الخمر…أم الخبائث (نص كامل)
الخمر… أم الخبائث
٢ — الخمر في اللغة والأدب الإسلامي
٣ — الآيات القرآنية في تحريم الخمر
٤ — الأحاديث النبوية في تحريم الخمر
٥ — الأحكام الإسلامية — الشيخ محمود شلتوت
٦ — تجربة الحظر في أمريكا وانتصار الإيمان
بسم الله الرحمن الرحيم
الخمر…أم الخبائث
مقدمة:
للكحول أسماء عدة مثل الكحول الإيتيلي أو اليتانول والكحول الميثيلي أو الميثانول،ويقال لهما أيضاً المشروبات الروحية (السبيريت).وفي اللغة العربية يطلق عليه اسم الغول أو الخمر..
من الناحية التاريخية:
يقول الأستاذ أحمد زكي رحمه الله (الرسالة العدد 2) مقالاً بعنوان”بين الكأس والطاس”:
“الخمر قديمة كالإنسان،خلقها من خلق الهم،وأبدعها من أبدع الحس، وأرادها أن تبقى على الدهور والأحقاب من أراد ألا يكون الكون خيراً كله ولا شراً كله.
الخمر لا وطن لها لأن الأرض وطنها،عرفها المصري والفينيقي،والإغريقي والروماني،ويعرفها التركي والألماني،والفرنسي والأمريكي،والخمر لا دين لها فقد اعتنقت جميع الأديان،عصرها كهان المجوس،وباركها أحبار اليهود،وعتقها القسيسون والرهبان،وحرمها الإسلام فاستحلها الخلفاء لما صارت الخلافة ملكاً عضوضاً.لم يحل لهم أنس إلا بها ولم يطب نغم إلا عليها ولا لذّ غزل إلا في دبيبها ونشوتها.
والخمر لا مدنية لها فقد عرفتها كل المدنيات،عرفتها إبان إشراقها ونشأتها وازدادت بها علماً وهي في كبد سمائها وأوج صولتها،ثم غربت على الأكثر فيها كما تغرب الشمس في لجة البحر المحيط.كذلك شربها المدني في كؤوس من ذهب بين عمد المرمر وعلى رنين القيثار،وشربها الوحشي حيث لا كأس غير صحاغف القرع ولا عمد غير غاب الغيل،ولا رنين غير زمر القصب وقرع الطبول.
وجاءت المدنية الحاضرة بعلمها وعددها،وبطبها وإحصائها وبتجاريبها في الأفراد وتجاريبها في الجماهير،وخرجت على أن لعنة الناس في الخمر وخسرهم في ذوب الرحيق.وتكونت في كل أمة ،أمة تدعو إلى السبيل الجديدة وتبشر بالرسالة الجديدة باسم العلم وباسم الاقتصاد في قوى العمال لزيادة الانتاج.وزادت الدعاية حتى أن أمة من أكبر الأمم عدداً وأكثرها عدّة وأحدثها حضارة صوت ناخبوها بتحريم الخمر، فصدر القانون بطلاق بنت الحان،فأغلقت المخامر وأهدرت الدنان،وحاطوا أمريكا بسياج ثقيل من عسس يمنع الداء أن يدخل،والداء بالجسم دفين،والجسم قد يعتل من جرثومة تغزوه ولكن أكثر علته من جرثومة للموت ولدت فيه.وما هي إلا سنة فأخرى حتى سالت الخمر في أمريكا سيلان الماء فيها،سدت عليها منافذ الماء،ومهابط السماء،فتفجرت كالزيت من منابع في أرضها،في عقورها ديارها،فهبها الناس اغترافاً،وعبها رجال القانون معهم،ومتى أبطل مداد الأوراق ما جرى به مداد الأعراق؟ولما أصبح القانون، ذلك الشيخ الوقور المهاب،يصفع في السر أقل ويصفع في الجهر أكثر جاء منتخبوهم منذ أسابيع فرحموا الشيخ فعقروه،وهكذا عادت الخمر الشيخة تتهادى إلى عرشها،فلما استقرت فيه نظرت للإنسان فابتسمت وكان من ورائها الأجيال فابتسمن أيضاً..
وبعد فما الخمر إلا الكحول، وهو ماء ولا ماء،ماء في مظهره ونار في مخبره،وقد اتخذ أشكالاً عدة،وأسماء عدة،فأسموه البيرة وأسموه النبيذ وأسموه الوسكي وكل هذه تحويه إن قليلاً أو كثيراً وهي تفقد أسماءها بفقده، ومن السخف ما يباع أحياناً بأنه بيرة لاكحول فيها، والبيرة تنتج من تخمير الشعير وبها مابين 4 ـ 10 % من الكحول ومقدار لابأس به من أجسام صلبة ذائبة شبه السكر نتجت من تحلل النشاء الذي كان بالشعير.والبيرة المعتادة لونها أصفر وطعمها مرير بسبب عشب يضاف إليها.والنبيذ ينتج من تخمير عصير العنب وبه مابين 6 ـ 8 % من الكحول ولونه أحمر ويتعاطاه الكثير من الفرنجة على الطعام كما يتعاطون الماء.وأما الشامبانيا فهي أخت النبيذ،فأبوهما الكرم،إلا أن لونها أصغر،ويرجع هذا إلى أنهم يعصرون العنب سريعاً فلا يمهلون الصبغة التي بقشرته أن تجري في العصير فتخمره،وغير هذا فإنهم يختزنون هذا العصير في أبان تخمره في زجاجات مقفلة سنتين وثلاثاً فينحبس بها غاز الكربون الناشىء من التخمر تحت ضغط كبير،لذا تفور الشمبانيا عند فتحها،ولذا كان طعمها حريفاً كالكازوزة بسبب هذا الغاز ومقدار الكحول الذي بها كالذي بالنبيذ تقريباً.
ويوجد عدا هذه من الأشربة الروحية أنواع لا حصر لها يختلف مقدار الكحول الذي بها اختلافاً كبيراً،ومن ذلك الوسكي ويحضر من تخمير الحبوب ثم تقطيرها،والكونياك ويحضر بتقطير النبيذ ولذلك ترتفع نسبة الكحول بكليهما إلى 30 ـ 60% .
يقول الأستاذ الدكتور أسعد الحكيم في مقالة للمجمع العربي بدمشق عام 1929م:
“ألف الإنسان الخمرة منذ آلاف السنين،وعاقرها بعضهم حتى خامرت عقله ولبّه وامتزجت بلحمه ودمه،وأصبحت عنصراً ضرورياً من لوازم حياته،فهي ماؤه وهي غذاؤه وهي راحه وهي ريحانه،تجارتها أروج تجارة وصناعتها أعظم صناعة،حتى إن من الأمم العظمى من جعلها ثمرة حرثه وزرعه وقد عمّ الخطب بها حتى بات شربها مظهراً من مظاهر المدنية والحضارة وجفاؤها ضرباً من ضروب التوحش والغباوة،وذلك حتى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين حيثأخذ العلم يستقرىء خواص الغول في الجسم البشري،وما هي إلا عشرات من السنين حتى ظهر للعلم بأن العالم على باطل في معتقده في منافع الغول وحسناته.فأخذ يدعوهم إلى تركه والإيمان بمضاره وسيئاته.
دعا العلم العالم إلى الإيمان بمضار المسكرات،فاستشاط العالم غضباً وحنقاً،وما هي إلا سنوات معدودة حتى دخل في دين العلم أصح الناس أجساماً وأشدهم بالمحافظة على الحرية الشخصية تمسكاً وإيماناً،فغلوا حريتهم هذه بأيديهم وهي ما عبدوا،وقضوا على نفوسهم بأنفسهم وهي ماقدسوا،ولا غرابة فقد سبق القول بأن الحق يهتدي إليه العالم فالجاهل، والصحيح فالمريض.
ومن العجب العجاب أن تقوم الحرب ضروساً في أوربا وأمريكا،في بلاد المشروبات الروحية ومواطنها للقضاء على الغول وطرده وتطهير النفوس والأجسام من شروره،فتفتح البلاد العربية لهذا الطريد الممقوت أبوابها كأنها استطابت هلاك الجسم فهي تريد أن تضيف إليه فساد النفس،والنفس هي الاسم الباقي من ذلك الرسم العظيم الفاني.
الخمر:
الخمر: ما خامر العقل أي غطاه سواء كان رطباً أو يابساً أو مأكولاً أو مشروباً.وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:الخمر ما خامر العقل.
وتعريف أصل الخمر: ستر الشىء،ويقال: لما يستر به خمار،لكن الخمار صار في التعارف اسماً لما تغطي به المرأة رأسها وجمعه خُمر{وليضربنَ بِخُمرهنَّ على جيوبهنَّ}(النور 31)،وخمرت الإناء:غطيته ،وأخمرت العجين :جعلت فيه الخميرة.
والخمر سُميت لكونها خامرةٌ لمقر العقل ،وهو اسم لكل مسكر ،وعند بعضهم اسم للمتخذ من العنب والتمر ،لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:”الخمر من هاتينِ الشجرتين:النّخلة والعنبة”(صحيح مسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه وصححه الألباني).
جاء في تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(العدد 229 بتاريخ السادس من آيار عام 1905م:
“لفظ الخمر منقفول من مصدر خمر الشىء بمعنى ستره غطاه،يقال: خمرت الشىء إذا سترته وخمرت الجارية ألبستها الخمار وهو النصيف الذي تغطي به وجهها وتخمرت هي واختمرت.
والوجه في النقل أن هذا الشراب يستر العقل ويغطيه،أو هو من خامره بمعنى خالطه يقال: خامره الداء:أي خالطه ومثله خامر الشىء الشىء،أو بمعنى التغيير يقال: خمر الشىء إذا تغير عما كان عليه والعصير يتغير فيكون خمراً،أو بمعنى الإدراك من خمر العجين ونحوه فاختمر أي بلغ وقت إدراكه .وقال ابن الأعرابي:أنه يقال سميت الخمر خمر لانها تركت حتى اختمرت واختمارها تغير رائحتها.وجميع هذه المعاني ظاهرة في هذه الأشربة المسكرة كلها كما قال ابن عبد البر ،فيصح إطلاق اسم الخمر لغة على كل مسكر وهذا ماذهب إليه أشهر علماء اللغة كالجواهري وأبو نصر القشيري وأبو حنيفة الدينوري والمجد صاحب القاموس.والظاهر أن هذا الإطلاق حقيقي ولا وجه للعدول عنه إلا أن يصح أن العرب كانت تسمي نوعاً خاصاً من المسكرات خمراً لا تطلق اللفظ على مسكر سواه وهو مازعمه بعض الناس، والحنفية على أن الخمر ما اعتصر من ماء العنب إذا اشتد وقذف بالزبد زاد بعضهم ثم سكن وقيل إذا اشتد فقط.
والغول: عبارة عن مركب كيماوي عضوي ،سائل شفاف عديم اللون، رائحته مميزة،وطعمه نفاذ لاسع،يمتزج مع الماء بجميع النسب،وهو قابل للاشتعال،ولايوجد الغول في الطبيعة حراً.
ـ يوجد في المشروبات الغولية بعد عملية التخمر.
ـ ويوجد الغول في بدن ودم الإنسان الذي يتعاطى شربه.
ـ ويوجد في بول مرضى الداء السكري وينتج من عملية تخمر السكر
ـ ويوجد على هيئة مركبات استرية في بعض بذور النباتات غير الناضجة والتي تتكون من اتحاد الكحوليات مع الأحماض.
وقد ذكر الغول في القرآن الكريم:
يقول تعالى في كتابه العزيز:{يُطافُ عليهم بكأسٍ من معين@بيضاءَ لذةً للشاربين@لا فيها غول ولا هم عنها يُنزفون}(الصافات 45 ـ 47).
يقول الأستاذ الدكتور أسعد الحكيم في مقال له في مجمع اللغة العربية بدمشق عام 1929م تحت عنوان”المسكرات ومضارها”:
الغولية:
نسبة إلى الغول،والغول في اللغة السكر،وفي مصطلح العلم المادة المؤثرة المسكرة الموجودة في المواد السكرية والنشائية المائعة المتخمرة كخمر العنب ونبيذ الشعير والأرز والتفاح وغيرها.
وقد كان يُظن قبل الإسلام أن الخمور مسكرة بذاتها فلما جاء الإسلام ووصف خمر الجنة.قال في تعريفها:{لا فيها غولٌ ولا هم عنها يُنزَفُون}(الصافات 47) أي مافيها مادة مسكرة ينشأ عنها الصداع والسكر يقال لها غول.فأفاد بأن الخمر ليست مسكرة ومصدعة بذاتها بل هي مسكرة بمادة خاصة موجودة فيها تدعى الغول،تُحرم لأجلها لانها هي التي تفسد العقل وتُسكر.
ويقول الشيخ إمام الدعاة محمد متولي الشعراوي رحمه الله في قوله تعالى:{وأنهار من خمر لذة للشاربين}(الآية 15 سورة محمد)،يقول رحمه الله:”أي فيها لذة وليست كخمرة الدنيا لاذعة،وليس فيها غول،فيبقى لمن يتعاطاها التلذذ وليس فيها أثر الغول الذي يذهب بالعقل.
وبالنظر لجهل الناس علم الكيمياء في ذلك العصر لم ينتبهوا إلى معنى كلمة الغول العلمي ففسروها بمعناها اللغوي وهو السكر مما أوقعهم في الاختلاف في تحريم النبيذ وعدمه.ولم يتوصل العلم إلى معرفة الغول وتجريده عن المواد المتخمرة إلا بعد أن اكتشف العرب التصعيد والتقطير في القرن الثاني للهجرة فصعدوا الخمر وقطروها واستخرجوا منها الغول ويسمونه روح الخمر والعرقي والزئبق الحار.قال داود:العرقي هو المأخوذ عن الخمر بالتصعيد والتقطير وقد يؤخذ من الأنبذة.
ومن هنا يتبين لنا أن القرآن الكريم ذكر الغول بمعناه العلمي قبل أن يتوصل العلم إلى اكتشافه وبيان خصائصه.
وقد أخذ الفرنج عن العرب ونقلوه إلى لغتهم بلفظه العربي،وبالنظر لعدم وجود “الغين” في لغتهم استبدلوها بالآش فقالوا بدلاًمن الغول ألكوهول.ثم جاء الأتراك وأرادوا نقل العلوم من اللغات الفرنجية إلى لغتهم لم ينتبهوا إلى أن أصل كلمة الكهول هي الغول فقلبوا في نقلها الآش حاءً فصارت الكحول.وقد شاعت لفظة الكحول حتى ظنها الناس فصيحة،بينا لا يوجد لها أصل في اللغة يشير إلى مدلولها.وباتت كلمة الغول الفصحى غريبة لعدم تداولها وهي أجدر بالمودة والاستعمال..
فالغول والحالة هذه هو المادة المسكرة الموجودة في الخمور،والمعروفة باسم الكحول أو السبيرتو العامية،والغولية هي الداء الذي يحصل من إدمان شرب المسكرات أي المشروبات التي فيها غول،وهي كثيرة في هذا العصر وتنقسم إلى قسمين:القسم الأول المشروبات الروحية،والقسم الثاني الخمور والأنبذة.
المشروبات الروحية:
هي الموائع التي تحتوي على أربعين إلى ستين في المائة من الغول، والباقي ماء، وعلى روائح عطرية مختلفة.واهم أنواعها :العرق.ويستخرج من الخمر مع الآنيسون،وهو مركب من غول وماء وعطر الآنيسون.ومنها “القونياك”،وهو عرق الخمر الأبيض يحفظ مدة طويلة في براميل من خشب الصفصاف يكتسب منها رائحته ولونه.وقد سمي نسبة إلى بلدة قونياق في فرنسا التي يصنع فيها.ومنها “الروم” وهو عرق نبيذ الكرز البري.ومن المشروبات الروحية الأنواع المدعوة “ليغفيرز” أي المشروبات الحلوة وهي الأشربة الغولية الممزوجة بالماء والسكر وبعض الأرواح العطرية، وأشهرها “الأبسنت” أي مشروب الأفسنتين والفرموت والشارتروز وغيرها.
الخمور:
وأهمها الخمر، وهو عصير العنب المختمر،وهو يحتوي على ثمانية أجزاء إلى عشرين جزءاً في المئة من الغول وعلى خمسة وسبعين جزءاً ماءً وعلى مواد زلالية وعفصية وملونة،وعلى حوامض وعلى أملاح قلوية ترابية وعلى أرواح عطرية.ومنها الأنبذة وهي الخمور التي تحصل من عصير غير العنب،وأنواعها كثيرة،وأسماؤها تختلف بحسب المواد التي تتألف منها،وأشهرها :المزر أو البيرا أو الجعة،وهو نبيذ الشعير المعطر بحشيشة الدينار،وهي تتركب من ثمانين جزءاً من الماء ومن ثلاثة إلى ثمانية أجزاء من الغول،وفيها مواد سكرية وزلالية ودهنية وأملاح قلوية ترابية وحوامض،ومنها المصع.قال داود وهو نبيذ الفواكه.ومن أنواعه:السيدر،وهو نبيذ التفاح،والبواره وهو نبيذ الإجاص،ومنها الرائب وهو نبيذ اللبن وهو شائع الاستعمال في روسيا ويسمى الكوميس.وكمية الغول في هذه
الأشربة أقل مما هي في الخمر..
والخمر نوعان:نوع يخمر تخميراً،ونوع يقطر تقطيراً،وأقوى الخمور سماً وأشدها ضرراً ما كانت مقطرة،ويعبرون عنها بالأشربة الروحية.
ويقول الدكتور عبد الكريم اليافي في مقال له في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق تحت عنوان”أصل لفظ الكحول العربي”:
إذا رجعنا إلى الموسوعة العالمية وتبينا فيها لفظ دلالة الكحول جاء فيها:وقد ارتبط بهذا اللفظ معنى الدقة واللطافة حتى إن الكيماويين كانوا يطلقونه على العناصر الطيارة الناجمة من التقطير.وقد سمى باراسيلسوس والذي عاش في القرن السادس عشر الميلادي المادة الحاصلة من تقطير الخمر .ولكن هذا اللفظ الذي أطلق منذ ذلك الوقت على مادة الإيتانول أو روح الخمر أو السبيرتو(ترجمة للفظ الروح العربي).
وقريب من هذا التفسير بعد بيان اللفظ العربي ورد في كمعجم ..
ويقول الدكتور نبيل الطويل في كتيبه”الخمر ومضارها على الجسم والعقل”:الكحول نوعان:
1 ـ ميثيل الكحول(الميثانول):وهو مادة سامة لا تفيد إلا في تركيب السميات ولقد استعملت ولاتزال تستعمل في غش المسكرات المحتوية على (ايثيل الكحول أي الإيثانول)ولقد سبب هذا الغش في ولاية جيورجيا بأميركا تسمماً لثلاثمائة وثلاثة وعشرين شارباً مرة واحدة،سنة 1951م وكان عدد الوفيات إحدى وأربعين وفاة.
2 ـ إيثيل الكحول(الإيثانول):وهو مايدعى بالعامية(سبيرتو)وهو يستعمل في علم الأدوية، وفي المسكرات.وهو مادة كيماوية تقتل الحياة في الخلية بترسيب البروتوبلازما أو الهيولى وتنشيفه.
واستعمال الإيثانول للتطهير يكون في محلول مائي تتراوح كثافة الكحول فيه 60 ـ 90%.أما ماتحت الستين وما فوق التسعين بالمائة فلا يعول عليها في التطهير والتعقيم وقتل الجراثيم.
فإذا كان جلد الإنسان سليماً غير مخدوش أو مجروح أو مقطوع،فإن الكحول يفيد في إزالة المواد الدهنية والجراثيم العالقة بالجلد.وإذا كان هناك جرح أو خدش،فإن الكحول تؤثر على الانسجة كما سبق بإماتة الخلية بعد تنشيف وترسيب البروتوبلازما فيها،وهذه النتيجة متوقفة على كمية الكحول وكثافته في المحلول.
الخمر أم الخبائث:
جاء في مقال للشيخ العلامة محمد أبو زهرة رحمه الله في “القرآن الكريم المعجزة الكبرى”:
“جاءت النصوص القرآنية مشيرة إلى مضار الخمر،وأنها شراب مذموم،وجاءت بالنهي عنها،واول آية نزلت مشيرة إلى أنها أمر غير حسن قوله تعالى:{ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سَكراً ورزقاً حسناً إن في ذلك لآية لقومٍ يعقلون}(النحل 67).
وقد كان ذلك النص متضمناً استهجاناً لها…وهو استهجان ببيان أنها شىء غير مستحسن في ذاته،فهو مقابل للأمر المستحسن،والعاقل للمستحسن لا يكون إلا مستهجناً.
وكان ذلك أول تنبيه للعرب باستهجانها،لأنهم كانوا يألفونها في جاهليتهم ويتفاخرون بشربها كما يفعل أهل الجاهلية في هذا الزمان الذي نعيش فيه.
وهذه الآية نزلت في مكة،فلما كانت الهجرة،وأشرب المسلمون حب الإسلام أشار القرآن إلى مايوجب تحريمها.حيث نزلت الآية 219 من سورة البقرة،والتي تنص على أن الخمر فيها منافع ومضار ،وإن النص القرآني كما يقول الشيخ أبو زهرة يوجب تحريمها،لأن كل أمر غلبت مضاره على منافعه يوجب العقل أن يحرمه الإنسان على نفسه،لأنه مامن شىء إلا فيه نفع نسبي،وضرر نسبي، والعبرة بما يغلب،ولكنه ليس تحريماً صريحاً.ولذلك بعد هذا النص كان عمر رضي الله عنه يقول: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً..
وإن النفس العربية كانت قد ألفت شربها،وتعودته فلا بد من تربية تخلع هذه العادة غير الحسنة فجاء النص الآخر الكريم ليربي النفس على البعد عنها،فقال تعالى الآية 43 من سورة النساء.
وإنه لايتصور إيمان من غير صلاة، فالصلاة أمر محتوم، وقد نهى عن أن يقربها وهو سكران،حتى يعلم مايقول،والعلم بما يقول هو العلم بما ينبغي قوله،وما لاينبغي،ونتائج القول،وتحري الصدق، وكل هذا لايكون إلا من ذوي وعي كامل مدرك لحقائق الأمور،وغاياتها،ولا يكون ذلك إلا إذا كان على بعد من الشرب بوقت طويل، وقال سبحانه:لاتقربوا الصلاة، ولم يقل لا تدخلوا في الصلاة، لأن النهي عن المقاربة أبلغ من النهي عن الدخول.
وإذا كانت الصلوات خمساً موزعة في النهار وزلفاً من الليل، فإنه لابد أن يكون على صحو كامل من قبل الفجر حتى لا يقرب صلاة الفجر وهو يعلم ما يقول،ولا بد أن يكون في صحو قبل الظهر،ولابد أن يكون صحواً مستمراً إلى العصر،لقرب مابينهما،مثل ذلك المغرب والعشاء،وبذلك يذوق المسلم حلاوة البعد عنها،كما تعودها من قبل،وهي شراب غير مرىء.فكان ذلك النص الكريم تربية للنفس المؤمنة،وعلاجاً لترك أمر مذموم ألفوه بأمر حسن عرفوه وذاقوا حلاوته.
ولم يجد عمر المدرك بنور الله في ذلك بياناً شافياً،لا،ه يرغب في نهي قاطع،لا تردد فيه،ولقد أنزل بعد ذلك الأمر الحاسم القاطع الناهي نهياً لازماً في الآية 90 من سورة المائدة.
وقد قال علماء البلاغة أن قوله تعالى:{فهل أنتم منتهون} ،هي أبلغ صيغ النهي،ويجدر بنا هنا أن ننبه إلى أمور:
الأمر الأول:
أن أهل الجاهلية في هذا العصر يقولون إنه لم يكن ثمة نص على النهي مثل قوله(لاتشربوا) وان ذلك القول التافه كان غير جدير بالاتفات إليه،ولكن كثر تردداه فحق علينا البيان فنقول: إن النص الكريم شدد في النهي من وجوه كثيرة أولها أنه قرن الخمر والميسر بالعبادة بالذبح على النصب،وتلك قرينة التحريم في ذاتها.
وثانيها: أنه وصفها بأنها من عمل الشيطان وأنها رجس أي أمر قذر في ذاته،فهي ضارة،ولا تتقبلها النفس الفطرية ومضارها الجسمية معلومة لكل مدرك أريب.
وثالثها :أنه طالب باجتنابها،والاجتناب يقتضي البعد عنها،وعن مجالسها،وعن شاربيها،وذلك أبلغ من قولك:لا تشربها.
ورابعها:أنها تدفع إلى العداوة والبغضاء ،وهما أمران مفسدان،مقوضان لبناء المجتمع.
وخامسها:أنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة،والصلاة فرض لازم هو شعار الإسلام،والصد عنه أشد الأمور في الإسلام فهو حرام،فكل ماتؤدي إليه يكون حراماً مثله،لأن ما يفضي إلى الحرام يكون حراماً.
وسادسها:قوله تعالى{فهل أنتم منتهون} وقد قلنا إنها أبلغ صيغة في النهي عن الفعل.
الأمر الثاني:
الذي يجب التنبيه إليه هو أن الخمر كل مايخامر العقل،ويستره،ويمنعه من الإدراك المستقيم،سواء أكان النيىء من ماء العنب،أم كان المطبوخ منه، وسواء أكان من العنب أو البلح،أو غيرهما.
وعندما نزل ذلك النص القاطع في التحريم أراق الصحابة كل ماعندهم من دنان الخمر،ولم يكن فيها النيىء من ماء العنب، بل كانت كلها أنبذة.
فكل شراب من شأنه أن يسكر أو يؤدي إلى السكر يكون حراماً رسواء أكان نبيذ العنب أو التفاح أو البلح أو البصل أو نيىء القصب،وسائر ما يخترعه الإنسان ليفسد عقله ،وسواء أكان سائلاً أم كان جامداً.
وأن القرآن إذ شدد في تحريم الخمر،فإنه يعتبر ارتكابها جريمة تستحق العقاب،ولكن ليس في القرآن نص على عقوبة لها،وفيه نص على جريمة هي في كثير من الأحيان نتيجة لها،فإن السكران لا يدري ما يقول فينطق برفث القول وبالفسوق وهي جريمة القذف،ولقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الارتباط بين الجريمتين،قال في عقوبة الشرب:إذا شرب افترى،فيحد حد الافتراء،وهو حد القذف.
وجاء في مقال للشيخ العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله في مجلة المنار العدد 229 بتاريخ السادس من آيار عام 1905:
“روى أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما فأنزل الله سبحانه وتعالى:{يسألونكَ عن الخمرِ والميسرِ قل فيهما إثمٌ كبيرٌ ومنافعُ للناسِ وإثمهما أكبرُ من نفعهما}(البقرة 219)فقال الناس ما حرم علينا إنما قال إثم كبير وكانوا يشربون الخمر حتى كان يوم من الأيام صلى رجل من المهاجرين أمَّ أصحابه في المغرب فخلط في قراءته فأنزل الله آية أغلظ منها{يا أيها الذينَ آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سُكارى حتى تعلموا ما تقولون}(النساء 43)،ثم نزلت آية أغلظ من ذلك {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل ..
ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(المنار العدد 358):والإثم هو مافيه الضرر،والضرر يكون دينياً ودنيوياً،وأن الله تعالى ماحرم شيئاً إلا لضرره في الجسم أو العقل أو الدين أو المال أو العرض،والضرر يختلف باختلاف الأشخاص والأوقات والأحوال وقد يتخلف أحياناً،إذ يكفي في التحريم أن يكون ضاراً في الغالب،فمن عمل عملاً من شأنه الضرر في الجسم فربما ينجو من ضرره بقوة مزاجه إذا هو لم يسرف فيه،ومن عمل عملاً من شأنه نقص الدين فربما ينجو من سوء تأثيره الذاتي بقوة إيمانه ويقينه وكثرة أعماله الصالحة،بحيث يكون ذلك الضرر كنقطة من القذر وقعت البحر أو النهر،ولكن قوة الإيمان ورسوخ الدين بالعمل الصالح ينافي الإقدام على ارتكاب المحرم،إلا ما يكون من اللمم والهفوات التي لا يصر المؤمن عليها.
فالجناح العظيم والخطر الكبير من ارتكاب المعصية بعد العلم بتحريمها ليس فيما عساه يصيب مرتكبها من ضررها الذاتي الذي حرمت لأجله فقط لأن هذا قد يتخلف أو يكون ضعيفاً أو مغلوباً،بل الجناح والخطر الديني في الإقدام على مخالفة أمر الله تعالى وترجيح هوى النفس على مقتضى الإيمان والاعتقاد.
ويتابع رحمه الله:”وقد مضت سنّة الله تعالى بأن تكون قوة تأثير الدين على أشدها وأكملها في نشأته الأولى،كما يفيده قوله تعالى{ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون}(الحديد 16)ولهذا ترك جمهور المؤمنين الخمر في عصر التنزيل،ولكن بقي من المدمنين من لم يقو على احتمال آلام الخمار،وما يعتري الشارب بعد تنبه العصب بنشوة السكر،من الفتور والخمود الداعي إلى طلب ذلك التنبيه،فكان أفراد منهم يشربون فيجلدون ويضربون بالجريد وكذا بالنعال،ثم يعودون راضين بأن يكون هذا الحد الذي يحدونه،أو التعزير الذي يعزرونه،مطهراً لهم من الذنب الديني عند الله تعالى،ولا يبالون بعد ماتحملوا في سبيل الخمر من إيذاء وإهانة.,
وقد كان من هؤلاء المدمنين أبو محجن الثقفي رضي الله عنه ولما أبلى في وقعة القادسية ما أبلى وكان نصر المسلمين على يده،وترك سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إقامة الحدّ عليه وكان قد اعتقله لسكره،تاب إلى الله تعالى،وعلل توبته في بعض الروايات بأنه كان يشرب عالماً أن العقاب الشرعي يطهره،وإذ حابوه به ـ كما ظن ـ تاب إلى الله تعالى خوفاً من عقاب الآخرة.ولم يترك سعد عقابه محاباة كما ظن بل لأن الحدود لا تقام في حال الغزو ولا في دار الحرب والتعزير يرجع إلى الاجتهاد.والتحقيق أن عقاب السكر تعزير،وأن سعداً أداه اجتهاده إلى ترك تعزير أبي محجن بعد أن بذل نفسه في سبيل الله يومئذ ما أبلى،ولا مطهر من الذنب أقوى من هذا.وهل يوجد في هذا العصر كثير من الناس يشابهون أبا محجن في قوة إيمانه وقوة عزيمته في دينه؟.
قصة أبي محجن الثقفي:
قال الحافظ ابن حجر في (أسد الغابة) إن أبا محجن الثقفي كان يشرب الخمر لا يتركها خوف حدّ ولا لوم،وأن عمر حدّه مراراً ونفاه إلى جزيرة في البحر وبعث معه رجلاً فهرب منه ولحق بسعد بن أبي وقاص وهو بالقادسية يحارب الفرس.(فكتب عمر إلى سعد ليحبسه فحبسه فلما كان بعض أيام القادسية واشتد القتال بين الفريقين سأل أبو محجن امرأة سعد أن تحلّ قيده وتعطيه فرس البلقاء وعاهدها إنه إن سلم عاد إلى حاله من القيد والسجن وإن استشهد فلا تبعة عليه فلم تفعل فقال:
كفى حَزناً أن ترتدي الخيل بالقنا وأُتركَ مشدوداً عليَّ وثاقيا
إذا قمت عناني الحديد وأُغلقت مصارع دوني قد تصمّ المناديا
وقد كنت ذا مال كثير وأخوة فقد تركوني واحداً لا أخاليا
حُبسنا عن الحرب العوان وقد بدت وأعمال غيري يوم ذاك العواليا
فلله عهد لا أخيسُ بعهده لئن فرجت أن لا أزور الحوانيا
فلما سمعت سلمى امرأة سعد ذلك رقّت له فخلّت سبيله وأعطته الفرس فقاتل قتالاً عظيماً وكان يُكبر ويحمل فلا يقف بين يديه أحد.وكان يقصف الناس قصفاً منكراً فعجب الناس منه وهم لا يعرفونه ورآه سعد وهو فوق القصر ينظر إلى القتال ولم يقدر على الركوب لجراح كانت به وضربان من عرق النسا فقال: لولا أن أبا محجن محبوس لقلت هذا أبو محجن وهذه البلقاء تحته فلما تراجع الناس عن القتال عاد إلى القصر وأدخل رجليه في القيد فأعلمت سلمى سعداً خبرأبي محجن فأطلقه وقال اذهب لا أحدّك أبداً فتاب أبو محجن حينئذ وقال: كنت آنف أن أتركها من أجل الحد.وفي رواية لغيره إنه قال: وأنا والله لا أشربها أبداً إنما كنت أشربها إذا كنتم تطهروني.
ـ تفقد عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً يعرفه،فقيل له:إنه يتابع الشراب،فكتب إليه:”إني أحمد الله الذي لا إله إلا هو،غافر الذنب،قابل التوب، شديد العقاب،ذو الطول لا إله إلا هو، وإليه المصير، فلم يزل الرجل يرددها ويبكي حتى صحت توبته،وأحس النزع،وبلغت توبته عمر فقال لمن حضروا مجلسه:هكذا فاصنعوا،إذا رأيتم أخا لكم زلّ زلّة فسددوه ووفقوه،وادعوا الله أن يتوب عليه،ولا تكونوا أعواناً للشيطان عليه(عبقرية عمر للعقاد ص38).
ويقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله(مجلة المنار العدد 357):
“والحكمة في تحريم الخمر بالتدريج أن الناس كانوا مفتونين بها حتى إنها لو حرمت في أول الإسلام لكان تحريمها صارفاً لكثير من المدمنين لها عن الإسلام بل عن النظر الصحيح المؤدي إلى الاهتداء به لأنهم حينئذ ينظرون إليه بعين السخط فيرونه بغير صورته الجميلة،فكان من لطف الله تعالى وبالغ حكمته أن ذكرها في سورة البقرة بما يدل على تحريمها دلالة ظنية فيها مجال للإجتهاد ليتركها من لم تتمكن فتنتها من نفسه ،وذكرها في سورة النساء بما يقتضي تحريمها في الأوقات القريبة من وقت الصلاة،إذ نهى عن الصلاة في حال السكر.فلم يبق للمصرّ على شربها إلا الاغتباق بعد صلاة العشاء وضرره قليل.وكذا الصبوح من بعد صلاة الفجر لمن لاعمل له ولايخشىأن يمتد سكره إلى وقت الظهر،وقليل ما هم.
وقال الجلال في تفسير آية البقرة إنها لما نزلت شربها قوم وامتنع آخرون حتى نزلت آية المائدة.وروى أحمد وأبو داود والتركذي وصححه والنسائي وغيرهم عن عمر رضي الله عنه أنه قال اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً فإنها تذهب بالمال والعقل فنزلت هذه الآية فدعي عمر فقرئت عليه فقال اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فنزلت الآية في سورة النساء فكان ينادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة أن لا يقربن الصلاة سكران فدعي عمر فقرئت عليه فقال اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فنزلت الآية من سورة المائدة فدعي عمر فقرئت عليه فلما بلغ{فهل أنتم منتهون}قال انتهينا انتهينا.
ويتابع الشيخ رشيد رضا رحمه الله:”ويظهر من مجموع الروايات أن القطع بتحريم الخمر والنهي عنها كان بعد تمهيد بالذم والنهي عنها في حال الصلاة وأوقات الصلاة متقاربة فمن ينهي عن قرب الصلاة وهو سكران فلابد أن يتجنب السكر في أكثر الأوقات لئلا تحضره الصلاة وهو سكران وفي هذا من الحكمة في التدريج بالتكليف مالا يخفى.والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أن الله تعالى علم أن القوم كانوا قد ألفوا شرب الخمر وكان انتفاعهم بها كثيراً فعلم الله أنه لو منعهم دفعة واحدة لشقّ عليهم فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدرج وهذا الرفق.
وجاء في مقال للشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله في مجلة المنار العدد 152 بتاريخ 24 شباط عام 1902 والعدد 357:
“يقول الله تعالى في محكم كتابه الكريم:{يا أيها الذين آمنوا إنَّما الخمرُ والميسرُ والأنصابُ والأزلامُ رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون}(المائدة 90)..
روي في سبب نزول آيات المائدة أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال:”فيّ نزل تحريم الخمرـ صنع رجل من الأنصار طعاماً فدعانا فأتاه ناس فأكلوا وشربوا حتى انتشوا من الخمر وذلك قبل تحريم الخمرنفتفاخروا فقالت الأنصار:الأنصار خير.وقالت قريش:قريش خير.فأهوى رجل بلحي جزور فضرب على أنفي ففزره ـ فكان سعد مفزور الأنف ـ قال فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فنزلت هذه الآية من سورة المائدة.
خلق الله الحيوان محدود الشهوة وما به قوام حياته وأعطاه إدراكاً محدوداً بحسب حاجته.وخلق الإنسان ذا شهوات ممدودة،ورغائب غير محدودة،وجعل منافعه وحاجاته غير متناهية ،فوهبه إدراكاً غير محدود ولا متناهٍ وهو العقل الذي يفضل به سائر الحيوان فيسخره لمنافعه ويستعمله في حاجته.كما يسخر القوى الحيوانية التي في نفسه ويتحكم فيها بعزته وسلطانه فيوقفها في موقف الاعتدال ويربأ بها عن حدّي التفريط والإفراط.
هذا وظيفة العقل الكامل في الإنسان ولكنه لم يوهب العقل كاملاً وإنما يكمل فيه بالتربية الصحيحة المعتدلة ولابد للتربية من قانون وقد وهب الله الإنسان قانون الفطرة والطبيعة ليستفيد منهما يربي به عقله الذي يربي نفسه ،ولكن هذا القانون كسائر القوانين والشرائع يحتاج إلى مرشد وأستاذ يعلمه وسلطان ينفذ أحكامه لأن الناس لا يفهمون من القوانين بدون المعلم إلا قليلاً ولا يعملون بكل ما يفهمون إلا إذا كان عليهم سلطان يحملهم على العمل،ووازع يزعهم عن الزلل،لذلك وهبهم الله الدين الذي هو أهدى مرشد وأعدل سلطان بل هو سلطان السلاطين وأحكم الحاكمين لأنه حكم فاطر السموات والأرض الذي أنزله لتربية الفطرة الإنسانية التي هي أكمل المخلوقات في عالم الملك.
كيف يتربى العقل بالطبيعة حتى يقوى على طغيان الشهوة وفي الطبيعة ما ينصر الشهوة عليه حتى تظفر به وتقتله به وتقتله أو تعقله ثم تعيث في الأرض فساداً فتهتك الأعراض،وتسفك الدماء،وتبذر الأموال،وتضيع العيال،فأيّ عاصم للعقل من ذلك النصير للشهوة وهو أقل منه بأساً،وأصعب مراساً،وهل يستطيع العقل أن يساور الخمرة وهي غوله،وبها خسوف بدره أو أفوله؟كلا إنه ينشأ ضعيفاً فتسطو عليه الشهوات فإذا أراد أن يستعين عليها بما يستفيده من حوادث الطبيعة تسلط عليه الخمرة فتثل عرشه وتنكث فتله ويكون النصر للبهيمية على الإنسان ولا يقوى على الخمر إلا سلطان الدين،إذا كان صاحبه منه على يقين،إذا لم يكن للخمر جناية على الأعراض،ولم تكن مولدة لأمراض،ولم تكن ملقية للعداوة والبغضاء،ولم تكن صادة عن ذكر الله وعن الصلاة فحسبها خبثاً ورجساً جنايتها على سلطان العقل الذي فضل به الإنسان الحيوان وبفقده يكون الحيوان أهدى منه وأبعد عن الأضرار بنفسه،والإيقاع بأبناء جنسه،وربما وصل شارب الخمر إلى حالة يكون بها شراً من .
العقل أفضل نعم الله على الإنسان فما ذهب به فهو أخس الأشياء وأقبحها.وإذا كان خبث الرذائل وقبحها مما يوزن بميزان المضار والمنافع فالخمرة جديرة بكنيتها المعروفة عند المسلمين وهي”أم الخبائث” وحقيقة بأن تسمى باعتبار أثرها أكبر الكبائر وأن يعاقب معاقرها بأشدّ العقوبات.وكأن الشريعة جعلت حدّ السكر أخفّ من حدّي الزنا والقتل مع إنهما كثيراً ما يكونان بعض آثارها لأنها إذا أفضت إلى جريمة يعاقب المجرم عقابين :عقاب السكر وعقاب تلك
الجريمة.
تحريم الخمر
جاء في مقال للعالم الشيخ محمود شلتوت رحمه الله وهو من أكابر علماء الأزهر الشريف :
“نحن لا نشك ولا يشك أحد من الناس أن سعادة الإنسان معقودة بحفظ عقله،والعقل من الإنسان كالقطب من الرحى،أو الشمس من الكون،أو الروح من الجسد،به يعرف الخير من الشر،والضار من النافع،والهدى من الضلال،وبهرفع الله شأن الإنسان،ففضله وكرّمه على كثير من خلقه:خاطبه وكلّفه واستخلفه في الأرض،وجعله مسئولاً أمامه عما يأتي وعمّا يذر،وحفظاً لهذه النعمة الكبرى حرّم الله عليه أن يندفع مع شهوته الفاسدة إلى تناول ما يفسد تلك النعمة أو يضعفها،فيحرم من آثارها الطيبة،وينزل عن المكانة السامية التي وضعه الله فيها.
حرمة الخمر قطعية لا شك فيها:
ومن أجل ذلك علق الإسلام بالخمر جملة من الأحكام،تتلاقى جميعها وتتعاون على إنقاذ العقل المؤمن من شرّ تلك المادة الخبيثة،وبالاستقراء كان للخمر في الإسلام عدّة أحكام.
فأولها:الحرمة القطعية،وقد ثبتت بالقرآن،والقرآن هو المصدر الأول لتشريع الأحكام.وثبتت بالسنّة،والسنّة:هي المصدر الثاني لتشريع الأحكام،تبين مجمل القرآن،وتثبت ما لم يعرض له القرآن.وثبتت بالإجماع،والإجماع:اتفاق أهل الدراية ومعرفة المصالح من الأمة،وهم أولو الأمر المذكورون في الآية التي أشارت إلى مصادر التشريع الإسلامي،وهي قوله تعالى:{يا آيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسولَ وأولي الأمر منكم}(النساء 59)،والجماع ،كما جاء في هذه الآية،هو المصدر الثالث لتشريع الأحكام،وهو مبني على الاجتهاد،وبذل الوسع في تحري المصلحة التي تتوقف عليها حياة الأمة وانتظام شأنها وتقدمها.وهذه المصادر الثلاثة:القرآن،السنّة،الإجماع مرتبة في العمل،كما هي مرتبة في الآية،فلا سنة ولا إجماع فيما يخالف القرآن،ولا إجماع فيما يخالف السنة،فإن وجد الحكم في القرآن فهو المصدر ولا مصدر سواه،وإن وجد في السنة فهي المصدر،ولا مصدر سواها،وإن لم يوجد في القرآن ولا في السنة،فعلى الفقهاء أهل الدراية بقواعد التشريع العامة،وبجهات المصالح،أن يجتهدوا،فما اتفقوا عليه فهو الحكم ولا حكم سواه مادام أساس الحكم عند أهل النظر والشورى.
القرآن وتحريم الخمر:
وقد ثبتت حرمة الخمر بالمصادر الثلاثة وهي مما لا يقبل التغيير لتعلقها بلازم لا ينفك،ثبتت بتلك الآية الصريحة:{يا أيها الذينَ آمنوا إنّما الخمرُ والميسرُ والأنصابُ والأزلامُ رجسٌ من عملِ الشيطان فاجتنبوهُ لعلكم تُفلحون@إنّما يريدُ الشيطانُ أن يُوقع بينكمُ العداوةَ والبغضاء في الخمرِ والميسرِ ويصدَّكم عن ذكرِ الله وعن الصلاةِ فهل أنتم منتهون}(المائدة 90 ـ 91)،وقد احتوت الآية على جملة من أساليب التحريم القوية:
1 ـ نظمت الخمر مع مظاهر الشرك في توحيد الله وعبادته،وهي الأنصاب والأزلام في سلك واحد{إنّما الخمرُ والميسرُ والأنصابُ والأزلام}.
2 ـ وصفت الجميع بأنه”رجس” واستخدمت كلمة إنما الدالة على أنه لا صفة لها سوى الرجسية،وبتتبع كلمة”رجس” في القرآن لم نجدها إلا عنواناً على ما اشتد قبحه،وعظم عند الله تحريمه:{فاجتنبوا الرِّجسَ من الأوثان}(الحج 30)،{فزادتهم رِجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون}(التوبة 215)،{كذلكَ يجعلُ الله الرِّجسَ على الذينَ لا يؤمنون}(الأنعام 125)،{فأعرضوا عنهم إنهم رجسٌ ومأواهم جهنمُ جزاءً بما كانوا يكسبون}(التوبة 95)،وهكذا اندرج شرب الخمر مع الكفر والكافرين،وعبادة الأوثان تحت كلمة”رجس”.
3 ـ وصفت الآية الخمر بأنها من عمل الشيطان،وهو كناية في اللسان العربي،وفي الأسلوب القرآني،على غاية القبح،ونهاية الشر.
4 ـ أمرت الآية باجتنابه”فاجتنبوه” ومعناه: أن تكون الخمر في جانب والمؤمن في جانب منها بحيث لا يقربها،فضلاً عن أن يتصل بها،فضلاً عن أن يتناولها.
5 ـ علقت الآية على اجتنابه رجاء الفلاح،والفلاح يتضمن السلامة من الخسران والحصول على خيري الدنيا والآخرة.وأرشد ذلك إلى أن الاقتراب من الخمر يوقع في الخسران العام المطلق.
6 ـ أرشدت الآية إلى أثره السلبي في علاقة الناس بعضهم مع بعض،يقطع الصلات،ويعد لسفك الدماء وانتهاك الحرمات.
7 ـ سجلت الآية أن من آثار الخمر، بعد هذا الضرر الاجتماعي،ضرراً آخر روحياً،يقطع صلة الإنسان بربه،وينزع من نفسه تذكر عظمة الله عن طريق مراقبته بالصلاة الخاشعة،وتذكر جلاله وجماله،وذلك بما يترك في القلب من قسوة،وفي النفس من دنس.
وأخيراً تختم الآية هذه الجهات كلها بهذا الاستفهام التقريعي،الدال على غاية التهديد:”فهل أنتم منتهون؟”.تلك أساليب التحريم التي تضمنتها آية الخمر،وإنه لفي الواحد منها ما يملأ قلب المؤمن بربّه رهبة من غضبه،إذا ماحدثته نفسه أن يقترب من الخمر.
السنة والإجماع:
وعلى هذا المبدأ ،الذي قررته الآية بتلك الأساليب المختلفة في تحريم الخمر،جاءت عن الرسول صلى الله عليه وسلم الأحاديث الصحيحة بروايات متعددة،وأسانيد مختلفة:
1 ـ “كل مسكرٍ خمر،وكل مسكر حرام،ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب،لم يشربها في الآخرة”(صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما).
يقول الشيخ محمد رشيد رضا في مجلة المنار:”معناه أنه لايدخل الجنة فيشربها فيها،وقيل لايشربها فيها وإن مات مؤمناً ودخلها لأنه استعجل شيئاً فجوزي بحرمانه ،قيل إلا أن يعفو الله عنه.
2 ـ “أتاني جبريل عليه السلام فقال: يا محمد،إن الله لعنَ الخمرَ،وعاصرها،ومعتصرها،وشاربها،وحاملها،والمحمولة إليه،وبائعها،ومبتاعها،وساقيها،ومستقاها”(أخرجه أحمد وابن حبان والطبراني وهو حديث صحيح ).
3 ـ “لُعنت الخمر على عشرة أوجهٍ:بعينها،وعاصرها،ومعتصرها،وبائعها،ومبتاعها،وحاملها،
والمحمولة إليه،وآكل ثمنها،وشاربها، وساقيها”(صحيح ابن ماجة وأبو داود وأحمد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وصححه الألباني”..
4 ـ “ثلاثةٌ لاينظر الله عز وجل إليهم يوم القيامة:العاقّ لوالديه،والمرأة المترجلة،والدَّيوث،وثلاثة لا يدخلون الجنة:العاق لوالديه،والمدمن على الخمر،والمنّان بما أعطى”(صحيح النسائي وأحمد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وصححه الألباني).
5 ـ “ما أسكر كثيره فقليله حرام”(رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما).
6 ـ “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعدنَّ على مائدةٍ يُدارُ عليها الخمر”(أخرجه أحمد وأبو يعلى والبيهقي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وإسناده حسن).
7 ـ “لا تشربوا الخمر فإنها مفتاح كل شر”(أخرجه ابن ماجه والبيهقي عن أبي الدرداء رضي الله عنه وصححه الألباني).
8 ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتي ليلة أُسري به بإيلياء بقدحين من خمرٍ ولبن،فنظر إليهما،ثم أخذ اللبن،فقال جبريل عليه السلام:الحمد لله الذي هداكَ للفطرة،ولو أخذت الخمر غوت أمتك”(صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه).
9 ـ “كل مُسكرٍ حرام،وما أسكرَ الفَرَقُ منه فملءُ الكفِّ منه حرام”:(أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وصححه الألباني)..
10 ـ “ليكوننَّ من أمتي أقوامٌ يستحلونَ الحِرَ والحرير والخمرَ والمعازف…”(جزء من حديث شريف أخرجه البخاري عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه).
11 ـ “ليشربنَّ ناسٌ من أمتي الخمرَ يُسمونها بغير اسمها،يُعزفُ على رؤوسهم بالمعازف ،والمغنيات،يخسف الله بهم الأرض،ويجعل منهم القردة والخنازير”(أخرجه أبو داود وأحمد وابن ماجه عن أبي مالك الاشعري رضي الله عنه وصححه الألباني).
ويتابع الشيخ شلتوت رحمه الله:”والأحاديث في تحريمها،وتحريم صنعها،والاتصال بها على أي نحو من الأنحاء أكثر من أن تحصى،حتى قال العلماء:ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريم الخمر بأخبار تبلغ بمجموعها رتبة التواتر،وأجمعت الأمة من لدن الرسول صلى الله عليه وسلمإلى يومنا هذا على تحريمها،وبذلك استقرت الحرمة حكماً للخمر في الإسلام،وصارت حرمتها من المعلوم من الدين بالضرورة،ومن لوازم ذلك أن من استحلها وأنكر حرمتها يكون خارجاً عن الإسلام،وأن من يتناولها طائعاً مختاراً يكون فاسقاً عن أمر الله ،خارجاً على حدوده،عاصياً لاحكامه.
من أنكر تحريم الخمر فهو خارج عن الإسلام:
وهذا هو الحكم الأول من أحكام الخمر في الإسلام،بينه الله في كتابه وشرحه الرسول صلى الله عليه وسلم في سنته،وأجمع عليه سلف الأمة وخلفها إلى يومنا هذا،وإلى يوم الدين إن شاء الله.
فمن استحل الخمر بعد هذا التحريم الذي تعددت مصادره وتنوعت طرقه،وقويت أساليبه،وانتشر أمره انتشاراً لا يمكن أن يخفى على مسلم في بلاد الإسلام فهو مرتد عن الإسلام،لإنكاره معلوماً من الدين بالضرورة.
الحكم الثاني تحريم بيع الخمر:
من سنة الإسلام في الأحكام أنه إذا حرّم شيئاً حرّم ما يكون ذريعة إليه،ومن هنا حرم على المسلم بيع الخمر والانتفاع بثمنها،وقد جاء ذلك صريحاً واضحاً في المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي ،وهو السنّة الصحيحة،التي بلغت بمجموعها حدّ التواتر،وانعقد عليه المصدر الثالث وهو الإجماع.
وبذلك كان بيع الخمر باطلاً عند جميع الأئمة ،لا يترتب عليه ملكها للمشترى،ولا ملك ثمنها للبائع،وكان أكل ثمنها أكلاً للأموال بالباطل،أي بوسيلة محرمة غير مشروعة،وقد روى ذلك مسلم في صحيحه:”يا أيها الناس إن الله يبغض الخمر،ولعلّ الله سينزل فيها أمراً،فمن كان عنده منها شىء فليبعه،ولينتفع به”.وما لبثوا إلا يسيراً حتى قال صلى الله عليه وسلم:”إن الله حرم الخمر،فمن أدركته هذه الآية يريد{إنما الخمر والميسر} وعنده منها شىء فلا يشرب ولا يبع،فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة فسفكوها”.وكذلك رواه أحمد ومسلم والنسائي:لقى النبي رجلاً يوم الفتح براوية من خمر فقال له:أما علمت أن الله حرمها؟فأقبل الرجل على غلامه وقال له:اذهب فبعها،وكأن الرجل فهم أن التحريم قاصر على شربها،فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم:”إن الذي حرم شربها،حرم بيعها،فأمر بها، فأفرغت في البطحاء”.
تحريم إهدائها والانتفاع بذاتها:
وكما حرم الله بيعها على المسلم حرم عليه أيضاً إهداءها إلى غير المسلم،وقد قيل للرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن بيّن حرمة بيعها”أفلا أكارم بها اليهود؟فقال:إن الذي حرمها حرم أن يكارم بها اليهود”.
ومن هذا الحكم ـ وهو حرمة بيعها والانتفاع بثمنها ـ تقررت حرمة الانتفاع بذاتها على أي نحو من أنحاء الانتفاع عن طريق الخلط بغيرها،أو عن طريق الاستقلال،فيحرم أن تدخل في الطعام بأي قدر كان،ويحرم أن يصفف بها الشعر،كما تفعله بعض السيدات،ويحرم تقديمها في موائد المسلمين مجاملة لغير المسلم.
وقد استثنى الإسلم من حرمة الانتفاع بذاتها مواضع الضرورة التي تبيح أكل الميتة،كإحياء النفس المشرفة على الموت بغصة أو عطش،والاستعانة بها في الدواء إذا تعينت ولم يوجد غيرها بإشارة الطبيب الحاذق ،الغيور على شرع الله ودينه،الأمين في علمه وطبه.
إهدار قيمتها:
ومن حرمة بيعها،وحرمة الانتفاع بها أيضاً،سقوط تقومها في حق المسلم،بمعنى أنها لا تضمن بالإتلاف.ومما يجب معرفته هنا أن حقّ إتلافها إنما أعطاه الإسلام للحاكم خاصة.ولم يعط شيئاً منه للأفراد،دفعاً للفتن،وحسماً للخصومات،وبذلك كان للحاكم حقّ تعزير الأفراد الذين يبيعونها دون إذن الحاكم،حفظاً للنظام العام،ولمباشرتهم شأناً خصّه الشرع بالحاكم.فعلى الحاكم وحده إتلاف خمر المسلم،وعلى الحاكم وحده من المسلم من بيعها،وقد كان عمر رضي الله عنه يحرق على الخمارين بيوتهم،قطعاً لمادة الإفساد،ومحافظة على الشخصية الإسلامية.
عقوبة شاربها:
وكما قرر الإسلام حق إتلاف خمر المسلم،وجعله قاصراً على الحاكم،قرر أيضاً عقوبة شاربها،وقصرها على الحاكم،وقد أجمعت الأمة سلفاً وخلفا على مشروعية العقاب لشارب الخمر،وعلى أنه حق واجب على الحاكم المسلم،وقد ثبت ذلك بالمصدر الثاني من مصادر التشريع،وهو السنة التي لا سبيل في الإسلام إلى إهدارها وعدم الاعتداد بها،ومن ذلك ماروى أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى برجل قد شرب الخمر،فجلد بجريدتين نحو أربعين ،وفعله أبو بكر ،فلما كان عمر استشار الناس،فقيل أخف الحدود ثمانون،فأمر به عمر،فجلد ثمانين.ومن ذلك ماروى أحمد والبخاري عن السائب بن يزيد قال: كنا نؤتى بالشارب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي إمرة أبي بكر،وصدر من إمارة عمر،فنتقدم إليه فنضربه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا،حتى إذا عتوا فيها وفسقوا، جلد عمر ثمانين…
جاء في عبقرية عمر لعباس محمود العقاد ص71:”كتب أبو عبيدة ابن الجراح إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما من دمشق أن عمرو بن معد يكرب وأبا جندل وضراراً وجماعة من علية القوم والوجوه شربوا الخمر،وسُئلوا فأجابوا: إننا خُيّرنا فاخترنا” قال: وهل أنتم منتهون؟ولم يعزم(أي أبو عبيدة) وكان أبا عبيدة يحرج من عقاب هؤلاء العلية فرفع أمرهم إلى الخليفة يستفتيه فلم يلبث البريد أن بلغ المدينة حتى عاد إليه يأمره أن يدعوهم على رؤوس الأشهاد، ويسألهم سؤالاً لا يزيد عليه ولاينقص منه،أحلال الخمر أم حرام،فإن قالواحرام فليجلدهم،وإن قالوا حلال فليضرب أعناقهم،فقالوا: بل حرام،فجلدوا وتابوا.
بهذا وغيره أجمعت الأمة على تقرر عقوبة شرب الخمر،ولا نعلم خلافاً في تقرر المبدأ،وإنما الخلاف في قدرها وكيفيتها وآلتها،وبذلك كانت نوعاً من التعزير الواجب،وقد انتقل به عمر إلى الزيادة والمضاعفة نظراً لاختلاف أحوال الناس،وعملاً على أن تثمر العقوبة ثمرتها،وهي الردع والزجر،وتطهير المجتمع من مادة الفساد.وقد بلغ الاعتداد بعقوبة شرب الخمر أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لم يقف بها عند خصوص الشارب، بل أوقعها على من شهد مجلس الشراب وإن لم يشرب،وفي هذا يقول الإمام ابن تيمية :”رفع إلى عمر ابن عبد العزيز رضي الله عنه قوم شربوا الخمر فأمر بجلدهم،فقيل له:إن فيهم فلاناً وقد كان صائماً؟فقال: به ابدءوا.أما سمعتم الله يقول:{وقد نزَّلَ عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يُكفر بها ويُستهزأ فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديثٍ غيرهِ إنّكم إذاً مثلهم}(النساء 140).وهكذا كانت غيرة المؤمنين الصادقين
على أحكام الله وحرماته،فاعتبروا يا أولى الأبصار.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه :أتى النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب فقال:اضربوه،فقال أبو هريرة:فمنا الضارب بيده والضارب بنعله،والضارب بثوبه ،فلما انصرف قال بعض القوم أخزاك الله ،قال لا تقولوا هكذا،لا تعينوا عليه الشيطان”(رواه البخاري وأحمد وأبو داود)..
نعم لا يجوز الدعاء على من أقيم عليه الحد لما في ذلك من إعانة الشيطان عليه بل الواجب أمره بالتوبة ،وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم السارق بالتوبة والاستغفار بعد أن أقيم عليه الحد وقطعت يده،فقد رُوى عن أبي أمية المخزومي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتى بلص فاعترف اعترافاً ولم يوجد معه المتاع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اخالك سرقت،قال بلى مرتين أو ثلاثاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقطعوه ثم جيئوا به قال: فقطعوه ثم جاءوا به فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم قل أستغفر الله وأتوب إليه فقال: أستغفر الله وأتوب إليه.فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:اللهم تب عليه(رواه أحمد والنسائي)
قال الإمام الشوكاني:”وهكذا ينبغي أن يكون الأمر في سائر المحدودين.
أما بعد :
فهذه هي أحكام الإسلام في الخمر:حرمة تناولها،حرمة الانتفاع بذاتها،حرمة إهدائها،حرمة بيعها والانتفاع بثمنها،إهدار قيمتها،وجوب العقوبة عليها،قد بيّناها كما أمر الله،وبيّنا مصادرها،وهي مصادر التشريع الإسلامي التي أرشد إليها القرآن وصرحت بها السنة،وانعقد عليها الإجماع{فليحذرِ الذينَ يُخالفونَ عن أمرهٍ أن تُصيبهم فتنةٌ أو يُصيبهم عذابٌ أليم}(النور 63).
انتهى كلام الشيخ شلتوت رحمه الله..
يقول الدكتور العلامة يوسف القرضاوي رحمه الله في كتابه الإيمان والحياة،تحت عنوان “تحريم الخمر بين الولايات المتحدة وأمة العرب(ص224:
“ولكي يتضح لنا أثر الإيمان في تغيير العادات المستمكنة،وتربية النفوس على عمل الخير وغن كان شاقاً،وترك الشرّ وإن كان مألوفاً ومعتاداً،نقيم موازنة بين موقفين في مشكلة واحدة:موقف من التاريخ الحديث،وموقف من التاريخ القديم.يصوران لنا كيف يصنع وازع الإيمان مايعجز عنه وازع السلطان.
الموقف الأول في الولايات المتحدة الامريكية…وقد انتشرت فيها عادة السكر وشرب الخمور انتشاراً أقنع الحكومة بضرر ذلك على الفرد والأسرة والمجتمع،فأصدرت الحكومة قانوناً يمنع الخمر،ثم تبين لها بعد مدة يسيسرة أنها عاجزة تمام العجز عن تنفيذ قانونها،وأن أفراداً وجماعات أخذوا يعيثون في الأرض فساداً بتعاطي الخمور وتهريبها والإتجار بها،والتفنن في صناعتها على استخفاء،واستحضار أخبث أنواعها أكثر من ذي قبل..
ومما ينبغي أن نلتفت إليه أن هذا الحظر لم يكن (أمراً ملكياً) أو منشوراً من امبراطور مستبد أراد أن يرغم شعبه بسلطان القوة،وقوة السلطان.
كلا …إنه تشريع جاء عن طريق برلمان في بلد ديمقراطي دستوري حر..من شأنه أن يشرع لنفسه ما يجلب له النفع،ويدرأ عنه الفساد والضرر،وقد شرع هذا القانون بعد أن اقتنع به الرأي العام ،وتحقق له من الوجهة العلمية والعملية أن الخمر ضارة بالصحة،مفسدة للعقل،محطمة للحضارة.
فحوالي عام 1918م ثارت المشكلة في الرأي العام الأمريكي…وفي عام 1919م أدخل في الدستور الامريكي تحت عنوان”التعديل الثامن عشر” وفي نفس السنة أيد هذا التعديل بأمر حظر، أطلق عليه التاريخ قانون”فولستد”.
وقد أعدت لنفيذ هذا التحريم داخل الأراضي الأمريكية كافة وسائل الدولة،وإمكاناتها الضخمة:
1 ـ جنّد الأسطول لمراقبة الشواطىء،منعاً للتهريب
2 ـ جنّد الطيران لمراقبة الجو
3 ـ شغلت أجهزة الحكومة واستخدمت كل وسائل الدعاية والإعلام لمحاربة الخمر،وبيان مضارها،وجنّدت كذلك المجلات والصحف والكتب والنشرات والصور والسينما والأحاديث والمحاضرات وغيرها.
ويقدرون ما أنفقته الدولة في الدعاية ضد الخمر بما يزيد على ستين مليوناً من الدولارات،وإن ما أصدرته من الكتب والنشرات يبلغ عشرة بلايين صفحة،وما تحملته في سبيل تنفيذ قانون التحريم في مدة أربعة عشر عاماً لا يقل عن مائتين وخمسين مليون جنيه،وقد أعدم في هذه المدة 300 نفس،وسجن أكثر من 532ألف نفس،وبلغت الغرامات أكثر من ستة عشر مليون جنيه،وصادرت من الأملاك ما بلغ أربعمائة مليون وأربعة ملايين جنيه.ولكن كل ذلك لم يزد الأمة الأمريكية إلا غراماً بالخمر،وعناداً في تعاطيها،حتى اضطرت الحكومة سنة 1933م إلى إلغاء هذا القانون،وإباحة الخمر إباحة مطلقة.
هذه هي نهاية المطاف،وهذا هو ختام القصة:فشل كامل لامر الحظر…وسقوط قرره التعديل الدستوري الحادي والعشرون،الذي صدق عليه الكونجرس عام 1933م.
وذلك هو الموجز التاريخي للمأساة التشريعية بأكملها…تلك التي سميت في تاريخ الأمة الأمريكية(عهد التحريم).
لقد فشل القانون،وعجز السلطان،وأفلست أجهزة الدولة، في منع الخمر ومحاربة السكيرين،برغم الاقتناع العقلي الذي كان سائداً في الأمة بضرر الخمر،ولكن الاقتناع العقلي شىء وعمل الإرادة شىء آخر…
ولقد قال أحد الكتاب الغربيين بحق:”إن طلب شىء في تصميم وقوة يتطلب روحاً من التعبد والتقشف،أي تكريس الحياة لبلوغ مثل أعلى واحد،اختاره الإنسان بعناية وتفطن…إن الإرادة تغلب دائماً الثقافة،حينما تكون الثقافة لا المبادىء الدينية هي التي يرتكز عليها تصميم المرء ونشاطه ومدده الروحاني”.
فشلت الأساطيل ونجح الإيمان:
هذا موقف،والموقف الآخر من تاريخنا العربي الإسلامي القديم:
فقد بعث محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وللخمر في المجتمع العربي سريان وانتشار.تجري من نفوس أبنائه مجرى الدم،يتمدّحون بشربها،ويفتنون في وصفها ووصف مجالسها وندمائها وأقداحها،ويصوّر شاعرهم مدى تعلّقه بها فيقول:
إذا متّ فادفني إلى جنبِ كرمةٍ تروِّي عظامي بعد موتي عروقها
ولم يستطع امرؤ القيس الشاعر المعروف ـ وقد بلغه قتل أبيه ـ أن يدع الكأس من يده،ويفارق مجلس ندمائه بل قال كلمته المشهورة”:اليوم خمر وغداً أمر”.
ولم يعرف المجتمع الجاهلي إلا أفراداً معدودين على الأصابع عافوا شرب الخمر مروءة وسجل لهم ذلك التاريخ كمأثرة نادرة،كزيد بن عمرو ابن نفيل.
ومما يدل على اهتمامهم بالخمر أنهم وضعوا للتعبير عنها أسماء كثيرة،وكنايات مختلفة،وألقباً متعددة:المدامة،السلافة،الراح،الصهباء،ابنة العنقود،ابنة الكرم،بنت الحان،بنت الدنان…إلى آخر الأسماء التي بلغت أكثر من مائة…
كما أن تجارتها عندهم كانت في نماء وازدهار.
ومن أدلة شغفه بها، وتمكنها في نفوسهم،أن كثيراً من الصحابة بعد أن نزلت الآيتان الأوليان في شأن الخمر،ولم يكن التحريم فيهما صريحاً حاسماً،لم يزالوا يشربون الخمر مادام في النص متسع لهم.
ذلك أن الإسلام تدرج معهم في تحريم الخمر ـ رفقاً بهم وتيسيراً عليهم ـ حتى نزلت آية المائدة الصريحة القاطعة،وهنا رأينا العجب…رأينا الرجل يحطم كأسه،ويسفك ما عنده من خمر في الطريق حتى تفيض طرقات المدينة بما كان عند الناس منها.
عن أبي سعيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا أيها الناس إن الله يبغض الخمر،ولعل الله سينزل فيها أمراً،فمن كان عنده شىء فليبعه ولينتفع به(وذلك قبل التحريم النهائي)قال أبو سعيد:فما لبثنا إلا يسيراً،حتى قال: إن الله حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآيةـ يعني آية المائدة ـ وعنده منها شىء فلا يشرب ولا يبيع.قال أبو سعيد فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة فسفكوها ـ أي صبوها وأسالوها ـ (رواه مسلم).
وعن أنس قال: كنت أسقي أبا عبيدة وأبي بن كعب فجاءهم آت فقال: إن الخمر حرمت…فقال أبو طلحة:قم يا أنس فأهرقها…فأهرقتها (متفق عليه).
وعن أبي موسى الأشعري قال: بينما نحن قعود على شراب لنا ونحن نشرب الخمر حلة ـ أي حلالاً ـ إذ قمت حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلّم عليه وقد نزل تحريم الخمر:{يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسرـ إلى قوله فهل أنتم منتهون”فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم…قال: وبعض القوم شربته في يده شرب بعضاً وبقيَ بعض في الإناء…فقال بالإناء تحت شفته العايا كما يفعل الحجام ثم صبوا ما في باطيتهم فقالوا: انتهينا ربنا…النتهينا ربنا”(رواه الطبري في تفسير آية المائدة).
فهل رأت البشرية مثل هذا انتصاراً على النفس،وسرعة في الاستجابة،وقوة في الانقياد للأمر مهما يكن مخالفاً للعادات،مصادماً للشهوات؟؟
يقول الدكتور عبد الرحمن عميرة في “رجال أنزل الله فيهم قرآناً” المجلد الأول ص10:
“لقد كانت كلمات القرآن بالنسبة للمسلمين المنهج اليومي الذي يتلقونه ليعملوا به فوراً،لا يتخلف أحد ولا يتباطأ إنسان،بل يتسابقون إلى ذلك ويتلقونه كما يتلقى الجندي في ثكنته،أو في ميدانه أمر القائد فيعيه ويفهمه ويقوم مبادراً إلى التنفيذ.
قال أنس بن مالك رضي الله عنه:”بينما أدير الكأس على أبي طلحة ،وأبي عبيدة بن الجراح،وأبي دجانة،ومعاذ بن جبل،وسهل بن بيضاء،حتى مالت رؤوسهم من الخمر،إذ سمعت منادياً ينادي:ألا إن الخمر قد حرمت”(رواه أحمد )قال: فما دخل علينا داخل،ولا خرج منا خارج حتى أهرقنا الشراب وكسرنا القلال،وتوضأ بعضنا،واغتسل بعضنا،وأصبنا من طيب أم سلمة ثم خرجنا إلى المسجد”.(رواه ابن جرير الطبري).
وعن أبي بريدة عن أبيه قال:”بينما نحن قعود على شراب لنا،ونحن نشرب الخمر،إذ قمت حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه،وقد نزل تحريم الخمر فجئت أصحابي فقرأت عليهم قول الله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والانصاب…}قال وبعض القوم شربته في يده،شرب بعضها،وبقي بعضه في الإناء فأراقوا ما في كؤوسهم،ثم صبوا ما في باطيتهم وقالوا:”انتهينا ربنا انتهينا ربنا”.حرمت الخمر وهي أحبّ شىء لإلى نفوسهم كما تروي كتب التاريخ،حتى كانوا لا يستطيعونعنها فكاكاً،فهي رفيقتهم إذا أصبحوا،ورفيقتهم إذا أمسوا وكانوا يتجرعونها في الظعن والإقامة في الحلّ والترحال.
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:”كنت صاحب خمر في الجاهلية،فقلت لو أذهب إلى فلان الخمار فأشرب:وظل عمر يشرب الخمر في الإسلام حتى نزل قول الله تعالى:{يٍالونك عن الخمر والميسر…}قال:اللهم بين لنا بياناً شافياً في الخمر،واستمرّ في الشرب، حتى نزلت:{يا أيها الذين آمنوا لاتقربوا الصلاة….} قال: اللهم بين لنا بياناً شافياً في الخمر حتى نزلت آية التحريم قال عمر:انتهينا،النهينا”.
وهكذا حرمت الخمر،لأن القرآن يهدف إلى تربية جيل،يكون دائماً مرتبطاً بدينه وثيق الصلة بربه،مراقباً له في كل خطرة،في كل لحظة،في كل همسة وكان يستهدف من وراء ذلك إيجاد اليقظة الدائمة،والصحوة المستمرة لهذا الجيل.
ولقد استجاب المسلمون لـأمر ربهم،ولم يحتج الأمر إلى اصدار قانون أو عدة قوانين،أو صرف ملايين الجنيهات كما فعلت بعض الدول الكبرى في مجتمعنا المعاصر،ولم توفق إلى تحريم الخمر.
ويقول الأستاذ الدكتور أحمد حسن الزيات رحمه الله(مجلة الرسالة العدد 24):
“في اليوم الخامس من هذا الشهر ختمت في أمريكا تلك المحاولة الخطيرة التي أطلقوا عليها بحق(التجربة النبيلة) :أي محاولة تحريم الخمور في جميع الولايات المتحدة بأمريكا،والآن ونحن نشهد ختام هذه التجربة يجمل بنا أن نقف لحظة لنفكر في أمرها،كيف بدأت وكيف انتهت،فإننا ونحن نعيش في أقطار إسلامية يحرم دينها شرب الخمر ويحظر بيعها وشراءها،لا يجوز لنا أن نمر بهذا النبأ الخطير كأنه أحد الأنباء العادية.بل يجمل بنا أن ننعم النظر فيه قليلاً..
ليست الولايات المتحدة دولة كسائر الدول،بل يميزها أمور عديدة:منها حجمها الهائل،فإنها تكاد تعدل أوربا في المساحة،وهي وحدها عالم قائم بذاته.ثم سكانها،وهم يربون على مائة وعشرين مليوناً من الناس،أكثرهم يمت إلى أصل سكسوني،ولكن بينهم جماعات كبيرة من الاسكندنافيين واللاتين والسلاف وخليط من شعوب الأرض جميعاً،هذا عدا الزنوج وقد جىء بهم فيما مضى عبيداً لكي يعملوا في الحقول، ثم أصبحوا اليوم (أحراراً) لهم من الوجهة النظرية ما لغيرهم من الحقوق.
ثم هنالك أمر آخر يميز نظام الحكم في الولايات المتحدة،وهو أن لكل من الثماني والأربعين ولاية التي تتألف منها الدولة نصيباً كبيراً من الاستقلال الداخلي،ولهذا كانت في الولايات المتحدة سلطتان:السلطة المحلية ومركزها عاصمة كل ولاية،والسلطة الاتحادية ومركزها واشنطون.وهي التي تدير الأمور التي تهم الدولة كلها.ونظراً لحرص كل ولاية من الولايات على حقوقها واستقلالها فغن دستور أمريكا يوضح تماماً ما هو داخل في اختصاص الحكومات المحلية،وما هو داخل في اختصاص الحكومة الاتحادية كل هذا لابد لنا من تذكره كي نستطيع أن ندرك الصعوبة التي كابدتها حكومة أمريكا من أجل تنفيذ قانون التحريم.فإن هذا القانون بقي حبراً على ورق،لأن معاقبة المجرمين من أجل جرائم التهريب والإتجار في الأشياء المحرمة كان من اختصاص كل ولاية وليس من اختصاص الدولة..
وهذا يفسر لنا أن مجرماً خطيراً مثل آل كابوني لم تستطع الدولة أن تحاكمه من أجل الجرائم العديدة التي ارتكبها في سبيل تجارة الخمور المحرمة،بل حاكمته من أجل تقصيره في دفع ضريبة الدخل.
ولا بد لنا أن نتساءل عن المؤثرات والقوة التي دفعت بالولايات المتحدة نحو التحريم،إذ ليس من السهل أن نفهم هذا الانقلاب الهائل في الرأي العام،فإن الأمة التي نادت بالحظر الشديد في سنة 19ذ9م هي بعينها التي تنادي اليوم بالإباحة.
إن هذا القانون لم يفرضه الحكام على الناس فرضاً،بل لقد فرضته الأمة على نفسها بعد إنعام النظر وطول التجربة.وقد كانت في الولايات المتحدة قوى كثيرة تعمل بنشاط لتحريك الرأي العام وتحويله نحو التحريم.وهذه القوى كانت موجودة دائماً تنتظر الفرصة الملائمة،وكان لها تأثيرها قبل سنة 1919.ونرى هذا واضحاً في أن أكثر من الثلاثين ولاية قد حرمت الخمر من تلقاء نفسها قبل سنة 1919.ولكن هناك فرق كبير بين أن يحرم الشىء في كل ولاية على حدة،وبين أن يحرم بقانون من الدولة، ففي الحالة الأولى تراعي كل ولاية مصلحتها الخاصة ويسهل عليها تعديل وإلغاء الأحكام،ويمكن لمن لايرضيه قانون أن ينزح إلى ولاية مجاورة.أما قانون الدولة فيفرض على جميع الولايات بمجرد موافقة ثلثيها.فيفرض على الراغبين والكارهين على حد سواء،ويصبح كل فرد لامفر له من الإذعان أو العصيان،ثم تجرد جميع قوى الدولة لتنفيذ هذا القانون بكل ما تقدر عليه الدولة من الشدة والصرامة.
كان أهم الراغبين في التحريم رجال الصناعة في الشمال،ورجال الزراعة في الجنوب،فالأولون قد رأوا أن الخمر تذهب بقوى العمال وتضعف صحتهم وتقلل من جهودهم،فلا يستطيع صاحب المعمل أن يحصل من عماله على الجهود التي يرجوها في مقابل الأجور التي يدفعها.أما أصحاب الزراعة في الجنوب فيعتمدون في زراعتهم على الزنوج،وهؤلاء كانت تذهب الخمر بألبابهم وتقعدهم عن العمل،وتتركهم في حالة زرية.وكان هناك غير هؤلاء جماعات من محبي الخير الذين يكرهون الخمر لذاتها،ويريدون أن يخلصوا الناس من شرورها،مؤمنين بأن في هذا رفعاً لشأن بلادهم،وإعلاء لكلمتها.
وفي يناير سنة 1919م حرمت الخمر في جميع الولايات بإجماع 46 ولاية من الثماني والاربعين التي تتألف منها الدولة وحرم بيعها وصنعها والغتجار بها واستحضارها من الخارج.وجهزت الدولة جيشاً هائلاً وأسطولاً قوياً لتنفيذ هذا القانون.
ولقد دهش العالم كله يوم أقدمت الولايات المتحدة (حرة مختارة) على هذه التجربة الخطيرة.
ولكن كانت هناك قوى تعمل للشر، وإن لم يتوقع أحد أن سيكون لها كل هذا الخطر،فنهضت هذه القوى الشريرة لتنظيم الاتجار بالخمور بكافة أنواعها،مما قد يصنع خلسة في داخل البلاد أو يستورد من
الخارج..
وفشلت الخطة ،وأعلن فرانكلين روزفلت إلغاء التحريم،ومنذ انتخب للرئاسة وهو يسير بالبلاد نحو الإغاء والذي تم في عهده.
البيرا:مشروب غير صحي..مسكر…محرم
جاء في مقال للدكتور محمود ناظم النسيمي رحمه الله في مجلة حضارة الإسلام ـ تموز ـ آب عام 1970م:
“إن البيرا مسكرة،وهي وإن كانت من المشروبات المسكرة الخفيفة فإنها ضارة بصحة الإنسان ومحرمة على المسلمين في شرع الله تعالى.
صنع البيرا وتركيبها:
يترك الشعير أولاً في مكان رطب ،طلق الهواء، حرارته بين 18 ـ 34 لينتش،وتحصل فيه خميرة خاصة تقنن نشاه،أي تقلبه إلى نشوين(دكسترين) وسكر الشعير.وكلاهما منحل في الماء،وبعد نحو ثمانية أيام يوقف هذا الانتاش بالحرارةويكون هذا الشعير مهيأ لصنع الجعة(البيرا) فيجرش وينقع في ماء درجته 60،لتنحل خمائره وتفعل في النشوين سكر الشعير،وتقلبهما إلى سكر العنب،الذي يمكن اختماره اختماراص غولياً،ثم تغلى هذه النقاعة،ويضاف إليها شىء من حشيشة الدنيا،لتعطير البيرا،واحتفاظها بجوهر هذه الحشيشة المؤثر المسمى “لوبولين” وعندئذ تترك للاختمار الغولي بواسطة خميرة خاصة وهي خميرة البيرا أو الفطور السكرية الجعية تقلب سكر العنب إلى غول ايتيلي وحمض الفحم،وتختلف درجة غول البيرا بحسب مدة اختمارها ،فإن كانت وجيزة كانت البيرا خفيفة لا تحتوي أكثر من 2 ـ 3% ،وأما القوية فتحتوي 6 ـ 7% .ويكون في البيرا دائماً مقدار من حمض الفحم من أثر الاختمار،وهو سبب احتدام البيرا(فورانها) وكثرة زبدها عند فتح زجاجتها،وتحتوي الجعة فوق ذلك على قليل من المواد الأزوتية والحلوين والنشوين والسكر وشىء من الحموض والمواد المرة والأملاح ولاسيما فسفات البوتاس.
أقول إن الطريقة السابقة طريقة العصر الحديث،يتوصل بها إلى أكبر نسبة ممكنة من الغول،أما الطرق القديمة تالبدائية أو البسيطة فكانت معروفة قديماً حتى ما قبل الإسلام.وكانت البيرا تسمى في اليمن في العصر الجاهلي بالمِزر الذي يسمى به أنئذ كل مشروب مسكر يصطنع من الحبوب والذرة مثلاً.ولا يزال المزر يصطنع من الذرة أو الرز في بعض البلدان حيث يكثران فيها ويقل الشعير..
البيرا مسكرة ولا توجد بيرا بدون غول:
تبين أن البيرا الخفيفة تحتوي على 2 ـ 3 % من الغول،وإن القوية تحتوي 6 ـ 7% ،والخمر التي تسمى في العرف الحديث بالنبيذ تحتوي على مقدار من الغول يتراوح بين 8 ـ 10%ولا يزيد عن 17%.فكأس من الخمر يعادل تقريباً كأس وربع حتى كأس ونصف من البيرا القوية،وعلى هذا فيمكن للإنسان أن يسكر إذا تجرع كمية كبيرة من البيرا ولو كانت خفيفة.ويجدر أن نشير هنا أن الكمية المسكرة المؤثرة من الغول تختلف من شخص لآخر’بحسب التحمل الشخصي والاعتياد وبحسب العرق والإقليم وطراز الحياة وقت تناول المشروب.وكذلك حالة الشخص عندئذ من جوع أو شبع، لأن امتصاص الغول يكون في حالة الجوع أسرع منه في حالة الشبع.
أضرار البيرا بصحة الإنسان:
بينا أن البيرة تحتوي على 2 ـ 3% من الغول في النوع الخفيف،و6 ـ 7% من النوع القوي وفيما يلي الأضرار التي تنجم عن تناولها:
1 ـ تأثير الغول إذا أخذ بمقدار قليل:يقول الاستاذ الدكتور أحمد حمدي الخياط في كتابه فن الصحة والطب الوقائي:”كما أنه ليس بالإمكان تعيين المقدار الكثير من الغول،مطلقاً بالذي يورث الخطر لم يتناوله فلا يمكن كذلك تحديد المقدار الأقل الذي لا يؤدي إلى ضرر ما عند استعماله،لانه يختلف حسب التحمل الشخصي وبحسب العرق والإقليم وطرز الحياة،ووقت أخذه وحالة الشخص عندئذ من جوع أو شيع وما أشبه ذلك،ومن المعلوم أن الغول في أية حال كان ـ أي في الخمر أو البيرا وغيرهما ـ مؤثر في خمائر جهاز الهضم،ينبه الإفراز ويحرض على الهضم،هذا إن أخذ على الجوع بمقدار قليل.ولهذا يتوهم بعضهم أن للغول خاصة مشهية أو فائدة معدية وما هو في الحقيقة إلا مخرش شديد يفعل فعل غيره من المخرشات كالحموض الشديدة الأفاوية الحريفة.أما إن أخذ بعد الشبع كان مانعاً لسير الهضم وخاصة إذا كان شديد الكثافة،وكثيراً ما يشاهد إن الامتناع عن تناول شىء من الغول بعد الأكل أو قبله يكفي لوقف الاضطرابات الهضمية المؤلمة في كثير منأولئك الشاربين،أما عن تأثيره في الجملة العصبية فغن الغول مادة مخدرة إذا ما استقرت في الجملة العصبية،وأنها كذلك مخرشة كاوية فتظهر كمادة منبهة لاول وهلة تدخل فيها البدن حتى تصل إلى المراكز العصبية،ثم تطرح منها ببطء ،والاستعمال المتكرر يجر إلى الاعتياد فلاتؤثر عندئذ إلا إذازيد مقدارها أكثر فأكثر، وهذا ما يؤدي إلى الإدمان ،وما يجره من أخطار على الكبد وأجهزة الجسم وعلى الحالة النفسية والعقل.
2 ـ ماثبت في الطب ولعلماء الصحة وأضرار البيرا بالذات:
يقول الأستاذ الدكتور أحمد حمدي الخياط في كتابه المذكور:”إن الجعة لا تروي ظمأ،مثقلة للروح وقد تؤدي بمن يستعملها كثيراً إلى التهاب المثانة وتوسع المعدة والنقرس والسمنة ثم التهاب الكلي.ثم إن الجعة يضاف لها بعض النباتات الكثيرة الأنواع كالجوز المقىء والصبر والحنظل والسورنجان أو اللحلاح ،وبعض المواد الكيماوية المرة كالحمض المر والستركنين وحمض الصفصفاف ولا يخفى أن ذلك كله يزيد في مضرة الجعة.
3 ـ المنافع المنسوبة إلى البيرا موجودة في كثير من المباحات:
إن فائدة إدرار البول التي يتستر بها بعض شاربي البيرا موجودة بشكل أتم في مباحات كثيرة دونأن تحدث تعوداً على تناولها ودون أن تؤدي إلى أضرار في الجسم،ونكتفي هنا بذكر أمثلة على المدرات النباتية المتوفرة وعلى رأسها:عرق السوس الذي عرف منقوعه شراباً مرطباً ومدراً ويعمل بنسبة 2 ـ 6%،ومنها مناقيع أجزاء النيات المحتوية على أملاح البوتاس المنبهة لخلايا الكبب الكلوية والتي توصف عادة للمصابين بالرمال الكلوية كمنقوع أذناب الكرز ومنقوع جذامير النجيل ومنقوع مياسم الذرة ومنقوع الجذور الخمسة وهي جذور الهليون والشمر والبقدونس والكرفس والبهشية.
4 ـ البيرا محرمة شرعاً بمقدارها القليل والكثير:
من حرم الخمر على نفسه في الجاهلية:
إذا سلمت الفطرة وكرمت النشأة فقد يبلغ المرء من مراتب الفضيلة مع فقد الأخذ بالتعليم والقيام بالتأديب ما لا يبلغه مع وجدهما وقد ثلمت فطرته،وخبثت نشأته،لذلك نجد في سيرة أبناء الجاهلية من الفضائل الاختيارية ما لم يعز مثله على قوم يرون أن لهم في العلوم الجواد المصلى،وأنهم نالوا من التربية القدح المعلى،وإنما هم عبيد الشهوة،وأسرى اللذة،يعاقرون الخمر جهراً وهم يعتقدون أنها محرمة في الدين الذي ينتسبون إليه،وضارة في حكم الطب الذي يعولون عليه،وقد كان يوجد في الجاهلية من حرمها على نفسه وهو لا يرى فيها إثماً في حكم الدين،ولا ذماً من المعاشرين،وإنما هو العقل أراه حقيقة خبثها فأبى أن يحكم لذته في عقله..
من الذين حرّموا الخمر في الجاهلية على أنفسهم:أبو بكر الصديق،وعثمان بن عفان،وعبد الرحمن بن عوف،وقيس بن عاصم،والعباس بن مرداس،رضي الله عنهم،وحرمها أيضاً عبد المطلب بن هاشم،وعبد الله بن جدعان،وورقة بن نوفل.
قيل لأبي بكر الصديق رضي الله عنه :هل شربت الخمر في الجاهلية؟فقال: أعوذ بالله،فقيل :ولم؟قال:كنت أصون عِرضي وأحفظ مروءتي،فإن من شرب الخمر كان مضيعاً في عرضه ومروءته.
وفي رواية:فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:صدق أبو بكر.
(رواه أبو نعيم في المعرفة عن أبي العالية).
وقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:”ماشرب أبو بكر رحمة الله عليه خمراً في جاهلية أو إسلام”.
وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه:”ماتغنيت ولا تفتيت ولا شربت خمراً في جاهلية أو إسلام “.وقال رضي الله عنه:”إياكم والخمر فإنها مفتاح كل شر”.
ـ حرّم الصحابي الجليل عثمان بن مظعون الخمر على نفسه في الجاهلية،وعندمتا سئل عن ذلك أجاب:”لا أشرب شراباً يذهب عقلي،ويضحك عليَّ من هو أدنى مني، ويحملني على أن أنكح كريمتي.فلما حرمت الخمر في الإسلام قيل له يا عثمان قد حرمت الخمر،قال: تباً لها قد كان بصري بها ثاقباً.
قيل للعباس بن مرداس:لم تركت الشراب وهو يزيد في سماحتك؟فقال:أكره أن أصبح سيّد قومي وأمسي سفيههم.
قال أبو علي القالي في “الأمالي”:حدثنا أبو بكر بن دريد قال أخبرنا السكن بن سعيد عن محمد بن عباد والعباس ابن هشام قالا:حرم رجال الخمر في الجاهلية تكرماً وصيانة لأنفسهم منهم عامر ابن الظرب بن عمر بن عباد بن يشكر بن عدوان وقال في ذلك:
أقسمت بالله أسقيها وأشربها حتى يفرق ترب القبر أوصالي
موروثة القوم أضغاناً بلا إحنٍ مزرية بالفتى ذي النجدة الحالي
وحرم قيس بن عاصم الخمر وقال:
لعمرُكَ أن الخمر ما دمت شارباً لسالبة مالي ومذهبة عقلي
وتاركتي من الضعاف قواهم ومورثتي حرب الصديق بلا نبل
وحرم صفوان بن أمية بن محرث الكناني الخمر في الجاهلية وقال:
رأيت الخمر صالحة وفيها مناقب تفسد الرجل الكريما
فلا والله أشربها حياتي ولا أشفي بها أبداً سقيما
وحرم عفيف بن معد يكرب عم الأشعث بن قيس الخمر وقال:
وقائلة هلّم إلى التصابي فقلت عففت عمّا تعلمينا
وودّعت القداح وقد أراني بها في الدهر مشعوفاً رهينا
وحرمت الخمور عليّ حتى أكون بقعر ملحود دفينا
وقال عفيف بن معد يكرب أيضاً:
فلا والله لا ألفى وشَربا أنازعهم شراباً ما حييت
أبى لي ذاك آباء كرام وأخوال بعزهم ربيت
وقال سويد بن عدي بن عمر الطائي :
تركت الشعر واستبدلت منه إذا داعي منادي الصبح قاما
كتاب الله ليس له شريك وودعت المدامة والندامى
وحرمت الخمر وقد أراني بها سدكا وإن كانت حراما
(قل فيهما إثمٌ كبير ومنافع للناس أكبر من نفعهما)
يقول تعالى في كتابه العزيز:{ويسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثمٌ كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما}(البقرة 219).
يقول الشيخ الإمام محمد أبو زهرة رحمه الله:
“فالاستقراء ثابت أنه لا يوجد خير محض ولا يوجد شر محض،وإنما اختلطت المنفعة بالمضرة وحيث كانت كثرة المنفعة في أمر كان الطلب،وحيث كثرت المضرة في شىء كان المنع.وإن الخمر أم الخبائث وهي التي تدفع إلى الشر والعداوة والبغضاء بين الناس،ولم ينف القرآن بعض النفع.وبمقتضى زيادة الضرر على النفع كان المنع،وقد قال سبحانه وتعالى في تحريمها{إنما الخمر والميسر والانصاب….} الآية فمع هذه الآثام الكثيرة والتي جعلت هذين الأمرين يوصفان بأنهما رجس من عمل الشيطان ،قال سبحانه إن فيهما منافع للناس..
ويتابع رحمه الله:”وكل نصوص الشريعة جاءت بهذه الغاية السامية أي المصلحة الإنسانية العالمية،فما من نص شرعي إلا وقد تحققت فيه المصلحة وإن غابت على بعض الأذهان ولا تغيب هذه المصلحة إلا حيث يختلط معنى المصلحة بالهوى والشهوة،وحيث تتكاثف الظلمات على العقل حتى يتوهم المصلحة فيما فيه ضرر، كما يتوهم بعض الناس نفعاً فيما يثبت الطب وتثبت مكارم الأخلاق عكسه..
يقول الدكتور محمد علي البار:”ولعمري لو كان في الخمر هذه الصفات(البعض يدّعي أنها نافعة للهضم مقوية للجسد)،لكان ذلك من دواعي شربها،بل هذا كله باطل وهو من الأوهام المتعلقة بالخمر فهي لا تقوي الضعيف بل تزيده ضعفاً ،ولا تهضم الطعام بل تسبب التهاب الجهاز الهضمي ابتداءً من الفم وانتهاءً بالأمعاء مروراً بالبلعوم والمري والمعدة والبنكرياس والكبد.ولا تعين على الباه بل تفقد المرء عقله،فيقدم على الجرائم الجنسية ويعتدي على أمه وأخته،ونصف جرائم الاغتصاب على الأقل في العالم تقع تحت تأثير الخمر، وهي لاتسلي المحزون إذ أن تسليتها إذا حدثت وقتية سريعة الزوال وتعقبها الحسرات وتكثر المعارك والعداوات والبغضاء بين من يشربونها.وأما تشجيعها الجبان فهو ناتج عن فقدان العقل وحدوث التهور،وتقول الإحصائيات الحديثة أن 86% من جرائم القتل تمت تحت تأثير الخمور فأي شجاعة هذه؟وإن ما لايقل عن 50% من حوادث المرور ناتجة عن شربها.وأما أنها تسخي البخيل فعند فقده عقله يصرف ماله في غير موضعه،وهذا إسراف منهي عنه،وإضاعة للمال.وهؤلاء السكارى ينفقون أموالهم في الباطل والحرام ولا ينفقونها في سبيل الله،ولا لإغاثة الملهوف،وإنقاذ المنكوب،وإعانة الفقراء والأرامل واليتامى والمساكين.وأما تصفيتها اللون فهو ما يحدث من الحمرة في وجه شارب الخمر وذلك بسبب تمدد الأوعية الدموية تحت الجلد،وبسبب إصابة الكبد وتليفها،فيحدث ذلك الاحتقان،وهو علامة المرض لا علامة الصحة.ويصحبه عادة ارتفاع في ضغط الدم فيزداد الخطر على الصحة على عكس ما توهمه القدماء”.
هناك بعض المنافع لاستعمال الكحول الإيثيلي(الإيثانول) ومنها:
1 ـ في الطب والصيدلة:
يستعمل الكحول الإيثيلي بتركيز حوالي 70% مع الماء كمادة مطهرة ومعقمة للجلد وعند حقن الإبر الدوائية .ويستخدم الكحول في تعقيم الآلات الجراحية وأجهزة قياس درجة الحرارة.
ويستخدم الكحول لتحضير مواد طبية كالإثير المستخدم كمادة مخدرة والأسيتألدهايد المستخدم كمادة حافظة.
2 ـ في صناعة العطور والمواد العطرية:
مثل الكولونيا وماء الطيب(البيرفورم)…كما يستخدم في تركيب المواد العطرية مثل الصابون العطري والمواد الأخرى المستعملة في الزينة.
3 ـ استخدامه في صناعة الورنيشات والصبغات والبلاستيك.
4 ـ يستخدم كوقود للاحتراق الداخلي:
5 ـ يستخدم كمادة مضادة للتجمد
6 ـ تحضير العديد من المركبات الكيميائية:مثل الأحماض العضوية والأدهيدات بواسطة الأكسدة.
الأضرار الاجتماعية والصحية للخمر والمسكرات::
يقول الشيخ محمد الخضر الحسين شيخ الأزهر في كتاب”رسائل الإصلاح”:
“يفضل الإنسان على سائر الحيوان بمزية العقل،وتفاضل الناس في مراقي الكمال على قدر تفاوتهم في هذه المزية،وكل شىء يضعف القوة العاقلة أو يعوقها عما خلقت له من تدبر الآيات واستكشاف الحقائق فهو عدو للإنسان،تجب مدافعته بقدر المستطاع وتجنبه الليل والنهار.
فالنوم يعطل هذه القوة ويلحق الإنسان بالخشب المسندة ،وهو أمر غالب ماله من مرد،ولكن أولي الحكمة لا يخضعون لسلطانه إلا حيث يغلب على أمرهم،ولا يعطونه من الوقت إلا أقل ماتفرضه عليهم البشرية يبتغون أن تبقى عقولهم في حركات تثمر علماً نافعاً أو عملاً صالحاً.
إذا ما مضى يوم ولم أصطنع يداً ولم أكتسب علماً فما ذاك من عمري
وإذا كان من حزم الرجل وحكمته أن يغالب النوم ولا يأخذ منه إلا بمقدار الحاجة حرصاً على وقته ،وتوفيراً لثمرات فكره فإن الخمر تأتي إلى تلك القوة التي هي أكبر مزية للإنسان ،فيعبث بها عبث الريح العاصفة بالغصون الناعمة،ولا تسأل عما ينشأ عن هذا العبث من فساد.
تذهب المسكرات بعقل من يتناولها،ولو أنه يبقى كالجماد لا ينطق ولا يتحرك لكان البلاء مقصوراً عليه،ولكن السفاهة تخلف التعقل والحماقة تظهر في مكان الكياسة،فلا تسمع إلا أقوالاً لاغية أو منكرة ولاترى إلا حركات مزرية أو مسيئة إلى من يقرب منه.
قيل لعدي بن حاتم الطائي:مالك لاتشرب الخمر؟قال: معاذ الله أن أصبح حليم قومي وأُمسي سفيههم”.
تجىء السفاهة في القول من جهة أن الخمر تعطل القوة العاقلة،وتترك الخيال يلقي على الألسنة ،وشأن الخيال الذي لايعمل تحت سلطان العقل أن يصور المعاني في غير انتظام ،ويمليها على اللسان كما صورها، فإذا هي أقوال تلبس صاحبها ثوب المهانة أو تضعه موضع من يسخر به أو يثير عليه غضباً.
دعا بعض الأمراء نصيب بن رباح إلى تناول الخمر،فقال نصيب: أصلح الله الأمير،الشعر مفلفل،واللون مرمد،ولم أقعد إليك بكرم عنصر،ولا بحسن منظر، وإنما هو عقلي ولساني فإذا رأيت أن لا تفرق بينهما فافعل.
وتجىء السفاهة في الحركات من جهة أن الخمر تعزل العقل إلى جانب وتبقي النفوس تحت تصرف الخيل فتنبعث إرادتها عن غير تعقل،وتصدر أفعالها في غير حكمة،والمسكر يحسن القبيح،ويُقبح الحسن .قال أحد الشعراء المبتلين به:
اسقني حتى تراني حسناً عندي القبيح
إن المسكرات تخرج بالإنسان عن الإنسانية إلى حيوانية تصير بها هزأة،أو حيوانية تنفث سمها في غير عدو.لاتراك عينه إلا ازدرتك ولا خطرت على قلبه إلا احتقرك.
1 ـ الأضرار الاجتماعية:
يقول الدكتور أسعد الحكيم في محاضرة ألقاها في مجمع اللغة العربية بدمشق عام 1930م:
“عرف الإنسان الخمرة بسائق المصادفة وعشقها منذ العصور الأولى وذلك لأنه كان يأكل الثمار السكرية الطعم ومنها العنب ويتلذذ بحلاوتها.وبما أن هذه الثمار موقوته لاتدوم ادخرها الإنسان مدفوعاً بعامل اللذة.فكانت تتخمر فيأكلها متخمرة فيشعر بتأثيرها فيطرب وتستهويه سورتها فيكثر من الأكل منها إلى أن يسكر.وكان كلما نال منها وطراً يجدّ في وصلها طلباً.وكلما رشف منها وشلاً تلظى لكأسها ظمأ.وكلما ارتقى في الحضارة باعاً زاد في صناعتها ابداعاً صنوفاً وأنواعاً.إلى أن اهتدى منها بواسطة الجسم إلى الروح أي من الخمر إلى الغول فأسلم له روحه وجسده وماله وولده.
هكذا انتقل الإنسان من السكّر إلى السكر،ومن الحقيقة إلى الخيال،ومن اللذة الحسية،إلى النشوة النفسية،ومن حرية الإرادة،إلى إسار العادة،ومن ماء الحياة إلى داء الغول.وهكذا عرف الخمرة وعشقها،وهام بها وعبدها،فهي الصحة وهي المرض،وهي المسرة وهي الألم،وهي السعادة وهي الشقاء،وهي الحياة وهي الممات.فأعجب بها من معشوقة ممقوتة،وممدوحة مذمومة،وأسيرة مليكة،وطريدة منشودة،ومباحة محرمة،وعاهرة مشرّفة،لا يضنيها الوصل،ولا يفسد من ملامحها الدهر.يأتيها المرء لأول مرة مجاملة أو تشبهاً،ثم طوعاً وتشوقاً،ثم كرهاً مغلوباً على أمره.فليت شعري ما علة هذا الولوع بذلك الممنوع.وما السر في هوى بنت الغواية والهوى؟.
الأسباب:
منها ماهو حيوي،ومنها ماهو اجتماعي،ومنها ماهو نفساني.
فمن الأسباب الحيوية الوراثة،فقد أثبتت المشاهدات العلمية أن لنسل الغوليين استعداداً خاصاً لتعاطي المسكرات.ولهذا كان احتياج الغربيين أشدّ إلى شرب الخمور من احتياج الشرقيين بدافع العامل الوراثي.
ومن الأسباب الاجتماعية:البيئة،فإن الوسط الاجتماعي المؤتلف شرب الخمور أدعى إلى انتشار معاقرتها من الوسط الذي يحرمها قانوناً أو شريعة أو عادة،ومنها المعتقدات والعدوى الأخلاقية وحب التقليد والمجاملات في الاجتماعات الخاصة والعامة.
ومن الأسباب النفسانية،وهي لعمري العامل الاقوى في انتشار المسكرات مابين جميع العناصر البشرية على اختلاف الأجيال،طلب السعادة،وأي سعادة،السعادة الخيالية،ولا غرو فهل السعادة إلا الارتياح النفسي الذي يحدث عندما تتحقق أهواء الإنسان الكامنة في النفس،وبعبارة أفصح هل هي سوى إرضاء الرغبات النفسية،وما أدراك ما الرغبات النفسية:هي الميل الغريزي والشهوات الحيوانية والأهواء المادية والمعنوية الشريفة والدنية،ولما كان تحقيق هذا الميل متعذراً لان التقاليد والعادات والظواهر الاجتماعية والشرائع الدينية،والأنظمة والقوانين الإدارية،تحظر على المرء إتيان ما يخالفها مما تشتهيه نفسه ويصبو له قلبه،وتضطره إلى كتمان ميله وشهوته وقهر مطامعه ومطامحه،لأن من الأولى ما يستوجب الخزي والعار،ومن الأخرى ما يستدعي القصاص والدمار، فلا تبيح للوضيع الطموح أن يكون ملكاً تعنو له الرقاب ولا للفقير أن يكون غنياً يتنعم برغد العيش وأبهة الحياة،ولا للغني أن يدفع بماله مرضاً عضالاً أو يستهوي به قلب غادة فتانة،أسرته لحاظها،وأقصاه عنها عفافها،ولا للعاشق أن يغازل عشيقته علىمرأى من الناس أو مسمع منهم،ولا للقوي أن يبطش بالضعيف بيده ليشفي ببطشه غلة،ولا للجائع أن يمد يده لرغيف على قارعة الطريق فيسد به رمقه،ولا للصديق أن يمس حرم صديقه بسوء وفي قلبه نار تتأجج من الحب والهوى.لما كان تحقيق هذه الأهواء متعذراً أصبحت السعادة البشرية محدودة جداً على وجه هذه البسيطة.وهي نسبية شخصية وبات الشقاء البشري عاماً لا يخفف وطاته إلأ الإيمان بالسعادة الأخروية وفسحة الأمل.
وإذا استقرأنا العامل الأساسي الذي يقف في وجه هذه الأهواء ويمنعها من الظهور والتحقق فيسبب بهذا المنع تململ النفس وكآبتها،نجد أنه هو العقل.فالعقل هو القوة الوحيدة التي تردع الإنسان عن خرق القوانين والأحكام،ومخالفة التقاليد والعادات وهتك الشرائع والأديان،وتحمله على حرمتها.هو الحاجز المانع الذي يقف في وجه الأهواء المخالفة للآداب والتاريخ والشرائع.فيمنعها من الظهور في حيز الشعور،ويحصرها في سويداء النفس في عالم اللاشعور،حيث لا تفنى بل تستحيل إلى قوى كامنة مبهمة لا شعورية،تتكيف بحسبها طبيعة الإنسان،وتظل في جدال عنيف دائم مع العقل بغية الظهور والتحقق،فينشأ عن هذا الجدال اللاشعوري عدم الاطمئنان النفسي وذلك الفراغ الباطني المبهم الذي قلمايهتدي المرء إلى تعليله وإيضاحه.
ويتابع الدكتور أسعد الحكيم:”لايجد السكير لذة العيش وهنأته إلا إذا أسلم نفسه إلى كأس للشراب فنقلته من هذا العالم البسيط المحدود،إلى عالم واسع النطاق،شاسع الأطراف،يرى فيه كل ماتشتهي نفسه أن تراه.وجملة القول، إن عينه لاتقع على مايحزنه من المنظورات،وأن أذنه لا تسمع ماينفره من المسموعات حتى ليرى الجمال الباهر في وجه العجوز الشمطاء.ويسمع في صوت الرعد القاصف ألأحان الغناء.
فالسكر هو والحالة هذه جنون عارض يتصف بتغير الأفعال النفسية من درجة النشاط إلى التشوش والاختلاط،إلى الفساد والهذيان،إلى الخدر والخبل،حسب كمية المادة المسكرة وكيفيتها وحالة الشارب ومزاجه.
ونذكر من أهم المظاهر الضارة:
ـ العداوة والبغضاء:
إن تناول الخمر والمسكرات يؤدي إلى وقوع النزاع في الخصام بين السكارى بعضهم مع بعض وبينهم وبين من يعاشرهم ويعاملهم ،تثير ذلك أدنى بادرة فيوغلون فيه حتى يكون عداوة وبغضاء وهذه العلة في التحريم من أكبر العلل في نظر الدين ولذلك ورد النص في سورةالمائدة{إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر}،والخمر تؤدي إلى قطع الأرحام وصلات الصداقة والوداد.
يقول الشيخ محمد الخضر الحسين رحمه الله:”والسكران يقول مايثير غضب نديمه أو من يلقاه في طريقه وأنت تعلم ماوراء ثورة الغضب من سوء،وعرفت أن السكران قد ينقلب إلى حيوانية متحفزة للشر، فلا يبالي أن يبسط يده للاعتداء على الأنفس فيصيب ضعيفاً أو يصيبه قوي.وكم من مشاجرات تعالت فيها أصوات وأصيبت فيها جسوم،وما هي إلا أثر من آثار تعاطي المسكرات.
ـ ومنها إفشاء السر:بسبب انظلاق اللسان بما يجب السكوت عنه، وهو ضرر يتولد منه مضرات كثيرة لاسيما إذا كان السر يتعلق بالحكومة،فربما كلمة يقولها سكران تكون سبباً في انكسار جيش وإذلال أمة بأسرها.وإفشاء السر من أقبح الرذائل وأشدها فضيحة للمرء في نفسه وأهله.
يقول الشيخ محمد الخضر الحسين رحمه الله:”ولا يليق أن تتخذ ممن يتعاطون المسكرات أصحاباً أو أعواناً تفضي إليهم بشىء من أسرار عملك ،فإن الأسرار المودعة في النفوس إنما تحرسها العقول وعقول المولعين بالمسكرات تفارقهم في كثير من الأحيان،فلا تلبث تلك الأسرار أن تخرج من أفواههم وهم لايشعرون.
ـ ومنها الخسة والمهانة وذهاب العقل:في أعين الناس فإن السكران يكون في هيئته وكلامه وحركاته بحيث يضحك منه ويستخف به كل من يراه حتى الصبيان لأنه يكون أقل منهم عقلاً وأبعد عن التوازن في حركاته وأعماله والضبط في أفكاره وأقواله.وينقلون عن السكارى من النوادر الغريبة ما يكفي في ردع من له شرف وعقل عن الخمر فيراجع ذلك في كتب الأدب والمحاضرة .
ـ الخمول والخمود:اللذان يعقبان زيادة التنبه التي يعدونها من فائدة الخمرة.حيث ترى مدمن الخمر أو الحشيش ونحوهما كاسف البال ممتقع اللون كئيب الوجه ضيق العطن شرس الأخلاق ،فالشر لا يزايله وإنما يلعب به كما يلعب الصبيان بالكرة يقذفه من جانب الإفراط إلى جانب التفريط ولا خير ولا راحة ولا سعادة إلا في الاعتدال ..
يقول الشيخ محمد الخضر الحسين رحمه الله:”ولا تزال المسكرات تنقص من عقل المولع بها شيئاً فشيئاً ،حتى يقع في خبال،أو مايقرب من الخبال،ومتعاطي المسكرات يكون ضعيف الفكر،خفيف العقل،ولا يصل ولو بعد صحوه إلى مايصل إليه أقرانه الأذكياء من أراء سامية ونتائج صادقة.
قيل لعثمان بن عفان رضي الله عنه:مامنعك أن تشرب الخمر في الجاهلية ولا حرج عليك؟قال: رأيتها تذهب بالعقل جملة،وما رأيت شيئاً يذهب جملة ويعود جملة.
ـ فساد الأخلاق: فإن الأخلاق الفاضلة نتيجة اعتدال القوى النفسية وسلطان هذه القوى العقل وقانونه الشرع. والسكر اعتداء على هذا السلطان وعلى قانونه ونبذ لسلطتهما. السكر يذهب بالعفة والوقار ويجعل الحليم سفيهاً والحكيم جهولاً والحيى وقحاً والنزيه بذيئاً والأمين خؤوناً والشجاع متهوراً أو جباناً.
كما أن السكر يساعد على فساد تربية العيال والجناية على عفة النساء.
يقول الشيخ محمد الخضر الحسين رحمه الله:”ومن مفاسد المسكرات أنها تندفع بالشهوات إلى الفسوق،وهل رأيت مولعاً بالخمور يحفظ فرجه عن موبقة الزنا،أو مايشبه الزنا.سقى قوم أعرابية شراباً مسكراً فقالت: أيشرب نساؤكم هذا الشراب؟ قالوا: نعم،قالت: فما يدري أحدكم من أبوه.
يقول الأستاذ الدكتور أسعد الحكيم في مقال لمجمع اللغة العربية بدمشق عام 1929م:
“إن السكر المزمن يقود حتماً إلى فساد الطباع والغرائز وضعف الفاعلية وفساد الانفعالية،فيعتري المرء الضجر والملل ويصبح شرس الأخلاق،لا ثبات له على العمل المنتج،ويفقد الشعور العيالي فلا يهتم بواجباته الزوجية ويهمل مصالح بنيه،وينحصر همّهىفي الحصول على مايتطلبه من الغول بدافع الاحتياج الجسمي،وكثيراً ما يقوده هذا الاحتياج إلى بذل ماء وجهه ومعاشرة الأدنياء والسفهاء،وفقد الغيرة على العرض وارتكاب الجرائم البذيئة الدنيا،ثم تضعف ملكاته العقلية رويداً رويداً،وتعتريه الهذيانات العارضة والأوهام،والصرع والعنّة إلى غير ذلك من أنواع الجنون.
ـ إن جريمة السكر تغري بجميع الجرائم التي تعرض للسكران وتجرىء ولذلك سميت الخمر أم الخبائث فهذه إشارة إلى مضرتها في النفس من حيث الأخلاق والآداب.
فالخمر تسبب ارتكاب الفواحش البهيمية والمنكرات الوحشية فالسكران يفجر حتى بالأقارب لان التمييز يزول والطبيعة تطغى والإيمان يذهب ،والسكران يعتدي على من لايقدر عليه،ويحاول ما لاسبيل إليه،لانه لايخاف عقاباً،ولا يحسب للعاقبة حساباً.
2 ـ الأضرار المالية والاقتصادية:
حيث أن الخمر تستهلك المال وتفني الثروة كما قال عنترة:فإذا شربت فإنني مستهلك مالي.والإسراف والتبذير كم أفقر غنياً وخرب بيتاً .
ولم تكن الخمر مذهبة للثروة في زمن من الأزمنة كزماننا هذا لإغن أنواع الخمر كثرت ومنها ماهو غالي الثمن جداً ثم إن المتجرين بها كثيراً من يقرنون بينها وبين القيادة إلى الزنا ،وهناك بيوت للفسق تجمع بين الخمر والنساء الراقصات المومسات يدخلها الرجال زرافات وأفذاذاً ويتبارون ثم في النفقة حتى ليخسر الرجل في ليلته المئين والألوف.وإن الخمار ليفتح في إحدى القرى والمزارع حانة صغيرة فلا تزال تتسع بما تبتلع من ثروة الأهالي وغلات أرضهم حتى تبتلع القرية كلها فتكون أموالها وغلاتهاوقطنها وتجارتها في يد (الخواجة) صاحب الحانة.
وتبين الدراسات أن خسائر الصناعة الأمريكية من جراء الإدمان تقدر بعدة بلايين من الدولار سنوياً،نتيجة لعوامل الغياب،وانخفاض الكفاءة في العمل،وحوادث العمل،أو الاستهداف المستمر فيها.
ولعل أهم أخطار الخمور هي حوادث السيارات التي تقضي على الآلاف من الضحايا الأبرياء .
3 ـ الأضرار الدينية:
ومن مضرات الخمر في الدين من حيث روحه ووجهة العبد إلى الله تعالى أن السكران لا تتأتى منه عبادة من العبادات لاسيما الصلاة التي هي عماد الدين ولذلك قال تعالى في آية المائدة{ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة}..
4 ـ الأضرار الصحية::
يقال بوجود الإدمان الغولي المزمن إذا تجاوز الوارد اليومي من الغول20 غرام لدى النساء و60 غرام لدى الذكور.
إن إدمان الغول يسوق إلى مجموعة عديدة من الاضطرابات في مختلف أجهزة الجسم:كالجملة العصبية المركزية،والجملة العصبية المحيطية،والكبد، والبنكرياس، والغدد الصماوية، والدم،والجهاز الحركي،والعضلات والجلد،ونقي العظم،والجهاز المناعي…ونسبة الوفيات عند مدمني الغول هي أعلى بحوالي خمسة أضعاف بالمقارنة مع الذين لا يتعاطونه.والغول هو أشد ضرراً على النساء من الرجال لأن استقلاب الغول لديهن هو أبطأ وأضعف منه لدى الرجال،أضف إلى ذلك ما يسببه الغول من حوادث السيارات،والميل للانتحار،واللجوء إلى حالات العدوانية والعنف الجنسي والجسدي…
ونحن نفرق مابين التأثيرات السمية التي يحدثها الغول بحد ذاته،ومستقلباته الأولية أي الأستيل ألدهيد،وخاصة التأثير الحيوي الفيزلوجي على الغشاء الخلوي وعلى بروتينات النقل،وكذلك التأثيرات التي تنجم عن استقلاب الغول المتوسط ونعني بها تلك التي تنجم عن أكسدة الغول والأستيل ألدهيد والتي تؤدي لتشكيل حواصل استقلابية متوسطية عديدة مثل الأستينون والاكتات والأورات،والبيتا هيدروكسي بوترات وهذا يسوق إلى الحماض الاستقلابي.
إن الغول فوق هذا يؤثر بحد ذاته ويزيد من إطلاق الكاتيكولأمينات والكورتيزول مما يؤدي إلى نشاط عملية الهدم الاستقلابي،وهذا بغض النظر عما يسببه من ازدياد عملية إنشاء الدسم في الكبد وما يقود إليه من فرط شحمية الدم،فإن الغول يسبب أيضاً نقصاً في بعض العناصر الغذائية الهامة ،كما أنه يؤدي إلى نقص تحول الغليكوجين إلى غلوكوز مما يسبب نقصاً في سكر الدم.كما يسبب نقصاً في الأحين من خلال نقص إنشاء البروتينات ونقص في العناصر الأساسية الإنشائية.
كذلك فإن الغول يؤدي إلى سوء التغذية وذلك بسبب حدوث نقص الامتصاص المعوي ويسبب عوزاً في بعض الفيتامينات والمعادن وبشكل خاص الفيتامين ب6 وحمض الورق والفيتامينات ب1 ،ب2،ونقص المعادن وخاصة الكلسيوم والمغنزيوم والزنك والفسفور.
ولابد من التفريق مابين عاملين رئيسيين عند تناول الغول:
ـ تعاطي الغول:والذي يعني تناول الغول الذي يسبب أذيات حشوية ونفسية وعصبية وإلى حدوث مشاكل إجتماعية،وهذا يحدث إذا كان تناول الغول أكثر من 60غراماً عند الذكور وأكثر من 20 غراماً عند الإناث.
ـ الإدمان الغولي:وهذا تحدث فيه أعراض متلازمة الحرمان عند الانقطاع عن الغول،والذي يترافق مع زيادة في كمية الغول التي يتناولها المدمن بسبب ازدياد تحمل الجسم إلى كميات زائدة من الغول بسبب زيادة الاعتياد .ويقدر أن حوالي 3 ـ 5% من سكان ألمانيا
لديهم ادمان غولي أي أكثر من 2 مليون نسمة..
لقد كانت المشروبات الغولية معروفة منذ آلاف السنين لدى غالبية الأمم القديمة مثل السومريين والفراعنة واليونان والرومان..
ومنذ القرن الحادي عشر الميلادي بدأ الإنسان بإنتاج المشروبات الغولية عالية التركيز وذلك بإدخال عملية التقطير في صناعة الخمور.
ويأتي الغول في وقتنا الحالي في مقدمة المواد المسببة للإدمان،ومنذ بداية عام 1971م يتأرجح استهلاك كل فرد في ألمانيا الاتحادية من الغول الصافي بحدود 12 لتر سنوياً،وهذا المعدل يعني أن ألمانيا تأتي في المرتبة الخامسة من بين الدول الأكثر استهلاكاً للخمور في أوربا،حيث تحتل فرنسا المرتبة الأولىوتليا اسبانيا ثم اللوكسمبورغ ثم البرتغال.وهناك ازدياد مضطرد في تناول الغول في ألمانيا في السنوات الأخيرة.
وإن مشكلة الغولية لدى الشباب هي من المشكلات الكبيرة وقد تبين في إحصائية عام 1976م أن بين 47% من الشباب ممن أعمارهم 12 ـ 24 سنة،يتناولون الغول بشكل يومي منتظم أو عدة مرات اسبوعياً.وأن أول احتكاك للشباب مع الغول في سن 11،بينما في عمر 12 ـ 14 سنة تكون نسبة من يشربون الخمر بشكل منتظم حوالي 17%،وترتفع النسبة إلى 46% في عمر 15 ـ 17 سنة وإلى 56% في عمر 18 ـ 20 سنة.
جاء في مجموعة السفير الإسلامية المجلد 11 ـ 12 تحت عنوان الإدمان:
“الإدمان في اللغو:ملازمة الشىء ومداومة فعله،وعدم الإقلاع عنه،هو مصدر للفعل”أدمن” ،يقال: أدمن الشراب وغيره،أدامه ولم يقلع عنه،وأدمن فلان فناء فلان: غشيه ولزمه ولم يغادره.
ولم ترد كلمة “الإدمان” في القرآن الكريم،بل جاءت مشتقاتها في أحاديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم ،من ذلك قوله:”كل مسكر خمر،وكل مسكر حرام،ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها،ولم يتب، لم يشربها في الآخرة”(صحيح مسلم )..
وقوله صلى الله عليه وسلم:”ثلاثة لايدخاون الجنة:العاقّ لوالديه،والمدمن على الخمر،والمنّان بما أعطى”(صحيح النسائي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وقال الالباني: حسن صحيح).
وأما المعنى العلمي للإدمان فهو حالة نفسية،وأحياناً جسمية،تنتج عن التفاعل بين الكائن الحي وأحد العقاقير،وتتسم هذه الحالة باستجابات سلوكية،واستجابات أخرى،غالباً ماتكون فسيولوجية..
وتتضمن هذه الحالة دائماً نوعاً من القهر لتناول العقار باستمرار،أو على فترات من أجل الشعور بآثاره النفسية،أو من أجل تجنب المتاعب النفسية والجسمية لغيابه.
وقد يصحب الاعتماد على المخدر نوع من التحمل(أي زيادة جرعة المادة المخدرة للحصول على نفس الأثر الجسمي والنفسي)كما قد يعتمد الشخص المدمن على أكثر من عقار إدمان.
ويطلق على الأشخاص اسم”مدمنين” إذا بلغ اعتمادهم على المادة المؤثرة في الأعصاب(سواء أكانت خمراً ،أم مخدراً، أم منشطاً، أم مهدئاً، أم مسكناً)درجة تؤدي إلى ظهور اضطرابات نفسية ،أو إعاقات جسمية،أو عقلية،أو اختلال لعلاقاتهم الأجتماعية،أو تدهور في أدائهم لاعمالهم الوظيفية،وعلى الرغم من أن استمرار التعاطي للمواد المؤثرة في الأعصاب يؤدي غالباً إلى حالة الغدمان،فإن العلماء يفضلون في السنوات الأخيرة استخدام مصطلح “اعتماد”على مادة معينة،مثل(الكحول،أو الحشيش،أو الأفيون)وذلك لتحديد نمط الاعتماد من ناحية،ولضمان التبكير في الوقاية والعلاج من ناحية أخرى.
ومن أهم علامات الإدمان،أو الاعتماد على المواد المؤثرة في الأعصاب ما يأتي:
ـ شعور الشخص بحاجة ملحة،أو قهر لتناول مادة معينة(مسكرة،أو مخدرة،أو منشطة،أو مهدئة)،للحصول على آثارها النفسية،أو الجسمية،أو كليهما معاً.
ـ تجنب الشعور بنوع من الضيق،أو الألأم النفسي،أو الجسمي في حالة عدم تعاطى الشخص لهذه المادة،أو الشعور بنوع من الراحة،أو التخفيف من أعراض الألم والضيق عند تناولها.
ـ يصحب الاعتماد على معظم المواد المؤثرة في الأعصاب نوع من التحمل،عندما يقل التأثير الذي تحدثه نفس الكمية من المادة بعد تكرار تعاطيها،مما يضطر الشخص إلى تعاطي جرعة أكبر،للحصول على نفس الآثار النفسية والجسمية.
ويفرق بين العادة وكل من الاعتماد والإدمان للمواد المؤثرة في الأعصاب،بأنهما يتضمنان إلى جانب كونهما عادة حِرص الشخص المدمن على الاحتفاظ بدرجة معينة من التركيز في الدم للمادة التي يعتمد عليها أو يدمنها،فهما ليسا عادة كما يتصور بعض الناس،وذلك مثل:تكرار القيام بأحد الأعمال بشكل منتظم بحيث يصبح أداؤه مع الأيام أداءً شبه آلي أو اعتيادي،كعادات لبس الملابس،أو خلعها،بترتيب معين،أو شرب الماء من كوب معين.
ويمكن تصنيف المواد التي تسبب الإدمان، أو الاعتماد إلى ما يلي:
! ـ مهبطات الجهاز العصبي:
وتشمل هذه الفئة كل المواد التي تحدث نوعاً من الهبوط،أو الخفضولوظائف المخ،وباقي أجزاء الجهاز العصبي المركزي..ويدخل في هذه الفئة الكحول الإيثيلي الذي تصنع منه الخمور،أما الكحول الميثيلي فإن تعاطيه يؤدي فوراً إلى العمى،أو الوفاة،وكذا المواد المتطايرة ،وأنواع الشراب المشتقة من البترول،والغاز الطبيعي،والأدوية المسكنة،والمهدئة،والمنومة التي يؤدي استخدامها دون أمر طبيب إلى أضرار نفسية،ونوع من الاعتماد عليها أو إدمانها.
ويؤدي شرب الخمر كثيراً إلى ادمانها أو الاعتماد عليها،وإلى زيادة الجرعات المطلوبة للحصول على نفس الاثر النفسي والجسمي،مع عدم القدرة على الامتناع عنها إلا بعلاج طبي،مع إمكانية حدوث الانتكاس.
ويكفي أن نعلم من أضرار الخمر أنها:
ـ تؤدي إلى الاعتماد عليها مع تحمل أي تزايد للجرعات،للحصول على نفس الأثر النفسي والجسمي.
ـ تؤدي كل جرعة ـ من الناحية الجسمية ـ إلى تليف بعض خلايا الكبد،وتتبلد الاعضاء المحيطة،والموجودة بأنحاء الجسم مع تكرار التعاطي،وتصاب أجزاء المخ في النهاية بلإصابات بالغة،ولا يقوى الشخص على الحركة إلا بتعاطيها،وإذا شربها حدث له إغماء، ويغلب أن يتوفى بعد بلوغ هذه الحالة.
ـ يؤدي إدمان الكحول ـ من الناحية النفسية ـ إلى كفّ عمل المراكز العليل للمخ،أو منعها،مما يجعل الشخص يشعر بثقة لا يبررها الواقع،ويقوم بأعمال يخجل منها عندما يفيق.
يقول الدكتور محمود ناظم نسيمي في مقال له بعنوان:آثار الإدمان على نفسية الإنسان وسلامة نسله في مجلة حضارة الإسلام:
“لاشك أن تناول المسكرات أو المخدرات ضار بالصحة،جارح لعدالة فاعله،موجب للتوبة والرجوع إلى الله تعالى،وحري بمن يصر على أحدهما أن يدعى فاسقاً وأن يؤخذ ذلك بعين الاعتبار في مناسبات الخطبة.فقد يؤدي الاعتياد إلى الإدمان،ويؤدي الإدمان إلى اضطراب في نفسية المدمن يتظاهر باضطراب في سلوكه ومعاشرته،وتقصيره في القيام بواجباته المختلفة تجاه نفسه وأسرته ورفقته وأمته،كما أنه يلحق الضرربنسله.
الإدمان على المسكرات:
1 ـ تعريفه:
يعرف المدمن على الغول(أو المصاب بالانسمام الغولي المزمن أو الغولية أو العلة [انه الشخص الذي لا يمكنه الاستغناء عن تناوله والذي يستحيل عليه أن يقوم بعمل الغد دون أن يشرب.أما الشارب المعتدل فهو الشخص الذي يمكنه أن يحدد مقدار ما يستهلكه من الشراب،والذي لا يشرب بصورة مستمرة ومنتظمة،والذي لا يعتمد على الغول للهرب من واقع مؤلم أو لتغطية قلق مزعج.
إن الإنسمام الغولي المزمن من الآفات الاجتماعية الشائعة،ولا يشترط في حدوث أعراضه وعوارضه أن يكون المدمن على شرب الأشربة الغولية تعتريه حال سكر بينة،بل من الناس من هم ذوو إحساس بين يصبحون في عداد المسمومين الزمنى بمقتدير قليلة من أحد الاشربة أو الخمر.
2 ـ شخصية المدمن على المسكرات:
إن المدمن على المسكرات مريض فهو يشرب ليهرب من المتعب والقلق النفسي أو ليهرب من تضارب في شخصيته مجهول لديه.
ولم يمكن وضع نمط خاص لشخصية مدمن الخمر على الرغم من المحاولت الكثيرة،ولكن بصورة عامة يكون المدمن غير مطمئن منضوياً على نفسه غير ناضج عقلياً،وهو سريع الإثارة ضعيف المعنويات لا يمكنه هذا الضعف من القيام بعمله.وهو في تأخر مستمر في الخلق والعادات،وقد يصبح تفكره بطيئاً.
هذا وإن ادمان الغول قد يسبب اضطرابات أهمها التهيج الغولي الحاد،واختلاجات شبه صرعية،وأهلاساً حادة أو مزمنة،والغيرة الشديدة نحو الزوجة والأقارب مع الهذيان وعدم الثقة والتهاب الأعصاب والتأخر العقلي.وإضافة إلى ذلك فإن عدم التوافق التناسلي كثير التصادف في المدمنين ويعقبه الطلاق غالباً.
3 ـ أثره السىء في الذرية:
يعد الانسمام الغولي من أكثر التسممات انتشاراً وذيوعاً وأشدها فتكاً ,ابعدها أثراً لا في الشخص نفسه فحسب بل في ذريته أيضاً إذ يؤثر الغول في ثمرة الحمل إما من أثره في الامشاج في الأنثى وإما في أثناء الحمل عندما تكون الحامل من المعتادات على المسكرات.
وأثر النسمام الغولي في الأب أكثر شراً من أثره في الأم فكأن الغول يصطفي الخصية والخلايا المنوية منها خاصة حيث يفضي أخيراً إلى تنكس الخصية الدهني وضمورها.
ولقد لوحظ كثرة موت الأولاد عند المصابين بالانسمام الغولي.
(انتهى كلام الدكتور نسيمي).
تقدر نسبة استهلاك الغول السنوي لكل شخص في ألمانيا (الغول النقي)حوالي 13 لتراً عام 1991م وهذا يعني أن كل ألماني بما فيهم الرضع والمسنين يشرب يومياً 33 غرام غول ،وتقدر نسبة المصروفات الصحية لمعالجة الغول ومشاكله الصحية بعدة مليارات سنوياً.
إن أهم الأعضاء التي يكون فيها استقلاب الغول في أقصاه هو :الكبد والجملة العصبية المركزية ولذا فغنهما أكثر الأعضاء تأثرأً بالإدمان الغولي.
وأهم مميزات استقلاب الغول:
1 ـ الغول يمتاز بأنه يحتوي نسبة عالية من الحريرات بمعدل 7 كيلو كالوري لكل غرام،ولكن هذه الحريرات لا تغطي الحاجة اليومية من المركبات الغذائية.ولكنها تساعد على زيادة الوزن عند المدمنين.أضف إلى ذلك فإن الادمان الغولي يسبب نقصاً في الشهية وبالتالي سوء التغذية وعوزاً في الفيتامينات..
2 ـ لا يفرغ الغول عن طريق الكليتين أو الرئتين ،على الرغم من حدوث الإدرار بعد تناول الغول.
3 ـ لايدخر الغول أبداً في الجسم وبالتالي يفسر لنا هذا عدم امكانية التخلص السريع من سمومه بعد تناوله بكميات كبيرة.
4 ـ إن أكسدة الغول في الجسم تقتصر على الكبد وهذا يفسر لنا أذيات الكبد الشديدة في حالات التسمم الغولي المزمن.
5 ـ إن الغول يسبب انحرافاً كبيراً في توازن المستقلبات في الكبد (تأثير لامباشر) إضافة إلى تأثيره المباشر السمي وتأثير مستقلباته وخاصة الأستيل ألدهيد(تأثير سمي مباشر)..
إن الطريق الرئيسي لتقويض الغول الإثيلي يتم عن طريق خمائر موجودة في الكبد وهي تعمل على تحويل الغول إلى الأسيت ألدهايد.
يقول الدتور أحمد ذكي في مقالة له في مجلة الرسالة العدد الثاني:
“يشرب المرء الخمر كائنة ما كانت فتمتص المعدة فالأمعاء الكحول امتصاصاً سريعاً فيذهب إلى الدم ثم إلى كل غشاء من أغشية الجسم فيحترق فيها إلى غاز الكربون والماء احتراقاً سريعاً كذلك،ولا تبقى منه بالجسم بقية،فهو ليس بطعام بالمعنى المعروف ويخرج مقدار من الكحول قد يعلو إلى 8% في البول ومن الرئة في التنفس،لذلك تشم رائحته في الفم.ومن الناس من يسترق الشراب ثم يحسب أن رائحته علقت بأشداقه فيغسل فاه حاسباً أنه قد تستر،ويسير في الناس مطمئناً ورئتاه تدفعان بالسر في صوت جهير أبلغ من صوت الشفاه.
1 ـ الأضرار النفسية والعصبية:
يقول الدكتور أسعد الحكيم في محاضرة له في مجمع اللغة العربية بدمشق عام 1930م:
“إن الإنسان الذي يتعاطى شرب الغول يمر بعدة أدوار حادة ،تقسم إلى خمسة أدوار:دور النشوة،ودور الثمل، ودور السكر، ودور السبات، ودور الفالج.
فالنشوة:هي الحالة النفسية التي يشعر بها الإنسان عندما يتجرع القليل من الغول.أو هي الدرجة الأولى من السكر.وهي تشبه بأعراضها النوع الجنوني المعروف باسم”المانيا” أو الجنون السبعي,وتتصف بنشاط الجسم وانطلاق الأفكار, فيتورد الوجه وتضىء العينان.ويزداد عدد الضربات القلبية،والمبادلات التنفسية،وتخدر الأعصاب وتسكن الآلام.ويشعر المرء بحرارة لطيفة في جميع أعضائه،وخفة في جسمه،ويخيّل إليه أن قواه قد زادت،وأنه أقدر على العمل من ذي قبل،وينطلق لسانه ويكثر كلامه،وتتوارد خواطره وأفكاره،،مع ضعف في روابطها،وعدم تناسق في تداعيها.وتتوقد الذاكرة وتسرح المخيلة.فيذكر ما كان ناسياً ويبتدع من الصور الخيالية ما لايقوى على مثله في حال صحوه.فتراه يكثر من الكلام المنمق،والمجاز والأمثال والكنايات والنقد.أما محاكمته ومميزته فيستولي عليهما الضعف والخفة.فتأتي قياساته واهية لسرعة الحكم،وتحول الباهة والعجز عن أعمال الذهن والتأمل.وبالنظر لخدر النافذة والمراقبة تنطلق أهواؤه المحصورة من قيودها.فتتجلى ثمة حقيقته الجبلية.فيبوح بكثير من أسراره التي طالما حرص على كتمانها.ولهذا ثيل الغول، معيار الأشخاص،ومحك الطبائع.ويعتري السكير في هذا الدور الغرور والانانية،والغطرسة،فيمسي سريع الانفعال ميالاً للبطش والمشاجرة.محباً للمدح والثناء اللذين يدفعانه إلى الكرم والإسراف.والغول يخل التوازن القائم ما بين ظاهر المرء الصنعي وباطنه المكتوم.ومن الخطأ الفادح أن يظن الناس أنه يكسب المرء فضائل ليست فيه موجودة لأن الإناء لا ينضح إلا بما فيه..
الدور الثاني:الثمل:
يتصف هذا الدور بخمود النشاط الفكري السابق وانطلاق الانفعالية والحواس والمشاعر،وخدر الحس والشعور الأخلاقي.فالنشوان شارد الفكر والعواطف أما الثمل فهو طائش الشهوات والغرائز،لا سيما الحس التناسلي،فإن هذه الشهوات تستولي على أنانيته وتدفعه إلى إظهارها،هازئة بالتقاليد والآداب العامة،فيهبط من المعنويات إلى الحسيات،ويتعرض لما فيه مساس بالشرف والعفاف.وما حوادث السب والشتم والضرب والقتل، في سبيل المرأة في المراقص وعلى موائد السكر عنا بغريبة،وإذا أضفنا إلى هذه الأعراض نشاط الشعور الغامض وهو القسوة والخيلاء وسرعة التهيج وعدم الشعور بالواجب تتجلى لنا صورة الثمل بأجلىمظاهرها.أما المدارك العقلية فإنها تخمد ماعدا المخيلة فإنها تنطلق بصورة خاصة،فيأخذ الثمل بالثرثرة وخلق الأساطير،وادعاء ماليس فيه مما لا يختلف عما يشاهد في الهذيانات الحادة على اختلاف صورها وموضوعاتها.
وتزداد هذه الأعراض بازدياد تجرع الغول فتظهر في نهاية هذا الدور أعراض تأثير السم في أعصاب الحركة.فيختل نظام الحركات العضلية وتفقد دقتها،وتعتري االسكير الرعشة والاضطراب فلا يتماسك في المشي،وتختل موازنته،ويسترخي كلامه،ويتداعى إلى الجمود والخمود الفكري والحسي إلى أن يدخل الدور الرابع دور السبات.
الدور الثالث: السبات:
وهو دور النوم والخدر الدال دلالة واضحة على أن المسكرات الغولية مخدرة وليست منبهة،كما كان يظن،وإنها من فصيلة الأفيون والحشيش، فيفقد السكير ثمة قواه المحركة ويصبح عاجزاً عن المشي فيقع حيثما يهوي به السكر،خائر القوى محني الرأس والظهر،ساقط الأجفان غامض الحس والشعور والإدراك،غارقاً في بحران مظلم من الحياة الذاتية المبهمة،يقبض بيديه على ما حوله من أشياء وهمية أو حقيقية،كأنه يحاول التملص من هذا الكابوس النومي القاهر ولكن هيهات هيهات فما هي إلا هنيهات من الزمن،حتى يستولي السم على جميع أعصاب الحس والحركة فيفقدها حياتها العملية.وينزل بالسكير من درجة الحيوان إلى مصاف النبات.
الدور الرابع: دور الفالج:
هنا يتراءى لنا ذلك البشر السوي الذي كان بهجة النظر قبيل ساعات قليلة جثة هامدة بلا حراك،ليس فيها ما ينم عن الحياة سوى أنفاس خشنة تتصعّد،ونبضات قلب خائر تتابع،تنتشر منها روائح كريهة لفلج مصرتي البول والغائط مما تقذى لمنظره الأعين،وتمج وصفه الآذان.
2 ـ داء السكر المزمن أو الغولية:
يبدأ داء السكر المزمن أو الغولية عندما يصبح الدماغ عاجزاً عن تحمل فعل الغول.ويتجلى بتغير في طباع المرء وأخلاقه،فترى ذلك الشاب المهذب الذي كان طوال حياته حتى اليوم مثالاً للنشاط والجدَّ وحسن السلوك والمعاشرة،والحرص على القيام بالواجب يحاول الشرود والتملص من طباعه وعاداته متجهاً نحو حياة ذاتية وأنانية بحتة،فيعاشر من لم يكن يأتلف معهم من الناس،وينقطع عن ارتياد داره في الأوقات المعتادة،وتخشن معاملته ذويه،ويهمل واجبه نحو أسرته،ويكثر تردده على المقاهي والحانات،حيث يلذّ له شرب المسكر،ولعب الميسر.وقد جعل فريق من الحكماء هذا العته الأخلاقي العرض الأساسي للغولية المزمنة.وقد دعوها الجنون الأخلاقي المكتسب.وذلك لأن الاختلال يعم فيها جميع أقسام الفعالية الأخلاقية،وهي علاقات المرء مع نفسه ومع أسرته ومع غيره وعلاقاته الاجتماعية والصناعية.
أما علائم فساد العلاقات الذاتية فأهمها: عدم احترام الذات وعدم الاكتراث بها وفقد الإباء،والشرف والمروءة والنخوة والوجدان والنزاهة والعفة،والنظافة والحشمة وحس الجمال،وحرمة المبادىء العامة الدينية والاجتماعية،والشعور بالواجب العيالي،وغريزة التناسل والاهتمام بتهذيب الأولاد والحنو الغريزي الأبوي،والتوقي والحذر والتبصر والتوفير والاقتصاد.
وأما فساد علاقاته مع غيره: فيتجلى بضعف الصداقة،وفقد المودة والمفاداة والرأفة وحب الإحسان.
وأما فساد العلاقات الاجتماعية:فتظهر بالتداعي للكسل،وفقد النشاط للعمل،والقدرة على الانتاج وحب الوطن،وحرمة المبادىء العامة.
أضف إلى ذلك شراسة الخلق،والتهور وسرعة التأثر،وسوء الظن وانقباض النفس،وحمل الأمور على غير محملها،والاستئثار بالرأي،والفكر الثابت والفعالية العقيمة،إلى غير ذلك من المساوىء الخلقية التي نشاهدها كل يوم في من نعهد فيهم السكر المزمن.
ويترافق ضعف الحس الأخلاقي هذا مع ضعف الملكات العقلية،ولاسيما النباهة والمحاكمة وقابلية الائتلاف،والذاكرة والقياس وذوق الجمال والاستقراء الأدبي والفني،ويتجلى هذا الضعف بأجلى مظاهره عندما تقاس أعمال الغولي السابقة باللاحقة،فترى ذلك العامل اليقظ النشط،يرتكب أنواع الخطأ في عمله ويتداعى للإهمال والكسل لضعف ذاكرته،وعدم قدرته على متابعة الأعمال الذهنية.
وليت هذا السم يقف تأثيره عند تخريب الدعائم الدماغية العليا فقط،بل يتعداها إلى مراكز الحواس فيسمها، فيمسي الغولي مسيراً بحواس مريضة ينشأ عنها خطأ الحس والأوهام السمعية والبصرية والذوقية واللمسية،والتخيلات والأحلام المزعجة،والكابوس والأرق
المتواصل.وفي ذلك منتهى الشقاء البشري وأرذل الحياة الإنسانية..
الهذيان الارتعاشي الغولي:
إن الهذيان والأفضل القول متلازمة الهذيان:عبارة عن ارتكاس لا نوعي للدماغ لسموم مختلفة فيترافق مع اضطرابات وظيفية دماغية وهو يشاهد في حالات التسمم الغولي وهناك أسباب أخرى ومنها الدمان الدوائي لبعض المنومات والمسكنات،وهناك بعض أمراض الدماغ الالتهابية والورمية،وهناك الرضوض الدماغية،والصرع،وبعض الأمراض الانتانية ،وقصور الكلية المزمن،،،،ولكن مانعنيه هنا هو الهذيان الارتعاشي بسبب التسمم الغولي.وهو عبارة عن نفاس هذياني حاد بسبب الادمان الغولي المزمن،والهذيان الغولي له ثلاثة أشكال:
1 ـ الهذيان الدائم المستمر
2 ـ الهذيان المؤقت أو المحرض:وهو يحرض بسبب بعض المحرضات مثل الانتانات أو الرضوض.
3 ـ هذيان الحرمان:والناجم عن الانقطاع المفاجىء عن تناول الغول وهذا يشاهد عادة خلال 24 ـ 28 ساعة بعد توقف تناول الغول،ولهذا الهذيان أهمية خاصة.
يسبق الهذيان الغولي بعض البوادر وهي مايعرف عنه بمتلازمة ما قبل الهذيان وهي عبارة عن:
1 ـ اضطرابات النوم
2 ـ حدوث القلق والخوف
3 ـ البلبلة وعدم الاستقرار والراحة
4 ـ أهلاس عارضة
5 ـ الرجفان
6 ـ نوبات اختلاجية..
إن أعراض الهذيان الغولي الارتعاشي تضم مجموعة من الأعراض:
1 ـ الأعراض النفاسية:
وتشمل اضطراب الوعي وخاصة عدم الاهتداء المكاني والزماني،والبلبلة،وعصاب الخوف مع القلق وخاصة أثناء الليل،والأهلاس البصرية حيث يشاهد المريض حيوانات صغيرة متحركة وأشباح…
2 ـ الأعراض الجسدية:
وتشمل:الرجفان الخشن في اليدين واللسان والرأس،والتعرق الغزير،وتسرع القلب ،والحمى(دماغية المنشأ)،وفرط المنعكسات،وأعراض هضمية ومنها الغثيان والإقياء..ونوب صرعية كبرى معممة،وهزع ملحوظ مع فقد التوازن…
ويستمر الهذيان عدة أيام وينتهي بحدوث نوم عميق طويل.
2 ـ الأضرار الهضمية(الغول وجهاز الهضم):
بعد تناول الغول فإنه من الطبيعي أن يكون انبوب الهضم العلوي بتماس مع أكبر تركيز من الغول،ولهذا فإنه ليس من المستغرب بأن التأثيرات السمية الشديدة تتواجد في مخاطية انبوب الهضم العلوي بسبب هذا التماس المباشر.وعلى الرغم من أن امتصاص الغول يتم في انبوب الهضم العلوي والأمعاء إلا أنه مع ذلك وجد آفات في المستقيم(القسم النهائي من الأمعاء الغليظة) لها علاقة مع الغول.
إن المشروبات الغولية تحتوي بالإضافة على الإيثانول مواد أخرى مثل:الميثانول،والمواد العطرية،والأمينات الحيوية،وبعض المواد المسرطنة مثل “الفينارثيونين”و”الفلور آرثينين” و”البينزا ىرثيرين” و”البينزابيرين” ،كما أن ادمان الغول يترافق مع عوز بعض المواد الغذائية وهذا العوز ينعكس تأثيره أيضاً على انبوب الهضم..
1 ـ المري:
لدى المرضى باعتلال الأعصاب المحيطية الغولي يشاهد ترافقه مع اضطرابات الحركة الحوية المريئية،مع نقص الحركات ،بدون أن يشاهد سريرياً عسرة البلع.وإن التأثير على مقوية المصرة السفلية للمري يعتمد على مقدار الجرعة الغولية السمية،ففي حالات التسمم الغولي الشديد فإن نقص عمل المصرة والمقوية العضلية يسهل حدوث استنشاق المفرزات المعدية وحدوث التهاب المري القلسي.
إن البشرة الرصفية المخاطية للمري تقاوم تأثير الغول مباشرة،وإنما الذي يحدث هو التهاب المري القلسي بسبب نقص مقوية مصرة المري السفلى وحدوث القلس المعدي ـ المريء لعصارة المعدة الحامضية .وفي بعض الحالات يؤدي هذا القلس إلى استبدال بشرة المري المخاطية الرصفية ببشرة المعدة المخاطية الغدية ولهذا قيمته السريرية لأن هذا التبدل قد يؤهب للتسرطن .
وإن ادمان الغول المزمن يؤهب بنسبة عشرة أضعاف إلى حدوث سرطان المري من نوع رصفي الخلايا،ويزداد التسرطن نسبة إذا ترافق الغول مع التدخين.
ولا ننسى أيضاً أن الإدمان الغولي يؤهب لحدوث تشمع الكبد والذي يؤدي بدوره لفرط التوتر في الدوران البابي وهذا يترافق مع حدوث دوالي المري ونزوفها الخطيرة والمميتة أحياناً.
ولابد من التمييز مابين نزوف دوالي المري ومتلازمة ماللوري ـ وايس والتي تنجم عن الإقياءات المعدية المتكررة والتي تترافق مع نزف معدي دموي ،ويمكن بواسطة تنظير المعدة والمري التفريق مابين الحالتين،حيث يشاهد في هذه المتلازمة بالتنظي وجود تقرحات مريئية في منطقة الوصل المعدي ـ المريي مع نزف غزير ،وتشاهد هذه المتلازمة(ماللوري ـ وايس) بنسبة عالية عند مدمني الغول.
2 ـ المعدة والعفج:
من إحدى اختلاطات فرط تناول الغول الحاد حدوث التهاب المعدة النزفي التسحجي.والغول يسبب تبدلاً في الحاجز المعدي المخاطي وفي قابلية نفوذ السوائل وبالتالي تزداد قابلية نفوذ الغشاء المخاطي لشوارد الهيدروجين وهذا يؤدي احدوث التهاب الغشاء المخاطي للمعدة.
وإن الإفراط في تناول الغول يسبب زيادة أعراض القرحة المعدية والعفجية ويؤخر اندمال القرحة .
وفي المراحل المتقدة من الادمان الغولي يشاهد حدوث التهاب المعدة الضموري مع نقص الإفرازات وهذا قد يؤهب لسرطان المعدة.
3 ـ الأمعاء الدقيقة:.
إن حوالي 50% من الغوليين يشلهد لديهم علامات وأعراض سوء الامتصاص .والأسباب هنا متعددة وليست متعلقة فقط باضطراب الوظيفة المعوية وإنما يضاف لها سوء وقصورالوظائف الكبدية والبنكرياسية التي تكون موجودة عند الغوليين.وإن تناول الغول المزمن يسبب تبدلات مورفولوجية خلوية في الأمعاء الدقيقة وخاصة في منطقة الصائم ،وتزداد قابلية النفوذ الغشائية،ولعل هذا مايفسر زيادة حدوث التسممات الداخلية لدى الغوليين.كما أن تناولالغول يؤثر على العمليات الاستقلابية داخل الخلوية مثل تثبيط حل السكر كما ينقص محتوى بعض عناصر الطاقة والقدرة كما يؤثر على عمل بعض الخمائر الهامة والتي لها دور هام في امتصاص الماء والصوديوم.كما أن تناول الغول يسبب زيادة الحركة الحوية المعوية وهذا يفسر حدوث الإسهالات المشاهدة في التسمم الغولي الحاد والمزمن،كما أن الغول يسبب نقص وسوءالامتصاص لعدد من الفيتامينات والشوارد ومنها الثيامين وحمض الورق والفيتامين ب12 والصوديوم والماء.
4 ـ البنكرياس:
هنا يشاهد حدوث التهاب البنكرياس الحاد أو المزمن بسبب تناول الغول،فإن فرط تناول الغول الحاد قد يسبب التهاب البنكرياس الحاد والذي قد يكون من النوع النخري والمميت،وإن تناول الغول المزمن يسبب التهاب البنكرياس الحاد المزمن وقصور عمل البنكرياس.
وإن العلاقة السببية مابين تناول الغول وأذيات البنكرياس عرف منذ القرن التاسع عشر ،وفي ألمانيا يشكل تناول الغول نسبة أعلى من 60% من أسباب التهاب البنكرياس المزمن وتزداد النسبة بازياد عدد حالات المدمنين.
إن مدة تناول الغول والكمية يلعبان الدور الأكبر في تحديد أذيات البنكرياس الغولية،ووجد أن تناول الغول لمدة وسطية تعادل عشرة سنوات وبتركيز أعلى من 40 غرام يومياً عند النساء وأكثر من 80 غرام عند الرجال يتجاوز عتبة الخطورة للاذيات البنكرياسية.ويتضاعف الخطر كلما ازدادت كمية الغول عن 40 غرام يومياً،ويمكن القول أن البنكرياس والكبد هما من الأعضاء الأكثر إصابة في حالات الغولية المزمنة..
إن الآلية التي يسبب بها الغول التهاب البنكرياس يظن أنه يسبب ازدياداً في العصارات المعوية العفجية مع فرط الإفراز ويترافق هذا مع تشنج في مصرة “أودي” وهذا يؤدي للانهضام الذاتي
وإن التهاب البنكرياس الحاد في الغولية المزمنة يترافق مع ألم بطني شديد عاصر ،وفي بعض الحالات يحدث التهاب حاد متكرر وقد يكون شديداً وينتهي بالوفاة بسبب التهاب البنكرياس النخري الحاد،وقد يترافق الداء باليرقان،وفي الحالات المزمنة يترافق مع سوء الامتصاص وقصور البنكرياس وحدوث الداء السكري.
وفي الحالات المزمنة أيضاً يشاهد حدوث كيسات وخراجات ونواسير وركودة صفراوية وانصباب غشاء الجنب وزيادة التأهب للانتانات.
5 ـ الكبد:
إن ازدياد معدل استهلاك الغول في بعض البلدان ومنها ألأمانيا، حيث يقال إن معدل استهلاك الغول مابين عامي 1955 و1978 ازداد بنسبة 128%،وبالتالي ازدادت حالات الأذيات الكبدية من منشأ غولي وارتفعت نسبة الوفيات بأمراض الكبد من منشأ غولي وخاصة تشمعات الكبد.
أول الاختلاطات وأكثرها شيوعاً من أذيات الكبد من منشأ غولي هو تشحم الكبد،والذي يتراجع تماماً بدون اختلاطات إذا توقف المدمن عن تناول الغول،وإذا استمر الادمان فإن الاختلاط الشديد والخطير
والمهدد للحياة والذي لايتراجع هو تشمع الكبد الغولي المنشأ.
وإن تشمع الكبد يعتمد في حدوثه على:المدة والكمية من الغول المتناولة،ويشاهد غالباً بعد حوالي 25 سنة من تناول 180 غراماً من الغول يومياً بنسبة 50%،وإن الكبد عند النساء أكثر تأثراً بالغول منه عند الرجال..
وإن أبكر الموجودات المورفولوجية في الكبد بسبب الإدمان الغولي هو وجود التري غليسريد في خلايا الكبد،وفي حالات الإدمان الغولي القصير الأمد تكون قطرات الشحم دقيقة وتصيب عدداً قليلاً من خلايا الكبد،وإذا تناول المدمن الغول بمعدل 2غرام لكل كغ وزن لمدة يومين يشاهد تشحم الكبد الموصوف ،وإذا استمر الإدمان الغولي وخاصة إذا ترافق مع غذاء عالي الحريرات فإن أكثر من 25% من خلايا الكبد تصاب بالتشحم كبير القطرات وهنا تسمى الحالة تشحم الكبد.وإن تشحم الكبد لا يترافق مع موجودات التهابية،ويمكن أن يتراجع خلال أسابيع بشكل تام وبدون اختلاطات.ويشاهد تشحم الكبد في حال تناول أكثر من 60 غرام غول يومياً وبشكل منتظم..
إن هناك عدة عوامل تلعب دوراً في تشكيل تشحم الكبد ولعل أهمها هو نقص تقويض الحموض الدسمة،وذلك بسبب نقص بعض المواد اللازمة لأكسدة الحموض الدسمة والتي تستهلك من قبل الغول وبالتالي لاتكفي لأكسدة الحموض الدسمة.والغول يصبح بديلاً للحموض الدسمة كمولد للقدرة في المتقدرات الخلوية(الميتوكوندريا)وبالتالي تتراكم الحموض الدسمة في خلايا الكبد ويتشكل منها الشحوم الثلاثية(الترغليسريد).
ويشاهد لدى بعض الغوليين بعد سنوات عديدة من الإدمان الغولي ونادراً بعد فترة قصيرة حدوث تبدلات نسيجية موضعية في الكبد يعبر عنها بالتهاب الكبد التشحمي أو الغولي،حيث يشاهد نسيجياً بالإضافة إلى تشحم الكبد وجود نخرات خلوية مع ارتشاح في الكريات البيض وخاصة في الفصيص المركزي للكبد،ويشاهد أحياناً منظر وصفي يسمى “الهيالين الغولي” ويشاهد أحياناً وبالقرب من الوريد المركزي حدوث تليف،ومن العلامات المميزة لالتهاب الكبد الغولي وجود المتقدرات العرطلة.
وإن التهاب الكبد الغولي الحاد يترافق مع آلام بطنية ويرقان شديد ويكون الكبد متضخماً بشكل واضح ويترافق مع ضخامة الطحال وقد يترافق مع الحبن،وارتفاع البيلوروبين ونقص الألبومين.ويشاهد ارتفاع في عدد الكريات البيض بشكل مرتفع جداً قد يتجاوز 40 ألفاً.
وإن الإدمان الغولي هو أكثر الأسباب المحدثة لامراض الكبد المزمنة في أوروبا،وهو أبرز الأسباب في حدوث تشمع الكبد،وإن أكثر من 50% من حالات تشمع الكبد في ألمانيا بسبب الغول.
إن تشمع الكبد الغولي يعتمد على مدة وشدة تناول الغول،وإن نقص التغذية الكمي والكيفي يلعب دوراً بسيطاً هنا.وتشمع الكبد لا علاقة له بنوع المشروب الغولي،وتبين الدراسات أن تناول النساء لأكثر من 20 غرام غول يومياً والرجال أكثر من 60 غرام يرفع نسبة الإصابة بالتشمع الكبدي لديهم.
والإنذار في تشمع الكبد المتقدم سىء جداً،وخاصة بسبب حدوث اختلاطات ومنها: اليرقان،والحبن،ودوالي المري وتكرر نزوفها،والقصور الكبدي.ومن عوامل الخطورة أيضاً في تشمع الكبد تشكل سرطان الكبد،والذي قد يكون من أخطر اختلاطات تشمع الكبد.
يقول الدكتور نبيل الطويل في كتيبه الخمر ومضارها على الجسم والعقل:”
أما في جهاز الهضم فإن الكحول يثير الخلايا التي تغطي جدار انبوب الهضم وبسبب هذه الإثارة تزداد الإفرازات الحامضة في المعدة،وهذه الزيادة تقلل بدورها من كثافة”الببسين” اللازم لمساعدة هضم المواد الأحينية،ونتيجة لذلك يختل الهضم في المعدة،وهذا إذا كانت كثافة الكحول المشروب حوالي 20% ،أما عندما تكون كثافة الكحول المشروب أربعين في المائة فما فوق،فغنه يحدث حينئذ احتقان شديد في الجدار المخاطي،ثم يتبعه الالتهاب الحاد الذي ينقلب إلى التهاب مزمن إذا أدمن الشراب،وقد ثبت في الإحصائيات العلمية أن ثلث المدمنين مصابون بالتهاب مزمن في المعدة.
وإن تأثير الكحول على جهاز الهضم يحدث أحياناً إمساكاً عن التغوط،ويفس ذلك بقلة أكل المدمن.
ومن الثابت أيضاً أن كمية الطعام المأكول عند المدمنين هي أقل بكثير من الكمية الطبيعية التي يأكلها غيرهم من الناس.
وفي حالات معينة يصاب الشارب بإسهال شديد ويفسره الأطباء بأنه نتيجة لإثارة الجدار المخاطي للأمعاء من بعض المواد”المطعمة” التي تمزج مع الشراب الكحولي وأحياناً يكون الإسهال نتيجة نقص في الفيتامينات.
3 ـ تأثيرات الغول على تشكيل عناصر الدم:
يمكن في حالات الإدمان الغولي المومن،وضمن بعض الظروف أن يحدث اضطرابات شديدة في جلة عناصر الدم الثلاثة والسبب في هذا يعود للتأثير السمي المباشر على نقي العظم والسبب الآخر لنقص عناصر التغذية المرافقة للإدمان الغولي ولوجود أذيات الكبد الغولية.
ويشاهد بنسبة عالية وجود الكريات الحمراء اللانموذجية،كما أن عوز حمض الورق وهو ليس نادراً عند الغوليين يؤدي إلى فقر الدم ذو الخلايا العرطلة،وإلى حدوث نقص المحببات من الكريات البيضاء.كما يشاهد أيضاً الكريات الحمراء العرطلة وذلك بسبب نقص تشكل الكريات الحمراء.والتخرب الباكر للكريات الحمر بسبب فرط نشاط الطحال المرافق.وأما على مستوى الكريات البيض فيشاهد نقص المحببات مع او بدون اضطراب في وظائفها.كما يحدث نقص الصفيحات الدموية مع أو بدون اضطراب وظائفها كأذيات مباشرة أو غير مباشرة على جملة تشكيل الصفيحات.
الإمراض:
إن أذيات الجملة المولدة للدم في الإدمان الغولي المزمن يمكن أن يكون نتيجة التأثيرالسمي المباشر للإثانول أو مستقلباته على الجملة المولدة للدم في نقي العظم،ولكن يمكن أن تكون بسبب تأثير لا مباشر بسبب نقص بعض العناصر الغذائية الضرورية والتي تشاهد عند المدمنين على الغول،أو لوجود أذيات عضوية في أعضاء أخرى من الجسم والتي ترافق الإدمان الغولي وخاصة الكبد والطحال.
وكما ذكرنا يشاهد عند المدمنين على الغول وجود الأشكال اللانموذجية من الكريات الحمر،وخاصة وجود الكريات الحمر العرطلة،ويشاهد في حالات عديدة فقر الدم ذو الخلايا العرطلة وذلك بسبب نقص حمض الورق وهذا يشاهد بنسبة عالية عند المدمنين.
ويشاهد أيضاً على مستوى الكريات البيض نقص المحببات وهذا يفسر وفرة الألتهابات والأنتانات وخاصة الجرثومية عند مدمني الغول.
كما يشاهد نقص الصفيحات الدموية وخاصة عندما تتاذى جملة التخثر في أذيات الكبد المتقدمة .
4 ـ اعتلال عضلة القلب الغولي المنشأ:
إن الغول ومستقلبه الأسيت ألدهيد يمكن أن يسبب أذيات بنيوية شديدة على مستوى خلايا عضلة القلب وهذه تتظاهر سريرياً بنقص قدرة تقلص عضلة القلب ،وفي اعتلال عضلة القلب الغولي يشاهد حدوث اضطرابات وظيفية شديدة سمية في عضلة القلب مع حدوث قصور القلب ثنائي الجانب وضخامة القلب والذي يقع تحت زمرة اعتلال القلب الاحتقاني ..
إن تأثير الغول السمي على الكبد معروف منذ زمن أبوقراط،وأما تأثيره على عضلة القلب فلم يعرف إلا منذ حوالي مائة عام ونيف،حيث وجد في السنوات الأخيرة أن العلاقة واضحة مابين اعتلال القلب الاحتقاني وتناول الغول،حيث أن الغول و مستقلب الغول المسمى الأسيت ألدهيد يسببان تأثيرات سمية خلوية تؤدي إلى انخفاض قابلية تقلص عضلة القلب.
وتتميز الأعراض الرئيسية في اعتلال القلب الاحتقاني الغولي المنشأ بوجود قصور القلب الشامل وهذا يعني:زلة جهدية،وزلة ليلية اضطجاعية،والخفقان والغشي ووذمات الساقين…
5 ـ التأثيرات السمية على المضغة والجنين عند الحامل(اعتلال المضغة الغولي):
إن التأثير المشوه للغول على المضغة وصف من قبل “ليمي” و”جونس” وأعطيا مايسمى”متلازمة الغول ـ المضغة” وذلك لأن التأثيرات المشوهة للغول تشاهد غالباً في طور المضغة .وتقدر نسبة اعتلال المضغة الغولي المنشأ مابين 25 ـ 50% من المدمنات على الغول.
وأهم أعراض هذه المتلازمة:
1 ـ تأخر النمو ما قبيل الولادة وبعدها بشكل عام
2 ـ سوء تشكل الوجه :ومنها صغر الفرجة الشفوية،وصغر الذقن،وسوء تشكل الأذنين…
3 ـ اضطراب التطور النفسي والعقلي
4 ـ الصعل أي صغر الرأس والدماغ:وهذا يشاهد في أكثر من 80% من الحالات
5 ـ اضطرابات النمو الجسدية الأخرى: ومنها في العظام والقلب والمناسل
إن درجة وشدة التشوهات يعتمد بصورة رئيسية على مدة الإدمان،بحيث أنه كلما ازدادت شدة الإدمان كانت التشوهات أشد . .
6 ـ تأثير الغول على الجهاز التنفسي:
يؤثر تناول الغول على الحنجرة حيث يشاهد وفرة الإصابة بالتهابات الحنجرة الحادة والمزمنة عند الغوليين،كما أن الغول وخاصة عندما يترافق مع التدخين وهذا ليس نادراً فإنه يزيد من حدوث أورام وسرطانات الحنجرة.
كما أن المدمنين على الغول عرضة للإصابة بالتهاب القصبات المزمن وذلك لأن الخمر والتدخين عنصران متلازمان غالباً،وكذلك بسبب الإصابة بالالتهابات عند مدمني الخمر بسبب ازدياد عدد حالات الاستنشاق للأجسام الغريبة عند مدمني الغول،وبسبب ضعف منعكس السعال الملاحظ عند الغوليين،وكذلك التأهب للانتانات بسبب نقص مناعة الجسم وسوء التغذية .كما أن الغول يؤثر على مراكز التنفس في الدماغ ويسبب تثبيطها وهذا يؤهب للقصور التنفس المزمن.كما يشاهد وفرة حوادث كسور الأضلاع والقفص الصدري عند مدمني الغول.كما أن الغول يسبب ضعفاً في وظيفة العضلات التنفسية.ويشاهد وفرة الإصابة بالتهابات الرئة والقصبات الحادة والمتكررة عند مدمني الغول،وزيادة نسبة الإصابة بسرطان القصبات والرئة.
ويستطيع الإنسان من خلال جهاز خاص أن يعرف نسبة نركيز الكحول في الدم وهذا الجهاز يستخدمه رجال المرور في أوربا وأمريكا..
الخمر…والأدب
في مقالة لأستاذ مصطفى لطفي المنفلوطي(النظرات ـ المجلد الأول ص 29ـ)تحت عنوان”الكأس الأولى:
“كان لي صديق أحبه وأحب منه سلامة قلبه وصفاء سريرته وصدقه ووفاءه في حالي بعده وقربه،وغضبه وحلمه وسخطه ورضاه،ففرق الدهر بيني وبينه فراق حياة لا فراق ممات،فأنا اليوم أبكيه حياً أكثر مما كنت أبكيه لو كان ميتاً،بل أنا لا أبكي إلا حياته،ولا أتمنى إلا مماته،فهل سمعت بأعجب من هذه الخلة الغريبة في طبائع النفوس!
علقت حبالي بحباله حقبة من الزمان عرفته فيها وعرفني،ثم سلك سبيلاً غير سبيله فأنكرته وأنكرني،حتى ما أمر بباله،لان الكأس التي علق بها لم تدع في قلبه فراغاً يسع غيرها وغير العالقين بها،وربما كان يدفعني في مخيلته دفعاً إذا تراءيت فيها لأنه إذا ذكرني ذكر معي تلك الكلمات المرة التي كنت ألقاه بها في فاتحة حياته الجديدة،وما كان له وهو يهيم في فضاء سعادته التي يتخيلها أن يكدر على نفسه بمثل هذه الذكرى صفاء هذا الخيال..
ثم لم أعد أعلم من أمره بعد ذلك شيئاً،لأن حياة المدمنين حياة متشابهة متماثلة،لا فرق بين صبحها ومسائها وأمسها وغدها،ذهاب إلى الحانات فشراب،فخمار فنوم فذهاب،كالحلقة المفرغة ،لايدري أين طرفاها،والمنظر المتكرر لا يلفت النظر ولا يشغل الذهن،حتى أن بعض من ينام على دورة الرحى يستيقظ عند سكونها،وكان أحرى أن يوقظه دورانها.
لذلك لم يشغل هذا المسكين محلاً من قلبي إلا بعد أن سكنت دورته،وهدأت حركته،فلم أعد أراه معربداً في الحانات،ولا مطرحاً في مدارج الطرق،ولا معتقلاً في أيدي الشرط.هناك سألت عنه فقيل لي:مريض،فلم أعجب لشىء كنت أعد له الايام والاعوام،كما يعد الفلكي الساعات والدقائق لكسوف الشمس واصطدام الكواكب.
دخلت عليه أعوده فلم أجد عنده طبيباً ولا عائداً،لأنه فقير،والأطباء يظهرون الرحمة بالفقراء،ويبطنون حب الصفراء والبيضاء،والأصدقاء يخافون عدوى المرض وعدوى الفقر فلا يعودون المريض ولا يزورون الفقير.
دخلت منزله فلم أجد المنزل ولا صاحبه،لأني لم أجد فيه ذلك الروح العالي الذي كان يرفرف بأجنحته في غرفه وقاعاته،ولم أر دخان المطبخ، ولم أسمع ضوضاء الخدم،ولا بكاء أطفال،ولا رنين الأجراس،فكأنني دخلت القبر أزور الميت،لا المنزل أعود الحي.
ثم تقدمت نحو سرير المريض فكشفت كلته البالية عن خيال لم يبق منه إلا إهاب لاصق بعظم ناحل، فقلت: أيها الخيال الشاخص ببصره إلى السماء قد كان لي في إهابك هذا صديق محبوب فهل لك أن تدلني عليه؟.فبعد لأي ما حرك شفتيه وقال:هل أسمع صوت فلان؟ قلت:نعم،مم تشكو؟ فزفر زفرة كادت تتساقط لها أضلاعه وأجاب:أشكو الكأس الأولى،قلت: أي كأس تريد؟قال: أريد الكأس التي أودعتها مالي وعقلي وصحتى وشرفي،وها أنا ذا اليوم أودعها حياتي،قلت: قد كنت نصحتك ووعظتك،وأنذرتك بهذا المصير الذي صرت إليه فما أجديت عليك شيئاً،قال: ما كنت تعلم حين نصحتني من غوائل هذا العيش النكد أكثر مما أعلم،ولكنني كنت شربت الكأس الأولى فخرج الأمر من يدي.
كل كأس شربتها جنتها علي الكأس الأولى،أما هي فلم يجنها علي غير ضعفي وقصور عقلي عن إدراك الأصدقاء والخلطاء.
لم تكن شهوة الشراب مركبة في الإنسان كبقية الشهوات فيعذر في الأنقياد إليها كما يعذر في الانقياد إلى غيرها من الشهوات الغريزية،فلا سلطان لها عليه إلا بعد أن يتناول الكأس الأولى .فلم يتناولها؟يتناولها لأن الخونة الكاذبين من خلانه وعشرائه خدعوه عن نفسه في أمرها ليستكملوا بانضمامه إليهم لذتهم التي لا تتم إلا بقراع الكؤوس وضوضاء الاجتماع..ولو علمت كيف خدعوه وزينوا له الخروج عن طبعه ومألوفه وأي ذريعة تذرعوا بها إلى ذلك،لتحققت أنه أبله إلى النهاية من البلاهة،وضعيف إلى الغاية التي ليس وراءها غاية.
أنا ذلك الأبله وذلك الضعيف،فاسمع كيف خدعني الأصدقاء وزينوا لي مايزينه الشيطان للإنسان.
قالوا: إن حياتك حياة هموم وأكدار،ولا دواء لهذه الأدواء إلا الشراب،وقالوا: إن الشراب يزيد في رونق الجسم،ويبعث نشاطه،وإنه يفتق اللسان ويعلم الإنسان البيان،وإنه يشجع الجبان،ويبعث في القلب الجرأة والإقدام،هذا ما سمعته فصدقته وخدعت به.
صدقت أن في الشراب أربع مزايا:السعادة،والصحة،والفصاحة،والإقدام،فوجدت فيه أربع رزايا:الفقر،والمرض،والسقوط، والجنون.
غرّهم من الصحة ذلك اللون الاحمر،الذي يتركه الشراب وراءه في الأعضاء.وهو يتغلغل في الأحشاء،ومن الفصاحة الهذر والهذيان،وهجر القول وبذاءة اللسان،ومن الإقدام العربدة التي لا تسكن إلا في غرفة السجن،ومن السعادة اللحظات القليلة التييغشى فيها على عقل الشارب فيعمى عن رؤية ما يحيط به من الاشياء كما هي،فتنعكس في نظره الحقائق حتى يتخيل الشتم طرفة والصفع تحية،فيضحكه من ذلك ما يضحك الأطفال والممرورين.
أي سرور لمن يعيش في منزل لايزور الابتسام ثغراً من ثغور ساكنيه؟أي سرور لمن يودعه أهله كل يوم في صباحه بالحسرات،ويستقبلونه في مسائه بالزفرات؟أي سعادة لمن يمشي دائماً في طريقه متلوياً متخلجاً يتسرب في المنعطفات والأزقة،ويعوذ بألواذ الجدر والأسوار فراراً من نظرات الجزار،وتهكمات العطار،وصرخات الخمار.
ولقد كنت أرى هؤلاء الأشقياء في فاتحة حياتي التعسة فكان يمر بخاطري ما يمر بخاطر أمثالي من أنهم قتلى الإدمان لا قتلى الشراب،وكنت أقدر لنفسي القصد فيه أن لي قدر لي في أمره شىء حتى لا أبلغ مبلغهم،ولا أنزل منزلتهم،فلما شربت أخطأ العد،وضاع الحساب،ـوفسد التدبير،واختلف التقدير،وغلبت على أمري كما يغلب على أمره كل مخدوع بمثل ماخدعت به،ولولا الكأس الأولى ما هلكت،ولا شكوت الذي شكوت،ولولاها ما عافني الأصدقاء،ولا زهد في الأقرباء،فكن أنت وحدك صديق السراء والضراء.
فعاهدته على ذلك ثم تركته في حالة:
تصم السميع وتعمي البصير ويسأل من مثلها العافية
ويقول الأديب الكبير أحمد أمين رحمه الله(الرسالة العدد 202) تحت عنوان”ظاهرة وتعليلها”:
أعرفه غزير العلم واسع المعرفة،ولكنه يأبى أن يجالس أمثاله من العلماء،ولا يلذه إلا أن يجالس لفيفاً من صغار الناس في مهنتهم وعقليتهم،وليس الشراب هو الذي يجمعهم ويؤلف بينهم كما هو الشأن في كثير من الأحيان.
ويابع:”ألست ترى أن (حلبة الكميت) أو جمعية الشراب تكره كل الكراهية أن يكون بينهم وقت شرابهم من لا يشرب،ويستثقلونه مهما ظرف،ويستسمجونه مهما لطف،لأنه يذكرهم بالفضيلة حين ارتكابهم الرزيلة،ويشعرهم بأنهم الوضعاء وهو الرفيع،وأنه العين الناقدة وأنه الرقيب عليهم،وأنه العادّ لسقطاتهم،وأنه المحتفظ بقوة إرادته عن ضعف إرادتهم؟كا هذا يشعرهم بالضعة فيكرهونه،وبدءون بالإلحاح عليه أن يشرب لا حباً فيه ولكن حباً لانفسهم،وإبعاداًلشعورهم بضعتهم،ولا يزالون يستحلفونه حتى إذا نجحوا أمنوا الشعور بالضعة،ولإذا فشلوا مقتوه ومقتوا جلوسه بينهم،لأنه نغص عليهم بهجتهم ومن أجل هذا أيضاً أحبوا أن يسمعوا أدب الخمر،وأحبوا أن يسمعوا من يفلسف لهم الحياة وأنها ليست إلا متعة الساعة وشهوة الوقت.فإن تجاوز المحدث ذلك إلى أنه لا يعباً بحرام ولا حلال،,ان يقول كما قال أبو نواس:
فإن قالوا حرام قل حرام فإن لذاذة العيش الحرام
فذلك عندهم أظرف وأفكه لأنه اجتث الشعور بالضعة كم جذوره.
هذا هو سبب العداء دائماً بين الفضيلة والرذيلة أو بين الفاضل والرذل،وهذا هو السبب في أن الرذل يكره الفاضل أكثر مما يكره الفاضل الرذل.لأن الرذل هو الذي يشعر بالضعة من رؤية الفاضل.
وهو السبب في أن الفقير يكره الغني أكثر من كره الغني للفقير.لان الفقير هو الذي يشعر بالضعة إذا قاس نفسه بالغني.
ويتابع رحمه الله:”بل هذا هو السر في أن الرذيلة في كثير من الأحيان توثق الصداقة بين أصحابها،فالمقامر أقرب إلى صداقة المقامر،ومدمن الخمر إلى مدمها،والغزل إلى الغزل، واللص إلى اللص،وقل أن ترى ذلك في الفضيلة فالصدق قل أن يؤلف بين اثنين لصدقهما،والعدل إلى العدل،ولا الصريح إلى الصريح.
والسبب في هذا أن ذوي الرذيلة يشعرون بالضعة من رذيلتهم فيهربون إلى الأراذل مثلهم،حتى يتجردوا من هذا الشعور،أما الشعور بالعدل أو الصدق فليس فيه هذا الألم فلا يحتاج صاحبه إلى البحث عن مهرب وهو السبب في احتياج أصحاب الرذيلة إلى مخبا،فحجرة المقامرة مستورة،ومجلس الشراب في مخبأ،والغزلون يتسترون،ومحال الحشيش والكوكائين في حرز …وليس السبب في ذلك فقط أن رجال الأمن يطاردونهم،بل أكاد أوقن أن هذه الأمور لو أبيحت من رجال الأمن لتستروا أيضاً لأنهم يريدون أن يهربوا بأنفسهم من الشعور بالضعة أمام من لم ينغمسوا في الرذيلة انغماسهم.
وبعد فلا يستطيع الناس أن يتغلبوا على هذه الرذيلة وأن يجلس عالمهم إلى من هو أعلم منه،وفنانهم إلى من هو أفن منه،وفاضلهم إلى من هو أفضل منه،يستفيد منه ويأخذ عنه في غير حقد ولا ضغن إلا بكثير من مجاهدة النفس وهيهات ثم هيهات”..
ويقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله ـ ضحى الإسلام ـ المجلد الأول ـ ص118):
“كثر الشراب عند العرب،وتعددت أنواعه،وقد كانوا يأخذون عمن جاورهم من الأمم الأخرى أنواعاً من الشراب،وألواناً من عاداته فقد أخذ أهل الشام عن الروم نوعاً من الخمر ممزوجاً بالعسل،ونقلوا اسمه الرومي وهو “الروساتوم”ولم يكن يعرفه عرب الحجاز كما أخذ بعض الأمويين عن الفرس شراباً اسمه “الهفنجة” كانوا يشربونه سبعة أسابيع في بعض منازل القمر فشربه الوليد بن يزيد كذلك.
وهكذا كان للامم أشربة وعادات في الشراب أخذت تتسرّب إلى المسلمين،فلما جاء العباسيون تفننوا في أنواعه،وفي مجالسه
والمنادمة عليه..
وقف الإسلام يحارب الخمر،ويحرم السكر،ونزلت الآية:{إنما الخمر والميسر والأنصاب….}ومع هذا فنرى أن أسئلة أثيرت حول هذه الآية الكريمة،إلى أن كان عصر الأئمة فذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد بن حنبل إلى سد الباب بتاتاً،ففسروا الخمر في الآية السابقة بما يشمل جميع الأنبذة المسكرة من نبيذ التمر والزبيب والشعير والذرة والعسل وغيرها وقالوا: كلها تسمى خمراً،وكلها
محرمة..
وجاء في فيض الخاطر للاستاذ أحمد أمين ـ المجلد الأول ص 36:
“وقد كانت الخمر شائعة بين العرب في الجاهلية،ولكن بين خاصتهم لا بين عامتهم،إذ أن عامتهم قد عدموا القوت وحُرموا ضرورات العيش.أما المترفون فشربوا كثيراً وقالوا في شربها كثيراً.وقلّ أن تجد شاعراً جاهلياً لم يتمدح بشربها وإتلاف ماله في سبيلها.
وكانت الخمر تأتيهم من الشام ومن اليمن ومن الطائف،وكان الأعشى الشاعر يتجر فيها،وكان له بقرية في اليمن يقال لها”ـثافت” معصرة يعصر فيها ما يقدم له من أعناب.
ونلاحظ من تاريخ العرب في الجاهلية وتراجم رجالها أن قد كان هناك طبقة من الشباب اعتادت أن تتلف مالها في الشراب،هم فئة من أولاد السّراة،نشاوا في ثروة وجاه،وأّفت بينهم وحدة النزعة،يجتمعون في المواسم والأعياد والمناسبات فينحرون الجَزور ويهيأ لهم،ويشربون عليه وتغنيهم القيان أو الموالي من الفرس والرم والأحباش،ولكن هذه الطبقة لم تفقد مع شربها ولهوها شرفها وإباءها،فهي مع ذلك كله نبيلة كل النبل شريفة كل الشرف.ثارت على كل شىءإلا قانون المروءة،وقانون المروءة يتلخص في الشجاعة والكرم..
شاعرنا اليوم كان من هذه الطبقة،فتى،غنى،من ثقيف،من الطائف،شجاع،كريم،يُكثر الشراب،ويُتلف المال ويحتفظ بالمروءة ويقول:
لا تسألي الناسَ عن مالي وكثرته وسائلي الناسَ عن حَزمي وعن خُلقي
القوم أعلمُ أنّي من سَراتهم إذا تطيشُ يدُ الرِّعديدةِ الفَرِقِ
قد أركبُ الهولَ مسدولاً عساكره وأكتمُ السرّ فيهِ ضربةُ العنقِ
عفُّ المطالبِ عمّا لستُ نائله وإن ظلمتُ شديدُ الحقدِ والحَنقِ
وقد أجودُ وما مالي بذي قَنعٍ وقد أكرُّ وراءَ المُجحرِ البرقِ
سيكثرُ المالُ يوماً بعد قلّتهِ ويكتسي العودُ بعدَ الجَدبِ بالورقِ
ظلت ثقيف على جاهليتها لا تذعن لدعوة الإسلام حتى أسلم من حولها ورأت نفسها بمعزل،فاضطرت إلى الإسلام في السنة التاسعة للهجرة..وسمع شاعرنا بالإسلام وتعاليمه فوقف حائراً،إن الإسلام يدعو إلى المروءة،وهو ذو مروءة،والإسلام يدعو إلى الصدق ومكارم الأخلاق،وكل هذا حسن”فليسلم” ولكنه يأمر المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم،ولا يمدوا أعينهم إلى نساء غيرهم،كما ينهى عن الخمر ويعاقب على شربها،فكيف يسلم وقد ألف الغزل؟وكيف يهجر الخمر ولا حياة له بغير الخمر؟وقف قليلاً ولكنه أسلم مع قومه وفوض إلى الله أمره،ولم نسمع عنه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر شيئاً،ولكنا نراه اصطدم مع عمر وهو الشديد في الحقّ لاتأخذه فيه هوادة،فعاد شاعرنا يتغزل ويشرب،يرى امرأة من الأنصار تسمى”الشموس” فيحبها ويحاول رؤيتها بكل حيلة،فلا يستطيع،فيؤجر نفسه ويعمل في حائط يُبنى بجانب منزلها،ويُطلّ عليها من كُوّة البستان ويقول:
ولقد نظرتُ إلى الشّموس ودونها حَرَجٌ من الرحمن غيرُ قليل
ويشرب ويقول الشعر في الخمر:
إن كانت الخمر قد عزّت وقد مُنعت وحالَ من دونها الإسلامُ والحَرجُ
فقد أُباكرها صِرفاً وأمزجها ريّا وأطربُ أحياناً وأمتزجُ
فيحده عمر حد الشراب، فيفكر شاعرنا ويطيل التفكير،هل يترك الغزل والخمر؟لقد كان ذلك قبل الحد أما بعده فلا.إن من العار أن يتحدث الناس أني تركت الخمر خوفاً من العقوبة وأنا الأبيّ الشجاع الذي لا يعبأ بالحياة ـ إذاً فلأشرب وليُحدني عمر ـ وفعلاً شرب فَحُدّ،وشرب فَحُد،وبلغ ذلك سبع مرات أو ثمانيا،وهو لايزال على رأيه،مصممعلى تفكيره،ماضٍ في غزله وشربه،حتى يئس عمر من علاجه وضاق به ذرعاً،فقرر أن ينفيه في جزيرة كانت تنفي فيها العرب في الجاهلية خُلعاءها،وبعث معه حَرسيا يحافظ عليه حتى لا يهرب،وأوصاه ألا يأخذ سجينه سيفاً معه،وقد عرف عمر كيف ينتقم،فلم يألم شاعرنا من شىء ألمه من هذا الرأي،سيكون في جزيرة وحده لا غزل ولا شراب،ولكن ليس هذا ما آلم نفسه وأدمى قلبه،إنما آلمه أن يعيش عيشة الضعفاء المساكين والرجال في غزوات الحرب يَقتلون ويُقتلون،وأن يعيش عيشة النساء في خدورهن وهو الفارس ..
تظاهر شاعرنا بأنه يحمل غِرارتين ملئتا دقيقاً،وعمد إلى سيفه فجعل نصله في غرارة،وجفنه في غرارة،ودفنهما في الدقيق،حتى إذا جاوز هو والحرسي المدينة ولقيا من سفرهما هذا نَصباً جلسا للغذاء،فقام شاعرنا يوهم أنه يخرج دقيقاً فأخرج سيفه ووثب على الحرسي فخرج يعدو على بعيره راجعاً إلى المدينة،وظل صاحبنا وحده.الآن،لا أعود إلى المدينة وفيها عمر،ولا أطوّف في البلاد ألهو فلست بعد اليوم لاهياً،ولكن إلى حيث يحيا الرجال والفرسان حياة النجدة والشهامة إلى مواقع الغزوات،إلى أشدها هولاً،وأصعبها مراساً،إلى ؟القادسية” حيث المواقع الفاصلة بين سيادة العرب وسيادة الفرس.
ولكن عمر الساهر على كل شىء في مملكته،لم يخفَ عليه أمر شاعرنا،فعرف أين توجه،فما وصل إلى القادسية إلا وقد سبقه كتاب عمر يأمر سعد بن أبي وقاص بحبسه،ففعل ذلك وحبسه في قصره وقيّده،فمشى يرسف في قيوده ويستعطف سعداً أن يطلقه فيأبى،فذهب إلى سلمى زوج سعد وقال لها:هل لك إلى خير؟ قالت:وماذاك؟قال: تخلين عني وتعيرينني البلقاء(فرس سعد) فلله عليّ إن سلمني الله أن أرجع إليك حتى تضعي رجليّ في قيدي.فأبت فقام ثائراً حزيناً،يرى القتال على الباب وهو يرسف في القيد،وانطلق لسانه بهذه الأبيات:
كفى حَزناً أن تَطعنَ الخيلُ بالقنا وأُتركَ مشدوداً عليّ وثاقيا
إذا قمتُ عَنّاني الحديد وغُلّقت مغاليق من دوني تُصمُّ المناديا
وقد كنتُ ذا أهلٍ كثير وأخوة فقد تركوني واحداً لا أخا ليا
هلم سلاحي لا أبالكِ إنّني أرى الحربَ لا تزدادُ إلا تماديا
ولله عهد لا أخيسُ بعهدهِ لئن فَرُجت ألا أزورَ الحوانيا
سمعت سلمى هذا الشعر فرثت له،ورأت الصدق في قوله فأطلقته،واقتاد فرس سعد وخرج إلى موطن القتال وإذا به أمام الناس يقف بين الصفين ويحمل على العدو حملات صادقة،حتى عجب الناس من أمره،ورأوا الفرس فرس سعد والطاعن لم يشهد الحرب معهم قبل اليوم،حتى إذا انتصف الليل وتحاجز العسكران رجع صاحبناإلى القصر وأعاد رجليه في القيد
فلما أصبح الصباح تحدث الناس به وأخبرت سلمى سعداً بما كان منه،فأطلقه وعاهده ألا يحده أبداً إذا شرب.
الآن ظهرت نفس شاعرنا في شرفها ونبلها وقال لسعد: كنت آنف أن أتركها من أجل الحد،فأما إذا بهرَجتني فلا والله لا أشربهاأبداًز
لقد كان مما أخذه عمر عليه قوله:
إذا متُّ قادفنّي إلى أصل كرمةٍ تروّي عظامي بعد موتي عُروقها
ولا تدفنّني بالفلاة فإنني أخافُ إذا متُّ ألا أذوقها
ويشاء قاصّ من الظرفاء فيروى أنه رأى قبره بنواحي أذربيجان أو جرجان وقد نبتت عليه ثلاث كروم وقد طالت وأثمرت واعترشت،وعلى قبره مكتوب:هذا قبر أبي محجن الثقفي.
أفاضَ الله عليه سِجال رحمته فقد كان رجلاً وكان نبيلا.
ويقول الدكتور طه حسين(الموسوعة ـ الجزء الثاني ـ مقال بعنوان الخمر قبل أبي نواس ـ ص391):
“قليل من شعراء الجاهلية من لم يعرض للخمر في شعره،فأكثر هؤلاء الشعراء كانوا يشربون الخمر،ومنهم من كان شربه لها متصلاً،ومنهم من كان يلم بها إلماماً،وكانوا يصفون الخمر وأقداحها وآنيتها المختلفة،ولهم في ذلك الكلام الجيد الكثير،لاسيما “الأعشى” الذي أكثر في الخمر وأطال،واشتهر بأنه من وصافها المجيدين،واستطاع ابن الأعرابي أن يزعم للمأمزن أنه أشعر من وصف الخمر لقوله:
تُريكَ القّذى من فوقها وهي فوقَهُ إذا ذاقها من ذاقها يتمطّقُ
بل ربما كان لنا أن نقول أن أبا نواس نفسه قد عدا على الأعشى فأخذ منه شيئاً ليس بالقليل،وأخذ منه بنوع خاص نصف هذا البيت المشهور:
دع عنكَ لومي فإنّ اللومَ إغراءُ وداوني بالتي كانت هيَ الدّاءُ
فالصلة ظاهرة بين هذا الشطر الأخير “وداوني بالتي كانت هي الداء” وبين قول الأعشى:
وكأس شَربتُ على لذّةٍ وأخرى تداويتُ منها بها
فليس من شك في أن أبا نواس قد ذكر هذا البيت حين قال شطره السابق،ولكن أبا نواس لم يأخذ اللفظ،بل ولم يأخذ المعنى دون أن يصلح ويغير ويضيف،فإن قوله”دع عنك لومي فإن اللوم إغراء” ليس في شعر الأعشى،وهو يكفي لأن يحتفظ لأبي نواس بالبيت كله،وقوله”وداوني بالتي كانت هي الداء” يذّكر بقول الأعشى،ولكنه ليس إياه،لأن الأعشى لم يرد أن يقول إلا أنه كان يشرب كأساً ويتداوى بكأس أخرى،فمعناه ضيق محدود،في حين قد مدّ أبو نواس هذا المعنى وبسط أطرافه،فأصبح لا حد له،أصبح يرافق الحياة،أصبحت الخمر داءً ملازماً لمن يشربها،وأصبحت هي لهذا الداء،فهو يتداوى طول حياته من الخمر بالخمر.أما الأعشى فكان يتداوى من كأس بكأس،كان لايذكر الداء والدواء إلا إذا شرب،بينما أبو نواس لاينفك يذكرهما،لأنه لا ينفك في داء ودواء.
وهناك شاعر آخر جاهلي،يظهر أنه قد عنى بالخمر وأجاد فيها إجادة لابأس بها.وكان مسيحياً عاش قبل الإسلام،ولم يكن بادياً بمعنى الكلمة،وإنما كان حاضراً أو كالحاضر،وكان يعيش في هذا الإقليم الذي عاش فيه أبو نواس،وكان يختلف إلى الأديرة ومساكن الرهبان التي ربما اختلف إليها أبو نواس بعده بنحو قرنين،وكان هذا الشاعر يجيد في معان أجاد فيها شعراء العراق،كان يجيد في الخمر،وكان يجيد في الزهد،والنسك،وضرب الأمثال،وإطلاق الحكم البالغة،كان يجيد حيث أجاد أبو نواس،وكان يحسن حيث أحسن أبو العتاهية،ويروى له غزل لابأس به،وهو”عدي بن زيد العبادي” الذي عاش في الحيرة في أواخر العصر الجاهلي.لم يرو الرواة له كثيراً في الخمر،ولكن ما يروى عنه يدل على أنه كان بها كلفاً،وفي وصفها مجيداً،وانظر إلى هذه الأبيات القليلة،التي يختلف فيها الرواة اختلافاً كثيراً،والتي كانت تغنى للوليد بن يزيد فيستعذبها ويشرب عليها حتى يسكر:
بَكّرَ العاذلونَ في وَضَحِ الصُّب حِ يقولونَ لي أمّا تستفيقُ
ويلومونَ فيكِ يا بنةَ عبد الل هِ والقلبُ عندكمْ موثوقُ
لستُ أدري إذ أكثروا العذل فيها أعَدُوٌّ يلومني أم صديقُ
ثمَّ ثاروا إلى الصَّبوحِ فقامت قَينةٌ في يمينها إبريقُ
قدّمتهُ على عُقارٍ كَعينِ ال ديكِ صَفّى سُلافها الرّاووقُ
مُزّةٌ قبلَ مزجها فإذا ما مُزجتْ لذَّ طعمها من يذوقُ
وطفتْ فوقها فقاقيعُ كالدُّ رِّ صِغارٌ يُثيرها التصفيقُ
ففي هذه الأبيات على جاهليتها رقة الحضارة،دون أن تخلو من رصانة البداوة،ولا بأس بهذا البيت الأخير الذي يوصف ما يبدو على الخمر حين تمزج،فيذّكر على بعد بقول أبي نواس:
كأنَّ صُغرى وكبرى من فَقاقيعها حصباءُ دُرٍّ على أرض من الذّهب
فالجاهليون إذن وصفوا الخمر،وأجادوا فيها بعض الإجادة،ولكن وصفهم لم يكن عميقاً،ولم يصطنع فيه التدقيق،وإنما كانوا يقنعون بالظواهر فيصفون لون الخمر ومظهرها،ويصفون أقداحها وأباريقها وصفاً مجملاً،ويصفون طعمها ،ويصفون ما تحدث من نشوة،غيرمبالغين في هذا الوصف ولا مسرفين في البحث عن الدقائق،بل إنما كانوا يقصدون،حين يصفون الخمر،إلى الفخر والتمدح بالمحاسن وكرام الخلال،فكثير جداً في ذلك العصر ما يشبه قول عنترة:
وإذا شربتُ فإنّني مُستهلكٌ مالي وعِرضي وافرٌ لمْ يُكْلَمِ
وكثيراً جداً ما يشبه هذه الأبيات التي قالها”المنخل اليشكري”في وجهتها،وهي الفخر،لا في معانيها.وهي من أبدع مايروى عن الشعراء الجاهليين،ولكن لاتنس أن المنخل اليشكري شاعر من شعراء العراق أيضاً.كان يعيش في الحيرة وينادم النعمان ويعاصر النابغة،وهذه هي الأبيات:
ولقد دخلتُ على الفتا ةِ الخِدرَ في اليومِ المطيرِ
الكاعبُ الحسناء تَرْ فلُ في الدِّمقسِ وفي الحريرِ
فدفعتها فتدافعتْ مشىَ القَطاةِ إلى الغديرِ
ولثمتها فتنفّستْ كَتنفسِ الظبي البهيرِ
ولقد شربتُ من المُدا مةِ بالصغيرِ وبالكبيرِ
فإذا سكرتُ فإنني ربُّ الخَورنقِ والسديرِ
وإذا صحوتُ فإنني ربُّ الشُويهةِ والبعيرِ
يا هندُ من لِمتيمٍ يا هندُ للعاني الأسير
وانظر إلى قول الآخر من شعراء الجاهلية:
ومُعَرَّسٍ عرِض الرّدى عَرَّستهُ والصُّبحُ ساطعُ لونهِ لم ينجلِ
فأتيتُ حانوتاً به فَصبحتهُ من عاتقٍ بمزاجها لم تُقتلِ
صهباءَ صافيةٍ القذى أغلى بها يَسرُّ كريمُ الخِيمِ غيرُ مُبّخلِ
وما كاد ينتهي عصر الخلقاء،ويثبت سلطان بني أمية،حتى ضعف سلطان الدين،وانصرف الخلفاء وولاتهم عن الحدود والشرائع،إلى الخصومة السياسية والجهاد بين الأحزاب والعصبياتـوكثرت الغنائم،وعظمت الثروة.واضطر أفراد كثيرون من أحفاد المهاجرين والأنصار وأشراف قريش،إلى أن يقيموا في الحجاز مستمتعين بثروة ضخمة وغنى كثير،وقد حيل بينهم وبين العمل السياسي خوفاً منهم أو عقاباً لهم،فانصرفوا إلى اللهو،وعكفوا على اللذة وأسرفوا فيهما وتغيرت الآية…فكانت مكة والمدينة وطن الشعراء الغزلين وموطن المغنين ومجتمع طلاب اللهو،وكانت لهؤلاء الناس جميعاً مجالس معروفة مشهورة،كثر ذكرها في كتب الأدب والتاريخ،وكثرت حولها الأخبار والشائعات،واضطر الخلفاء من بني أمية إلى أن يظهروا في بعض الأحيان ضروباً من القسوة،فنكلوا ببعض هؤلاء الناس،وعذبوا بعضهم ثم نفوه،وخبر الأحوص بن محمد الأنصاري معروف،وخبر المخنثين في المدينة معروف،وشعر عمر بن أبي ربيعة،وأخبار الدلال،أكثر وأشهر من أن نلح في ذكرها.
ومع هذا فقد كان المسلمون يشربون ويلهون،ولكنهم كانوا يحتشمون فلا يكادون يذكرون ذلك في الشعر إلا إلماما،كانوا يحتشمون إشفاقاً ووقاراً.ولم يكن المسيحيون مكلفين أن يحتشموا،ولا أن يخافوا،بل كانوا يجهرون بلذاتهم،وظهر في ذلك وبرع فيه الأخطل شاعر بني أمية،ولسانهم الناطق بسياستهم ،المناضل عن حزبهم،كان مسيحياً وكان كلفاً بالخمر مشغوفاً بها. حتى كره ذلك منه القسس،ويقال إنهم عذبوه وضربوه،لانه كان شديد الخضوع للدين،وكان يقبل من رؤوساء دينه ما لم يكن يقبل من خلفاء المسلمين.
أكثر الأخطل من الشرب،وأكثر من وصف الخمر،وأجاد فيه.وجاهر بشربه،ولهوه،واستخدمه في السياسة.
(يمكن الرجوع إلى الموضوع بالتفصيل من موسوعة طه حسين).
وجاء في معجم الأدباء لياقوت الحمويـ المجلد الرابع ـ ص 482:
“وحدّث ميمون بن هارون الكاتب عن الجاحظ قال: ذمَّ رجلٌ النبيذ فقال:”من مثالبه أن صاحبه يتكرّههُ قبلَ شُربه،ويكلح وجهه عندَ شَمّه،ويستنقصُ الساقي من قَدره،ويعتبرُ عليه مِكياله،ويمزجهُ بالماء الذي هو ضِدُّهُ ليُخرجه عن معناه وحَدِّه،ثمَّ يكرعهُ على المُبادرة ويعبّه،ويتجرّعهُ ولا يكادُ يُسيغه،ليقلّ مُكثُهُ في فيه،ويسرعَ على حه،اللّهواتِ اجتيازه،ثمَّ لا يستوفى كُلِّتَهُ ويرى أن يجعلَ عاقبةَ الشّرابِ فضلةً في قَدحه،ويُشاحُّ الساقي في المناظرة على مابقيَ منهُ عندَ ردِّه،ليصرفَ عن نفسه عاديةَ شُربه،ويذهبَ بساعته،ويمنعَ من تهوُّعه،كما يُفعلُ بطبخٍ الغاريقون عند شُربه وحبِّ الاسطيخمول..
كان إياس بن معاوية من أعلام القضاء في الإسلام،ومضرب المثل في الذكاء والفراسة.ومما يدل على قوة حجته أنه جاءه”دهقان” فسأله عن المسكر:أحرام هو أم حلال؟قال: هو حرام.فقال: كيف يكون حراما؟أخبرني عن التمر:أحلال أم حرام؟!قال: حلال.قال: فأخبرني عن الكشوت(نبات أصفر يتعلق بأطراف الشوك وغيره) قال:حلال.قال: فأخبرني عن الماء؟ قال: حلال.قال: فما خالف بينها؟وإنما هو(أي المسكر) من التمر والكشوت والماء أيكون هذا حلالاً وهذا حراما؟فقال له إياس:لو أخذت كفاً من تراب ورميتك به أيوجعك؟قال:لا.قال:فهذه الحفنة من التبن؟قال: لا توجعني.قال: فهذه الغرفة من الماء؟ قال: لا توجعني شيئاً.قال:أفرأيت إن خلطت هذا وهذا بهذا حتى صار طيناً ثم تركته حتى استحجر ثم رميتك به أيوجعك؟ قال:إي والله وتقتلني.قال إياس: فكذلك تلك الأشياء إذا اجتمعت.
أشعار في الخمريات
في ذم الخمر
المعري :
تَوخَّ بِهجرٍ أُمَّ ليلى فإنّها عجوزٌ أضَلّتْ حَيَّ طَسْمٍ ومارِبِ
دبيبُ نِمالٍ عنْ عُقارٍ تخالُها بِجسمكَ شرّاً من دبيبِ العقاربِ
ولو أنّها كالماءِ طَلْقٌ لأوجبتْ قِلاها أصيلاتُ النُّهى والتجاربِ
تُحّيِّ وجوهَ الشّربِ فِعلَ مُسالمٍ يُضاحكهُ والكيدُ كيدُ مُحاربِ
إذا قُتلتْ خافَ الرَّشادُ جنايةً فكانَ من الفتيانِ أوّلَ هاربِ
عدُوّةُ لُبٍّ سلّتِ السيفَ، واعتلتْ بهِ القوم إلا أنها لم تُضاربِ
وما شامتِ الهنديَّ في الكفِّ عُنوةً ولكن ثنتهُ في أناملِ ضاربِ
فما أبعدتْ إلا أجلَّ مُقارنٍ ولا بلغُتْ إلا خسيسَ المآربِ
تُعرى الفتى من ثوبهِ وهو غافلٌ وتُوقعُ حربَ الدّهرِ بينَ الأقاربِ
تألّى الحِجى واستشهد السّكرُ أنّها ذميمةُ غِبٍّ لا تحلُّ لشاربِ
المعري:
لو كانت الخمرُ حِلاً ما سمحتُ بها لنفسي الدهر لا سراً ولا علنا
تألّى الحِجا واستشهدَ السُّكرَ أنّها ذميمةٌ غِبٍّ لا تَحِلُ لشاربِ
المعري:
أخو الراحِ إن قالَ قولاً وجدتَ لأحسن ما يقول:الصموتا
ويشربُ منها إلى أن يقىءَ ولا غروَ إن قلتَ:حتى يموتا
المعري:
خَبرَ الحياةَ شرورها وسرورها من عاشَ عِدّة أوّلِ المتقاربِ
وافى بذلك أربعين،فما لهُ عذرٌ إذا أمسى قليلَ تجاربِ
يا ضاربَ العَودِ البطىءِ وظهرهُ لا وزرَ يحلهُ كوزرِ الضاربِ
إرفق به فشهدتُ أنّكَ ظالمٌ في ظالمين:أباعدٍ وأقاربِ
قلْ للمُدامةِ،وهي ضدُّ للنُهى تنضو لها أبداً سيوفَ محاربِ
لو كانَ لم يحظُركِ غيرُ أذيّةٍ شىءٍ لِبتِّ مباحةً للشاربِ
لكن حماكِ العقلُ،وهو مُؤّمرٌ فانأي وراءكِ في الترابِ الغاربِ
المعري:
البابليّةُ بابُ كلِّ بليّةٍ فتوقينَّ هجومَ ذاكَ البابِ
جرّتْ ملاحاةَ الصديقِ وهجرَهُ وأذى النديم،وفرقةَ الأحبابِ
أمُّ الحَبابِ،وإن أُميتَ لهيبها بمزاجها،وافتْ كأمِّ حُبابِ
هتكتْ حجابَ المحصناتِ،وجشّمتْ منهنَّ العبيدِ تهضّمَ الأرباب
وتُوهِّم الشيّبِ المدالف أنّهم لبسوا على كِبرٍ برودَ شبابِ
وإذا ما تأملتَ الحوادثَ أُلفيتْ صُهبُ الدِّنانِ أعاديَ الألبابِ
المعري:
أن يُعطها وهو رضوى في رجاحته يَعدمُ رشاداً،فلا يحكمُ ولا يقِر
كم سيّدٍ جعلتهُ الرّاحُ من خَرُقٍ وكانَ كالهضبِ من ثهلانَ أو أقَرِ
والرّاحُ تجعلُ مُرَّ العيشِ عندهمُ حلواً،وقد ذكرّتهم أول المَقرِ
تخالسوا لذّةً منها مُعجلّةً ولم يُبالوا بما يلقونَ من سَقَرِ
وأغنتِ الشّربَ إلا من جميلِ نُهىً من يفتقر منهُ يُوجد شرَّ مفتقرِ
المعري:
إنّ كؤوسَ المُدامِ تُشبهها السيوفُ،والموتُ في مضاربها
ونَملُها إن تدِبّ في جسدٍ أضرُّ للنفسِ من عقاربها
وكلُّ ما أذهبَ العقول،وإن خالفها،فهو من أقاربها
جَرّبها عالمٌ بشيمتها ويذهبُ اللبُّ في تجاربها
وقد تُغَضِّي الحياةَ راضيةً بدونِ ما نيلَ من مآربها
إن شُربتْ راحُها زنتْ وجنتْ فليتق الله في مشاربها
المعري:
وأما الخمرُ فهي تُزيلُ عقلاً فتحتْ بهِ مغالقَ مُبهماتِ
ولو ناجتكَ أقداحُ الندامى عَدَتْ عن حَملها مُتندماتِ
تُذيعُ السرَّ من حُرٍّ وعبدٍ وتُعربُ عن كناينَ مُعجمات
وينفضُ إلفها الراحاتِ حتى تعودَ من النفائسِ معدمات
وزّينتِ القبيحَ فباشرتهُ نفوسٌ كُنَّ عنهُ مُخزماتِ
ويشربها فيقلسُها غَويٌّ لقد شامَ الخفيَّ من الشماتِ
ويرفعُ شَربها لفظاً بجهلٍ كأسرابٍ وردنَ مسدّمات
المعري:
إياكَ والخمرَ،فهي خالبةٌ غالبةُ،خابَ ذلك الغَلبُ
أشأمُ من ناقةِ البسوسِ على الناس وإن يُنلْ عندها الطلّبُ
المعري:
يقولُ الناسُ إنَّ الخمرَ تؤدي بما في الصدرِ من همٍّ قديم
ولولا أنها بالُبِّ تُودي لكنتُ أخا المُدامةِ والنديم
المعري:
أرى بشراً عقولهم ضعافٌ أزالوها لتعدمَ بالخمورِ
أبانوا عن قبائح منكراتٍ فدعْ ما لايبينُ من الأمور
المعري:
فلا تتعلّلْ بالمُدامِ وإن تَجُزُ إليها الدنايا فاخشَ كلّ نديم
وجدتُ بني الدنيا لدى كلّ موطن يعدُونَ فيها شقوة كَنعيم
المعري:
شرابُكَ بئسَ الشىء سَرَّ،وإنّما أفادَ سروراً باطلاً حينَ أسكرا
المعري:
وأبرُّ من شُربِ المُدامة صُفّقت في عسجدٍ شربُ الرثيئة في العُلب
جاءتكَ مثلَ دمِ الغزالِ بكأسها مقتولة،قتلتك ،فالهُ عن السّلب
والعقلُ أنفسُ ما حُبيت وإن يُضعْ يوماً يضعْ،فغوى الشرابُ وما جلبْ
المعري:
دبّتْ دبيبَ نِمالٍ في أناملهم بسائرٍ في رؤوسِ القوم درّاج
تُفرّجُ الهمَّ عنهم،بل تزيدهم نكراً ،هواجسُ همّت بإفراجِ
المعري:
متى شربتَ خمراً فلستَ بآمنٍ عليها غويّاً أن يَحُلَّ خمارها
فقد عريت بالكأسِ من كلِّ ملبسٍ جميلٍ وألقتْ في حشاك خمارها
أبو تمام في الخمر:
وضعيفةٌ فإذا أصابتْ فُرصةً قتلتْ ،كذلكَ قدرةُ الضعفاءِ
أبو تمام:
أصبْ بحميا كأسها مقتلَ العذلِ تكنْ عوضاً إن عنفوك من النبلِ
وكأسٍ كَمعسولِ الأماني شربتها ولكنها أجلتْ وقد شربتُ عقلي
إذا عُوتبتْ بالماءِ كانَ اعتذارُها لهيباً كوقعِ النارِ في الحطبِ الجزلِ
إذا هبت دّبت في الفتى خالَ جسمه لمّا دبَّ فيهِ قريةً من قرى النملِ
إذا ذاقها وهي الحياةُ رأيتهُ يعبسُ تعبيسَ المقدمِ للقتلِ
إذا اليدُ نالتها بوِترٍ توفرّت على ضعفها ثم استقادت من الرجلِ
وتصرعُ ساقيها بأنصافِ شربها وصرعُهم بالجَورِ في صورةِ العدلِ
المتنبي:
إذا ما الكأسُ أرعشت اليدين صحوتُ فلم تحل بيني وبيني
هجرتُ الخمر كالذهب المصفى فخمري ماء مزن كاللجين
أبو فراس:
أرى الخمرَ تُربي في العقولِ فتنقضي كدامنِ أخلاقٍ تُثيرُ الدواهيا
تزيدُ سفيهَ القومِ فضلَ سفاهةٍ وتتركُ أخلاقَ الكريمِ كما هيا
ابن الرومي:
شربتُ وقد كانَ الشبابُ مُحلِّلاً من الرّاحِ ما كانَ الكتابُ مُحرِّما
وقد طابقَ الشّيبُ الكتابَ فحرمتْ على فيك تحريمين إن كنتً مسلما
وما بعد تحريمين في الكأس مشربٌ لمن كانَ من أهلِ الحِجا متوسما
وقد كان قبل الدين في الشّيبِ واعظٌ لمن كانَ من شُرّابها متأثما
كما كان قبل الدين في الشّيبِ زاجرٌ لمن كان من شرابها متكرما
فدعْ شُربها إذ أصبحَ الرأسُ مشرفاً مُحاذرةً أن يصبح القلبُ مظلما
ولا ترينّكَ ألسنٌ والله والنهى على الشّيبِ والإسلامِ واللومِ مقدما
الفرزدق:
من يأتِعَوّاماً ويشرب عندهُ يدعِ الصيام،ولا تُصلى الأربعُ
ويبيتُ في حَرجٍ ويُصبحُ همّهُ بَردَ الشراب،وتارةً يتهوّعُ
ولقد مررتُ ببابهمْ ،فرأيتهم صرعى،ومنهم قائماً يتتعتعُ
فذكرتُ أهلَ النارِ حينَ رأيتهم وحمِدتُ خائفنا على ما يصنعُ
عنترة:
نديمي رعاكَ اللهُ قُمْ غنّ لي على كؤوس المنايا من دمٍ حينَ أشربُ
ولا تسقني كأسَ المُدامِ فإنّها يضلُّ بها عقلُ الشجاعِ ويذهبُ
الأقيشر السعدي:
رُبَّ نَدمانٍ كريمٍ ماجدٍ سيّدِ الجَدّينِ من فرعي مُضرْ
قد سقيتُ الكأسَ حتى هرّها لم يُخالط صفوها منهُ كَدرْ
قلتُ:قمْ صلِّ،فصلى قاعداً تتغشاهُ سماديرُ السّكرْ
قرنَ الظهرَ مع العصرِ كما تُقرَنُ الحِقّةُ بالحقِّ الذكرْ
تركَ “الفجرَ” فما يقرأها وقرأ “الكزثر” من بينِ السورْ
العباس بن الأحنف:
هجرتُ الندامى خشيةَ السّكرِ إنّما يُضيعُ الفتى أسرارَهُ حينَ يسكرُ
ابن زيدون:
ولم أهجر لعتبٍ غيرَ أنّي أضرّتْ بي معاقرةُ العُقارِ
وأنّ الخمرَ ليسَ لها خُمارٌ تبرّحُ بي فكيفَ مع الخُمارِ
أحمد شوقي:
اهجروا الخمرَ تُطيعوا اللهَ أو تُرضوا الكتابا
إنها رجسٌ فطوبى لامرىءٍ كفَّ وتابا
تُرعشُ الأيدي ومن يُر عش من الصنّاعِ خابا
إنّما العاقلُ من يجعل للدهرِ حسابا
خليل مطران:
دعِ الخمرَ نُصحُ أخٍ إنّها لَتوهي القلوبَ وتُردي النُّهى
وحيثُ وجدتَ دماراً وبؤساً ولم تدرِ مأتاهما ظُنّها
أما هي تلك التي خرّبت بيوتاً بتقويضها رُكنها
أما هي تلك التي ضعضعت شعوباً ودّكتْ بها مُدنَها
وكلُّ المربين من كلّ جيلٍ وكلُّ النبيينَ عنها نهى
عليها حماة الحِجى غارة فخيرُ أولي الفتحِ من شنّها
وألقوا دِراكاً بكاساتها تُهاض ولا تعصموا دِنّها
طلاقاً لشمطاءَ تُوهي القوى وتُثكلُ أمَّ الوحيد ابنها
عجيبٌ تزايدُ عُشاقها بقدرِ استطالتهم سِنّها
علي الجارم:
قُتلَ العلمُ كيفَ دبّر للفتك عتاداً وللدمارِ جنودا
فهو كالخمرِ تنشرُ الشرَّ والإثمَ وإن كانَ أصلها عنقودا
عبد الحميد الديب:
إلى الله أشكو ما فقدتُ من الصّبا بحانةِ خمّارٍ وبيتِ قسوسِ
فمنْ يدُعني للكأس بعدُ فإنني اتخذتُ الهدى كأسي وروحُ أنيسي
وماذا وراءَ الخمرِ إلا روايةً تمثلُ أحزاني وشدّة بؤسي
محمد البزم:
فَبعداً لها غيرَ مقتولةٍ ولا شملَ الأنسُ من شابها
معروف الرصافي:
وما أنتم إلا كسكران طافح تحسّى من الصهباءِ عشرة أرطالِ
مشى بارتعاشٍ في الطريق فتارةً يقومُ وأخرى يهوى فوقَ أوحالِ
يمدُّ إلى الجدرانِ كفّ استنادهِ فتقذفه الجدران قذفة إذلال
ويفتح للطراق مُقلة حانق فيغمضها خزيان عن شتم عذال
أبو محجن الثقفي بعد أن ترك الخمر:
رأيتُ الخمرَ صالحةً وفيها مناقبُ تُهلكُ الرجلَ الحليما
فلا والله أشربها حياتي ولا أسقي بها أبداً نديما
أيمن بن خريم في الخمر:
تعفّفتُ عنها في السنين التي رحلتْ فكيفَ التصابي بعدما كلأَ العمرُ
إذا المرءُ وفّى الأربعينَ ولم يكنْ لهُ دونَ ما يهوى حياءٌ ولا سِترُ
فَدعهُ ولا تَنفسْ عليه الذي أتى وإن جرَّ أرسانَ الحياةِ له الدهرُ
مالك بن أسماء الفزاري:
أتاني بها يحيى وقد نمتُ نومة وقد غابت الجوزاءُ وانحدرَ النّسرُ
فقلتُ اصطبحها أو لغيري سِقها فما أنا بعد الشيبِ ويبكَ والخمرُ
إذا المرءُ وفّى الاربعين ولم يكن له دون ما يأتي حياء ولا سترُ
فذرهُر ولا تنفِسْ عليه الذي أتى ولو مدّ أسباب الحياة له الدهرُ
أبو الفضل عبد الله:
تركتُ النبيذَ وشُرّابه وصرتُ صديقاً لمن عابهُ
شراب يُضلّ طريقَ الهدى ويفتحُ للشرِّ أبوابه
أبو الفضل الميكالي:
عيرتني تركَ المُدامِ وقالت: هل جفاها من الرجالِ لبيبُ؟
هيَ تحت الظلام نور وفي الاكب ادِ بردٌ،وفي الخدودِ لهيبُ
قلتُ:يا هذه عَدلتِ عن النُ صحِ وما للرشادِ فيكِ نصيبُ
لإنّها للستورِ هت~كٌ وفي الالأبابِ فتكٌ وفي المَعادِ ذنوبُ
يزيد بن محمد المهلبي:
لَعمرُكَ ما يُحصى على الكأسِ شَرّها وإن كانَ فيها لذّةٌ ورخاءُ
مراراً تُريكَ الغَيَّ رشداً وتارةً تخيّلُ إن المحسنينَ أساءوا
وأنّ الصديقَ الماحض الودّ مُبغضٌ وانَّ مديحَ المادحينَ هِجاءُ
وجرّبتُ إخوانَ النبيذِ فقلّما يدومُ لإخوان النبيذِ إخاءُ
ابن سينا:
ثلاثٌ هنَّ مهلكاتِ الأنام وداعية الصحيحِ إلى السّقام
دوامُ مُدامة ودوامُ وطءٍ وإدخالُ الطعام على الطعام
بكر بن النطاح:
يبينُ لنا ذو الحلمِ من حلمائنا إذا ما تعاطينا الزّجاجَ تعاطيا
أرى الكأسَ تُهدي للئيمِ ملامةً وتتركُ أخلاقَ الكريم كما هيا
رأيتُ أقلَّ الناسِ عقلاً إذا انتشى أقلهم عقلاً إذا كان صاحيا
يحيى بن نوفل يهجو ثملاً:
وأمّا بلال فذاك الذي يميلُ الشرابُ بهِ حيثُ مالا
يبيتُ يمصُّ عتيقَ الشرابِ كَمصِّ الوليدِ يخافُ الفصالا
ويصبحُ مضطرباً ناعساً تخالُ من السكرِ فيه احولالا
ويمشي ضعيفاً كَمشيِ النزيفِ تخالُ بهِ حين يمشي شِكالا
أبو الأسود الدؤلي:
دعِ الخمرَ يشربها الغُواةُ ،فإنّني رأيتُ أخاها مُغنياً لمكانها
فإلا يَكنها أو تَكنهُ فإنّهُ أخوها غذتهُ أمّها بلبانها
ابنُ عبدِ البر:
واصلتَ في شربِ الشمولِ سفاهةً حتى غدوتَ كأنَّ أنفكَ دُمّلُ
خيار بن أوفى الهندي:
أنْهدُ بنَ زيدٍ ليسَ في الخمرِ رِفعةٌ فلا تقربوها إنني غيرُ فاعلٍ
فإنّي وجدتُ الخمرَ شيئاً ولم يزلْ أخو الخمرِ حلالاً شِرارَ المنازلِ
فكم قد رأينا من فتىً ذي جهالةٍ حتى بعدَ أزمانٍ وطولِ تجاهلِ
ومن سشيّدٍ قد قنّعتهُ مذلةٌ فعاشَ ذليلاً ضُحكةً في المحافلِ
فللهِ أقوامٌ تمادوا بِشربها فأضحوا وهم أحدوثة في القوافل
عبد الله بن القعقاع الأسدي:
أتانا بها صفراءَ يزعم أنها زبيبٌ فصدّقناهُ وهو كذوبُ
فهل هي إلا ليلةٌ غابَ نحسُها أصلي لربي بعدها وأتوبُ
أحدهم:
شربتُ الإثم حتى ضلَّ عقلي كذاكَ الإثمُ تفعلُ بالعقول
أحدهم:
نوم الغداةِ وشرب العشياتِ موكلان بتهديم المروءاتِ
الأعشى يصف سكراناً:
فراحَ مكيثاً كأنّ الدّبا يدّبُ على كلِّ عظمٍ دبيباً
جرير يصف سكراناً
صريعُ مُدام يرفعُ الشّربُ رأسهُ ليحيا وقد ماتت عظامٌ ومفصلُ
نهاديهِ أحياناً وحيناً نجرّهُ وما كاد إلا بالحشاشةِ يعقلُ
إذا رفعوا صدراً تحامل صدره وآخر مما نال منها مُخبّلُ
الأخطل الصغير يصف سكراناً:
صريعُ مُدامٍ يرفع الشّربُ رأسهُ ليحيا وقد ماتت عظامٌ ومفصلُ
نهاديهِ أحياناًر وحيناً نجرّهُ وما كادَ إلا بالحشاشة يعقلُ
إذا رفعوا صدراً تحامل صدرهُ وآخر مما نالَ منها مُخبّلُ
اسحق بن سويد:
أما النبيذ فقد يُزري بشاربه ولن ترى شارباً أزرى به الماءُ
الماءُ فيهِ حياةُ الناسِ كلّهمِ وفي النبيذِ إذا عاقرتهُ الداءُ
الإمام علي الرضا:
من جعلَ الخمرَ شفاءً لهُ فلا شفاهُ الله من علّتهِ
أحدهم:
فإن يكُ هذا من نبيذٍ شربتهُ فإنّي من شُربِ النبيذِ لتائبُ
صُداعٌ وتوصيمُ العظام وفترةٌ وغمٌّ مع الإشراقِ في الجوفِ لاتِبُ
أحدهم:
شربنا من الدّاذي حتى كأننا ملوكٌ لهم برُّ العراقينِ والبحرُ
فلما انجلت شمسُ النهارِ رأيتنا تولى الغنى عنا وعاودنا الفقرُ.
أحدهم:
لَعمري لئن أنزفتم أو صحوتم لبئس الندامى كنتم آل عامر
أحدهم:
مَنْ تَقرَعُ الكأسُ اللئيمةُ سِنّهُ فلا بدّ يوماً أن يُسىءَ ويجهلا
ولم أرَ مطلوباً أخسَّ غنيمةً وأوضعَ للأشرافِ منها وأخملا
وأجدرَ أن تلقى كريماً يذمها ويشربها حتى يَخْرَّ مُجدّلا
فوالله ما أدري أخَبلٌ أصابهم أمِ العيشُ فيها لم يلاقوهُ أشكلا
أحدهم:
سقاني هذيلٌ من شرابٍ كأنّهُ دمُ الجوفِ يستدعي الحليمَ إلى الخَبلِ
فما زلتُ أسقى شربةً بعد شربة لعمرُكَ حتى رُحتُ متهم العقلِ
خرجتُ أجوبُ الأرضَ أركُلُ متنها إذا هي مالت بي فيعدلها ركلي
يقدمني طوراً أمامي قاصداً ويركضُ مشى القهقرى مرة رِجلي
ترى عيني الحيطان حولي كأنّها تدورُ ولو كلّمتني قلتَ ذو خبلِ
فلا العينُ تهديني وبالرجلِ ما بها فلأياً بلأيٍ ما بلغت إلى أهلي
أحدهم:
إذا شرب الجبانُ الخمرَ يومأ أعارتهُ الشجاعة باللسان
وعند الصحو تلقاهُ جزوعاً إذا اشتد اللقا يوم الطعان
أحدهم:
يقول جبان القوم في حالِ سكره وقد شربت الصهباء هل من مبارز
وأين الخيول الأعوجيات في الوغى أناقل فيها كل ليث مناهز
ومن لي بحرب ليس تخمد نارها لعمرك إني لست فيها بعاجز
ففي السكر قيس وابن معدي وعامروفي الصحو تلقاه كبعض العجائز
في مدح الخمر
حسان بن ثابت يمدح أحد فرسان العرب المشهورين في الجاهلية وهو ربيعة بنُ مكدّم:
لا تنفري يا ناقُ منهُ فإنّهُ شَرِّيبُ خمرٍ مِسْعَرٌ لِحروبِ
حسان بن ثابت:
كأنَّ سبيئةً من بيتِ رأسٍ يكونُ مزاجها عسلٌ وماءُ
فنشربها فتتركنا ملوكاً وأُسداً ما يُنهنهنا اللقاءُ
حسان بن ثابت:
إنَّ التي عاطيتني فَرَددتُها قُتلتْ قُتلتَ فهاتها لم تُقتلِ
كلتاهما حَلبُ العصيرِ فعاطني بزجاجة أرخاهما للمفصلِ
(المفصل:اللسان هنا ويسمى اللسان مفصلاً لأنه يفصل بين الحق والباطل)
قال امرؤ القيس لما وصلهُ خبر مقتل أبيه حِجر:”ضيّعني صغيراً وحملّني دمهُ كبيراً،لا صحوَ اليوم،ولا سُكرَ غداً،اليومَ خمرٌ وغداً أمرُ ثم قال:
خليليَّ لا في اليوم مَصحىً لشاربٍ ولا في غدٍ إذا ذاكَ ما كانَ يُشربُ
امرؤ القيس:
حَلّتْ ليَ الخمرُ وكنتُ امرأً عن شُربها في شُغلٍ شاغلِ
فاليومَ أُسقى غيرَ مُستحقبٍ إثماً من الله ولا واغلِ
امرؤ القيس:
لا تُفشِ أسراركَ للناسِ وداوِ أحزانكَ بالكاسِ
فإنَّ إبليسَ على ما بهِ أرأفُ بالناسِ من الناسِ
عنترة:
ألا إنّها نِعمَ الدواءِ لشاربٍ ألا فاسقنيها قبلما أنتَ تخرجُ
امرؤ القيس:
ونشربُ حتى نحِسبَ الخيلَ حولنا نِقاداً وحتى نحسب الجَونَ أشقرا
عنترة:
وإن طرِبَ الرجال بشربِ خمرٍ وغيّبَ رشدهم خمرُ الدنانِ
فرشدي لا يُغيذبهُ مُدامٌ ولا أصغي لقهقهة القناني
حاتم الطائي:
أماوي! إمّا متّ فاسعي بنطفةٍ من الخمرِ،ريّاً فانضحنَّ بها قبري
فلو أنّ عينَ الخمرِ في رأسِ شارفٍ من الأسد،وردٍ،لاعتجلنا على الخمرِ
المتنبي:
ما العيشُ إلا في جُنونِ الصّبا فإن تولّى فجنونُ المُدام
المتنبي:
كلُّ شىءٍ من الدماءِ حرامٌ شربهُ ما خلا دمَ العنقودِ
فاسقنيها فِدىً لعينيكَ نفسي من غزالٍ وطارفي وتليدي
المتنبي:
فخرَ الزجاجُ بأن شربتَ بهِ وزَرتْ على من عافها الخمرُ
وسلمتَ منها وهي تسكرنا حتى كأنّكَ هابكَ السّكرُ
المتنبي:
وجدتُ المُدامةَ غلّابةً تُهيّجُ للقلبِ أشواقهُ
تُسىءُ من المرءِ تأديبهُ ولكن تُحسِّنُ أخلاقهُ
وأنفسُ ما للفتى لُبُّهُ وذو اللبِّ يكرهُ إنفاقهُ
وقد مُتُّ أمسٍ بها موتةً ولا يشتهي الموتَ من ذاقه
أبو تمام:
صفراءُ صُفرةَ صحةٍ قد ركّبت جثمانهُ في ثوبِ سُقمٍ أصفرِ
قتلتهُ سراً ثم قالت جهرةً قولَ الفرزدقِ لا بظبي أعفرِ
أبو تمام:
إذا نحنُ أومأنا إليهِ أدارها سُلافاً كماءِ الجفنِ وهيَ من الجِفنْ
تقلبُ روحَ المرءِ في كلِّ وجهةٍ وتدخلُ منهُ حيثُ شاءت بلا إذن
أبو تمام:
إذا هيَ دَبّتْ في الفتى خالَ جسمه لما دبَّ فيه قريةً من قرى النّملِ
أبو تمام:
بِمُدامةٍ تغدو المنى لكؤوسها خَولاً على السّراءِ والضرّاءِ
راحٌ إذا ما الرّاحُ كمن مطيّها كانتْ مطايا الشوقِ في الأحشاءِ
وضعيفةٌ فإذا أصابتْ فرصةً قتلت، كذلكَ قدرةُ الضعفاء
وكأنَّ بهجتها وبهجة كأسها نارٌ ونورٌ قُيّدا بوعاء
البحتري:
إذا كانَ يومي ليسَ يوماً لقهوةٍ ولا يومَ فتيانٍ فما هو من عمري
وإن كانَ معموراً بعودٍ وقهوةٍ فذلكَ مسروري لَعمري من الدهرِ
البحتري:
الماءُ لا يبعثُ لي نشوةً فعاطني سورة ذلك الرحيق
حسبُكَ أن تكسر من حدِّها بالنغمِ الصافي عليها الرقيق
آليتُ لا أشربُ ممزوجةً إن لم تكن مزجةَ ريقٍ بريقِ
البحتري:
أتانا” هشامٌ” والكؤوسُ تقودهُ فجاءَ كمثلِ العِفرِ في يدهِ كَفرُ
إذا كانَ صحو المرءِ بَدءَ اعوجاجه فكيفَ يُرّجي أن يُقوّمهُ السكرُ
البحتري وقيل غيره:
ما أبالي إذا شربتُ ثلاثاً من غدا راضياً ولا من جفاني
من سُلافِ عتيقةٍ سلسبيلٍ بنتِ عهشرٍ تُجيدُ عقد اللسان
تركتني على فصاحةِ نطقي وأنا مُحوجٌ إلى ترجمانِ
كلّما ساءني شكوتُ إليها فتغطي القبيحَ بالإحسان
هيَ نِعمَ الرفيقُ لي إن دهتني نائباتُ الزمانِ والأحزانِ
لو أماني الأيام صُورّنَ شخصاً ماعدا شخصها جميعُ الأماني
وإذا ما الزمانُ أفسدَ شأناً كان فيها صلاحُ ذاكَ الشانِ
لائمي في السرور دعْ عنكَ لومي إنني قد خلعتُ فيك عناني
أبو فراس الحمداني:
وخرائد،مثل الدّمى ،يسقينا كأسينِ من لحظٍ وصهباء
وإذا أدرن على الندامى كأسها غنينا شعر ابن أوس الطائي
راح إذا ما الراح كنّ مطيها كانت مطايا الشوق في الاحشاء
بشار بن برد:
أنتَ من قلبها مَحلَّ شرابٍ يُشتهى شُربُهُ ويُخشى صُداعُهْ
بشار بن برد:
رُبَّ كأسٍ كالسلسبيلِ تعلّ لتُ بها والعيونُ عني نيامُ
حُبستْ للشُراةِ في بيتِ رأسٍ عُتّقتْ عانساً عليها الختام
نفحتْ نفحةً فهزّت نديمي بنسيمٍ وانشقّ عنها الزّكامُ
وكأنَّ المعلولَ منها إذا راح شجٍ في لسانهِ بِرسام
صدمتهُ الشمولُ حتى بعينيهِ انكسارٌ وفي المفاصل خامُ
وهو باقي الأطراف حيّت به الكأسُ وماتت أوصالهُ والكلامُ
بشار بن برد:
يا ليتَ شعري كيفَ كانَ صدوفَهُ أأسأتُ أم أجَمَ الخلالُ فأحمضا
وصحوتُ من سكرٍ وكنتُ موكلاً أرعى الحمامة والغرابَ الأبيضا
بشار بن برد:
ذريني أشُبْ هَمّي براحٍ فإنني أرى الدهرَ فيهِ كُربةٌ ومَضيقُ
بشار بن برد:
ترجعُ النفس إذا وقرّتها وشفاءُ الهمِّ في خمرٍ وماءِ
ابن الرومي:
طربتُ إلى رَيحانةِ الأنفِ والقلبِ وأعمالها بين العوازفِ والشَربِ
ولا عيشَ إلا بينَ أكوابِ قهوةٍ توارثها عَقبٌ من الفرسِ عن عقبِ
لها منظرٌ في العينِ يشهدُ حسنهُ على مَخبرٍ يُهدي السرورَ إلى القلبِ
تردُّ صفاءَ العيشِ مثلَ صفائهاوتكشفُ عن ذي الكربِ غاشيةَ الكربِ
ابن الرومي:
إذا ما تمشّتْ في عظامِ ابن كبرةٍ مشى لَينُ الأوصال رخو المفاصلِ
تردّ له غصنَ الشبابِ وقد ذوى رطيباً كغصنِ البانةِ المتمايل
إذا نزلتْ بالهمِّ في دارِ أهلهِ شطى الضيم شكوى أهل ضيم نازل
ابن الرومي:
يظلُّ لها المزكومُ حينَ يسوفها سحابة يومِ وهو بالمسكِ يُفعمُ
لها لذّتا طعم ورسٍّ كأنّهُ دبيب نمالٍ في نقاً باتَ يُرهَمُ
مذاقٌ ومسرى في العروقِ كلاهما ألذُّ من البرءِ الجديدِ وأنعَمُ
كأنّهما لثمُ الحبيبِ وضمُّهُ وقد باتَ منهُ تحتَ خدّكَ معصمُ
إذا نزلتْ بالهمِّ في دارِ أهلهِ غدا الهمُّ وهو المُرهقُ المهضمُ
أقامتْ ببيتِ النارِ تسعينَ حجّة وعشراً يُصلّى حولها ويُزمزمُ
سقتني بها بيضاءُ،فُوها وكأسها شبيها مذاقٍ عند من يتطعمُ
سقيمة طرفِ العينِ سُقماً بمثلهِ يصابُ صحيحات القلوبِ فتسقم
من الهيفِ لو شاءت لقامتْ بكأسها وخاتمها في خصرها متختّمُ
كَهمِّ الخليِّ اسودَّ فرعٌ ومكحلٌ لها خلقةً وأبيض ثغرٍ ومَلغمُ
وأشرقَ منها صحنُ خدٍّ مُضرّجٍ يظلُّ بما فيه من الماءِ يُضرم
مُفدىً يسمى باسمِ فيها مُقبلا إذا قيلَ للخدِّ الشتيمٍ ملطّمُ
وآنّى يسمى ملطماً وهو ملثمٌ فدى حُسنَهُ من ذاك خدٌّ مُلطّمُ
الأخطل:
فقلتُ اقتلوها عنكمُ بِمزاجها وجبَّ بها مقتولةً حين تُقتلُ
الأخطل:
شربنا فمتنا ميتةً جاهلية مضى أهلها،لم يعرفوا ما محمدُّ
ثلاثةُ أيام، فلما تنبّهتْ حشاشاتُ أنفاسٍ،أتتنا ترددُ
حيينا حياةً،لم تكن من قيامةٍ علينا،ولا حشرٌ أتاناه موعدُ
وقلنا لساقينا:عليك،فَعُدْ بنا إلى مثلها بالأمس، فالعودُ أحمدُ
فجاء بها،كأنّما في إنائهِ بها الكوكبُ المرّيخ،تصفو وتزبدُ
تفوحُ بماءٍ يشبهُ الطيبَ طيبهُ إذا ما تعاطتْ كأسها من يدٍ يدُ
تُميتُ وتُحيى بعد موتٍ وموتها لذيذ،ومحياها ألذُّ وأحمدُ
الأخطل:
ألا لا تلوميني على الخمرِ عاذلا ولا تهلكيني،إنَّ في الدهرِ قاتلا
ذريني فإنَّ الخمرَ من لذّةِ الفتى ولو كنتُ موغولاً عليَّ وواغلا
وإنّي لشرابُ الخمورَ معدّلٌ إذا هرّتِ الكأسُ الرِّخامَ التنابلا
الأخطل:
وكأسٍ مثل عين الديك صَرفٍ تُنسي الشاربينَ لها العقولا
إذا شرب الفتى منها ثلاثاً بغيرِ الماءِ حاول أن يطولا
مشى قرشيّةً لا شكَ فيها وأرخى من مآزره الفضولا
أحمد شوقي:
حمراءُ أو صفراءُ إنَّ كريمها كالغيدِ ،كلُّ مليحةٍ بمذاقِ
أحمد شوقي:
رمضانُ ولّى هاتها يا ساقي مُشتاقةً تسعى إلى مُشتاقِ
ما كانَ أكثرَهُ على أُلافها وأقلّهُ في طاعةِ الخلاّقِ
اللهُ غفّارُ الذنوبِ جميعها إن كان ثَمَّ من الذنوبِ بواقي
بالأمسِ قد كُنّا سجيني طاعةٍ واليومَ مّنَّ العيدُ بالإطلاقِ
ضحكتْ إليَّ من السرورِ، ولم تزلْ بنتُ الكرومِ كريمةَ الأعراقِ
هاتِ اسقنيها غيرَ ذاتِ عواقبٍ حتى نُراعَ لصيحة الصّفاق
(الصفاق: الديك)
صِرفاً مُسلّطةَ الشُّعاعِ كأنّما من وجنيكَ تُدارُ والأحداق
حمراء أو صفراء،إنّ كريمها كالغيد،كلُّ مليحةٍ بمذاقِ
وحذارِ من دمها الذكيّ تريقُهُ يكفيك ـ يا قاسي ـ دمُ العُشّاقِ
لا تسقني إلا دهاقا ،إنني أُسقى بكأسٍ في الهمومِ دهاقِ
فلعلّ سلطانَ المُدامة مُخرجي من عالمٍ لم يحو غيرَ نِفاقِ
أحمد شوقي:
لم نُفقْ منك يا زمانُ فنشكو مُدمنُ الخمر لا يُحس الخُمارا
فاصرف الكأسَ مُشفقاً أو فواصلْ خرجَ الرشدُ عن أكُفَّ السُكارى
أحمد شوقي:
يرومونَ سُلواناً لقلبي يُريحهُ ومنْ لي بالسلوانِ أشريهِ غاليا؟
وما العشقُ إلا لذّةٌ ثم شِقوةٌ كما شقى المخمورُ بالسُكرِ صاحيا
حافظ إبراهيم:
وفتيانٍ مساميحٍ عليهم جلابيبُ من الذوق السليم
لهم شيمٌ ألذُّ من الأماني وأطربُ من معاطاةِ النديمِ
كهمتّكَ في الخلاعةِ والتصابي وإن كانوا على خُلقٍ عظيم
ودعوتهم إلى أُنسٍ فوافوا موافاةَ الكريمِ إلى الكريمِ
وجاءوا كالقطا وردتْ نَميرا على ظمأٍ وهبّوا كالنسيمِ
وكانَ الليلُ يمرحُ في شبابٍ ويلهو بالمجرّ!ةِ والنجوم
فواصلنا كؤوسَ الرّاحِ حتى بدت للعينِ أنوارُ الصريم
وأعملنا بها رأيا بن هانىء فألحقنا بأصحابِ الرّقيم
حافظ إبراهيم:
هذا الظلامُ أثارَ كامنَ دائي يا ساقيىَّ عليَّ بالصهباءِ
بالكأس أو بالطاسِ أو باثنيهما أو بالدِّنانِ فإنّ فيه شفائي
مشمولة لولا التُّقى لعجبتُ من تحريمها والذنبُ للقدماء
قرِبوا الصلاةَ وهم سكارى بعدما نزلَ الكتابُ بحكمةٍ وجلاء
يا زوجةَ ابنِ المُزنِ يا أخت الهنا يا ضَرّةَ الأحزانِ في الأحشاءِ
يا طِبَّ”جالينوسَ” في أنواعهِ مالي أراكِ كثيرةَ الاعداء
عصروكِ من خدّي سهيلٍ خُلسةً ثم اختبأتِ بِمهجةَ الظّلماءِ
فلبثتِ فيها قبلَ نوحٍ حِقبةً وتداولتكِ أناملُ الآناءِ
حتى أناحَ الله أن تتجملّي بيدِ الكريمِ وراحةِ الأدباء
يا صاحبي كيفَ النزوعُ عن الطِّلا ولقد بُليتُ من الهمومِ بداءِ
والليلُ أرشدَهُ أبوهُ لِشقوتي وكذا البنونَ على هوى الآباء
ألّفتُ بين ابنِ السحابِ وبينها فرأيتُ صحةَ ماحكاهُ”الطائي”
(صَعُبت وراضَ المزجُ سىءَّ خُلقها فتعلّمت منةحُسن خُلق الماء)
الاخطل الصغير:
فتنُ الجمالِ وثورةُ الأقداحِ صبغت أساطير الهوى بجراحي
ولد الهوى والخمرُ ليلة مولدي وسيُحملان معي على ألأواحي
يا ذابحَ العنقودِ خَضبّتَ كفّهُ بدمائهِ،بُوركتَ من سَفّاحِ
أنا لستُ أرضى للندامى أن أرى كسل الهوى وتثاؤبِ الأقداح
أدبُ الشّرابِ إذا المُدامةُ عربدتْ في كأسها ،ألا تكونَ الصاحي
الأخطل الصغير:
تبسمُ وشعشع لي السلافة في الكأسِ
فثغركَ في ليلِ الحوادثِ نبراسي
ولا تلمس الكأس التي قد رشفتها أخاف على كفيك من حرّ أنفاسي
يقول لي الآسي فؤادك موجعٌ فمن أنبأ الآسي بفعلك يا قاسي
وينصحني الأخوانُ بالخمر إنها على زعمهم تشفي من الألم الراسي
فها أنا أستشفي بها كل ليلة ألم ترني أستتبع الكأس بالكأس
وأعجب من نفسي ودائي بمهجتي أعالجهُ بالخمر ترقى إلى رأسي.
الأخطل الصغير:
يا صارف الكأس عنا لا تضن بها ويا أخا الوتر المكسال لا تنمِ
أدِرْ علينا من الصهباء أفتكها وخدّر العصبَ المحموم بالنغمِ
قد يشرب الخمر من تغلو الهموم به وقد يغنى الفتى من شدّة الألم
الأخطل الصغير:
تدِبُّ دبيباً في العظامِ كأنّهُ دبيبُ نِمالٍ في نقاً يتهيلُ
الأخطل الصغير:
اسقنيها بأبي أنتَ وأمّي لا لتجلوَ الهمَّ عني أنتَ هَمّي
املأ الكأسَ ابتساماً وغراما فلقد نام الندامى والخزامى
زحمَ الصبحُ الظلامَ فإلامَ قمْ ننهنه شفتينا ونذوّق مهجتينا
رضي الحبّ علينا لا لتجلو الهمّ عني أنتَ همّي
غنّي واسكب غناك ولماك في فمي فديت فاك
هل أراك وعلى قلبي يداك ورضاك
هكذا أهل الغزل كلما خافوا الملل…أنعشوه بالقبل
يا حبيبي بأبي أنت وأمي اسقنيها
لا لتجلو الهمَ عني أنت همّي
صُبها من شفتيك في شفتي ثم غرّق ناظريكَ في ناظري
واختصر ما عليك أو عليَّ إن تكن أنت أنا
وجعلنا الزمن قطرة في كأسنا
يا حبيبي بأبي أنت وأمي اسقنيها
لا غنّي واسكب غناك
إسماعيل صبري:
أطلِعْ الكأسَ كوكباً في ازدهاءِ وأدرها في هالة الندماءِ
اسقنيها حتى تراني لا أفهم نصحاً يملّهُ إصغائي
عاطنيها صِرفاً ولا تطفىء النورَ الذي زان حسنها بالماء
وأدرها خدّاً وحَيِّ الندامى بِعذارِ الريحانِ واغنمْ ثنائي
مجلسٌ فيه ما جلا صدأ السمعَ وقرّتْ بهِ عيونُ الرائي
من مُغنٍّ يغزو الهمومَ بأوتارِ فيحوي أعنّة الأهواء
وغزال أحلى من الأمنِ يسعى بكؤوسِ الغرامِ والصهباءِ
مُذْ رأتْ خدّهُ المُدام علاها عرقٌ من حبابها والصهباء
إبراهيم المازني:
لا تدرها فإنني غير صاح رُبَّ راحٍ شربت من غيرِ راحِ
كم صريعٍ لم يرشف الكأسَ يوماً صرعتهُ كأس الهوى السفاحِ
ما صرفنا عن ودّها علم الله ولسنا لهجرها في ارتياحِ
جورج صيدح:
خطرَ الساقي فقلنا هاتها نحنُ نرضاها على علّاتها
رُبَّ كأس زادَ في لذتها أثرُ الأفواه في حافاتها..هاتها
طفْ ولا تمسح عن الكأسِ الشراب طبعتهُ شفة الخود الكعاب
إن مززناه سكرنا بالرضاب قبل أن نسكر من مزاتها…هاتها
هاتها ذوب لجين وذهب سلطوا الثلج عليه فالتهب
مالنا يحلو لدينا مرّها؟ تلك دنيانا وهذا سرّها
خيرة اللذات طعماً شرّها ويل من ينفر من ويلاتها…هاتها
أبو نواس:
عصيتُ في السُّكرِ من لحاني وخانني حادثُ الزمان
لمّا تماديتُ في مجونٍ ألقى على غاربي عِناني
ما مرَّ يومٌ وليسَ عندي من طرفِ اللهو خصلتان
كأسُ رحيقٍ ووجهُ ظبي تضلُّ في حُسنهِ المعاني
نلتُ لذيذَ الحرامِ منهُ ونالهُ الناس بالأماني
كم لذةٍ قلتُ قد دعاها في وسطِ اللوح حافظان
أبو نواس:
نسيتني حوادثُ الأيام وضقت عيشتي،وقلَّ اهتمامي
أقطعُ الدّهرَ بالندامى الكرامِ وركوبِ الهوى،وشُربِ المُدام
وغزالٍ يسبي النفوسَ إذا هتّكَ منهُ مآزرَ الإحرام
قد تمتّعتُ منهُ في يقظاتي وبطيفِ الخيالِ في الأحلام
وتبطنّتهُ وحارسُنا الليلُ علينا منهُ لحافُ ظلام
أنفتْ نفسيَ العزيزةُ أن تقنهْ إلا لكلِّ شىءٍ حرام
ما أبالي متى يكونُ،وقد قضيتُ منهُ السرورَ،كأسُ حِمامي
أبو نواس:
عاذلي فيها أطعني وأقِلْ الآن لومي
واشربِ الرّاحً ودعني من صلاةِ كلِّ يومِ
وإذا ما حانَ وقتٌ لصلاةٍ أو لصةمِ
فارفعْ الصومَ بِشربٍ وامزج الخمرَ بنومِ
أبداً ماعِشتَ خالفْ دأبَ قومٍ بعدَ قومِ
أبو نواس:
إذا ذاقها من ذاقها حلّقتْ بهِ فليسَ لهُ عقلٌ يُعدُّ أديبُ
أبو نواس:
إذا طالَ شهر الصيامِ قصرت طوله بصهباء يحكي الجلنار إحمرارها
يقصر عمر الليل إذا طال شربها ويعمل في عمر النهار خمارها
أبو نواس:
الراحُ شىءٌ عجيب أنتَ شاربهُ فاشربْ وإن حملتك الراحُ أوزارا
يا من يلومُ على صهباء صافية صر في الجنان ودعني أسكن النارا
أبو نواس:
أَثنِ على الخمرِ بآلائها وسَّمها بأحسنِ أسمائها
دارتْ فأحيتْ غيرَ مذمومةٍ نفوسَ حسراها وأنضائها
والخمرُ قد يشربها معشرٌ ليسوا إذا عُدّوا بأكفائها
أبو نواس:
وندمانٍ يرى غُبناً عليه بأن يُنسي وليسَ لهُ انتشاءُ
إذا تبهتهُ من نومِ سكرٍ كفاهُ مرةً منكَ النداءُ
إذا ما أدركتهُ الظهرَ صلّى ولاعصرٌ عليه ولا عشاءُ
يُصلي هذه في وقتِ هذي فكلُّ صلاتهِ أبداً قضاءُ
أبو نواس:
قلنا: السلامُ عليك! قال:عليكم مني سلامُ تحيّةٍ وودادِ
ما رُمتم؟ قلنا: المُدام! فقال:قد وُفقتم يا إخوتي الرشادِ
عندي مُدامٌ قد تقادمَ عهدُها عُصرتْ ولم يشعر بها أجدادي
فأكيلُ؟قلنا: بعد خبْرٍ إننا لا نشتري سمكاً ببطنِ الوادي
أبو نواس:
رُدّوا عليَّ الكأسَ،إنكما لا تدريان الكأسَ ما تجدي
خوفتماني اللهَ ربّكما وكخيفتيه رجاؤه عندي
إن كنتما لا تشربان معي خوفَ العقابِ شربتها وحدي
أبو نواس:
عناقُ الغانياتِ ألذّ عندي وأشهى من معانقةِ السّنانِ
ويومٌ عند نَدمانٍ كريم يُجاوبُ فيهِ أوتارَ القيانِ
يؤاتيني النديمُ على التصابي ألذُّ إليَّ من يومِ الطعانِ
أبو نواس:
لَعمري ما تُهيجُ الكأسُ شوقي ولكنْ وجهُ ساقيها شجاني
حسدتُ الكأسَ والإبريقَ لمّا بدا ليَ من يدي رخصِ البنانِ
أموتُ إذا أزالَ الكأسَ عني وأحيا من يديهِ إذا سقاني
فلي سُكرانِ منهُ،سكرُ طرفٍ وسكر من رحيقٍ خُسرواني
تجمّعُ فيهِ أصنافُ المعاني فما يُلفى لهُ في الحسنِ ثانِ
إذا ظفرتْ بهِ كفّي استقادت لنفسي عن تجمعها الأماني
أعزُّ العيشِ وصلُ المُردِ دهري وبؤسُ العيشِ وصلي للغواني
إذا ما افترَّ قلتُ:رفيفُ برقٍ وإما اهتزَّ قلتُ قضيبُ بانِ
أبو نواس:
اصدعْ نجيَّ الهمومِ بالطرّبِ وانعمْ على الدّهرِ بابنة العنبِ
واستقبلْ العيشَ في غضارتهِ لا تقفُ منهُ آثارَ مُعتقبِ
أبو نواس:
قال لي والمُدامُ تأخذُ فيه: يا أميري إن كنتَ بي ماهاجا
فَقُمْ الآنَ طائعاً!قلتُ:عُجْ بي يا مليكي إلى الفراشِ فعاجا
فحللنا هناكَ تِكّةً خزٍّ وحسرنا قباءةَ الديباجا
ثم أرسلتُ بازَ صِدقٍ نشيطاً يقتلُ الوزَّ ثمّ والدُّراجا
أبو نواس:
تعلّل بالمُدامِ مع النديمِ ففيهِ الرّوحُ من كربِ الغمومِ
وبادرْ بالصّبوح فإن فيه شفاءُ السُّقمِ للرجلِ السقيم
ولا تسقِ المُدامَ فتىً لئيماً فلستُ أُحلُّ هذي للئيمِ
لأنَّ الكرمَ من كرمٍ وجودٍ وماءُ الكرمِ للرجلِ الكريمِ
وإنّ المرءَ يصحبُ كلّ جيل ويُنسبُ في المُدامِ إلى النديمِ
أبو نواس:
ودارِ بكأسنا،رشأ رخيمٌ لطيفُ الكشحِ مهضوم الوشاحِ
وقال:أتبرحونَ غداً؟فقلنا: وكيفَ نُطيقُ بعدكَ من رواح
فخاتلنا،فأسكرنا،فنمنا إلى أن همَّ ديكٌ بالصياحِ
فقمتُ إليه أرفلُ مستقيماً وقد هيأتُ كبشي للنطاحِ
فلما أن ركزتُ الرمحَ فيه تنبّهَ كالرقيدِ من الجراحِ
فقلتُ له:بحقِّ أبيكَ سَهل فلا تحوجْ إلى سفحِ التلاحي
فقال: لقد ظفرتَ فنلْ هنيئاً بإسعافٍ وبذلٍ مُستباح
فلما أن وضعتُ عليه رحلي تبدّى منشداً شعر امتداحِ:
“ألستم خيرَ من ركبَ المطايا وأندى العالمينَ بُطونَ راحِ”
أبو نواس:
فلمّا توفّى الليلُ جُنحاً من الدّجى تصابيتُ،واستجملتُ غيرَ جميلِ
وعاطيتُ من أهدى الحديثَكما بدا وذلّلتُ صعباً كانَ غيرَ ذليلِ
فغنّى وقد وسدّتُ يُسرايَ خدّهُ ألا ربما طالبتُ غيرَ مُنيلِ
وأصبحتُ ألحى السّكرَ والسكرُ محسنٌ ألا رُبَّ إحسانٍ عليكَ ثقيل
أبو نواس:
ألا أدنها تنأ الهمومُ لِقربها فتنقلها من دارِ قُربٍ إلى بُعدِ
فناولني فوقَ المنى من يمينهِ مريضُ جفونِ العينِ معتدل القدِّ
أبو نواس:
ولا تشربْ بلا طربٍ ولا لهوٍ فإنّ الخيلَ تشربُ بالصفيرِ
أبو نواس:
ومازالَ يسقينا ويشربُ دائباً إلى أن تغنّى حين مالت به سُكرا
فيا حُسنهُ لحناً بدا من لسانهِ ويا حسنهُ لحظاً ويا حسنهُ ثغراً
ونام،وما يدري أأرضٌ وسادهُ توسدَّ سكراً أم وساداً رأى جهرا
فقمنا إليه حينَ نام،وأُرعدتْ فرائصهُ تجري بميدانه ضمرا
فلما رأى أن ليسَ عن ذاكَ مخلصٌ ووافقهُ لينٌ أجاد لنا العصرا
أبو نواس:
لاحَ إشراقُ الصباحِ فاطردِ الهمَّ بالرّاحِ
لستُ بالتاركِ لذا تِ الندامى للصلاحِ
أطيبُ اللذّات ما كانَ جهاراً بافتضاحِ
أبو نواس:
وغزالاٍ يُديرها بِبنانٍ ناعماتٍ يزيدها الغمزُ لينا
كلّما شئتُ علّني بِرضابٍ يتركُ القلبَ للسرورِ خدينا
أدرْ الكأسَ حانَ أن تسقينا وانقرْ الدّفَ إنّهُ يُلهينا
أبو نواس:
ألا دارِها بالماءِ حتى تلينها فلنْ تُكرمَ الصهباءَ حتى تهينها
أُغالي بها،حتى إذا ما ملكتها أهنتُ لإكرامِ الخليلِ مصونها
تروغُ بنفسِ المرءِ عمّا يسوءهُ وتجدلهُ ألا يزالَ قرينها
أبو نواس: ومُترّفٍ عقلَ الحياءُ لسانهُ فكلامهُ بالوحي والإيماء
لمّا نظرتُ إلى الكرى في عينهِ قد عقدَ الجفنين بالإغفاء
حرّكتهُ بيدي،وقلتُ له انتبهْ ياسيّدَ الخلطاءِ والندماء
حتى أُزيحَ الهمَّ عنكَ بشربةٍ تسمو بصاحبها إلى العلياء
فأجابني والسّكرُ يخفضُ صوتهُ والصبحُ يدفعُ في قفا الظلماء
إنّي لأفهم ما تقولُ،وإنّما ردَّ التعافي سَورةُ الصهباء
أبو نواس:
ما لذّةُ العيشِ إلا شُربُ صافيةٍ في بيتِ خمارةٍ أو ظلِّ بستان
أبو نواس:
وغزالٍ عاطيتهُ الرّاحَ حتى فترتْ منهُ مُلةً ولسانا
قال:لا تسكرنّني بحياتي قلتُ:لا بدِّ أن تُرى سكرانا
إنّ لي حاجةً إليك،إذا نمتَ فإن شئتَ فاقضها يقظانا
فتلكأَ تلكأً في انخناثٍ ثمّ أصغى لما أردتُ ،فكانا
أبو نواس:
ولها دبيبٌ في العظامِ كأنّهُ قبضُ النعاسِ،وأخذهُ بالمِفصلِ
أبو نواس:
دعْ عنكَ لومي فإنَّ اللومَ إغراءُ وداوني بالتي كانت هيَ الداءُ
صفراءُ لا تنزلُ الأحزانُ ساحتها لو مسّها حَجرٌ مسّتهُ سراءُ
من كفِّ ذات حِرٍ في زيِّ ذكرٍ لها مُحبّانِ لُوطيٌّ وزنّاءُ
قامت بإبريقها والليلُ معتكرٌ فلاحَ من ضوئها في البيتِ لالأء
فأرسلتْ من يد الإبريق صافية كأنّما أخذها بالعقلِ إغفاء
رقتْ من الماءِ حتى ما يلايمها لطافة وخفى من لطفها الماء
دارتْ على فتيةٍ دانَ الزمانُ لهم فما يصيبهم إلا بما شاءوا
أبو نواس:
بادرْ صَبوحكَ،وانعم أيها الرجلُ واعصِ الذينَ بجهلٍ في الهوى عذلوا
واخلعْ عذاركَ،أضحك كلّ ذي واعدلْ بنفسك فيهم أينما عدلوا
نالَ السرورَ،وخفضَ العيشِ في دَعةٍ وفازَ بالطيباتِ الماجنُ الهزِلُ
أبو نواس:
فَتمشّتْ في مفاصلهمْ كَتمشيِّ البُرءِ في السّقمِ
فعلتْ في البيتِ إذ مُزجتْ مثلَ فِعلِ الصُبحِ في الظُّلمِ
ابو نواس:
دعْ عنكَ لومي فإنَّ اللومَ إغراءُ وداوني بالتي كانت هيَ الداء
أبو نواس:
وضَعِ الزِّقَ جانباً ومعَ الزِّقِّ مُصحفا
واحسُ منْ ذا ثلاثةً واتلُ من ذاكَ أحرُفا
خيرُ هذا بشرِّ ذا فإذا الله قد عفا
أبو نواس:
سألتُ أخي أبا عيسى وجبريل له عقلُ
فقلتُ:الخمرُ تُعجبني! فقال: كثرُها قتلُ
فقلتُ له:فقدِّر لي فقال:وقولهُ فصلُ:
وجدتُ طبائعَ الإنسان أربعةٌ هيَ الأصلُ
فأربعةٌ لأربعةٍ لكلِّ طبيعةٍ رطلُ
أبو نواس:
أيها العاتبُ في الخمرِ متى صرتَ سفيها
لو أطعنا ذا عتابٍ لأطعنا الله فيها
فاصطبحْ كأسَ عقارٍ يا نديمي واسقنيها
إنّي عند ملام الناس فيها أشتهيها
أبو نواس:
وليلةٍ قصّرَ في طولها بالكرْخِ أن مُتعتُ من رؤيته
فتارةً أشربُ من ريقهِ وتارةً أشربُ من فضلته
وكلّما عَضَضَ تُفاحةً قبلّتُ ما يفضلُ من عضَته
حتى إذا ألقى قناعَ الحيا ودار كسرُ النومِ في مقلته
سرتْ حُميّا الكأسِ في رأسهِ ودّبتْ الخمرةُ في وجنته
فصارَ لا يدفعُ عن نفسهِ وكان لا يأذنُ في قبلته
دبَّ لهُ إبليسُ فاقتادهُ والشيخُ نفاعٌ على لعنته
عجبتُ من إبليس في تيههِ وخبثِ ما أظهرَ من نيته
تاهَ على آدم في سجدةٍ وصارَ قواداً لذريته
أبو نواس:
حتى إذا ما الجمالُ تمَّ لهُ والظرفُ،قالا له كذا فكُنِ
نازعتهُ في الزجاجِ مثل دمِ الشا دنِ تنفي طوارقَ الحَزنِ
فدّبت الرّاحُ في مفاصلهِ ورنقتْ فيه فترةُ الوسنِ
قلتُ له والكرى يُغازله: هل لكَ في النوم؟قال:لم يحنِ
يُراقبُ الصبحَ أن يبينَ له فيغتدي سالماً لم ينِ
حتى إذا النعاسُ أقصدَهُ نام،فنلتُ السرورَ من سكني
فلم أقلْ بعدما ظفرتُ به: يا ليتَ ما كانَ لم يكنِ
كأننا والفسوقُ يجمعنا بعد الكرى طائرانِ في غصنِ
لا تطلبنَّ اللذاتِ مُكتتما واغدُ إليها كَخالعِ الرسنِ
أبو نواس:
وأعطيت من أهوى الحديثَ كما بدا وذلّلتُ صعباً كانَ غير ذلولِ
فأصبحتُ ألحى السكر والسكرُ مُحسنٌ ألا رُبَّ إحسان عليكَ ثقيلُ
كفى حَزناً أنّ الجوادَ مقترٌ عليهِ ولا معروفَ عند بخيلِ
أبو نواس:
مالي في الناسِ كلّهم مَثلُ مائي خمرٌ ونقليَ القُبلُ
أبو نواس:
إنّما العيشُ سماعٌ ومُدامٌ ونِدامُ
فإذا فاتكَ هذا فعلى الدنيا السلامُ
أبو نواس:
كان مني على المُدامة ذنبُ فاعفُ عني فأنتَ للعفوِ أهلُ
لا تؤاخذني بما يقولُ على الس كرِ فتى مالهُ على الصحوِ عقلُ
أبو نواس:
ألا فاسقني خمراًن وقلْ ليَ هيَ الخمرُولا تسقني سراً إذا أمكنَ الجهر
فما العيشُ إلا سَكرةٌ بعدَ سكرةٍ فإن طالَ هذا عندَهُ قصُرَ الدهرُ
وما الغَبنُ إلا أن تراني صاحياً وما الغُنمُ إلا أن يتعتقني السكرُ
وبُحْ بإسمِ من تهوى ودعني من الكُنى فلا خيرلاَ في اللذاتِ من دونها سِترُ
ولا خيرَ في فتكٍ بدونِ مجانةٍ ولا في مجونٍ ليسَ يتبعهُ كفرُ
أبو نواس:
مازلتُ أستَلُّ روح الدّنِ في لَطفٍ وأستسقي دمه من جوفِ مجروح
حتى انثنيت ولي روحان في جسدي والدّن منطرح جسماً بلا روحِ
أبو نواس:
وثقت بعفو الله عن كلّ مسلم فلستُ عن الصهباء ما عشتُ مقصرا
أبو نواس:
كمْ مُرفٍ عقلَ الحياءُ لسانَهُ فكلامهُ بالوحي والإيماءِ
لمّا نظرتُ إلى الكرى في عينهِ قد عَقّلَ الجفنينِ بالإغفاءِ
حرّكتهُ بيدي وقلتُ له انتبهْ ياسيّدَ الخُلطاءِ والندماءِ
حتى أُزيحَ الهمُّ عنكَ بِشَربةٍ تسمو بصاحبها إلى العلياءِ
فأجابني والسُّكرُ يخفضُ صوتَهُ والصبحُ يدفعُ في قفا الظلماءِ
إنّي لأفهمُ ما تقولُ وإنّما ردَّ التعافي في سورةُ الصهباءِ
أبو نواس:
غادِ المُدامَ وإن كانت محرمة فللكبائر عند الله غفران
أبو نواس:
غَثثنا بالطلولِ كيفَ بلينا واسقنا نُعطِكَ الثناءَ الثمينا
من سُلافٍ كأنّها كلُّ شىءٍ يتمنى مُخيّرٌ أن يكونا
فغذا ما اجتليتها فهباءٌ يمنعُ الكفَّ ما يُبيحُ العيونا
تُمَّ شُجّتْ فاستضحكت عن لآلٍ لو تجمعّنَّ في يدٍ لا قتنينا
في كؤوسٍ كأنّهنَّ نجومٌ دائراتٌ بُروجها أيدينا
طالعاتٌ مع السُعاةِ علينا فإذا ما غَربنَ يغرُبنَ فينا
أبو نواس:
لي سكرتانِ،وللنُدمانِ واحدةٌ شىءٌ خُصصتُ بهِ من دونهمْ وحدي
أبو نواس:
غدوت وما يُشجي فؤادي خوادش وما وطري إلا الغواية والخمر
مُعتّقةحمراء،وقد تهاجر ونكهتها مسك واطلعتها تبر
أبو نواس:
غادِ المُدامَ وإن كانت مُحرّمةً فللكبائرِ عند الله غفرانُ
ياليلةً طلعتْ بالسعدِ أنجُمها فباتَ يفتكُ بالسكرانِ سكرانُ
بتنا ندينُ لإبليسَ بطاعتهِ حتى نعى الليل بالناقوسِ رهبانُ
فقامَ يسحبُ أذيالاً مُنّعمةً قد مسّها من يدي ظلمٌ وعدوانُ
يقول: يا أسفي، والدمعُ يغلبهُ هتكتَ منّي الذي كانَ يُصانُ
فقلتُ: ليثٌ رأى ظبياً فواثبهُ كذا صروفُ ليالي الدّهرِ ألوانُ
أبو نواس:
هلّا استعنتَ على الهمومِ صفراءَ من حلبِ الكروم
ووهبتَ للعيشِ الحميدِ بقيّةَ العيشِ الذميم
بمجالسٍ فيها المزاهرُ والأوانسُ كالنجوم
بدءُ التحية بينهم نظرُ النديمِ إلى النديم
أبو نواس:
ولستُ بقائلٍ لنديمِ صدقٍ وقد أخذَ النعاسُ بمقلتيه
تناولها،وإلا لم أذقها فيأخذها وقد ثقلتْ عليه
ولكنّي أُديرُ الكأسَ عنهُ وأصرفها بغمزةِ حاجبيه
وأحبسها إلى أن يشتهيها وأخذها برفقٍ من يديه
فهذا ما حييتُ له وإنّي أبرُّ بمثلهِ من والديه
أبو نواس:
فقلتُ والليلُ يجلوه الصباحُ كما يجلو التبسمُ عن غرِّ الثنياتِ
يا أحمد المرتجى في كلِّ نائبةٍ قم سيدي نعصِ جبارَ السموات
وهاكها قهوة صهباء صافيةً منسوبةً لقرى هييتٍ وعاناتِ
أبو نواس:
الوردُ يضحكُ والأوتارُ تصطخبُ والنايُ يندبُ أحياناً وينتحبُ
والقومُ إخوانُ صدقٍ بينهم نسبٌ من المودّةِ ما يرقى له نسبُ
تراضعوا درّةَ الصهباءِ بينهمُ وأوجبوا النديم الكأس ما يَجِبُ
لا يحفظونَ على السكران زلتهُ ولا يريبكَ من أخلاقهم رِيبُ
أبو نواس:
أديرا عليَّ الكأسَ ينقشعُ الغَمُّ ولا تحبسا كأسي، ففي حبسها إثمُ
أبو نواس:
إذا خطرتْ فيكَ الهمومُ فَداوها بكأسكَ حتى لا تكونَ همومُ
أبو نواس:
عصابةُ سوءٍ لا يرى الدّهرُ مثلهم وإن كنتُ منهم لا بريئاً ولا صِفرا
إذا ما دنا وقتُ الصلاةِ رأيتهم يحثّونها،حتى تفوتهم سكرا
أبو نواس:
فما الطيشُ إلا أن تراني صاحياً وما العيشُ إلا أن ألذَّ فأسكرا
أبو نواس:
ولاحٍ لحاني كي يجىءَ ببدعةٍ وتلكَ لَعمري خُطّةٌ لا أطيقها
لحاني كي لا أشربَ الرّاحَ،إنها تُورّثُ وزراً فادحاً من يذوقها
فما زادني اللاحونَ إلا لجاجةً عليها،لأنّي ما حييتُ رفيقُها
أأرفضها،والله لم يرفض اسمها وهذا أميرُ المؤمنين صديقها
فنحنُ،وإن لم نسكن الخلدَ عاجلاً فما خُلدناهُ في الدهر إلا رحيقها
فيا أيها اللاحي اسقني ثم غنّني فإني إلى وقتِ الممات شقيقها
“إذا متُّ فادفني إلى جنبِ كرمةٍ تُرّوي عظامي من بعد موتي عروقها”.
أبو نواس:
فمتّعتُ نفسي،والندامى بشربها فهذاشقاءٌ مرِّ بي ونعيم
لَعمري لئن لم يغفر الله ذنبها فإنّ عذابي في الحسابِ أليمُ
أبو نواس:
يا ليلةً لستُ أنسى طيبها أبداً كأنّ كلّ سرورٍ حاضرٌ فيها
باتت وبتُّ وباتَ الزّق ثالثنا حتى الصباحِ تسقيني وتسقيها
كأنّ سود عناقيدٍ بلمتها أهدت سلافها خمراً إلى فيها
أبو نواس:
قد هجرتُ النديمَ والندمانا وتمتّعتُ ما كفاني زمانا
وأبى لي خليفةُ الله إلا غَرْقَ نفسي فقد غرفَتُ أوانا
ولقد طالَ ما أبيتُ عليه في أمورٍ خلعتُ فيها العنانا
أبو نواس:
ناديتهُ والظلامُ مُنسدلٌ وغُرّةُ الصّبحِ بعدُ لم تبنِ
قُمْ يا خليلي إلى المُدامِ لكي تطردَ عنا عساكر الحزنِ
فلم يُجبني إلا بلجلجلةٍ تكادُ تخفى على الفتى الفطنِ
فلم أزلْ بالرّقى أُعلّلهُ حتى انجلى عنهُ عارضُ الوسنِ
ثمّ تغنّى عليه من طربٍ “ياريحُ ما تصنعين بالدّمن”
أبو نواس:
وغزالٍ زانَ بالقامةِ ردفاً بربريا
قادهُ إبليسُ طوعاً بعدما كان عصيّا
فسقيناهُ على الوردِ شراباً ذهبيا
وكشفنا عن بياضِ الرّ دفِ ثوباً قصبيا
فوجدنا خِلفَهُ دعصاً من الثلجِ نقيّا
فركبناهُ بلا سَرجٍ ركوباً مرزويا
وحمدنا السيرَ لمّا أن رأيناهُ وطيّا
أبو نواس:
جريتُ مع الصّبا طلقَ الجموحِ وهانَ عليّ مأثورُ القبيحِ
وجدتُ ألذَّ عارية الليالي قِرانَ النغمِ بالوترِ الفصيحِ
ألم ترني أبحتُ الرّاحَ عِرضي وعضَّ مراشفِ الظبي المليحِ
لأنّي عالمٌ أن سوفَ تنأى مسافةُ بينَ جثماني وروحي
وأبو نواس:
يا سليمان غَنّني ومن الراحِ فاسقني
عاطني كأسَ سلوةٍ عن أذان المؤذنِ
أسقني الخمرة جهرةً وألطِنّي وأزنني
أبو نواس:
فخذها،إن أردتَ لذيذَ عيشٍ ولا تعدلْ خليليَّ بالمُدام
وإن قالوا حرامٌ؟ قل: حرامٌ! ولكن اللذاذةَ في الحرام
أبو نواس:
واشربِ الخمرَ على تحريمها إنّما دُنياكَ دارٌ فانية.
أبو نواس:
كلانا يدّعي في الخمرِ علماً فدعني لا أقولُ ولا تقولُ
أبو نواس:
لا تخشعنَّ لطارقِ الحدثانِ وادفع همومكَ بالشراب القاني
فإذا الهمومُ تعاورتكَ فسلّها بتالراحِ والريحان والندمان
أبو نواس:
هيَ إذ ما تغلغلت في عروقي عجّلَ الهمُّ عن فؤادي الرحيلا
أبو نواس:”
نجوتُ من اللصِ المُغيرِ بسيفهِ إذا ما رماهُ بالبحار سبيل
وسلّطتُ خماراَ عليَّ بخمرهِ فراحَ بأثوابي ورحتُ أميلُ
أبو نواس:
سقاني كأسهُ شَزراً وولّى وهو غضبانُ
وفي القهوة أشكالٌ من الساقي وألوان
وسكرٌ مثل ما يضحك عنه وهو جذلان
وطعمُ الريقِ إذ جادَ بهِ والصّبُ هيمان
لنا من كفّهِ راحٌ ومن ريّاهُ رَيحانُ
أبو نواس:
تفعلُ في الصدرِ بالهمومِ كما يفعلُ ضوءُ النهارِ بالظُلمِ
أبو نواس:
منع الصومُ العُقارا وزوى اللهو ففارا
وبقينا في سجون الصو مِ للهمِّ أسارى
غير أنا سنداري فيه من ليس يُدارى
اسقني حتى تراني أحسبُ الديك حمارا
أبو نواس:
اسقياني الحرامَ قبلَ الحلال ودعاني من دارسِ الأطلال
إنّما العيشُ في مباكرةِ الخمرِ وسُكرٍ يدوم في كلّ حال
أبو نواس:
نِعمَ سلاحُ الفتى المُدام إذا ساورهُ الهمُّ أم بهِ جمحا
يا صاحِ لا أتركُ المُدامَ ولا أقبلُ في الحبِّ قولَ من نصحا
أبو نواس:
جاءتكَ من بيتِ خمّارٍ بطينتها صفراء مثل شعاع الشمس ترتعد
فلم نزل في صباح السبتِ نأخذها والليلُ أجمعه حتى بدا الأحد
أبو نواس:
مُدامٌ تبدّتْ من مقام مشرف تلوحُ لنا أنوارُها ثم تختفي
ولما شربناها ودبَّ دبيبها إلى موضعِ الأسرارِ قلت لها قِفي
مخافةَ أن يسطو عليَّ شُعاعها فيُطلع جلاسي على سري الخفي
أبو نواس:
لا يصرفنّكَ عن قصفٍ وإصباءِ مجموعُ رأيٍ ولا تشتيتُ أهواء
أبو نواس:
اشربْ،فُديتَ،علانيّة أمُّ التسترِ زانية
اشربْ،فديتُكَ، واسقني حتى أنامَ مكانيه
لا تقنعنَّ بسُكرةٍ حتى تعود بثانية
ودعِ التستر والرياء فما هما من شأنيه
أبو نواس:
لا تبكِ هِنداً ولا تطربْ إلى دعد واشربْ على الوِردِ من حمراءَ كالوردِ
كأساً إذا انحدرتْ في حلقِ شاربها وجدتَ حمرتها في العينِ والخدِّ
فالخمرُ ياقوتةٌ والكأسُ لؤلؤةٌ في كفِّ جاريةٍ ممشوقةِ القدِّ
تُسقيكَ من عينها خمراً ومن يدها خمراً ،فمالكَ من سكرينِ من بُدِّ
لي نشوتان وللندمانِ واحدةٌ شىءٌ خُصصتُ بهِ من بينهم وحدي
أبو نواس:
حلبتُ لأصحابي بها درّة الصّبا بصفراء من ماءِ الكروم شَمول
إذا ما أتت من دونِ اللهاة من الفتى دعا همّهُ من صدرهِ برحيلِ
فلما توفّى الليلُ جُنحاً من الدّجى تصابيتُ واستجملتُ غيرَ جميلِ
وأصبحتُ ألحى السّكرَ والسُكرُ مُحسنٌ ألا رُبَّ إحسانٍ عليكَ ثقيلُ
أبو نواس:
نَبّهْ نديمكَ قدْ نَعسْ بسقيكَ كأساً في الغلسْ
صِرفاً كأنّ شُعاعها في كفِّ شاربها قَبسْ
تذرُ الفتى وكأنّما بلسانهِ منها خرسْ
يُدعى فيرفعُ رأسهُ فإذا استقلَّ به نَكسْ
أبو نواس:
دعْ ذا، عَدمتُكَ،واشربها مُعتّقةً صفراءَ تفرقُ بين الروحِ والجسدِ
رتْ في حلقِ شاربها
أبو نواس:
بكيتُ وما أبكي على دِمنٍ وقفر ومابيَ عشقٌ فأبكي على الهجر
ولكن حديث جاءنا عن نبينا فذاكَ الذي أجرى دموعي على النحر
بتحريمِ شربِ الخمرِ والنهي جاءنا فلما نهى عنها بكيتُ على الخمر
فأشربها صِرفاً وأعلم أنني أُعزّرُ فيها بالثمانين في ظهري
أبو نواس:
استفدْ من رمضان بِسلافاتِ الدّنانِ
واطوِ شوالاً على القص فِ وتغريدِ القيانِ
وليكنْ في كلّ يومٍ لك فيهِ سكرتان
مّن شوالٌ علينا وحقيقٌ بامتنانِ
جاءَ بالقصفِ وبالعز فِ وتخليعِ العِنانِ
أوفقُ الاشهرُ لي أبعدها من رمضان
ابن الرومي:
سأعرِضُ عمّن أعرضَ الدهرُ دونهُ وأشربها صِرفاً وإن لامَ لُوّمُ
فإنّي رأيتُ الكأسَ أكرمَ خُلّةً وفتْ لي ورأسي بالمشيبِ مُعَمّمُ
ابن الرومي:
رأيتُ كلَّ شرابٍ لا مساغَ له غير المُدامةِ إلا عندَ ظمآن
كأسٌ يسوغها الرّيانُ لذّتها إذا تأبّى سواها كلُّ ريّان
يملُّ كلّ شرابٍ من يُعاقرهُ وشاربُ الرّاحِ شغوفٌ بها عاني
كريقةِ المرءِ لا تنّفكُ من فمه وما يَملُّ لها طعماً لإيان
ابن الرومي:
شربتُ الرّاحَ مرتاحاً إليها ولم أجنح إلى حثِّ النديمِ
مشعشعةً حياةُ الروحِ فيها وعنها صحةُ البدنِ السقيمِ
إذا ما الهمُّ أضرمَ فيكَ ناراً فَصُبَّ عليه من ماءِ الكروم
فلا أشفى لدائكَ من شمولٍ ولا أطفى لنيرانِ الهموم
ابن الرومي:
أدرتُ على لهوِ الحديث كؤوسها ونادمتها الخلان بين الخلائل
طلبت بها سلمَ الهمومِ وربما طلبتُ بها جرَّ الذيول الذوائل
ابن الرومي:
وصافيةٍ،ما بها من قذى لها نفحاتٌ تذودُ الشّذا
تُميتُ الهمومَ وتُحي السرورَ وتشفي السّقام وتنفي الأذى
تغادر عينكَ مطروفة وأذنك حمراء فيها خذا
ابن الرومي:
ليسَ كالسُّكرِ دواءٌ لغناءٍ كالدواء
فاسقني عشرينَ رطلاً لا تَشُبهنَّ بماء
فلعل السكر يكفيني أذى هذا العواء
من رأى منتحباً غي ري على سوءِ الغناء
ابن الرومي:
وقهوةٍ رقّتْ عن الهواءِ أدفعُ للداءِ من الدواءِ
عذراءَ لاحت في يدي عذراءِ أحسنُ من تظاهرِ النّعماء
الفرزدق:
مُختّمةٌ من عهدِ كسرى بن هِرمزٍ بكرنا عليها والفراريجُ تنعبُ
سبقتُ بها يوم القيامة إذ دنا وما للصّبا بعد القيامة مطلبُ
عمر الخيام:
قالوا: امتنعْ عن شربِ بنتَ الكروم فإنها تورث نارَ الجحيم
ولذّتي في شربها ساعةً تعدلُ في عيني جنان النعيم
أين النديمُ السمح؟أين الصبوح؟ فقد أمضَّ الهمَّ قلبي الجريح
ثلاثة هنَّ أحبُّ المنى: كأسٌوأنغامٌ ووجهٌ صبيح
دعبل:
شفاءُ ما ليسَ لهُ شفاء عذراءُ تختالُ بها عذراء
حتى إذا ما كُشفَ الغِطاءُ وملكتْ أحلامنا الصهباء
وخطبَ الريحَ إلينا الماء جرى لنا الدّهرُ بما نشاء
عمرو بن كلثوم:
ألا هُبّي بِصحنكِ فأصبحينا ولا تبقي خمورَ الأندرينا
(الصحن: القدح العظيم،الصبح:سقى الصبوح،الأندرين:قرى بالشام)
مُشعشعةً كأنَّ الحُصّ فيها إذا ما الماءُ خالطها سخينا
(مشعشعة: مزجت بالماء،الحص: الورس نبت يشبه الزعفران،سخينا:حاراً)
تجورُ بذي اللُبانةِ عن هواهُ إذا ما ذاقها حتى يلينا
وكأسٍ قد شربتُ ببعَلبَكٍ وأخرى في دمشقَ وقاصرينا
الأعشى:
وكأس شَرِبتُ على لذّةٍ وأخرى تداويتُ منها بها
الأعشى:
لَعمرُكَ إنّ الرّاحَ إن كنتَ سائلاً لمختلفٌ غُديّها وعشائها
لنا من ضُحاها خبثُ نفسٍ وكآبةٍ وذكرى همومٍ ما تغبُّ أذاتها
وعندَ العشي طيبُ نفسٍ ولذّةٍ ومالٌ كثيرٌ غدوةً نشواتها
الناشىء الأكبر:
لئنْ لم أُبادرْ غداً قهوةً تُصَفّقُ بالباردِ السَلسلِ
(قهوة:خمرة مطبوخة بالنار ،تصفق:تمزج بالماء العذب أو البارد)
مُداماً إذا جارَ بي حُكمها ركبتُ على السّننِ الأعدلِ
(المدام: الخمر لأن شربها يتعوده الإنسان،)
إذا ما انتشى الحرُّ من كأسها دعتهُ إلى الخُلق الأفضلِ
المنخل اليشكري:
ولقد شربتُ من المدامة بالصغيرِ وبالكبيرِ
فإذا انتشيتُ فإنني ربٌّ الخَورنقِ والسّدير
وإذت صحوتُ فإنني ربُّ الشُويهةِ والبعيرِ
دجانة ابن عبد قيس التميمي:
إذا شئتما أن تسقياني مُدامة فلا تقتلاها كلّ ميتٍ محرّمُ
خلطنا دماً من كرمةٍ بدمائنا فأثّر في الألأوانِ منّا الدّمَ الدّمُ
ويقظى ثنيتُ النوم فيها بسكرةٍ لصهباء صرعاها من السّكرِ نوّمُ
فمن لا منى في اللهو أو لامَ في النّدى أبا حسنٍ زيدَ الندى فهو ألومُ
أيمن بن خُريم بن فاتك الاسدي:
وصهباءَ جُرجانية لم يَطُفْ بها حَنيفٌ ولم تَنْغر بها ساعةً قِدرُ
(حنيف: مسلم،نغرت القدر:غلت)
ولم يَحضُر القَسُّ المهينمُ نارَها طُروقاً ولم يشهدْ على طبخها حِبرُ
(المهينم:يقرأ بصوت خفي)
أتاني بها يحيى وقد نمتُ نَومة وقد غابتْ الشّعرى وقد جَنحَ النِّسرُ
فقلتُ اغتبقها أو لغيري فاسقها فما أنا بعد الشّيبِ وَيبَكَ والخمرُ
(ويبك: ويلك)
تعففتُ عنها في القصور التي خَلتْ فكيفً التصابي بعدما كلاَ العمرُ
قس بن ساعدة:
خليليَّ هُبّا طالما قد رقدتُما أجدَّكما لا تقضيانِ كَراكما
ألم تعلما أنّي بِسمعانَ مُفردٌ ومالي فيها من خليلٍ سواكما
أقومُ على قبريكما لستُ بارحاً طوالَ الليالي أو يُجيبُ صَداكما
جرى الموتُ مجرى اللحمِ والعظمِ كأنّ الذي يسقي العُقارَ سقاكما
تحمّل من يهمى العقولَ وغادروا أخاً لكمت أشجاهُ ما قد شجاكما
فأيّ أخٍ يجفوا أخاً بعد موتهِ فلستُ الذي من بعدِ موتٍ جفاكما
أصبُّ على قبريكما من مُدامةٍ فإلّا تنالاها تُروِّ جُثاكما
أناديكما كيما تُجيبا وتنطقا وليسَ مُجاباً موتهُ من دعاكما
كأنّكما والموتُ أقربُ غايةٍ بروحي في قبريكما قد أتاكما
قضيتُ بأنّي لا محالة هالكٌ وأنّي سيعروني الذي قد عراكما
فلو جُعلت نفسٌ لنفسٍ وقايةً لَجُدتُّ بنفسي أن تكون فِداكما
أبو جِلدة اليشكري:
أبى لي أن ألحى نديمي إذا انتشى وقالَ كلاماً سيئاً لي على السّكرِ
وقاري وعلمي بالشرابِ وأهلهِ وما نادم القومَ الكِرامَ كذي الحِجرِ
فلستُ بلاحٍ لي نديماً بِزلّةٍ ولا هفوةٍ كانت ونحنُ على الخمرِ
عركتُ بجنبي قول خدْني وصاحبي ونحنُ على صهباءَ طيبةُ النَشرِ
فلما تمادى قلتُ خذها عريقةً فإنّكَ من قومٍ حجا حجة زُهرِ
فما زلتُ أسقيهِ وأشربُ مثلَ ما سقيتُ أخي حتى بدا وضحُ الفجرِ
وأيقنتُ أنّ السُّكرَ طارَ بِلبّهِ فأغرق في شتمي وقال وما يدري
ولاكَ لساناً كان إذ كان صاحياً يُقلبّهُ في كلِّ فنٍ من الشعرِ
لقيط بن زُرارة:
شربتُ الخمرَ حتى خِلتُ أنّي أبو قابوسَ أو عبدُ المدانِ
أُمشيِّ في بني عُدُسِ بن زيد رخيّ البالِ منطلق اللسانِ
عبيد بن الأبرص:
هيَ الخمرُ تكنى الطلا كما الذئبُ يُكنى أبا جَعدةَ
(الذئب وإن كانت كنيته حسنة فإن فعله قبيح،يضرب مثلاً للرجل يُظهر لك إكراماً وهو يريد غائلتك)
مسلم بن الوليد:
ماذا على الدهرِ لو لانت عريكتهُ وردَّ في ال{اسِ مني سكرة الغزلِ
جُرمُ الحوادثِ عندي أنّها اختلت مني بنات غذاء الكرم والكلل
ورُبّ يوم من اللذات محتضرٌ قصرتهُ بلقاءِ الرّاحِ والحُللِ
وليلة خُلست للعين من سِنة هتكتُ فيها الصّبا عن بيضة الحجل
مسلم بن الوليد:
ومتنحةٍ شُرّابها المُلك قهوةٍ يهودية الاصهار مُسلمة البعلِ
بعثنا لها منّا خطيباً لِبُضعها فجاء بها يمشي العِرِضَنة في مهلِ
قد استودعتْ دَنّا لها فهو قائمٌ بها شَغفاً بين الكرومِ على رِجلِ
شققنا لها في الدّنِّ عيناً فأسبلتْ كألسنةِ الحيّاتِ خافت من القتلِ
مسلم بن الوليد(صريع الغواني):
إذا شئتما أن تسقياني مُدامةً فلا تقتُلاها،كلُّ ميتٍ مُحرّمُ
خلطنا دماً من كرمةٍ بدمائنا فأظهر في الألأوانِ منّا الدّمَ الدّمُ
الحسين بن الضحاك:
وقد شربوا حتى كأنَّ رقابهم منَ اللينِ لم تُخلق لهنَّ عظامُ
الحسين بن الضحاك:
ألا يا عمرو هلْ لك في الصَبوح هلّم إلى صفية كلّ روح
فقام على تخاذل مقلتيه وسلسلها كأوداجِ الذبيح
وأتبعَ سكرةً سلفت بأخرى وخلّى الصحوَ للكز الشحيح
إبراهيم نظر إلى الحسن بن وهب وهو مخمور فقال له:
عيناكَ قد حكتا مبي تَكَ كيفَ كنتَ وكيفَ كانا
ولَرّبَّ عينٍ قد أرتكَ مبيتَ صاحبها عِانا
العتابي:
يا ساقياً خُصنّي بما تهواه لا تمزج أقداحي رعاكَ الله
دعها صِرفاً فإنني أمزجها إذ أشربها بذكرِ من أهواهُ
أشجع السّلمي:
لا عيشَ إلا في جنونِ الصّبا فإن تولّى فجنونُ المُدام
كأسٌ إذا ما الشيخُ والى بها خمساً تردّى برداءِ الغلام
ظاهرةُ الحسنِ إذا جُرّدت لطيفةُ المسلكِ بينَ العظام
لم يُشبِ الدَهرُ لها مفرقاً أخرجتها من دَنّها بنتَ عام
كأنّها المِسكُ إذا صُفقت حديثةُ العهدِ بفضِّ الختام
كرخيّةٌ قد ماتَ أترابها كريمةٌ تُوهي بعقلِ الكرامِ
تذكرُ كسرى وهو في مهده وقيصراً من قبلِ حين الفطام
وثّابةٌ في الكأسِ إنصفقت ترمي إذا ما مُزجت بالسهام
السرّي الرّفاء:
نطوي اللياليَ علماً أن ستطوينا فشعشعها بماءِ المزنِ واسقينا
وتوحي بكؤوس الراحِ راحتنا فإنما خُلقت للراحِ أيدينا
ابن هرمه:
تهاني ابنُ الرسول عن المُدامِ وأدّبني بآدابِ الكرامِ
(ابن الرسول: الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم)
وقال لي اصطبرْ عنها ودَعها لخوفِ اللهِ لا خوفِ الأنامِ
وكيفَ تصبّري عنها وحُبّي لها حبٌّ تمكّنَ في عظامي
أرى طيبَ الحلالِ عليَّ خُبثاً وطيبَ النفسِ في خبثِ الحرامِ
ابن دارج القسطلي:
دعيت فأصغ لداعي الطرب وطابَ لكَ الدّهرُ فاشربْ وطبْ
أبو بكر بن عمار الأندلسي:
أدِرْ الزجاجةَ فالنسيمُ قد انبرى والنجمُ قد صرفَ العِنان عن السّرى
والصبحُ قد أهدى لنا كافورَهُ لمّا استردّ الليلُ منّا العنبرا
ابن المعتز:
طافتْ علينا بماءِ المُزنِ والرّاحِ معشوقةً مُزجتْ راحاً بأرواحِ
مخلوقةٌ بنعيمٍ كلّها بِدعٌ كأنّ وجنتها باقاتُ تُفاحِ
ابن المعتز:
فاشرب على زهرِ الرياضِ يشوبهُ زهرُ الخدودِ وزهرةُ الصهباء
من قهوةٍ تُنسي الهمومَ وتبعثُ الشوقَ الذي قد ضلَّ في الأحشاء
ابن زيدون:
نأسى عليكِ إذا حُثّتْ مشعشعةً فينا الشّمولُ ،وغنّانا مُغنينا
لا أكؤسُ الراحِ تُبدي من شمائلنا سيّما ارتياحٍ ولا الأوتارُ تلهينا
ابن زيدون:
وليلٍ أدمنا فيهِ شربُ مُدامةٍ إلى أن بدا للصبحِ في الليلِ تأثيرُ
وجاءت نجومُ الصبحِ تضربُ في الدّجى فولّتِ نجوم الليل والليلُ مقهور
فخذنا من اللذاتِ أطيبَ طيبها ولم يعرنا همٌّ ولا عاقَ تكديرُ
خلا أنّهُ لو طالَ دامتْ مسرتي ولكن ليالي الوصلِ فيهنّ تقصيرُ
أبو بكر محمد بن عبد الملك بن زهر يصف حال جمع من السكارى:
ومُوسَدِينَ على الأكَفِّ خدودُهم قد غالهمْ نومُ الصباحِ وغالني
مازلتُ أسقيهمْ وأشربُ فضلَهمْ حتى سَكرتُ ونالهم ما نالني
والخمرُ تعلمُ كيفَ تأخذُ ثارَها إنّي أمَلتُ إناءَها فأمالني
ابن شهيد:
فلما تملأَ من سُكرهِ ونامَ ونامتْ عيونُ العَسس
دنوتُ إليهِ على بُعدهِ دُنوَ رفيقٍ درى ما التمس
ابن شهيد:
ولَرُبَّ حانٍ قد أدرتُ بدَيرهِ خمرَ الصّبا مُزجت بصفوِ خمورهِ
في فتيةٍ جعلوا الزّقاقَ تِكاءهم متصاغرينَ تخشعاً لكبيرهِ
يُهدي إلينا الرّاحَ كلُّ مُعصفرٍ كالخِشفِ خَفرّهُ التماحُ خفيرهِ
والى عليّ بطرفهِ وبكفّهِ فأمالَ من رأسي لِعبّ كبيرهِ
والقسُّ ممّا شاءَ طولَ مُقامنا يدعو يُعوّذُ حولنا بزبورهِ
وترنّمَ الناقوسُ عند صلاتهم ففتحتُ من عيني لرجعِ هديره
يتناولُ الظرفاءُ فيه وشُربهم لسلافهِ والأكلُ من خنزيره
ابن خفاجة:
وساقٍ كحيلِ اللحظِ في شأو حسنهِ جماح وللصبر الجميل حران
ابن القيسراني:
أرأيتَ ما فعلت بنا الصهباء من حيثُ تسبي العقلَ وهي سباء
جارتْ على الأعطافِ حين جرت لها جرى النسيم غصونه الندماء
نارٌ يزيدُ الماءُ في إيقادها أرأيت ناراً يزدهيها الماء
أبو البقاء الرندي
هاتها بالله في مرضاتها قهوة فيها شفاء الكمد
عصرت باللطف في عصر الصبا فرمت بالمسكِ لا بالزبد
ابن الخياط:
إذا ما ارتاحَ للرّاحِ الندامى وهيّجتْ ابنةُ الكرمِ الكراما
وقامَ يُديرها صهباءَ صرفاً تُميت} الهمَّ أو تُحي الغراما
تُريكَ فمَ النديمِ إذا حساها كأنّ عليه من ذهبٍ لثاما
وطافَ بها أغنُّ يبيتُ صباً محاولهُ ويُصبحُ مستهاما
ترى في قُربهِ منكَ ازوراراً وفي إعراضهِ عنكَ ابتساما
أبو مِحجن الثقفي:
ألا فاسقني يا صاحِ خمراً فإنّني بما أنزلَ الرحمانُ في الخمرِ عالمُ
وجُدْ لي بها صِرفاً لازدادَ مأثماً ففي شربها صرفاً تتمُ المآثمُ
هيَ النار إلا أنني نلتُ لذّةً وقضيتُ أوطاري وإن لامَ لائمُ
أبو محجن الثقفي:
إذا متُّ فادفني إلى أصلِ كرمةٍ تًرّوي عظامي بعد موتي عروقُها
ولا تدفنني في الفلاة فإننّي أخافُ وراءَ الموت أن لا أذوقها
ليُروى بخمرِ الحص لحمي فإنّني أسيرٌ لها من بعد ما قد أسوقها
صفي الدين الحلي:
قالوا خلا الوقت فاشربها على حذر فقلتُ هيهات أمرٌ ليسَ ينكتمُ
كيفَ السبيلُ وكلٌّ حينَ يشربها يجولُ في وجههِ بعدَ الصفار دمُ
صفي الدين الحلّي:
خذْ فرصةَ اللذاتِ قبلَ فواتها وإذا دعتكَ إلى المُدامِ فواتِها
وإذا ذكرت التائبين عن الطلا لا تنسَ حسرتهم على أوقاتها
يرنون بالألحاظِ شزراً كلّما صبغت أشعتها أكفّ سقاتها
كأس كساها النورُ لمّا أن بدا مصباحُ جرم الراح في مشكاتها
صفها إذا جليت بأحسن وصفها كي نشرك الأسماع في لذاتها
لولا التذاذ السامعينَ بذكرها لغنيت عن أسمائها بسماتها
الوليد بن يزيد بن عبد الملك:
اصدعْ نجيَّ الهمومِ بالطربِ وانعمْ على الدهرِ بإبنة العنبِ
من قهوةٍ زانها تقادُمها فهي عجوزٌ تعلو على الحقبِ
أشهى إلى الشَّربِ يوم جلوتها من الفتاة الكريمة النسب
فقد تجلّتْ ورق جوهرها حتى تبدّتْ في منظرٍ عجب
فهي بغير المزاجِ من شرر وهي لدى المزجِ سائل الذهب
كأنها في زجاجها قبسٌ تذكو ضياءً في عينِ مرتقبِ
الوليد بن يزيد:
يا أيّها السائلُ عن ديننا نحنُ على دينِ أبي شاكر
نشربها صِرفاً وممزوجةً بالسخنِ أحياناً وبالفاتر
الوليد بن يزيد:
علّلاني واسقياني من شرابٍ أصبهاني
إنَّ في الكأسِ لَمِسكاً أو بكفّي من سقاني
إنّما الكأسُ ربيعٌ يتعاطى بالبنانِ
وحُميّا الكأسِ دبّت بين رجلي ولساني
عبيد الله بن طاهر:
سقتني في ليلٍ شبيهٍ بشعرها شبيهة خدّيها بغيرِ رقيبِ
فما زلتُ في ليلينِ شعرٌ ومن دُجى وشمسينِ من راحٍ وخدِّ حبيبِ
حسداي بن يوسف الملقب أبو الفضل وهو وزير أندلسي:
كأنّما الرّاحُ والراحاتُ تحملها بُدورُ تِمٍّ وأيدي الشّربِ هالاتُ
حُشاشةٌ ما تركنا الماءَ يقتلها إلا لتحيّ بها منا حُشاشاتُ
قد كان في كأسها من قبلها ثِقلٌ فخفَّ إذ مُلئت منها الزجاجاتُ
أحمد بن الصائغ:
عاطيتُ من أهوى وقد زارني كالبدرِ وافى في ليلةِ البدرِ
خضراء كافوريةً رَنّحت أعطافَهُ من شدّةِ السّكرِ
يفعلُ منها درهمٌ فوقَ ما تفعلُ أرطالٌ من الخمر
عاتبَ أعرابي ابنهُ في شربِ النبيذ فلم يُعتب(أي لم يرجع عن الشراب) وقال:
أمِنْ شَربةٍ من ماءِ كَرمٍ شربتها غضبتَ عليَّ الآنَ طابَ ليَ الخمرُ
سأشربُ فاغضبْ لا رضيتَ،كلاهما إليَّ لذيذٌ:أن أعقَّكَ والسُّكرُ
أحدهم:
ولمّا شربناها ودبَّ دبيبُها إلى موطنِ الاسرارِ قلتُ لها: قِفي
أحدهم:
فإذا المعدة جاشتْ فارمها بالمنجنيقِ
بثلاثٍ من نبيذٍ ليسَ بالحلو الرقيقِ
أ