داء الطاعون — الطب والحديث النبوي
- ١ داء الطاعون — الطب والحديث النبوي
- ٢ داء الطاعون — الأدب والفقه والخاتام
بسم الله الرحمن الرحيم
داء الطاعون (الموت الأسود)
من الناحية الطبِّية :
إنتان حاد أو مزمن عند الحيوانات ،يُصيب الإنسان بشكله الحاد،ويمتاز بالبدء المفاجئ والحُمّى المرتفعة،والضخامات العقدية اللمفية وتجرثم الدم . العامل المسبب الباستوريللا الطاعونية ،وهي عُصّيات سلبية الغرام هوائية غير متحركة .وتسمى عصيات يرسين نسبة إلى العالم الفرنسي السويسري الذي اكتشفها وهو الكسندر يرسين.
توجد جراثيم المرض في القوارض وخاصة الجرذان وينقلها للانسان القمل والقراد والبراغيث، حيث يتم نقلها للإنسان من جراء لدغ الإنسان،ومن ثم تنتقل جراثيم المرض الى العُقد اللمفّية وتُسبب الدُّبل (أي ضخامة العقد اللمفية ).
من الناحية السريرية : البدء مفاجئ مع حُمّى مُرتفعة وتسرع القلب والآم في الأطراف والظهر .
وللطاعون شكلان :
الأول الطاعون الدَّبلي: فترة الحضانة يوم حتى اسبوع ،وتحدث الوفاة خلال أيام قليلة ، ويمتاز بضخامة العقد اللمفية وخاصة المغبنية والفخذية ثم الإبطّية والرقبية،وتكون العقد المصابة مؤلمة ومتضخمة.
الثاني الطاعون الرئوي :وينجم عن إصابة الانسان بالعدوى من إنسان أخر مصاب، وهو كاسح يقضي على المريض خلال ثلاثة أيام ،ويمتاز بالحُمّى المرتفعة وتسرع القلب والتنفس، ويُصاب المريض بذات الرئة مع نفث الدم والصداع والآلام العضلية.
من الناحية التاريخية:
شبّه الأوربيون الطاعون البوبوني بالدخان القاتل المُنصّب من السماء أو البخار المُنبعث من الشُّهب الساقطة . أما نظرية العدوى القائلة أن سبب الطاعون هو الجراثيم فلم تعرفه اوروبا حتى عام 1893م حيث أثبت عالم ياباني اسمه شيبا سابورو كتياستو أن سبب الإصابة بالطاعون هي بكتريا تحملها براغيث الفئران(مجلة العربي العدد 380 تموز 1990)
إن لفظ كورنتينا هو لفظ ايطالي ويعني اربعين، وقد شاع استعماله بمعنى الحجر الصحي في اواخر القرن الرابع عشر للميلاد وذلك أيام انتشار مرض الطاعون البوبوني الفتّاك ، وتحديدهم مدة الحجر بأربعين يوماً استناداً إلى الإنجيل وقوله بأنَّ المُدّة التي ضمنت انحسار الطوفان لكفيلة أيضاً بانحسار مرض الطاعون أو الموت الأسود(نفس المرجع).
إن أول انتشار للطاعون كوباء كان عام 541 للميلاد حيث انتقل من البحر الأحمر الى بلدان حوض البحر الابيض المتوسط وقضى على نصف السكان تقريبا،وحتى عام 760 سُجّلت حوالي أربعة عشرة حالة وباء في اوروبا (اي مابين 541-760م). وقد قضى على الآلاف من السكان ،وعلى سبيل المثال كان عدد سكان منطقة الترير في المانيا 200 الف نسمة ولم يبق منهم إلا ألف فقط على قيد الحياة .واختفت كثير من العواصم الاوروبية بسبب هذه الأوبئة . وكان الطاعون هو الهاجس الاكبر الذي كان يسيطر على السكان في اوروبا في العصور الوسطى .
وفي عام 1347م ومع حدوث وباء شديد اجتاح اوروبا واصلاً إليها من آسيا والتيبت تم ولأول مرة ربط الوباء ولدغ البراغيث .
وفي عام 1345م قال علماء الفلك بأنَ الوباء له علاقة مع تاثير بعض الكواكب مثل زحل ومارس . وظهرت نظرية أخرى بأن حرق أطنان من الجثث البشرية والحيوانية وما يخلفه من دخان الجثث المتفسخة قد يساعد في نشر الوباء وهذا ماأدى إلى ارتداء الملابس الواقية وبحيث لايظهر من الانسان إلا عينيه (المجلة الطبية الالمانية تموز 1987)
وفي عام 1849م اكتشف العالم يرسين جُرثومة الطاعون ولذا تُسمى عُصّية يرسين
أكثر الأماكن في الإصابات حاليا بالطاعون في أسيا وخاصة دولة ميانمار وفيتنام وكذلك الصين ومنغوليا،وأما في افريقيا فيشاهد في زائير ومدغشقر ،وفي أمريكا الجنوبية في البرازيل والبيرو .
من الناحية الدينية :
جاء في الحديث الشريف :“ إذا سمعتم بالطاعون بأرضٍ فلا تدخلوها ،وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها „[أخرجه البخاري عن أسامة بن زيد رضي الله عنه]
يقول عباس محمود العقاد (عبقرية محمد ص69):
„هذا الإلهام النافذ السّديد في تدبير المصالح العامة ،وعلاج شئون الجماعات،هو الذي أوحى الى الرسول الأميّ صلى الله عليه وسلم قبل كشف الجراثيم ،وقبل تأسيس الحِجر الصحي بين الدول ،وقبل العصر الحديث بعشرات القرون أ ن يقضي في مسائل الصّحة واتقاء نشر الأوبئة بفصل الخطاب ،الذي لم يأت العلم بعده بمزيد فتلكم وصية من ينظر في تدبيره إلى العالم الإنساني بأسره لا الى سلامة مدنية واحدة ،أو سلامة فرد واحد .. إذ ليس أصون للعالم من حصر الوباء في مكانه، وليس من حقّ مدينة أن تنشد السلامة لنفسها أو لأحد من سكانها بتعريض المدن كلها لعدواها“ .
وجاء في الحديث الشريف عن كعب رضي الله عنه:“ يُوشكُ أن يُرفعَ عنكم الطاعون ويفيضَ فيكم شنآنُ الشتاء. قيل : ماشنآن الشتاء ؟ قال : برده(استعار الشنآن للبرد لأنه يفيضُ في الشتاء ، وقيل أراد بالبرد سهولة الأمر والراحة ، لأن العرب تكني بالبرد عن الراحة . والمعنى : يرفع عنكم الطاعون والشدّة ، ويكثر فيكم التباغض والراحة والدعة ) لسان العرب ج1 ص103
الاية الكريمة:{فأرسلنا عليهم الطوفان والجرادَ والقُمّلَ والضفادعَ والدمَ آياتٍ مفصلاتٍ فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين} [الأعراف133 ].
يقول ابن الجوزي في تفسيره: في الطوفان وردت عدة أقوال منها أنه الماء (المطر نزل عليهم ليلا نهارا) والثاني :انه الموت، والثالث : انه الطاعون قاله مجاهد.
جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
„إن المدينة مشتبكة بالملائكة على كل نقبٍ منها ملكان يحرسانها لا يدخلها الطاعون ولا الدّجال فمن أرادها بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء „[ رواه أحمد في مسنده عن سعد بن مالك وأبو هريرة رضي الله عنهما وقال المحدث أحمد شاكر:إسناده صحيح] . وجاء معنى الحديث ومعظم لفظه في صحيحي البخاري و مسلم في عن أبي هريرة رضي الله عنه „على أنقاب المدينة ملائكة ،لا يدخلها الطاعون، ولا الدجال“.
عن عبد الله بن رافع قال: لما أُصيب أبو عبيدة بن الجراح في طاعون عمواس استخلف على الناس معاذ بن جبل ،واشتدّ الوجع فقال الناس لمعاذ بن جبل ادعُ الله أن يرفع عنا هذا الرجز ،فقال : إنه ليس برجز ،ولكنه دعوة نبيكم ،وموت الصالحين قبلكم ،وشهادة يختصُّ الله بها من يشاء من عباده منكم . أيها الناس ، أربع خلالٍ من استطاع منكم أن لايدركه شئٌ منها فلا يدركه شئ منها ، قالوا : وما هنّ ؟ قال: يأتي زمن يظهر فيه الباطل ويصبح الرجل على دين ويمسي على أخر ،ويقول الرجل والله لا أدري علام أنا ؟ لا يعيش على بصيرة ولا يموت على بصيرة ،ويعطي الرجل من المال مال الله على أن يتكلم بكلام الزور الذي يسخط الله . اللهم آت آل معاذ نصيبهم الأوفى من هذه الرحمة . فطَعن ابناه (اصيبوا بالطاعون ) فقال : كيف تجدانكما ؟ قالا: يا أبانا {الحقُّ من ربك فلا تُكوننَّ من المُمترين}[البقرة 147] قال : وأنا ستجداني إن شاء الله من الصابرين . ثمَّ طعنت امرأتاه فهلكتا ،وطعن هو في إبهامه فجعل يمسها بِفيهِ ويقول :اللَّهُمَّ إنها صغيرة فبارك فيها ،فإنكَ تبارك في الصغيرة ، حتى هَلك .( وعمواس في الأردن من الشام ).
أصيب معاذ بن جبل بالطاعون، فلما حضرته الوفاة ،استقبل القبلة ،وجعل يردد: مرحباً بالموت مرحباً، زائرٌ جاء بعد غياب، وحبيبٌ وفَد على شوق. ثم جعل ينظر الى السماء ويقول: الَّلهُمَّ ،إنكَ كنُتَ تعلم أنّي لم أكن أحبُّ الدنيا وطول البقاء فيها لغرسِ الأشجارِ، وجري الأنهار، ولكن لظمأ الهواجر، ومُكابدةِ الساعات، ومُزاحمة العلماء بالرُّكَب عند حلقِ الذكر. اللهم فتقَّبل منّي بخيرِ ما تتقَّبل بهِ نفساً مؤمنة. ثم فاضت روحهُ الطاهرة ،بعيداً عن الأهل والعشيرة داعياً الى الله مهاجراً في سبيله ، ومات في فلسطين رضي الله عنه .وكان ذلك في سنة 18 هجري ، وكان عمره 33 أو 38 سنة .
ومن الصحابة الذين ماتوا بطاعون عَمواس عام 18 للهجرة (قرية تقع بين القدس ويافا) : أبو عبيدة بن الجراح، وبلال بن رباح ودفن بباب الصغير في دمشق ،والفضل بن العباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم .ومعاذ بن جبل وضرار بن الأزور وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان ودفنوا جميعاً في غور الأردن، ولا تزال قبورهم ماثلة للعيان.
جاء في فيض الخاطر لأحمد امين (ج10 ص91 ):
“ أُصيب أبو عبيدة بن الجراح بطاعون عمواس سنة ثماني عشرة من الهجرة ،وكان أبو عبيدة قائد الجند ،ومات من جُنده ِكثير ، فاستدعاه عمر بن الخطاب أن يذهب الى المدينة خوفاً عليه من الإصابة ،فابى أبو عبيدة وكتب إليه „إنّي في جند من المسلمين ،لن أرغب بنفسي عنهم ،فإذا أتاك كتابي هذا فحلِّلني من عزمتك ،وائذنْ لي في الجلوس، وبقي في الجند يتعذَّبُ عذابهم ويتحَّمل العناء حتى أصابهُ الطاعون فمات عظيماً كما عاش عظيماً“.
ومن الصحابة الذين ماتوا بالطاعون نذكر أيضاً :شراحبيل بن حَسنة حيث مات بطاعون عمواس رضي الله عنه ، ويزيد بن أبي سفيان مات ايضاً بطاعون عمواس عام 18 هجري .وسهيل بن عمرو بن عبد شمس القرشي العامري،وهو الذي تولى أمر الصلح بالحديبية نيابةً عن قريش .
ومن الذين ماتوا بالطاعون النحوي أبو الأسود الدؤلي الذي مات بطاعون الجارف عام 69 هجري .
ومن الذين ماتوا بالطاعون ابن الوردي في طاعون حلب عام 749 هجري وهو عالم وجغرافي وأديب وقاضي ونحوي صاحب مخطوط خريدة العجائب ،وهو من مواليد معرة النعمان في سوريا.
ومن الذين ماتوا بالطاعون أيضاً :تاج الدين السُبكي (727_771هجري)، وكان قاضي القضاة ، ومؤرخ وباحث . ولد في القاهرة وتوفي بدمشق بالطاعون ،ومن تصانيفه طبقات الشافعية الكبرى في ستة أجزاء .
ومن الذين ماتوا ايضا بالطاعون العالم محمد الزبيدي صاحب مؤلف تاج العروس في شرح القاموس وذلك في سنة 1205 هجري .
جاء في البيان والتبيين للجاحظ (ج2 ص162):“اسحق بن أيوب قال : هرب الوليد بن عبد الملك من الطاعون ،فقال له رجل: يا أمير المؤمنين ،إن الله يقول :{قل لن ينفعكم الفِرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لاتمتعون إلا قليلا}[الأحزاب 16]. قال : ذلك القليل نريد
وجاء في نفس المرجع :“هرب رجل من الطاعون إلى النجف ، أيام شريح القاضي ، فكتب إليه شريح :“ أما بعد فإن الفرار لن يبعد أجلاً، ولن يكثر رزقاً ،وإن المقام لن يقرب أجلاً ، ولن يقلل رزقاً ، وإن من بالنجف من ذي قدرة لقريب.
وجاء في وحي الرسالة لأحمد حسن الزيات (ج4 ص332):
„وقد ذكر صاحب التذكرة أن الطاعون فشا سنةً بدمشق ،فهمّ عبد الملك ابن مروان بالفرار منها .فدخل عليه بعض الفضلاء وقال: بلغني يا أمير المؤمنين أن ثعلباً صادق أسداً على أن يُجيره من السّباع ،فكان أبداً بين يديه . فظهر في يوم من الأيام عُقاب في الجو فخافه الثعلب ووثب على ظهر الأسد ، فانقض عليه العقاب واختطفه . فصاح الثعلب : يا أبا الحارث! العهد، العهد! فقال الأسد: إنما عاهدتك على أن أحفظك من أهل الأرض . أما أهل السماء فلا قبل لي بهم . فلما سمع عبد الملك هذا المثل قال: والله لقد وعظتني . ثم أبى أن يفارق المدينة .
وهناك مقال رائع في مجلة حضارة الإسلام للدكتور محمود ناظم نسيمي العدد تموز – آب عام 1971وبعنوان „توافق الأحاديث النبوية الشريفة والطب فيما يتعلق بالطاعون أنقله بنصه لقيمته الدينية والطّبية الرائعة :
توافق الأحاديث النبوية الشريفة والطب فيما يتعلق بداء الطاعون(د. محمود ناظم نسيمي-حضارة الإسلام –تموز-آب 1971م)
1- توافق الوصف الطبي
2- التوافق في إيجاب الحجر الصحي والتأكيد على أن المُتوفى بالطاعون شهيد إذا التزم واجبات الحجر
3- المعنى المجازي في قوله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون:وخز أعدائكم من الجن إشارة الى سببه.
4- الطاعون رجز لمن كان قبلنا وشهادة لنا.
التوافق في الوصف الطبي :
إن للطاعون ثلاثة أشكال سريرية تشاهد في وبائه هي كما يلي بإيجاز :
اولاً: الطاعون الدّبلي ويسمى ايضاً الدّملي والغدّي : يتصف بضخامة العقد اللمفية في المغابن(الناحية الإربية والإبط) او في الرقبة ويترافق مع التوعك والحمى.
ثانياً : الطاعون الإنتاني الدموي : يكون ثانوياً وتالياً للسابق أو مستقلاً بدون دّبل.
ثالثاً : الطاعون الرئوي: وهو شكل وخيم جداً لأنه يصيب الرئتين وينتهي بالوفاة خلال فترة قصيرة .
أما الوصف النبوي: فلقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم علامات الطاعون بشكل معجز، مع أنه صلى الله عليه وسلن نَبيٌّ أميّ ،لم يشهد وباء طاعون، ولم يتلق شيئاً من علوم زمانه طبية كانت أم غير طبية ،وصدق الله العظيم :{وما ينطق عن الهوى*إن هو إلا وحي يوحى}[النجم3 ـ 4].
من الأحاديث الشريفة النبوية في وصف مرض الطاعون:
- حديث عائشة رضي الله عنها قالت:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفنى أمتي إلا بالطَعن والطاعون. قلت يارسول الله هذا الطعن قد عرفناه،فما الطاعون؟قال: غُدّة كغدّةِ البعير،المقيم بها كالشهيد والفار منها كالفار من الزحف.“ [رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط . قال في مجمع الزوائد: ورجال أحمد ثقات ، وبقية الأسانيد حسان ]. وقد ساق صاحب فتح الباري احدى الروايات عن عائشة رضي الله عنها برواية أحمد وابن خزيمة وفيها : غدّة كغدّةِ الإبل ، وقال سنده جيد .
- وفي رواية عن عاشة رضي الله عنها عند البَزار قلت يارسول الله هذا الطعن قد عرفناه ،فما الطاعون ؟ قال: يُشبه الدّمل يخرج في الآباط والمراق ،وفيه تزكية أعمالهم ، وهو لكل مسلم شهادة .
- (المراق:ما سفل من البطن فما تحته من المواضع التي يرق جلودها ، واحدها مرق).
- هذا وقد وصف الطاعون من قبل عدد من الفقهاء والأطباء المسلمين نذكر منهم :وصف القاضي عياض(محدث وفقيه مالكي توفي سنة 544هجري)الطاعون بأنه قروح خارجة في الجسم، وقال الإمام النووي (المحدث والفقيه الشافعي توفي سنة 676هجري)ووصف الشكل الوخيم من الطاعون المترافق بتقيّح العُقَد وانبثاق بعضها فقال في تهذيبه:هو بثر وورم مؤلم جداً يخرج مع لهب ويسّود ما حواليه أو يحمّر حمرة شديدة بنفسجية كدرة ، ويحصل معه خفقان وقئ ويخرج غالباً في المراق والآباط .ويقول أبو علي ابن سينا في الطاعون :الطاعون مادة سمية تحدث ورماً يحدث في المواضع الرّخوة والمغابن من البدن وأغلب ما تكون تحت الإبط أو خلف الأذن .
التوافق في إيجاب الحجر الصحي :
يقصد بالحجر الصحي تحديد حرية الانتقال لكلِ حي ،حيوان أو إنسان ،تعرضَ للعدوى ، بمرض سار ،وحجره مدة من الزمن تعادل أطول حد لحضانة ذلك المرض. فإذا ثبت سلامته رفع عنه الحجر ،وإلا عزل لإصابته .وقد يكون الحجر برياً، أو بحرياً ،والغاية منه على كلِ حال دفع خطر العدوى ،بمنع دخول عوامل المرض الساري ،والحدّ من انتشارها على الأقل في البلاد المتعرضة لذلك بالوسائل التي لاتعرقل التجارة والسياحة .
ومن الأحاديث النبوية الواردة في الحجر مايلي:
-عن عبد الله بن عامر أن عمر رضي الله عنه خرج إلى الشام فلما كان بِسَرغ بلغه أن الوباء قد وقع بالشام ،فأخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه ،وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه .[ أخرجه البخاري] وفي رواية أخرى عن ابراهيم بن سعد قال : سمعت أسامة بن زيد يحدث سعداً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها . فقلت أنت سمعته يحدث سعداً ولا ينكره قال : نعم . [أخرجه البخاري]
(ابراهيم هو : ابراهيم بن سعد بن أبي وقاص).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام ، حتى إذا كان بِسَرْغٍ لقيه أمراء الأجناد-أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه- فأخبروه أنّ الوباء قد وقع بالشام .قال ابن عباس: فقال لي عمر: ادعُ لي المهاجرين الأولين،فدعوتهم،فاستشارهم، وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام،فاختلفوا، فقال بعضهم: خرجتَ لأمرٍ، ولا نرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم : معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ولا نرى أن تُقدِمهم على هذا الوباء.فقال : ارتفعوا عني،ثم قال : ادع لي الانصار،فدعوتهم ، فاستشارهم ،فسلكوا سبيل المهاجرين،واختلفوا كاختلافهم ، فقال: ارتفعوا عني .ثم قال: ادع لي من كان ههنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح،فدعوتهم،فلم يختلف عليه منهم رجلان، فقالوا:نرى أن ترجع بالناس ولا تُقدمهم على هذا الوباء . فنادى عمر رضي الله عنه في الناس:إني مُصبحٌ على ظهرٍ،فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: افراراً من قدر الله؟فقال عمر رضي الله عنه: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة!(وكان عمر يكره خِلافه)نعم نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبلٌ فهبطتْ وادياً له عُدوتان إحداهما خَصبةٌ والأخرى جَدبةٌ،أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله ،وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله ؟ قال :فجاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ، وكان مُتغيباً في بعض حاجته، فقال:إنّ عندي من هذا علماً،سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:“إذا سمعتم به بأرضٍ فلا تَقدموا عليه ،وإذا وقع بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه“ فحمد الله تعالى عمر رضي الله عنه وانصرف . [متفق عليه ].
إن هذين الحديثين الشريفين وأمثالهما وضع بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أساس الحجر الصحي في مكافحة الأوبئة بما يتلائم مع حقائق الطب وفن الصحة ومع المكانات العملية في زمانه وفي كل زمان ،وإذا استعرضنا نتائج أوبئة الطاعون وما ترتب عنها في بلاد المسلمين وفي بلاد أوروبا نجد كيف أثرت هذه التعاليم الصحية بشكل يدعو للإعجاز ، وهذه هي المقارنة:
قال أبو الحسن المدائني كما نقل النووي في شرح مسلم : كانت الطواعين العظام المشهورة في الإسلام خمسة :
اولاً: طاعون شيروية: بالمدائن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم سنة السادسة من الهجرة.
ثانياً:طاعون عمواس:بالشام في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومات فيه خمسة وعشرون ألفاً ، وكان سنة 18 من الهجرة.
ثالثاً: طاعون الجارف: حدث في زمن ابن الزبير في شوال سنة تسع وستين من الهجرة ، هلك في ثلاثة ايام ، كل يوم سبعون ألفاً. ومات فيه لأنس بن مالك رضي الله عنه ثلاثة وثمانون ابناً.وسُمي الجارف لأنه كان يجرف من يتعرض له ولا يهرب منه.
رابعاً: طاعون الفتيات: لأنه بدأ بالعذارى، في شوال سنة سبع وثمانين من الهجرة في البصرة وواسط والشام والكوفة .
خامساً :طاعون في رجب سنى 131 هجري واشتدّ في رمضان ، فكان يحصى في سكة المربد في كل يوم ألف جنازة على عدة أيام ثم خفَ في شوال .
هذا في بلاد المسلمين ،أما في اوروبا فكانت أول جائحات الطاعون الكبرى عام 542م وكان سببها السفن المحملة بالقمح المصري وقضت على ثلثي سكان مدينة بايزانز ، وأكبر الجائحات كانت في القرن الرابع عشر واستمرت حوالي خمسون سنة واستطاع الداء الأسود اي الطاعون مابين أعوام 1348وعام 1352 ان يقضي على مالايقل عن 25 مليون نسمة أي ربع سكان اوروبا في ذلك الحين . وحوالي 200 ألف قرية اصيبت بالانقراض وكثير من المدن خسرت اكثر من نصف سكانها .
التوافق في الأسباب:
ان سبب الطاعون ظل سراً دفيناً إلى أواخر القرن التاسع عشر حيث تمكن العالم السويسري يرسين عام 1894م من اكتشاف الجرثوم المسبب للطاعون في هونغ كونغ أثناء حدوث الجائحة التي بدأت في الهند الصينية والصين . والطاعون في الاصل مرض حيواني وخيم يصيب الجرذان والفأر الوحشية والأهلية، تنتقل الإصابات بينها بواسطة البراغيث. وعند اصابة الجرذ بالطاعون تتركه براغيثه بسبب مايكون فيه من حمى أو بسبب موته وتنتقل إلى غيره من الحيوانات السليمة ،فإن لم تجد حيوانها المعتاد أو صادفت إنساناً علقته ولقحته بدائها فتبدأ الجائحة البشرية عندئذ .
يقول الحديث الشريف عن الطاعون „وخز أعدائكم من الجِنّ „.
_قال رسول الله صلى الله عليه وسلم „الطاعون شهادة لأمتي ،ووخز أعدائكم من الجِنّ، من مات فيه مات شهيداً، ومن قام فيه كان كالمرابط في سبيل الله ، ومن فرَّ منه كان كالفارّ من الزحف „[ رواه الطبراني في الأوسط ، وأبو نعيم في فوائد أبي بكر بن خلاد عن عائشة رضي الله عنها . قال الهيثمي اسناده حسن] .
_قال رسول الله صلى الله عليه وسلم „ فناء أمتي بالطّعن والطاعون . قيل يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال وخز أعدائكم من الجن وفي كل شهادة .[أخرجه أحمد . قال في مجمع الزوائد : رواة أحمد باسانيد رجال بعضها رجال الصحيح ].
والجِنّ عند العرب تنصرف ايضاً في تعريفها إلى ذات المخلوقات غير المرئية ،ذات القدرة والاستطاعة اللتين تفوقا ما عند اللإنسان بنفسه ،فالعرف الشرعي واللغوي في كلمة الجِنّ واحد ،وإن المعنى الحقيقي للكلام هو الأصل ولا يحاد عنه إلى المعنى المجازي إلا لصارف عقلي أو شرعي أو واقعي ،وبما أن المعنى المجازي في قوله صلى الله عليه وسلم وخز أعدائكم من الجن محتمل ومقبول لغة فهو المتعين .
وهناك من تعقيب على رأي الدكتور الفاضل محمود ناظم نسيمي:
„إن المعنى المجازي كما يقول الدكتور نسيمى فهو الأرجح عنده وهو حاصل من وجود تشبيه بليغ حذفت من التشبيه الأدلة ووجه الشبه فالمعنى وخز اعدائكم أمثال الجن في الخفاءة عن الأنظار ،أي هناك مخلوقات تدّق عن أبصاركم عدوة لكم تسبب لمن تخزه وتؤذيه إلى الطاعون وهناك ملاحظة : لقد رد الحافظ ابن حجر العسقلاني رواية „وخز اخوانكم“،حيث قال في فتح الباري:“يقع في الألسنة وهو في النهاية لابن الأثير لفظ „وخز اخوانكم“ ولم أره بلفظ اخوانكم بعد التتبع الطويل البالغ في طرق الحديث المسندة ،لا في الكتب المشهورة ولا في الأجزاء المنثورة ،وقد عزاه بعضهم لمسند أحمد والطبراني أو كتاب الطواعين لابن أبي الدنيا ، ولا وجود لذلك في واحد منهم والله أعلم .
ويقول الدكتور حسن هويدي رحمه الله :
“ محتمل أن يكون الجِنّ المذكورون في نص الحديث غير شياطين الجن ،لأن الجن لغة من الاجتنان ،فكل ماخفي عن البصر „جن“ ولعل الحديث الشريف يشير إلى أن سبب الاصابة بالطاعون اجسام خفية تدّق عن الرؤية (ولا سبيل الى التفصيل فيها حينذاك) وإن هي إلا الجراثيم والعصيات المعروفة اليوم ،وإن وصف إيذائها بالوخز يستلفت النظر .
وهنا أحب أن أذكر أن الامام العالم الطبيب الفقيه ابن القيم في كتابه الطب النبوي يلمح إلى أسباب الطاعون فيقول:“والطواعين خراجات وقروح وأورام رديئة حادثة في المواضع المتقدم ذكرها (المراق، الإبط، العنق) وهي آثار الطاعون وليست نفسه ،ولكن الأطباء لما لم تدرك منه إلا الأثر الظاهر جعلوه نفس الطاعون .
ويتابع الكتور النسيمي :وطالما أن الحجر على البشر يؤدي فائدته – وهذا هو الواقع- في داء الطاعون ،وطالما أن الجن طليقون يستطيعون التنقل حيث شاؤوا ،فلماذا الحجر . وفي حديث توقف سيدنا عمر رضي الله عنه عن دخول الشام في طاعون عمواس ،قبل أن يبلغه حديث الحجر على أنه ومن معه من المسلمين لم يكونوا يعتقدون أن سبب الطاعون جن حقيقيون ،ولو كانوا يعتقدون ذلك لاختار من الصحابة خواصهم ليدخلوا معه الشام، ويتفقد أحوال المسلمين فيها يقيناً منهم بأن الجن والشياطين لا تستطيع إيصال الأذى إليهم وهم صفوة العباد {إنه ليس له سلطان على الذين أمنوا وعلى ربهم يتوكلون} [النحل 99 ]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في سيدنا عمر “ والذي نفسي بيده ،ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك. [متفق عليه].
الطاعون رجز من كان قبلنا:
مرض الطاعون يعتبر من الأوبئة القديمة التي عرفها الإنسان القديم . وأول وصف للطاعون معروف الى الآن هو الذي سجّله قدماء المصريين على أوراق البردي . وقد حدث طاعون مريع عام 542م واكتسح شمال افريقيا واوروبا وآسيا أي العالم القديم بأكمله واستمر ينتشر من بلد إلى أخر لمدة خمسين عاماً ،وقد أصيب بذلك الوباء مائة مليون شخص تقريباً (أي أكثر من نصف سكان العالم أنذاك) وهو بهذه الصورة المروعّة رجز وعذاب تصديق للحديث الشريف“إن هذا الطاعون رجز على من كان قبلكم أو على بني اسرائيل، فإذا كان بأرض فلا تخرجوا منها فراراً منه ، وإذا كان بأرض فلا تدخلوها „ [رواه الشيخان عن أسامة بن زيد] .
وهناك آيات كثيرة في القران تدل على ذلك منها :
{فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون}[البقرة 59]ُ قال سعيد بن جبير : هو الطاعون للحديث الشريف “ الطاعون رجز عذاب عُذبّ به من كان قبلكم „[ رواه النسائي وأصله في الصحيحين ].