داء الكوليرا — الدين والأدب
- ١ داء الكوليرا — الطب والتاريخ
- ٢ داء الكوليرا — الدين والأدب
وبعد، فلا يبلغ بكم الجزع،فالخطب إن شاء الله يسير،والسلامة قريبة،والمرض زائل،وما أخشى على مصر المرض ولكن أخشى أن تنقشع السحابة،ويعود الصفاء،فننسى أن في مصر ملايين لم تصل إليهم هذه الحضارة،ولم يستمتعوا بشىء من متعها،ولم يصبهم من خير مصر إلا الأقل،وخيرها يصيب كل أجنبي عن مصر،آكل لخيراتها كاره لها،مزدرد لأهلها،وإن لهؤلاء حقاً صريحاً،حقاً أقرته الأديان والشرائع كلها،والإنسانية،وقواعد العدالة:هو أن يكونوا أصحاء الأجسام،متعلمين مايفهمون به الخير من الشر،واجدين من المال مايشترون به ضروريات الحياة.وننسى أن الله خلق الناس إخواناً،فلم يخلق بعضهم عبيداً لبعض،وأن عمرو بن العاص،أبطل العبودية من مصر وألغى(نظام الطبقات)،وسوّى بين الناس،في العهد الذي نسميه جهلاً وغفلة عهد(القرون الوسطى)،وأنه من العار على الإنسانية وعلى الحضارة،وعلى مصر،أن تعود إليه مصر في(قرن العشرين).“.
أحمد شوقي يتكلم عن الكوليرا التي أصابت مصر عام 1902(نقلاً عن فيض الخاطر أحمد أمين ج10 ص103 ومجلة الرسالة العدد747):
الدهر جاءك باسط الأعذار فأقبل فأمر الدهر للأقدار
هل كنت تدفع حاضراً أو غائباً عن مصر حكم الواحد القهار
ذاقت نواك وروعت بثلاثة بالداء بعد المحل بعد النار
ودهى الرعية ما دهى فتساءلوا في كل ناد أين ربّ الدار
ذكروك والتفتوا لعلك مسعد ذكر الصغير أباه في الأخطار
فأسى جراحهو وبل صداهمو طيب الرسائل منك والأخبار
لهفي على مُهجِ غوالِ غالها خافي الدبيب مُحَجبْ الأظفار
خمسونَ الفاً في المدائن صادهم شِركُ الردى في ليلةٍ ونهارِ
ذهبوا فليت ذهابهم لعظيمة مرموقة في العصر أو افخار
فالموت عند ظلال(موشا) رائع كالموت في ظل القنا الخطار
علي الجارم في وباء الكوليرا الذي داهم مدينة رشيد عام 1895 ميلادي (الديوان ص466):
أيُّ هذا „المكروبُ“مهلاً قليلاً قد تجاوزتَ في سُراكَ السبيلا
لستَ كالواوِ، أنتَ كالمنجلِ الحصَّادِ إن أحسنوا لكَ التمثيلا
(جرثوم الكوليرا يشبه الواو والضمة)
ما غلبتَ النفوسَ بالعزمِ لكن هكذا يغلِبُ الكثيرُ القليلا
رُبَّ طفل تركتَ من غيرِ ثدي يضرب في الأرض ضجة وعويلا
وفتاة طرقتها ليلة العر سِ وقبل الحليل كنت الحليلا
كحلّوا جفنها فكحلَّتَ فيها كل جفن أسى وسُهداً طويلا
أنت في الهندِ في مكانٍ خصيبٍ فلماذا رَضيتَ هذا المُحُولا(الجدب)
أنتَ كالشيبِ إن دَهِمتَ ابنَ أنثى لم تُزايلْ جنبيهِ حتى يزولا
حار „بنشنج“فيكَ يا ابنَ شَعُوبٍ ونقضتَ المُجرَّبَ المعقولا
(اسم مدير صحة، شعوب: المنية)
عقَدَ الأمرَ فابتكرتَ لهُ الحَلَّ وما كان عَقدُهُ محلولا
قام يغزوكَ بين جيشِ القواريرِ فولَّى بجيشهِ مخذولا
وتركتَ الحموضَ تجرَعُها الأ رضُ وجرَّعتنا العذاب َ الوبيلا
„وبموَشى“ أرادَ حَصْرَكَ بالجُنْدِ وهل تَحصُرُ الجنودُ السيولا
(بلدة في أسيوط اول ماظهر فيها )
يا ثقيلَ الظلال آذيت بالما لِ وبالنَّفْسِ فالرحيلَ الرحيلا
من يَبِتْ عِندهُ الهِزْبرُ نزيلاً كان من قِبْلِ زادهِ مأكولا
رُبَّ طفلٍ تركتَ من غيرِ ثديٍ يضرِبُ الأرضَ ضجةً وعويلاً
وفتاةٍ طَرَقتها ليلة العرسِ وقبلَ الحليلِ كنتَ الحليلا
كَحَّلوا جفنها فَكَّحلتَ فيها كُلَّ جفنٍ أسىً وسُهداً طويلا
خَضَّبتها يدُ المواشطِ صُبْحاً فَمحاهُ المُطَهرونَ أصيلا
ما رحمتَ العيونَ تلكَ اللواتي تركتْ كُلَّ عاشقٍ مذهولا
لو رآها جبريلُ_أستغفرُ الله_ لآلَهتْ عن وحيهِ جبريلا
يا قتيلَ“الفينيك“يكفيكَ قتلا كَ فأغمِدْ حُسامكَ المسلولا
(مادة مطهرة)
إنَّ في مِصْرَ غيرَ موتِكَ موتاً تركَ الأروعَ الأغَرَّ ذليلا
فارتَحِلْ بارِدَ الفؤادِ قريراً مُروَّياً من دمِ العبادِ الغليلا
وقال الشيخ محمد رجب البيومي في وباء الكوليرا الذي أصاب الكفر الجديد احدى قرى الدقهلية (مجلة الرسالة احمد حسن الزيات العدد 749):
شبت تحت الضلوع يعصف بالجسم كما يعصف اللظى بالهشيمِ
ذعر الناس فاستهلت دموع كانهمار الغيوث تحت الغيومِ
وأفاق الشعب الجريح كما استيقظ جفن على صراخ أليمِ
زأر الرعب في القلوب فجاش الحزن يغلي بها كغلي الحميمِ
الصبور الشجاع غير صبور والحليم الرزين غير حليمِ
جزعت أنفس وطارت عقول قد دهاها الردى بخطب جسيمِ
سلمت أمرها إلى الله لكن هل يرد القضاء بالتسليمِ
خطر هب يمحق الناس محقاً كرجوم تهوى وراء رجومِ
كلما قد قرأت عنه حديثاً شبّ في أضلعي لهيب الجحيمِ
قيل لي أنت خالك فتطعم أي خير يكون في تطعيمي
أنا أمشي وبين طيات قلبي خيفة منه رعدة المحمومِ
ينفث السم كالافاعي مجداً ويبيد الجسوم تلو الجسومِ
الشديد القوي صريع لديه والسليم الصحيح غير سليمِ
جثث ترتمي كساحة حرب أسفرت عن فناء جيش عظيمِ
جنت الأرض فهي تغفر فاها طمعاً في ابتلاع عظم رميم
أكلت أهلها ولم تبق شيئاً ما صنيعي في الآكِلِ المنهومِ؟
طفت بالريفِ اجتليه صباحاً وهو دنيا لذاذاتي ونعيمي
كان يبدو لناظري وسيماً كيف أضحى الغداة غير وسيم
لا الأزاهير ذات عرف شذى لا النواعير ذات صوت رخيم
لا الغواني الصباح يخطرن في السهل ولا الطير بارع الترنيم
انظر الحقل فالطبيعة فيه كبنى الإنس أسرفت في الوجوم
هي والله ذات فكر حصيف قد هداها فشاركت في الهموم
النخيل الوفي يخفض عطفيه كئيباً كبائس محروم
وعلى القطن غبرة سودته بعدما لاح ساطعاً النجوم
والغراب العجيب يرسل نحوي نظرات كالفيلسوف الحكيم
خطر هدد الجميع فكل صارخ من مصيره المحتوم
إن دها منزلا رأيت ذويه بين فانٍ يمضي وحي سقيم
يهجر الوالد ابنه ثم يعدو خيفة من أذاه عدو الظليم
وحنان الأم الرؤم توارى فهي عند المصاب غير رؤم
ترك الزوج زوجه تتلظى في جحيم يفوق كل جحيم
فر منها وكان يخشى عليها قبل هذا الوباء مر النسيم
فادخل البيت لست تبصر فيه غير أم ثكلى وطفل يتيم
فتح القبر فاطمأنت جنوب غرقت في سكونها المستديم
مرض يملأ الخواطر بالوهم فيالي من خاطري الموهوم
أنا منه مكبل بقيود قذفت بي إلى عذاب أليم
حرموا الماء الفواكه ظلماً من مجيري من ذلك التحريم
قيل لي إن في المياه سموماً فكرهت المياه ذات السموم
وكذاك الفواكه الحلوة الطعم مجال لكل داء وخيم
عجباً أبغض الرحيق المصفى وأعاف الجنان ذات الكروم
قيل لي لا تسر جوار صديق واعتزل في الأنام كل نديم
احذر العدوى أن تصيبك من خل وفيّ أو من عدو خصيم
فاجتنبت الورى وعشت وحيداً وتوغلت في ضلالي القديم
ليت شعري من أصطفيه لنفسي إن تخوفت من صديقي الحميم
عشت حتى غدوت مثل المعري ألزم الدار غارقاً في همومي
يا لحُمّى تفرى لحوم البرايا أو ما أتخمت بتلك اللحوم
مهدها الكنج مذ بدت فلماذا تطعن (النيل) ويحها في الصميم
نزلت في الوادي كشمطاء لاحت لعيون الورى بوجه دميم
وأتتنا مع العدو كما تسعى الأفاعي مع الظلام البهيم
ليتها أهلكته أبشع هلك ورمته بكل داء عقيم
هكذا الإنجليز جرثومة الشر ونار مشبوبة اليحموم
رب من للضعيف هاجمه الخطب وما يستطيع صد الهجوم
يكظم الغيظ في الحياة إلى أن يتلقى الردى بغيظ كظيم
المناحات لا تزال بسمعي كدوي الرعود ذات الهزيم
والثكالى يسرن خلف الثكالى ساهمات وقيت شر السهوم
كلما صاحت الديوك توهمت صداها صراخ عان كليم
ارحم الناس يا إلهي واكشف كل سوء فأنت خير رحيم
أحمد محرم يتكلم عن داء الكوليرا الذي أصاب مصر عام 1902م ( الرسالة العدد747):
ضيف ولكن لا أقول سلام ولربّ ضيف ذمّ منه مقام
ريعت لطلعتك القلوب وهالها هذا التوثب منك والإقدام
تسطو على سرب النفوس وإنما يسطو على سرب الحياة حِمام
وتصول ما يثنيك عن آجالها عذل تؤجج ناره وملام
أو كنت ذا قلب يرق لنادب أمنت بلاءك هذه الأقوام
الله في أرواحها ونفوسها إن كانت التقوى لديك تُرام
أوقدتها حرباً يشبّ ضرامها فمتى يغيث الناس منك سلام
أتظن أن الخوف يملك منطقي؟ نظم القريض إذن علي حرام
أم أنت تطمع أن يدين لحادث قلم تدين لربه الأقلام؟
أسطو عليك به وأعلم أنه قدر تطيش لهوله الأحلام
كف الوعيد فإن أنفاس الفتى معدودة وكذلك الأيام
ولكل نفس مدة محدودة ولكل شيء غاية وتمام
يا ضيفنا المكروه يومك بيننا شهر وشهرك إن تقاصر عام
أنّى حللت من المدائن والقرى حلّ البلاء وزادت الآلام
يا ضيفنا لو لم تكن قذراً لما ضربت على الأقذار منك خيام
إن اغتيالك ذا الخصاصة بيننا عيب يجانبه الكريم وذام
أم الغني تخاف ويحك أم ترى أن الغني من حقه الإعظام
سر أو أقم إن المنون روائح وبواكر ومن المحال دوام
نازك الملائكة والكوليرا:
سكنَ الليلُ
أصغِ إلى وقعِ صدى الأناتْ
في عُمْقِ الظلمةِ،تحتَ الصمتِ، على الأمواتْ
صرخاتٌ تعلو ، تضطربُ
حزنٌ يتدفق ، يلتهبُ
يتعثر فيه َصدى الأهاتْ
في كل فؤادٍ غليانُ
في الكوخِ الساكن أحزانُ
في كل مكان
روحٌ تصرخُ في الظلماتْ
في كل مكان يبكي صوتْ
هذا ما قد مزقّهُ الموت
الموت الموت الموتْ
يا حُزْنَ النيل الصارخِ مما فعلَ الموتْ
طَلعَ الفجرُ
أصغِ إلى وَقْعِ خُطى الماشينْ
في صمتِ الفجر ، أصِخْ، أنظْر ركبَ الباكين
عشرةُ أمواتٍ ، عشرونا
لا تُحصِ أصِخْ للباكينا
اسمعْ صوتَ الطفل المسكين
موتى ، موتى ، ضاعَ العدد ُ
موتى ، موتى ، لم يبقَ غدُ
في كلِ مكانٍ جَسَدٌ يندبُه محزونْ
لا لحظةَ إخلادٍ لا صمتْ
هذا ما فعلتْ كفُّ الموتْ
الموتُ الموتُ الموتْ
تشكو البشرية تشكو ما يرتكب ُ الموتْ
الكوليرا
في كهفِ الرُّعب مع الأشلاءْ
في صمت الأبدِ القاسي حيثُ الموتُ دواءُ
استيقظ داءُ الكوليرا
حقداً يتدفقُ موتوراً
هبطَ الوادي المرحَ الوضَّاءْ
يصرخُ مضطرباً مجنوناً
لا يسمعُ صوتَ الباكينا
في كل مكانٍ خلَّفَ مخلبُهُ أصداءْ
في كوخِ الفلاحة في البيتْ
لاشئَ سوى صرخات الموتْ
الموت الموت الموتْ
في شخصِ الكوليرا القاسي ينتقمُ الموتْ
الصمتُ مريرْ
لاشئَ سوى رجْع التكبيرْ
حتى حفَّارُ القبر ثوى لم يبقَ نصيرْ
الجامعُ ماتَ مؤذُنهُ
الميتُ من سيؤبنهُ
لم يبقَ سوى نوحٍ وزفيرْ
الطفلُ بلا أمٍّ وأبِ
يبكي من قلبٍ ملتهبِ
وغداً لا شكَّ سيلقفهُ الداءُ الشّريرْ
يا شبحَ الهيضة ما أبقيتْ
لا شئ سوى أحزانِ الموتْ
الموتُ ، الموتُ، الموت
يا مصرُ شعوري مزقَّهُ ما فعلَ الموتْ
الشيخ محمد عاقل يصف الكوليرا(الهواء الأصفر) نقلاً عن الآداب العربية في القرن التاسع عشر لويس شيخو ص88:
دهانا بوادي النيل كالسَّيل حادثٌ له تذهَلُ الألبابُ حين يحيفُ
دعوهُ بريحٍ أصفرٍ شاعَ ذكرهُ وما هو إلا هيضةٌ ونزيفُ
بهِ احتارت الأفكار والعقل والنهى وكلُّ طبيبٍ شانه ُ العلمُ موصوفُ
فلم يُبقِ داراً لم يَزُرها ولم يَذرْ جناناً بهِ ركبُ السروريطوفُ
ثكلنا رجالاً للزمانِ نَعُدُّهم طروساً وهم للمعضلاتِ سيوفُ
تراهم ليومِ اليأسِ والبأسِ عُدَّةً وجاههمُ للقاصدينَ منيفُ
وكم فيهمُ من أهلِ ذوقٍ وفِطنةٍ وفيهم لطيفٌ ألمعي وظريفُ
لقد أقشبت أقطارُ مصرٍ لفقدهم وكان بهم روح الكمال قطيفُ
نأووا وأقاموا بارح الحزن في الحشا فليسَ بديلاً تالدٌ وطريفُ
فَشَّيعهم عقلي وفكري وفطنتي ولم يبقَ من لُبّي لديَّ طفيفُ
وناقَصَ أمثالي صحيحٌ مضاعفٌ ومهموز حزني أجوفٌ ولفيفُ
د. لويس صابونجي(_1843_1928_) من شعراء سوريا يقول بعد أن خرج من قريته التي انتشر فيها „الهواء الأصفر“ نقلاً عن الأدب العربي المعاصر سامي الكيالي ص77-78:
خُلقت بأرضٍ قد تَجَلَّت ببهجة سقاها إلهي من فرات ودجلة
بلاد ثواها „أدم“ بعد جنة إليها انتمى الأبطال في كل حقبة
ولدت بها فوراً على غير موعد غداة أتاها والدي لنزهة
بشهر فشا فيها الوباء مؤلفاً وشاع انتشاراً في بلاد الجزيرة