىَّ من المدح بالفارسية”.

وظل البيروني شغوفاً بالعلم والتعلم حتى أواخر عمره،فقد روى ياقوت الحموي في كتابه”معجم الأدباء” عن القاضي”كثير بن يعقوب البغدادي النحوي” عن الفقيه”علي بن عيسى الولواجي”قال: دخلت على أبي الريحان وهو يجود بنفسه،وقد حشرج نَفَسه،وضاق به صدره،فقال لي وهو في تلك الحال:”كيف قلت لي يوماً حساب الجِدّات الفاسدة؟(وهو موضوع يتعلق بعلم الفرائض أو المواريث)،فقلت له إشفاقاً عليه:أفي هذه الحالة! قال لي:ياهذا:أودِّع الدنيا وأنا عالم بهذه المسألة،ألا يكون خيراً من أن أخليها وأنا جاهل بها، فأعدت ذلك عليه،وحفظه وعلمني ما وعد،وخرجت من عنده،وأنا في الطريق ،سمعت الصراخ.وكان ذلك في غزنة في الثالث من رجب 440هجري الموافق 12 كانون الأول 1048م حسب أغلب الروايات.

وقد أشاد بمكانة البيروني العلمية كبار مؤرخي العلم،من أمثال “سخاو” و”سارتون” و”مايرهوف” و”ألدوميللي” وغيرهم.

وأنشئت جامعة البيروني في طشقتد عاصمة جمهورية”أوزبكستان” الإسلامية تقديراً لمآثره العلمية،كما أقيم له في المتحف الجيولوجي بجامعة موسكو تمثال يخلد ذكراه كأحد عمالقة علماء الجيولوجيا في العالم على مر العصور.

وأخيراً أختير البيروني من بين 18 عالماً إسلامياً أطلقت أسماؤهم على بعض معالم القمر.

محمد بن موسى الخوارزمي

يقول الدكتور علي عبد الله الدفاع:

“لقد ظهر في صدر الإسلام في عصر الدولة العباسية جمهرة من العلماء البارزين في العلوم الرياضية،ومنهم عالمنا”محمد بن موسى الخوارزمي”.

عاش الخوارزمي في بغداد فيما بين 164 ـ 235هجري الموافق 780 ـ 850م،وقد برز في خلافة المـأمون،ولمع في علم الرياضيات والفلك حتى عينَّه المأمون رئيساً لبيت الحكمة.

وفي بيت الحكمة طور الخوارزمي الفكر الرياضي وذلك بإيجاد نظم لتحليل كل من معادلات الدرجة الأولى والثانية ذات المجهول الواحد بطرق جبرية وهندسية،لذا يعتبر الجبر والمقابلة للخوارزمي هو أول محاولة منظمة لتطوير علم الجبر على أسس علمية منطقية.

إن الرياضيات التي ورثها علماء العرب والمسلمين عن اليونان تجعل حساب التقسيم الشرعي للتركات بين الورثة معقداً للغاية،وهذا مادفع الخوارزمي للبحث عن طريق أدق وأشمل وأكثر قابلية للتكيف،فاستعمل علم الجبر،وقد وجد الخوارزمي متسعاً من الوقت لكتابة علم الجبر الذي جعله مشهوراً حينما كان منهمكاً في الأعمال الفلكية في بغداد.

ةقد بين الخوارزمي في مقدمة كتابه”حساب الفلك والجبر والمقابلة” أن الخليفة المأمون هو الذي طلب منه أن يؤلف كتاب”حساب الجبر والمقابلة” كي يسهل الانتفاع به في كل مايحتاج إليه الناس.

5ـ علم الفيزياء والهندسة

جاء في الويكيبيديا(الموسوعة الحرة):

“ويشمل علم الفيزياء علم الحيل وعلم البصريات.في علم الحيل اشتهر أولاد موسى بن شاكر في القرن التاسع الميلادي،وقد ألفوا كتاب “الحيل النافعة”وكتاب”القرطسون”وكتاب”وصف الآلة التي تزمر بنفسها صنعة موسى بن شاكر”.ومن مخترعاتهم آلة رصد فلكي ضخمة وكانت تعمل في مرصدهم وتدار بقوة دفع الماء وكانت تبين تتفي الآلة وإذا اختفى نجم أو شهاب رصد في الحال وسجل.

ـ علم الحيل:أو علم الحيل النافعة(الميكانيكا):

ابتكر العرب بعلم الحيل النافعة وطوروه إلى درجة رفيعة من الإتقان.وكان الهدف من هذا الاستفادة منه وتوفير القوة البشرية والتوسع في القوة الميكانيكية والاستفادة من المجهود البسيط للحصول على جهد أكبر من جهد الإنسان والحيوان.فاعتبره العلماء طاقة بسيطة تعطي جهداً أكبر. فأرادوا من خلاله تحقيق منفعة الإنسان واستعمال الحيلة مكان القوة والعقل مكان العضلات والآلة بدل البدن،والاستغناء عن سخرة العبيد ومجهودهم الجسماني.

فلجأوا للطاقة الميكانيكية للاستغناء عن الطاقة الحيوية التي تعتمد على العبيد والحيوانات،ولاسيما أن الإسلام منع نظام السخرة في قضاء الأمور المعيشية التي تحتاج لمجهود جسماني كبير…كما حرم إرهاق الخدم والعبيد والمشقة على الحيوان بعدم تحميلهم فوق ما لا يطيقونه،لذلك اتجه المسلمون إلى تطوير الآلات لتقوم عوضاً عنهم بهذه الأعمال الشاقة.

وعلم الحركة حالياً،يقوم على ثلاثة قوانين رئيسية كان قد وضعها العالم الإنجليزي”نيوتن” في أوائل القرن الثامن عشر الميلادي،عندما نشرها في كتابه الشهير”الأصول الرياضية للفلسفة الطبيعية”.وكان نيوتن في هذه القوانين قد قام بتجميع المعلومات العربية القديمة مما كتبه العلماء العرب عن الحركة للأشياء قبل عصره بسبعة قرون.إلا أنه صاغها في قالب معادلات رياضية.وأخذ تعريفاتهم لهذه القوانين الثلاثة ونسبها إليه.

ففي القانون الأول عن الحركة قال:”إن الجسم يبقى في حالة سكون او في حالة حركة منتظمة في خط مستقيم ما لم تجبره قوى خارجية على تغيير هذه الحالة”.ويقول هذا إخوان الصفا في رسائلهم الشهيرة:”الأجسام الكليات كل واحد له موضع مخصوص ويكون واقفاً فيها لا يخرج إلا بقسر قاسر”.ويقول ابن سينا المتوفى سنة 1037م في كتابه “الإشارات والتنبيهات”:”إنك لتعلم أن الجسم إذا خلى وطباعه ولم يعرض له من الخارج تأثير غريب ذلك الجسم كان قبوله الأكبر للتحريك مثل قبوله الأصغر،ولا يكون أحدهما أعصى والآخر أطوع حيث لا معاوقة أصلاً”.ثم يأتي بعد ابن سينا علماء مسلمون على مر العصور يشرحون قانونه ويجرون عليه التجارب العملية،وفي ذلك يقول فخر الدين الرازي المتوفى سنة 1209م بكتابه”المباحث المشرقية”:إنكم تقولون طبيعة كل عنصر تقتضي الحركة بشرط الخروج عن الحيز الطبيعي والسكون بشرط الحصول على الحيز الطبيعي”.وفي كتابه “المباحث الشرقية في علم الإلهيات والطبيعيات”يقول ابن سينا:”وقد بينا ان تجدد مراتب السرعة والبطء بحسب تجدد مراتب المعوقات الخارجية والداخلية”.

أما قانون نيوتن الثاني في الحركة فنصه:”إن تسارع جسم ما أثناء حركته،يتناسب مع القوة التي تؤثر عليه،وفي تطبيق هذا القانون على تساقط الأجسام تحت تأثير جاذبية الأرض تكون النتيجة إنه إذا سقط جسمان من نفس الارتفاع فإنهما يصلان إلى سطح الأرض في نفس اللحظة بصرف النظر عن وزنهما ولو كان أحدهما كتلة حديد والآخر ريشة ،ولكن الذي يحدث من اختلاف السرعة مرده إلى اختلاف مقاومة الهواء لهما في حين أن قوة تسارعهما واحدة”.

ويقول الإمام فخر الدين الرازي في كتابه”المباحث الشرقية”:فإن الجسمين لو اختلفا في قبول الحركة لم يكن ذلك الاختلاف بسبب المتحرك،بل بسبب اختلاف حال القوة المحركة،فإن القوة في الجسم الأكبر،أكثر مما في الأصغر الذي هو جزؤه لأن مافي الأصغر فهو موجود مع الأكبر مع زيادة”.ثم يفسر اختلاف مقاومة الوسط الخارجي كالهواء للأجسام الساقطة فيقول:”وأما القوة القسرية فإنها يختلف تحريكها للجسم العظيم والصغير،لا لاختلاف المحرك بل لاختلاف حال المتحرك،فإن المعاوق في الكبير أكثر منه في الصغير”.

والقانون الثالث لنيوتن ينص على أن لكل فعل رد فعل مساوي له في المقدار ومضاد له في الاتجاه.وأبو البركات هبة الله البغدادي المتوفى سنة 1165م في كتابه”المعبر في الحكمة”قال بما يفيد هذا المعنى:”إن الحلقة المتجاذبة بين المصارعين لكل واحدمن المتجاذبين في جذبها قوة مقاومة لقوة الآخر،وليس إذا غلب أحدهما فجذبها نحوه تكون قد خلت من قوة جذب الآخر،بل تلك القوة موجودة مقهورة،ولولاهما لما احتاج الآخر إلى كل ذلك الجذب”.ويقول الإمام فخر الدين الرازي في كتابه”المباحث الشرقية”:الحلقة التي يجذبها جاذبان متساويان حتى وقفت في الوسط لا شك ان كل واحد منهما فعل فيها فعلاً معوقاً بفعل الآخر”.

هذه القوانين الثلاثة للاستقرار والحركة ورد الفعل من القوانين الأساسية التي ترتكز عليها حالياً كل علوم الآلات والأشياء المتحركة.

وجاء في ويكيبيديا الموسوعة الحرة:

“كان المعمار الإسلامي يعتمد على النواحي التطبيقية لعلم الحيل وهذا يتضح في إقامة المساجد والمآذن والقباب والقناطر والسدود،فقد برع المسلمون في تشييد القباب الضخمة ونجحوا في حساباتها المعقدة التي تقوم على طرق تحليل الإنشاءات القشرية.فهذه الإنشاءات المعقدة والمتطورة من القباب مثل قبة الصخرة في بيت المقدس وقباب مساجد الأستانة(اسطنبول) والقاهرة والأندلس والتي تختلف اختلافاً جذرياً عن القباب الرومانية وتعتمد اعتماداً كلياً على الرياضيات المعقدة.فلقد شيد المسلمون المآذن العالية والطويلة والتي تختلف عن الأبراج الرومانية.لأن المئذنة قد يصل ارتفاعها لسبعين متراً فوق سطح المسجد.وأقاموا السدود الضخمة أيام العباسيين والفاطميين والأندلسيين فوق الأنهار كسد النهروان وسد الرستن وسد الفرات.كما أقاموا سور مجرى العيون بالقاهرة أيام صلاح الدين الأيوبي وكان ينقل الماء من فم الخليج على النيل إلى القلعة فوق جبل المقطم.وكانت ساقية تدار بالحيوانات ترفع المياه لعشرة أمتار ليتدفق في القناة فوق السور وتسير بطريقة الأواني المستطرقة لتصل القلعة.

وبنى أبو جعفر المنصور على نهر دجلة عاصمته بغداد سنة 145 ـ هجري149)على شكل دائري،وهو اتجاه جديد في بناء المدن الإسلامية لأن معظم المدن الإسلامية كانت إما مستطيلة كالفسطاط،أو مربعة كالقاهرة،أو بيضاوية كصنعاء.

6ـ علم الكيمياء

في مقال للدكتور أحمد شوقي الفنجري يقول:

“علم الكيمياء علم إسلامي عربي اسماً وفعلاً.ولم تعرف كلمة”الكيمياء” أو يرد ذكرها في أي لغة أو حضارة قبل العرب سواء عند قدماء المصريين أو الإغريق.واسم الكيمياء مشتقة من الكم أو الكمية.وذلك لأن علماء المسلمين الذين أسسوا هذا العلم كانوا يقولون إذا أضفنا كمية من هذه المادة إلى كميتين أو ثلاثة من المادة الثانية نتج كذا.وهذا الإسم في ذاته يدلنا على حقيقة هامة..وهي أن علماء المسلمين أول من اكتشف نظرية النسبة في اتحاد المواد وذلك قبل الكيميائي”براوست” بخمسة قرون،وتقول هذه النظرية أن المواد لاتتفاعل إلا بأوزان ثابتة وهو قانون النسب الثابتة في الاتحاد الكيميائي.

وقد جاء في كتاب “لسان العرب” لإبن منظور ان الكيمياء كلمة عربية مشتقة من كمى الشىء وتكماه: أي ستره.وكمى الشهادة بكميها وأكماها:أي كتمها وقمعها.

وقد فسرها أبو عبد الله محمد الخوارزمي المتوفى سنة 387هجري في كتابه “مفاتيح العلوم” إذ قال:إن اسم هذه الصنعة كيمياء وهو عربي واشتقاقه من كمى ويكمى:أي ستر وأخفى.وهذا ما يتفق مع ماذهب إليه الرازي حين سمى كتابيه في الكيمياء”الأسرار” و”سر الأسرار”.

الكيمياء قبل الإسلام:

كانت الكيمياء عند قدماء المصريين والإغريق صنعة تغلب عليها الآراء النظرية وكان يمارسها الكهان والسحرة ولا يعرف أسرارها غيرهم.وقد عرف قدماء المصريين التحنيط بالمواد الكيميائية.وعرفوا طريقة حفظ الأغذية والملابس وبرعوا في صنع الألوان الثابتة.

كذلك كان للإغريق اجتهاداً في الكيمياء..فوضعوا نظرية إمكانية تحويل المعادن الخسيسة كالرصاص والنحاس والزئبق إلى معادن نفيسة كالذهب والفضة.وتجمع آراء الباحثين على أن جهود الإغريق في الكيمياء كانت ضئيلة ومحدودة لأنهم درسوا العلوم من النواحي النظرية والفلسفية.وأن العرب هم أول من بدأ هذا العلم بداية جديدة على مبدأ التجربة والمشاهدة.وفي ذلك يقول”هولميارد” في كتابه “تاريخ الكيمياء”:إلى عهد دالتون لقد حارب علماء المسلمين الألغاز الصبيانية التي كانت مدرسة الإسكندرية قد أدخلتها على علم الكيمياء وقاموا في هذا الميدان على أسس علمية جديدة”.

المسلمون وعلم الكيمياء:

ابتدأ المسلمون بترجمة ما كتبه السابقون في هذا المجال خاصة علماء الإغريق والإسكندرية.ومن أول من اهتموا بهذا العلم خالد بن يزيد بن معاوية الأموي الذي كان مرشحاً للخلافة.فلما لم ينلها صرف همَّه من السياسة إلى العلم واستقدم بعض علماء الإسكندرية ليترجموا له.ولعل السر في هذا الاهتمام المبكر في تاريخ الإسلام بعلم الكيمياء هو رغبته في الثراء بتحويل المعادن إلى ذهب.ثم ظهر بعد ذلك شيوخ علم الكيمياء جابر بن حيان (ت سنة 810م)ثم أبو بكر الرازي(ت 932م) وقد وضع هذان العملاقان أسس علم الكيمياء الحديثة وحولوه من النظريات والآراء الأفلاطونية إلى علم تجريبي له قواعد راسخة.وله أهداف عملية نافعة وله معامل لها شروط.وبعد جابر والرازي ظهر عشرات العلماء الفطاحل الذين طوروا هذا العلم أمثال:ابن سينا والبيروني والجلدكي.

ويمكن تلخيص قواعد الكيمياء عند المسلمين في النقاط التالية:

1 ـ الهدف من الكيمياء:

لم تعد صنعة الذهب الهدف الوحيد لعلماء المسلمين فقد استعملوا علم الكيمياء في الصيدلة وصناعة الأدوية الكيميائية لأول مرة في التاريخ كما استعملوه بتوسع في الصناعة وفي الحرب وفي السلم.

2 ـ المعمل:

وقد جاء في وصف معمل جابر بن حيان الذي عثر عليه العالم هولميارد في الحفريات بالكوفة”أنه موجود في قبو تحت الأرض..وذلك للتحكم في درجات الحرارة وفيه قليل من الأثاث لتجنب الحريق…وفيه موقد كبير وأجهزة مختلفة زجاجية ونحاسية ومن أهمها:القوارير والأقماع والمناخل والمصافي والأحواض وأجهزة التقطير والقطارات والأنابيب وهناك أيضاً أنواع الهاون والكرات المعدنية للسحق والصحن وهناك الموازين الدقيقة” كما عثر فيه على هاون من الذهب الخالص زنته مائتا رطل.

ويعتبر الرازي الذي جاء بعد جابر بن حيان بقرن من الزمان اول من وضع القواعد الرئيسة لمعامل التحليل الكيميائي فقد ابتكر أكثر من عشرين جهازاً جديداً منها المعدني ومنها الزجاجي وقد وصفها جميعاً وصفاً دقيقاً في كتابه”الأسرار”.

3 ـ التجارب العلمية:

يجمع مؤرخو العلوم على أن فضل العرب على العلوم في تبنيهم لمبدأ التجربة والمشاهدة قبل إصدار الرأي.وكان جابر بن حيان يوصي تلاميذه بالاهتمام بالتجارب العلمية وعدم التعويل إلا عليها مع التدقيق في الملاحظة ومن وصاياه في ذلك:”وأول واجب أن تعمل وتجري التجارب لأن من لا يعمل ويجري التجارب لا يصل إلى أدنى مراتب الإتقان فعليك يا بني بالتجربة لتصل إلى المعرفة”.

4 ـ صفات الكيميائي:

يوصي جابر بن حيان الكيميائي بالآتي:

1 ـ كن صبوراً ومثابراً ومتحفظاً وصامتاً.

2 ـ تجنب المستحيل وما لافائدة منه.

3 ـ لاتغترّ بالظواهر لأن هذا يؤدي بتجربتك إلى نتيجة خاطئة.

4 ـ ما افتخر العلماء بكثرة العقاقير ولكن بجودة التدبير

5 ـ يجب أن تكون متفرغاً للتجربة منذ بدايتها حتى لايفوتك أي تغيير طفيف قد تستخلص منه نتائج كبيرة

5 ـ العمليات الكيميائية وأهمها:

1 ـ التقطير:

ويتكون الجهاز من إناء توضع به المادة المراد تقطيرها على النار ويصعد البخار في الإنبيق ثم يدخل في قابلية التقطير…وبذلك يمكن فصل المواد في صورتها النقية وبعض المواد كان يعاد تقطيره خمسين مرة حتى يحصل على جوهره النقي.

2 ـ الملغمة:

وهي ذوبان المعادن في الزئبق ثم استخلاصها بواسطة التصعيد ولا تزال هذه الطريقة مستعملة في استخلاص الذهب.

3 ـ التسامي:

لفصل الجسم الطيار بتسخينه حتى يتكاثف بخاره إلى مادة صلبة دون المرور على الحالة السائلة

5 ـ التبلور:

وذلك للحصول على بلورات نقية مثل بلورات الشبّه والملح.

6 ـ الترشيح:

بواسطة المناخل أو قطع القماش أو الورق.

ومعظم هذه العمليات ابتكار عربي ولم تكن معروفة للإغريق.

انجازات المسلمين في الكيمياء:

1 ـ المسلمون أول من استعمل الكيمياء في صناعة الدواء:

فقد كانت جميع الأدوية المعروفة قبلهم من الأعشاب الطبية فأدخل الرازي لاول مرة استعمال أملاح المعادن كالزئبق والمغنسيوم والحديد والزنك في الدواء والعلاج وصنع منها المراهم والسفوف والبرشام والمروخ وكان الرازي يجرب هذه الأدوية على الحيوانات وخاصة القرود القريبة الشبه بجسم الإنسان.

كذلك كان ابن سينا أول من أوصى بتغليف حبوب الدواء بأملاح الذهب أو الفضة وذلك في حالة إذا كان الدواء مرّ الطعم أو إذا كان المطلوب عدم ذوبانه في المعدة بل في الأمعاء.

2 ـ توسع المسلمون في الصناعات الكيميائية:

فهم أول من صنع الصابون من الصود وصنعوا منه الملون والمعطر والسائل والصلب .وتذكر بعض المراجع أنهم أول من صنع الورق وقد توصل جابر بن حيان إلى صنع أنواع من الورق يقاوم الحريق ويستعمل في تغليف المصاحف والكتب القيمة ،كما ابتكر قماشاً يقاوم الماء .وتوصل عباس بن فرناس إلى تقليد البرق في القبة السماوية من اشتعال المغنزيوم ففتح الطريق أمام التصوير الليلي.كما توصل إلى تقليد الرعد فيها باستعمال البارود.والمسلمون أول من استعمل البارود كقوة دافعة في المدافع.

كذلك برعوا في صناعة الزجاج وطوروا منه أنواعاً على درجة من النقاوة والجودة وقد ابتكر جابر بن حيان طريقة إضافة ثاني أوكسيد المنجنيز إلى الزجاج لإزالة اللون الأخضر والأزرق الذي يظهر في الزجاج العادي الرخيص ويعتبر عباس بن فرناس اول من صنع الزجاج البلوري(الكريستال)بإضافة بعض أملاح المعادن عليه كالرصاص والذهب والفضة لإضفاء البريق عليه.كذلك ابتكر المسلمون المينا التي تتكون من مسحوق الزجاج الذي يخلط ببعض الأكاسيد المعدنية ثم يذاب المخلوط في مادة زيتية حتى يتحول إلى سائل بالتسخين ويرسم به رسومات بارزة على الزجاج ذات بريق وشفافية يرسمونها على القناديل وزجاج المساجد.وقد انتقل هذا الفن من الاندلس إلى أوروبا وانتشر في الكنائس وقصور الامراء .كذلك ابتكر المسلمون الكثير من الاصباغ.

وقد اخترع المسلمون عدداً كبيراً من المواد الكيميائية التي مازالت تحمل الإسم العربي وما زالت دعامة علم الكيمياء ،فاخترعوا الكحول من التخمير واستخرجوا الزيوت الطيارة بالتقطير واكتشفوا الصودا واستخرجوا السكر من عصير الفاكهة بواسطة عقدها على النار وما يزال اسمه(شوغر)واستخرجوا الفلزات من المركبات الكيميائية وصنعوا السبائك من معادن مختلفة وتعتبر صناعة الصلب العربي إحدى معجزات العلم العربي فكانت السيوف العربية مضرب الأمثال في متانة معدنها وصفائها وألفوا في ذلك عدة كتب منها رسالة الكندي المتوفى سنة 866م بعنوان”فيما يطرح على الحديد والسيوف حتى لا تثلم ولا تكل” وقد أصدر قسم هندسة المواد في جامعة ستانفورد بأمريكا سنة 1984م نشرة أن علماءها توصلوا إلى سر صناعة الفولاذ الدمشقي الذي صنع العرب منه سيوفهم التي كانت مضرب الأمثال في التاريخ بحدة شفرتها ونعومة سطحها ومتانة معدنها.

وقد عرف المسلمون أن النار تنطفىء بانعدام الهواء.واكتشفوا الحامض والقلوي والفرق بينهما ومازالت كلمة(الكالي) أصلها العربي القلوي.

ومن أعظم إنجازات المسلميم اكتشاف الأحماض مثل النيتريك والكلوردريك اكتشفهما الرازي سنة 932م وكذلك الأحماض العضوية مثل حمض الخل والليمون والطرطر وحمض النمل وقد حضروا الماء الملكي الذي يذيب الذهب من نسبة معينة من حامض النتريك(الزاج) وحامض الكلورديك(روح الملك) بنسبة1:3.

وبرع المسلمون في صناعة السبائك والعملات الذهبية والفضية بنسبة دقيقة كانت مضرب الأمثال.كما أنهم وضعوا القواعد لاكتشاف هذه النسب واكتشاف غش المعادن النفيسة كلها.

كذلك برع المسلمون في علم دباغة الجلود وتحضيرها واستنبطوا أنواعاً من الجلود تختلف من اللين والنعومة بحيث تصلح كملابس إلى الأنواع الصلبة التي تصلح أغلفة للسيوف والخناجر وأغلفة للمخطوطات.كما تفننوا في النقش بالألوان الثابتة على الجلد وفي الكتابة البارزة عليه ومازالت هذه الصناعة مزدهرة في إسبانيا منذ عصور الإسلام.

أما صناعة الأصباغ والألوان والأحبار فيدلنا على تفوقهم فيها مانراه اليوم من ألوان زاهية في القصور الإسلامية مثل الحمراء وقصور استنانبول وما نراه في أغلفة المصاحف الملونة.

وقد ابتكروا مداداً يضىء في الليل من المواد الفسفورية وآخر يبرق في الضوء بلون الذهب وهو من كبريت النحاس ليستخدم بدلاً من الذهب الغالي الثمن في كتابة المصاحف والمخطوطات القيمة.كما صنعوا أنواعاً من الطلاء الذي يمنع الحديد من الصدأ واخترع جابر بن حيان مواداً كيميائية تنقع فيها الملابس أو أوراق الكتابة فتمنع عنها البلل(مضادة للماء)ومواد أخرى تنقع فيها الملابس أو الورق فتصبح غير قابلة للاحتراق.

ولقد أخذ العرب عن الإغريق وأرشميدس فكرة الوزن النوعي للمواد ولكنهم توسعوا فيها إلى أقصى حد وطوروها وصنعوا لها موازين خاصة متطورة فابتكر الرازي ميزاناً دقيقاً سماه الميزان الطبيعي ووصفه في كتابه “محنة الذهب والفضة” كما ابتكر الخازن ميزاناً متطوراً يمكنه وزن الأجسام في الماء والهواء على السواء وقد كان اهتمام المسلمين بالوزن النوعي لاكتشاف نقاء المعادن وإذا كانت مختلفة أو مغشوشة وخاصة المعادن النفيسة.ولكنهم توسعوا بعد ذلك في هذا الميدان فأصبحوا يصنعون الجداول للوزن النوعي لكل شىء في الحياة…ابتداء من الذهب والفضة والزئبق والياقوت والزمرد والازورد والعقيق إلى الحديد والصلب والحجارة.كما شملت أبحاثهم في السوائل كل شىء ابتداء من الأحماض والماء إلى الحليب بجميع أنواعه وزيوت الطعام..وبهذا كانوا يعرفون نسب تركيب كل مادة من عناصرها المختلفة.

وهذا قليل من كثير من فضل المسلمين في الكيمياء”.

جاء في ويكيبيديا الموسوعة الحرة:

في علوم الكيمياء نجد العالم جابر بن حيان قد عاش بعد النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي حيث له كتابات كثيرة سواء في المركبات الكيميائية التي لم تكن معروفة في ذلك الوقت،مثل نترات الفضة المتبلورة وحامض الأزوتيك وحامض الكبريتيك(زيت الزاج) ولاحظ ما يرسب من كلوروز الفضة عند إضافة ملح الطعام،أو في وصف العمليات الكيميائية كالتقطير والتبخير والترشيح والتبلور والتذويب والتصعيد والتكليس ونحوها.وفي كتبه بين نظرية تكوين المعادن جيولوجياً وبين المعادن الكبريتية الزئبقية ونسب تكوين ستة منها.وبين كيفية تحضير المواد الكيميائية المختلفة ككربونات الرصاص القاعدي وتحضير الزرنيخ والأنتيمون من أملاح الكبريتيدات.وكيفية تنقية المعادن من الشوائب وتحضير الصلب الذي حضرته اوربا بعده بحوالي عشرة قرون.وحضر أصباغ الملابس والجلد والطلاء لطلاء الجديد ووقايته من الصدأ ومادة تدهن بها الملابس للوقاية من الماء وأدخل ثاني أوكسيد المنجنيز في صناعة الزجاج.

وقام بتقطير الخل للحصول على حامض الخل المركز.وبين أن الجاذبية لا وزن لها.وكان الكيميائيون العرب يحضرون ملح البارود كيميائياً في المعمل ولا سيما وأن أول من اخترع حامض النيتريك هو جابر بن حيان سنة 722م.

أما الرازي فأجرى عليه التجارب وصنع منه الأملاح أثناء محاولته لإذابة الذهب وأطلق على حامض النيتريك الزاج الأخضر.وكان العربي يطلقون على الأملاح المأخوذة من الطبيعة الحجارة والأملاح المحضرة كيميائياً المستنبطات.وتحضير الكيماويات المستنبطة لم يكن معروفاً من قبل عصري جابر بن حيان والرازي.وحتى الصينيون الذين اكتشفوا ملح البارود كانوا يستعملونه من خامات الأملاح الطبيعية وكان يطلق عليه الملح الصيني.وقام الكيماويون العرب بتنقية ملحه الخام من الشوائب.وكان العمال الزنوج يقومون سنة 869م بتنقيته بالبصرة.مما جعله يستعمل كقوة دافعة للقذائف لإشتعاله السريع،وهذه الخاصية موجودة في مادة الكبريت،لهذا كانا يخلطان معاً.وكان العرب يصنعون بارود المدفع من نترات البوتاسيوم بنسبة 75% والكبريت بنسبة 10% والفحم بنسبة 15%.وكان المدفعي يحشو هذا المسحوق في فوهة المدفع ثم يضع بها القذيفة (كرة من الحجر أو الحديد)ثم يشعل في المسحوق النار.فيشتعل المسحوق بسرعة مكوناً غازات لها قوة ضغط عالية فتنطلق بذلك القذيفة للخارج نحو الهدف المراد تدميره.فالعرب أول من صنع بارود المدافع واستعملوه كقوة دافعة تدميرية في الحروب.بينما كان الصينيون يستخدمون الملح الصيني من ملح البارود الخام لخاصية الاشتعال في الألعاب النارية في أعيادهم.وقد نقل العالم بيكون لأوربا تقنية صناعة البارود بعد ثلاثة قرون من استعمال العرب واختراعهم له.

جابر بن حيان(أبو الكيمياء)

“هو أبو عبد الله أو أبو موسى جابر بن حيان بن عبد الله الأزدي الكوفي الطوسي.وكان معروفاً بالصوفي لزهده.

عاش فيما بين 120 ـ 198 هجرية الموافق 738 ـ 814م.

هو عالم عربي اختلفت الروايات في تحديد مكان مولده فمن المؤرخين من يقول بأنه من مواليد الجزيرة على الفرات شرق سورية،ومنهم من يقول أصله من مدينة حرَّان من أعمال بلاد مابين النهرين في سورية.

وقد وصف بأنه كان طويل القامة،كثيف اللحية مشتهراً بالإيمان والورع .

ويقال إنه سمي”جابرا” لانه هو الذي “جبر ” العلم أي أعاد تنظيمه وكنّي بالكوفي لأنه قضى مدة طويلة من حياته في مدينة الكوفة بالعراق،وكان والده بائع عقاقير في الكوفة،ويقول العالم الكبير سيد حسين نصر:”إن عائلة جابر بن حيان جاءت من جنوب الجزيرة العربية إلى الكوفة،وعندما كبر جابر بن حيان هاجر إلى بغداد حيث شاع صيته بين علماء الكيمياء آنذاك”.

مارس جابر الطب في بداية حياته تحت رعاية الوزير جعفر البرمكي أيام الخليفة العباسي هارون الرشيد.

وأضاف الأستاذ “بليسنر” في قاموس تراجم العلماء نقلاً عن العالم الكيميائي”هولميارد” أن أباجابر بن حيان كان بائع عقاقير (صيدلي) في الكوفة وذلك في مطلع القرن الثاني الهجري الموافق بداية القرن الثامن الميلادي.

وجابر بن حيان يعتبر رائد علم الكيمياء وأستاذ علماء الشرق والغرب في هذا الحقل،والكثير من العلماء التابعين له حذو حذوه.ويقول العالم المسلم الكبير “أبو بكر الرازي” في كتابه “الأسرار وسر الأسرار” إن جابراً من أعلام العرب العباقرة،وأول رائد للكيمياء،وأشار إليه في الكثير من كتاباته بعبارة”أستاذنا جابر بن حيان”.ومدحه المؤلف المعروف”هولميارد” في كتابه”الكيمياء إلى زمن دالتون” بقوله:”إن جابراً هو أول من يستحق لقب الكيميائي من المسلمين”.وأضاف القفطي في كتابه”أخبار العلماء بأخبار الحكماء” أن جابراً كان متقدماً في العلوم الطبيعية بارعاً منها ففي صناعة الكيمياء وله فيها مؤلفات.

وكان أبو جابر بن حيان من الدعاة للحكم العباسي والمتحمسين لذلك فقبض عليه الأمويون وقتلوه وبقي جابر طفلاً يتيماً فدرس العلوم على علماء الكوفة،ونبغ في علم الكيمياء.ثم ذهب إلى بغداد وتعرف على الخليفة العباسي “هارون الرشيد” فكرمه وشجعه على دراسة الكيمياء.لذا كان فضل جابر بن حيان على الكيمياء كفضل أرسطو على المنطق.ويقول الأستاذ “جورج سارتون” في كتابه” المدخل إلى تاريخ العلوم” إن جابر بن حيان نال الشهرة العظيمة بسبب انتاجه المرموق في حقل الكيمياء،فهو موسوعة القرون الوسطى بالعلوم جميعها.

وأضاف الباحث الكبير الأستاذ”فؤاد سيزجن”أن جابر بن حيان عرف ككيميائي،لكنه هو أيضاً عالم جليل في الرياضيات والفلك والطب والفيزياء،وقد كان واسع الإطلاع،ويظهر هذا من مؤلفاته الكثيرة في جميع فروع المعرفة،مما يدل على طول باعه بالعلوم المختلفة”.

كانت الكيمياء في زمن جابر بن حيان لازالت في مهدها،وكان العرب يسمونها الصنعة،لأنها كانت حرفة كغيرها من الحرف التي لا تحتاج إلى علم غزير ومراس طويل.ولم يلبث جابر طويلاً حتى بدأ حياته العلمية بالاشتغال بالكيمياء،فألف أول كتاب له بعنوان”الرحمة” تطرق فيه إلى تحويل المعادن إلى ذهب اظهر فيه جابر بن حيان عمقاً قديراً في الكيمياء حتى اًصبح باحثاً في الكيمياء كعلم من العلومـ وبذلك ساهم في تطويرها مساهمة كبيرة بحيث أصبح يعد أبا الكيمياء،وبقيت الكيمياء في العصور الوسطى تسمى”علم جابر” أو”صنعة جابر”.ولقد ركز جابر بن حيان في بحوثه على التجربة،فكان مؤمناً إيماناً قوياً بها،وكان ينصح طلابه بالقول المأثور عنه”وأول واجب أن تعمل وتجري التجارب،لأن من لايعمل ويجري التجارب لا يصل إلى أدنى مراتب الإتقان.فعليك يابني بالتجربة لتصل إلى المعرفة”.

عكف جابر بن حيان في مختبره في الكوفة عاملاً حتى ثبت دعائم الكيمياء وهذَّب حواشيه وبين أهمية اجراء التجارب.

وهو الذي أعطى الكيمياء اسمها الحالي واعترف بها الآخرون،بعد أن كانت قبله عبارة عن صناعة وخبرة تحتاج إلى دراية واتقان تستخدم في التعدين والتحنيط والصباغة وصناعة الزجاج والنسيج وتحضير العطور والزيوت وغيرها.

أما شهرة جابر الحقيقية فتعود إلى تمكنه من اكتشاف أن الزئبق والكبريت عنصران مستقلان عن العناصر الاربعة التي قامت عليها النظرية اليونانية القديمة،كما تميز باعتماده على التجربة العلمية.

ويعد جابر بن حيان من رواد العلوم التطبيقية،وتتجلى إسهاماته في هذا الميدان في تكرير المعادن،وتحضير الفولاذ،وصبغ الأقمشة،ودبغ الجلود،وطلاء القماش المانع لتسرب الماء،واستعمال ثاني أوكسيد المنغنيز في صنع الزجاج.

وكان جابر بن حيان يشرح تجاربه بوضوح ويفسر نتائجها تفسيراً في غاية من الدقة والاتقان فلا يخرج عن منهج العلم التجريبي ولا ينزلق في ما انزلق فيه الكيماويون الآخرون من أضاليل الشعوذة،إن كيمياء جابر بن حيان علم تجريبي أسس على نظريات جعلها جابر في إطار فلسفي معتمداً على فلسفة أرسطو.

ودرس جابر بن حيان نظرية أرسطو التي كانت معروفة في القرن الرابع قبل الميلاد القائلة”إن كل الموجودات في العالم تتألف من الماء والهواء والتراب والنار.ولها خواص أربع هي الحرارة والجفاف والرطوبة والبرودة.

لقد قام جابر بن حيان بكثير من العمليات المخبرية كالتبخير والتكليس والتصعيد والتقطير والتكثيف والترشيح والإذابة والصهر والبلورة.وحضر عدداً كبيراً من المواد الكيميائية مثل:أوكسيد الزئبق وكبريتيد الزئبق وحامض الكبريتيك وحامض النتريك وحامض الأزوتيك والماء الملكي الذي يذيب الذهب.وهو مخترع القلويات المعروفة في مصطلحات الكيمياء الحديثة باسمها العربي(الكالي)،وهو مكتشف ماء الفضة،وهو كذلك صاحب الفضل فيما عرفه الأوربيون عن ملح النشادر،وماء الذهب،والبوتاس.

وهو أول من عرف أنه عند خلط محلول ملح الطعام مع محلول نترات الفضة ينتج راسب أبيض وهذا الراسب هو كلور الفضة،كما لاحظ أن النحاس يكسب اللهب لوناً أخضر واللهيب يكسب النحاس اللون الأزرق،وقد أثبتت النظرية الذرية الحديثة ما توصل إليه جابر.وشرح جابر بالتفصيل تحضير الزرنيخ والأنتيموان وتنقية المعادن وصبغ الأقمشة والجلود.وبحث في السموم فألف فيها مؤلفاً بعنوان”السموم ودفع مضارها” وأعطى فيه أسماء السموم وأنواعها وتأثيراتها المختلفة على الإنسان والحيوان،وعلامة التسمم والمبادرة إلى علاجه والتحصن من السموم.وفيه قسم السموم إلى سموم حيوانية كسموم الأفاعي والعقارب وغيرها، وسموم نباتية كالأفيون والحنظل،وسموم حجرية كالزئبق والزرنيخ والزاج.

وقد قسم جابر المواد حسب خصائصها إلى ثلاثة أنواع مختلفة وهي

1 ـ الكحوليات:أي تلك المواد التي تتبخر عند تسخينها مثل الكافور،وكلوريد الأمنيوم

2 ـ المعادن:مثل الذهب والفضة والرصاص والحديد.

3 ـ المركبات: وهي التي يمكن تحويلها إلى مساحيق .

اهتم جابر بن حيان اهتماماً كبيراً بعلم الميزان،وهو مايسمى في العصر الحديث بقانون الأوزان المتكافئة.

يقول الأستاذ عبد الحليم منتصر في بحثه الذي قدمه في مؤتمر الحضارة العربية بين الأصالة والتجديد في عام 1395هجري الموافق 1975م في بيروت،بعنوان المنهج العلمي التجريبي لدى علماء العرب في العصر الإسلامي:”إن جابر بن حيان أدخل على الصناعية شيئاً جديداً اسمه علم الميزان فجعل لكل من الطبائع الأربع ميزاناً،ولما كان الذهب أصبر المعادن على النار،فقد اعتبر جابر بن حيان أن الطبائع متعادلة فيه.أما الفلزات الاخرى فطبائعها غير متوازنة،وفي رأيه إذا ما تعادلت الطبائع في أي منها،أمكن تحويله إلى الذهب الإبريز”.

ويكفى جابر بن حيان فخراً أنه نقل علم الكيمياء من مجاهل الخرافات إلى حقائق العلم التجريبي في المختبرات.

ولقد عكف جابر بن حيان على التأليف فصنف قرابة من ثلاثة آلاف مصنف من بينها الكتاب والرسالة والمقالة.

ولمدة تزيد على الألف سنة بقيت مؤلفات جابر مرجعاً لعلماء الغرب والشرق على السواء.

توفي جابر بن حيان في مدينة الكوفة وقد جاوز التسعين من عمره بعدما فر إليها من العباسيين بعد نكبة البرامكة وذلك سنة 813م.

أبو بكر الرازي

جاء في دائرة المعارف الإسلامية ـ السفير ـ العدد 17 ـ 18 ص 43:

“أبو بكر محمد بن زكريا الرازي،الطبيب الفيلسوف،الملقب بجالينوس العرب،والمعروف عند الغرب باسم”رازيس”.

ولد الرازي في “الرِّيّ” جنوبي طهران عاصمة بلاد الفرس سنة 240هجري 854م،وتوفى ببغداد سنة 320هجري 932م،وصنف من المؤلفات مايزيد على المائتين والعشرين،ضاع معظمها ولم يبق منها إلا القليل في بعض مكتبات أوربا.

ويتضح من هذه المؤلفات التي وصلتنا أن المنهج التجريبي في كثير من تفاصيله المعروفة لنا حالياً كان هو أسلوب الرازي في ممارسة الطب ودراسة الكيمياء.

ويكفي دليلاً على مكانة الرازي في تاريخ العلم والحضارة أن جامعة”برنستون” الأمريكية خصصت أفخم ناحية في أجمل أبنيتها لمآثره العلمية،باعتباره علماً من أعلام الحضارة الخالدين.

ومن أشهر كتب الرازي في الكيمياء “كتاب الأسرار” بفروعها المختلفة:الطبية والعضوية وغير العضوية،مما جعل بعض المؤرخين يعده أساس “الكيمياء الحديثة” في الشرق والغرب.

وذكر “البيروني”في فهرست كتب الرازي الذي حققه”كراوس” سنة 1355هجري 1936م أن الرازي قد ألف ثلاثة وعشرين كتاباً في الكيمياء وكان أهمها كتاب”الأسرار” الذي قال الرازي في مقدمته:”شرحنا فيه ما سطرته القدماء من الفلاسفة مثل:هرمس وأفلاطون وأرسطاطاليس وجالينوس…وخالد بن يزيد وأستاذنا جابر بن حيان،بل فيه أبواب لم يُر مثلها…وكتابي هذا مشتمل على معرفة معانٍ ثلاثة:معرفة مواد العقاقير،ومعرفة الآلات،ومعرفة التدابير (أي التجارب)…

7 ـ الفلسفة الإسلامية

جاء في ويكيبيديا الموسوعة الحرة:

الفلسفة الإسلامية:

مصطلح عام يمكن تعريفه واستخدامه بطرق مختلفة،فيمكن للمصطلح أن يستخدم على أنه الفلسفة المستمدة من نصوص الإسلام بحيث يقدم تصور الإسلام ورؤيته حول الكون والخلق والحياة والخالق.لكن الاستخدام الآخر الأعم يشمل جميع الأعمال والتصورات الفلسفية التي تمت وبحثت في إطار الثقافة العربية الإسلامية ،وفي بعض الأحيان تقدم الفلسفة الإسلامية على أنها كل عمل فلسفي قام به فلاسفة مسلمون.

مفهوم الفلسفة في الإسلام:

أقرب كلمة مستخدمة في النصوص الإسلامية الأساسية أي القرآن والسنة لكلمة فلسفة هي كلمة”حكمة”،ولهذا نجد الكثير من الفلاسفة المسلمين يستخدمون كلمة حكمة كمرادف لكلمة”فلسفة” التي دخلت إلى الفكر العربي الإسلامي كتعريب لكلمة(فيلوسوفي) اليونانية.

تاريخ الفلسفة في العالم الإسلامي:

دور الكندي في الفلسفة:

كان يعقوب بن إسحاق الكندي(805 ـ 873) أول مسلم حاول استعمال المنهج المنطقي في دراسة القرآن.نشأ الكندي في البصرة وحضي برعاية الخليفة العباسي المأمون،وكانت اهتمامات الكندي متنوعة منها الرياضيات والعلم والفلسفة ولكن اهتمامه الرئيسي كان الدين.

ويعتبر الكندي أول فيلسوف عربي حاول التوفيق بين تعاليم الفلسفة وخاصة فلسفة أرسطو وبين تعاليم الدين،وقد سطع نجمه في أواسط القرن التاسع.

جاء في مقالة للأستاذ قدري حافظ طوقان في مجلة الرسالة العدد54:

“هو من أشهر فلاسفة الإسلام،وهو له فضلٌ كبير أيضاً في العلوم الرياضية والفلكية،وكان عالماً بالطب والفلسفة والحساب والهندسة والمنطق وعلم النجوم،وطبائع الأعداد.كان أبوه أميراً على الكوفة(محل ولادته).وقد ولد في بداية القرن التاسع للميلاد .

درس الكندي في بادىء أمره في البصرة ثم أتم تحصيله على أشهر العلماء،وانتخبه الخليفة المامون أحد الذين يُعهد إليهم ترجمة مؤلفات أرسطو وغيره من حكماء اليونان.

ترك الكندي أثاراً كباراً جليلة جعلت العالم الإيطالي”كاردانو” يعده من بين الإثني عشر عبقرياً الذين هم من أهل الطراز الأول في الذكاء،وجعلت “باكون” يقول عنه:إن الكندي والحسن بن الهيثم في الصف الأول مع بطليموس،ويقول كتاب”الآثار الباقية”:إن الكندي أول من حاز لقب فيلسوف الإسلام.

دور أبو بكر الرازي في الفلسفة:

رفض أبو بكر الرازي(864 ـ 923) إقحام الدين في شؤون العقل،ورفض نظرة أرسطو للميتافيزيق وكان فكره أقرب إلى العارفية حين قال الرازي إنه من المستحيل أن يكون منشأ المادة عبارة عن كينونة روحية ورفض فكرة أن الحركة وإن كانت تبدو عملية لامتناهية فإن مصدرها الثبات ورفض تحاليل علماء الكلام عن الوحي والنبوة.

كان الرازي مقتنعاً إن التحليل العقلي والمنطقي هي الطريقة الوحيدة للوصول إلى المعرفة .

دور الفارابي في الفلسفة:

تبع الكندي في الفلسفة وربطها بالدين وهو من مواليد تركستان ودفن في دمشق عام 950 ويقال عنه “المعلم الثاني” بعد أرسطو”المعلم الأول”.ووضع كتاب بعنوان المدينة الفاضلة على منوال”جمهورية أفلاطون”.

دور ابن رشد:

جاء في موقع اسلام اون لاين:

“في بيئة عريقة ومن أسرة عرفت بالعلم والثقافة والفقه ولد ابن رشد الفيلسوف القاضي أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد سنة 520هجري الموافق 1126م في قرطبة ،فتربى في أحضان والده الذي كان من كبار القضاة في الاندلس،وفي رحاب سيرة جده الذي كان قاضي القضاة بالأندلس أيضاً،ما أدى إلى نبوغه وتفوقه حتى بزّ أقرانه في شتى العلوم.

فجده الذي عُرف مثله”ابن رشد” كان عالماً وفقيهاً على مذهب الإمام مالك،وقد تقلد القضاء في قرطبة وتوفي في العام الذي ولد فيه حفيده ابن رشد،وكذلك كان أبوه أحمد قاضياً بارعاً في الفقه والعلم.

في مثل هذه البيئة نشأ ابن رشد الفقيه الفيلسوف،فاتجه منذ صغره إلى طلب العلم،فدرس الفقه وحفظ موطأ مالك وروى عنه الحديث،وحصل على إجازة في ذلك من والده.

كما درس علم الكلام من خلال مذهب الأشاعرة،ودرس الطب والرياضيات،والمنطق والفلسفة التي برع فيها وتفوق ودافع عنها ضد الخصوم،ودعاإلى دراستها إلى أن توفي في مراكش في شهر كانون الأول من سنة 595هجري الموافق 1198م.ليدفن في قرطبة.درس ابن رشد على أبرز علماء عصره من أمثال: أبي القاسم بن بشكوال،أبي مروان بنمسرة،وأبي بكر بن سحنون،وأبي جعفر هارون.

كما تولى منصب قاضي القضاة بقرطبة،فلقب بقاضي قرطبة،كما كان من شراح المذهب المالكي،ولقب بالشارح الأكبر نظراً لقيامه بشرح كتب أرسطو،ولخص بعض مؤلفات أفلاطون مثل الجمهورية وغيرها.

تفوق ابن رشد في شتى المجالات والعلوم التي ولج بابها،فكانت له شهرته،ومكانته العالية التي نال بسببها إعجاب الكثيرين،ويبدو أن العلاقة بين العلماء والأمراء أمر حتمي،خاصة مع مشاهير العلماء مثل ابن رشد الفقيه الفيلسوف الشهير.

لقد بدأت شهرة ابن رشد في ظل دولة الموحدين وبالتحديد عندما استعانه أول ملوك هذه الدولة”عبد المؤمن بن علي”إلى مراكش سنة 548هجري وذلك ليسترشد برأيه في إنشاء عدد من المدارس هناك على غرار مدارس الأندلس،وعندما قابله ابن رشد أعجب به الأمير أيما إعجاب،وعظمت مكانة ابن رشد عنده،وكذلك عظمت مكانته في عصر الخليفة أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن.

وكان لعلاقة الصداقة التي كانت بين ابن رشد وابن طفيل أثر في تعريف ابن رشد بالخليفة الذي كان يحترم العلم والعلماء.

وكان الخليفة قد سأل ابن رشد عن رأي الفلاسفة في السماء أقديمة هي أم حادثة؟فامتنع ابن رشد عن الجواب في البداية،ثم أجابه بعد ذلك فأعجب به الخليفة أشد إعجاب،وأثنى عليه وأمر له بهدايا وحلّة سنية،ثم كلفه الخليفة بعد ذلك بشرح كتب أرسطو فاستجاب ابن رشد وقام بهذه المهمة على خير وجه،وذلك لجودة ذهنه وبراعته وحبه للفلسفة.

ثم مات الخليفة أبو يعقوب سنة 580هجري وخلفه ابنه أبو يوسف يعقوب الملقب بالمنصور،وتوطدت العلاقة بين هذا الأخير وابن رشد،وعظمت مكانته عنده وقربه إليه بطريقة أقلقت ابن رشد نفسه،ثم بعد ذلك انقلب الخليفة عليه وأمر بنفيه وإحراق كتبه.وسبب ذلك أن بعض الفقهاء والحاقدين أوقعوا بينهما، واتهموه بالكفر والزندقة،وهو ما أزرى به وجعل الخليفة يسومه سوء العذاب،ويعريه من كل نعمة كان قد أعطاها إياه،فنفاه إلى بلد معظم سكانها من اليهود إمعاناً في العقاب والتعذيب.وظل يعاني من المحنة إلى أن عفا عنه الخليفة وأحسن إليه ولكن بعد ذلك بقليل توفي ابن رشد عليه رحمة الله سنة 595هجري.

لقد عمل ابن رشد على عدة قضايا هامة وكان من ضمنها مسألة التوفيق بين الشريعة والفلسفة،وهي المسألة التي احتلت حيزاً كبيراً في اهتماماته ودفعته للتوفيق بينهما،وذلك لأسباب كثيرة من ضمنها أنه فيلسوف متدين،كما أنه تميز عمن سواه وعمن سبقوه أنه كان فقيهاً وقاضياً،وكان عليه أن يبين للناس أن انشغاله بالفلسفة لا يتعارض مع الدين والوظيفة التي يتقلدها،والتي يجب عليه بمقتضاها أن يكون حارساً للشريعة عاملاً على تطبيق أحكامها،إضافة إلى مجىء ابن رشد بعد حملة الإمام الغزالي وهجومه الضاري على الفلسفة والفلاسفة في كتابه”تهافت الفلاسفة” وذكر الغزالي أن الفلسفة أدت بكثير من الناس إلى الكفر والإلحاد،فكان لزاماً على الفقيه الفيلسوف أن يرد على هذا الزعم مبيناً خطأه من صوابه.

وأما المبادىء التي اعتمد عليها ابن رشد في التوفيق بين الدين والفلسفة فكانت:

1 ـ الدين يوجب التفلسف:

توصل ابن رشد إلى أن الدين او الشرع يوجب النظر العقلي أو الفلسفي،كما يوجب استعمال البرهان المنطقي لمعرفة الله تعالى وموجوداته.ولقد ذكر ابن رشد آيات كثيرة من القرآن الكريم تدعو إلى التفكر والتدبر،منها على سبيل المثال:{فاعتبروا يا أولى الأبصار}،{أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شىء}،وصرح ابن رشد بأن الاعتبار ليس إلا استنباط المجهول من المعلوم،وهو القياس العقلي أو الشرعي والعقلي معاً.

ثم دعا ابن رشد إلى مبدأ القياس،وصرح بأنه لا استغناء عنه،وعدّه ضرورياً وقال بأنه لا مانع من الاستعانة بما قاله الفلاسفة السابقون حتى ولو كانوا على غير ملتنا،ورد على من قالوا بأن الفلسفة تؤدي إلى الكفر بأن السبب ليس هو الفلسفة،ولكن من يتناول الفلسفة،وضرب مثلاً على ذلك بمن يموت بسبب شرقه الماء،فليس الماء هو الذي سبب الوفاة،ولكن حدوث أمر عارض عند شربه هو الذي أدى إلى الوفاة.

2 ـ الدين أو الشرع له ظاهر وباطن:

يذهب ابن رشد إلى أن نصوص الشرع لها معنى جلي قريب وواضح،وأيضاً لها معنى خفي،أو بعبارة أخرى لها معنى ظاهر ومعنى باطن.ويصرح ابن رشد بأن الله تعالى راعى اختلاف نظر الناس وتباين قرائحهم فجعل للشرع ظاهراً وباطناً،فعلى العامة أن يقبلوا ظاهر النصوص دون جدل أو تأويل،لانهم ليسوا أهلاً لذلك،وإنما التأويل هو من شأن البرهانيين وحدهم لانهم أهل لذلك،ولا ينبغى أن تذاع التأويلات على العامة،بل يجب أن تكون في وسط الخاصة فقط لمناسبتها عقولهم.

3 ـ ضرورة التأويل:

ذهب ابن رشد إلى أن التأويل ضروري لصالح الدين والفلسفة،فإذا كان الدين يوجب النظر العقلي أو الفلسفي فإنه من الواجب أن نلتمس تأويل مالايتفق معه من النصوص.

ولقد صرح ابن رشد بأن كل ما أدى إليه البرهان وخالفه ظاهر الشرع فإن هذا الظاهر يقبل التأويل حتى لا يصطدم الشرع بالعقل.

ولقد قسم ابن رشد المعاني من حيث التأويل وعدمه لأقسام أربعة:مالايجوز تأويله لموافقة ظاهره باطنه،وما لا يجوز أن يؤوله إلا الراسخون في العلم،وذلك عندما يكون المعنى الظاهر ليس مراداً من الص،ومالا بد من تأويله وإظهار هذا التأويل للجميع،وما يؤوله العلماء لأنفسهم،وذلك إذا كان ظاهر المعنى رمزاً ولا يعرف مدلوله إلا بعلم بعيد،مثل الحديث الشريف”الحجر يمين الله في الأرض” يؤوله العلماء لأنفسهم،ويقال للعامة إنه من المتشابه.

ابن رشد والغزالي:

القضية الثانية التي كتب فيها ابن رشد كانت دفاعه عن الفلسفة والتنظير لها بعد أن هاجم أبو حامد الغزالي الفلسفة والفلاسفة هجوماً ضارباً في بعض كتبه،وبخاصة كتابه المشهور”تهافت الفلاسفة” ولقد ذكر الغزالي”أن بعض معاصريه قد أعرضوا عن العبادات الدينية،واستهانوا بحدود الشرع،وأهملوا شعائره،بل خرجوا بالكلية عن العقائد الدينية دون أن يكون لديهم برهان يقيني أو بحث نظري،وإنما كان مدار كفرهم سماعهم أسماء هائلة،كسقراط وبقراط وأفلاطون ,ارسطو طاليس وأمثالهم”.

ومن ثم ألفَّ كتابه”تهافت الفلاسفة” وهاجم فيه الفلاسفة اليونانيين وكذلك من تبعهم من فلاسفة المسلمين،خاصة الفارابي وابن سينا،وفي كتابه خالف الغزالي الفلاسفة في عشرين مسألة،وحكم عليهم بالبدعة في سبع عشرة مسألة،وحكم عليهم بالكفر في ثلاث مسائل وهي: قولهم بقدم العالم،وقولهم بأن الله لا يعلم الأشياء الجزئية،وإنكارهم بعث الأجساد وحشرها في الآخرة اكتفاء بالبعث الروحاني وحده.

ويرى الإمام أبو حامد الغزالي أن هذه المسائل الثلاث لا تلائم الإسلام مطلقاً،ومن يعتقد في هذه الآراءفإنه يعد مكذباً لأنبياء الله تعالى،ويكون بذلك خارجاً عن العقيدة الإسلامية.

والمؤكد أن الإمام الغزالي بآرائه هذه ـ برغم أنه كان يهاجم الفلسفة والفلاسفة ـ قد أذكى الفكر الفلسفي وذلك لصدى الآراء الهائل،ولتبوئه مكاناً عالياً بين العلماء والفقهاء.وهو ما أدى إلى دراسة آرائه باهتمام،وواجه الفلاسفة بعد ذلك ـ خاصة ابن رشد ـ آراءه بالنقد والتمحيص.

وهناك من الباحثين من قال بأن هجوم الغزالي على الفلسفة كان ضربة قاضية لها،ولكن هذا الكلام ليس صحيحاً على إطلاقه،فلقد تطور الفكر الفلسفي بعد الغزالي،ولمع الكثير من فلاسفة الإسلام،بل إن فكر الغزالي نفسه يعد فلسفة وكان سبباً في تطور الفكر الفلسفي سواء في الشرق أو في الغرب.

ففي الغرب اطلع ديكارت أحد فلاسفة الغرب المشهورين على كتب الغزالي وتاثر بها وأثر ذلك بالطبع على فكره ومؤلفاته.

وفي الشرق درس كثير من الفلاسفة فكر الإمام الغزالي،وتأثروا به وأيدوه في بعض آرائه وانتقدوه في البعض الآخر،وأشهر هؤلاء فيلسوفنا ابن رشد،الذي استطاع أن يدافع عن الفلسفة وصححَ كثيراً من المفاهيم الخاطئة،وأزال اللبس عن كثير من المسائل التي كانت تفهم خطأ،وصرح بأنه لا خوف على الدين من الفلسفة،وأورد كثيراً من آيات القرآن التي دعت إلى التفكر والتدبر في الكون ومافيه من مخلوقات.

ومن ثمرة حملة الإمام الغزالي على الفلسفة وجدنا مؤلف ابن رشد الشهير”تهافت التهافت” الذي ألفه رداً على “تهافت الفلاسفة” للغزالي.

لم يشأ ابن رشد أن يسمى مؤلفه”تهافت الغزالي” لأن ذلك يعني أن فكر الغزالي متهافت،فسماه تهافت التهافت ليثبت بذلك ماورد في كتاب الإمام الغزالي من تناقض وتعارض.فابن رشد إذن هاجم ما في الكتاب من آراء ووافق الغزالي في بعض الآراء ولم يهاجم فكر المؤلف على عمومه.

ولقد كان الدافع الرئيسي الذي دفع ابن رشد إلى تأليف هذا الكتاب هو ما احدثه كتاب الغزالي من ضجة وتعارض في أذهان الناس،فقد جعلتهم ينقسمون قسمين:فريق يهاجم الفلسفة،وفريق آخر يناصر الفلسفة ويعمل على تاويل الشرع لكي يتفق مع العقل.

كما ان طابع الحياة الفكرية في الاندلس الذي كان يتسم بالحذر من الفلسفة وهو ماقاد إلى تعرض الفلاسفة للاضطهاد،واتهامهم بالزندقة من قبل أئمة الشريعة،كما كانت هناك مراسيم تحذر الناس من الفلاسفة لانهم أشبه بالسموم السارية في الأبدان،فاضطر الفلاسفة في بعض الأحيان إلى عدم إظهار علومهم خشية الاضطهاد والانتقاد والتعذيب.

لهذاكله كان يتوجب على أبي الوليد ابن رشد أن يهتم بقضية العلاقة بين الدين والفلسفة،ولقد نهض ابن رشد بهذه المهمة فقام بها خير قيام،وهو ماجعل مؤرخي الفلسفة ينظرون إلى ماقدمه حولها بأنه واحد من أكثر جهوده أصالة”.

ابن طفيل:

نشأ في غرناطة وهو فيلسوف مسلم (ت 1185) ووضع رواية”حي بن يقظان” حاول فيها إثبات أن المرء إذا ترك انفسه ولم يتأثر بعوامل خارجية من تربوية أو غيرها يستطيع أن يدرك حقيقة الخالق وواجباته نحوه،وبذلك أزال الحائط الفاصل بين ماهو طبيعي وما هو فوق الطبيعة.وترجم الكتاب إلى اللاتينية عام 1671/ ومما لاريب فيه أن قصة”روبنسون كروز”منسوجة على منواله.

جاء في دائرة المعارف الإسلامية ج1 ص212:

“ابن طفيل” فيلسوف مغربي مشهور.وهو أبو بكر محمد بن عبد الملك بن محمد بن محمد بن طفيل القيسى:من قبيلة قيس المعروفة.وكان يسمى كذلك الأندلسي القرطبي أو الإشبيلي.ومن المحتمل أن يكون ابن طفيل قد ولد في العقد الأول من القرن الثاني عشر الميلادي في وادي آش على بعد أربعين ميلاً في الشمال الغربي لغرناطة.

وقد زاول ابن طفيل في أول أمره الطب في غرناطة، ثم أصبح كاتب سر والي هذا الإقليم. وفي عام 549هجري الموافق 1154م أصبح كاتب سر حاكم سبتة وطنجة،وهو ولد عبد المؤمن مؤسس دولة الموحدين،ثم أصبح أخيراً طبيب السلطان الموحدي أبي يعقوب يوسف،ويقال إنه وزر لهذا السلطان كذلك.ولقد كان لإبن طفيل تأثير كبير على هذا السلطان،وقد استغل هذا التأثير في اجتذاب العلماء إلى البلاط،مثال ذلك أنه قدّم الشاب ابن رشد إلى السلطان.كما أن ابن طفيل هو الذي حبب إلى ابن رشد شرح كتب أرسطو.

ولما طعن ابن طفيل في السن حل ابن رشد محله في الطبابة للخليفة عام 578هجري ومع ذلك فقد ظل ابن طفيل محتفظاً بمحبة الخليفة أبي يعقوب.وبعد وفاة الأخير عام 580هجري احتفظ بصادقة ولده أبي يوسف يعقوب وتوفي ابن طفيل عام 581هجري الموافق 1185م بمراكش،وحضر الخليفة بنفسه جنازته.

وابن طفيل هو مؤلف القصة الفلسفية المعروفة”حي بن يقظان” التي تعد من أعجب كتب العصور الوسطى.وكتب ابن طفيل رسالتين في الطب،وكانت بينه وبين ابن رشد مراسلات حول كتاب الأخير”الكليات”.وكان لإبن طفيل آراء مبتكرة في علم الفلك.

وقصة “حي بن يقظان” وتعرف أيضاً باسم”أسرار الحكمة الإشراقية”،وقد عرض ابن طفيل في كثير من المهارة فلسفته متخذاً لذلك إنساناً قصصياً موهوباً قادراً على التفكير وُجد منذ طفولته في جزيرة مقفرة.وهناك استطاع بقوة عقله فقط أن يميط اللثام عن الفلسفة،وأسس لنفسه مذهب الأفلاطونية الجديدة في صورته الإسلامية.

ابن باجة

جاء في مقال للأستاذ عمر الدسوقي في مجلة الرسالة العدد 464:

“هو أبو بكر محمد بن يحيى الصائغ المعروف بابن باجّة،ولد في مدينة سرقسطة في أواخر القرن الخامس الهجري،وشبّ أبو بكر والمرابطون يحكمون في البلاد،فاتخذه حاكم سرقسطة أبو بكر بن إبراهيم صهر أمير المؤمنين جليساً له ووزيراً ،ولكن الأحوال في سرقسطة اضطربت وهاجمها الفونس الأول ملك أرجونة فسقطت في يده عام 512هجري الموافق 1118م،فرحل عنها ابن باجة،وذهب إلى إشبيلية،واستقر بها وألف فيها بعض رسائله في المنطق وتوجد بعض رسائله في مكتبة الأسكوريال .ثم قصد غرناطة وأقام بها مدة،ومن ثم ذهب إلى بلاد المغرب.

مات ابن بلجة ولم يعدُ طور الشباب،وقيل إنه مات مسموماً ،وكانت وفاته في رمضان سنة 523هجري الموافق 1138م بمدينة فاس،وكان قبره بجوار قبر القاضي ابن العربي.

ومن أشهر أعدائه الذين حاربوه ورموه بالزندقة والكفر والخروج عن جادة الدين الفتح بن خاقان الغرناطي صاحب(قلائد العقيان).

يقول ابن أبي أصيبعة عن ابن باجة:”كان في العلوم الحكمية علامة وقته وأوحد زمانه.وكان متميزاً في صناعة الطب،وكان متقناً لصناعة الموسيقى”.

وعدّه ابن خلدون من أكابر فلاسفة الإسلام بالأندلس، وشهد له ابن طفيل بالتقدم والفضل،كما أن ابن رشد أعجب به كثيراً وحاول شرح بعض كتبه،وعندنا أن لإبن ماجة ميزتين:

1 ـ إنه أول المشتغلين بالفلسفة في الاندلس بعد أن ظلت كتب الفلسفة زمناً طويلاً مطمورة في مكاتب المغرب،ولهذا كانت خطوته جريئة،إذ الغلبة الفكرية كانت لرجال الدين،وهذا يعلللنا ما لاقاه من اضطهاد وعداوة ظاهرة.

2 ـ إنه أول فلاسفة الإسلام الذين حاولوا أن يبحثوا الفلسفة مستقلة عن الدين.

يقول عنه ابن طفيل:”ثم خلف من بعدهم خلف آخر أحذق منهم نظراً وأقرب إلى الحقيقة،ولم يكن فيهم أثقب ذهناً ولا أصح نظراً ولا أصدق روية من أبي بكر بن الصائغ،غير أنه شغلته الدنيا حتى اخترمته المنية قبل ظهور خزائن علمه وبث خفايا حكمته.وأكثر ما يوجد له من التأليف إنما هي كاملة ومجزومة”.وقد تأثر به ابن طفيل في حي بن يقظان تأثراً عظيماً.

أبو نصر الفارابي(المعلم الثاني)

جاء في تراث الإنسانية ـ المجلد الثاني ـ ص 858 مقال للدكتور محمود أحمد الحفني :

“أبو نصر الفارابي: (260 ـ 330هجري):اسمه أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي،نسبة إلى مدينة”فاراب” من أعمال خراسان،حيث ولد بها وكان أبوه تركياً من قواد الجيش.

فلما شبّ كان شأنه شأن أولئك العباقرة ذوي المواهب الذين تهفو نفوسهم نحو المعرفة ويجدون في الحكمة والعلوم غذاءً لها،فهاجر من مسقط رأسه إلى بغداد حيث كانت مهد الحضارة في العصر العباسي.

ولما دخل بغداد كان بها أبو بشر متى بن يونس الحكيم المشهور،فأخذ عنه علم المنطق ثم رحل إلى مدينة حرّان وكان بها يوحنا بن حيلان الحكيم النصراني،فأخذ عنه طرفاً من علم المنطق أيضاً،ثم عاد إلى بغداد وانقطع إلى قراءة كتب الفلسفة وتناول جميع كتب”أرسطو” في المنطق،وبرع في تفسير معانيها وأغراضه فيها،حتى قيل إن كتاب”النفس” لأرسطو وجد مكتوباً عليه بخط الفارابي:”إني قرأت هذا الكتاب مائة مرة”.

ثم أقبل على العلوم الرياضية وعلوم الحكمة والفلسفة ونظر في صناعة الطب وعلم منها الأمور الكلية غير أنه لم يباشر جزئياتها ولم يحاول مباشرة أعمالها.وكان له من معرفته باللغة اليونانية خير معين على استيعاب علوم الحكمة والفلسفة والمنطق،وكانت أيضاً معرفته باللغة الفارسية مما جعله إماماً في العلوم النظرية والموسيقى،إلى جانب معرفته باللغة العربية،وهي لغة الأدب والدين والطب،فكان فيلسوفاً عالماً حكيماً،جديراً بأن يلقب بالمعلم الثاني أكبر فلاسفة المسلمين.

ومع كل هذا،كان أبيَّ النفس متواضعاً متجنباً عن أمور الدنيا مقتنعاً منها بما يقوم بأوده ،سئل مرة:من أعلم أنت أو أرسطو؟قال:”لو أدركته لكنت أكبر تلاميذه” وكان فاضلاً تقياً ورعاً.

وللفارابي مؤلفات عديدة أكثرها في المنطق،شرح فيها جميع كتب أرسطو ومنها: كتاب القياس،وكتاب البرهان،وكتاب الجدل،وكتاب المقولات العشرة وغيرها…

ويذكر أن الفارابي توفى عند سيف الدولة الحمداني في رجب سنة 339هجري.

وجاء في تراث الإنسانية المجلد الرابع مقال للدكتور علي عبد الواحد وافي تحت عنوان”آراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي:

“هو أبو نصر،محمد،المعلم الثاني،الشهير بالفارابي. فاسمه محمد،وكنيته أبو نصر،ولقبه المعلم الثاني، وشهرته الفارابي.والراجح أن السبب في تلقيبه بالمعلم الثاني يرجع إلى مكانته الكبيرة في الفلسفة،ووفرة انتاجه فيها،ومتابعته لدراسات أرسطو،وشرحه لنظرياته،حتى لقد اعتبر أكبر الفلاسفة من بعده،وأعظم ناشر وموضح لآرائه،ولما كان أرسطو قد اشتهر بلقب المعلم الأول،لذلك أطلق على خليفته في عالم الفلسفة وناشر آرائه لقب المعلم الثاني.

ويعتبر الفارابي المؤسس الحقيقي للدراسات الفلسفية في العالم العربي، والمنشىء الأول لما نسميه الآن”الفلسفة الإسلامية”.فقد أشاد بنيانها،ووضع الأساس لجميع فروعها.ولا نكاد نجد فكرة عند من جاءوا بعده من فلاسفة الإسلام إلا لها أصل لديه.وهو أعرف فلاسفة الإسلام بتاريخ الفلسفة ونظريات الفلاسفة.فهو يتحدث في مؤلفاته حديث الخبير عن المدارس اليونانية ويبين الفوارق بينها ويحاول التوفيق بين أفلاطون وأرسطو.

وكان نابغة عصره في الموسيقى وله فيها مؤلف مشهور ومخترعات كثيرة.ويذهب ابن خلكان إلى أنه المخترع للآلة المسماة بالقانون وأنه أول من ركبها هذا التركيب،ويذهب غيره إلى أنه اخترع آلة أخرى تشبه القانون.

رأي الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي رحمه الله

في مقال له بعنوان”لا بديل عن الدين” يقول رحمه الله:

“لقد تبين لنا أن إنسان العلم الحديث هو”ذلك المجهول” الذي لم يستطع العلم أن يسبر غوره،وأن يتعرف على حقيقته،وأن ينفذ إلى أعماقه،كما بيّن ذلك”ألكسيس كاريل”و”رينيه دوبو” وغيرهما.

لقد عرف العلم الجمادات أو المادة،وحللها واكتشف قوانينها،ولكنه عجز عن معرفة الإنسان،لأن الإنسان من التركيب والتعقيد بحيث لا يعرفه إلا من خلقه فسواه:{ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}.(الملك 14).

ومادام العلم يجهل الإنستن،فلا يؤمل منه أن يحسن توجيهه وتربيته والتشريع له،بل بدا اليوم أن العلم بعبارة أدق تطبيقاته التكنولوجية أصبح خطراً على فطرة الإنسان وبيئة الإنسان.

و”إنسان الفلسفة” ليس أحسن حظاً من إنسان العلم،والفلسفة رغم اهتمامها بالإنسان منذ أنزلها “سقراط” من السماء إلى الأرض ووجه العقل الإنساني إلى محاولة اكتشاف ذاته”اعرف نفسك” لم تتفق على رأي في نظرتها إلى الإنسان:أهو روح أم مادة؟جسم يفنى أو روح يبقى؟عقل أم شهوة؟ملاك أم شيطان؟الأصل فيه الخير أم الشر؟أهو إنسان كما نراه،أم ذئب مقنع؟أو أناني أم غيري؟أهو فردي أم جماعي؟أهو ثابت أم متطور؟أتدي فيه التربية أم لا تجدي؟ أهو مختار أم مجبور؟.

اختلفت الفلسفات في الإجابة عن هذه التساؤلات وتناقضت،فلا تستطيع أن تخرج منها بطائل،حتى قال شيخنا الدكتور عبد الحليم محمود ـ وهو أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين ـ قبل أن يكون شيخاً للأزهر:”الفلسفة لا رأي لها،لأنها تقول الرأي وضده،والفكرة ونقيضها”.

هنا نجد الفلسفة الإلهية مناقضة للفلسفة المادية،والفلسفة المثالية مناقضة للفلسفة الواقعية،وفلسفة الواجب معارضة لفلسفة المنفعة أو اللذة،إلى آخر ما نعرفه من تناقضات في الساحة الفلسفية.فهذا يثبت،وذاك ينفي،وهذا يبني،وذاك يهدم.

ومن هنا لا تستطيع الفلسفة وحدها أن تهدي الإنسان سبيلاً أو تشفى له غليلاً،أو تنمنحه منهجاً يركن له ويطمئن إليه،ويقيم حياته على أساسه.

وأبعد الفلسفات عن هداية الإنسان وإسعاده هي الفلسفات المادية،التي تنكر أن للكون إلهاً،وأن للإنسان روحاً،وأن وراء الدنيا آخرة.وعلى رأس هذه الفلسفات:الفلسفة الماركسية القائمة على المادة الجدلية،والتي تتبنى مقولة بعض الفلاسفة الماديين:ليس صواباً أن الله خلق الإنسان،بل الصواب أن الإنسان هو الذي خلق الله!!ومثل ذلك الفلسفات العبثية والعدمية والشكيّة،فكلها فلسفات تهدم ولا تبني،وتُميت ولا تُحيى.

ويبين الدكتور”دراز” الفرق بين الفلسفة والدين فيرى أن الفلسفة فكرة هادئة باردة،أما الدين فهو قوة دافعة،فعالة،خلاقة،لا يقف في سبيلها شىء في الكون إلا استهانت به أو تبلغ هدفها.

ذلك هو فصل مابين الفلسفة والدين،غاية الفلسفة المعرفة،وغاية الدين الإيمان،مطلب الفلسفة فكرة جافة،ترتسم في صورة جامدة،ومطلب الدين روح وثابة،وقوة محركة.

لا نقول كما يقول كثير من الناس:إن الفلسفة تخاطب العقول،وأن الدين في كل أوضاعه لا يقنع بعمل العقل قليلاً أو كثيراً حتى يضم إليه ركون القلب.

الفلسفة تعمل إذاً في جانب من جوانب النفس،والدين يستحوذ عليها في جملتها.ومن هنا يستنبط فرق دقيق بين الفلسفة والدين.ذلك أن غاية الفلسفة نظرية،حتى في قسمها العملي،وغاية الدين عملية،حتى في جانبه العلمي،فأقصى مطالب الفلسفة أن تعرفنا الحق والخير ما هما؟وأين هما؟ولا يعنيها بعد ذلك موقفنا من الحق الذي تعرفه،والخير الذي تحدده،أما الدين فيعرفنا الحق لا لنعرفه فحسب،بل لنؤمن به ونحبه ونمجده،ويعرفنا الواجب لنؤديه ونوفيه،ونكمل نفوسنا بتحقيقه”.

8 ـ علم الفلك والأرصاد

جاء في دائرة المعارف الإسلامية ـ السفير ـ العدد 11ـ12:

“أرصاد:جمع رَصْدٍ أو رَصَد،يقال: رصد الشىء يرصده رصداً أو رصَدا،إذا راقبه ولاحظه.

والمرصد والمرصاد:الطريق،والجمع:مراصد،وقد يقصد به مكان الرصد.وقد وردت كلمة”رصد” وبعض مشتقاتها في آيات من القرآن الكريم،مثل قوله تعالى:{فمن يستمع الآن يجد لهُ شِهاباً رصَدا}(الجن 9)،وقوله سبحانه{وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كلَّ مَرصَدٍ}(التوبة 5) وقوله عز وجل:{إنَّ ربكَ لبالمرصاد}(الفجر 14).

والرصد في العلوم الكونية:تتبع حركات الكواكب والنجوم والأجسام الفضائية،ومراقبة حدوث الظواهر الفلكية والجوية وتغيراتها.

ويدلنا استقراء الآثار الحضارية،وتاريخ العلوم،على أن الإنسان قد مارس رصد الظواهر الفلكية والجوية منذ أقدم العصور،فقد أدرك المصريون القدماء أن فيضان النيل مرتبط بالشمس،أو فصول السنة،وحسبوا السنين على هذا الأساس،وقسّموا السنة إلى 365يوماً ،ثم أضافوا سنة واحدة إلى كل 1460سنة،عندما تبين لهم أن السنة تزيد بمقدار ربع يوم على الأيام البسيطة،نتيجة لرصدهم نجم”الشعرى” الذي يتفق ظهوره مع فيضان النيل.

وفي بابل القديمة برع”الكلدانيون” في رصد حركات الشمس والقمر،وحسبوا على أساسها مواقيت الخسوف والكسوف،وأثبتوا عدداً من الأحداث الفلكية المهمة،ووضعوا جداول لأرصاد جمعت في 300 سنة،وأدركوا قيمة النسىء،وهو كبس السنين لتطابق السنة القمرية السنة الفلكية.

وفي الهند وضع الفلكي الهندي القديم”براهما جويتا” كتاب”السدهانتا”،الذي ضمنه مقدمة في رصد تحركات الأجسام السماوية،وقد ترجمه العرب بعد ذلك إلى “السندهند”.وفي اليونان قام”هيبارخوس” أو “أبرقس” بأرصاد كثيرة في الإسكندرية وفي “رودس”،وصنع زيجاً(جدولاً فلكياً)يبين مواقع النجوم،وحساب حركاتها ،فيه نحو 1080 نجماً.

وفي عصر الحضارة الإسلامية اهتم علماء المسلمين برصد الظواهر الكونية على أساس علمي سليم،واستعانوا في أول الأمر بمعلومات القدماء من المصريين والبابليين والهنود والفرس والإغريق،ثم قاموا هم بأرصادهم الخاصة باستخدام الأجهزة والآلات،كالأسطرلاب وغيره،وصنفوا في هذا الفن العديد من الكتب والأزياج،فوضع “البتّاني” على سبيل المثال كتابه” الزيج الصابىء” وضمنه كل ماتوصل إليه من معلومات وأرصاد دقيقة،كان لها أثر كبير خلال العصور الوسطى،وأوائل عصر النهضة في أوربا.

وللبتناني أرصاد عن الكسوف والخسوف،اعتمد عليها بعض العلماء في تحديد تزايد عجلة تحرّك القمر خلال قرن من الزمن،وكان “أبو الوفاء البوزجاني” قد اكتشف أن القمر يختلف في سيره سنة بعد سنة،ووضع معادلة رياضية لتقويم مواقع القمر،سُميت بمعادلة السرعة.

وفي كتاب”القانون المسعودي” ناقش البيروني معرفة فصول السنة عن طريق الأرصاد،وشرح حركة “أوج الشمس” وهو أبعد المواقع السنوية بين الشمس والأرض،وخلص من حساباته وأرصاده إلى أن نقطة الأوج تتحرك بمقدار درجة واحدة كل 300 سنة تقريباً.

وصنف عبد الرحمن الصوفي كتاب” النجوم الثابتة” الذي جمع فيه أرصاد أكثر من ألف نجم،ووشاه بالخرائط والصور الملونة،ورسم أشكال النجوم على صور الأناسى والحيوان،وذكر أسماءها العربية،التي لايزال بعضها مستعملاً حتى الوقت الحاضر،مثل:الدب الأكبر،والدب الاصغر،والحوت،والعقرب، وغيرها.وقد اعتمد العلماء المحدثون على أرصاد”الصوفي” لحساب التغير في ضوء النجوم،كما أنه أول من رصد سحابة من المادة الكونية،تعرف الآن باسم”السديم”.

وللصوفي كتاب آخر بعنوان”صور الكواكب الثمانية والأربعين” امتدحه الدنمركي”شيليرب” بقوله:”لقد أعطانا الصوفي وصفاً دقيقاً عن السماء المرصعة بالنجوم بصورة أحسن مما توافر من قبل،وقد بقى هذا الوصف لتسعة قرون دون أن يوجد له نظير”.

ودرس علماء المسلمين كَلَف الشمس الذي تطور فيما بعد وأصبح معروفاً في عصرنا باسم”البقع الشمسية”،وكان الفيلسوف المشهور ابن رشد أول من رأى كلف الشمس عملياً،عندما عرف بالحساب الفلكي وقت عبور كوكب عُطارد على قرص الشمس،فرصده وشاهده بقعة سوداء على قرصها في الوقت الذي حدده بالحساب،وهذا الأمر لايتصدى له في وقتنا الحاضر سوى العلماء المتخصصين في الفلك والأرصاد.

ومن طريف مايُروى عن تفوق المسلمين في مجال الأرصاد أن الفيلسوف “ابن باجة” الأندلسي عرف وقت خسوف البدر بالحساب،فأعد في نفسه بيتين في خطاب القمر أتقنهما ولحنهما،حتى إذا كان قبيل وقتا لخسوف بقليل وعنده جماعة من أصحابه تغنى:

شقيقُك غُيّب في لحده وتُشرقُ يا بدرُ من بعده

فهلا كُسفتَ فكان الكسوفُ حِداداً لبستَ على فقدهِ

وجعل يردد البيتين،ويخاطب البدر ،فلم يتم ذلك إلا وقد بدأ الخسوف،وعظم من الحاضرين التعجب،أما هو فكان على بينة مما سيقع عن طريق الحساب،وصدق الله العظيم:{وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرةً لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب}(الإسراء 12).

ولعناية المسلمين بهذا النشاط العلمي فقد انتشرت المراصد في جميع أنحاء الدولة الإسلامية،فبنى الأمويون مرصداً في دمشق عام 214هجري 829م،اعتبره بعض الباحثين أول مرصد في الإسلام،وبنى أولاد”موسى بن شاكر” مرصداً في بغدا،وعوّل الفلكي”ابن يونس” على أرصادهم.

وأنشأ الفاطميون المرصد الحاكمي على جبل المقطم شرقي القاهرة،وقد اشتهر بأجهزته الدقيقة وبتفوق المشتغلين به.

وبنى “شرف الدولة البويهي” في بغداد مرصداً جمع فيه نفراً من العلماء،وكان”الكوهي” من رؤوساء ذلك المرصد.

وإلى جانب قيام المراصد الفلكية في الشام وأصبهان وسمرقند ومصر والأندلس ودمشق وبغداد تمكن علماء الحضارة الإسلامية من اختراع العديد من أجهزة القياس والرصد الدقيقة،مثل “المزولة الشمسية”،”والساعة المائية”لتحديد الزمن،ومثل الأسطرلاب الذي عدّلوا فيه كثيراً،وطوروا منه أنواعاً مختلفة،لتحديد الارتفاعات،ومعرفة الزمن والأوقات.

والأسطرلاب:كلمة يونانية معناها:مرآة النجوم.أطلقت على جهاز استخدمه علماء الفلك،في أشكال مختلفة،منها الكروي والمستوى والخطي،بحسب ما إذا كانت تمثل الكرة”القبة السماوية “ذاتها،أو مسقط الكرة السماوية على سطح مستةـأو مسقط هذا المسقط على خط مستقيم.

وتذكر كتب تاريخ العلوم أن”أبا اسحق إبراهيم بن حبيب الفزاري”من علماء الفلك في عهد أبي جعفر المنصور أول من عمل أسطرلاباً عربياً وألف في ذلك كتباً.

وقد وضع”الخازن”كتاباً سمّاه”كتاب الآلات العجيبة”اشتمل على وصف كثير من آلات الرد،كما ألف “غياث الدين جمشيد” رسالة فارسية في بعض الآلات،وألف آخرون رسائل مختلفة،تضمنت ذكر الآلات التي استخدموها أو اخترعوها بأنفسهم.

ويزخر تراثنا الإسلامي بالعديد من الكتب،والأزياج التي حظيت باهتمام المختصين في علوم الأرصاد حتى عهد قريب،نذكر منها:كتاب” الزيج الشامل” للبوزجاني،وكتاب”الزيج الحاكمي الكبير” لإبن يونس المصري،وكتاب”الصفيحة الزيجية” للزرقالي وغير ذلك.

من ناحية أخرى اهتم علماء الحضارة الإسلامية أيضاً برصد الأنواء والظواهر الجوية المختلفة،وتتبع أحوالها وتأثيراتها في الأماكن المختلفة من الأرض،وهو مايعرف حالياً في علم”الأرصاد الجوية”أو”الميتيورولوجيا” بحالة الطقس والمناخ،فقد ذكر “إخوان الصفا” مثلاً أن الغلاف الغازي يحيط بالأرض من جميع الجهات إلى ارتفاع يقرب من طول قطر الأرض،وأوضحوا أن توزيع الإشعاع الشمسي على سطح الأرض يتوقف على الموقع النسبي للشمس بالنسبة إلى اجزاء الأرض في الفصول المختلفة.وتتوقف كمية الحرارة التي يتلقاها سطح الأرض على زاوية التقاء الأشعة بذلك السطح.ويعمل الإشعاع الشمسي على تسخين سطح الرض،ورفع درجة حرارة الهواء،الذي يسخن بدوره ثم يتمدد ويرتفع.وإذا استمر التسخين حيناً،نتج عن ذلك تيار تصاعدي في المنطقة المعرضة للحرارة ويؤدي هذا التيار التصاعدي عملاً أساسياً في توزيع الحرارة على الأرض وما يحيط بها،ومن ثم يكون له أثر في سير الرياح وسقوط المطر،وسلوك مختلف الظواهر الجوية.

وتكلم ابن سينا عن ظواهر جوية مختلفة،تشمل:تكون السحب والثلج والضباب والبرق والرعد والنيازك والهالة القمرية والهالة الشمسية،وغيرها،فقال عن السحب على سبيل المثال في كتابه “الشفاء:

“إنها تولد من الأبخرة الرطبة إذا تصعّدت بتصعيد الحرارة فوافقت الطبقة الباردة من الهواء،فجوهر السحاب بخار متكاثف طاف في الهواء،والبخار مادة السحاب والمطر والثلج والطلّ والجليد والصقيع والبَرَد،وعليه تتراءى مختلف الظواهر الشمسية والقمرية،كالهالة وقوس قزح”.

وهذا الرأي لابن سينا في تكون السحب لايختلف كثيراً عن الرأي الذي قال به “فيجان”و”شماوس” في عام 1929م وفيه يعرِّف السحاب بأنه: مادة غروية من الماء العَلِق في الهواء،أو محلول غروي هوائي.والمادة العالقة إما أن تكون في صورة قطرات من الماء،وإما بللورات من الثلج،وإما مزيجاً من القطيرات والبللورات معاً.وكثيراً ما تكون القطيرات المائية في درجات حرارة منخفضة.

ولم يهتم الغربيون بمواصلة الدراسة المنظمة للسحب التي بدأها علماء المسلمين إلا في القرن التاسع عشر عندما حاول عالم الحياة الفرنسي”لامارك”أن يصنّف السحب،وينشر قائمة بأنواعها.

وتطور الاهتمام حتى أصبحت فيزياء السحب من أهم مباحث علوم الأرصاد التي تحظى بتطبيقات مهمة في أغراض الطيران،والاستمطار (السحاب الصناعي)،والتنبؤ بأحوال الطقس وغيرها.

وقد ساعد تقدم الأرصاد الفلكية والجوية في عصر النهضة الإسلامية على تقدّم علم الملاحة البحرية،ووضع”أحمد بن ماجد” كتاب “الفوائد في أصول علم البحر والقواعد” الذي أوضح كيف يستعين الرُّبان بمنازل القمر،والجهات التي تهب منها الرياح،وطلوع عدد من الكواكب والنجوم ومغيبها.

وتدين أوربا للمسلمين بمعرفة البوصلة،واستعمال الخرائط البحرية،وتعرف لملاحي المسلمين سبقهم إلى ارتيا د البحار والمحيطات الكبرى،ومهارتهم في قيادة السفن،وتفادى العواصف والأعاصير،والتنبؤ بحدوثها.

لقد وجد المسلمون في دينهم خير دافع لتحصيل العلم والمعرفة،وأفادوا من دراستهم وأرصادهم في شئون دينية خالصة،مثل:تحديد مواقيت الصلاة اليومية،وظهور الهلال،ومواعيد الأعياد،وتأدية بعض المناسك والعبادات،بالإضافة إلى تحديد اتجاه القبلة،ومواقع البلدان.

ويشهد تاريخ العلوم على أن الأرصاد والأزياج التي وضعها علماء الحضارة الإسلامية هي التي مهدت الطريق ـ فيما يقول مؤرخ العلم الشهير جورج سارتون للنهضة الكبرى التي ظهرت في الغرب على أيدي “كلبر” و”كوبرنيكوس”و”جاليليو”و”تورشيللي” وغيرهم.

جاء في مجلة المنار لصاحبها العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله العدد 114 والعدد 115 بتاريخ 27 آب عام 1900:

ـ العلوم الفلكية:

كان عند العرب رشاش من معرفة الظواهر الفلكية مشوباً بخرافات التنجيم الموروث عن الأقدمين فحكم الإسلام بمحو ضلالة التنجيم فيما محاه من ضلالات الكهانة والعرافة وأجازماعدا ذلك،واستلفت الأنظار إلى الاعتبار به والاستدلال على حكمة مبدعه ومدبره،ولكن التعليم إذا لم تترب عليه الأمة بالعمل لا يقوى بمجرد القول على استئصال الأهواء لاسيما إذا كانت موروثة.

أول من نعرفه من النابغين في ذلك العصر من المسلمين الفلكي المؤلف في الإسطرلاب ودائرته النحاسية احمد بن محمد النهاوندي وأول من أحسن الترجمة حجازي ابن يوسف معرب كتاب اقليدس.

ولقد ظهر أثر العمل في عصر الرشيد وناهيك بالساعة الدقاقة المتحركة بالماء التي أرسلها إلى شارلمان ملك فرنسا وعظيم أوربا لعهده، ففزع الأوربيون منها وتوهموا أنها آلة سحرية قد كمنت فيها الشياطين وأن ملك العرب ما ارسلها إليهم إلا لتغتالهم وتوقع بهم شر أيقاع.

واتل عليهم نبأ المأمون ورقيه بهذه العلوم والفنون.استخرج هذا الإمام لقومه العلم من أثينا والقسطنطينية بما أحسن من الصلة بينه وبين ملوكها من اليونانيين وأنفق بسعة على ترجمة الكتب التي اجتلبها من بلاد اليونان ومن بقاياهم في مصر والإسكندرية فترجمت في عهده هندسة اقليدس وتيودوس وأبولونيوس وإيرهم وشرحت مؤلفات أرشميدس في الكرة والاسطوانة وغيرها.وألف يحيى بن أبي منصور زيجا فلكياً مع سند بن علي وكان هذا قد ألف أرصاداً مع خالد بن عبد الملك المروزي في سنتي 217 و218 هجري،وهذان هما اللذان قاسا مع علي بن عيسى وعلي بن البحتري خط نصف النهار بين الرقة وتدمر.وألف أحمد بن عبد الله ابن حبش ثلاثة أزياج في حركات الكواكب وحسبوا الخسوف والكسوف وذوات الأذناب وغيرها والسوادات التي بقرص الشمس ورصدوا الاعتدال الربيعي والخريفي وقدروا ميل منطقة فلك البروج،وأصلحوا بأمر المامون غلط كتاب المجسطي لبطليموس الذي ترجم على عهد أبيه الرشيد.ولخص محمد بن موسى الخوارزمي للمأمون الأزياج الفلكية الهندية.

وبرع في علم الفلك خلق كثيرون منهم محمد وأحمد وحسن أبناء موسى بن شاكر الذين حسبوا الحركة المتوسطة للشمس في السنة الفارسية وحددوا ميل وسط منطقة الروج في مرصدهم،وعمل كبيرهم محمد تقويمات لمواضع الكواكب السيارة استعملت إلأى ما بعد زمنه وعرب تلميذه ثابت بن قرة كتاب المجسطي ثانية وبين تصحيحات من تقدمه من عهد الرشيد لأغلاط بطليموس وزاد عليها ملاحظات مفيدة.ومن أشهر فلكي المشرق محمد بن عيسى المهاني والبتاني الذي سماه الإفرنج بطليموس المسلمين(ت 317هجري).وهو الذي جمع المعارف المكتسبة في عصره وألف أربعة أرصاد في الشمس والقمر ورسالة في الفلك ورصد السماء بالرقة.وهناك أيضاً أبو القاسم علي بن الحسين الملقب بابن الاعلم وعبد الرحمن الصوفي اللذين تعلم منهما الفلك الملك عضد الدولة البويهي .

ومن الذين نبغوا في علم الفلك على عهد عضد الدولة وأخيه كثيرون:ومن أشهر هؤلاء أبو الوفاء محمد بن محمد الحاسب الذي اعترف بفضله المجمع العلمي في باريس فقد أتقنهذا مع علم الفلك علم الميكانيكا .

ولقد جمع نصير الدين الطوسي الكتب الفلكية من بغداد والشام والموصل وخراسان وبنى بالمراغة المرصد المشهور وجعل في قبته ثقباً تعرف بأشعة الشمس النافذة منه درجات ودقائق سيرها اليومي وارتفاعها في كل فصل .

وفي مصر ظهر في عصر الفاطميين ابن يونس الفلكي الشهير صاحب مرصد جبل المقطم المتوفى سنة 398هجري.ومن بعده جاء الحسن بن الهيثم الذي ألف أكثر من ثمانين كتاباً .

وفي الأندلس ظهر الفيلسوف ابن رشد وكان فلكياً أيضاً.وممهم مسلمة المجريطي وابن أبي طلحة.

البتاني

جاء في دائرة المعارف الإسلامية ـ السفير ـ العدد 33 ـ 34:

“هو أبو عبد الله محمد بن جابر بن سنان البتّاني الحرّني الرِّقي” أحد علماء الفلك والرياضيات المسلمين في القرن الثالث للهجري التاسع الميلادي.وقد حرّف الأوربيون اسمه إلى”الباتيني” أو”الباتاجينوس”.

ولد سنة 238هجري الموافق 852م ببلدة “بتّان” ،على نهر”البليخ” من نواحي “حرّان” (على الحدود بين تركيا وسوريا).

وكانت حرّان آنذاك مركزاً من مراكز العلم،ولاسيما العلوم الرياضية والفلكية،كما اشتهرت بصناعة الآلات الرياضية والفلكية الدقيقة،وأهمها”الأسْطُرلاب”.

وفي حران بدأ البتاني رحلته مع العلوم الرياضية والفلكية،حيث تلقى تعليمه الأولي،ثم رحل إلى بغداد وهو في شبابه،ليزداد خبرة من علمائها ويشاهد أرصادهم التي تجرى بالمرصد الملحق بدار الحكمة ببغداد،ثم خرج إلى “انطاكية” ليتابع بها الأرصاد الفلكية،ثم عاد إلى “الرِّقة” فاستقر بها إلى أن ذهب إلى بغداد مرة أخرى وما لبث أن شرع في العودة إلى الرقة،إلا أن المنية عاجلته وهو في طريقه بقصر”الجص” أو بموضع يسمى”الحضر” قرب “سامراء” سنة 317هجري الموافق 929م.

ويعد البتاني من عباقرة عصره الذين وضعوا نظريات علمية مهمة وأضافوا بحوثاً مبتكرة في الفلك والجبر والمثلثات والهندسة والجغرافيا.

وأجرى البتاني أرصاداً جليلة للكسوف والخسوف،اعتمد عليها”دنتورن”سنة 1162هجري الموافق 1749م في تحديد تسارع القمر في حركته خلال قرن من الزمان.وهو أول من اكتشف السَّنت والنظير(السمت:هو النقطة في السماء التي توجد فوق رأس المشاهد تماماً.والنظير:هو النقطة المقابلة للسمت).وحدد نقطتيهما من السماء،والكلمتان عند علماء الفلك الغربيين عربيتان.واكتشف حركة الأوج الشمسي(أبعد نقطة بين الشمس والارض)وانحرافه.كما بين البتاني حركة نقطة الذنب للأرض،وصحح قيمة الاعتدالين الصيفي والشتوي،وقيمة ميل فلك البروج على فلك معدل النهار،وقد حسب هذه القيمة فوجدها 23 درجة،و35 دقيقة،ولم تختلف هذه القيمة عن الحسابات الحديثة إلا بمقدار دقيقة واحدة.وقد حسب طول السنة الشمسية فلم يخطىء في تقديرها حسب الدراسات الفلكية الحديثة إلا بمقدار دقيقتين و22 ثانية.

وقد دوّن البتاني أهم النتائج التي توصل إليها في مؤلفه المشهور”الزِّيج الصابىء” الذي يحتوي على جداول تتعلق بحركات الأجرام السماوية.وكان لهذا الزيج أثر كبير في تقدم علوم الفلك عند المسلمين في القرن الرابع الهجري العاشر ميلادي وما بعده،وعند الغربيين في أوائل عصر النهضة الأوربية الحديثة،بعد أن ترجم إلى اللاتينية في القرن السادس الهجري الثاني عشر ميلادي،وقد نشر”كرلو نالينو” طبعة للأصل العربي في ثلاثة مجلدات بروما سنة 1317هجري 1899 ميلادي.مصحوبة بترجمة لاتينية وتعليق على بعض الموضوعات.وقد أوضح البتاني في مقدمة هذا الزيج الأسس المنهجية التأي اتبعها في بحوثه وتأليفه وأرصاده التي أجراها بنفسه.

وحظى البتاني باهتمام العلماء وتكريمهم له،فقد عدّه الباحث الفرنسي الشهير”لالند” واحداً من الفلكيين العشرين الأفذاذ الذين ظهروا في العالم كله.

ويقول”ديفيد يوجين سميث” في كتابه”تاريخ الرياضيات”: ونال البتاني شهرته العظيمة في تطويره لعلم الفلك،وترجمت مؤلفاته في هذا المجال من اللغة العربية إلى لغات أوربية عديدة”.

وأضاف”إيرك بل” في كتابه”تطور الرياضيات”:إن البتاني هو أول عالم أدخل علم الجبر على علم حساب المثلثات بدلاً من الهندسة،كما كان في القديم”.

9 ـ الجغرافيا الرياضية وتقويم البلدان

جاء في مقال في مجلة المنار للشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله العدد 176:

“أشهر كتب الجغرافيا اليونانية كتاب بطليموس ،وقد كانت آراء بطليموس تؤخذ على علاتها لأن العلم صار تقليدياً حتى تناوله اجتهاد العرب فطفقوا من عهد الخليفة العباسي المأمون يصححون أغلاط اليونان في الفلك وسائر الرياضيات,وكان العالم البيروني في أول القرن السابع الهجري هو الذي صحح الغلط في حساب أطوال بلاد الروم وماوراء النهر والسند وألف قانوناً جغرافياً كان قدوة للمشتغلين بالقسموغرافية من بعده.

وضبط عمر الخيام حساب جداول التقويم السنوية(الروزنامة) في سنة 469 هجري وحدد مدة السنة الفلكية أصح تحديد.

وصنع الشريف الإدريسي في أوائل القرن السادس خريطة جغرافية من الفضة لملك صقلية حفر فيها باللغة العربية صور جميع الممالك المعروفة في ذلك العهد وألف كتاباً في الجغرافية بين فيه أول نقطة التماس بين جغرافية الاتينيين وجغرافية المدارس الإسلامية وقد عكف رسامو الخرائط الجغرافية في أوربا على مؤلفه ثلاثة قرون ونصف يتقلدونه كما هو لايزيدون فيه ولاينقصون منه.

واشتملت الأزياج التي حررها البتاني بالرقة سنة 287هجري وابن يونس في القاهرة سنة 390 هجري على كتاب رسم الأرض بلا تغيير كبير.

وقد ألف العرب كتباً مخصوصة في مسالك البلدان حتى صار علماً مستقلاً وفي أسماء البلاد والأماكن ككتاب مراصد الإطلاع على أسماء الامكنة والبقاع ومعجم ياقوت والمشترك وتقويم البلدان للملك المؤيد صاحب حماة وتقويم البلدانللبلخي وكتاب أوضح المسالك إلى معرفة البلدان والممالك.

وجاء في دائرة المعارف الإسلامية ـ السفير ـ العدد 13 ـ 14 ص 922:

“وانتشر علماء المسلمين في مناكب الأرض ،لينظروا عظمة الله في خلقه وآياته في كونه،ويدرسوا كل ما يعرض لهم من معالم الأرض وظواهرها في رحلاتهم وأسفارهم،ويدونوا مشاهداتهم،وخلاصة تجاربهم واكتشافاتهم في كتب ومؤلفات،ليطلع عليها الخلف،ولتتواصل مسيرة البناء والتعمير.

وجاءت المعلومات التي عرفوها عن الأرض منبثة في مؤلفاتهم العديدة،مثل:كتاب”صورة الأرض” للخوارزمى المتوفى سنة 232هجري 847م،وكتاب “البلدان” لليعقوبي المتوفى بعد سنة 292هجري 905م،وكتاب” مسالك الممالك” للإصطخري المتوفى سنة 346هجري 957م،وكتاب”مروج الذهب ومعادن الجوهر” للمسعودي المتوفى سنة 346هجري 957م،وكتاب” المسالك والممالك”لابن حوقل المتوفى بعد سنة 367هجري 977م،وكتاب” أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم” للمقدسى المتوفى سنة 381هجري 991م،و”المعادن والآثار العلوية” من كتاب “الشفاء”لابن سينا المتوفى سنة 428هجري 1036م،و”الجماهر في معرفة الجواهر” للبيروني المتوفى سنة 443هجري 1057م،وكتاب” الجبال والأمكنة والمياه” للزمخشري المتوفى سنة 538هجري 1144م،وكتاب ان،”نزهة المشتاق في اختراق الآفاق”للشريف الإدريسي المتوفى سنة 560هجري 1165م،وكتاب”أزهار الأفكار في خواص الأحجار” للتيفاشى المتوفى سنة 651هجري 1253م،وكتاب”الفوائد في أصول علم البحر والقواعد” لابن ماجد المتوفى سنة 904هجري 1498م.

ويكفي أن نشير إلى مدى التقدم الذي أحرزه علماء المسلمين في صنع الخرائط التي امتازت بالدقة والوضوح في تصوير الأرض،وأشهر تلك الخرائط خريطة”الإدريسي” التي نقشها على كرة من الفضة قطرها متران،وقد بقيت أنموذجاً يُهتدى به في بلاد الغرب حتى أواسط القرن الخامس عشر الميلادي،مما جعل العالم الأماني”ميللر” يصفها بأنها كانت تمثل مدرسة خاصة ذات أثر كبير في تصوير الدنيا للأوربيين.

كما نشير إلى اسهامات علماء المسلمين في الأصول العلمية لنظرية تشكل الأرض،والتي تقضى بأن تطور أشكال سطح الأرض يعتمد على عوامل التعرية والإرساب،والحركات الأرضية التي تؤثر على مدى طويل جداً من الزمن،فيقول”أبو الريحان البيروني” عن الأرض:”ولا نعلم من أحوالها إلا ما نشاهد من الآثار التي تحتاج في حصولها إلى مُدد طويلة،وإن تناهت في الطرفين ،كالجبال الشامخة المتركبة من الرَّضراض المُلس،المختلفة الألوان،بالطين والرمل المتحجرين عليه،فإن من تأمل الأمر من وجهه وأتاه من بابه،علم أن الرضراض والحصى هي حجارة تنكسر من الجبال بالانصداع والانصدام،ثم يكثر عليها جري الماء وهبوب الرياح،ويدوم احتكاكها فتبلى،ويأخذ البلى فيها من جهة زواياها وحروفها حتى يذهب بها،فيدملكها،وأن الفتات التي تتميز عنها هي الرمال ثم التراب،وأن ذلك الرضراض لما اجتمع في مسايل الاودية حتى انكبست بها،وتخللها الرمال والتراب فانعجنت بها واندفنت فيها،وعلتها السيول فصارت في القرار والعمق بعد أن كانت من وجه الارض فوق…”.

وقد كانت هذه المعارف عن الارض أساساً لعلمين عظيمين عُرفا فيما بعد بعلم”الجغرافيا” وعلم” الجيولوجيا”.

أما الجغرافيا فتُعنى عموماً بدراسة كل مظاهر سطح الكرة الأرضية،وخصائص البلدان والأقاليم وسكانها،وقد تفرعت الآن إلى مباحث عديدة تشمل” الجغرافيا الفلكية” و”الطبيعية” و”الحيوية” و”البشرية” و”السياسية” و”الأقتصادية” وغيرها.

وأما الجيولوجيا فتعنى بالبحث في تاريخ الأرض،ودراسة المواد والطبقات المكونة لها،والتعرف على كل ما يرتبط بذلك من ظواهر تحدث تحت سطحها أو فوقها.

الشريف الإدريسي

جاء في دائرة المعارف الإسلامية ـ السفير ـ العدد 11 ـ 12:

“هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن إدريس بن يحيى الحمودي”الملقب بالشريف الإدريسي،عمدة الجغرافيين المسلمين في القرن السادس الهجري،الثاني عشر الميلادي.

ولد بمدينة”سَبتة” في شمالي المغرب الأقصى على مضيق جبل طارق،سنة 493هجري الموافق 1099م،لأب ينتهي نسبه إلى الحسن بن علي بن أبي طالب،وهو ينتمي إلأى أسرة مارست الحكم والسلطان،فجده الثاني “ادريس بن يحيى” كان أحد أمراء دولة بني حمود بالأندلس،وجده الحادي عشر “ادريس بن عبد الله” كان مؤسساً لدولة الأدارسة.تلقى الإدريسي علومه الأولى في مسقط رأسه “سبتة” ثم لم يلبث لأن شد الرحال إلى “قرطبة”بالأندلس،وكانت يومئذ تحت حكم دولة المرابطين،حيث أقبل على دراسة الجغرافيا والهندسة والفلك والنبات وغيرها من معارف عصره.

ولم يكتف في طلبه للعلم بالدرس والمطالعة،فقد كان يطوف في الأرض منذ السادسة عشرة من عمره،ويكثر من الترحال،حتى قيل:إنه لم يترك جزءاً من المعمورة إلا وطئته قدماه،وعرفه معرفة دقيقة،فرحل إلى البرتغال وإيطاليا،وسواحل فرنسا،وإنجلترا،والشرق العربي،وآسيا الصغرى،وغيرها.

وقد كان لهذه الرحلات أثر كبير في تنمية معلوماته الجغرافية،وذيوع صيته فيها،ولم يكن قد تجاوز الخامسة والعشرين من عمره.

ودفعت مكانة الإدريسي وشهرته العلمية ملك صقلية النورماندي”روجر الثاني” إلى دعوته إلى بلاطه في “بالرمو” ليسند إليه عمل خريطة للارض، يظهر عليها ملكه،وكانت صقلية لا تزال تزدهر فيها الثقافة الإسلامية على الرغم من استيلاء النورمانديين عليها من يد المسلمين.

ولبّى الإدريسي دعوة الملك،ووفد على صقلية في نحو سنة 519 هجري 1125م،حيث استقبله الملك بترحاب كبير،وأغدق عليه العطايا،وأنزله منزلاً كريماً،واستبقاه بجواره،وهيأ له الظروف الملائمة للبحث والدراسة.

ويصف الإدريسي هذه الظروف بقوله:”إن الملك لما اتسعت حدود مملكته أحب أن يعرف كيفية بلاده حقيقة،ويقتلها يقيناً وخبرة،ويعلم حدودها ومسالكها برأً وبحراً،وفي أي إقليم هي،وما يحفها من البحار والخلجان الكائنة،مع معرفة غيرها من البلاد والاقطار في الأقاليم السبعة التي اتفق عليها المتكلمون،وأثبتها في الدفاتر الناقلون والمؤلفون..وتقدمته بطلب مافي الكتب المؤلفة في علم ذلك كله،مثل :كتاب العجائب للمسعودي،وكتاب أبي نصر سعيد الجيهاني،وكتاب أبي القاسم محمد الحوثلي،وكتاب موسى بن قاسم القروي، وكتاب أبي يعقوب المعروف باليعقوبي:.

واعتمد الإدريسي في وضع خريطته على تلك المؤلفات الجغرافية السابقة،وعلى تقارير الرّحالين الذين أوفدهم الملك”روجر: لهذا الغرض،بالإضافة إلى معلوماته الجغرافية الدقيقة التي حصلها من دراساته الطويلة ورحلاته المتكررة،ثم أحضر له الملك”روجر الثاني” له كرة من الفضة الخالصة عظيمة الجسم،وأمر أن ينقش عليها خريطة الإدريسي،فكانت هذه أول كرة أرضية مصنوعة عرفها التاريخ،وقد كُتبت عليها البيانات بأحرف عربية.

وتمثل خريطة الإدريسي القسم المعمور من الكرة الأرضية وقتذاك في آسيا وإفريقيا وأوربا وتنحصر بين خطي عرض 63 شمالاً و16 جنوباً،وجعل الإدريسي الجنوب في خريطته إلى أعلى،والشمال إلى أسفل،والغرب إلى اليمين والشرق إلى اليسار.

وبعد أن أتمّ الإدريسي عمل كرته الأرضية،عكف على تأليف كتابه”نزهة المشتاق في اختراق الآفاق”،وهو مؤلف جغرافي عام،استعرض فيه الأقاليم السبعة المنقوشة على الكرة الأرضية ووصف فيه أحوال البلاد ومناخها،وحدد أماكنها وبحارها وجبالها ومسافاتها،ومزروعتها،وأجناس نباتها،وما بها من الصناعات والتجارات،وتحدث فيه أيضاً عن حياة الناس الاجتماعية وعاداتهم ومذاهبهم ولغاتهم.واستغرق تأليف الكتاب خمسة عشر عاما،وانتهى منه في شوال 548هجري وذلك قبيل وفاة الملك روجر الثاني بأشهر قلائل.

وتقوم أهمية كتاب الإدريسي على الخرائط السبعين ـ لكل إقليم من الأقاليم السبعة عشر خرائط ـ التي تعطى صورة عن العالم أكثر دقة من أي خرائط معاصرة لها،وعلى قول مؤلفه بكروية الأرض في عصر كان يعتقد أهله بأنها مسطحة،كما جاء في قوله:”إن الأرض مدورة كتدوير الكرة والماء لاصق بها،وراكد عليها ركوداً طبيعياً لايفارقها…”.

ويذكر له أنه قدّر محيط الأرض باثنين وعشرين ألفاً وتسعمائة ميل،وهو ما يعادل 45185 كيلو متر،وهذا الرقم ليس ببعيد عن محيطها الحقيقي وهو 40068كم.

ولما توفى الملك روجر الثاني وخلفه ابنه “وليم الأول” على ملك صقلية ألف الإدريسي له كتاباً باسم”روض الأنس ونزهة النفس” أو”المسالك والممالك” ولم يصلنا من هذا الكتاب غير قطعة صغيرة.

كما ألف كتاباً آخر هو”روض الفرج ونزهة المهج”،اختصر فيه كتابه”نزهة المشتاق”.

ولم يكن الإدريسي بارعاً في الجغرافيا وحدها،بل برع كذلك في النبات وبخاصة الأعشاب الطبية،وألف فيه كتابه “الجامع لصفات أشتات النبات”،حيث جمع فيه صفات أشتات النبات،وضروب أنواع المفردات من الأشجار والثمار والأزهار،بأسمائها العربية والفارسية واليونانية واللاتينية والسريانية والعبرانية والهندية،وذكر منافع كل مفرد،وما يستخرج منه من صموغ وزيوت،وما يتخذ من أصول وقشور،وفوائدها في العلاج والتداوى.وقد أفاد من هذا الكتاب”ابن البيطار” فيما بعد.

وتوفى الإدريسي سنة 560هجري الموافق 1164م،ولا يعرف مكان وفاته على وجه التحديد.

مصير الحضارة

يقول الأستاذ العظيم عباس محمود العقاد(الرسالة العدد 218):

“يجتمع اليوم في مصانع العالم ومخازنه من أسلحة الحرب وأدوات الهلاك ووسائل التدمير مالم يجتمع مثله قط في تاريخ الإنسان.فهل يعقل العقل أن تلبث هذه الآلات مشلولة معطلة ينتهي أمرها بانهاء صنعها ويقف الخطر منها عند حد التخويف والإنذار؟

وإذا هي استخدمت فيما صنعت له وانطلقت من عقالها وفعلت كل مايخشى من فعلها الموبق الوخيم،فماذا يبقى من الحضارة؟وماذا يبقى من تاريخ الآدمية بعد أن عبر هذا الشوط الطويل في آفاق الزمان؟ألا تكون النهاية؟ألا نرجع كرة أخرى إلى حالة بين الهمجية والحيوانية ينقطع السلم بعدها فلا نهتدي منه إلى طريق صاعد،ولا نعود ـ إذا ملكنا رأينا ـ إلى تجربة قد أبنا في خواتمها ما يصد النفوس عن البدء فيها؟

أكبر ما يرجوه الآملون في مستقبل الإنسان أن تنقبض هذه الشرور الجهنمية في محابسها كما تنقبض الشياطين في القماقم،فتخيف الناس خوفاً يعصمهم من آفاتها ويذودهم عن اللعب بنيرانها.

فإن لم يصدق هذا الرجاء فأكبر الرجاء بعده أن تصمد البنية الآدمية للخطر المحيط بها وأن تفلت منه ببقية صالحة تحفظ عناصر الحضارة والأخلاق كما تصان الذخيرة المنتقاة من أنقاض الحريق.

وأصحاب الرجاء في هذه العاقبة السليمة يعلقون رجاءهم على اختلاف الحال بين العصور التي سبقت زوال الحضارة فيما سلف وبين العصور التي نحن فيها والعواقب التي نحن منساقون إليها.

ففي الأزمة الغابرة كانت غارات الهمج على الأمم المترفة هي المعول الأكبر الذي يضرب في أركان الحضارة ويقتلع العمران من أساسه،وكانت غارات الهمج مصحوبة بحال من العقم في القرائح والأفكار تصيب الفنون والعلوم بالفاقة والكساد والنضوب،فكانت تنقضي السنون وراء السنين ولاجديد في عالم التأليف ولا في عالم الاختراع ولا في عالم الفنون والآداب،وتلك في الواقع هي علامة الدثور والاضمحلال التي لاتزيدها الغارات الهمجية إلا التسجيل والإعلان.ولا شك في أن الحضارات الأولى قد أخذت تموت وتتهاوى قبل أن يجهز عليها المغيرون من أبناء القبائل العارمة،ولا أدل على موتها من ضمور ملكة الخلق والابتكار فيها.

أما اليوم فالأمر بيننا مختلف والاختراع بيننا أروج وأكثر مما كان في أيام ازدهار الحضارات البائدة،وما تطلع الشمس صباحاً واحداً في أنحاء العالم المتمدن على غير كتاب جديد أو ثمرة فنية جديدة أو اختراع طريف أو تنويع وتحسين في اختراع قديم.فالبنية الآدمية بما اشتملت عليه من قدرة على التفكير أو قدرة على الشعور أو قدرة على الابتكار بنية سليمة مهيأة لطول الحياة ومغالبة الأحداث وتعويض المفقود.

هذا مع اختلاف آخر لا يقل في أثره ولا دلالته عن ذلك الاختلاف،وهو أن الغالبين والمغلوبين في أيامنا سوف يكونون من أبناء الحضارة الحديثة المشاركين في علومها وصناعاتها وأدواتها وآلاتها،فمن كتب له النصر من المحاربين في المعمعمة القادمة سوف يضطلع بأمانة الحضارة وحده إذا قدرنا أن المهزومين يعجزون كل العجز عن متابعة الطريق واستئناف العمل النافع،وسوف يستبقي من علومنا وأفكارنا ما يصلح أن يكون خميرة يأكل من زادها أبناء الأجيال المقبلة،ثم يفتنون فيها ويزيدون عليها.

هذا وذاك مع اختلاف ثالث لايقل عن ذينك الاختلافين في تغليب دواعي الأمل على دواعي القنوط،وذاك أن معارف الحضارة الحديثة لا تشبه معارف الحضارات الأولى في جواز الفناء عليها.فقد كانت معارف المصريين واليونان والرومان الأقدمين أشبه شىء في جملتها بحرفة الصانع القديم الذي يصون سره ويحمله معه إلى قبره،أو كانت بمثابة الخبرة الشخصية التي لا تقبل التعميم ولا اتصال النسق بين حاضرها وماضيها،لأنها مسائل اجتهادية يكاد يبدأها كل عامل من البداية ولا يدعمها إلى أساس يبني عليه من يخلفه من أبناء الصناعة.

أما حضارة العصر الحديث فهي حضارة قائمة على أساس العلم الشائع المقرر الذي جعل لكل اختراع قاعدة ولكل صناعة أصلاً ولكل مرحلة من مراحل التعليم مسافة وحدّاً،فلو فنيت ثلاثة أرباع المصنوعات الحديثة من الدنيا لكان الربع الباقي مشتملاً على جميع قواعدها وأصولها ومراحل التعليم والابتكار فيها،ومن البعيد عن التصور أن تعمد الحرب إلى عناصر العلم المتفرقة فتجمعها كلها إلى بقعة واحدة وترسل عليها صيباً من القذائف الناسفة فتمحوها محواً ولا تذر منها بقية للتجديد والترميم.

ذلك بعيد عن التصور،ولا خوف من اتجاه النية إليه أو اشتمال الطاقة على تنفيذه لو جاز أن يداخل النيات على أبعد الفروض.

نعم إن هناك خطراً أخطر على الحضارة من تدمير عناصر العلم بالقذائف الناسفة والآلات الجهنمية التي هي نفسها مادة من مواد العلم وجزء من أجزاء الصناعة.

هناك خطر على الحضارة أخطر من القذائف والآلات الجهنمية وهو إفساد الطبائع ومسخ العقول وتلويث الاخلاق وتعويد الناس أن يسخروا بكل نبيل جليل وأن يقنعوا من الدنيا بمعيشة البهم ولذائذ الحيوان.

فلو شاعت هذه الآفة ـ بل هذا الوباء ـ بعد الحرب المقبلة لكان بقاء العلوم والصناعات وزوالها على حد سواء،ولكانت الحضارة شيئاً لا يستحق الحرص عليه ولا الأسى لفقده ولا التفكير في استبقائه،ولبلغت الحرب بالناس أقصى ما نخاف من وبالها المحذور.

ومن خاف هذه العاقبة فله عذره الواضح مما نراه من تهالك على المتاع الزائل وتهافت على الشهوات الخسيسة وتهافت على المثل العليا والاخلاق الفاضلة والمطالب التي تتجاوز ساعتها أو يومها أو عمر طالبها على أبعد احتمال.

إلا أن الافق لا يخلو في هذه الظلمة أيضاً من بارقة بعيدة يوشك أن يستفيض منها ضياء شامل.

فكلما شاعت اللذات كذلك شاعت السآمة من اللذات،وشاعت النزعة إلى التبديل،وتسرب القلق إلى الضمائر،فليست هي في حالة استقرار،ولكنها في حالة تحفز وانتظار.

تلك البارقة من التقاء عالم المادة وعالم الأسرار بشيرة بالخير وشيكة أن تعصم النفوس من تيه الظلمات،وأن تسلم زمام الحضارة الإنسانية إلى غاية أبعد من الغاية التي يدين بها عباد الخبز وعباد الخنجر،حيثما اهتدى بها العلم والفلسفة والعقيدة في أعقاب الضياء”.

هل هنالك ارتقاء …بعد الإنحدار؟وهل هناك صعود…بعد الهبوط؟

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله(الرسالة العدد 947ـ بتاريخ 27 آب عام 1951م):

ما أحوج المسلمين اليوم إلى من يردّ عليهم إيمانهم بأنفسهم،وثقتهم بماضيهم،ورجائهم في مستقبلهم!ما أحوجهم لمن يردّ عليهم إيمانهم بهذا الدين الذي يحملون اسمه ويجهلون كنهه،ويأخذونه بالوراثة أكثر مما يتخذونه بالمعرفة!

وهذا الكتاب الذي بين يدي(ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) لمؤلفه”السيد أبي الحسن علي الحسن الندوي” من خير ما قرأت في هذا الاتجاه،في القديم والحديث سواء.

إن الإسلام عقيدة استعلاء، من أخصّ خصائصها أنها تبعث في روح المؤمن بها إحساس العزة في غير كِبر،وروح الثقة في غير اغترار،وشعور الإطمئنان في غير تواكل.وأنها تشعر المسلمين بالتبعة الإنسانية الملقاة على كواهلهم،تبعة الوصاية على هذه البشرية في مشارق الأرض ومغاربها،وتبعة القيادة للقطعان الضالة،وهدايتها إلى الدين القيّم والطريق السوي،وإخراجها من الظلمات إلى النور بما آتاهم الله من نور الهدى والفرقان:{كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}،{وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}.

وهذا الكتاب الذي بين يدي،يثير في نفس قارئه هذه المعاني كلها،وينفث في روحه تلك الخصائص جميعاً.ولكنه لا يعتمد في هذا على مجرد الإستثارة الوجدانية أو العصبية الدينية،ولكنه يعرض الحقائق الموضوعية،يعرضها على النظر والحس والعقل والوجدان جميعاً،ويعرض الوقائع التاريخية والملابسات الحاضرة عرضاً عادلاً مستنيراً،ويتحاكم في القضية التي يعرضها كاملة إلى الحق والواقع والمنطق والضمير،فتبدو كلها متساندة في صفه وفي صف قضيته،بلا تمحل ولا اعتساف في مقدمة أو نتيجة.

وتلك مزية الكتاب الأولى.

إنه يبدأ فيرسم صورة سريعة ، ولكنها واضحة ـ لهذا العالم قبل أن تشرق عليه أنوار الإسلام الأولى.يرسم الصورة لهذا العالم شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً من الهند والصين إلى فارس والروم،صورة المجتمع وصورة الضمير في هذه الدنيا العريضة في الجامعات التي تضلها الديانات السماوية كاليهودية والمسيحية والتي تضلها الديانات الوثنية كالهندوكية والبوذية والزرداشتية وما إليها…

إنها صورة جامعة تعرض رقعة العالم وتصفها وصفاً بيناً،لا يتعسف المؤلف فيه ولا يستبد،إنما يشرك معه الباحثين والمؤرخين من القدامى والمحدثين،وممن يدينون بغير الإسلام،فلا شبهة في أن يكونوا مغرضين له،وللدور الذي أداه في ذلك العالم القديم.

إنه يصف العالم تسيطر عليه روح الجاهلية،ويتعفن ضميره،وتأسن روحه،وتختل فيه القيم والمقاييس،ويسوده الظلم والعبودية،وتجتاحه موجة من الترف الفاجر والحرمان التعس،وتغشاه غاشية من الكفر والظلال والظلام،على الرغم من الديانات السماوية،التي قد أدركها التحريف،وسرى فيها الضعف،وفقدت سيطرتها على النفوس،واستحالت طقوساً جامدة لا حياة فيها ولا روح،وبخاصة المسيحية التي يصورها مستر(ج. دينسون) صورة دقيقة في كتابه فيقول:”في القرنين الخامس والسادس كان العالم المتمدن على شفا جرف هار من الفوضى،لأن العفة التي كانت تعين على إقامة الحضارة كانت قد انهارت،ولم يكن ثمة مايعتد به مما يقوم مقامها،وكان يبدو إذ ذاك أن المدنية الكبرى التي تكلف بناؤها جهود أربعة آلاف سنة مشرفة على التفكك والانحلال،وأن البشرية توشك أن ترجع ثانية إلى ما كانت عليه من الهمجية،إذ القبائل تتحارب وتتناحر،لا قانون ولا نظام”.

فإذا فرغ المؤلف من رسم صورة العالم في جاهليته هذه بدأ يعرض دور الإسلام في حياة البشرية،دوره في تخليص روح البشر من الوهم والخرافة،ومن العبودية والرق،ومن الفساد والتعفن،ومن القذارة والإنحلال،ودوره في تخليص المجتمع الإنساني من الظلم والطغيان،ومن التفكك والإنهيار،ومن فوارق الطبقات واستبداد الحكام واستذلال الكهان،ودوره في بناء العالم على أسس من العفة والنظافة،والإيجابية والبناء،والعدالة والكرامة،ومن العمل الدائب لتنمية الحياة،وترقية الحياة،وإعطاء كل ذي حقّ حقه في الحياة.

كل أولئك في أبان الفترة التي كانت القيادة فيها للإسلام في أي مكان،والتي كان اإسلام فيها يعمل.وهو لا يستطيع أن يعمل إلا أن تكون له القيادة،لأنه بطبيعته عقيدة استعلاء،ومنهج قيادة،وشرعة ابتداع لا اتباع.

ثم تجىء التي فقد الإسلام فيها الزمام،بسبب انحطاط المسلمين وتخليهم عن القيادة التي يفرضها عليهم هذا الدين،والوصايا التي يكلفهم بها على البشرية،والتبعات التي ينوطها بهم في كل اتجاه.

يقول الشيخ العلامة علي الطنطاوي رحمه الله(فصول إسلامية ص79):

“وكل شىء في الدنيا يولد ضعيفاً،ثم ينمو،ثم يعود إلى الضعف فإذا رسمنا خطاً بيانياً لسير الحضارة الإسلامية،نجده يبقى صاعداً إلى القرن الرابع ثم يمشي مستقيماً إلى السادس، ثم ينحدر انحداراً خفيفاً إلى القرن التاسع،ثم يسرع بالنزول حتى إذا جاء القرن الثالث عشر وأوائل الرابع عشر الذي أحدثكم عنه،يكون قد وصل إلى الحضيض.

لقد كان القرن التاسع قرن الجمع.لقد انتهى وقت الزرع والحصاد وجاء موعد الخزن.ففي القرن التاسع جمعت الثمرات وخزنت مكدسة مختلطة في معالم(دوائر معارف) في مثل(الإتقان) في علوم القرآن.و(المزهر) في علوم اللغة،و(نهاية الأرب) و(صبح الأعشى) وأمثالها.

وفقد الابتكار تماماً،وصار العلم تكراراً وإعادة،وصار الفقه أحكاماً بلا دليل،والفقيه راوية بلا اجتهاد،والنحوي حافظاً بلا ملكة،والبلاغة أبعد شىء عن صناعة البيان.

وقامت النهضة في أوربا وفتحت مناهج جديدة في التفكير،وكانت كشوف جديدة في العالم وكان علينا عملاً بتوجيهات ديننا أن نأخذ بها.لأن الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها التقطها،ولأن الاستزادة من العلم من واجبات شريعتنا.فتقدم العالم ونحن واقفون في مكاننا،وسلك ركب القوم الطرق الجديدة المفيدة.وبقينا نحن على طريقنا،مغترين بما عندنا،نحسب أن الدنيا لاتزال كما كانت أيام الحروب الصليبية،وأن علومنا وجهالتهم لا تزال كما وصفها أسامة بن منقذ في كتابه(الإعتبار).

ويقول الأستاذ محمود محمد شاكر رحمه الله(الرسالة العدد 366):

“إن الزمن الذي يمشي في الأرض فتخضرُّ منها مواطىء أقدامه،هو نفسه الزمن الذي يدبّ عليها فيُسمع لدبيبه دمدمة مما يتقصف تحته من عمارة الدنيا وبنيان الحضارة،وعلى مواطىء الزمن تتنزل الحضارات كلها أو تتهدم.ومن يوم أن تنهّدت الأرض بالحياة يبيد شىءٌ ويقوم شىءٌ،وما يزول منها ما يزول إلا ليحل عليها ما يحل،لأن الحركة دليل الحياة،فلا يثبت معنى الحياة إلا بها،وما يتحرك من متحرك إلا لتكون لانتقاله نهاية إليها يتوجه،وعندما يقف فإذا وقف فهذا آخر أنفاسه،ثم يسكن سكون الموت.

ونحن قد لقينا من أحداث الدهر ما ردّنا بعد عزّ إلى قرار هوان.وقد أبى لنا أن نرفع أنفسنا من هذه واطئة قد ربضت بنا فيها سلاسل من حديد الذل،وقد حضرت ساعة ينبغي أن نفصل فيها بين عهد مضى وزمن يستقبل،فإذا قعدت عزائمنا،وعميت أبصارنا،فأنفسنا نضيع،وأرواحنا نزهق.

إن في هذا الشرق لميراثاً نبيلاً من الأعمال والاخلاق والآداب والسياسات،ولكن هذا الميراث المضيّع المنسي لايجدي من خير على نائم قد أغمض عينيه عن الحياة،استمتاعاً بحياة أخرى تعرضها له أحلام رخية تختال على خياله.هذا الميراث المجهول في حاجة إلى من ينفض عنه غبار القدم،وأتربة الإهمال،ويزيل عنه أدران الجهل والخمول،ويجلو مرة أخرى على أعين الناس مضيئاً مشرقاً يتوهج بأنواره كأحسن ما يتوهج.

لقد كانت الحضارة الأوربية الماضية،وقامت على روح من الأثرة والبغي والاستبداد،وفقدت كل معاني الروح السامية التي تبذل أكثر مما تأخذ،وتعتد الغنى من الاستغناء لا من الجمع والتعديد،وتجعل حرية النفس في ضبطها وإمساكها على المصلحة لا في تسريحه وإرسالها على مدة الشهوة.وقد كان للشرق مجد وحضارة ومدنية،وتمم الإسلام كل الكمال لهذه الحضارة بما أقام للناس من شعرائه وآدابه،وجاء على الشرق زمان كان الإصلاح فيه ضرباً من إفساد الصالح،وزيادة الفاسد فساداً وخبالاً.وكذلك ضاع كل شىء،ورجع بنا الزمان إلى جاهلية جهلاء،تقوم على التقليد لا على الإبداع،وعلى المتابعة لا على الاستقلال،وبالكبرياء لا بالتواضع،وحتى ذكرى مجدنا السالف قد صارت عندنا نخوة جاهلية في التعظم بالآباء والأجداد،لا عملاً عظيماً تعظمه أعمال الآباء والأجداد والوراثة القومية النبيلة.

ستكون أحداث،وتتجدد على الناس نوازل،وتسيل الكوارث من كل مسيل،ولكن الشخصية الاجتماعية التي لا تختلف ولا تتدابر ولا تتعادى،تستطيع أن تغرس في أيام المحن غرس المجد الإنساني السامي،لتنبت شجرة يمتد ظلها،ويترامى فيئها،ويطيب ثمرها،ولا يكون ذلك إلا بعد جهد ومشقة وعنت،ومصابرة للنفس على لأواء الحياة التي فرضت علينا أن نتألم،وأن نصاب،وأن يبلغ منا العذاب مبلغاً يُجهد ويؤود.

يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات رحمه الله(الرسالة العدد4):

وكان ما كان من ملك ومن ملك ثم انقضى فكأن القوم ما كانوا

ولكن العرب تدول دولتهم وتزول صولتهم ويعمل الفاتح الغشوم في رجالهم السيف،وفي أثارهم النار،حتى ظن أنه ملك،وأن عدوه هلك،إذا بالعرب يقولون له في كل مكان وفي كل إنسان،أنا هنا!وإذا بالمغير المزهو يستسلم لهذه القوة الخفية فتحتل خواطره ومشاعره وكيانه،ثم ينقلب على الرغم منه داعياً لخلافتها ناشراً لثقافتها!فهل رأى التاريخ مثيلاً لهذه الأمة التي حكمت الناس ظاهرة ومضمرة؟وهل رأى التاريخ ضريباً لهذا الشعب الذي طبع قسماً كبيراً من الدنيا بطابعه منذ ثلاثة عشر قرناً ثم لايزال هذا الطابع على رغم العوادي جلي السمات واضح الدلالة؟فسلطان العرب على العالم قد زال منذ قرون،ولكن ثقافتهم ما تنفك قائمة في الشرق الإسلامي حتى اليوم!ومن الشبيه باللغو أن نفصل أثر هذه الثقافة في أفريقية وآسيا،فإن من خضع للعرب من شعوب هاتين القارتين قد انقطع مابينهم وبين أسلافهم من صلات اللغة والأدب والعقائد والتقاليد،فأصبحوا لا يتكلمون ولا يفكرون ولا يعتقدون ولا يعيشون إلا بما للعرب من جميع ذلك.وذو الحيوية القوية منهم كالفرس استطاع بعد حين أن يجمع فلول لغته من يد البِلى فأعادها إلى الحياة بعد ما اقتبس لها من اللفاظ العربية مايشارف الستين في كل مائة،فضلاً عن استمداده من العربية الروح والحرارة والبلاغة والخط.ومع ذلك ظل الفرس ومن فعل فعلهم يستعملون العربية إلى وقت قريب في التأليف والتعليم والأدب كما كان الأوربيون في القرون الوسطى يستعملون اللاتينية لمثل ذلك”.

ويقول الأستاذ الدكتور محمد هيثم الخياط رحمه الله في أحد المقالات:

“ما الذي جرى لعلم المسلمين؟ما الذي أنضب رفدهم الهائل للحضارة الإنسانية في ميدان العلم،ولا سيما الطب والرياضيات…يوم كان حكامهم في أوج حضارتهم في بغداد والأندلس يحيطون أنفسهم بالعلماء والأدباء…ويوم وفروا جواً من الحرية سمح للمسلمين والنصارى واليهود أن يعملوا جنباً إلى جنب في إغناء هذه الحضارة؟لم يبق من ذلك كله اليوم إلا ذكريات!!

ويتابع رحمه الله:”لعلي أستطيع أن أوضح ما حصل في نصين اثنين يفصل بينهما زهاء أربعة قرون.

النص الأول لأبي بكر محمد بن الحسن الكرجي في كتابه”إنباط المياه الخفية” وهو بلسان عصرنا”استخراج المياه الجوفية” يقول فيه:”لما دخلت العراق،ورأيت أهلها من الصغار والكبار يحبون العلم ويعظمون قدره ويكرمون أهله،صنفت في كل مدة تصنيفاً في الحساب والهندسة…الخ”.

والنص الثاني لإبن خلدون في مقدمته يقول فيه:”كذلك بلغنا لهذا العهد أن هذه العلوم الفلسفية لبلاد الإفرنجة وسواحل بحر الروم وما إليها من العُدوة الشمالية كانت نافقة الأسواق،وأن رسومها متجددة،ومجالس تعليمها متكثرة والله أعلم بما هنالك…بيد أن مسائل الطبيعيات لم تكن موضع اهتمام لنا في شؤون ديننا،ولذلك كان علينا أن نتلاكها جانباً”.

ما إخالني بحاجة إلى تعليق!

إن هذه الأمة التي نحن منها،هي خلقٌ جديد،بدأ يتولد مع انهيار مُلك العباسيين بالمشرق والموحدين بالمغرب،وتلك أواخر القرن السابع الهجري الثالث عشر الميلادي.ولقد واصل هذا الخلقُ تولده،بل قل:امّساخه،سبعة قرون عجافاً حتى بلغ طور الإنسان المسلم في مطالع هذا القرن…وهو إنسانٌ قابعٌ،قانع بما يتناثر عليه من فتات الآخرين.إنسانٌ لم يُهزم أمام الآخرين بقدر ما هُزم أمام نفسه…ولقد زاد من وقع هذه الهزيمة وساهم في ترسيخ عقابيلها،أنه حين أفاق من صدمتها بعد سبات عميق،وجد نفسه في مواجهة حضارة جبارة،تتضاخم وتتعاظم بسرعة لا يكاد يلحق بها الخيال،وظن أن لا طاقة له بهذا الجالوت وجنوده، فقنع من الغنيمة بالإياب،وأخلد إلى الأرض،وأصبح قصارى ما يطمح إليه أن يعيش طفيلياً على هذا المخلوق الجبار الذي أصابه بالانبهار.

هكذا أصبح الإنسان المسلم في آخرة قرونه الوسطى السبعة العجاف..فقد زمام المبادرة..أصبح فيروساً حضارياً ينخرُ في جسم الحضارة ولا يستطيع أن ينهض بنفسه.

أصبح قصارى أمله اليوم أن ينقل التكنولوجيا…أي أن ينقل ما ابتكره غيره،أما أن يحوز العلم نفسه الذي أبدع هذه التكنولوجيا ،فهذا أمرٌ لا يخطر له على بال!

أصبح قصارى منشوهِ أن يُجيد لغة عملاق الحضارة،حتى يستطيع أن ينقل من فتات هذه الحضارة أقصى ما تسمح به طاقة الرَمّام(الطفيلي)،أما أن يجعل لغته لغة حضارة،بحيث يُبدع كما أبدع الآخرون،فهذا أبعد الأشياء عن منطق نفسية المهزوم.

بل أصبحت أي خلية من خلاياه تحاول الآن تفعل شيئاً يوحي بإمكان أن يعيش مستقلاً عن ثويه الذي يتطفل عليه، محط استهجان واستنكار…كيف تجرؤ على أن تخل برقاده الذي اطمأن به،أو أن تفسد عليه لذة سباته العميق.

وحتى لو أتيح لهذه الخلايا الصاحية أن تنجو من استهجانه واستنكاره،فإن العملاق الذي يعولها لا يلبث أن يبطش بها بطشة تدع الحليم حيران…حدثت هذه الصحوات مراراً هنا وهناك في أثناء حقبة الأمساخ،ولكن الجالوت الحضاري عاجلها بضربات قاسيات قاضيات…

وبعد،فكيف نستعيد مكانتنا من جديد؟

كيف نستطيع أن نكون بحق أهلاً لهذا التشريف الذي شرّفنا الله به إذ اصطفانا من بين عباده فأورثنا الكتاب{كتاباً فيه ذكركم}(الأنبياء 10).

كيف نحمل مسؤولية هذه الوراثة التي شرّفنا بحملها سيد الخلق يوم أعلمنا أن العلماء ورثة الأنبياء،ويوم جعل طلب العلم فريضة على كل مسلم؟

الجواب بسيط بقدر ماهو معقد،ويلخصه القول المأثور:”لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها”.

فأول ماينبغي أن نفعله هو أن نعود إلى هذا القرآن كأنما أنزل علينا،ونعيش كل آية فيه،ونعود إلى الذكر الذي أنزله الله على رسوله ليبين للناس ما نُزل إليهم فنستبين ما يحتاج إلى بيان.

إن ربنا جلّ شأنه قد أمرنا بأن نستجيب لله وللرسول إذا دعانا لما يُحيينا.وسوف يحيينا الوحي القرآني والوحي غير القرآني،وسوف يحيينا التفكر في آيات الله المتلوة وآيات الله المرئية، وسوف يحيينا التفكر في خلق الله لا التفكير في ذات الله،كما سوف يحيينا التسخير الذي جعل الله بفضله كل ما في الكون صديقاً لنا طيّعاً لنا مفطوراً على تمكيننا من الانتفاع به.

ولن يغفر الله لنا تفريطنا في شىء من ذلك.

{ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب}(آل عمران 8)”.

ويقول الاستاذ الدكتور محمد هيثم الخياط(رسائل مسجد الجامعة الجزء الأول ص 195):

“يا أيها الذين آمنوا!بدأ هذا الدين غريباً وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء.

يا أيها الذين آمنوا!نحن اليوم على مفترق طرق…وقد حطّ علينا ضباب كثيف أسود بغيض فحجب عن أعيننا السبيل الموصل إلى سعادة البشر،ووجهنا إلى سبيل مفروش أوله بالورود والرياحين ولكنه يؤدي في غايته إلى شقاء البشر فضلاً عن صرفهم عن غايتهم المنشودة،وأخذ الناس يسلكون هذا السبيل وقد قام من بين الجمع نفر قلائل يدعون الناس إلى الطريق القويم فنظر إليهم القوم باستغراب،ونعتهم البعض بأنهم مجاذيب لأنهم سيتأخرون عن الركب،واتهمهم البعض الآخر بأنهم مجرمون لأنهم سيعوقون سير القافلة…وهؤلاء ـ يا أيها الذين آمنوا ـ هم الغرباء…فطوبى للغرباء.

هكذا نحن اليوم…قد حطت علينا الحضارة الغربية بكلكلها،فوجهتنا وجهة الغرب،وأصبح مقياس الغرب هو المقياس الصحيح في نظر أكثرنا…وأصبح الفرد إذا دعا إلى الله تقوم في وجهه ومن حوله أصوات المنكرين المنكرة،متهجمين متجنين،وليس معه إلا الله والله أكبر…وإذا اضطهد أناس في سبيل الله قامت أصوات المنكرين هذه شامتة،متشفية،وهم لا يبالون بذلك لأنهم يجاهدون في سبيل الله والله أكبر…

والحضارة الغربية ترتكز بلاشك على عدد من الأسس من أهمها:الإلحاد والقومية والديمقراطية.

فأما الإلحاد فهو:عقيدة ترك مالقيصر لقيصر ،وما لله لله وهذا هو الشرك.وعقيدة ألا إله،وهذا هو الكفر.وعقيدة أن للدين علاقة خاصة بين العبد وربه وهذا هو السخف.

فأما العقيدة الأولى،فكأني بأصحابها يعنون أن ما لقيصر ليس لله ولادخل له فيه.{ضرب لكم مثلاً من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون}(الروم 28).

وأما عقيدة الكفر فقد كانت شائعة فيما مضى،لأن حجة أصحابها في إنكار وجود الله أنهم لايرونه وهذه حجة العوام.

أما العقيدة الثالثة فهي السخف.

فإذا كنا لانحتاج الله إلا في علاقتنا الخاصة معه ولانحتاج إليه ولا إلى ارشاداته وتوجيهاته في شؤون أسرنا وفي شؤون مدننا وقرانا،وفي مدارسنا وكلياتنا،وفي شوارعنا وأسواقنا،وفي مجالسنا النيابية ودور حكوماتنا،وفي محاكمنا العليا ومكاتبنا وفي جنودنا وشرطتنا،وفي حربنا وسلمنا…ففي أي نطاق من الحياة يحتاج إليه؟

جاء في مقال للأستاذ الدكتور أسعد الحكيم رحمه الله في المجمع العلمي في دمشق بتاريخ 25 تشرين الأول سنة 1929م تحت عنوان”المسكرات ومضارها”:

للأمم كما للأفراد قوام مادي وقوام روحي.فقوام الأمم المادي أفرادها،وقوامها الروحي مبادئها العامة التي تؤلف مابين أولئك الأفراد فتجعل منهم جسداً واحداً يتحرك بمحرك واحد.أما نسبة المادة إلى الروح في تأليف الأمة فهي كنسبة الأحجار إلى البناء.فكما أن الأحجار المتفرقة لا تؤلف بنياناً مهما كثر عددها وتماثل شكلها إلا إذا تراصت وتلاصقت وشدّ بعضها بعضاً على شكل هندسي معروف.كذلك الأفراد فهم لا يؤلفون أمة مهما كثر عددهم وتشابهت سحنتهم وتوحدت أصولهم وتثقفت أذهانهم إذا لم تجمعهم جامعة عامة واحدة فيتأثرون بمؤثر واحد .يعيشون لأجله ويموتون في سبيله.

وقد يضعف قوام الأمم المادي ويبقى قوامها الروحي صحيحاً فتحتفظ بكيانها الاجتماعي كما يحتفظ عليل الجسم بحقوقه المدنية إذا لم تتطرق العلة إلى ملكاته النفسية.أما إذا فقدت الأمة مبادئها العامة فتفقد ثمة حياتها الاجتماعية وتصبح لا كيان لها في العالم الادبي.فيستولي عليها الصحيح من الأمم.كما يحجر مؤوف العقل على الرغم من سلامة سائر أعضائه،وقوتها وجمالها.سنّة الله في هذا الكون ولن تجد لسنة الله تبديلا.

وقد أتى على الأمة العربية إلى يومنا هذا عوامل مختلفة ،دينية وسياسية وإدارية واجتماعية أفقدتها مبادئها العامة،فأضاعت معها كل ما كان لها من عزّ وسلطان وكيان سياسي واجتماعي،وباتت على ماهي عليه اليوم،مما يندى الجبين لذكره ويهلع القلب لذكراه.فهي تعيش اليوم حياة فردية طائفية،أشبه بها بأحجار هيكل عظيم،قوّضه زلزال شديد،فتناثرت على الأرض محتفظة بصلابتها ورونقها.فليت شعري ما يكون أمرها غداً.

أمرها أيها السادة أحد شيئين:إما أن يتطرق الفساد إلى جوهرها بتأثير العوامل الطبيعية المختلفة،فتفقد ثمة خصائصها،فتتفتت ثم تضمحل.وإما أن تحتفظ بشكلها وخواصها إلى أن تصادف يداً عاملة فتعيدها سيرتها الأولى.وبكلمة عامة:الحياة السياسية ممكنة مادام الجوهر الفرد صحيحاً.وقد كان الاعتقاد إيماناً بأن لابد لهذه الأمة من نشر بعد هذا الطي المستمر،وذلك بالنظر لسلامة قوامها المادي أعني أفرادها الذين لم يزالوا محافظين بعامل الوراثة على كثير من خصائصهم القومية،فهم بمثابة تلك الأحجار الصلدة المهذبة المتناثرة من ذلك البنيان المتهدم،غير أن هذا الإيمان القوي قد أخذ يتحول إلى رجاء في هذه الآونة الأخيرة،لما ظهر في البلاد العربية من الأمراض الاجتماعية الفتاكة التي تهدد بحياته المادية والنفسية،وترمي إلىإفساد مبادئه وخصائصة العنصرية وهي الدعامة الوحيدة لوحدته المنشودة،فيصبح كالغراب غريباً،ينكره التالد ولا يلحق به الطارف.أمراض اجتماعية تسربت إلى هذه البلاد الضعيفة تحت ستار الحضارة والمدنية البراق,وشر الأدواء ما كان خفياً،وشر السموم ما كان شهياً،فتهافت عليها الناس تهافت البعوض على النور يحسبون السعادة في نورها،فتلتهم حياتهم نيرانها”.