الدكتور موفق قويدر · نظرات في الطبِّ والأدبِ والإسلام

داء الطاعون — الأدب والفقه والخاتام

داء الطاعون (الموت الأسود)

وقال تعالى:{ألم تر إلى الذين خرجوا وهم ألوف حذر الموت} „[البقرة 144] . جاء في التفسير : هم قوم من بني اسرائيل وقع الطاعون ببلادهم ففروا .

ولقد استمر الطاعون بالظهور من حين لآخر وكان كما ذكرنا حدث بشكل وباء عالمي في القرن الرابع عشر الميلادي حيث قضى في اوروبا على اكثر من 25 مليونا وهم ربع سكان اوروبا أنذاك  بحيث أطلق عليه اسم الموت الاسود  لانه قلما ينجو منه أحد ،ولان القروح التي كانت تظهر على الجلد كانت سوداء وما حولها أحمر داكن .

ولعل المدينة الوحيدة التي لم يصبها الطاعون خلال القرون والأحقاب البعيدة هي المدينة المنورة وجاء في الحديث الشريف“أن الطاعون لايدخل المدينة „ [رواه البخاري] .

أما بالنسبة للمسلمين فإن الاصابة بالطاعون والموت فيه يعتبر شهادة ،وهذا تكريم من الله عز وجل للإنسان المسلم ،عن عائشة رضي الله عنها قالت : يارسول الله فما الطاعون ؟ قال : غدّة كغدّة الإبل  المقيم فيها  كالشهيد والفار منها كالفار من الزحف . [أخرجه أحمد ]. وفي الحديث الشريف “ المطعون شهيد والمبطون شهيد “ [أخرجه البخاري] .انتهى كلام الدكتور نسيمي .

وجاء أيضاً عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون، فأخبرها أنه كان عذاباً يبعثه الله تعالى على من يشاء ،فجعله الله تعالى رحمةً للمؤمنين ،فليس من عبدٍ يقع في الطاعون فيمكث في بلده صابراً محتسباً ،يعلمُ أنه لا يصيبهُ إلا ما كتب الله له إلا كان له مثلُ أجر الشهيد [رواه البخاري] .

وجاء في صحيح مسلم  عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:“ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله ،من قتل في سبيل الله فهو شهيد ، قال: إن شهداء أمتي إذا لقليل قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال : من قُتل في سبيل الله فهو شهيد ،ومن مات في سبيل الله فهو شهيد ، ومن مات في الطاعون فهو شهيد ، ومن مات في البطن فهو شهيد ، والغريق شهيد“. ومنها : الموت بسبب الهدم ، لما رواه البخاري ومسلم عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“الشهداء خمسة:المطعون،والمبطون ، والغرق ، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله“

من الناحية التاريخية:

في عهد بيركليس الذي حكم أثينا بين عامي 462-429 ق.م، كان عهدا ديمقراطيا ولكن شاع الانحلال الخلقي وفوضى العلاقات الجنسية ،وأصبحت أموراً معترفاً بها تمارس بلا حياء ولاوازع، ففسدت الأخلاق،وسلط الله عليهم الطاعون سنة 429 ق.م فهلك به ما لايقل عن ربع السكان ،وكان أولاد بيركليس أول من هلك بذلك الطاعون ،ثم هلك هو نفسه به في السنة التالية .

في احد مقالات أنيس منصور:

في سنة 1348 عندما انتشر الطاعون الاسود في الهند وقتل منهم الملايين ، أيقن أهل الهند أنه غضب السماء عليهم لأنهم لا يؤمنون بالمسيحية ,فقرر ملوك الهند أن يذهبوا للقاء البابا في مدينة افنيون .. وان يعتنقوا المسيحية. ولكنهم في الطريق علموا ان الطاعون قد أهلك المسيحيين أيضا .. أهلك 25 مليونا هم بالضبط ربع سكان أوروبا . فعاد الملك والامراء والنبلاء إلى بلادهم . لأن الغضب عام قد شمل البوذي والمسيحي..وعندما انتقل الطاعون الى انجلترا شعر الاسكتلنديون بالسعادة فالطاعون عقاب يستحقه الانجليز  وفكروا في غزو انجلترا ولكن الطاعون أصابهم أيضاً . وفكر الانجليز في غزو اسكتلندا .وفي ذلك الوقت أصدر البابا مرسوما بأن يذهب الناس الى الكنائس ليعترفوا قبل أن يموتوا . فإذا اعترفوا فالبابا قد غفر لهم ماتقدم من ذنبهم وما تأخر.. فاذا ماتوا فالجنة مثواهم . فقد منحهم البابا صك الغفران .

طاعون الجارف:سمي بالجارف : لانه يجترف الناس ويذهب بهم ،مات فيه أبو الأسود الدؤلي سنة 76هجري(_معجم الادباء ياقوت الحموي ج3 ص436)

جاء في ثمار القلوب للثعالبي ص547 تحت عنوان طواعين الشام :

ذكر أبو الحسن المدائني عن أشياخه ،عن الحجاج أنه كان يقول : لما نزلت الأشياء منازلها قالت الطاعة : أنا أنزل الشام، فقال الطاعون: وأنا معك ، وقال الخصب : أنا أنزل العراق، فقال النفاق: وأنا معك ، وقالت الصحة: أنا أنزل البادية ، فقال الشقاق: وأنا معك . ولم تزل الشام كثيرة الطواعين حتى صارت تواريخ . وكانت تظهر بالشام ثم تمتد الى العراق، وأول طاعون وقع في الشام في الاسلام طاعون عَمَواس: وذلك في زمن عمر بن الخطاب ، وفيه مات معاذ بن جبل وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهما ، ثم طاعون الجارف، ثم طاعون العذارى ، ثم طاعون الأشراف، ولم يقع بالمدينة ولا مكة قط . ولما ولى بنو العباس انقطع الطاعون الى أيام المقتدر . وقال بعض بني المغيرة فيمن مات منهم في طواعين الشام أيام ذلك :

من ينزلِ الشامَ ويُعْرِسْ به                      فالشام إن لم يُفننا كاربُ

أفنى بني رَيْطَةَ فرسانهمْ                       عشرين لم يُقصصْ لهم شاربُ

ومن بني أعمامهم مثلَهم                         لمثلِ هذا يَعجب العاجبُ

طعنُ وطاعونٌ مناياهم                          ذلكَ ما خَطَّ لنا الكاتبُ

ولما قدم عبد الله بن حسن على عمر بن عبد العزيز كره مكانه بالشام وعرف سنّه وسَمته وعقله ولسانه وفضله فلم يكن شئ أحب إليه من ان لا يراه أحدٌ من أهل الشام ، فقال: إني أخاف عليك طواعين الشام ، وإنك لم تُغنِمْ أهلك خيراً منك فالحق بهم فان حوائجك ستتبعك . فكان ظاهر كلامه حَسَناً مذكوراً وباطنه أجود التدبير في تسريحه تسريحا جميلا

طاعون عمواس: في العام الثامن عشر من الهجرة رُوِعَ الشام بوباء مهلك عرف بطاعون عمواس أفنى أعداداً هائلة من المسلمين ، ومكث عدة أشهر ، ومات فيه نحو خمسة وعشرين ألفاً من المسلمين . وقد بدأ الوباء من عمواس ثم انتشر حتى عمَّ الشام كلها .

يقول الأستاذ أحمد أمين رحمه الله(مجلة الثقافة ـ العدد 459 عام 1947م):

„عمواس بلدة تقع مابين القدس والرملة،وكان أول بلادة ظهر فيها الطاعون ،ولا يبعد أن يكون قد وفد على البلاد من الهند ،لأنها مصدر الطاعون من قديم،وكانت التجارة بين بلاد العرب والهند متصلة من عهد بعيد.

وكان هذا الطاعون جارفاً،حصد بلاد الشام حصداً،وفزع الناس منه فزعاً شديداً،ولم يكن عُرف سبب المرض،حتى ولا عرف اسم „المكروب“وبالضرورة لم تعرف طرق الوقاية منه،فكان المرض يرعى الناس ولا عمل لهم إلا انتظار ما يأتي به القدر،ومكث أشهراً لا يدري الناس ماذا يصنعون،وكان في كثير من الحالات خطيراًنلا يلبث الرجل أن يشعر به حتى يخرّ صريعاً،وعبروا إذ ذاك تعبيراً أدبياً قوياً فقالوا:“قد اشتعل الوجع“،وهو تعبير يدل على أنهم تصوروه كالنار ترعى الهشيم،ومات به خمسة وعشرون ألفاً أو ثلاثون،ولم يفرق بين الخاصة والعامة،فمات به أبو عبيدة ابن الجراح،ومعاذ بن جبل،ويزيد بن أبي سفيان،والحارث بن هشام،وكلهم من سادة الناس.

وتسرب الطاعون إلى العراق،فأفنى في البصرة ما لا يحصى.

وحار الناس في أمره،وزاد في حيرتهم أنهم لا يعرفون سببه معرفتنا اليوم به،ولا يعرفون دواءه كما نعلم اليوم،وشغل الأمر عقول المسئولين.ما العلاج؟فاهتدى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يعالجه بإخراج الناس حيث الهواء الطلق والجو الفسيح.ولا شك أن هذا بعض العلاج الصحيح،فتزاحم الناس في جو فاسد أسرع إلى الفتك،وأكثر في إحداث العدوى.فكتب عمر الفاروق إلى أبي عبيدة بن الجراح:“إنك أنزلت الناس في أرض عميقة،فارفعهم إلى أرض مرتفعة نزهة“،وقريب من هذا ما فكر فيه عكرو بن العاص رضي الله عنه لما تولى إمارة الجيش بعد أن أصيب بالطاعون أبو عبيدة ومعاذ بن جبل فقد خطب الناس فقال:“أيها الناس إن هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتعا اشتعال النار فتحيلوا منه في الجبال“.

وظهرت مشكلة لا تزال في الناس إلى اليوم:إن كل شىء بقضاء وقدر كما يقول الدين،فمن مات مات بأجله،ومن عاش عاش بأجله،فما موقف الإنسان المتدين إزاء الطاعون ونحوه من سائر الأمراض؟

فأما الخاصة ومن فقهوا فقه الدين،فقد رأوا أن الإيمان بالقضاء والقدر لا يمنع من الإيمان أيضاً بالسبب والمسبب،فمن يزرع لا بد أن يبذر ولا بد أن يسقى،وإلا ماكان زرع،وكذك من جاع أكل،ومن عطش شرب،ومن أراد الحرب فلا بد أن يعد عدتها{وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة}وقد اعترف الرسول صلى الله عليه وسلم بالعدوى وأوجب التوقي منها.

طاعون الفتيات:

ذكر عبد الله ابن مسلم ابن قتيبة في كتاب المعارف (تحقيق د. ثروت عكاشة دار المعارف بالقاهرة 1981 ص601 ):“ جملة من الاوبئة التي فتكت بالناس في عدة حواضر عربية ومنها وباء سماه بطاعون الفتيات وكان يقال له ايضا طاعون الاشراف ، وقد بدأ هذا الوباء كما قال ابن قتيبة في العذارى والجواري بالبصرة وبواسط وبالشام والكوفة في ولاية عبد الملك بن مروان ، ومما يلفت النظر كما يقول الاستاذ محمد العربي الخطابي_(جريدة الشرق الاوسط في 22 حزيران عام 1987_) انه لم يكن من صنف الطاعون المعروف لكونه اول مايضرب الفقراء وسكان الاحياء الشعبية التي تقل فيها التغذية وتقل وسائط النظافة وتكثر الازبال فتجد الفئران الناقلة للجرثوم مرتعا خصبا ، حيث انتشر الطاعون هنا بين العذارى والجواري واول مافتك بسراة القوم واغنيائهم

وجاء في ثمار القلوب للثعالبي ص68:“

العرب تسمي الطاعون „رماح الجن“ وجاء في الحديث الشريف :“إنه وخز أعدائكم من الجن“. ولما كان طاعون عَمواس  قام عمرو بن العاص  في الناس خطيباً فقال : يا أيها الناس ، إن هذا الطاعون قد ظهر ، وإنما هو وخز من الشياطين ، ففروا منه في الشعاب ، وبلغ ذلك معاذ بن جبل ، فأنكر عليه هذا القول ، ثم لم يلبث أن مات فيه .

قال الجاحظ :وقد كانت الطواعين تقع كثيراً فتصير تواريخ ، كطاعون عَمواس ، وطاعون العذارى ، وطاعون الأشراف  وغيرها ، ولما ملك بنو العباس رفع الله ببركتهم الطواعين  والموتان(موت يقع في الماشية)الجارف عن بني آدم ، فانها كانت تحصد فيهم حصداً ، وفي ذلك يقول العُماني للرشيد:

قد أذهب الله رماح الجنِّ                                 وأذهبَ التعليق والتجني

وقال المنصور يوماً لأبي بكر بن عياش: من بركتنا أن رفع عنكم الطاعون . فقال : لم يكن الله ليجمعكم علينا والطاعون . قال الصولي: لما كانت سنة أربع وعشرين وثلاثمائة وقع طاعون عظيم في بغداد وما جاورها

يذكر ابن إياس انه في زمن المماليك حدثت الطواعين في السنوات التالية وسببت المجاعات 0نقلا عن كتاب مطالعات في الشعر المملوكي العثماني-بكري شيخ أمين-ص46:

671ه(1272م)،749(1348م)، 791/1388م، 807/1404م،813/1410م،819/1416،821/1418م، 823/1420م،841/1437م،849/1445م،853/1449م،864/1459م،873/1468م،881/1476م،797/1491م،902/1496م،909/1503م،912/1506م،919/1512/ .

ويقول أن أشهرها التي حدثت سنة 695هجري والموافق 1295 م  حين شح ماء النيل  ونقص نقصاً كبيرا ، فجفت الابار ، وحدثت المجاعة ، ثم اشتدت الازمة  فأكل الناس الميتة من الكلاب والمواشي وبني أدم ، واكلت النساء اولادهن الموتى ، وكان الناس يبيعون اولادهم لشراء القوت ، وانتشر الوباء فكثر عدد الموتى وازداد بشكل مروع لم يسبق له مثيل ، حتى كان على ما ذكره المقريزي يخرج من كل باب من أبواب القاهرة في كل يوم ما يزيد على سبعمائمة ميت ، وظهرت مجاعة أخرى عام 749هجري /1348م ورافقها الطاعون ، فبلغ عدد الموتى في القاهرة في شهرين تسعمائة ألف

من الناحية الأدبية :

جاء في كتاب تراث الانسانية( ج4 ص514):

„وفي كتاب المقريزي المسمى إغاثة الأمة بكشف الغمّة، يتناول فيه الكاتب تاريخ المجاعات التي نزلت بمصر منذ أقدم العصور الى زمنه، وأدى به البحث _كما يقول الدكتور محمد مصطفى زيادة _ الى أن من أسباب ما ينزل بالناس من مجاعات وطواعين وأغلية ، إنما هو سوء تدبير الملوك والحكام وغفلتهم عن النظر في مصالح العباد ، لا نقص النيل او قلة المطر ، ولا غضب الله على أهل مصر خاصة ، وهو تخريج اقتصادي سليم لم يسبق اليه أحد من المؤلفين في الشرق الاسلامي او الغرب المسيحي قبل المقريزي .

وجاء في كتاب الأمثال للعسكري (ج1 ص102) :

“ يقولون : أَغُدَّةٌ كَغُدَّةِ البعير وموتٌ في بيتِ سَلُولية ؟ يضرب مثلاًلاجتماع نوعين من الشر . والمثل لعامر بن الطفيل . وقد وفد على النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أرْبَد أخو لبيد ، فقال : أُسْلِمُ على أن يكون  لك المَدر ولي الوَبر ، وأن تجعل لي الأمرَ بعدك . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا ، ولا وَبَرَه . فخرج وقال : لأملانها عليك خَيلاً جُرْداً ، ورجالاً مُرْداً. فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عليهما ، فأخذت أربد صاعقةُ فمات ، وضربت عامراً الغُدّة _(وهي طاعون الإبل)_فمال إلى بيت سلولية ، وجعل يقول: أَغُدّة كغدة البعير وموت في بيت سلولية . وسلال من أَّذّلِ العرب ، والمعنى أنه جمع له ضربان من الذّلة . وقال الشاعر يذكر ذِلّة سَلول :

إلى الله أشكو أنني بِتُّ طاهراً            فجاء سَلولي فبالَ على رِجلي

فقلتُ اقطعوها باركَ الله فيكمُ             فإني كريمٌ غيرُ مُدْخلها رحلي

جاء في عيون الأخبار لابن قتيبة (_كتاب الطبائع_ص75):

“ والعرب تعرف البعير المُغّدِ(اصيب بالغدة وهي طاعون الإبل) بسقوط الذباب عليه ، ويقولون : بعيرمذبوب، اذا عرضَ له داء يدعو الذباب الى السقوط عليه .

وجاء في عيون الاخبار كتاب الحرب باب الأمصار :

“ والناس يقولون : حمى خيبر وطحال البحرين ، ودماميل الجزيرة، وطواعين الشام . قال ابن عياش لأبي بكر الهَذَلي يوم فاخره عند أبي العباس: إنما مثل الكوفة مثل اللّهاة من البدن ، يأتيها الماء ببرده وعذوبته ، والبصرة بمنزلة المثانة يأتيها الماء بعد تغيره وفساده .

وجاء في المنتخب لابن حجر( نقلا عن نوادر الشوارد ص278 ):

„الطاعون : هو قروح تخرج في الجسد ,فيكون في المرافق والآباط والأيدي والأصابع  وسائر البدن ، ويكون معه ورم وألم شديد ، وتخرج تلك القروح مع لهيب ويسّود ما حواليه أو يحمَّر حمرة بنفسجية كدرة ، ويحصل معه خفقان القلب والقئ . واما الوباء فالصحيح الذي قاله المحققون أنه مرض الكثيرين من الناس في جهة من الأرض دون سائر الجهات ، ويكون مخالفاً للمعتاد من أمراض في الكثرة وغبرها ، ويكون مرضهم نوعاً واحداً بخلاف سائر الىفات . قالوا : وكل طاعون وباء ، وليس كل وباء طاعون .

قال المدائني _نقلا عن البصائر والذخائر (ج2 ص174 مقطع 557_):

„وقع الطاعون بالكوفة ، فخرج الناس وتفرقوا في النَّجف ، وكان لشريح القاضي صديقٌ خرج فيمن خرج، فكتب اليه شريح : أما بعد ، فانك بالمكان الذي انت فيه بعين من لا يحجزه هرب ولا يفوته طلب ، وإنّ المكان الذي خلّفته لا يُعجلُ أحداً الى حِمامه ، ولا يظلمه شيئاً من أيامه ، وانا وإياكم لعلى بساطٍ واحد، وإن النجف من ذي قدرةٍ لقريب .

جاء في العقد الفريد (ج3 ص127):

„لما وقع الطاعون الجارف أطاف الناس بالحسين ، فقال : ما أحسن ما صنع بكم ربكم : أقلعَ مذنب وأنفق ممسك “

العتبي يرثي ابناؤه الستة الذين ماتوا بالطاعون الذي اجتاح البصرة:

وكنتُ أبا سِتةٍ كالبدورِ                           قد فقئوا أعينَ الحاسدينا

فَمرُّوا على حادثات الزمانِ                      كَمرِّ الدراهمِ بالناقدينا

وحَسبُكَ من حادثٍ بامرئٍ                       يرى حاسديهِ لهُ راحمينا

جاء في اختيارات الأغاني (ج4 ص79):

„قال المدائني : وقع الطاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان ، فخرج هارباً منه فنزل بقرية من الصعيد يقال لها (سُكَر) ، فقدم عليه حين نزلها رسول لعبد الملك ، فقال له عبد العزيز : ما اسمك . فقال : طالب بن مُدرِك. فقال : أوه ، ما أراني راجعاًالى الفسطاط أبداً . ومات في تلك القرية  فقال نصيب الشاعر الأموي:

أصبتُ يومَ الصّعيد من سُكَرٍ                           مصيبةٌ ليس لي بها قِبَلُ

تاللهِ أنسى مصيبتي أبداً                                ما أسمعتني حَنينها الإبلُ

ولا التبكيِّ عليه أُعوِلهُ                                 كُلُّ المصيباتِ بعدهُ جَلَلُ

(اعول : رفع صوته بالبكاء)

لم يعلم النعّشُ ما عليه من                           العُرفِ ولا الحاملون ما حملوا

حتى أجنُّوه في ضريحهُمُ                            حين انتهى من خليلك الأملُ  (اجنوه: واروه)

جاء في اختيارات الأغاني : أبو ذؤيب الهذلي يرثي ابناءه الخمسة الذين هلكوا بالطاعون في عام واحد

ولقد حرصتُ بأن أدافع عنهمُ                       فإذا المنيّة أقبلت لا تُدفع

جاء في البصائر والذخائر ج2 ص201 مقطع 730:“هرب الربيع بن العلاء التيمي من الطاعون ، وهو أبو اثني عشر ولداً فماتوا جميعاً فقال يرثيهم :

دفنتُ الدافعينَ الضَّيمَ عني                          برابيةٍ مُجاورةٍ سناما (اسم جبل)

أقولُ إذا ذكرتهُهُمُ جميعاً                            بنفسي تلك أصداءً وهاما

فلم أرَ مثلهم هلكوا جميعاً                          ولم أر مثلَ هذا العامِ عاما

وجاء في العقد الفريد (ج3 ص191 ): خرج أعرابي هارباً من الطاعون ، فبينما هو سائر إذ لدغته أفعى فمات ، فقال أبوه يرثيه:

طافَ يبغي نجوةً                                    من هلاكٍ فهلكْ

ليتَ شعري ضَلَّةً                                    أي شئٍ قتلكْ

أجحافَ سائلٌ                                        من جبالٍ حَملك

والمنايا رَصَدٌ                                       للفتى حيث سلك

كلُّ شئٍ قاتلٌ                                       حين تلقى أجلكْ

شبل بن معبد البجلي:

متى العهدُ بالأهلِ الذين تركتُهم                لهم في فؤادي بالعراقِ نصيبُ

فما تركَ الطاعونُ من ذي قرابة              إليه إذا حانَ الإيابُ نؤوبُ

فقد أصبحوا لا دارُهُم منك غربة              بعيدٌ ، ولا هم في الحياةِ قريبُ

وكنت تُرَّجي أن تئوبَ إليهمُ                  فعالتُهُمُ من دون ذاك شَعوبُ

مقاديرُ لا يُغفِلْنَ من حانَ يومهُ              وفي الحيّ من أنفاسهنَّ ذنوبُ

وإنَّا وإياَّهم كواردٍ منهلٍ                    على حوضهِ بالبالياتِ نهيبُ

ابن الرومي يهجو ثقيلا:

رجل وجهه كضرع المِردِّ                   حاش لله،  أو كسَحْر المُغِدِّ

(ضرع الناقة اذا تورّم ، المغد :داء الغددالخنازيري)

ابن الرومي:

حتى إذا ما رُزِئنا صاح صائِحهُ               ليس الخلود لذي نفسٍ بمضمونِ

هذا وإن عفَّ فالأدواءُ مُعرِضةٌ              من بين حُمّى وبلسامِ وطاعونِ

(البلسام: البرسام:التهاب في الحجاب بين الكبد والقلب)

الأخطل :

فإن تكُ  زِقَّ  زامِلةٍ فإني                   أنا الطاعون ليس له دواء

(زق:وعاء جلد يحمل فيه الماء، زاملة : دابة)

عصام العطار:

يا للطغاةِ وما أشقى الأنام بهم             عاثوا قوارين أو عاثوا فراعينا

أين الطواعينُ منهم في إبادتهم           لِلخَلْقِ قد ظلمَ الناسُ الطواعينا

أحدهم:

يا أيها الطاعون حُلَّ بنا                    وبمثلِ وجهكَ تكشفُ الغَممُ

أحدهم:

لَعمرُكَ ما خشيتُ على عَديٍّ              سيوفَ بني مقيّدةِ الحمارِ

ولكنّي خشيتُ على عديٍّ                 رماحَ الجنِّ أو إيّاكَ جارِ

(أمالي ابن الشجري ـ ج2 ص303ـ رماح الجن:الطاعون).

وجاء في أحد أعداد مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق عن وصف صلاح الدين الصفدي للطاعون الذي أصاب دمشق،حيث قال في مجموعته الجزء السابع والعشرين:

„لقد عمَّ الداء سنة تسع وأربعين وسبعمائة وكان منتشراً وخاصة في غزة:

قد قلت للطاعون وهو بغزة               قد جال من قطيا إلى بيروت

أخليت أرض الشام من سكانها         وحكمت يا طاعون بالطاغوت

وقد أفرط الطاعون بدمشق وقتل خلقاً كثيراً بالحبّة التي اشتهر أمرها:

أسفي على أكنافِ جِلّق إذ غدا ال      طاعون فيها ذا زنادٍ وارِ

الموت أرخص ما يكون بحبةٍ              والظلم زاد فصار بالقنطار

وقلت أيضاً:

رعى الرحمن عصراً قد تولى             يجازي بالسلامة كل شرطِ

وكان الناس في غفلات أمرٍ              فجا طاعونهم من تحت إبطِ

وقلت وقد كان يقتل بطلوع بثرة خلف الأذن:

تعجبت من طاعون جِلّق إذ غدا        وما فاتت الآذان وقعة طعنه

فكم مؤمن تلقاهُ أذعن طائعاً          على أنه قد مات من خلف أذنه

وقلت وقد كان يقتل بطلوع خيارة في الإربية:

ثلّ هذا الطاعون عرش دمشق         بقضاءٍ من ربنا سبحانه

فلكم مات بالخيارة شخص               كان يبدو كأنه ريحانه

وقلت وقد كان يقتل بأن يبصق الإنسان دماً:

يا رحمتا لدمشق من طاعونها          فالكل مغتبق به أو مصطبح

كم هالكٍ نفث الدما من حلقه             أو ما تراه بغير سكين ذبح